كتاب جامع البيوع الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال.
وقوله: إن المماثلة في أخباز القمح بالشعير يريد والسلت، إنما تكون باعتبار أصولها هو صحيح على ما في المدونة، وقد ذهب ابن دحون إلى أن الخبز يجوز أن يباع مثلا بمثل وزنا بوزن، قال: لأنه صار صنفا على حدة، فوجب ألا تراعى أصوله، قال: ولو جاز ما قال لفسد أكثر البيوع، ولعمري إن لقوله وجها، وهو القياس على الأخلال والأنبذة أنها تجوز مثلا بمثل ولا يراعى ما دخل في كل واحد منهما من التمر أو الزبيب أو العنب، وكذلك الدقيق بالدقيق أجازه مالك مثلا بمثل دون مراعاة دخل في كل واحد منهما من القمح أو من القمح والشعير إن كانا تبايعا دقيق قمح بدقيق شعير، ومعلوم أن ريع الشعير لا يساوي ريع القمح، فهذا يشهد لما ذهب إليه ابن دحون، والحجة له بالأنبذة والأخلال أبين لأنها تختلف بما انضاف إليها من الماء كما تختلف الأخباز بما انضاف إليها من الماء، إذ قد يكون بعضها أقل من بعض، وأما الدقيق فلم ينضف إليه في طحنه شيء سواه، وريعه يقرب بعضه من بعض، فلهذا أجازه والله أعلم، ألا ترى أنه لم يجز المشوي بالمشوي ولا القديد بالقديد من اللحم إلا بتحري أصولهما لتباعد ما بينهما في الرطوبة واليبس، وأما اللحم المطبوخ بالأبزار باللحم المطبوخ بالأبزار فالقول فيه كالقول في الخبز بالخبز لأن كل واحد منهما خرج إلى صنف آخر، فانظر في ذلك.
وأما إن كانت أصول الأخباز مما يجوز فيه التفاضل فلا اختلاف في أن المماثلة تعتبر في أعيان الأخباز بالوزن على مذهب من يرى الأخباز كلها صنفا واحدا، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب السلم والآجال، وقد مضى هناك ذكر الاختلاف في ذلك فلا معنى لإعادته.
مسألة: كان له على رجل مائتا رطل صوف فحل الأجل
مسألة وعن رجل كان له على رجل مائتا رطل صوف فحل الأجل
فوجد الرجل عند غريمه أربعة عشر كبشا سبعة منها مجزوزة وسبعة مصوفة فأراد أن يأخذ منه تلك الأكباش كلها بثمانين رطلا من صوف مما عليه، قال: إن كان يعرف كم في تلك السبعة الأكبش من صوف حتى لا يشك فيه إلا يسيرا رطل أو نحوه فإنه قيل لي إنه يعرف، وما أيسر ما يقع عنهم من علمه يريدون تلك الجزز فلا أرى به بأسا، وإن كان لا يعرف ويقع في معرفته غبن كثير فلا خير فيه، قيل له: أرأيت لو كان لرجل على رجل مائتا رطل صوف فأحضر الجزز ليزنها، فأراد أن يأخذ منه جزرا بالمائتي رطل من غير وزن؟ قال: إن تحرى ذلك حتى يعرف فإن زاد زاد يسيرا وإن نقص عما تحرى نقص يسيرا فلا أرى به بأسا، وإن كان لا يعلم إلا بتغابن كثير فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: إجازة ابن القاسم في هذه المسألة أن يؤخذ الصوف بالتحري دون وزن من الوزن الذي له هو على قياس قوله في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال.
قوله فيه: وكل صنف من الطعام أو غيره مما يجوز منه واحد باثنين من صنفه فلا بأس باقتسامه على التحري كان مما يكال أو يوزن أو مما لا يكال ولا يوزن، وعلى خلاف ما في آخر السلم الثالث من المدونة.
قوله فيه: وكل شيء يجوز منه واحد باثنين من صنفه إذا كايله أو راطله أو عاده فلا يجوز الجزاف بينهما لا منهما ولا من أحدهما لأنه من المزابنة إلا أن يكون الذي يعطي أحدهما متفاوتا يعلم أنه أكثر من الذي أخذ من ذلك الصنف بشيء كثير، وهو إذا تقارب عند مالك ما بينهما كان من المزابنة وإن كان ترابا.
وقد قال ابن دحون في مسألتي الصوف هاتين إنهما مخالفتان لأصل مالك وأصحابه في أن الصنف الواحد مما يجوز فيه التفاضل لا يجوز بعضه ببعض إلا إذا بان
التفاضل وظهر، وأما إن لم يبن وتحرى أن يكون مثلا بمثل فهو من المزابنة، وإنما عول ابن دحون على ما وقع في المدونة، وهو أصل قد اختلف فيه، وقد مضى تحصيله في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال.
وأما إجازة التحري فيما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز فيما يكال ويجوز فيما يوزن على تفصيل قد مضى القول فيه في رسم سلف من سماع عيسى [وفي غيره] .
مسألة: يأتي البزاز فيقول بكم هذا المتاع عليك فيقول بعشرة نقص
مسألة وسئل عن رجل يأتي البزاز فيقول بكم هذا المتاع عليك؟ فيقول: بعشرة نقص، فيقول: ليست معي نقص ولكني أحسبها عليك بقائمة، وإني أربحك فيها نصفا، فيقول: هي تجيء تسعة قائمة، فيقول: قد أربحتك فيها نصفا، قال: لا بأس بهذا لأنه بيع حادث كأنه باعه مساومة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال في جوازها لأنه أربحه على تسعة قائمة بعد أن بين له أنه ابتاعها بعشرة نقص، فذلك جائز كما لو باعها مساومة بتسعة قائمة.
مسألة: بيع الرطب عددا
مسألة وقال في التمر يباع عددا: وقال مالك في الرطب يباع عددا فكرهه وقال: هو عندي مثل التمر، قال ابن وهب: إذا أحاط
بصره به صغيره وكبيره فلا أرى به بأسا، قال ابن القاسم: إذا كان شيئا يسيرا فلا بأس به قدر ما لا يكال مما لا يمكن فيه الكيل.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في الكثير من التمر أنه لا يجوز أن يباع عددا لأن الأصل فيه الكيل، فلا يجوز أن يباع وزنا ولا عددا لأن ذلك من الغرر، ولا اختلاف أيضا في اليسير الذي لا يكال ولا يتأتى فيه الكيل أنه يجوز أن يباع عددا كما قال ابن القاسم، وإنما الاختلاف في اليسير الذي يتأتى فيه الكيل ويعرف لقلته بعدده مقدار كيله، فكرهه مالك وأجازه ابن وهب إذا أحاط به بصره صغيره وكبيره يريد فعرف بذلك مقدار كيله، والله أعلم.
واختلف في وجه كراهة مالك لذلك، فقيل: لما يقع في ذلك من الجهل وإن قل، إذ لا يعرف حقيقة ما فيه من الكيل بالعدد، وقيل: إنما كرهه لما في الكيل من البركة، روى الحارث عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول لصاحب السوق أنهيت الناس عن بيع الرطب عددا؟ قال: نعم، أردت ألا يباع إلا كيلا لما في الكيل من البركة، قال له مالك: إني أكره أن يباع الرطب عددا بالدراهم مثل بيع أهل المدينة.
مسألة: قدم بقمح من بلد فقال حين خرج إن أنا وجدت بيعا في الطريق بعته وإلا بلغته
مسألة وقال في رجل قدم بقمح من الإسكندرية فقال حين خرج: إن أنا وجدت بيعا في الطريق بعته وإلا بلغته الفسطاط، قال: لا يبع في الطريق وليبلغ به الفسطاط إلا أن يكون نوى به إلى قرية فيها سوق فلا بأس أن يبيعه فيها، قيل له فأراد أن يختزنه في منية موسى ثم بدا له أن يبيعه ثم قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ «لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن تلقي السلع وعن بيعها حتى يهبط بها إلى الأسواق» فإذا لم يجد ثمنا خرج
بطعامه إلى الفسطاط أن يبيعه بالطريق قبل أن يبلغ به الفسطاط لنهي رسول الله عن ذلك وجب ألا يجوز ذلك له وإن نواه، إذ لا تأثير للنية في جواز ذلك، بل ينبغي أن يكون الأمر أشد عليه إذا نواه، إذ لا يجوز لأحد أن ينوي فعل ما لا يجوز له فعله وذلك إذا باعه بالطريق ممن يريده للبيع.
وأما إن مر بقرية على أميال من الحاضرة فجائز له أن يبيعهم ما يحتاجون إليه للأكل، فإن نوى قرية فيها سوق جاز أن يبيع طعامه فيه إذا كان جائزا له أن يبيعه فيه وإن لم ينو ذلك عند خروجه، إذ لا تأثير للنية فيما يجوز من ذلك مما لا يجوز منه.
وأما إذا اختزنه في الطريق بموضع ليس فيه سوق فقال: إنه إن بدا له أن يبيعه فيه جاز ذلك ولم يكن به بأس، وفي هذا تفصيل، أما إذا باعه من أهل ذلك الموضع ليأكلوه أو ليبيعوه فلا بأس بذلك لأنه قد صار باختزانه في ذلك الموضع كأنه قد أصيب فيه، وأما إن باعه ممن خرج من أهل الحاضرة لشرائه فيجري ذلك محلى الاختلاف في أهل الحاضرة يخرجون إلى الحوائط يشترون من ثمارها أجاز ذلك ابن القاسم ورواه عن مالك، وهو قول أشهب خلاف روايته عن مالك في سماعه من كتاب السلطان أن ذلك لا يجوز، وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم.
مسألة: اشترى منه بعشرة دنانير قمحا فولاه رجلا فأراد أخذ العشرة فأعطاه تسعة
مسألة وسئل عن رجل اشترى من رجل بعشرة دنانير قمحا فولاه رجلا، فلما أراد أخذ العشرة منه أخذ منه تسعة وقال له: قد تصدقت عليك بالدينار، قال: هذا مكروه، ولا خير فيه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إن ذلك لا خير فيه لما يخشى من أن يكون قد نوى ذلك عند التولية ولعل المولى قد رجا أن يضع عنه أو فهم ذلك من إرادته فيكون كأنه قد ولاه إياه بأقل مما اشتراه فيكون بيعا له
قبل استيفائه، وأما لو وقعت التولية بالعشرة لا ينوي أن يعطه منها شيئا ولا يطمع بذلك المولى منه ثم بدا له فحط عنه لم يكن على واحد منهما في ذلك حرج والله أعلم.
مسألة: استعان رجلا يبتاع له سلعة
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل استعان رجلا يبتاع له سلعة فلما ابتاعها واستوجبها قال للبائع: خذ ذهبك من هذا يا رب السلعة للذي استعان به وادفع إليه السلعة ففعل ذلك البائع فوجد بعد ذلك في الذهب نقصا وقد غاب رب السلعة أو فلس، قال: إن كان المستعان لم يعلمه ذلك كان عليه بد لها.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان المستعان لم يعلمه ذلك كان عليه بدلها معناه إن كان لم يعلمه عند الشراء أنه إنما يشتري منه لفلان المستعين له على الشراء وأنه إليه يدفع ومنه يقبض فعليه البدل، ولا ينتفع بقوله له بعد الشراء ادفع إلى فلان السلعة وخذ منه الثمن فإني اشتريتها له إلا أن يصدقه في ذلك.
ولو قال له عند الشراء إني إنما اشتريتها لفلان ودفع هو إليه الثمن وقال: إنه مال فلان فوجد فيه نقصا وقد غاب فلان لوجب على المشتري البدل ما لم يصدقه البائع على ذلك ويبيعه عليه بتصريح على قياس ما مضى لأصبغ في نوازله قبل هذا خلاف قول ابن الماجشون.
مسألة: باع جارية وعليها حلي وثياب
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون عن علي بن زياد عن مالك إنه قال في رجل باع جارية وعليها حلي وثياب، قال: إن كان يعرف أنها هيئت بذلك للبيع فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فإن اشترطه المبتاع جاز البيع.
قال محمد بن رشد: قد مضى في أول سماع ابن القاسم من رواية ابن القاسم عن مالك مثل رواية ابن زياد هذه عنه، ومضى القول على ذلك هنالك فلا وجه لإعادته.
مسألة: اشترى عرصة فلما أراد البنيان فيها وجد بئرا عادية لها بال
مسألة وسئل عن رجل اشترى عرصة فلما أراد البنيان فيها وجد بئرا عادية لها بال، فقال البائع: بعتك شيئا لم أعرفه، وأنا أفسخ البيع، قال سحنون: أراها للمشتري وكذلك المواريث إذا اقتسمها الورثة فوجد في سهمه مثل ذلك أن ذلك له دون ورثته.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو وجد المشتري في العرصة التي اشترى صخرا أو عمدا أو رخاما أو وجد ذلك أحد الورثة في حظه لكان ذلك له على قول سحنون هذا، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وابن دينار في المدنية نصا وعلى قياس أحد قولي ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الأقضية في الذي يجد في أرضه جبا وباب الجب في أرض غيره إن له أن يأخذ ما كان منه في أرضه وينتفع به ويسده فيما بينه وبين صاحبه، ولا يستحقه صاحبه بالباب.
ويأتي على قياس قول ابن القاسم في الرسم المذكور أن الجب لصاحب الباب ولا حق فيه للذي وجده في أرضه أنه إن وجد المشتري في العرصة التي اشترى بئرا أو جبا أو
بيتا لم يعلم بها البائع أن للبائع أن ينقض البيع، وكذلك إذا وجد ذلك أحد الورثة في حظه كان للآخرين نقض القسمة، وأنه إذا وجد فيما اشترى صخرا أو عمدا أو رخاما مغيبا تحت الأرض فهو للبائع، فإن وجد ذلك أحد الورثة في حظه فهو بينهم، وكذلك قال ابن القاسم في أول رسم من سماع عيسى من كتاب اللقطة أنه لا حق في ذلك للمبتاع.
قال محمد بن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو في المجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد مغيبا في الأرض أنه من متاع البائع أو من متاع من ورثه عنه فلا اختلاف في أنه له، وكذلك إن علم أن ما وجده أحد الورثة في حظه من ذلك أنه لموروثهم فهو بينهم بلا خلاف، وكذلك إن ثبت أن البئر أو الجب أو البيت الموجود تحت الأرض من عمل البائع كان نسيه أو من عمل من ورثه عنه فلا اختلاف في أن للبائع أن ينقض البيع وأن لمن يجد ذلك في حظه من الورثة أن ينقض القسمة.
وجه القول الأول في المجهول أنه لمن وجد ذلك في أرضه هو أن البائع لم يثبت له عليه ملك، وقد باع الأرض ولا يعلم ما في داخلها فوجب ألا يكون للبائع حجة على المبتاع فيما وجده المبتاع فيها مما ينتفع به، كما لا يكون للمبتاع حجة على البائع فيما وجده فيها من جبل يمنعه من أن يحدث فيها ما يحتاج إليه من جب أو بئر أو غراس؟ ووجه القول الثاني أن ما وجد في الأرض مما يعلم أنه محدث فيها من جب أو بئر أو موضوع فيها من صخر أو عمد أو رخام فإنه محمول على أنه للبائع، إذ لعله قد انتقل إليه بميراث لم يعلم به وما أشبه ذلك، فوجب ألا يسقط حقه فيه جهله به، وإن علم أنه ليس له فحكمه حكم اللقطة، وهذا القول أظهر، والله أعلم، وبه التوفيق.