كتاب زكاة الذهب والورق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كانت له عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم
من سماع أبي القاسم من مالك من كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن رجل كانت له عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم، أترى أن يزكيها؟ قال: نعم، أرى أن يزكيها.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة، وعلى المشهور في المذهب أن الأرباع مزكاة على أصول الأموال، فهذه المائتا درهم على هذا، كأنها لم تزل في يديه من يوم ملك الأصل الذي اشتراها به وهو العشرة دنانير، وقد قيل: إن الأرباح فوائد، وقيل: إنه إن اشترى بأكثر مما بيده لم يزك من الربح على الأصل إلا ما ينوبه، وقيل: إنما يزكى منه على الأصل ما ينوبه إذا كان قد نقد، فإن لم ينقد كان الربح فائدة، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أن الربح مزكى على الأصل - وإن اشترى بأكثر مما بيده.
وإن لم ينقد، وهو نص قول مالك في رسم "استأذن" من سماع عيسى.
والقول الثاني: أن الربح فائدة - وإن اشترى بما في يده ونقده، وهذا القول يقوم مما رواه أشهب، وابن عبد الحكم - عن مالك في رجل له عشرون دينارا حال عليها الحول، ولم يزكها فاشترى بها سلعة، ثم باعها بعد الحول بأشهر بثلاثين دينارا؛ أنه يزكي العشرين ويكون حولها في يوم كان حال عليها الحول، ولا زكاة عليه في الربح حتى يحول عليه الحول من يوم ربحه، فجعل الربح فائدة - وإن كان قد نقد العشرين التي كان الربح فيها؛ فعلى هذا القول لا يلزم الرجل الذي كانت له عشرة دنانير، فحال عليها الحول، ثم اشترى بها بعد ذلك مائتي درهم - أن يزكي المائتي درهم حتى يحول عليها - حول آخر من يوم ربحها، وصارت بيده.
والقول الثالث: أنه إن اشترى بأكثر مما بيده، لم يزك من الربح إلا ما ينوب
ما بيده منه، وهو قول مالك في رواية زياد عنه، مثال ذلك: أن يكون له عشرة دنانير فيحول عليها الحول، فيشتري بعد حلوله سلعة بعشرين دينارا فينقد العشرة أو لا ينقدها، ثم يبيعها بثلاثمائة درهم، أنه يزكي مائتي درهم - مائة للأصل، ومائة من الربح؛ وهو ما ناب الأصل الذي كان عنده منه؛ ويستقبل بالمائة الثانية من الربح - وهو ما ناب العشرة التي زادها في الثمن على ما كان بيده حولا من يوم صارت بيده.
والقول الرابع: أنه لا يزكي من الربح ما ناب الزائد على الأصل، ولا ما ناب الأصل منه أيضا، إلا أن ينقده، فإن لم ينقد لم يزكه حتى يستقبل حولا، وهو قول مالك في رسم "الزكاة" من سماع أشهب.
قال: ويكون حوله من يوم ربحه وصار له، واختار محمد هاهنا أن يكون حول الربح من يوم اشترى وأدان؛ وحكي أن مالكا رجع إلى هذا: أن يحسب حول الربح من يوم أدان الأصل؛ ووجه القول بأن الأرباح فوائد يستقبل بها الحول، قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول»، فعم ولم يخص ربحا من غيره، ووجه القول بأنها مزكاة على الأصول قياسا على غذاء الغنم؛ لأنهما نماءان من المال، مما يشق حفظ أحوالهما لمجيئهما شيئا بعد شيء، فوجب أن يستوي حكمهما في تزكيتهما على الأصل، وأما التفرقة بين أن ينقد أو لا ينقد، وبين أن يشتري بما بيده أو بأكثر منه؛ فإنما هو استحسان، إذ لا يخرج شيء من ذلك عن القولين المتقدمين - والله أعلم.
وجبت عليه في رجب زكاة عشرين فلم يزكها وعمل بها
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وقال: في الرجل يكون عنده عشرون دينارا ويحول عليها الحول وهي عشرون فلا يزكيها ويشتري بها متاعا، فيبيعه بعد شهر أو نحوه بثلاثين دينارا، كم يزكي: العشرين، أم الثلاثين؟ قال: بل أرى أن يزكي العشرين ولا شيء عليه في الربح، وذلك أن العشرين لو تلفت لزمه زكاة عشرين؛ قال ابن القاسم: ويستقبل بالعشرة، والعشرين، حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين، وتفسير ذلك: أن لو وجبت عليه في رجب زكاة عشرين، فلم يزكها وعمل بها، ثم أدى عنها في المحرم - وهي ثلاثون، زكاها كلها في رجب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على الأصول، لقوله فيها: إنه يستقبل بالعشرة والعشرين حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في المسألة التي قبلها، وإنما قال: إنه يزكي العشرين حين البيع؛ لأن زكاتها قد تقررت في ذمته، ووجبت عليه دينا بحلول الحول، وهو في عمله في المال بعد الحول على حول مستأنف، وقول ابن القاسم: ويستقبل بالعشرة والعشرين حولا من يوم وجبت الزكاة في العشرين وهم، وإنما يستقبل الحول بما بقي من الثلاثين بعد إخراج زكاة العشرين منها، وسواء على مذهبه كان له عرض يفي بما أخرج من زكاة العشرين، أو لم يكن، خلافا لقول أشهب في المدونة، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه يزكي الثلاثين كلها حين باع المتاع، قيل له: فإن باع بأقل من عشرين، فسكت - وهو وهم؛ لأنه يأتي على أن حوله قد انتقل إلى حين باع المتاع بالثلاثين، ويلزمه على هذا إن باع بأقل من عشرين، أن تسقط عنه الزكاة؛ ألا ترى أنه سكت لما لزمه ما لزمه من الحجة، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
تقسيم سهم المؤلفة
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل مالك: عن سهم المؤلفة، أترى أن يقسم على سهمان الصدقة؟
قال محمد بن رشد: يريد بالاجتهاد لا بالسواء، وإن رأى أن يجعله في صنف واحد، كان ذلك له، إذ الزكاة على مذهبه إنما توضع في الأصناف المذكورين في الآية - بالاجتهاد، ويتبع في ذلك الحاجة في كل عام، ولا يقسم بينهم أثمان على السواء؛ هذا مذهبه الذي لم يختلف فيه قوله، ولا خالفه فيه أحد من أصحابه، وقيل: يجعل نصف ذلك السهم لعمار المساجد، ونصفه على سائر الأصناف السبعة.
والمؤلفة قلوبهم قوم من صناديد مضر، كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطيهم من الزكاة يتألفهم على الإسلام - ليسلم بإسلامهم من وراءهم، منهم: أبو سفيان بن حرب، واختلف في الوقت الذي بدئ فيه بائتلافهم، فقيل: قبل أن يسلموا لكي يسلموا، وقيل: بعدما أسلموا كي يحبب إليهم الإيمان، فكانوا على ذلك إلى صدر من خلافة أبي بكر، وقيل: إلى صدر من خلافة عمر، ثم قال لأبي سفيان: قد أعز الله الإسلام، وأغنى عنك وعن ضربائك، إنما أنت رجل من المسلمين.
وقطع ذلك عنهم؛ واختلف هل يعود ذلك السهم إن احتيج إليه، أم لا يعود؛ فرأى مالك أنه لا يعود، وهو مذهب أهل الكوفة، وقد قيل: إنه يعود إن احتيج إليه، ورأى ذلك الإمام، وهو قول ابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي.
السنة الثابتة عن النبي عليه السلام في الصدقة
ومن كتاب الرطب باليابس قال ابن القاسم: سمعت مالكا يذكر أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه: إن الناس قد أسرعوا في أداء الزكاة ورغبوا في ذلك لموضع عدلك.
وأنه قد اجتمعت عندي زكاة كثيرة، فكأن عمر كره ذلك من كتابه لمدحه، فكتب إليه: ما وجدوني وإياك على ما رجوا وظنوا، فاقسمها.
قال ابن القاسم: وقال عمر: وأي رأي لي فيها حين كتب.
قال محمد بن رشد: في هذا فضل عمر بن عبد العزيز، وقوله: وأي رأي لي فيها - يريد: أنه لا رأي لأحد في ذلك مع السنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الصدقة: أن تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء.
يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأته فيحول عليه الحول وهو عنده
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء وسئل مالك: عن رجل يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأته، فيحول عليه الحول، وهو عنده؟ - أترى أن يزكيه؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: لأشهب في كتاب ابن المواز والواضحة، ولأصبغ في الواضحة، أنه لا زكاة عليه، وقول مالك أظهر؛ لأن الحلي من الذهب والفضة تجب في عينه الزكاة بظاهر ما في القرآن، والسنن، والآثار، فلا تسقط منه الزكاة إلا بحبسه للانتفاع بلبسه في الحال، قياسا على الثياب التي تلبس، والعروض التي تقتنى؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة».
وإسقاط أشهب وأصبغ عنه الزكاة بما نواه فيه ضعيف، إذ قد يبدو له، وقد قال مالك في الذي يقدم مكة ليسكنها إنه ليس كأهل مكة؛ لأنه إنما قدم ليسكنها ولعله أن يبدو له.
مسألة: له أربعون درهما أو رأس، أو رأسان أيعطى من الصدقة
مسألة وسئل: عن رجل له أربعون درهما، أو رأس، أو رأسان، أيعطى من الصدقة؟ فقال مالك: إذا كان كثير العيال، فأراه أهلا أن يعطاها في حاله وكثرة عياله.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، وإنما وقع السؤال عن الأربعين درهما لما في حديث الأسدي من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافا».
وقد روي عن سهل بن الحنظلية أنه قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من سأل الناس عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم" فقلت: يا رسول الله، وما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو ما يعشيهم».
وروي عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله، عليه
السلام: «لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه، إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة".
قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: "خمسون درهما، أو حسابها من الذهب».
وروي عن رجل من قرينة أنه أتى النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، يسأله، فسمعه يقول: «من سأل الناس وله خمس أواقي سأل إلحافا».
فأولى هذه المقادير التي رويت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الصدقة تحرم بوجودها - بالاستعمال، ما في حديث المزني بدليل أمر رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - معاذ بن جبل إذ بعثه على الصدقة - أن يأخذها من أغنيائهم فيضعها في فقرائهم، فالفقير من توضع فيه، والغني من تؤخذ منه، وهو من ملك المقدار الذي في حديث المزني، ويحتمل أن يكون - كأن الله عز وجل أولا قد حرم على لسان رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصدقة على من عنده قوت يومه، ثم نسخ ذلك تخفيفا عن عباده، فحرمها على من عنده أوقية من فضة، ثم نسخ ذلك تخفيفا عنهم، فحرمها على من يملك خمسين درهما، ثم نسخ ذلك تخفيفا عنهم، فحرمها على من يملك خمس أواقي، فكان حمل هذه الأحاديث على هذا، أولى من حملها على التعارض؛ فمن ملك من الذهب أو الفضة ما تجب فيه الزكاة؛ أو عدل ذلك سوى ما يحتاج إلى سكناه أو استخدامه، لم تحل له الزكاة - وإن كثر عياله، ومن تملك أقل من ذلك، لم تحرم عليه الصدقة - وإن لم يكن له عيال، إلا أن غيره ممن هو أحوج منه أحق وأولى؛ وقد قال المغيرة: إنه لا يعطى الفقير من الصدقة ما تجب فيه الصدقة، ولا يعطى من له الخادم والمسكن من الزكاة - إذا كان في ذلك
فضل يبلغ ما تجب فيه الزكاة، وقوله ظاهر بين المعنى على ما ذكرناه.
أخرج زكاة ماله فسرق منه المال وبقيت الزكاة
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية قال: وسئل مالك: عن رجل أخرج زكاة ماله فسرق منه المال، وبقيت الزكاة، قال: أرى أن يخرجها ولا يحبسها.
قال محمد بن رشد: يريد: وإن سرق منه المال بالقرب في الموضع الذي لو تلف قبل أن يخرج منه الزكاة، لم يلزمه ضمان الزكاة، والوجه في ذلك: أنه رأى إخراج الزكاة عند محلها قسمة صحيحة بينه وبين المساكين؛ فوجب أن يكون ضمان المال منه دونهم، كما يكون ضمان الزكاة المخرجة منهم دونه، إلا أن يمسكها بعد إخراجها فيلزمه ضمانها بالتعدي منه في حبسها، وأما لو سرق منه المال على بعد من إخراجه الزكاة، لم يشكل أن عليه إخراج الزكاة.
ابتاع سيفا فيه حلية تجب في مثلها الزكاة فيحول عليها عنده الحول
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من الكتاب الذي فيه الحج والوصايا والزكاة رواية سحنون بن سعيد عنهما وسألته: عمن ابتاع سيفا فيه حلية تجب في مثلها الزكاة، فيحول عليها عنده الحول؛ قال: ليس فيه زكاة - وإن أقام عنده سنة.
قلت له: إنه يشتريه للتجارة، قال: ليس عليه فيه زكاة؛ قلت له: ربما
كان في السيف الفضة الكثيرة، فيكون النصل فيها تبعا لما فيه من الحلية حتى يشترى بالدنانير - وهو جل ذلك، ومن أجله اشتري؛ فقال: لا أرى فيه زكاة حتى يباع، ثم فيه زكاة واحدة، وهو - عندي - مثل الرأس يشتريه الرجل لتجارة.
قال محمد بن رشد: معناه أنه غير مدير، ولو كان مديرا لقومه في كل عام وزكاه على مذهبه؛ وهذا على أصله في رواية أشهب عنه أن الحلي المربوطة بالحجارة كالعرض سواء، يقومه المدير، ويزكيه غير المدير - إذا باعه كان الذهب تبعا للحجارة أو غير تبع، وأما على رواية ابن القاسم عنه فيزكي ما فيه من الفضة تحريا في كل عام، ويقوم النصل وإن كان غير مدير، زكي في كل عام ما فيه من الفضة تحريا، ولا زكاة عليه في النصل حتى يبيع؛ فإذا باع فض الثمن على قيمة النصل، وقيمة الحلى - مصوغا، فزكي ما ناب النصل من ذلك؛ وقد تئول على مذهبه أنه لا يفض الثمن ويزكي ما زاد على ما زكي - تحريا، وسواء كان الحلي تبعا للنصل، أو غير تبع، وقد روى ابن القاسم عنه إن كان الحلي تبعا للنصل - كرواية أشهب.
مسألة: زكاة الذهب إذا كان مقطوعا
مسألة وسئل: عن رجل يكون له خمسة عشر دينارا، ونقرة فيها خمسة دنانير، فيشح على أن يعطي نصف دينار، ويأبى إلا أن يعطي ربع العشر من الخمسة عشر، وربع العشر من النقرة التي فيها خمسة دنانير، قال: ذلك له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا يلزم أن يخرج عن النقرة مسكوكا؛ لأن ذلك أكثر مما عليه، فإن شاء قطع من النقرة ربع عشرها، وإن شاء أخرج من غيرها مثلها، مثل وزن ربع عشرها، وأما الذهب فإن كان مقطوعا
مجموعا، أخرج منه، وإن كانت مثاقيل قائمة، لم يكن له أن يقطع منها ما وجب عليه من زكاتها، وأخرج صرف ذلك دراهم، وهذا كله بين.
مسألة: تجارة الحلي ونقار الذهب والفضة
مسألة فقلت له: أرأيت الذي تجارته الحلي ونقار الذهب، والفضة، قال: يؤدي زكاة ذلك كل عام ربع عشره، فيخرج ذلك منه - إن شاء، أو من غيره؛ وذلك لأن فيما مضى لم تكن دنانير، إنما كانت الذهب والفضة، وكانت فيها الزكاة، ثم ضربت بعد ذلك، فكان مثل ذلك، سواء كان ذلك مصروفا أو لم يكن ففيه الزكاة كل عام مثل العين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن له أن يخرج الزكاة ذلك منه - إن شاء أو من غيره، إذ لا كراهية في قطع النقرة والحلي، بخلاف الدنانير القائمة، وبالله التوفيق.
مسألة: يزكي الذهب في كل عام تحريا وتقوم الحجارة إن كان مديرا
مسألة قيل له: أرأيت إن كان ذلك مربوطا بالحجارة؟ قال: ليس فيه زكاة حتى يبيعه ثم يزكيه مثل البز، إذا باعه زكاه.
قلت له: أرأيت إذا كان الذهب جل حلي ذلك، أو أكثره؛ فقال: لا أبالي لا يزكي ذلك حتى يبيعه، وقاله أشهب.
قال محمد بن رشد: معناه أنه غير مدير، ولو كان مديرا لقومه في كل عام - على ما هو عليه - كالعرض في هذه الرواية - رواية أشهب، خلاف رواية ابن القاسم عنه: أنه يزكي الذهب في كل عام - تحريا، وتقوم الحجارة إن كان مديرا، وإن لم يكن مديرا لم يكن عليه في الحجارة شيء حتى يبيع وإن بعد أعوام، فيزكي ما زاد الثمن على ما زكي - تحريا، أو نقص على ما تقدم، وسواء كان الحلي تبعا للحجارة، أو غير تبع، لم يختلف قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، كما اختلف في السيف والمصحف إذا كانت الحلية تبعا للنصل، أو للمصحف - على ما مضى فوق هذا.
مسألة: يؤدي زكاة ماله قبل حلولها قبل أن يحول على ماله الحول
مانع الزكاة هل تؤخذ منه قهرا
مسألة وسئل: عن رجل يؤدي زكاة ماله قبل حلولها قبل أن يحول على ماله الحول، أترى عليه إعادة الزكاة؟ قال: نعم، أرى ذلك عليه، أرأيت الذي يصلي الظهر قبل زوال الشمس، أو الصبح قبل إطلاع الفجر، أليس يعيد؟ فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية، أنها لا تجزيه إذا أخرجها قبل محلها - وإن كان ذلك قريبا؛ وعلى هذا حمل ابن نافع قول مالك، فقال: معناه أنها لا تجزئه إلا بعد محلها، فإن أداها قبل محلها لم تجزه، قال ابن نافع: وهو رأيي: أنها لا تجزئه قبل محلها بيوم واحد، ولا ساعة، وهو ضامن لها حتى يخرجها بعد محلها، وقد قيل: إنها تجزيه إن كان قريبا.
واختلف في حد القرب على أربعة أقوال: أحدها: أنه اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه العشر الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والثالث: أنه الشهر ونحوه، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم.
والرابع: أنه
الشهران ونحوهما، وقع ذلك في المبسوطة، والأظهر أنها تجزيه إذا أخرجها قبل المحل بيسير؛ لأن الحول توسعة، فليس كالصلاة التي وقتها محدود لا يجوز أن تعجل قبله، ولا تؤخر بعده، ولو كانت الزكاة كالصلاة في هذا، لوجب أن يعرف الساعة التي أفاد فيها المال ليخرج الزكاة عندها، وفي هذا تضييق، وقد ساق سحنون رواية أشهب هذه في المدونة على هذا، فقال: إن الذي أداها قبل أن يتقارب، إنما ذلك بمنزلة الذي يصلي الظهر قبل الزوال.
ومن الكتاب الذي فيه قراض ومساقاة وكراء الأرض، وشفعة، وعقول، وزكاة، وذكر المفقود
قال مالك: وزعموا أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن رجلا منع زكاة ماله، فكتب إليه عمر أن دعوه فتركوه فندم الرجل، فأداها فقبلها منه عمر.
قال محمد بن رشد: معنى هذا، أنه منع زكاته لسوء رأيه في عمر، لا شحا بها؛ فلما لم يتهمه عمر في إمساكها عن أهلها، كتب أن يترك فترك؛ فندم الرجل في اعتقاده في عمر، ورأى أن دفعها إليه واجب لعدالته، فأداها فقبلها منه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولو اتهمه في إمساكها بخلا بها، لما تركها عنده، ولأمر أن تؤخذ منه شاء أو أبى، وقد قيل: إنه كتب أن لا تؤخذ منه زكاة مع المسلمين - توبيخا له حتى يستبرأ أمره، فإن سمح بها وأداها، وإلا أخذت منه كرها؛ وإلى هذا التأويل ذهب ابن حبيب، والأول أظهر وأشبهه بعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
يبتاع الجارية للبيع فتعجبه فيبدو له فيحبسها للوطء ثم يبدو له بعد مدة فيبيعها
ومن كتاب الزكاة وسئل مالك: عن رجل يبتاع الجارية فيريد البيع فتعجبه فيبدو
له أن يحبسها يطؤها فتقيم عنده ثلاث سنين، ثم يبدو له فيبيعها، أيزكي ثمنها حين يبيعها؟ قال: نعم، يزكي ثمنها حين بيعها؛ قيل له: إنه حين أمسكها، أمسكها لا يريد بيعها؛ فقال: أرى أن يزكي ثمنها - إذا باعها.
قال محمد بن رشد: اتفق ابن القاسم وأشهب في الذي يرث السلعة، أو يشتريها للقنية، أنها لا ترجع إلى التجارة لنيته، واختلفا إذا اشتراها للتجارة ثم نوى بها القنية، فقال أشهب: أنها لا ترجع بنيته إلى القنية؛ ورواه عن مالك، وقال ابن القاسم: إنها ترجع بنيته إلى القنية، ورواه أيضا عن مالك؛ لأن الأصل القنية، فترجع السلعة إلى الأصل بالنية، ولا ترجع عن الأصل بالنية، وذهب أشهب إلى أنهما أصلان، فلا ترجع السلعة من أحدهما إلى الآخر بالنية؛ ورواه عن مالك بقوله في الذي يبتاع الجارية للبيع فتعجبه فيبدو له فيحبسها للوطء، ثم يبدو له بعد مدة فيبيعها؛ أنه يزكي ثمنها حتى يبيعها هو على أصله الذي رواه أشهب عنه في أن ما كان من العروض للتجارة، لا يرجع إلى القنية بالنية، وعلى قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن ما كان أصله للتجارة يرجع إلى القنية بالنية، يستقبل بثمن الجارية حولا من يوم قبضه - وبالله التوفيق.
مسألة: يبتاع الجارية يختدمها فتقيم عنده سنين تخدمه ثم يبيعها أيزكي ثمنها
مسألة قال: وسئل: عن الذي يبتاع الجارية يختدمها فتقيم عنده سنين تخدمه، ثم يبيعها، أيزكي ثمنها؟ فقال: نعم، ثم أطرق شيئا ثم التفت إلى السائل، فقال: إن الذي سألت عنه يختلف من الناس من يشتري الولائد يخدمنه، ثم يبيع، فهذا الذي أرى عليه
الزكاة إذا باع؛ فأما الذي يشتري الخادم للخدمة ليس يرصد فيها بيعا ولا يهم به ولا يريده؛ فلا أرى عليه زكاة حتى يحول على الثمن الحول.
قال محمد بن رشد: ما فسر مالك في آخر المسألة يقضي على أن جوابه في أولها إنما هو في الذي يشتري الجارية لتخدمه، وفي نفسه إن وجد ثمنا باعها، وأما الذي يشتري الجارية لتخدمه لا يريد بيعها ولا يهم به، فلا اختلاف في أنه لا زكاة عليه في ثمنها - إن باعها حتى يحول عليه الحول، وقوله هذا جار على أصله في رواية أشهب عنه أن ما اشتري للتجارة لا يرجع بالنية إلى القنية، كما لا يرجع ما ورث أو اشتري للقنية إلى التجارة بالنية؛ وذلك أنه لما كانت القنية والتجارة عنده أصلين لا يرجع أحدهما إلى صاحبه - بالنية، فاشترى الجارية للوجهين جميعا، غلب التجارة احتياطا للزكاة كالبينتين إذا أوجبت إحداهما حكما، ونفته الأخرى، أنه يؤخذ بالموجبة للحكم دون النافية له؛ وكما قال مالك فيمن له أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق، إنه متمتع يجب عليه الهدي؛ وهي رواية ابن غانم عن مالك، واختيار سحنون، وعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، إذا اشترى للوجهين جميعا، يغلب القنية؛ فلا تجب عليه الزكاة - إذا باع حتى يستقبل بالثمن حولا على أصله في أن ما اشتراه للتجارة، يرجع إلى القنية بالنية؛ لأنها هي الأصل؛ وقد روى ذلك ابن وهب أيضا عن مالك، واختلف قول مالك في رواية ابن القاسم عنه فيما اشترى للغلة بالكراء من المساكين، أو العبيد، أو الثياب، لا لسكنى ولا استخدام، ولا لباس، فمرة قال: عليه الزكاة - إذا باع، ومرة قال: لا زكاة عليه حتى يستقبل بالثمن حولا، ولسحنون في نوازله مثل ذلك في مسألة السفينة - وبالله التوفيق.
مسألة: يقطع من ماله قطعة قبل أن يحول عليها الحول
مسألة وسئل: عن الذي يقطع من ماله قطعة قبل أن يحول عليها الحول، فيبعث بها إلى مصر يبتاع بها طعاما يريد أكله، لا يريد بيعا؛ فيحول عليه الحول قبل أن يشتري بها، قال: أرى فيه الزكاة؛ فقيل: إنه قد بعث بها وخرجت من يده بيعا، فقال: ما أرى الزكاة إلا عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العين في عينه الزكاة وليس مما يقتنى للانتفاع بعينه، فلا تأثير لما نواه من صرفه إلى قوته في إسقاط الزكاة منه، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي مضى في رسم "تأخير صلاة العشاء" من سماع ابن القاسم في الذي يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأة يتزوجها؛ لأن الحلي يصلح اقتناؤه للانتفاع بعينه، بخلاف العين.
وقال ابن نافع في المجموعة: وإن جاءه الطعام وهو كثير لا ينفقه في مثل خمس سنين وشبه ذلك، فإنه إذا باع الحول ما يجاوز قوت مثله، زكى ثمنه، وقوله صحيح؛ ووجهه أنه إذا كان الطعام كثيرا، فقد علم أنه لم يشتره كله لقوته، وإنما أراد أن يتقوت ببعضه ويبيع بعضه؛ فإذا باع بعد الحول ما تجاوز قوت مثله أي من الأعوام، إذ من الناس من يتقوت لعام واحد، ومنهم من يتقوت لعامين، ومنهم من يتقوت للأعوام، وذلك على قدر اليسار والجدة، وما يتمكن من شراء الطعام، ويخاف من غلائه؛ وإنما ذكر الخمس سنين؛ لأنه يبعد عنده أن يتقوت أحد إلى خمس سنين، ولعل الطعام في ذلك البلد يسرع إليه الفساد قبل خمس سنين، فيعلم أنه لم يشتر جملته للقوت - والله أعلم.
مسألة: يكون له المال فيزكيه فيشتري به سلعة بنقد فيبيعها قبل أن ينقد فيها فربح
مسألة وسئل: عن الرجل كانت عنده مائة دينار، ستة أشهر، ثم اشترى بها برا فلم ينقدها حتى أربحه إنسان في البر ثلاثين دينارا، فباعه إياه وأخذ الثلاثين فجعلها مع المائة، فأقام بذلك ستة أشهر أخرى، فتمت السنة على المائة دينار؛ أيزكي الثلاثين مع المائة دينار التي قد حال عليها الحول؟ قال: لا، ولكن يزكي المائة إذا كان قد حال حولها، ولا يزكي الثلاثين حتى يحول عليها الحول من يوم ربحها وصارت له، وقد قال مالك من رواية ابن القاسم عن مالك من كتاب أوله شك في طوافه.
قال ابن القاسم: سئل مالك: عن الرجل يكون له المال فيزكيه فيشتري به سلعة بنقد، فيبيعها قبل أن ينقد فيها فربح، أترى أن يزكي ذلك الربح مع ماله إذا حال عليه الحول؟
قال: نعم، وكذلك التجار الذين يشترون ويبيعون ولا ينقدون ثمنا؛ هؤلاء الذين يحضرون السوق، فهؤلاء إذا حال عليهم الحول، زكوا ما بأيديهم؛ قال مالك: وجل الناس ليس لهم نقد.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، وتحصيل ما فيها من الاختلاف في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
يقدم زكاة ماله قبل محلها
من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وقال ابن القاسم: في الذي يقدم زكاة ماله قبل محلها، قال: لا يعجبني، إلا أن يكون الشيء القريب، وأرى الشهر
قريبا على زحف وكره، ولم أره يرى عليه إعادتها في إخراجه إياها قبل محلها بشهر.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، وما فيها من الاختلاف في أول رسم من سماع أشهب، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
دفن الرجل بضاعة له فضل عنه موضعها فلم يجدها سنين ثم وجدها زكاتها
ومن كتاب أوله استأذن سيده قال: وقال مالك: إذا دفن الرجل بضاعة له، فضل عنه موضعها، فلم يجدها سنين، ثم وجدها، فإنه يزكيها لكل سنة مضت، وقال سحنون مثله.
وإذا وجد لقطة له سقطت منه، فوجدها بعد سنين، فليس عليه إلا زكاة واحدة؛ قال سحنون: اللقطة بمنزلة المال المدفون - إذا كان الملتقط حبسها ولم يحركها، زكاها ربها لكل سنة غابت عنه اللقطة؛ لأنه لم يكن ضمارا، وإنما الضمار المال المحبوس عن صاحبه الذي يكون على الذي حبسه ضمانه، ألا ترى أن اللقطة لو تلفت في يد الذي التقطها، لم يكن عليه ضمانها، وإنما الضمار المال الذي يغتصبه صاحبه، فيكون في يد الغاصب في ضمانه حين غصبه، فعلى الغاصب فيه الزكاة، ولا يكون على سيده فيه الزكاة للسنين كلها، إلا سنة واحدة؛ وإن كان الملتقط تسلفها لنفسه حتى يصير في ضمانه، فحكمها حكم الدين - زكاة واحدة لما مضى من السنين؛ قال: قلت لأشهب: فهل يقبل قول الملتقط أو المستودع إن كان تسلفها ويضمنها، أم لا؟ فقال: نعم، يسأل عن ذلك، فما قال قبل قوله، وكان ذلك في أمانته؛ فإن قال كنت تسلفتها، لم يجب على صاحبها إلا زكاة واحدة، وإن قال حبستها
وكانت عندي موقوفة، كانت على حال ما أعلمتك، يزكيها لكل سنة مضت.
قال محمد بن رشد: فرق مالك في هذه الرواية بين المال المدفون يضل عن صاحبه موضعه، فيجده بعد سنين؛ وبين اللقطة ترجع إلى ربها بعد سنين، فأوجب الزكاة في المال المدفون لجميع السنين، ولم يوجبها في اللقطة إلا لعام واحد؛ ورد سحنون مسألة اللقطة إلى مسألة المال المدفون، فأوجب الزكاة فيها لما مضى من السنين، ورد مالك في رواية علي بن زياد عنه في المجموعة - المال المدفون إلى اللقطة، فلم يوجب الزكاة فيهما جميعا إلا لعام واحد، وهو أصح الأقوال في النظر؛ لأن الزكاة إنما وجبت في المال العين - وإن لم يحركه صاحبه ولا طلب النماء فيه، لقدرته على ذلك، وهو هاهنا غير قادر على تحريكه وتنميته في المسألتين جميعا، فوجب أن تسقط عنه الزكاة فيهما، ولقد روى ابن نافع عن مالك على طرد هذه العلة - أن الوديعة لا زكاة على صاحبها فيها حتى يقبضها فيزكيها لعام واحد، إذ لا قدرة له على تنميتها إلا بعد قبضها - وهو إغراق، إلا أن يكون معنى ذلك أن المودع غائب عنه، فيكون لذلك وجه؛ فهذه الرواية تدل على أن عدم القدرة على تنمية المال، علة صحيحة في إسقاط الزكاة عنه.
ووجه قول مالك في تفرقته بين المال المدفون واللقطة، أنه هو عرض المال بدفنه إياه لخفاء موضعه عليه، بخلاف اللقطة؛ قال ذلك ابن حبيب، وليس بفرق بين؛ لأنه مغلوب بالنسيان على الجهل بموضع المال المدفون، كما هو مغلوب على الجهل بموضع اللقطة، ووجه مساواة سحنون بينهما في وجوب الزكاة فيهما، هو ما اعتل به من استوائهما في الضمان منه فيهما، وعدم القدرة على التنمية هي العلة الصحيحة التي تشهد لها الأصول، وقال ابن المواز: إن دفنها في بيته فلم يجدها ثم وجدها حيث دفنها، فعليه زكاتها لما مضى من الأعوام؛ وإن دفنها في صحراء، فغاب عنه موضعها، فليس عليه فيها إلا زكاة واحدة - إذا وجدها، وهو قول له وجه،
لأنه إذا دفنها في بيته، فهو قادر عليها باجتهاده في الكشف عنها؛ وقال ابن حبيب: في اللقطة إذا وجدها بعد أن كان يئس منها، استقبل بها حولا على أصله في المال المغصوب - إذا رد عليه، أنه يستقبل بها حولا كالفائدة، وقول سحنون: إن الملتقط إذا حبس اللقطة - ولم يحركها، زكاها ربها لما مضى من الأعوام، ولم يكن عليه هو فيها زكاة، معناه على مذهبه؛ ورواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك - إذا حبسها ليردها على صاحبها، أو ليتصدق بها عنه، لا ليأكلها؛ فإن حبسها ليأكلها، فليزكها لحول من يوم نوى ذلك فيها؛ ولابن القاسم في المجموعة: أنه لا زكاة عليه فيها إذا حبسها لنفسه ليأكلها بعد أن عرفها سنة - للحديث.
ما لم يحركها، فإن حركها، فمن يومئذ تدخل في ضمانه.
قال محمد بن رشد: فإذا دخلت في ضمانه لحبسه إياها لنفسه، أو بتحريكها - على الاختلاف المذكور، سقطت عن ربها فيها الزكاة - قولا واحدا.
مسألة: قال هذه مائة دينار اتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان زكاتها
مسألة قال: وإذا قال رجل لرجل: هذه مائة دينار اتجر فيها - ولك ربحها، وليس عليك فيها ضمان، فليس على الذي في يديه ولا على الذي هي له زكاتها حتى يقبضها؛ فيزكيها زكاة واحدة لسنة، إلا أن يكون صاحبها ممن يدير، فيزكيها مع ماله إذا علم أنها على حالها.
قال سحنون: أراها كالسلف وعليه ضمانها، بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل فينقص منه، إنه ضامن.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في هذه المسألة أنه لا ضمان عليه،
لأن رب المال قد صرح بإسقاط الضمان عنه، وإنما قال سحنون: إنه ضامن بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل - إذا قال له اعمل به قراضا - ولك الربح كله، خلاف ظاهر قول ابن القاسم في كتاب القراض من المدونة.
فوهم العتبي في سياقه قول سحنون على هذه المسألة، وقول ابن القاسم: إنه لا زكاة فيها على الذي هو في يده صحيح؛ لأنها ليست له، ولا هي في ضمانه؛ فسواء كان له بها وفاء، أو لم يكن، بخلاف السلف.
قال ابن حبيب: فإن ربح فيها عشرين دينارا، استقبل بها حولا، وهو صحيح أيضا؛ لأنها فائدة، إذ لا أصل له يزكيها عليه، فلا اختلاف في أنه يستقبل بها حولا.
وأما قوله: إنه لا زكاة على صاحبه فيها، فوجهه: أنه لما أوجب ربحها لغيره لم يقدر أن يحركها لنفسه، فأشبه ذلك اللقطة التي سقطت عنه زكاتها، لعدم قدرته على تحريكها، وطلب النماء فيها؛ ويأتي على قول سحنون في مسألة اللقطة أن زكاتها عليه؛ لأن ضمانها منه؛ ومثله في المختصر لابن شعبان؛ قال: ومن دفع إلى رجل مالا يأكل ربحه، فالزكاة على ربه.
مسألة: عليه مائة دينار سلفا وليس له منها وفاء فأقامت بيده ستة أشهر
مسألة وسئل: عن الرجل عليه مائة دينار - سلفا وليس له منها وفاء.
فأقامت بيده ستة أشهر لا وفاء له منها، ثم أتته فائدة مائة دينار عند الستة أشهر، هل يزكي المائة التي كانت عنده سلفا - إذا تمت السنة من حين كانت عنده سلفا، أم يستقبل بها سنة من حين كان له بها وفاء، قال: بل يستقبل بها سنة من حين كان له منها وفاء، ولا يحسب في حولها بشيء مما مضى مما لم يكن له منها وفاء.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك في المدونة؛ لأنه قال فيها: إن
الذهب السلف إذا وهبت للذي هي عليه بعد حلول الحول، وليس له بها وفاء استقبل بها حولا، إذ لا فرق بين أن يوهب له الذهب بعد أن حال عليه عنده الحول، أو يستفيد بعد حلول الحول فائدة يكون فيها وفاء بها؛ وقد روي عن ابن القاسم أن الزكاة تجب عليه فيها إذا حال عليها الحول، وإن لم يتم للفائدة عنه حول، وعلى هذا يأتي جوابه في مسألة رسم "العرية"، وحكاه ابن المواز عن أشهب، وأصحاب ابن القاسم: أصبغ، وغيره، وقال به، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة: أن عليه الزكاة في الذهب إذا وهبت له بعد الحول - وإن لم يكن له وفاء بها، والقول الأول هو الصواب: أنه لا زكاة في المائة السلف حتى يتم للوفاء بها عنده حولا كاملا؛ لأن ما مضى من المدة قبل أن يستفيد الفائدة التي يجعلها وفاء بما عليه من السلف، لم يكن فيها مال لاستغراق الدين ما بيده من المال؛ فإذا زكاه قبل أن يحول على الفائدة الحول، فقد زكاه قبل أن يحول عليه الحول؛ لأنه لم يكن له مال إلا من يوم ملك الفائدة.
مسألة: يكون عنده المال سلفا وعنده منه وفاء فيتصدق له عليه قبل الحول أو بعده
مسألة وسألته: عن الرجل يكون عنده المال سلفا، وعنده منه وفاء، فيتصدق له عليه قبل الحول أو بعده، قال: يزكيه حين يحول عليه الحول؛ لأنه مال من ماله، ولأنه لو لم يتصدق به عليه زكاه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح بين، وهو في المدونة لسحنون - بيانا لقول مالك، إذ لا اختلاف في ذلك.
مسألة: له عشرون دينارا يزكيها كل حول فحال حولها ولم يبق عنده منها إلا عشرة
مسألة وسئل: عن رجل كانت له عشرون دينارا يزكيها كل حول، فحال عليها حول ولم يبق عنده منها إلا عشرة دنانير، فلما كان
بعد الحول بأشهر، أسلف عشرين دينارا، فضم العشرين دينارا إلى العشرة، فاتجر فيها حتى صار له من الفضل ما تجب فيه الزكاة - إذا ضمه إلى العشرة؛ فقال: إذا كان قد حال على العشرة الحول، حتى ما صار له من الفضل في الثلاثين: العشرين السلف، والعشرة ما تجب فيه الزكاة إذا ضم إلى العشرة، أخرج العشرين السلف، ثم زكى العشرة وجميع الفضل: فضل العشرين السلف، وفضل العشرة؛ وذلك أني سمعت مالكا - وسئل عن رجل كانت له ثمانون دينارا، فاشترى سلعة بمائتي دينار ونقد فيها الثمانين دينار، أو لم ينقدها حتى مر حول الثمانين؛ فقال: إذا حال حول الثمانين، ضم فضل المائتي إلى الثمانين، فزكاها لا يبالي حال الحول على السلعة من يوم اشتراها، ولم يحل إذا حال عليها حول الثمانين؛ ومثله لو أن رجلا كانت له عشرة دنانير قد حال عليها الحول، فاشترى سلعة بمائة دينار بدين، ونقد فيها العشرة، فإنه يزكيها متى ما صار في فضلها ما يجب فيه الزكاة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل ما فيها من الاختلاف مجودا في أول مسألة من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادة شيء من ذلك.
وقوله في آخر المسألة: فإنه يزكيها متى ما صار في فضلها ما تجب فيه الزكاة - يريد: متى ما صار في فضلها ما تجب فيه الزكاة مع العشرة التي كانت له، وبالله التوفيق.
له مائتا دينار وحولهما مختلف وعليه مائة دينار دينا
ومن كتاب العرية وسئل: عن الرجل يكون له مائتا دينار - وحولهما مختلف، وعليه مائة دينار دينا، فيحول حول إحدى مائتيه قبل حلول حول الأخرى،
أيجعل دينه في هذه التي حال حولها، وينتظر بالأخرى؛ فإذا حال حولها زكاها، أم يزكي هذه التي حال حولها أولا ويجعل دينه في التي لم يحل حولها؛ (قال: يزكي هذه التي حال حولها أولا، ويجعل دينه في التي لم يحل حولها)؛ وذلك أني سمعت مالكا يقول في رجل كانت له مائة دينار ناضّة في يديه، ومائة دينار دينا، وعليه مائة دينار، فحال الحول على التي في يديه، فقال: يزكيها ويجعل دينه في المائة الدين، فمسألتك أبين من هذا - إذا كانت على مالئ.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يزكي هذه التي حال حولها ويجعل دينه في التي لم يحل حولها، خلاف ما مضى في الرسم الذي قبل هذا أيضا في الذي عليه مائة دينار سلفا، فأقام ستة أشهر لا وفاء له بها، ثم أفاد مائة فأقام ستة أشهر، أنه لا يزكي المائة التي بيده قد حال عليها الحول، حتى يحول على الفائدة الحول، إذ لم يقل فيها إنه يجعل الدين الذي عليه من السلف في هذه الفائدة التي لم يحل عليها الحول، ويزكي المائة التي بيده وقد حال عليها الحول، كما قال في هذه، وهو مثل قول أشهب وأصبغ، واختيار ابن المواز، ومثل قول غير ابن القاسم في المدونة، ويلزم على قياس هذا القول إذا حل حول المائة الثانية التي جعل دينه فيها، أن يزكيها ويجعل دينه في الأولى التي كان زكاها؛ لأن الثانية تصير كالأولى بحلول الحول عليها، والأولى تصير كالثانية، إذ لم يحل حولها بعد؛ من أجل أن حولها من يوم كان زكاها، فكما زكى أولا الأولى بحلول حولها، وجعل الدين في الثانية التي لم يحل حولها، فكذلك يزكي أيضا الثانية بحلول حولها، ويجعله دينه في الأولى التي لم يحل حولها بعد، من أجل أن حولها من يوم زكاها؛ ثم إذا حل حول الأولى زكاها أيضا، وجعل دينه في الثانية، ثم إذا حل حول الثانية زكاها وجعل دينه في الأولى؛ فلا يزال على هذا
القول يزكي كل مائة منها متى ما حال حولها، ويجعل دينه في الأخرى التي لم يحل حولها؛ إلا أن تكون الزكاة قد نقصتها ولم ينجبر النقصان بربح ربحه فيها، فيجعل من دينه فيها بقدر ما بقي منها، ويجعل بقية دينه في التي حال حولها، ويزكي بقيتها؛ بيان هذا، أنه إذا جعل دينه في الثانية التي لم يحل حولها، وزكى الأولى التي حال حولها، رجعت إلى سبعة وتسعين ونصف، فإذا حال حول المائة الثانية، جعل من دينه سبعة وتسعين ونصفا في السبعة وتسعين ونصف التي بقيت من الأولى، وجعل بقية دينه - وذلك ديناران ونصف في هذه الثانية التي حال حولها، وزكى بقيتها - وذلك سبعة وتسعون ونصف؛ هكذا أبدا كلما حل حول المائة الواحدة، جعل من دينه في الثانية عدد ما بقي منها، وجعل بقية الدين في التي حال حولها، وزكى بقيتها، هكذا أبدا، وسواء كان مديرا أو لم يكن؛ لأن المدير يزكي كل مال لحوله - كما يزكيه غير المدير، ولا يصح له من أجل الإدارة إذا كان له مالان مختلفان في أحوالهما، أن يزكيهما جميعا على حول أحدهما بتأخير الذي حل حوله، أو بتعجيل الذي لم يحل حوله.
وقد حكى ابن لبابة عن العتبي أنه قال: وهذا إذا لم يكن مديرا، وأما إن كان مديرا فلا زكاة عليه في المائة الثانية التي جعل فيها دينه إذا حل حولها؛ وذكر أنه سأل عنها ابن المزين، فقال: له عليه فيه الزكاة، وقال له: وسواء كان مديرا أو غير مدير، فقال له: وما دخول المدير هاهنا وغير المدير يا بليد؛ فأعلم العتبي بقوله، فقال له: أخطأ.
قال ابن لبابة: وهو كما قال العتبي - قول ابن مزين فيها باطل.
قال محمد بن رشد: والصحيح ما قال ابن مزين: أنه قال: لا يفترق في هذا المدير من غير المدير، للعلة التي ذكرناها من أنهما يستويان في تزكية كل مال على حوله، وإنما يفترق المدير من غير المدير في مسألة سماع أبي زيد، وسيأتي الكلام عليها في موضعها - إن شاء الله تعالى؛ وهذا القول إذن يؤدي إلى ألا يسقط الدين زكاة العين؛ لأنه إذا زكى كل مائة منها لحولها كلما حل،
وجعل الدين في التي لم يحل حولها أبدا، فلم يكن للدين تأثير في إسقاط الزكاة؛ فالقول الآخر - وهو قول ابن القاسم في الرسم الذي قبل هذا أصح أن يجعل دينه في المائة التي حال حولها، فلا يزكيها حتى يحول حول المائة الثانية، فيصير حولهما واحدا ومالا واحدا يجعل الدين فيه ويزكي ما بقي منه؛ وأما مسألة مالك التي احتج بها ابن القاسم في الذي بيده مائة قد حال عليها الحول وعليه مائة، وله دين مائة؛ أنه يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، ويزكي المائة التي بيده؛ فلا حجة له فيها، إذ قد يحتمل أن يكون تكلم مالك على أن الدين الذي له قد حال عليه الحول، فهو لو قبضه اليوم أو باعه بعرض، ثم باع العرض بعين، لوجبت فيه الزكاة، فوجب أن يجعل دينه فيه، ويزكي ما بيده؛ وأما إن كان الدين الذي له لم يحل عليه الحول، فهي ومسألة ابن القاسم سواء في المعنى، ويدخلها الخلاف، فعلى ما في هذا الرسم بجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، وإن كان لم يحل عليه الحول، ويزكي ما بيده؛ وعلى ما في الرسم الذي قبله: لا زكاة عليه فيما في يده حتى يحول على الدين الذي له الحول، فيجعل الدين الذي عليه فيه ويزكي ما بيده، والله الموفق.
زكاة المستفاد أثناء الحول
ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل: عمن كانت بيده عشرة دنانير عشرة أشهر، ثم أفاد عشرة أخرى، فاشترى بهما جميعا سلعة، فباع تلك السلعة بعد حول العشرة الأولى بما يجب في كل واحدة منهما الزكاة بربحها؛ قال: يزكي العشرة الأولى بربحها، ويستقبل بالعشرة الفائدة وربحها - الحول من يوم استفادها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على المشهور من أن أرباح
الأموال مزكاة على أصول الأموال، وقد مضى تحصيل ما في ذلك من الاختلاف في أول سماع ابن القاسم.
مسألة: تسلف عرضا فاتجر فيه حولا وفضل له ما تجب فيه الزكاة
مسألة وقال: فيمن تسلف عرضا فاتجر فيه حولا، ثم رد ما استسلف من ذلك وفضل له ما تجب فيه الزكاة، أنه يزكي هذه الفضلة، وإن كان عنده أيضا من العروض وفاء لما كان استسلف، زكى ذلك أيضا وجعله بمنزلة من استسلف مائة دينار فاتجر فيها، واشترى عرضا بدنانير فاتجر في ذلك حولا ثم باع بعد الحول.
قال محمد بن رشد: قوله واشترى عرضا بدنانير فاتجر في ذلك حولا، ثم باع بعد الحول، يريد اشترى عرضا بدنانير دينا في ذمته، فاتجر في ذلك حولا، ثم باع بعد الحول، فأدى الثمن وبقي له الربح، وذلك كله صحيح على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على أموال الأصول، إلا أن حول الربح الذي تسلف العرض واتجر فيه، محسوب من يوم اتجر في العرض، لا من يوم استسلفه، من أجل أن العرض لا زكاة في عينه، وحول الربح الذي تسلف الدنانير واتجر فيها، محسوب من يوم تسلف الدنانير؛ لأنه لا ضامن لها بالسلف، وفي عينها الزكاة، وحول ربح الذي اشترى العرض فاتجر فيه، محسوب من يوم اشتراه - إن كان اشتراه للتجارة، وإن كان اشتراه للقنية، ثم بدا له فاتجر فيه، فهو محسوب من يوم باعه، وقيل: من يوم نض ثمنه في يده، والله الموفق للصواب.
مسألة: الصدقة على آل محمد
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الحديث «لا تحل الصدقة لآل محمد»،
فقال: إنما ذلك في الزكاة، وليس في التطوع؛ قلت له: فمواليهم؟ قال: لا أراهم من ذلك، ولا أرى بأسا أن يُعْطَوْا من الزكاة؛ فاحتججت عليه بالحديث الذي جاء «مولى القوم منهم».
فقال: قد جاء حديث آخر: «ابن أخت القوم منهم» - يضعف بذلك حديث الموالي؛ قال أصبغ: وإنما تفسير «مولى القوم منهم» يريد في الحرمة منه بهم، والبر منهم به، كما يفسر الحديث: «أنت ومالك لأبيك» - يريد في الطواعية والبر، لا في الإلزام، ولا في القضاء؛ قال أصبغ: وآل محمد عشيرته الأقربون: آل عبد المطلب، وآل هاشم، وآل عبد مناف، وآل قصي، وآل غالب.
قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو أن رجلا فرق زكاة ماله، ألا يعطيهم منها وهم محتاجون؟ قال: لا يعطيهم.
قلت: فإن فعل، أتجزئ عنه؟ قال: لا تجزئ عنه.
قال ابن القاسم: إنما ذلك في بني هاشم أنفسهم.
قال أصبغ: وقد «جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، نادى بأعلى صوته: يا آل قصي، يا آل غالب، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملوا لما عند الله، فإني لا أملك لكم من الله شيئا».
فتبين بمناداته إياهم، أنهم عشيرته الأقربون؛ وقد اختلف الناس في سهم ذوي القربى من الفيء.
والغنيمة: من هم؟ فمن الناس من قال: محمد وقرابته - خاصة، ومنهم من قال: قريش كلها قربى.
وقد بلغني عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك،
فقال: نحن هم - يعني آل محمد - وقد أبى ذلك علينا قومنا؛ قال أصبغ: الذي وجدت عليه معاني العلم والآثار، أنهم آل محمد خاصة.
قال محمد بن رشد: آل محمد - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - الذين لا تحل لهم الصدقة هم ذوو القربى الذين جعل الله لهم سهما في الفيء، وخمس الغنيمة؛ لأن الله حرم عليهم الصدقة على لسان نبيه، ونزههم عنها إكراما لهم؛ لأنها أوساخ الناس يغسلونها عنهم، وعوضهم من ذلك فيما جعل لهم من الحق في الفيء، وخمس الغنيمة، وقد اختلف في تمييزهم وتعيينهم، وفيما لهم من الحق في خمس الغنيمة وفي الفيء، وفيما يحل لهم من الصدقة، ويحرم عليهم منها؛ وهل يدخل مواليهم مدخلهم في ذلك أم لا؟ وهل حكمهم في ذلك بعد النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كحكمهم في حياته أم لا؟ اختلافا كثيرا قد أفردنا الكلام فيه، وتحصيله وتلخيصه، وما تعلق به المختلفون في ذلك مسألة حاوية لجميع ذلك؛ فمن تأملها وقف عليها بشفاء من العلم بذلك، ووقف على الحقيقة فيه.
وقول ابن عباس نحن هم - يعني أن بني هاشم هم ذوو القربى - دون سائر قريش، يبين ذلك ما روي عنه من أنه قال: وقد أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها قربى.
وقال ابن حبيب: معنى قوله أبى ذلك علينا قومنا أي أبوا أن يكون لنا فيه جزء معلوم، وهو تأويل بعيد، يرده ما روي عنه من قوله، وقد أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها قربى.
يتسلف مائة دينار وليس له مال غيرها فيشتري سلعة فيربح فيها ما تجب فيه الزكاة
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس قال: وقال مالك: في الذي يتسلف مائة دينار - وليس له مال غيرها، فيشتري سلعة فيربح فيها، ما تجب فيه الزكاة؟ فقال: إذا باع السلعة قضى المائة وزكى ما بقي - إن كان ما تجب فيه الزكاة؛ إذا كان قد حال على المائة الحول.
قال محمد بن رشد: قوله إذا كان قد حال على المائة الحول - يريد من يوم تسلفها، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
له عشرة دنانير فيحول عليها الحول عنده ثم يفيد خمسة دنانير فيضمها إلى العشرة
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل تكون له عشرة دنانير، فيحول عليها الحول عنده، ثم يفيد خمسة دنانير فيضمها إلى العشرة، فيشتري بها سلعة فيبيعها بعشرين دينارا؛ قال: ليس عليه فيها زكاة، ويستقبل بالخمسة والعشرة وربحهما حولا من يوم أفاد الخمسة، إلا أن يتجر في العشرة قبل حلول الخمسة، فيزكيها ساعة يتم ما تجب فيه الزكاة؛ قلت له: فإن باعها بثلاثين دينارا؟ قال: يزكي العشرة وربحها، ويدع الخمسة وربحها حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة بينة المعنى، لا إشكال فيها، مبنية على المشهور في المذهب من أن الأرباح مزكاة على أحوال أصول
الأموال، وعلى أصولهم في أن الفوائد التي لا تجب فيها الزكاة إلا بجمعها، تضاف الأولى منها للآخرة، فتُزَكَّى على قرب الآخرة - وبالله التوفيق.
يفيد عشرين دينارا فتمكث عنده ستة أشهر ثم يفيد عشرين أخرى زكاتها
ومن كتاب الثمرة
وقال: سألت ابن القاسم عن الرجل يفيد عشرين دينارا، فتمكث عنده ستة أشهر، ثم يفيد عشرين أخرى؛ قال: يزكي كل عشرين لحولها.
قلت: فإن انكسرت العشرون الأولى عن الزكاة، قال: إن كانت العشرون الأخرى على حالها كما كانت، زكى الأولى عند حولها كما كان يزكيها، ويزكي العشرين الأخرى على حولها - كما هي.
قلت: فإن نقصت العشرون الأخرى عن الزكاة، إلا أنه إذا ضم ما بقي من العشرين الأولى - إلى ما بقي من العشرين الآخرة، وجبت فيها الزكاة؛ قال: أنظره أبدا إذا حل حول الأولى، فانظر، فإن كان فيضا بقي منها، وبقي من الآخرة ما لو جمع وجبت فيه الزكاة، فزكى ما بقي من كل عشرين على حولها أبدا، حتى ينكسرا جميعا عن الزكاة.
قلت: فإن صار ما بقي منهما ما لو ضم بعضه إلى بعض، لم تجب فيه الزكاة؛ قال: فلا زكاة في شيء منهما.
قلت: فإن اتجر فيما بقي من الأولى فصارت بربحها ما إذا
ضممته إلى ما بقي من الآخرة كانت فيه الزكاة؛ قال: فإذا صارت كذلك زكاها مكانه، وكان حولها من يوم صارت بربحها ما إذا ضممته إلى ما بقي من الآخرة وجبت فيه الزكاة، وكانت الآخرة على حولها.
قلت: فإن لم تزد شيئا - وكانت على حالها حتى حال حول الآخرة، قال: إذا كانتا جميعا حين يحول حول الآخرة ما لا - تجب فيما بقي منهما الزكاة فضمهما، فمتى صارتا بربحهما ما تجب فيه الزكاة، فزكهما، ثم اجعل حولهما جميعا حولا واحدا من يومئذ.
قلت: فإن كان حل حول الأولى، فنظرنا فيما بقي منهما، وفيما بقي من العشرين الآخرة، فإذا ليس فيهما زكاة إن ضمتا، فتركنا الزكاة، فمضى لها بعد حلول حولها خمسة أشهر - ولم يحل حول الآخرة، بقي لها شهر فصارت قبل حلول حولها بشهر ما يجب فيه الزكاة بربحها - إذا ضممتها إلى ما بقي من الأولى؛ قال: إذا صارت كذلك، فزد ما بقي من العشرين الأولى مكانك، واترك الأخرى إلى حلول حولها، ويكون حلول ما بقي من العشرين الأولى من يوم صار ما بقي من العشرين الآخرة وربحها، ما إذا ضممته إلى ما بقي من العشرين الأولى وجبت فيه الزكاة؛ قال: وكذلك قال مالك في هذا كله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بيّنة في المعنى، مفسرة لما وقع في المدونة فيها من الألفاظ الملتبسة، والأصل فيها أن الفوائد المفترقة إذا كان في الأولى ما يجب فيه الزكاة، فلا يضاف بعضها إلى بعض، وتزكى كل
فائدة على حولها - حتى ترجع كلها إلى ما لا زكاة فيه؛ مثال ذلك أن يفيد الرجل ما لا تجب فيه الزكاة، ثم يفيد بعد ذلك بأشهر ما تجب فيه الزكاة، أو لا تجب فيه الزكاة؛ فإنه يزكي كل مال على حوله أبدا، ولا يضيف أحدهما إلى الآخر حتى يرجعا إلى ما لا زكاة فيه (إذا جمعا) فإذا رجعا جميعا إلى ما لا زكاة فيه، وتماديا جميعا ناقصان عما تجب فيه الزكاة، حتى يمر بهما الحولان جميعا - وهما على نقصانهما؛ صارا مالا واحدا، وسقطت منهما الزكاة؛ إلا أن يرجعا بالربح فيهما، أو في أحدهما إلى ما تجب فيه الزكاة، فيزكيهما حين بلغا بالربح ما تجب فيه الزكاة، ويكون حولهما واحدا من حينئذ، وإن زكاهما على حوليهما - ما شاء الله، ثم رجعا بعد أن زكى أحدهما إلى ما لا تجب فيه الزكاة، ثم رجعا جميعا إلى ما تجب فيه الزكاة بالربح فيهما، أو في أحدهما قبل أن يأتي حول المال الثاني، بقيا جميعا على حوليهما المتقدمين بأعيانهما يزكي كل مال منهما على حوله بربحه - إن كان الربح فيهما جميعا، وقد خلطهما، أو لم يخلطهما، (غير أنه إن لم يخلطهما) زكى كل واحد منهما بربحه الذي ربحه فيه، وإن كان قد خلطهما، نضّ الربح عليهما، فزكى مع كل واحد منهما نوبته من الربح، وإن كان الربح في أحدهما، زكاه بربحه، وزكى الآخر بغير ربح؛ وإن زكاهما على حوليهما - ما شاء الله، ثم رجعا إلى ما لا زكاة فيه إذا جمعا، فأتى حول أحدهما وهما ناقصان عما تجب فيه الزكاة، فترك تزكيتهما، ثم لما كان بعد ذلك بأشهر قبل أن يأتي حول المال الآخر، رجعا بالربح فيهما، أو في أحدهما - إلى ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكي حينئذ المال الذي لم يزكه عند حوله بربحه - إن كان الربح فيه، أو بما ينوبه من الربح إن كان الربح فيهما - جميعا - وقد خلطهما، ولو أتى حول المال الآخر - وقد رجعا إلى ما لا زكاة فيه فلم يزكهما؛ إذ لا زكاة فيهما، فلما كان بعد ذلك بأشهر، رجعا إلى ما فيه الزكاة بالربح فيهما أو في أحدهما، لا ينقل أيضا حول هذا المال الآخر إلى حين الربح؛ فهذا بيان هذه
المسألة إذا تمادى النقص بالمالين عما تجب فيه الزكاة حتى يمر بهما الحولان - وهما ناقصان عما تجب فيه الزكاة، رجعا مالا واحدا، وبطل ما كان قبل ذلك من حوليهما؛ وإذا رجعا جميعا إلى ما لا تجب فيه الزكاة بعد أن زكي أحدهما، ثم رجعا إلى ما تجب فيه الزكاة بالربح فيهما، أو في أحدهما قبل أن يأتي حول المال الثاني، بقيا على حوليهما المتقدمين بأعيانهما؛ وإذا أتى حول أحدهما - وهما ناقصان عما تجب فيه الزكاة، فلما كان بعد ذلك بأشهر قبل أن يأتي حول المال الآخر، رجعا إلى ما فيه الزكاة، انتقل حول هذا المال إلى حين الربح وبقي المال الآخر على حوله؛ ولو أتى حول المال الآخر - وقد نقصا عما فيه الزكاة، ثم رجعا بعد ذلك بأشهر إلى ما فيه الزكاة؛ انتقل حول هذا المال الثاني أيضا إلى حين بلغا بالربح جميعا ما تجب فيه الزكاة، فهي أربعة وجوه، وجه ينتقض فيه حولاهما جميعا ويرجعان إلى حول واحد، ووجه واحد ينتقل فيه حولاهما جميعا، ويبقيان على حولين أيضا، ووجه ينتقل فيه حول أحدهما ويبقى الآخر على حوله، ووجه يرجعان فيه بالربح على حوليهما المتقدمين بأعيانهما، وبالله التوفيق.
عليه مائة دينار وله مائة ثم أفاد فائدة من عرض أو عين قبل الحول أو بعد الحول
ومن كتاب العتق
قال ابن القاسم: من كانت عليه مائة دينار - وله مائة، ثم أفاد فائدة من عرض، أو عين - قبل الحول، أو بعد الحول؛ فإنه لا زكاة عليه فيما بقي في يديه من الناض حتى يحول عليه الحول من يوم أفاد الفائدة.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في رسم "استأذن"، فلا معنى، لإعادته.
مسألة: عنده مائة دينار وعليه دين مائة فحال عليه الحول
مسألة قلت: أرأيت إن كانت عنده مائة دينار) وعليه دين مائة فحال عليه الحول، قال: لا زكاة عليه؛ لأنه ليس له مال فضل عن دينه؛ فسقطت الزكاة عنه.
قلت: فإنه لما مضى شهر استفاد مائة فقضى بها دينه، قال: لا زكاة عليه في هذه المائة الباقية حتى يحول عليها الحول مرة أخرى؛ لأن الحول الأول مر وليس من أهل الزكاة، فإن تجر بها فربح مكانه عشرين دينارا، قلنا له: أد الزكاة، فإنما سقطت عنك في هذه المائة يوم حل الحول؛ لأنك كنت من غير أهلها، فلما ربحت هذه العشرين، قلنا: هذه العشرين قد حال عليها الحول؛ لأنه حال على الأصل؛ فأما الأصل، فلا زكاة فيه؛ لأنها قد سقطت عنه حين مر حوله، فلا زكاة فيه حتى يحول الحول؛ وأما هذا الربح، فما يسقط (عنه) الزكاة وقد حال عليه الحول، ولا دين اليوم على صاحبه يسقط عنه الزكاة، وقد بلغ ما تجب فيه الزكاة؛ فأرى أن تؤخذ الزكاة من الربح، ولا تؤخذ من المائة، ثم تجعل المائة على حولها الأول، والربح على حوله يوم زكي؛ لأنه إنما وجبت الزكاة فيه يوم ربح.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة: إنه إذا كان عنده مائة دينار فحال عليه الحول - وعليه دين مائة، أنه لا زكاة عليه - صحيح لا اختلاف
في أن الدين يسقط زكاة العين؛ لقول عثمان بن عفان هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين، فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة، وأما قوله بعد ذلك: إنه إن استفاد مائة بعد الحول بشهر، فقضى بها دينه، فلا زكاة عليه في المائة التي بيده حتى يحول عليها الحول مرة أخرى، فقد مضى مثله في رسم "استأذن"، وذكرنا هنالك ما فيه من الخلاف، وأما قوله: إنه إن تجر فيها فربح مكانه عشرين دينارا، زكاها، وكان حولها من يوم زكاها، فصحيح على أن الأرباح مزكاة على الأصول، وقد مضى معنى هذه المسألة والقول فيها في رسم "أوصى".
مسألة: اشترى الدار للتجارة ثم استغل الدار ثم باعها بعد أن مضى الحول
مسألة قال ابن القاسم: إذا اشترى الرجل الدار للتجارة أو النخل، ثم استغل الدار، وأثمرت النخل عنده، ثم باعهما جميعا - بعد أن مضى الحول، قال: ينظر إلى الغلة، فيستقبل بها حولا من يوم أخذها، وينظر إلى ثمن الدار، فيزكيه مكانه؛ وكذلك النخل إذا أثمرت وحل بيعها، ثم باع الأصل والتمر، فإن الزكاة عليه تمرا، وينظر إلى ثمن النخل والتمر، فينظر كم ثمن التمر من ثمن النخل؛ فإذا عرفته فاستقبل بثمن التمر حولا، وتزكي ثمن الأصل الساعة، ولو كانت دارا للتجارة وفيها غلة خمسون دينارا، فباع الدار وغلتها بألف إردب؛ فإنه لا زكاة عليه في القمح، ويعرف حصة الغلة من القمح من حصة أصل الدار؛ فإذا باع القمح، نظر إلى ما يصير من القمح للغلة فيستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وما كان ثمنا للدار زكاه
مكانه؛ فإن لم يكن ما تجب فيه الزكاة، جعل حولها واحدا واستقبل بها سنة.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة في الذي اشترى الدار للتجارة فاستغلها، ثم باعهما جميعا بعد أن مضى الحول، معناه أن الغلة طعام أو عروض، فباع الدار بعد أن مضى الحول وما قبض من المكتري في كراء العام الماضي من الطعام، أو العروض، أو ما وجب له على المكتري من ذلك بثمن واحد؛ فإنه يفض الثمن - إذا قبضه على الدار، وعلى الطعام، أو العروض، فما وجب من ذلك للدار زكاه مكانه؛ لأنها كانت للتجارة؛ وما وجب من ذلك الطعام أو العروض استقبل به حولا؛ لأن الغلة فائدة وهي عروض أو طعام، فلا تجب فيه الزكاة، إلا بعد أن يحول الحول على ثمنها من يوم قبضه؛ ولو كانت الغلة دنانير لم يجز له أن يبيعها مع الدار بدنانير؛ لأنه ذهب وعرض بذهب، وقد بين هذا بقوله بعد ذلك، ولو كانت دارا للتجارة - وفيها غلة خمسون دينارا، فباع الدار وغلتها بألف إردب، وهذا ما لا اختلاف فيه إذا كانت الغلة قد وجبت للبائع على المكتري بمضي المدة، أنه لا يجوز بيعها مع الدار بالذهب - إن كانت السلعة ذهبا، ولا بالورق على مذهب ابن القاسم، إلا أن يكون الثمن نقدا، ويكون ذلك أقل من صرف دينار؛ وإنما الخلاف إذا باع الدار وما وجب له على المكتري من الكراء الذي عاقده عليه، لما يأتي من المدة، فكان شيخنا الفقيه ابن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ - يجيز ذلك، ويعتل بأن الكراء لم يجب للبائع بعد، إذ قد تتهدم الدار فيبطل الكراء على المكتري، وإنما يسكن المكتري الدار بعد عقد البيع فيها على ملك المبتاع، فكأن البائع باع منه الدار وتبرأ إليه من العقد الذي قد لزمه فيها للمكتري، فرضي به، وكان يستدل لما كان يذهب إليه من ذلك بمسائل، منها أول مسألة من سماع سحنون: أن الكراء المقبوض لما يأتي من المدة إذا حل عليه الحول لا يلزم أن يزكي منه، إلا ما يجب منه لما مضى من المدة، وكان غيره من الشيوخ يخالفونه في ذلك، ولا يجيزون البيع ويساوون بين ما يجب لما مضى من المدة، ولما يأتي منها؛ وقول
ابن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ - أصح في المعنى، وأظهر في الحجة؛ إلا أن الرواية عن ابن القاسم منصوصة في الدمياطية: أن ذلك لا يجوز، بخلاف ما كان يذهب إليه؛ وقوله في أول المسألة ينظر إلى الغلة فيستقبل بها حولا - يريد ينظر إلى ما يجب للغلة من الثمن فيستقبل به حولا؛ لأنه إنما تكلم على أنه باع الغلة والدار صفقة واحدة، فوجب أن يفض الثمن على ذلك، لافتراقهما في حكم الزكاة؛ إذ الدار للتجارة، والغلة فائدة، وكذلك لو كانت الدار للقنية، فباعها مع ما هو للتجارة، قد حال عليها الحول، لفض الثمن، فاستقبل بما ينوب الدار منه حولا، وزكى ما ينوب الذي هو للتجارة؛ مثال ذلك أن يكون للرجل بقعة من فائدة، فيبنيها للتجارة، ثم يبيعها مبنية؛ فإنه يزكي من ذلك ما ناب البناء - إذا كان الحول قد حال على المال الذي بناها به، ويستقبل بما ناب البقعة حولا، وقد روي ذلك عن المغيرة - وهو صحيح.
مسألة: أهل الأهواء هل يعطون من الزكاة إذا كانوا محاويج
مسألة وسئل ابن القاسم: عن أهل الأهواء هل يعطون من الزكاة إذا كانوا محاويج، فقال: إن نزلت بهم حاجة، فأرى أن يعطوا من الزكاة - وهم من المسلمين يرثون ويورثون.
قال محمد بن رشد: يريد الهواء الخفيف الذي يبدع صاحبه ولا يكفر، كتفضيل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على سائر الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أجمعين، وما أشبه ذلك، وأما الأهواء المضلة كالخوارج، والقدرية، وشبههم، فمن كفرهم بمآل قولهم، قال: لم يجز أن يعطوا من الزكاة؛ ومن لم يكفرهم بمآل قولهم، أجاز أن يعطوا منها إذا نزلت بهم حاجة - وهو الأظهر، لقوله - عليه الصلاة والسلام: «وتتمارى - في الفوق»، ومن البدع ما لا يختلف أنه كفر، كمن يقول من الروافض إن علي بن أبي طالب كان
النبي، ولكن جبريل أخطأ في الرسالة، وكمن يقول منهم: إن الرسل تترى، وأنه لا يزال في كل أمة رسولان، أحدهما ناطق، والثاني صامت؛ فكان محمد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ناطقا، وعلي صامتا، وأن الأئمة أنبياء يعلمون ما كان وما يكون - إلى يوم القيامة؛ فهؤلاء ومن أشبههم لا يعطون من الزكاة بإجماع؛ لأنهم كفار، وقد قال ابن حبيب: لا يعطى تارك الصلاة من الزكاة شيئا، وهذا على أصله بأن تارك الصلاة كافر على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من ترك الصلاة فقد كفر» - وإن تركها مفرطا فيها، أو متهاونا بها - وهو بعيد، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: عنده مائة دينار وعليه مائة دينار وعنده مائتا شاة قيمتها مائة دينار
مسألة قال: أرأيت الرجل يكون عنده مائة دينار، وعليه مائة دينار - وعنده مائتا شاة قيمتها مائة دينار، قال: يزكيها؛ لأن الغنم وفاء لدينه، والدنانير فضل؛ ولو لم يكن معها المائة دينار، وكانت الغنم وحدها، لم يكن دينه بالذي يسقط عنه الزكاة من رقابها.
قلت: فلم يزكي الغنم - وهي وفاء بالدين، قال: لأنها لا تشبه الدنانير، وهي لو كانت وحدها لم يكن معها المائة دينار لم يكن دينه بالذي يسقط الزكاة من رقابها، ولو لم تكن الغنم وكانت المائة وحدها؛ لم يكن عليه فيها زكاة الغنم، والحوائط والزرع كله لا يمنع صاحب الدين من زكاته.
قال محمد بن رشد: سأله لم لا يسقط الدين زكاة الغنم، ويسقط زكاة العين؟
فلم يجبه بأكثر من أن قال: (إن) الغنم لا تشبه الدنانير، وليس ذلك بجواب مقنع، ولا فرق بين، إذ لم يبين المعنى الذي أزال الشبه بينهما؛ والفرق بينهما أن الدين يمنع من تنمية العين، إذ لصاحب الدين أن يقوم بدينه فيحجر على المديان التصرف في ماله، والغنم والزرع والحوائط لا يمنع التحجير على المديان فيها بالدين من نمائها؛ لأنها نامية بأنفسها، وأيضا فإن الله تبارك وتعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]- الآية، فكان هذا عاما فيمن عليه دين، وفيمن لم يكن عليه دين؛ لأن المال مال الذي هو له - وإن كان عليه دين، فخصص من ذلك العين بإجماع الصحابة؛ لأن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة بحضرتهم من غير نكير منهم لذلك، وبقي سائر الأموال من الماشية والحرث على الأصل في وجوب أخذ الزكاة منها، كان على صاحبها دين، أو لم يكن، فهذان وجهان بينان في وجوب إسقاط الدين زكاة العين دون زكاة الحرث والماشية، والحمد لله.
مسألة: عليه دينا لا يرتجى قضاؤه لو باعه الساعة بعرض باعه بنصف ثمنه هل عليه زكاة
مسألة قلت: أرأيت لو كان دينا لا يرتجى قضاؤه، وهو لو باعه الساعة بعرض، باعه بنصف ثمنه، أو ثلث ثمنه، هل يحسب ذلك أم لا يحسب؟ قال: إن كان يجزيه ذلك، حسب ذلك الذي يجده وتمام الدين فيما في يديه، وزكى ما بقي إن كان بقي ما تجب فيه الزكاة، قال سحنون: يزكي قيمة الدين ولا يزكي عدده - إذا كان صاحبه موسرا، وابن القاسم يقول: يزكي عدده.