كتاب طلاق السنة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
العبد وامرأته يكونان لرجل فيفقد العبد وهما نصرانيان أو مسلمان
من سماع عيسى من ابن القاسم
من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم، عن العبد وامرأته يكونان لرجل، فيفقد العبد، وهما نصرانيان أو مسلمان، إلا أن سيدهما مسلم، قال: يرفعه إلى الإمام، ويضرب له أجل المفقود، نصف أجل الحر المسلم، مسلمين كانا أو نصرانيين.
قلت: فإن ضرب له أجل المفقود، ثم عتقت الأمة، قال: إن اختارت نفسها رجعت إلى عدة المطلقة وتركت عدة المفقود.
قلت: فإن كانا نصرانيين، فأسلمت في أجل المفقود، قال: تترك عدة المفقود، وتعتد عدة المطلقة، فإن جاء زوجها في عدتها فأسلم، فهو أحق بها، وإن خرجت من عدتها وتزوجت، فلا سبيل له إليها وإن أسلم بعد ذلك، وإن كان قد أسلم في غيبته قبلها، ثم جاء فهو أحق بها، ما لم يدخل بها زوجها.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وإن خرجت من عدتها وتزوجت فلا سبيل له إليها، وإن أسلم بعد ذلك، يريد بعد إسلامها لا بعد انقضاء عدتها؛ لأنه إن أسلم بعد انقضاء عدتها، فلا سبيل له إليها، وإن
كانت لم تتزوج، وأما إن أسلم بعد انقضاء عدتها، فقيل: إنه لا سبيل له إليها إذا تزوجت، كما قال هاهنا.
وقيل: إنه أحق بها وإن تزوجت، ما لم يدخل بها الزوج.
اختلف في ذلك قول مالك، والذي اختار ابن القاسم وأشهب في المدونة من قولي مالك، أنها لا تفوت إلا بالدخول، خلاف قول ابن القاسم هاهنا.
وأما إذا أسلم في غيبته قبلها، فقال ابن الماجشون: إنه أحق بها وإن دخل بها الزوج، واختاره محمد، وهو الصواب، خلاف قول ابن القاسم هاهنا وفي المدونة، فلا اختلاف في الذي أسلم قبلها أنها لا تفوت بالعقد.
واختلف هل تفوت بالدخول؟ ولا اختلاف في الذي أسلم في عدتها أنها تفوت بالدخول.
واختلف هل تفوت بالعقد؟ فهذا تحصيل القول في هذا الوجه من المسألة، وسائرها صحيح، جار على أصولهم، لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: المطلقة تستحاض فيستمر بها الدم سبعة أشهر أو ثمانية ثم ينقطع ذلك عنها
مسألة وسئل عن المطلقة تستحاض، فيستمر بها الدم سبعة أشهر أو ثمانية، ثم ينقطع ذلك عنها، هل ترجع إلى الحيض؟ قال مالك: ترجع إلى الحيض.
قيل له: أفتعد تلك الاستحاضة حيضة، تبني عليها حيضتين؟ قال: إن استيقنت أن الذي كان بها أول من الدم حيضة، اعتدت بها، وإلا استقبلت ثلاث حيض.
وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قوله في التي تستحاض فيستمر بها الدم سبعة أشهر أو ثمانية، ثم ينقطع، إنها ترجع إلى الحيض صحيح، لا اختلاف وكذلك قوله: إن استيقنت أن الذي كان بها أول من الدم حيضة اعتدت بها صحيح أيضا، إلا أنه لم يبين بما تستيقن به ذلك.
وإذا طلقت المرأة وهي طاهر، فرأت الدم، وتمادى بها المدة الطويلة، فلا يخلو هذا الدم من أن تكون رأته قريبا من الدم الذي قبله، أو بعيدا منه، فإن كانت رأته قريبا من
الدم الذي قبله، وكانت قد أقامت في الدم الذي قبله خمسة عشر يوما، أو أيامها المعتادة والاستظهار، فهذا الدم الذي رأته وتمادى بها المدة الطويلة، دم استحاضة، لا تعتد به في أقرائها، وتستقبل ثلاث حيض، وإن كانت رأته قريبا من الدم الذي قبله، وقد كانت أقامت في الدم الذي قبله من أيامها المعتادة والاستظهار، فهذا الدم الذي رأته وتمادى بها، تضيف منه إلى الدم الذي قبله تمام أيامها المعتادة والاستظهار، أو تمام خمسة عشر يوما، على اختلاف قول مالك ثم تغتسل وتصلي، وتكون في حكم من طلقت في الحيض، يجبر الزوج على الرجعة؛ لأنها حيضة تقطعت، والأيام التي بينهما ملغاة، وقد قيل: إنه لا يجبر على الرجعة؛ لأنه إنما طلقها وهي طاهر، فلم يرتكب نهيا، وهو بعيد، لوجود العلة الموجبة لأن يجبر على الرجعة، وهي التطويل في العدة، وتستقبل أيضا هاهنا ثلاث حيض، وإن كانت رأته بعيدا من الدم الذي قبله، فهو محمول على أنه حيض تعتد به في عدتها، وتقيم فيه أيامها المعتادة والاستظهار، أو خمسة عشر يوما على اختلاف قول مالك في ذلك، ثم تغتسل وتصلي أبدا، ما لم ترد ما تنكره بعد مدة يكون طهرا، فتترك الصلاة وتعد ذلك حيضة تعتد بها في عدتها، وقد قيل: إنها تعتد سنة، ولا تنظر إلى اختلاف الدم عليها.
واختلف في المدة التي تكون طهرا فاصلا بين الحيضتين على أربعة أقوال: فقيل: خمسة أيام، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: ثمانية أيام، وهو قول سحنون، وقد قيل من المدونة بدليل، وقيل: عشرة أيام، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، ورواية التونسيين عن مالك، وقيل: خمسة عشر يوما، وهو قول محمد بن مسلمة، ورواية البغداديين عن مالك واختيارهم، والله أعلم.
يطلق امرأته طلقة ثم لا يشهد على رجعتها حتى تنقضي عدتها وهو يطأها
ومن كتاب استأذن سيده قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يطلق امرأته طلقة، ثم
لا يشهد على رجعتها حتى تنقضي عدتها، وهو في ذلك يطأها فقال: إن كان نوى بوطئه إياها الرجعة، وجهل أن يشهد، فإنه يقال له: أشهد وأمسك امرأتك كما كانت، وإن لم ينو بوطئه ارتجاعا، فعلم بذلك قبل أن تنقضي عدتها، قيل له: ارتجعها، ولا تمسها حتى تستبرئ نفسها من مائك الفاسد، الذي كان منك إليها بغير ارتجاع، وإن لم يتنبه لذلك حتى تنقضي عدتها، فقد بانت منه، فلا يحل له ولا لغيره نكاحها حتى تحيض ثلاث حيض.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الرجعة إنما تكون بالبينة مع القول، أو ما يقوم مقام القول، مما لا يصح فعله إلا بعد المراجعة من الوطء، والقبلة والمباشرة للذة وما أشبه ذلك.
قاله في كتاب ابن المواز: فإن انفردت النية دون القول أو ما يقوم مقامه، لم يكن ذلك رجعة.
قاله في كتاب ابن المواز ويدخل في ذلك عندي ما في الطلاق بالنية دون القول من الاختلاف، وأما إن انفرد القول دون النية، فلا يكون ذلك رجعة، وكذلك إن انفرد الوطء دون نية، لم يكن ذلك رجعة، وكان من فعل ذلك قد وطئ حراما فإن انتبه لذلك في العدة، كان له أن يراجع بالقول؛ إذ لا يصح له الوطء إلا بعد الاستبراء من ذلك الماء الفاسد، وإن لم ينتبه لذلك حتى انقضت العدة، فقال: إنه لا يحل له ولا لغيره نكاحها حتى تحيض ثلاث حيض، يريد أنه يستوي هو وغيره في المنع من النكاح ابتداء، ويفترقان في التحريم، إن نكح ودخل، فأما غيره فلا تحل له أبدا.
وأما هو فقيل: إنها تحرم عليه، وقيل: إنها لا تحرم؛ لأن النسب ثابت منه.
من علل التحريم، بتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله خاصة، قال: إنها تحرم عليه، ومن علله بتعجيل النكاح قبل بلوغ أجل مع اختلاط الأنساب، قال: إنها لا تحرم عليه؛ إذ ليس في ذلك اختلاط نسب.
والليث بن سعد يرى الوطء رجعة، وإن لم ينو به الرجعة، يريد، والله أعلم، في الحكم الظاهر، فإذا وطئ وقال: إنه لم يرد بوطئه الرجعة، لم يصدقه، وألزمه الرجعة، كما لا يصدق في
القول إذ قال: إنه لم يرد به الرجعة عند الجميع، وبالله التوفيق.
مسألة: يموت عنها زوجها أو يطلقها فترتفع عنها حيضتها أو تستحاض كم تقيم
مسألة وسألته عن التي يموت عنها زوجها أو يطلقها فترتفع عنها حيضتها، أو تستحاض، كم تقيم؟ وهل الأمة ذات الزوج والحرة في ذلك سواء في الأزواج؟ قال مالك: أما إذا طلقهما أزواجهما، فالمستحاضة والتي ترتفع عنها حيضتها سواء، وهو قول مالك، وليس عند الناس في ذلك اختلاف، أنهن يقمن اثني عشر شهرا، تسعة منها استبراء، وثلاثة عدة، إلا أن ترى حيضة، فتستقبل أقصى اثنا عشر شهرا، من حين تطهر من هذه الحيضة، فلا تزال كذلك أبدا حتى تحيض ثلاث حيض، أو تستكمل اثنا عشر شهرا، فلا ترى الدم فيها فتحل، وأما المتوفى عنها زوجها، فإن الحرة تعتد أربعة أشهر وعشرا، والأمة تعتد شهرين وخمس ليالي، ثم يقال لهما: ارتفاع الحيضة والاستحاضة ريبة، فانتظرا حتى يمر بكما تسعة أشهر أقصى الريبة، إلا أن يكون لهما عذر، مثل أن يكونا يرضعان، فترتفع عنهما الحيضة من أجل ذلك، أو يكونا لا يحيضان في السنة إلا مرة، أو في ستة أشهر مرة، أو غير ذلك من العذر فيتزوجان إن لم يكن لهما من الريبة شيء حين يفرغان من عدتهما، فإن لم يكن لهما من العذر شيء، فإن الاستحاضة وارتفاع الحيض من الريبة، ولا ينكحان حتى تمر بهما تسعة أشهر، من حين يهلك عنهما زوجاهما، إلا أن يرتابا بعد ذلك، فيقيمان حتى يخرجا من الريبة.
والاستبراء من الريبة في الوفاة بعد العدة، وفى الطلاق قبل العدة، يقال للحرة في
الوفاة: اعتدي أربعة أشهر وعشرا، وللأمة شهرين وخمس ليال، ثم استبريا أنفسكما بتمام تسعة أشهر، من حين يهلك زوجاكما، وفي الطلاق يقال للحرة وللأمة، انتظرا تسعة أشهر، من حلا! ن طلقكما زوجاكما، لعلكما تحيضان، والحرة والأمة في ذلك سواء، إلا أن الأمة تحل بحيضتين، والحرة بثلاثة، فإن مر بواحدة منهما تسعة أشهر ولم تحض، قيل لها: أنت ممن يئسن من المحيض، فاعتدي الآن ثلاثة أشهر، عدة التي قد يئست من المحيض، الحرة والأمة في الاستحاضة، وارتفاع الحيضة في الطلاق سواء.
قال ابن القاسم: ولو أن الحرة أو الأمة المتوفى عنها زوجها حاضت حيضة واحدة في العدة، أو بعد العدة كفتها وحلت بها.
قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية بين المستحاضة والتي ترتفع حيضتها في الوفاة والطلاق، فقال: إنها تمكث في الطلاق تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر، ثم تحل، وأما في الوفاة فلا تحل حتى تبلغ تسعة أشهر، وما قاله في الطلاق متفق عليه، إذا كانت المستحاضة لا تميز بين دم الحيضة من دم الاستحاضة.
وأما إذا كانت تميز ما بين الدمين، فقد قيل: إنها تعتد بالأقراء، وتعمل على ما تميز، وقيل: إنها تعتد بسنة.
قاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة إن عدة المستحاضة سنة، وأما في الوفاة فقد روي عن مالك أن المستحاضة تعتد فيها بأربعة أشهر وعشر، وتحل، بخلاف التي ترتفع حيضتها.
وابن الماجشون يقول: إنه ليس على المستحاضة والمرتابة، أن يعتدا في الوفاة إلا بأربعة أشهر وعشر إذا لم يكن لهما من الريبة أكثر من ارتفاع الحيض والاستحاضة، فهي ثلاثة أقوال: وأما إذا لم يمر بالمتوفى عنها زوجها في الأربعة أشهر وعشر وقت حيضتها، أو كانت ترضع، فارتفع الحيض من أجل الرضاع، فإنها تحل بأربعة أشهر وعشر، إلا على رواية ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب.
واختلف في ارتفاع الحيض بالمرض، فقال أشهب: إن ذلك بمنزلة ارتفاعه بالرضاع، تحل المتوفى عنها
زوجها بأربعة أشهر وعشر، وتعتد المطلقة بالأقراء، وإن تباعدت، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية: أو غير ذلك من العذر؛ إذ ليس ثم سوى ما ذكر، إلا المرض، وقد روى ابن القاسم عن مالك وقال به: إن ارتفاع الحيض مع المرض ريبة كالصحيحة سواء، فتتربص المتوفى عنها إلى تمام تسعة أشهر، وتعتد المطلقة سنة؛ تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، والأمة والحرة في ذلك كله سواء، إلا أن الأمة تحل بحيضتين إذا اعتدت بالأقراء، وتحل في الوفاة بشهرين وخمس ليال، حيث ما تحل الحرة بأربعة أشهر وعشر، إلا أن تكون ممن لا يومن الحمل منها، فتتربص إلى تمام ثلاثة أشهر؛ إذ لا يتبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر.
أقر عند قوم أنه بارا امرأته ثم زعم بعد ذلك أنه كان مازحا ولم يبار
ومن كتاب بع ولا نقصان عليك وسئل عن رجل أقر عند قوم أنه بارا امرأته، ثم زعم بعد ذلك أنه كان مازحا ولم يبار، وأنكرت هي أن تكون بارته، قال: إذا شهد عليه بإقراره، بانت منه بواحدة، ولا رجعة له عليها إلا بنكاح جديد، وإن مات في عدتها ورثته ولم يرثها.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة في الميراث لا يصح بوجه؛ لأنه قال فيها: إذا شهد عليه بإقراره بانت منه بواحدة، ولا رجعة له عليها.
فقوله: ولا رجعة له عليها، يدل على أن الشهادة كانت عليه في حياته، فإذا حكم عليه في حياته بأنها بائنة منه وجب ألا يكون بينهما ميراث، ولو كانت الشهادة عليه بعد موته، لوجب على ما قلناه، في معنى مسألة رسم طلق من سماع ابن القاسم، أن ترثه ولا يرثها مات في العدة أو بعدها؛ لأنه طلاق بائن، فلا وجه لقوله: وإن مات في عدتها على حال، والله أعلم.
المرأة تكون في عدتها وهي ساكنة في دار مع أبيها
ومن كتاب لم يدرك من صلاة الإمام وسئل عن المرأة تكون في عدتها وهي ساكنة في دار مع أبيها،
وأبوها مريض، هل ترى أن تبيت عند أبيها؟ قال: لا تبيت إلا في بيتها، قيل له: فتمكث عنده إلى نصف الليل، قال: لا تمكث عنده إلى نصف الليل وتخف المقام عنده بالليل، ولا بأس أن تخرج إليه عند طلوع الفجر أو قبله بيسير.
قال محمد بن رشد: هذا معنى ما في المدونة سواء، وهو صحيح؛ لأن المعتدة ممنوعة من المبيت في غير بيتها، فلا يجوز لها أن تمكث من الليل في غير بيتها ما يسمى مبيتا، وهو أكثر من نصف الليل، ومن الدليل على ذلك، أن من لقي قبل نصف الليل، صح أن يسأل: أين تبيت؟ ولم يصح أن يسأل: أين بات؟ ومن لقي نصف الليل صح أن يسأل أين بات؟ ولم يصح أن يسأل أين تبيت؟ ومن أقام نصف الليل، سواء في موضع، ونصفه في موضع آخر، لم يصح أن يقال: إنه بات في أحد الموضعين دون الآخر، فلذلك منع مالك المرأة أن تمكث عند أبيها إلى نصف الليل، وبالله التوفيق.
قال لامرأته أنت طالق وأنت طالق ألبتة إن راجعتك
ومن كتاب سلف دينارا في ثوب قال ابن القاسم: في رجل قال لامرأته: أنت طالق، وأنت طالق ألبتة، إن راجعتك، فأراد أن يراجعها بنكاح جديد بعدما خرجت من عدتها، وقال: إنما أردت ما دامت في عدتها، ألا أرتجعها في تلك الطلقة، قال: إن كانت عليه بينة لم أدينه، وإن لم تكن عليه بينة دينته ذلك، وإن لم تكن له نية، رأيت أن أرتجعها بنكاح جديد، أن تطلق ألبتة وهو بين.
قال محمد بن رشد: أما إذا أتى مستفتيا وحده غير مخاصم، فلا اختلاف في أنه ينوّى بغير يمين، ويباح له مراجعتها، وأما إذا أراد أن يتزوجها فمنع من ذلك، وروفع، ولا بينة عليه، إلا أنه أقر باليمين أو على يمينه بينة،
فلا تقبل منه البينة، ولا يمكن من مراجعتها؛ لأن نيته التي يدعي، مخالفة لحقيقة لفظه؛ إذ إنما حلف ألا يراجعها، ولو كان إنما حلف ألا يرتجعها على ما وقع في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، لنوي مع قيام البينة؛ لأن حقيقة لفظ الارتجاع، إنما هو في العدة، وحقيقة لفظ المراجعة، إنما هو بعد العدة؛ لأن المراجعة مفاعلة من اثنين، وكذلك لو قيم عليه بعد أن راجعها وأتى مستفتيا.
الحكم في ذلك سواء.
وكذلك لو ارتجعها في العدة، وكانت يمينه ألا يرتجعها، وقال: إنما أردت ألا أراجعها بعد العدة إذا أتى مستفتيا نوي، وإن قيم عليه وعلى يمينه بينة أو كان مقرا باليمين، فرق بينهما ولم ينوَّ، وإن كان إنما حلف ألا يراجعها ولم يحلف ألا يرتجعها لنوي مع يمينه، على ما في رسم العرية من سماع عيسى، من الأيمان بالطلاق، خلاف ما في سماع أصبغ عن ابن القاسم منه، وبالله التوفيق.
خالع امرأته على إن أعطته ثمرا لم يبد صلاحه أو جنينا في بطن أمه أو عبدا آبقا
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: سئل ابن القاسم عن رجل خالع امرأته على إن أعطته ثمرا لم يبد صلاحه، أو جنينا في بطن أمه، أو عبدا آبقا، أو بعيرا شاردا قال: يمضي الطلاق عليه، ويكون له عليها خلع مثلها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم حلف من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
مسألة: نعي الرجل لامرأته فتزوجت وولدت أولادا ثم قدم زوجها
مسألة قال: وقال مالك: إذا نعي الرجل لامرأته، فتزوجت وولدت أولادا، ثم قدم زوجها ردت إليه، وتستبرأ بثلاث حيض إن كانت من أهل الحيض، وإن لم تكن من أهل الحيض، فثلاثة أشهر، وهي توارث زوجها القادم الأول، ترثه ويرثها.
قيل: فإن ماتت قبل أن
يقدم زوجها، ثم قدم، هل ترى بينهما ميراثا؟ قال: يرثها الأول إذا قدم، وليس بينها وبين هذا الآخر ميراث، وإن كانت ماتت وهي تحته قبل أن يقدم الأول، فميراثها للأول، وميراثه لو مات في غيبته بعد تزويجها لها منه.
قال عيسى: وإن كان الآخر مات قبل قدوم الأول، فأخذت ميراثها منه، وصداقها، ثم قدم الأول، فإنها ترد الميراث، ولا ترد الصداق؛ لأنها استوجبته بالوطء، ولو مات قبل أن يمسها، ردت الصداق والميراث.
وسئل عن رجل سافر فنعي لامرأته فتزوجت وولدت أولادا، ثم قدم زوجها فوجدها حبلى، ففرق السلطان بينها وبين زوجها الذي كان تزوجها، ثم توفي زوجها القادم بعد قدومه بعشرة أيام، قال: هي ترثه، وتعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا انقضت الأربعة أشهر والعشرة أيام، قبل أن تضع حملها انتظرت حتى تضع حملها ثم تزوجت إن شاءت، وإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر انتظرت حتى تتم أربعة أشهر وعشر بعد زوجها القادم ثم تزوجت إن شاءت.
قال محمد بن رشد: هاتان مسألتان صحيحتان بينتا المعنى على ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف في أن المنعي لزوجته، أحق بزوجته متى ما قدم، وإن تزوجت ودخل بها الزوج، فإنها ترد إليه بعد الاستبراء بثلاث حيض، أو بعد أن تضع حملها إن كان بها حمل، فإن مات زوجها المنعي وهي حامل من الزوج الثاني، اعتدت أقصى الأجلين، وكذلك إن مات وهي في استبرائها من الزوج الثاني، تعتد من يوم مات أربعة أشهر وعشرا، فإن حاضت فيهن بقية الثلاث حيض حلت، وإن لم تستكملها فيه لم تحل للأزواج حتى تستكملها وإن طلقها زوجها الأول وهي حامل من الزوج الثاني، فلا بد لها من ثلاث حيض مستقبلة بعد الوضع، بمنزلة من منعها من الحيض رضاع أو مرض، فإن طلقها الزوج وهي في استبرائها من الزوج الثاني كفتها ثلاث حيض من يوم
الطلاق، على مذهب مالك، ويأتي على ما روي عن عمر بن الخطاب، أن تستكمل استبراءها من الزوج الثاني، ثم تستأنف العدة من زوجها الأول، وسواء في هذا كله نعي إليها ببينة عدول أو غير عدول، كانوا شهدوا عليهم أو شهدوا بالزور، وإنما يفترق ذلك فيما بيع من ماله، ففي بينة الزور، يأخذ عروضه حيث وجدها أو ثمنها إن شاء، ويأخذ أمته وقيمة ولدها من مال المبتاع.
وقيل: بل يأخذ قيمتها يوم الحكم، وقيمة ولدها، وقيل: بل ليس له إلا قيمتها يوم حملت خاصة، وفي التشبيه على الشهود يأخذ الثمن الذي بيعت به العروض، وليس له أن يأخذ العروض إلا بعد أن يدفع إلى المبتاع الثمن الذي ودى فيها، ويرجع به على البائع، وبالله التوفيق.
مسألة: الأمة تعتق وهي تحت عبد فتطلق نفسها واحدة ثم يتوفى عنها زوجها
مسألة وسئل عن الأمة تعتق وهي تحت عبد، فتطلق نفسها واحدة، ثم يتوفى عنها زوجها وهي في عدتها.
قال: ترجع إلى عدة الوفاة فتعتد أربعة أشهر وعشرا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها ترجع إلى عدة الوفاة.
خلاف ما في المدونة، من أن المطلقة لا ترجع إذا توفي زوجها إلى عدة الوفاة إلا في الطلاق الرجعي.
وقد نص في المدونة على أنها إن طلقت نفسها واحدة، فهي واحدة بائن، فلا سبيل للزوج إليها، وإن أعتق في عدتها على مذهبه فيها، وقاله يحيى بن سعيد فيها.
وقد روى ابن نافع عن مالك، أن للعبد الرجعة إن أعتق في العدة.
وقال ابن نافع: لا رجعة له وإن أعتق.
وقال الأوزاعي: إن أعتق زوجها في عدتها، فإن بعض شيوخنا يقول: هو أملك بها، وبعضهم يقول هي بائنة.
قال أبو عمر بن عبد البر: ولا معنى لقول من قال إنها طلقة رجعية؛ لأن زوجها لو ملك رجعتها، لم يكن لاختيارها نفسها معنى، وأي شيء كان يفيدها اختيارها إذا ملك زوجها رجعتها؟ وقول ابن عبد البر وهم لا معنى له؛ لأنه لم يقل أحد إنه أملك بها، وإن لم يعتق، فيكون اختيارها لا معنى له كما قال، وإنما قال: إنه أملك بها إذا عتق، ولقائل ذلك وجه صحيح
من النظر، وهو أنه إنما خيرت في نفسها من أجل رق زوجها، فإذا ارتفع الرق كانت له الرجعة؛ لأن الحكم متى وجب لعلة، وجب أن يرتفع بارتفاع العلة، وذلك في القياس، مثل الذي يطلق عليه بعدم الإنفاق إذا أيسر في العدة وجبت له الرجعة.
مسألة: حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها
مسألة وسئل عن رجل حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، وعتق ما يملك إلى أجل، فحنث، وهو يخاف على نفسه العنت، قال: أما الرقيق فلا يشتري منهم شيئا، وأما النكاح فإن خاف العنت على نفسه تزوج، ولا أحب له أن يتسرر.
قال محمد بن رشد: رأى النكاح إذا خشي على نفسه العنت أخف من التسري، وإن كان يلزمه طلاق ما ينكح إلى الأجل، كما يلزمه عتق ما يملك إليه من أجل أنه إذا تسرى يملك ما يتسرى، فيستخدم ويبيع، فيكون قد استباح شيئا زائدا على ما يومنه من العنت والزوجة لا يملكها ولا يستخدمها، ولا له منها أكثر مما اضطر إليه من الاعتصام بها عن الزنا، وبالله التوفيق.
مسألة: جاء زوجها المفقود بعد أن تزوجت
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وقال مالك: إذا فقد الرجل وله امرأة لم يدخل بها، فرفعت أمرها، فضرب لها أجل أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا، فانقضى ذلك الأجل، كانت أملك بنفسها، تتزوج من شاءت، وأعطيت الصداق كاملا من ماله، فإن تزوجت، فجاء زوجها المفقود بعد أن تزوجت، لم ترد له نصف الصداق الذي أخذت؛ لأنها قد انتظرته، وضيق عليها، واعتدت منه، ومنعها النكاح، فلا أرى ترد عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله: فضرب له أجل أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا، معناه: فضرب له أجل أربع سنين، واعتدت امرأته أربعة أشهر وعشرا؛
لأن الإمام إنما يضرب له أربع سنين بعد البحث عنه، وأما الأربعة أشهر وعشرا، فإنما هي عدة لا يضربها لها الإمام، ولا تستأذنه فيها، وإن أرادت أن تترك العدة وترضى بالمقام على العصمة، فذلك لها ما لم تأخذ في العدة، فإذا انقضت العدة بانت من زوجها في الحكم الظاهر، ما لم ينكشف خطأ ذلك الحكم بمجيئه أو علم حياته.
ألا ترى أنها إن ماتت بعد العدة لا يوقف له ميراثه منها؟ وإن كان لو أتى في هذه الحال، كان أحق بها، وإن بلغ من السنين ما لا يجيء لمثله وهي حية، لم تورث منه، وإن كانت لم تتزوج، وقال ابن حبيب: إنها تورث منه إن كانت لم تتزوج، وهو بعيد.
واختلف هل لها نفقة في هذه الأربع سنين؟ فقال المغيرة: إنه لا نفقة لها إلا أن تكون قد فرض لها قبل ذلك نفقة، فيكون سبيلها في النفقة سبيل المدخول بها، والصواب أن لها النفقة؛ لأنه كالغائب، ولم يختلفوا أن من غاب عن امرأته قبل الدخول غيبة بعيدة أنه يحكم لها بالنفقة في ماله، وإنما اختلفوا في الغيبة القريبة على ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم.
واختلف فيما يحكم لها به من الصداق على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحكم لها بشيء منه حتى يأتي وقت لو قدم لم يكن له إليها سبيل، وهو أن تتزوج ويدخل بها الزوج على اختلاف قول مالك في ذلك، فيقضى لها حينئذ بنصف صداقها، فإذا بلغ من السنين ما لا يجيء لمثله، قضي لها بقيمته، وكذلك يقضى لها بجميع الصداق، إن انكشف أنه مات قبل أن تتزوج، وإن انكشف أنه مات بعد أن تزوجت أو بعد أن تزوجت ودخل بها زوجها، لم يكن لها إلا نصف الصداق.
وجه هذا القول، أنه يحكم لها بحكم الحي، لاحتمال أن يكون حيا ما دام أمره مجهولا، فإن بلغ من السنن ما لا يجيء إلى مثله، ولم يعلم له خبر، حمل أمره على أنه مات عند انقضاء الأجل المضروب لامرأته.
هذا قول ابن الماجشون.
وقال ابن وهب: إذا بلغ من السنين ما لا يجيء إلى مثلها، وقد كانت تزوجت، لم يكن لها إلا نصف الصداق.
ووجه ذلك أنه حكم لها بحكم بوقت الحياة إلى الوقت الذي حكم بتمويته.
والقول الثاني: أنه يقضى لها بنصفه، فإن بلغ من السنين ما لا يجيء إلى مثلها وقد تزوجت أو لم
تتزوج، أو ثبتت وفاته ما بينه وبين أن تبين منه بالدخول أو التزويج، على الاختلاف المعلوم، قضي لها ببقيته، حكى هذا القول ابن الجلاب في كتاب التفريع.
وحكاه ابن سحنون أيضا.
ووجهه أنه لما احتمل حين أبيحت للأزواج أن يكون ميتا، فيجب لها جميع الصداق، وأن يكون حيا، فلا يجب لها إلا نصف الصداق، على حكم المطلقة قبل الدخول، لم يقض لها إلا بما لا شك فيه وهو النصف، حتى يمضي له من الزمان ما لا يجيء إلى مثله، أو يثبت أنه مات قبل أن تتزوج، فيقضى لها ببقيته في الوجهين؛ لأنه إذا بلغ من السنين ما لا يجيء إلى مثله، حكم له أنه كان ميتا عند انقضاء الأجل.
وقال ابن وهب: إذا بلغ من السنين ما لا يجيء إلى مثلها بموت لم يكن لها إلا نصف الصداق على أصله، في أنه يحكم له بحكم الحياة، إلى الوقت الذي حكم بتمويته.
والقول الثالث: أنه يقضى لها بجميعه.
وهو قول مالك في هذه الرواية.
ووجهه أنه لما أنزل أمره على أنه قد مات في أن تعتد امرأته عدة الوفاة وتتزوج، أنزل أمره أيضا على ذلك في وجوب جميع الصداق لها.
واختلف على هذا القول إن قدم بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج، أو علم أنه مات بعد ذلك، فقال هاهنا: إنها لا ترد من الصداق شيئا؛ لأنها قد انتظرته وضيق عليها.
وقال في سماع سحنون: إنها ترد نصفه، وهو القياس؛ لأن الغيب قد كشف خطأ الحكم الأول، فوجب أن يرجع إلى الصواب، ولا اختلاف بينهم في أن الحاكم إذا تبين له أنه قد خطأ خطأ لا اختلاف فيه، يرجع إلى ما بان له من الصواب، وأما إن لم يقدم، ولا علمت حياته ولا موته حتى بلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها، فلا ترد من الصداق شيئا، كانت قد تزوجت أو لم تتزوج.
ويأتي على قول ابن وهب المتقدم أنه إذا بلغ من السنين، ما لا يحيا إلى مثلها، وقد كانت تزوجت، أن ترد نصف الصداق، وهذا إذا كان الصداق حالا، وأما إن كان مؤجلا فاختلف في ذلك، كالاختلاف في قضاء ما لم يحل من ديونه، فقال أصبغ في الواضحة: تعطى الصداق عاجله وآجله، ويقضى من ماله ديونه التي عليه، حل أجلها أو لم يحل، ويوقف بقيته، وينفق منه على ما تلزمه نفقته، غير امرأته، وفي غير
الواضحة، لا تؤدى ديونه حتى تحل، واختلف في حد التعمير، من السبعين عاما إلى مائة وعشرين عاما، فإن فقد وهو ابن سبعين، على مذهب من يرى السبعين، أو ابن الثمانين والتسعين على مذهب من يرى ذلك، أو ما دونه، تلوم له عشرة أعوام، وإن فقد وهو ابن مائة على مذهب من يرى المائة، أو ما دونها، تلوم له العام والعامين وقيل: العشرة أعوام.
وإن فقد وهو ابن مائة وعشرين، تلوم له العام ونحوه، وبالله التوفيق.
مسألة: فقد الرجل فلم يدر موضعه
مسألة قال: وقال مالك المفقود على ثلاثة أوجه: فأولها: إذا فقد الرجل فلم يدر موضعه، فإن ذلك يضرب لامرأته أجل أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا، ويكتب إلى عمال الكور، وإنما يستبحث عن خبره قبل الأربع سنين، ويضرب لها بعد الاستبحاث والسؤال عنه، قال: فإذا استبحث وكتب فيه فلم يقع له خبر، ضرب له بعد ذلك أجل أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا.
فإذا مضى لامرأته أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا أعطيت صداقها إن كان لها قبله، وتزوجت، ووقف ماله حتى يأتي من الزمان ما يعلم أنه ليس يحيا، وكذلك قال مالك في المفقود في صف المسلمين في قتال العدو، فذلك الذي لا تتزوج امرأته حتى يعلم أنه قد مات ويوقف ماله وامرأته أبدا حتى يعلم أنه قد مات، أو يأتي عليه من السنين ما يعلم أنه قد مات، والمفقود الذي يفقد في فتن المسلمين التي تكون بينهم، لا يضرب لامرأته أجل، وإنما يتلوم له أمر يسير، قدر ما ينصرف من هرب أو انهزام، ثم تعتد بعد التلوم على اجتهاد الإمام، ثم تتزوج ويقسم ماله.
قال ابن القاسم: وأرى لمن فقد في فتن المسلمين إذا كانت المعركة على بعد من بلاده، مثل إفريقية أو نحوها، أن يضرب
لامرأته أجل سنة، وتتزوج امرأته، ويقسم ماله.
وسئل سحنون عن معركة تكون بين المسلمين في أفنيتهم فيقع القتل بينهم، فما تقول فيمن قتل في المعركة، ولا يعرف مثله إلا بمن حضرهم وليس من أهل العدل، ما يفعل في امرأته، وفي ماله؟ فقال: إذا قامت البينة العدلة أنه شهد المعركة، فإن امرأته تعتد في ذلك اليوم الذي كان فيه المعترك، ويقسم ماله، وهو عندي بمنزلة الميت، وإذا كانوا إنما رأوه خارجا مع العسكر، ولم يروه في المعترك في القتال، إلا أنهم نظروا إليه خارجا في جملة الناس، فإن سبيله سبيل المفقود، يضرب لامرأته أجل أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا، ثم تتزوج، ويوقف ماله إلى الأمد الذي يعيش مثله إليه.
قال محمد بن رشد: وجه تفرقة مالك بين المفقود في قتال العدو، والمفقود في قتال المسلمين، هو أن يخشى إذا فقد في قتال العدو، أن يكون قد أسر ولم يقتل، فحمل أمره على أنه مأسور، حتى يعلم أنه مقتول، ولم يفرق بين أن يكون قتال العدو في بلاد الحرب.
أو في بلاد المسلمين، إذا كان يحتمل أن يخفى أسره إن أسر كالمفقود في بلاد الحرب.
وأما المفقود في حروب المسلمين، فالأغلب على أمره إذا فقد فيها أنه مفقود، فحمله على ذلك إذا تلوم له واستجس له، فلم يوقع له خبر، فرأى أن يكون التلوم إذا كانت المعركة بعيدة في بلاده سنة، وظاهر قوله أنها تتزوج بعد السنة، فتكون العدة داخلة في السنة، خلاف قوله: إذا تلوم له أنها تعتد بعد التلوم.
والصواب أن تكون العدة داخلة في السنة وفي التلوم.
فإن كان التلوم أقل من أربعة أشهر وعشرا، اعتدت بقية الأربعة أشهر وعشرا؛ لأنه إذا تلوم له فلم يسمع له خبر، حمل أمره على أنه إنما قتل في المعركة، لا أنه مات بعد ذلك، بخلاف المفقود الذي تكون العدة فيه بعد انقضاء الأجل؛ إذ لا يعلم له وقت، يغلب على الظن أنه مات فيه، كالذي فقد في المعركة، وإنما هو إذا شهدت البينة أنه كان في المعترك.
وأما إذا رئي خارجا في جملة العسكر، ولم ير في المعترك،
فحكمه حكم المفقود على ما قال سحنون، فليس قوله بخلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك، إلا في التلوم، إذا ثبت أنه كان في المعركة، فإنه لا يراه، وما مضى في أول سماع أشهب، خلاف لهذه الرواية في الذي يفقد في قتال العدو، وفي قتال المسلمين؛ لأنه ساوى بينهما فجعلهما في حكم المفقود، إلا في مبلغ الأجل.
وقد مضى القول في ذلك هناك، والحمد لله.
مسألة: تحته نصرانية فولد له منها أولاد ثم طلقها أو مات عنها
مسألة وسئل عن رجل كانت تحته نصرانية، فولد له منها أولاد، ثم طلقها أو مات عنها، هل له أن يأخذ أولاده منها أو يأخذهم أهله إن مات؟ قال: ليس ذلك له ولا لهم، وأمهم أحق بهم ما لم تتزوج.
قلت: فإن تزوجت ولها أخت مسلمة أو نصرانية، فأرادت أن تأخذهم أتكون أحق بهم من أبيهم؟ فقال: إذا تزوجت أمهم أو ماتت، فالأب أولى ببنيه من خالتهم، قال: قلت لسحنون: أرأيت إن تزوجت هذه النصرانية، هل تكون جدتهم أو خالتهم من النصارى أحق بالصبيان من الأب والأولياء؟ قال: نعم، تكون أولى بمنزلة اللوكن مسلمات.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن القاسم هذا إن الأب أحق بالحضانة من الخالة، وإن كانت مسلمة.
وقد روي ذلك عن مالك، ذكره ابن المواز عنه وهو خلاف المشهور في المذهب، وقد تأول أن معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن الأب أولى ببنيه من خالتهم، يريد النصرانية، مراعاة لقول من لا يرى للنصرانية حضانة، وهو ابن وهب قال: لأن المسلمة لو أثنى عليها بسوء لسقطت حضانتها، فكيف بهذه؟ فعلى هذا يتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأب أحق بالحضانة من الخالة، والثاني: أن الخالة أحق، والثالث: الفرق بين أن تكون الخالة مسلمة أو نصرانية.
والصواب ألا فرق في هذا عنده بين المسلمة والنصرانية، وإنما هو اختلاف قول، فمرة رأى
الأب أحق من قرابات الأم، ومرة رأى قرابات الأم أحق منه.
وتحصيل المذهب في هذا أنه لا اختلاف في أن الأم أحق من الأب؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، وأن أم الأم بمنزلة الأم.
واختلف هل يكون الأب أحق من قرابات أمها سوى أمها لأن أمها أمّ أمْ لا؟ على قولين، الأشهر منهما أنهن أحق منه.
واختلف أيضا هل يكون الأب أحق بالحضانة من قراباته من النساء على قولين: أحدهما: أنه أحق منهن؛ لأنهن إنما يدلين به، فهو أحق منهن، والثاني: أنهن أحق منه؛ لأنهن وإن كن يدلين به، فإنه لا يحضن بنفسه ويستنيب في الحضانة غيره، ورأى ابن القاسم: بعض قراباته، وهي أمه أحق منه من سائرهن، فاختلف في الأب بعد الإجماع على أن الأم أحق منه على أربعة أقوال: أحدها: أنه أحق من قراباته وقرابات الأم، والثاني: أن قراباته وقرابات الأم أحق منه، والثالث: أنه أحق من قراباته، وأن قرابات الأم أحق منه، والرابع: أن قرابات الأم وبعض قراباته أحق منه، وأنه أحق من بعض قراباته، فإن لم يكن أب ولا أم، فلا اختلاف في أن قرابات الأم أحق من قرابات الأب.
ويستحق النساء الحضانة بوصفين: أحدهما: أن يكن ذوات رحم المحضون، والثاني: أن يكن محرمات عليه، فإن كن ذوات رحم منه ولم يكن محرمات عليه كبنت الخالة، وبنت العمة، لم يكن لهن حضانة، وإن كن محرمات عليه، ولم يكن ذوات رحم منه، كالأم من الرضاعة، والمحرمات بالصهر، لم يكن لهن حضانة أيضا.
وأما الرجال فإنهم يستحقون الحضانة بمجرد الولاية، كانوا من ذوي رحمه المحرم، كالجد والعم والأخ وابن الأخ، أو من ذوي رحمه الذين ليس بمحرم كابن العم، أو لم يكونوا من ذوي رحمه كالمولي المعتق، والوصي من قبل الأب، ومن قبل السلطان، وإذا اجتمعت الخالات فالشقيقة أحق، ثم التي من قبل الأم، ثم التي من قبل الأب،
وكذلك الأخوات إذا اجتمعن، الشقيقة أحق، ثم التي للأم، ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما، وأما بنت الأخت، فقال ابن حبيب: إنه لا حضانة لها، والصواب: أن لها الحضانة؛ لأنها من ذوات المحارم المحرمات، فإن اجتمع بنت الأخت وبنت الأخ، كانت بنت الأخ أحق؛ إذ قد قيل: إنه لا حضانة لبنت الأخت، وقد قيل: إنها مقدمة عليها، وقيل: إنهما بمنزلة سواء، ينظر السلطان في أحرزهما، وبالله التوفيق.
عدة التي تطلق وهي ترضع ولا تحيض
ومن كتاب أوله يدير ماله وسألته عن التي تطلق وهي ترضع ولا تحيض، قال: عدتها من يوم يفطم، يعني إلا أن تحيض قبل ذلك ثلاث حيض.
قال محمد بن رشد: هذا مما لا اختلاف فيه، أن ارتفاع الحيض مع الرضاع ليس بريبة، فتعتد المطلقة المرضع بثلاث قروء أو سنة بيضاء لا دم فيها بعد الرضاع، والمتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر، وإن لم تحض فيهن، إلا على رواية ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب.
وإنما اختلفوا في عدة المريضة في الطلاق والوفاة، إذا ارتفع حيضها بسبب المرض، فقيل: ارتفاع الحيض معه كارتفاع الحيض مع الرضاع، ليس بريبة، فتعتد في الطلاق بالأقراء وإن تباعدت، وفي الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وقيل: إنه ريبة، فتعتد في الطلاق بسنة وتتربص في الوفاة إلى تسعة أشهر.
وقد مضى هذا في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وفي رسم الطلاق من سماع أشهب، وفي رسم استأذن من هذا السماع.
تزوجها في مرضه وأصابها عدتها
ومن كتاب العشور قال ابن القاسم: في نكاح المريض إذا تزوج في مرضه وأصابها، إن العدة عدة الوفاة، عليها أربعة أشهر وعشر.
وقال في كتاب اللقطة: دخل أو لم يدخل بها، تعتد أربعة أشهر وعشرا.
وقال في سماع أصبغ: إن عليها ثلاث حيض.
قال محمد بن رشد: وعلى ما في سماع أصبغ، لا عدة عليها إن مات عنها قبل أن يدخل بها.
وهذا على اختلاف فيما يفسخ من الأنكحة التي اختلف الناس في فسادها، هل يفسخ بطلاق ويكون الميراث فيها؟ أو يفسخ بغير طلاق ولا يكون فيها الميراث؟ فقد قيل: فيها كلها الطلاق والميراث، وقيل: لا طلاق فيها ولا ميراث، وقيل: ما كان يفسخ منها قبل وبعد، فلا طلاق فيها ولا ميراث، وما كان يفسخ منها قبل، ولا يفسخ بعد، فالطلاق والميراث فيه قبل وبعد، والثلاثة أقوال كلها في المدونة.
والذي يبين أن الاختلاف في عدة الوفاة، جار على هذا الأصل قول محمد بن المواز، وعدة النكاح الفاسد في الحرة والأمة، كالنكاح الصحيح، إلا في الوفاة، فإنه يختلف، فيما كان منه يفسخ قبل البناء، فعدتها أربعة أشهر وعشر، إذا مات قبل الفسخ، بنى بها أو لم يبن، وما كان منه يفسخ بعد البناء، فلا عدة وفاة فيه، وإن بنى ففيه ثلاثة حيض.
وقاله أشهب وأصبغ، وإليه يرجع ابن القاسم.
قال أصبغ: وغير هذا خطأ.
قال محمد: يعني شيئا ذكر عن ابن القاسم فيمن نكح في العدة ثم مات، أنها تعتد أربعة أشهر وعشرا.
قال محمد: لعله إنما تزوجها في عدتها منه.
وقد حكى ابن المواز عن ابن القاسم من رواية أبي زيد عنه قولا ثالثا في نكاح المريض، إنه إن لم يكن بنى بها فلا عدة عليها، وإن بنى فأربعة أشهر وعشر وهو قول لا يحمله القياس، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته اذهبي فتزوجي
مسألة وقال: في رجل قال لامرأته: اذهبي فتزوجي، إنه إن لم يكن أراد طلاقا فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: معنى هذا إذا أتى مستفتيا، وأما إذا كان مطلوبا أو مخاصما، فيحلف ما أراد بذلك الطلاق، على ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم سن منه، وبالله التوفيق.
المرأة يغيب عنها زوجها العشرين سنة
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وسئل عن المرأة يغيب عنها زوجها العشرين سنة، مثل طنجة أو إفريقية، فتشكو مغيب زوجها إلى القاضي وتركه إياها، ما يصنع بها؟ قال ابن القاسم: قال لي مالك: إن عمر بن عبد العزيز، قضى فيها أن يكتب إلى زوجها، إما أن يقدم إليها، وإما أن يحملها إليه، وإما أن يفارقها.
وقال مالك: وأنا أرى ذلك وآخذ به، وأرى أن يقضى به.
قلت: فما حد الغيبة، قال: أما الحين، يعني الأمر القريب، فيما ظننت، السنتين والثلاث، وأما إذا تطاول ذلك، فأرى أن يقضى عليه به.
قال لي مالك: ويغرم نفقة ما أنفقت وهو غائب، إذا كان لا يبعث إليها بنفقة.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم.
فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق.
يطلق امرأته وهي حائض فيؤمر برجعتها فيرتجعها وهو يريد أن يطلقها
ومن كتاب الرهون
وقال: في الذي يطلق امرأته وهي حائض، فيؤمر برجعتها، فيرتجعها وهو يريد أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة الأخرى، هل يصيبها إذا طهرت من ذلك الحيض؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهو الذي يؤمر به أن يفعله؛ لأنه إنما يؤمر بالارتجاع للوطء ولو ارتجعها وهو ينوي أن يطلقها إذا طهرت الثاني دون أن يصيبها ففعل، لكان مضارا لها آثما فيها؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، إنما نزلت في هذا المعنى كان الرجل يطلق امرأته ويمهلها، حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له بها، ثم
طلقها، وأمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها أيضا راجعها ثم طلقها، ليطول عليها العدة بذلك، فأنزل الله عز وجل الآية بالنهي عن ذلك والتحذير عنه.
مسألة: طلق امرأته وأشهد على رجعتها شاهدا واحدا
مسألة وقال: في رجل طلق امرأته وأشهد على رجعتها شاهدا واحدا، إنه إن كان دخل بها، فإن ذلك يجزيه، وإن كان خلا بها جاز قوله، وإن لم يشهد رأسا، وإن لم يخل بها فلا يجوز قوله، وإن كان له شاهدا إذا انقضت عدتها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مثل ما في المدونة إذا ارتجع ولم يشهد ولا خلا بها حتى انقضت العدة، فلا يصدق على الرجعة؛ لأن الله ما أمره بالإشهاد على الرجعة بقوله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، دل على أن المرتجع ليس بمؤتمن على الرجعة، ولا مصدق قوله فيها، كما أن والي اليتيم، إذا ادعى دفع ماله إليه لم يصدق، وإن كان المال بيده أمانة؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، وقد قال جماعة من العلماء: إن الإشهاد على الرجعة واجب، وتارك ذلك آثم، بخلاف الإشهاد على البيع؛ لأنه قد جاء ما دل على أنه غير واجب في البيع، وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، وبالله التوفيق.
مسألة: أسكن أخا له منزلا وإن أخاه ذلك طلق امرأته وخرج
مسألة وسئل عن رجل أسكن أخا له منزلا، وإن أخاه ذلك طلق
امرأته وخرج، فقال صاحب البيت للمرأة: اخرجي، إنما أسكنت أخي، وقد خرج، إن ذلك ليس له، وإنها لا تخرج حتى تنقضي عدتها.
قال محمد بن رشد: اعترض أبو إسحاق التونسي هذه الرواية؛ لأنه إن كان أسكن أخاه إسكانا مطلقا، فله أن يخرجه متى ما شاء، كما لو اشترط ذلك عليه، فإذا كان له أن يخرجه، فكيف لا يكون له أن يخرج امرأته إذا طلقها؟ هذا بعيد، ووجه الرواية عندي أنه أسكن أخاه على أن يسكن ما شاء، فكان سكنى العدة تبعا لسكنى العصمة في الوجوب، لاتصاله به، كما كان سكنى عدة الوفاة تبعا لسكنى الحياة في الوجوب، لاتصاله به إذا أسكنه الدار حياته، وهذا بين إن شاء الله.
يطلق امرأته وهي ترضع أو لا ترضع فيموت
ومن كتاب البراءة
وسألته عن الذي يطلق امرأته وهي ترضع، أو لا ترضع، فيموت زوجها، فتدعي أنها لم تحض، فتطلب الميراث.
قال: أما التي لا ترضع، فهي مصدقة حتى يأتي عليها سنة، ذكرت ذلك أو لم تذكر، وعليها اليمين، إلا أن يكون سمع منها أنها حاضت ثلاث حيض، وأما التي ترضع فهي مصدقة حتى تفطم ولدها وبعد الفطام بسنة.
قال محمد بن رشد: قوله: في التي لا ترضع، إنها مصدقة حتى يأتي عليها سنة، معناه أنها مصدقة إن لم تحض فيما بينها وبين سنة، مع يمينها، ويكون لها الميراث، ولا تصدق إذا انقضت السنة، فطلبت الميراث، وزعمت أن عدتها لم تنقض؛ لأن بها حسا تجده في بطنها، حتى يراها النساء، فيصدقنها فيما ادعت من ذلك.
ومن دليل هذه الرواية والله أعلم، أخذ ابن العطار أن المطلقة إذا مرت بها سنة فزعمت أنها مسترابة، ينظر إليها النساء، فإن رأين بها ريبة تمادت في سكناها، ما بينها وبين خمسة أعوام، إلا أنه زاد وتحلف أنها
لم تحض في المدة الماضية، ولا يصح ذلك، وإنما يختلف فيما دون السنة، إذا صدقت دون أن ينظر إليها النساء.
وقوله: ذكرت ذاك أو لم تذكره، يريد ذكرت ارتفاع حيضتها في حياة الزوج أو لم تذكر، تصدق في الوجهين جميعا، وعليها اليمين.
وفي كتاب ابن المواز أنها لا تصدق، ويكون لها الميراث، إلا أن يذكر ذلك في حياته، ويعلم من قولهما قبل وفاته، وكذلك لو ادعت بقرب انسلاخ السنة أنها لم تستكمل الحيض الثلاث لصدقت، وإن كانت لم تذكر ذلك في حياته على هذه الرواية مع يمينها، ولا تصدق، وعلى ما في كتاب محمد إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته، ولو ادعت ذلك بعد الأربعة أشهر؛ لانبغى أن تصدق دون يمين، ولو ادعت ذلك بعد الستة أشهر ونحوها لانبغى أن تصدق مع يمينها، وإن لم تذكر ذلك، وأما لو ادعت بعد موت زوجها بأكثر من العام أو العامين أنها لم تستكمل ثلاث حيض، لتأخر الحيض عنها، لانبغى ألا تصدق، إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته قولا واحدا.
فهذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة دون يمين، وموضع يكون القول فيه قولها مع يمينها على اختلاف في مراعاة ذكر ذلك، وموضع لا تصدق فيه مع يمينها، إلا أن تكون ذكرت ذلك، وموضع لا تصدق فيه وينظر إليها النساء، وبالله التوفيق.
وحكم التي ترضع بعد الفطام، كحكم التي لا ترضع من يوم الطلاق؛ إذ لا اختلاف في أن ارتفاع الحيض مع الرضاع ليس بريبة، والله أعلم، وبه التوفيق.
العبد تكون تحته المرأة الحرة أو الأمة فيطلقها اثنتين
ومن كتاب الجواب وسئل عن العبد تكون تحته المرأة الحرة، أو الأمة، فيطلقها اثنتين، ثم تقوم له بينة أنه حر من أصله.
قال ابن القاسم: يمسكها بواحدة تبقى له فيها، ويرتجعها على ما أحبت أو كرهت، إن كانت في العدة، ليس عليه إلا التطليقتان اللتان طلق، وإن كانت خرجت
من العدة، خطبها ونكحها قبل زوج، وسواء طلقها وهو ممن لا يعلم أن طلاقها اثنتان، أو طلقها وهو ممن يعرف أن طلاقها اثنتان فليس عليه إلا تطليقتان، إلا أن يكون أراد البينة على ذلك، طلق بهما، أو هو يريد ذلك، أو يتكلم بالبينة، فلا تحل له حينئذ حتى تنكح زوجا غيره، وسواء استحق بحرية من أصله ومولده، أو استحق بحرية عتق بها من ملك إذا كان ذلك قبل الطلاق، وطلاقه يجري مجرى الحدود، له وعليه إذا كانت الحرية قبلها عمل فيها، كما يعمل في حدود الأحرار، وكذلك الأمة إذا طلقت ثم ثبت أنها حرة قبل ذلك، فعدتها ثلاث حيض، ولزوجها عليها الرجعة، ما لم تحض الثالثة، إن كان طلقها يرتجع منه، وإن تزوجت بعد الحيضتين وقبل الحيضة الثالثة، ثم جاء العلم فسخ نكاحهما، وفرق بينهما، وإن كان قد دخل بها فيها لم ينكحها أبدا.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قال؛ لأن جهل العبد والأمة بحريتهما لا تأثير له فيما يلزمهما من أحكام الحر، ألا ترى أنهما لو زنيا وهما لا يعلمان بعتقهما لحدا حد الأحرار، ولو وقع لهما ميراث لورثاه، فكذلك إذا طلق العبد امرأته طلقتين، ثم انكشف أنه كان حرا من قبل الطلاق، تبقى له في زوجته طلقة، ويكون له عليها الرجعة إن لم تنقض العدة، ولو انكشف أنه كان أعتق بعد أن طلق الطلقة الأولى، لبانت منه بالطلقة الثانية، وكذلك الأمة إذا طلقت فاعتدت بحيضتين، ثم انكشف أنها كانت أعتقت قبل الطلاق، تبقى عليها حيضة ثالثة من عدتها.
وأما إن كان العتق بعد الطلاق، فعدتها حيضتان، وإن أعتقت قبل أن تحيض؛ لأن العدة قد لزمتها في حين الطلاق عدة أمة، فلا تنتقل عنها إلى عدة الحرائر.
وقال ربيعة: إن أعتقت قبل أن تحيض اعتدت عدة الحرائر، وإن أعتقت بعد أن حاضت حيضة اعتدت
عدة أمة ولا اختلاف أعلمه في أن العدة بالنساء، وأن الأمة تعتد حيضتين، كان زوجها حرا أو عبدا، والحرة تعتد ثلاث حيض، كان زوجها حرا أو عبدا، وأما الطلاق، فذهب مالك أنه بالرجال، بطلاق العبد على مذهبه طلقتان، كانت امرأته حرة أو أمة، وطلاق الحر ثلاث تطليقات، حرة كانت امرأته أو أمة، وروي ذلك عن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الطلاق على حكم النساء المطلقات.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
وروي عن ابن عمر أنه قال: أيهما رق نقض الطلاق برقه.
مسألة: العبد يريد أن يظعن بامرأته الحرة
مسألة وسألته عن العبد يريد أن يظعن بامرأته الحرة، قال ابن القاسم: ليس للعبد أن يظعن بامرأته حرة كانت أو أمة، إلا أن يكون الشيء القريب جدا، مثل بعض الريف الذي لا يخاف عليها فيه ضيعة ولا ضرورة، فأما الأسفار والبلدان والبعد، فليس ذلك له، أرأيت لو ظعن بها في أرض غربة، ثم باعه سيده بها، مما يظعن به أو يخرجه، كيف كانت تكون، إن لم تقدر على الرجوع والنهوض معه، ولا يحملها سيده معه، ويمنعه من ذلك، أفيبقى يستطعم؟ ثم فليس للعبد أن يظعن بامرأته أمة ولا حرة، ولا أعلمه إلا قول مالك.
قال محمد بن رشد: قد بين ابن القاسم وجه قوله في أن العبد ليس له أن يظعن بامرأته بما لا تزيد عليه، وللحر ذلك، إلا أن يكون غير محسن إليها، ولا مأمون عليها، على ما مضى من قول مالك في رسم الطلاق من سماع أشهب، من كتاب النكاح وهو معنى ما في المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة تأخذ في صداقها الجارية فتؤدبها وتنفق عليها في الأدب
مسألة وسألته عن المرأة تأخذ في صداقها الجارية، فتؤدبها وتنفق
عليها في الأدب حتى يزيد ذلك في ثمنها أضعاف ثمنها، ثم يطلقها قبل الدخول بها، هل يكون له نصف الجارية بنمائها من غير غرم شيء من النفقة؟ قال ابن القاسم: نعم، له نصفها بنمائها بغير شيء، وليس عليه فيما أنفقت عليها ولا ما أدبتها به، قليل ولا كثير، وهو شريك في النماء، كما كان شريكا في النقصان والتلف.
قال محمد بن رشد: في المبسوط من قول ابن وهب: إنها لا ترجع عليه بما أنفقت في تعليم الخير، وهو قول محمد بن خالد في رواية أبي صالح، قال: وكذلك في الاستحقاق، يريد ما لم تكن النفقة أكثر مما زادت قيمتها، ولا ترجع بالزيادة؛ لأنها لو لم تزد قيمتها بما أنفقت عليها، لم يكن لها أن ترجع بشيء مما أنفقت إذ لم تنتفع بذلك، وهذا الاختلاف إنما هو على القول بأنهما شريكان فيها، وإن الغلة ينهما، فوجه قول ابن القاسم: إن الزوج يقول لها: إنما أنفقت على نصفك الذي لك، ولم تتكلفي بسبب نصفي شيئا زائدا، فترجعي به علي.
ووجه القول الثاني أن المرأة تقول له: انتفعت بمالي فلا تذهب نفقتي على نصفك باطلا، فإما أن تؤدي إلي نصف النفقة، وإلا فخذ مني قيمة نصفك غير معلم، وهذا القول يأتي اختلافهم في وجوب الكراء للحاضن في الحضانة، والقولان متكافئان في الحجة، وأما لو مرضت فطبتها حتى برئت، لكان الأظهر ألا رجوع لها عليه؛ لأنه وإن كان الزوج قد انتفع بمعافاتها فهي مستهلكة؛ إذ لم يزد ذلك في قيمتها، ولم يختلفوا في أنه لا رجوع لها عليه بما أنفقت عليها فيما لا غنى لها عنه من طعامها وشرابها، إلا أن تكون صغيرة فتكبر، فقيل: إنه يكون لها الرجوع عليه بالنفقة، وكذلك إن كانت قد اغتلت منها غلة، فقيل: إن نفقتها تكون من غلتها، والقياس أن يكون لها الرجوع بالنفقة على كل حال، على القول بأنهما فيهما شريكان، وأما على القول بأنها لها والمصيبة منها، والغلة لها، فلا رجوع بما أنفقت عليها فيما لا غنى لها عنه من طعامها وشرابها، وأما النفقة عليها في تعليمها الخير، أو في معافاتها إن مرضت، فيجري ذلك على الاختلاف في الرجوع بالسعي والعلاج في
الاستحقاق، فقف على ذلك كله وتدبره، تجده صحيحا إن شاء الله، وبه التوفيق.
مسألة: الرجل هل يفرض عليه في نفقة امرأته لحاف تلتحفه بالليل
مسألة وسألته عن الرجل هل يفرض عليه في نفقة امرأته لحاف تلتحفه بالليل، أو نضوح، أو دهن، أو مشط، أو مكحلة، أو صبغ أو ما أشبه ذلك؟ وهل يفرق بينهما إذا وجد النفقة من الطعام والكسوة وإن لم يجد ما وراء ذلك؟ قال ابن القاسم: نعم، يفرض لها اللحاف للليل، والفراش، والوساد، والسرير، إن كان بموضع يحتاج فيه إليه، ولا يستغنى عنه، لخوف العقارب وشبه ذلك، ويفرض ذلك لها الدهن فيما يفرض، وأما المشط والمكحلة والصبغ، فلا أدري ما ذلك؟ ولا أراه، وتفرض لها النفقة والكسوة على قدرها من قدره، ليس عليه في ذلك خز ولا حرير ولا وشي، وإن كان يجد سعة، وإنما تفسير قدره من قدرها، إن كان مثلها يلبس القطن وما أشبهه، ومثله يقدر عليه، فرض لها، ويفرض لها لباس الشتاء والصيف، من الجبة والقرقل، والمقنع والخمار، والإزار، وما أشبه ذلك مما لا غنى لها عنه، ويسترها ويواريها، ويفرض لها قوتها من الطعام، وليس عليه أن يقيم لها اللحم كل ليلة، ولكن إن كان يجد سعة، أقام لها المدة بعد المدة، ويفرض لها من النفقة ما يكون فيها ماؤها وطحنها، ونضج خبزها، ودهانها وحنا رأسها، ومشطها، وما أشبه ذلك، وإن لم يجد إلا نفقة شهر وأيام، كما ذكرت لك، لم يفرق بينهما حتى يفنى ذلك، ثم يتلوم له السلطان، بقدر ما يرجى له، ويعرف من حاله، وإن لم يجد إلا الطعام والكسوة كما ذكرت، ولم يجد غيره، لم يفرق بينهما لذلك، وإن كانت من أهل بيت الغنى والشرف، وكانت الكسوة من وسط غليظ القطن والكتان، مثل الفسطاطي وما أشبه ذلك، وإن لم يجد إلا نفقة شهر، لا يفرق بينهما
إذا قدر على ذلك، كانت من أهل بيت الغنى والشرف، أو لم تكن، إذا قوي على طعامها وكسوتها، بحال ما وصفت لك، فهو أملك بها، ولا يفرق بينهما، وإن فرق بينهما إذا لم يجد النفقة، ثم وجد النفقة شهرا كما سألت وهي في العدة، فهو أملك بها، وإن لم يجد إلا نفقة الأيام اليسيرة، الخمسة، والعشرة، والخمسة عشر، وما أشبه ذلك، لم أر ذلك له؛ لأن هذا مما لا قدر له ولا منفعة فيه، ولأن ذلك يصير إلى ضرار، إذا انقضت تلك الأيام، فرق بينهما، ثم إن وجد مثلها رجع أيضا إليها، فهذا الضرر وشبه اللعب.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية على الرجل في فرض امرأته من الدهن ما تدهن به، ومن الحنا ما تمشط، وذلك لعرف معروف عندهم، وعادة جرى عليها نساؤهم، ولا يفرض ذلك عندنا؛ إذ لا يعرفه نساؤنا، ولأهل كل بلد من هذا عرفهم وما جرت به عادتهم.
وأما الصبغ والطيب، والزعفران والحنا لخضاب اليدين والرجلين، فلا يفرض على الزوج لشيء من ذلك، قاله ابن وهب في رسم الأقضية من سماع يحيى، وهو معنى قول ابن القاسم هاهنا.
واضطرب قوله في المشط، فله في أول الكلام، أنه لا يفرض ذلك عليه، وقال بعد ذلك: إنه يفرض عليه من النفقة ما يكون فيه حنا رأسها ومشطها، وأما الكسوة فلم يوجب على الزوج منها إذا عجز عما يشبهها إلا وسطها، وما لا يعرها، وإن كانت من بيت أهل الغنى والشرف، مثل وسط غليظ الكتان والقطن وما أشبه مثله، في رسم الكبش من سماع يحيى لابن القاسم، وفي رسم الأقضية منه لابن وهب، وهو نحو قول ربيعة في المدونة.
أما العبا والشمال فعسى ألا يؤمر بكسوتها، وأما غليظ الثياب مثل الخيف والأترى فذلك جائز للمعسر، لا يلتمس منه غيره، خلاف ما حكى ابن المواز عن أشهب، من أنه إذا عجز عما يشبهها فرق بينهما وأما إذا كان عنده سعة، فليس له أن يقصر بها عما يبتذله مثلها إن كانت من أهل بيت الغنى والشرف، لا مما يكسو مثله في سعة حاله أهله، وإن لم تكن
من بيت الغنى، فقوله في صدر المسألة ليس عليه في ذلك خز ولا حرير ولا وشي، معناه في الخز والحرير المرتفع، الذي لا يشبه أن يبتذله مثلها إن قد يكون من الخز والعصب والشطوى ما يشبه العصب الغليظ، فيلزمه مثله إذا كانت حاله متسعة، وكان ذلك نحو لبسة أهل البلد، على ما في سماع يحيى لابن وهب ويحيى، وقوله: وإن لم يجد إلا نفقة شهر لا يفرق بينهما إذا قدر على ذلك بين لا إشكال فيه، ولا كلام؛ إذ لا اختلاف في أنه لا يفرق بينهما حتى يفنى ما عنده، ولا يجد شيئا ينفقه، وما دام يجد ما ينفق عليها ولو يوما بيوم، الخبز وحده، فلا يفرق بينهما، وإنما الاختلاف إذا لم يجد شيئا في قدر التلوم الذي يتلوم له، وكذلك يطلق عليه، فقال في المدونة: يتلوم له ولم يحد في ذلك حدا.
قال: ومن الناس من لا يرجى له كأنه يريد، لا يتلوم لمن لا يرجى له.
وقد روى قرعوس عن مالك، أنه لا يؤخر الذي لا يرجى له، كالذي لا يرجى له.
وقال ابن حبيب: يتلوم له الشهر والشهرين، وإن لم يلح ولم يجد شيئا، ورواه عن مالك، وقال أصبغ: إذا كان لا يرجى له، ولا مال لها تنفق منه على نفسها، فيتلوم له الشهر ولا يبلغ به الشهرين، إلا إذا كان لها مال تنفق منه على نفسها، وقد روي عن مالك أنه لا يتلوم له شيء إذا لم يكن لها مال تنفق منه على نفسها.
وقد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يتلوم له إلا اليوم ونحوه، بقدر ما لا تجوع امرأته، روى عنه أنه يتلوم له اليوم واليومين والثلاثة، وقوله: إذا قوي على طعامها وكسوتها، يدل على أنه لا تطلق عليه بعجزه عن الإخدام، وهو المشهور في المذهب.
وقد روى ابن المعدل عن ابن الماجشون، أنه يطلق عليه لعجزه عن النفقة على خادمها، كما يطلق عليه لعجزه عن النفقة عليها.
وذهب ابن حبيب إلى أن الزوج لا يلزمه الإخدام، إلا أن يكون موسرا، وتكون زوجته من ذوات الأقدار.
فإن لم يكن موسرا أو لم تكن زوجته من ذوات الأقدار، فعليها الخدمة الباطنة من العجن والطبخ والكنس، والفرش، واستقاء الماء إذا كان معها في الدار، إلا أن يكون زوجها من أشراف الناس الذين لا يمتهنون أزواجهم في الخدمة، فعليه الإخدام، وإن لم تكن زوجته من ذوات الأقدار.
وقوله: إنه إذا فرق بينهما،
ثم وجد النفقة شهرا، إنه يكون أملك بها معناه، وإن لم يطمع له بمال سوى ذلك، وهو صحيح؛ لأنه إذا أيسر في العدة، وجبت عليه النفقة، وإن لم يرتجع، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وحكاه عن مطرف وابن الماجشون، وهو الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة إذ قال فيها: إن كل طلاق يملك فيه الزوج الرجعة، فالنفقة على الزوج لامرأته وإن لم تكن حاملا، وكذلك المولي فلا يصح أن يحكم عليه بالنفقة، ويمنع من الرجعة، وقد حمل بعض الناس ما في الواضحة على أنه ساوى بين الذي يطلق عليه بالإيلاء، والذي يطلق عليه بعدم الإنفاق، في أنه لا نفقة على واحد منهما، حتى يرتجع، لقوله فيها: وكل طلاق لا يملك فيه الزوج الرجعة إلا بقول وفعل، فلا نفقة عليه حتى يرتجع، وليس ذلك بصحيح؛ إذ فرق بينهما، وقوله في الذي يطلق عليه بالإيلاء إنه لا نفقة عليه حتى يرتجع، مثله حكى ابن شعبان عن مالك، وذلك خلاف نص ما في المدونة وأما قوله: إنه إذا لم يجد إلا نفقة الأيام اليسيرة الخمسة والعشرة، والخمسة عشر، وما أشبه ذلك، فلا رجعة له، معناه: إذا لم يجد إلا ذلك، ثم ينقطع، وأما لو قدر على أن يجري عليها النفقة مياومة، فإن كان ممن يجريها قبل أن يطلق عليه مياومة، فله الرجعة، واختلف إن كان ممن يجريها قبل الطلاق مشاهرة، فقيل: له الرجعة، وقيل: لا رجعة له.
حكى ابن حبيب القولين، وبالله التوفيق.
مسألة: ينكح في العدة فيقبل أو يباشر أو يجس أو يغمز
مسألة وسألته عن الذي ينكح في العدة، فيقبل أو يباشر، أو يجس، أو يغمز، ثم يعلم بذلك، فيفرق بينهما، هل ينكحها بعد ذلك؟ قال ابن القاسم: أحب إلي ألا ينكحها أمره بذلك من غير قضاء يقضي به عليه؛ لأنه أمر ليس بالقوي؛ لأن الوطء نفسه فيه من الاختلاف ما فيه، إذا لم يطأ، والذي يعقد في العدة، ويدخل بعد العدة، فيفرق بينهما، يؤمر أيضا بألا ينكحها بعد ذلك، ولا أرى أن يقضى عليه بذلك، ولا يجبر عليه، والذي يواعد في العدة، وينكح بعد
العدة مثله، إذا ثبت أنه واعد، والذي يواعد في العدة بأمر يعرف، أو بإقرار، فرق بينهما، وكانت طلقة، وإن كان مسها أمرته ألا ينكحها بعد ذلك من غير قضاء يقضى به عليه؛ لأنه قد اختلف الناس فيه، وغمروه (كذا) وقد روى ابن القاسم عن مالك: إنه جائز، وروى أشهب مثله.
قال محمد بن رشد: قوله: في الذي قبل أو باشر في العدة، إنها لا تحرم عليه، خلاف قوله في المدونة.
وقوله في الذي واعد في العدة وتزوج بعدها ودخل بها: إنها لا تحرم عليه، خلاف قوله في رسم الرهون من سماع عيسى من كتاب النكاح.
وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب من كتاب النكاح، فمن أراد الوقوف عليه تأمله هناك.
وقوله: لأن الوطء نفسه فيه من الاختلاف ما فيه، أشار إلى رواية ابن نافع عن عبد العزيز بن أبي سلمة، أن من تزوج في العدة، ودخل فيها، وفرق بينهما، أنه يجوز له أن يتزوجها بعد ذلك إن أحب، وقد وقع له في المدونة ما ظاهره مثل قول مالك فيها، خلاف رواية ابن نافع هذه عنه، وهو قوله، وقال مالك وعبد العزيز: هو بمنزلة من نكح في العدة ودخل في العدة، وقد تأول أنه أراد أنهما سواء عند مالك في أن التحريم يقع بهما، وأنهما سواء عند عبد العزيز في أن التحريم لا يقع بهما، وبالله التوفيق.
يقول لامرأته أنت طالق ألبتة إن لم أطلق امرأتي الأخرى إلى سنة
ومن كتاب القطعان وسئل عن الذي يقول لامرأته: أنت طالق ألبتة، إن لم أطلق امرأتي الأخرى إلى سنة، قال: يقال له: طلق من شئت منهما؛ لأن فرج إحداهما قد حرم عليك، قلت: ولا يضرب له أجل، قال: لا، قلت: فإن لم يطلق، قال: يحبس حتى يطلق، ولا يقرب واحدة منهما حتى يطلق إحداهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا صحيح، على قياس مذهبه في المدونة في الذي يقول لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقك، أو إن لم أطلقك إلى سنة، فإنه يعجل عليه الطلاق، وإنه إن قال لها: أنت طالق ثلاثا إن لم أطلقك واحدة، وإن لم أطلقك واحدة إلى أجل، أنه يوقف عن امرأته، فيقال له: إما طلقت واحدة، وإلا طلقت عليك ثلاثا، على قياس قول سحنون وأصبغ في القائل لامرأته: إن لم أطلقك فأنت طالق، أنت طالق إن لم أطلقك، أو أنت طالق إن لم أطلقك إلى سنة، إنه بمنزلة قوله: أنت طالق إن لم أفعل كذا وكذا، أو إن لم أفعل كذا وكذا إلى سنة، أن يكون قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن لم أطلق امرأتي الأخرى إلى سنة بمنزلة قوله: أنت طالق إن لم أفعل كذا وكذا إلى سنة، فلا يلزمه في امرأته إلا ألا يطلق امرأته الأخرى إلى سنة، وعلى قياس هذا يأتي ما لابن القاسم في سماع أبي زيد، من كتاب التخيير والتمليك، ويدخل عليه الإيلاء إن طلبت امرأته المسيس، على القول الذي لا يجيز له أن يمس امرأته إلى ذلك الأجل، وهو قول ابن القاسم في رسم يوصي من كتاب الإيلاء، وقول غير ابن القاسم في العتق الأول من المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: شك في طلاق امرأته أيقضى عليه بطلاقها
مسألة وسئل عن رجل شك في طلاق امرأته أيقضى عليه بطلاقها، أم ذلك إليه، ولا يقضى عليه بطلاقها؟ قال: ذلك إليه ولا يقضى عليه بطلاقها.
قال محمد بن رشد: الشك في الطلاق ينقسم على خمسة أقسام: منه ما يتفق على أنه لا يؤمر ولا يجبر، وذلك مثل أن يحلف الرجل على الرجل ألا يفعل فعلا، ثم يقول: لعله قد فعل، من غير سبب يوجب ذلك الشك في ذلك، ومنه ما يتفق على أنه يؤمر ولا يجبر، وذلك مثل أن يحلف ألا يفعل فعلا، ثم يشك هل حنث أم لا لسبب أدخل عليه الشك؟ ومنه ما يتفق على أنه لا يجبر، ويختلف، هل يؤمر أم لا؟ وذلك مثل أن يشك الرجل هل طلق
امرأته أو لم يطلق؟ أو يشك هل حنث في يمينه فيها؟ فقال ابن القاسم: إنه يومر، ولا يجبر، وهو قوله في هذه الرواية، وقال أصبغ: لا يؤمر ولا يجبر، ومنه ما يختلف هل يجبر أو لا يجبر؟ وذلك مثل أن يطلق، فلا يدري، إن كان طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، ويحلف ويحنث، ولا يدري إن كان حلف بطلاق أو مشي، أو يقول: امرأتي طالق إن كانت فلانة حائض، فتقول: لست بحائض، وإن كان فلان يبغضني، فيقول: أنا أحبك، أو إن لم تخبرني بالصدق، فيخبره، ويزعم أنه قد صدقه ولا يدري حقيقة ذلك، والخلاف في المسألة الأولى من قول ابن القاسم، ومن قول ابن الماجشون، وفي الثانية بين ابن القاسم وأصبغ، ومنه ما يتفق على أنه يجبر، وذلك مثل أن يقول: امرأتي طالق إن كان أمس كذا وكذا لشيء يمكن أن يكون وألا يكون، ولا طريق إلى استعلامه، ومثل أن يشك في أي امرأة من امرأتيه طلق، فإنه يجبر على فراقهما جميعا، ولا يجوز له أن يقيم على واحدة منهما، وبالله التوفيق.
مسألة: له امرأتان دخل بواحدة ولم يدخل بالأخرى فطلق واحدة ثم نسي
مسألة وسئل عن رجل كانت له امرأتان: الواحدة قد دخل بها، والأخرى غير مدخول بها، فطلق واحدة تطليقة واحدة، ثم نسي أيهما ثم ماتتا أيرثهما؟ قال: أما التي تحته فإنها إن ماتت قبل انقضاء العدة ورثها، والأخرى إن شاء ورثها، وإن شاء لم يرثها، ذلك إليه في الاحتياط.
قال محمد بن رشد: أما قوله في التي قد بنى بها إنه يرثها إن ماتت قبل انقضاء عدتها صحيح؛ لأن الميراث بينهما قائم ما لم تنقض العدة، وإن تحقق أنها هي المطلقة، وأما قوله في الأخرى: إنه إن شاء ورثها وإن شاء لم يرثها، ذلك إليه في الاحتياط، ففيه نظر؛ لأنه أباح له أن يأخذ ما لا يدري هل هو له أم لا؟ وإن كان الاحتياط عنده ألا يأخذه، ويلزم على هذا لو لم تمت أن يومر بفراقها، ولا يجبر على ذلك، ووجه قوله أنه لما ورث التي قد دخل بها فكأنه لم يشك في طلاقها، وإنما شك في طلاق الأخرى، فأشبه عنده
من شك في طلاق امرأته، أنه يومر أن يفارقها، وإن ماتت ألا يرثها ولا يجبر على ذلك؛ لأن العصمة متيقنة فلا ترتفع بالشك، وليس هذا بين؛ لأن الطلاق في هذه متيقن في إحداهما، فكما لا يجوز له أن يمسك واحدة منهما، مخافة أن تكون هي المطلقة فكذلك لا يجوز له أن يرث التي لم يدخل بها، مخافة أن تكون هي المطلقة، إلا أن يتذكر أن الأخرى هي المطلقة، ويتيقن ذلك، ونحا فضل إلى أنه يكون له نصف ميراثه منها، كما يكون لكل واحدة منهما نصف ميراثها منه إن مات هو بعد انقضاء عدة التي دخل بها، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إذا مات هو بعد انقضاء عدة التي دخل بها، فقد تحققتا أن الميراث لإحداهما، وهما تتنازعانه، فيقسم بينهما بعد أيمانهما على حكم التداعي، وإن قالت كل واحدة منهما لا أدري من هي المطلقة منا؟ قيل لهما: إن سلمته إحداكما إلى صاحبتها وحللتها منه، فذلك حسن، وإن شئتما أن تقسماه فيما بينكما بنصفين، وتحلل كل واحدة منكما صاحبتها من النصف الذي أخذته، لاحتمال أن يكون لها، فذلك جائز، وليس كذلك هذه المسألة؛ لأن الزوج يقال له: أنت تشك في وجوب الميراث لك، فلا تأخذ ما تشك فيه إلا عن طيب نفس من الورثة، وبالله التوفيق.
يكون لابنه المال فيموت الأب هل لإخوة الولد الذي له مال أن يحاسبوه
ومن كتاب باع شاة وسئل عن الرجل يكون لابنه المال فيموت الأب، هل لإخوة الولد الذي له مال، أن يحاسبوه بما أنفق عليه أبوه؟ قال ابن القاسم: إن كان مال الابن ناضا، فوجدوه مصرورا كان لم ينفق منه شيء، لم يحاسبوه بما أنفق عليه أبوه، ولم يكن لهم مما أنفق عليه أبوه قبله، قليل ولا كثير.
وإن كان ماله عرضا كان لهم أن يحاسبوه بما أنفق عليه أبوه من يوم كان للابن مال.
قلت: أرأيت إن كان مال الابن عرضا فأنفق عليه أبوه، فلما حضره الموت قال: لا تحاسبوه بما أنفقت عليه؟ قال: إذا يجوز قوله
ولا يكون لإخوته أن يحاسبوه، إذا قال: لا تحاسبوا ابني.
قلت: فما ترى هذه وصية لوارث لا تجوز؟ قال: ليست هذه وصية، وجل الناس ينفقون على أولادهم، وهذا شيء فعله في الصحة فليس بوصية.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها محصلا مستوفى في أول سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته مرة أخرى، وبالله التوفيق.
مسألة: النصرانية تسلم وزوجها نصراني هل عليه نفقة
مسألة وسئل عن النصرانية تسلم، وزوجها نصراني، هل عليه نفقة وهو له عليها الرجعة إن أسلم وهي في العدة؟ قال ابن القاسم: ليس لها عليه نفقة؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، ومنعته فرجها، وليس هو بمنزلة من طلق، وله عليها الرجعة؛ لأن أمرها فسخ بغير طلاق، فالفسخ لا يلزمه فيه نفقة، وتلك السنة، إلا أن تكون حاملا، فينفق عليها؛ لأن الولد يتبعه؛ لأنه ولده، وتلزمه نفقته، وكذلك هو في بطنها.
قال محمد بن رشد: في سماع أصبغ بعد هذا: إن عليه النفقة من أجل أن له الرجعة بالإسلام، ورواية عيسى أظهر عند أهل النظر؛ لأنه فسخ والفسوخ لا نفقة فيها، ولأن الفراق والمنع جاء من قبلها بإسلامها والنفقة لا تخلو من أن تكون واجبة بحق الاستمتاع أو بحق العصمة، فإن كانت واجبة بحق الاستمتاع، وجب أن تسقط إذ قد منعت الاستمتاع بإسلامها، وإن كانت واجبة بحق العصمة، وجب أن تسقط أيضا؛ إذ قد انفسخ النكاح وارتفعت العصمة، وكونه أحق بها إن أسلم في عدتها أمر متبع، لا يحمله القياس.
ووجه رواية أصبغ، أنها لما كانت مأمورة بالإسلام، لم تكن متعدية في الإسلام، ولا مانعة لفرجها، بل هو المانع منه نفسه، بترك فعل ما يلزمه فعله من الإسلام، والله الموفق.
ادعى ميراث امرأة فأنكر ذلك أبوها
ومن كتاب العتق وسألته عن رجل ادعى ميراث امرأة، فأنكر ذلك أبوها، وقال: قد كنت طلقتها، وقال الزوج: إنما طلقتها واحدة أو اثنتين، وكانت هي في عدة، وقال الأب: بل طلقتها ثلاثا وأنا على ذلك شاهد، وأتى الزوج بشاهد، قال: الميراث للزوج، ويحلف على ما ادعى من الطلاق.
قلت لابن القاسم: فإن ماتت المرأة وادعى الأب أن العدة قد انقضت ولا ميراث للزوج، وقال الزوج: إنها هلكت في العدة، قال: القول في ذلك قول الزوج، وأرى عليه اليمين أنها إنما ماتت في عدتها.
قلت: أرأيت إن أبى اليمين في كلا الوجهين في العدة والطلاق؟ قال: يحلف الأب ويكون القول قوله.
قال محمد بن رشد: أما إذا اختلفا في عدد الطلاق، فقال الأب: ثلاثا، وقال الزوج: واحدة أو اثنتين، وأقام كل واحد منهما شاهدا على دعواه، فبين أن القول قول الزوج؛ لأنه لما كافأ دليل كل واحد منهما على دعواه دليل صاحبه، سقطا وبقيا على أصل الدعوى، فوجب أن يحلف الزوج؛ لأنه المدعى عليه في إسقاط ما وجب له من الميراث بالعصمة المتيقنة، وكذلك لو أقام كل واحد منهما شاهدين فتكافآ في العدالة، وإن كان الشاهد للأب دون الزوج، لوجب أن يحلف مع شاهده؛ لأنه يستحق بشهادته مالا، وأما إذا اختلفا في انقضاء العدة، فقال: إن القول قول الزوج، ويحلف أنها إنما ماتت في العدة، وهذا إذا اختلفا في وقت الطلاق فقال الزوج: طلقتها في وقت كذا وكذا، إلى ما لا يحاض في مثله ثلاث حيض، وقال الأب: طلقتها منذ كذا وكذا، لما يحاض في مثله ثلاث حيض، ولا اختلاف في هذا؛ لأن الميراث واجب للزوج بالعصمة المتيقنة، فعلى من ادعى ما يسقطه إقامة البينة،
ولو كان الزوج عبدا فأعتق بعد الطلاق وقبل موتها، فادعى الزوج أن ذلك كان قبل انقضاء العدة، وقال الأب: بل كان ذلك بعد انقضاء العدة، لجرى الأمر بذلك على الاختلاف في النصرانية تسلم تحت النصراني، ثم يسلم زوجها بعدها، فيريد رجعتها، فتزعم أنها قد حاضت ثلاث حيض بعد إسلامها كان منذ كذا وكذا، على ما سنذكره في نوازل أصبغ إن شاء الله، وأما إن اتفقا على وقت الطلاق، فإن كان قد مضى له من المدة ما تنقضي فيه العدة في الأغلب، وذلك ثلاثة أشهر، حمل أمرها على أن العدة قد انقضت، ولم يكن لها ميراث، إلا أن يأتي بما يدل على أن العدة لم تنقض من قولها قبل أن تموت؛ إذ هي مصدقة في ذلك، فإن لم يأت بذلك، وادعى على الأب أنه علم بذلك، لزمته اليمين، وإن كان لم يمض من المدة ما تنقضي فيه العدة في الأغلب، حمل أمرها على أن العدة لم تنقض، وكان للزوج الميراث، إلا أن يأتي الأب ببينة على قولها: إن عدتها قد انقضت، فإن لم يأت بذلك، وادعى على الزوج أنه علم بذلك، لزمته اليمين، يبين هذا قوله في كتاب الاستبراء من المدونة: إن الجارية المبيعة إذا لم تواضع للاستبراء فماتت، إنها إن ماتت قبل أن يمضي من المدة ما لا يكون فيه الاستبراء، فالمصيبة من البائع وإن ماتت بعد أن مضى من المدة ما يكون فيه الاستبراء، فالمصيبة من المبتاع، وذلك شهر على قولهم.
مسألة: قالت في مرضها قد كنت تركت لزوجي كذا وكذا ثم هلكت
مسألة وسألته عن امرأة قالت في مرضها: قد كنت تركت لزوجي كذا وكذا مما كان لي عليه من حق، ثم هلكت، فزعم أنها صادقته وإني قد كنت طلقتها في يمين قد كنت حنثت فيها قبل وضعها الصداق عني، أو بعد وضعها، أو قال: طلقتها في غير يمين، وقال الورثة: لم تطلق ولم تحنث، وإنما لك الوصية بالصداق، ليتم لك، إن لم تكن وارثا؛ لأنه لا وصية لوارث، قال: لا يقبل قولها فيما زعمت أنها وضعت عنه الصداق، ولا يكون له ميراث بإقراره
بالطلاق، قال ابن القاسم: قال مالك: ولو ثبت له الطلاق وقالت عند الموت: قد كنت وضعت في صحتي لم يقبل قولها، قلت لابن القاسم: وهو غير وارث، قال: نعم، وإن لم يرث كذلك، قال لي مالك: من قال عند الموت: قد كنت تصدقت من مالي بكذا وكذا على فلان، وقد كنت أعتقت في الصحة عبدي فلان، لم يكن للعبد عتق، ولا للآخر صدقة، إلا أن يقول: قد كنت فعلت ذلك في الصحة، فأنفذوه، فيكون في الثلث، قال: ولو صحت ولم تمت من مرضها ذلك لزمها قولها.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يقبل قولها فيما زعمت أنها وضعت عنه من الصداق، أمر متفق عليه إن لم يكن لها ولد يرفع التهمة عنها في إقرارها للزوج، وأما إن كان لها ولد يرفع التهمة عنها في إقرارها له، فقيل: إن ذلك جائز له كالأجنبي، وقيل: إن ذلك لا يجوز إذا لم يعرف الطلاق إلا بقوله، وفي قوله: إنه لا يكون له ميراث لإقراره على نفسه بالطلاق نظر؛ إذ الورثة يقولون: إنه لم يطلق، فكل واحد منهم يقر بالمال لصاحبه، ويدفعه عن نفسه له، فالواجب في ذلك أن يكون موقوفا فيمن رجع منهم أولا إلى تصديق صاحبه، وإكذاب نفسه، أخذه على الصحيح المشهور من الأقوال، القائم من المدونة، وهو أصل مختلف فيه، وأما إذا ثبت له الطلاق، فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز له من رأس المال ولا من الثلث، كان لها ولد أو لم يكن.
والثاني: أنه إن كان لها ولد جاز ذلك له من رأس المال، وإن لم يكن لها ولد، لم يجز ذلك له من رأس المال ولا من الثلث.
والثالث: أنه إن كان له ولد جاز له ذلك من رأس المال، وإن لم يكن له ولد، وكان يورث كلالة، جاز ذلك له من الثلث.
والثلاثة الأقوال، قائمة من المدونة.
فإذا قلنا: إن ذلك إنما يجوز لك من الثلث، ففي ذلك اختلاف، قيل: علمت بالطلاق أو لم تعلم، وقيل: بل إن علمت بالطلاق على ما في سماع سحنون من كتاب الوصايا في هذا المعنى من الاختلاف، وبالله التوفيق.