البيان والتحصيلصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب جامع البيوع الرابع

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باع من امرأته خادما واشترط عليها أن تتصدق بها على ولده

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وسلم من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن رجل باع من امرأته خادما واشترط عليها أن تتصدق بها على ولده، فلما وقع البيع بدا لها أن تتصدق بها، قال: لا تلزمها الصدقة، والرجل بالخيار، فإن شاء أجاز البيع على ذلك، وإن شاء نقضه ورد إليها مالها، قال أصبغ: وكذلك العتق إن اشترى على أن يعتق مثل هذا التفسير، وهو قول مالك في العتق، [والصدقة] أحرى وأضعف.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أصبغ إن البيع على الصدقة كالبيع على العتق، إذ لا غرر في ذلك بخلاف البيع على الوصية أو على

الوصية بالعتق أو [على] الكتابة أو التدبير أو العتق إلى أجل، وقد مضى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم القول على البيع بشرط العتق، ويأتي أيضا في رسم المدبر والعتق من هذا السماع، ومضى في رسم المكاتب من سماع يحيى القول على البيع بشرط الوصية وما أشبه ذلك، فلا معنى لإعادته.

مسألة: حكم أقداح القوارير المنصوبة في المجالس للبيع

مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن أقداح القوارير المنصوبة في المجالس للبيع مثل التي عند باب المسجد مفروشة في أفنية الحوانيت للبيع وأقداح الخشب يقف بها الرجل يشتري منها فيتناول منها شيئا فينظر إليه ويقلبه فيسقط من يديه فينكسر، فقال: لا ضمان عليه، وهذا من شأن الناس النظر إليها عند الاشتراء والتقليب، وذكره عن مالك في القوارير.
قال أصبغ: وسواء استأذن في الأخذ [أو لم يستأذن] إذا رآه صاحبها وتركه يأخذ وينظر، فإن كان بغير أمره، ولا علمه فهو ضامن، قال أصبغ: وكذلك الذي يدار به من القوارير أيضا للبيع، وكذلك البواقل في المجالس للبيع، قال أصبغ: فسألت ابن القاسم فقلت له: فقلال الخل يرفعها يروزها ليعرف نحوها وملأها فتنكسر؟ فقال:

ما أدري ما هذا؟ ولم أسمع فيه شيئا، قال أصبغ: وهو عندي مثل الأول مثل القوارير والأقداح ما لم يعنف ويخرق ويأخذ بغير مأخذه مثل أن يعلق القلة الكبيرة بأذنها أو غير ذلك من وجوه العنف عن وجه الحمل المعروف فيضمن.
قال أصبغ: قال لي ابن القاسم احتجاجا عليّ في الخل: أرأيت الدينار ينقره الصيرفي فيذهب ألا يضمن؟ قلت: فهذا مثله؟ قال: نعم، وهو يضعف ذلك، وقال أصبغ: ليس هو مثله ولا من بابه، وقال لي قبل ذلك في الدينار يعطيه الرجل الصراف على دراهم فينقده فيذهب إنه ضامن، قال أصبغ: هذا صواب قد صار منه حين قبضه بصرف، فهو بيع واشتراء مقبوض، قال أصبغ: وكذلك لو اغتصبه الصراف أو اختلس منه قبل أن يزنه كان منه، قال أصبغ: وسواء في هذا عندي نقره نقرا يتلف من مثله أو خفيفا لا يعطب في مثله إلا بالقضاء والقدر، إلا أن يأذن له في نقره فينقره نقرا خفيفا لا يعطب مثله فيصاب في ذلك فلا شيء عليه، وإن خرق ضمن.
قال محمد بن رشد: إنما رأى ابن القاسم في الخل أنه ضامن إذا رفع القلة فسقطت من يده فانكسرت من أجل أنه لا حاجة به في تقليب الخل إلى رفع القلة حسبما حكى ابن المواز عنه من رواية أبي زيد، وقد ذكرنا ذلك في نوازل سحنون، وكذلك رأى أنه لا يحتاج في انتقاد الدنانير إلى نقرها فقال في الصراف: إنه إذا قبض الدينار ليقلبه ثم يصارفه فيه إن أعجبه فنقره فتلف إنه ضامن إن لم تكن به حاجة في تقليبه إلى نقره، فاحتج على أصبغ بذلك في ضمان الخل، وأما إذا قبض الدينار على وجه الصرف فلا اختلاف في أنه ضامن له على كل حال كما قال أصبغ وإن غصبه الصراف أو اختلس منه قبل أن يزنه.
وقد اعترض ابن دحون قوله قبل أن يزنه فقال: قوله قبل أن يزنه قول مشكل، كيف يضمنه قبل أن يزنه وقد أخذه ليزنه؟ قال: وإنما تؤول المسألة الأولى التي في نوازل سحنون إنه

مثقال يجوز بعينه لا بوزن، فقبضه له ضمان؛ لأنه لم يدفعه إلا على مواجبة الصرف، وهذه ذكر فيها الوزن، وذلك يدل على عدم المواجبة إلا بعد الوزن، فمحال أن يضمن ما أخذ ليزن قبل الوزن، وهو اعتراض غير صحيح، وقول أصبغ قبل أن يزنه كلام صحيح ليس فيه لبس ولا إشكال؛ لأن معنى ما تكلم عليه إنه دينار يجوز بعينه، فبالقبض يدخل في ضمانه؛ لأنه محمول على أنه وازن حتى يعلم أنه ناقص لا يجوز بجواز الوازن فيكون ذلك عيبا فيه يجب له رده به، فإنما يزنه ليختبر هل به عيب أم لا؟ فمتى تلف قبل الوزن ضمنه المشتري، وهذا بيّن لا إشكال فيه، وقوله في قلال الخل يرفعها يروزها؛ ليعرف نحوها وملأها فمعناه ليعرف مقدار ما فيها من الخل ملأ لا ليعرف هل ملأى أم لا؟ فتحصيل هذه المسألة أن كل ما أخذه ليقلبه بغير إذن صاحبه ولا علمه فهو ضامن له عنف أو لم يعنف، وكل ما أخذه بإذن صاحبه أو هو يراه على أحد قولي ابن القاسم وقول أصبغ فلا يضمن إلا أن يعنف، وكل ما قبض على جهة البيع فضمانه منه على كل حال إلا أن يهلك بأمر أذن له فيه دافعه لم يتعده إلى غيره.

مسألة: قلال الخل هل يجوز شراؤها بحالها مطينة ولا يدري ما فيها

مسألة قال أصبغ: قلت لابن القاسم في قلال الخل أيجوز شراؤها بحالها مطينة ولا يدري ما فيها ولا ما ملؤها؟ فقال لي: إن كان قد مضى عليه عمل الناس أفأحرمه؟ كأنه لا يرى بذلك بأسا.
قال أصبغ: لا بأس به، قد جرى عليه وعرف حزره بقدر ظروفه، وهو يدور على أمر واحد في الملء والحد متقارب فلا بأس وإن لم يذقه ويعرف جودته من رديئه؛ لأن الاشتراء إنما يقع على الخل فهو الطيب فإن وجد خلافه برداوة مغيبة عنهما رده كما لا يدرى لعله خمر أو بعضه، وفتحه كله للبيع فساد، فلا بأس باشترائه

كذلك أو اشترائه على عين أوله يفتح الواحد منه ويذوقه ويشتري عليه وهذا أصوبه.
قال محمد بن رشد: إنما جاز شراؤها دون أن تفتح وتذاق للعلة التي ذكرها من أن فتحها للبيع فساد، فجاز شراؤها دون أن تفتح على الصفة من [أجل] أنه خل طيب أو وسط، كما جاز شراء الثوب الرفيع الذي يفسده الفتح والنشر على الصفة دون أن يفتحه وينشره ويقلبه، وكما جاز بيع الأحمال على صفة البرنامج لما في حل الأحمال للسوام من الضرر بأصحاب المتاع.
وقوله: ولا يدري ما فيها ولا ما ملؤها معناه ولا يدري مقدار ما فيها من الخل ملأ لا أنه لا يدري، هل هي ملأى أو ناقصة؛ لأنه إذا كانت القلة ناقصة غير ملأى فلا اختلاف في أنه لا يجوز أن يشتريها مطينة على ما هي عليه من نقصانها؛ لأن ذلك من الغرر، إذ لا يجوز بيع الجزاف إلا بعد الإحاطة برؤيته.

مسألة: باع دابة على أن يركبها بعد ثلاث فقبضها المشتري فنفقت عنده قبل الثلاث

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن باع دابة على أن يركبها بعد ثلاث إلى الإسكندرية فقبضها المشتري فنفقت عنده قبل الثلاث إنها من المشتري، وإنه إذا أخذها البائع فركبها بعد الثلاث فماتت تحته فهي منه.
قال أصبغ: البيع فاسد لطول الركوب وبعده وكثرته، فإذا ردها المشتري على البائع للركوب فهي كمن لم يقبض، والضمان في البيع الفاسد إذا لم يقبض من البائع، فالمصيبة في هذا منه لهذا.
ولو كان البيع صحيحا لقرب الركوب وخفته وما يجوز كان الضمان على كل حال من المشتري ماتت في يده قبل الركوب أو في الركوب في يد البائع.

قال محمد بن رشد: الفساد في هذه المسألة من وجهين: أحدهما مسافة الركوب، والثاني بعد وقت الركوب؛ لأن السنة في استثناء الركوب إنما جاءت في اتصاله بالبيع لا بعد أجل اليوم واليومين، ولذلك قال في سماع أبي زيد إنه إذا باع الدابة واستثنى ركوبها يوما بعد ثلاثة أيام إن البيع فاسد إلا أنه جعل المصيبة فيها من البائع ما بقي له فيها ركوب وإن تلفت في يد المشتري خلاف قوله ههنا، قولان جاريان على الاختلاف في المستثنى هل هو مبقى على ملك البائع أو بمنزلة المشترى، فرواية أبي زيد على القول بأنه مبقى على ملك البائع، وهذه الرواية على القول بأنه بمنزلة المشترى.

مسألة: الأرض يبيعها الرجل من الرجل على أن يردها عليه متى ما جاءه بالثمن

مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الأرض يبيعها الرجل من الرجل على أن يردها عليه متى ما جاءه بالثمن، ما الذي يفوتها؟ فقال: قال مالك: الغرس والبنيان مما يفوتها، قال مالك: والهدم وبيع المشتري إياها مما يفوتها حتى لا يكون له إليها سبيل ويردان فيها إلى القيمة قيمتها يوم قبضها وينفذ اشتراء المشتري الثاني إياها فيما بينه وبين بائعه حلالا لا يردان فيه إلى القيمة ولا غير ذلك إذا كانت عقدتهما في ذلك صحيحة، وإنما القيمة ما بين المشتري الأول والبائع.
قال ابن القاسم: طول الزمان في ذلك عندي ليس بفوت، واختلاف الأسواق ليس بفوت، ويرد متى ما علم بذلك، وقاله أصبغ، إلا أن يطول الزمان بالدهور مثل العشرين سنة وما فوق ذلك فإن هذا لا بد أن يدخله الغير ببعض الأوجه والبلى وغيره فأراه فوتا وإن كانت قائمة، والله أعلم، وهذا رأيي.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذا البيع، إنه بيع فاسد

هو مثل قوله في أول سماع أشهب خلاف قول ابن الماجشون وقول سحنون في المدونة من أنه ليس ببيع فاسد، وإنما هو سلف جر منفعة حسبما مضى القول فيه في سماع أشهب المذكور.
وقد اختلف قول ابن القاسم في طول الزمان بالدهور هل هو فوت في الأرضين والدور، والقولان له في كتاب الشفعة من المدونة، نص في موضع منها أن طول الزمان فيها فوت، وقال في موضع آخر: إن السنتين والثلاث ليس فيها بفوت، فدل ذلك من قوله أن الزمان الطويل فيها فوت، فعلى هذا يكون قول أصبغ في هذه الرواية مفسرا لقول ابن القاسم ومبينا له كما ذهب إليه أصبغ، وله في موضع آخر منه أن تغير البنيان من غير هدم ليس بفوت، قال ذلك على أن طول الزمان بالدهور التي يتغير فيها البنيان ليس بفوت، فعلى هذا يكون قول أصبغ خلافا لقول ابن القاسم.
وأما حوالة الأسواق فلم يختلف قوله في أنه ليس بفوت في الأرضين والدور، وأشهب يراه فوتا فيها، ووجه قول ابن القاسم أن الرباع والعقار لا يراد بها الأرباح وإنما تشترى للقنية فلا يفيتها حوالة الأسواق، ووجه قول أشهب أنه وإن كان الأغلب فيها أنها إنما تشترى للقنية فقد تشترى للربح وطلب الفضل، فوجب أن يراعى ذلك في البيع الفاسد وشبهه.

مسألة: يبيع الدور ويستثني سكناها سنة فانهدمت الدار قبل أن تمضي السنة

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يبيع الدور ويستثني سكناها سنة فانهدمت الدار قبل أن تمضي السنة إنها من المبتاع، ولا يرجع البائع بشيء مما بقي له من السكنى.
قال محمد بن رشد: قوله إن مصيبة الدار إذا انهدمت قبل تمام السنة من المشتري ولا رجوع للبائع عليه بشيء فيما بقي له من الأمد الذي استثنى هو مثل ما تقدم من قوله في نوازل سحنون، وقد مضى القول على ذلك هناك فلا معنى لإعادته، وستأتي المسألة أيضا متكررة بعد هذا.

مسألة: الرجل من أهل الأندلس يكون له المال الموضوع بمصر

مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل من أهل الأندلس يكون له المال الموضوع بمصر عند القاضي أو عند رجل وضعه له القاضي عنده من مورث أو غير ذلك، هل يجوز لرجل أن يشتريه منه بالأندلس بعرض ويخرج إليه؟ فقال لي: سئل مالك عن رجل له ذهب بالمدينة عند قاضيها أراد أن يشتري بها زيتا بالشام أو طعاما لا يدري ما حدث على الذهب، قال مالك: لا خير في هذا، فقيل له: كيف العمل في هذا والصواب؟ قال: يتواضعان الزيت والطعام على يدي رجل ثم يخرج إلى الذهب، فإن وجدها تم البيع بينهما.
قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: فإن تواضعا العرض في مسألتك على يدي غيرهما لم يكن به بأس ويخرج إلى الذهب، فإن وجدها تم البيع بينهما، وإن لم يجدها فأخلف له غيرها وأعطاه عوضا منها لزم ذلك بائع العرض على ما أحب أو كره، وإن كان بائع الدنانير الغائبة يقبض العرض لا يتواضعانه فلا يحل ذلك إلا أن يكون ضامنا للدنانير إن لم توجد أعطاه مكانها أخرى، فإن كان كذلك فلا بأس به، وإن كان بائع الدنانير الغائبة لا يقبض العروض ولا يمكنه منها صاحبها ولا يتواضعانها ولا يخرجها من يديه لم يكن بذلك بأس، ويخرج إلى الدنانير فإن وجدها لم يقبصها حتى يقبض مشتري العروض العرض؛ لأنه يصير كمن اشترى سلعة غائبة بدنانير، فلا يصلح النقد فيها حتى يقبض السلعة أو يحضر.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت متكررة في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال، ومضى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم منه ما فيه بيانها فلا معنى لإعادته، وبالله تعالى التوفيق.

مسألة: باع دابة بثمن مسمى واشترط ركوبها

مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم وسئل عمن باع دابة بثمن مسمى واشترط ركوبها إلى الموضع القريب الذي يجوز له اشتراطه فركب فنفقت قبل أن يبلغه، قال: ضمانها من المشتري، قلت: فهل يرجع البائع على المشتري بثمن الركوب الذي اشترطه؟ قال: لا لأنه لم يضع لذلك الركوب شيئا من ثمنها إنما هو شيء اشترطه يجوز لأنه خفيف، وإنما هو بمنزلة ما لو قال: أبيعك هذه الدابة على أن لا تأخذها إلى غد وإلى بعد غد، قلت: فهذا البيع الذي ذكرت لا بأس به أيضا؟ قال: نعم، قلت: وضمانه ممن؟ قال: من المشتري، انظر أبدا كل من اشترط مثل هذا ويجوز له اشتراطه ويكون البيع به جائزا فالضمان من المشتري، قال أصبغ مثله كله إلا الرجوع بثمن الركوب فإني أرى ذلك له إذا كان شيء لا قدر له ولم يكن مثل الساعة والميل والأميال والبريد ونحو ذلك، ومثل اليوم في الدار واليومين والأيام الثلاثة وشبه ذلك، فهذا الذي يلغى وأراه لغوا ولا أرى له رجوعا ولا شيئا، فإذا كان له بال مثل ما ذكرت اليوم واليومين وشبهه رأيته ثمنا، والضمان من المشتري، وإنما ذلك بمنزلة بيع نصف السلعة على أن يبيع النصف الباقي إلى شهر فيبيع إلى أقل من ذلك فلا يبطل بقية شرطه، قال أصبغ: فسألته إن باع دابة واشترط ركوب دابة أخرى غيرها إلى المكان البعيد أيجوز؟ قال: نعم إلى إفريقية إن شاء، قلت: فنفقت في بعض الطريق؟ قال: يرجع عليه لأن الركوب ههنا ثمن ما باع به

دابته، قلت: فكيف يرجع؟ قال: يقوم الكراء كراء الموضع الذي اشترط ركوبه فيعرف كم هو، قال أصبغ: فإذا علم مبلغه ضم إلى الثمن ثم قسم عليه قيمة الدابة، فما صار لقيمة الكراء من قيمة الدابة قسم على ما ركب وعلى ما لم يركب، فيرجع بما لم يركب من ذلك بما أصابه عينا ولا يرجع في الدابة بعينها، وكذلك السكنى مثل ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في نوازل سحنون مستوفى، والحمد لله.

مسألة: العبد يشترى ويستثنى نصف ماله

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في العبد يشترى ويستثنى نصف ماله: لا خير فيه إلا أن يكون ماله معلوما عرضا أو حيوانا أو رقيقا ولا يكون ذهبا ولا ورقا إذا كان اشتراه بذهب أو ورق، فإن كان اشتراه بعرض أو حيوان فلا بأس أن يستثني نصف ماله وإن كان ماله ذهبا أو ورقا، ورواها سحنون عن ابن القاسم إلا أنها في سماع أصبغ أفسر.
قال أصبغ: وذلك إذا وقع المشتري على معرفة الذهب والورق كم هي وأنها له معروفة أو العرض بتسميته وصفته وعينه ومخالفا للعرض الذي يعطى في ثمنه، فأما مجملا فلا يدري ما هو ولا مبلغه فلا يجوز، وإن كان عرضا أو ذهبا أو ورقا واشترى بعرض لأنه لا يجوز بيع الجميع وحبس نصف المال للبائع واستثنى المشتري نصفه والمال

مجهول كما يجوز في الجميع هو السنة والبعض خارج من السنة فلا يجوز وإنما تجوز السنة على وجهها ولا تبعض وكذلك سمعت.
قال أصبغ: قلت لابن القاسم: أرأيت إن كان ماله عرضا من صنف العرض الذي يشتريه به فلم يستثن ماله كله؟ قال: لا بأس، قال أصبغ: ولا يعجبني، قال أصبغ: ولو أن رجلا اشترى نصف حائط واشترط نصف ثمره لم يكن به بأس.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم فإن كان اشتراه بعرض أو حيوان فلا بأس أن يستثني نصف ماله وإن كان ماله ذهبا أو ورقا يريد ذهبا أو ورقا معلوما على ما فسره به أصبغ، فقوله تفسير لقول ابن القاسم؛ وقول ابن القاسم إن ماله إذا كان عرضا من صنف العرض الذي اشترى به يجوز له أن يستثني بعضه يريد إذا كان مال العبد معلوما؛ وقول أصبغ لا يعجبني يريد إذا كان ماله مجهولا، فليس قوله بخلاف لقول ابن القاسم، وإنما تكلم كل واحد منهما على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه، هذا الذي يجب أن يحمل عليه قولهما، إذ لا يصح أن يختلف في جواز ذلك إذا كان مال العبد معلوما، ولا خلاف في أن ذلك لا يجوز عندهما إذا كان المال مجهولا، وإنما يجيز ذلك أشهب.
وقد مضى ذلك من قوله في سماع سحنون.
وقول أصبغ: ولو أن رجلا اشترى نصف حائط واشترط نصف ثمره لم يكن بذلك بأس صحيح، ولو اشترط جميع الثمرة في اشترائه نصف الحائط لم يجز باتفاق، وكذلك مال العبد فإنما يجوز للرجل أن يشترط من مال العبد وثمر النخل بقدر ما اشترى من العبد ومن النخل، فإن اشترط أكثر مما اشترى من الأصل لم يجز عند الجميع، وإن اشترط أقل مما اشترى من الأصل جاز عند أشهب ولم يجز عند ابن القاسم.

مسألة: اشترى من رجل كرما فخاف الوضيعة

مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن رجل اشترى من رجل

كرما فخاف الوضيعة فأتى ليستوضعه فقال: بع وأنا أرضيك، قال: إن باع برأس المال أو بربح فلا شيء عليه، وإن باع بوضيعة كان عليه أن يرضيه، فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد أكثر منه يوم قال له ذلك.
قال أصبغ: وسألت عنها ابن وهب، فقال: عليه رضاه بما يشبه ثمن تلك السلعة والوضيعة فيها، قال أصبغ: وقول ابن وهب هذا أحسن عندي، وهو أحب إلي إذا وضع فيها.
قال محمد بن رشد: قوله: بع وأنا أرضيك عدة " إلا أنها عدة " على سبب، وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال، وقد قيل: إنها لا تلزم بحال، وقيل: إنها تلزم على كل حال، وقيل: إنها تلزم إذا كانت على سبب وإن لم يحصل السبب، وقول أشهب إنه إن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد يريد مع يمينه، ومعناه إذا لم يسم شيئا يسيرا لا يشبه أن يكون إرضاء والدليل على أنه يحلف على مذهبه إذا قال: أردت كذا وكذا لما يشبه قوله إنه إن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف أنه ما أراد أكثر من ذلك، وجوابه هذا على كله في كثير من مسائله أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقربه على نفسه، واليمين في هذا يمين تهمة، إذ لا يمكن لمستوضع أن يدعي علم نيته فيحقق الدعوى عليه بخلاف ما ذكر أنه أراده، فيدخل فيها من الخلاف ما يدخل في يمين التهمة، وأما ابن وهب فأخذه بمقتضى ظاهر لفظه وألزمه إرضاءه إلا أن يقول: لا أرضى فيما يقول الناس فيه إنه إرضاء فلا يصدق أنه لم يرض ويؤخذ بما يقول الناس فيه إنه إرضاء، هذا معنى قوله.
ولو حلف ليرضينه لم يبر إلا باجتماع الوجهين، وهما أن يضع عنه ما يرضى به وما يقول الناس فيه إنه إرضاء، وقد مضى ما يدل على هذا في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النذور في الحالف ليرضين غريمه من حقه، والحمد لله.

حكم بيع البرج

ومن كتاب البيع والصرف قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول في البرج يباع قال: إذا باعه بما فيه أو باع جميع ما فيه فذلك جائز لا بأس به وإن كان لا يعرف عدده إذا كان قد رآه وعرفه، قال أصبغ: وذلك إذا عاينه كما يعاين النخل والزرع وصبرة الطعام وأحاط به بصرا ومعرفة أو حزرا وإلا فلا خير فيه، وقد يكون صغيرا كثير العمارة، وكبيرا قليل العمارة.
قال محمد بن رشد: لعبد الله بن نافع في المدنية أنه لا يجوز أن يباع حمام البرج جزافا لأنه من الغرر، ولا يباع إلا عددا، فقيل: إن ذلك مثل قول ابن حبيب في الواضحة في أنه لا يجوز أن يباع الطير أحياء في الأقفاص جزافا؛ لأنه يتداخل بعضه في بعض فلا يحيط البصر به، وإن قول ابن القاسم في حمام البرج خلاف قول ابن حبيب في طير الأقفاص، والذي أقول به أن ذلك ليس بخلاف له لأن طير الأقفاص لا مؤونة في عدها، وحمام البرج لا يصل إلى عدها إلا بعناء كثير ومؤونة شاقة، فطير الأقفاص لا خلاف في أنه لا يجوز بيعها جزافا إذ لا مؤونة في عدها ولا يحاط كل الإحاطة بالنظر إليها لتداخل بعضها في بعض، ونحل الأجباح لا خلاف في جواز بيعها جزافا إذ لا يمكن عدها ولا كيلها بوجه، وحمام الأبرجة اختلف في جواز بيعها جزافا لمشقة عدها، فمن غلب المشقة في عدها على عدم الإحاطة بها في النظر إليها أجاز ذلك، ومن غلب عدم الإحاطة بها في النظر إليها على المشقة في عدها لم يجز ذلك، وليس في تغليب أحد الوجهين على الآخر إلا ما يغلب على ظن المجتهد.

مسألة: حكم بيع الصعاب من الإبل

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في بيع الصعاب من

الإبل وهي لا تؤخذ إلا بالأوهاق، ولا يعرف ما فيها من العيوب وربما عطبت في أخذها فكره ذلك وكره بيعها وقال: في أخذها غرر في انكسارها فهو لا يحل، وكذلك بيع المهارات والفلاء الصعاب بالبراءة ولا يعلم أبها عيب أم لا، ولا يعرف عيب شيء منها ولا ما بها لصعوبتها، وفيه عيب آخر من وجه الخطار أيضا أنه يقول: لا أعلم ما فيها ولم أقلبها، فإنما أبيعها على ما كان فيها من عيب، فهو يضع من ثمنها لذلك، ولا يدري أبها عيب أم لا والمشتري يريده لما يرجو من السلامة، فكل واحد منهما قد خاطر صاحبه، ولو جاز هذا لجاز أن يبيع السلعة الغائبة بصفة أو يكون المبتاع قد رآها ولم يقلبها، أو قد قلبها فطال زمانها فيقول: أبيعك على أنه ما كان فيها من عيب أو من حدث مما لم أعلم فهو منك، فهذا غير جائز، وهو من الغرر، ووجه من التغابن في البيع، وهو يشبه بيع الإباق، فأرى جميع ذلك مفسوخا وجد عيبا أو لم يجده أو حدث بها عيب أو لم يحدث.
قال أصبغ: أرى الذي اجتح به وناظر من الحجج في ذلك ليس بحجة ولا نظير المسألة ولا صواب إلا كراهة بيعها لغرر أخذها لصعوبتها وانكسارها فيه فإن ذلك كذلك غير مأمون عليها ولا سليمة منه للذي قد عرفت به واستوحشت ولا أرى بيعها ولا يعجبني، ولا شراءها، وأراه غررا من البيوع حتى تؤخذ فيسلم ما يسلم ويعطب ما يعطب قبل البيع، وأراه مفسوخا إن وقع وأرى مصيبتها من البائع حتى تؤخذ ثم تصاب بعد قبض المشتري إياها.
وأما حجته بالوجه الثاني من الغرر والخطار أنه لا يعلم ما فيها فيبيعه على ما

كان فيها من عيب فقد خاطره فليس كذلك إنما ذلك بمنزلة بيع البراءة ولا يعلم ما في السلعة وبيع السلعة الغائبة على الصفة المخصوصة ولا يدري ما فيها سواء ذلك فليس في هذا أخطار وهذه بيوع المسلمين، وهي جائزة لازمة حتى توجد عيوب، والذي احتج به في السلعة الغائبة فيقول: أبيعك على أنه ما كان فيها أو حدث مما لم أعلم فهو منك فإنما مكروه هذا إذا اشترطه اشتراطا، وجوابه في الحجة لها في حرور المسألة على غير اشتراط فهي غير حجة لأن المسألة الأولى في بيع الصعاب بالبراءة ليس فيها اشتراط إنما هو بيع مجرد فليست بحجة، والجواب فيها بعينها لنفسها صحيح إذا كان الاشتراط مجردا فالبيع فاسد وإن كان بغير ذلك فليس بفاسد، وله شبيه ببيوع المسلمين وأحكامهم فليس به بأس في المهارة وغير ذلك من المسألة ما عدا الإبل الصعاب وما أشبهها من الأشياء في مثل حدها من المهل والصعوبة والاستيحاش.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في أنه لا يجوز بيع الإبل الصعاب التي لا تؤخذ إلا بالأوهاق وهي الحبال لأن الوهق الحبل التي تؤخذ به الدابة والإنسان، قاله الخليل، صحيح، وتنظيره كما نظرها به من بيع المهارات والفلاء الصعاب على البراءة ومن بيع السلعة الغائبة على الصفة أو على رؤية متقدمة للمبتاع فيها وعلى البراءة مما حدث بها بعد مغيب البائع عنها أو بعد رؤية المبتاع لها إلى حين العقد عليها وقد طال

زمان ذلك صحيح أيضا، واعتراض أصبغ عليه في تنظيره واحتجاجه ليس بصحيح، وذلك أنه لا يجوز أن يبيع الرجل بالبراءة ما يجهل عيوبه لأن عليه أن يبين ما يعلم منها فيبرأ مما لم يعلم، فإذا باع ما يجهل عيوبه بالبراءة كان ذلك غررا فقال ابن القاسم: إن بيع الإبل الصعاب التي لا تؤخذ إلا بالأوهاق على البراءة مما بها من العيوب لا يجوز لوجهين: أحدهما الغرر لما يخشى من انكسارها في أخذها، والثاني أنه لا يعرف ما فيها من العيوب لصعوبتها ولا إن كان بها عيب أم لا، فوجب ألا يجوز كما لا يجوز بيع المهارات والفلاء الصعاب بالبراءة إذا كان لا يعرف ما فيها من العيوب ولا إن كان بها عيب أم لا إذ لم يختبر ذلك منها، وكما لا يجوز بيع السلعة الغائبة على الصفة أو على الرؤية المتقدمة على البراءة مما حدث بها بعد مغيب البائع عنها أو بعد رؤية البائع لها إلى حين العقد عليها وقد طال زمان ذلك، وقوله صحيح لائح لا وجه للاعتراض فيه.
ورأى أصبغ بيع المهارات والفلاء الصعاب بالبراءة جائزا وإن كان البائع لها لا يعلم هل بها عيب أم لا إذا لم يختبر ذلك منها، وأن بيع السلعة الغائبة على الصفة بالبراءة وإن طال عهده بها طولا يمكن أن يحدث بها عيوب فيه جائز ما لم يشترط أني بريء من كل ما حدث بها مما لم أعلمه، ولذلك اعترض على ابن القاسم، ولا يلزمه اعتراضه لأنه لا يجيز شيئا من ذلك، وهو الصحيح المعلوم من قول مالك.
ولهذا المعنى لم يجز للرجل أن يبيع بالبراءة ما اشترى بيع الإسلام وعهدة الإسلام، وقال في أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب في ذلك يعمد الرجل إلى العبد فيشتريه بيع الإسلام وعهدة الإسلام ولا يحب أن يخبر بشيء من عيوبه ولا يقيم في يديه كبير شيء حتى يعمد إليه فيبيعه بالبراءة فيحكم على المشتري بما لا يدري كيف هو، فامنعهم من ذلك أشد المنع، وافسخ ذلك بينهم، يقول ذلك لصاحب السوق، وقال في رسم تسلف من سماع ابن القاسم منه إن بيع الثياب في الجراب بالبراءة لا خير فيه لأنه لا يستطاع أن يدرك معرفته، وقد مضى القول على هذا في الموضعين.

مسألة: اشترى من رجل ثوبا مصبوغا واشترط له أن يلبسه

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل اشترى من رجل ثوبا مصبوغا واشترط له أن يلبسه، فإن انتقض صبغه رده وأخذ حقه، قال: لا خير فيه إذا اشترط اللبس، ولكن لا بأس أن يبيعه ويقول: اغسله فإن انتقض فرده.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إن ذلك لا خير فيه لأنه إن انتقض فرده كان سلفا جر منفعة، كأنه أسلفه الثمن على أن يلبس ثوبه ما دام سلفه عنده، وإن لم ينتقض كان بيعا، فمرة يكون بيعا، ومرة يكون سلفا جر منفعة، فإن وقع ذلك كان سبيله سبيل البيع الفاسد يفسخ في القيام، وتكون له القيمة بالغة ما بلغت في الفوات.

مسألة: بيع كيل وجزاف

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: لا يباع كيل وجزاف اتفق الطعامان أو الصنفان أو اختلفا، فإن اختلفا فهو أشد، قال: ولا يباع جزاف وكيل وإن قل الكيل مثل الإردب والويبة وما أشبه ذلك ويقول: أنا أكرهه قال: ولا يباع جزافا كيلا كله وعروض معه ما كانت العروض من شيء لأنه إذا قلت لك جزافا كيلا فهو يجمع ولا تبالي ما كان، لا يباع مع الجزاف شيء وذلك إذا كان إنما يأخذ جميع ما في الصبرة كيلا مع العروض لأنه لا يدري ما مبلغها.
قال أصبغ: وأنا أقول على خوف الذريعة للمزابنة والخطار وعلى الاستحسان والاتباع وليس ذلك بالبين ولا بالقوي ولا المجتمع عليه ولا المسبوق إليه بأحد من أهل العلم قبله، وقد أجازه لنا أشهب.
قال أصبغ: قلت لابن القاسم: أفيباع الطعام الواحد في الجودة ومن أندر واحد إلا أنهما مصبرين كل

واحد على حدته، أفيباعان جميعا على الكيل بكيلين مختلفين هذا إردبين وهذا ثلاثة صفقة واحدة على الإيجاب عليهما جميعا؟ قال: لا خير في هذا ولا يعجبني؛ لأنه لا يدري كم مبلغ ثمن ذلك ولا كم يقع لكل دينار من جميع ذلك، فكل واحد منهما لا يدري ما اشترى ولا ما باع إلا أن يسمى كم يأخذ من هذا من دينار وكم يأخذ من هذا من دينار، قال أصبغ: وهذا إغراق منه على مذهبه الذي ذهب إليه في هذا الباب بين أهل العلم في أوله وآخره وأرجو أن يكون هذا خفيفا.
قال أصبغ: قلت لابن القاسم: أرأيت إن اختلفا في الجودة وهو قمح كله أو اختلف الطعامان مثل التمر والقمح أيشتريهما بكيلين مختلفين صفقة واحدة أو كيل واحد صفقة واحدة؟ فقال في الطعامين المختلفين لا يباعان جميعا على الكيل، وإن اتفق الكيل فكان بكيل واحد فلا خير فيه، وكذلك الطعامان إذا اختلفت الصفة، وإن كانا من صنف واحد مثل القمح والشعير أو القمح الجيد والرديء، ولا يباعان صفقة وإن كانا بكيل واحد وسعر واحد إلا أن يسمى ما يأخذ كل واحد منهما من الدنانير فلا بأس أن تباع الصبرتان من صنف واحد وقمح واحد وصفة واحدة بسعر واحد وكيل واحد، وقاله أصبغ كله، ونحن فتقناها عليه حين علمنا أصل قوله في الأول وتشديده فيه، وهو عندي حسن، والمسألة ووجوهها حسنة جدا على ما فسرت لك في الأول.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم شك من سماع ابن القاسم تحصيل القول فيما يجوز من بيع الجزاف والكيل صفقة واحدة مما لا يجوز، ولا اختلاف في أنه يجوز بيع الكيلين في صفقة واحدة وبيع الجزافين على غير الكيل في صفة واحدة ولا في بيع الكيل مع العروض

التي لا يتأتى فيها الكيل.
واختلف في بيوع الجزاف مع العروض على ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك لا يجوز وإن كان الجزاف على غير الكيل، وهو مذهب ابن حبيب، والثاني أن ذلك جائز وإن كان الجزاف على الكيل، وهو قول أشهب وأصبغ، والثالث أن ذلك جائز إن كان الجزاف على غير الكيل، ولا يجوز إن كان على الكيل، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية والمشهور في المذهب.
وأما بيع الجزافين على الكيل فإن اتفق الطعام والكيل جاز ذلك باتفاق، وإن اختلف الطعام والكيل لم يجز ذلك باتفاق، وإن اتفق أحدهما واختلف الآخر مثل أن تكون صبرتين من قمح صفة واحدة فيشتريهما صفقة واحدة، هذه ثلاثة أرادب بدينار، وهذه أربعة أرادب بدينار، أو صبرة من قمح وصبرة من شعير فيشتريهما صفقة واحدة ثلاثة أرادب بدرهم جاز ذلك عند أشهب وأصبغ ولم يجز عند ابن القاسم، فلا يجوز عند ابن القاسم أن يشتري الرجل مبدر عشرة أمداء من أرض كل قفيز بكذا إن اختلفت الأرض وإن نظر إلى جميعها، وكذلك لا يجوز على مذهبه وإن اتفقت إذا كان معها في الصفقة سوى الأرض من ثمرة أو دار أو عرض، ويجوز ذلك كله على مذهب أشهب وأصبغ، هذا تحصيل القول في هذه المسألة.

مسألة: اشترى من رجل عشرة من الغنم يختارها والغنم كلها حوامل

مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن رجل اشترى من رجل عشرة من الغنم يختارها من عدة غنم، والغنم كلها حينئذ حوامل، فواجبه وتفرقا ولم يختر حتى وضعت فجاء ليختار أيكون له من لغوها شيء؟ ولغوها نسلها الذي وضعت قال: لا ليس له من

لغوها شيء، يشتري عشرة ويأخذ عشرين ليس له إلا أن يختار في رقابها وحدها ولا يتبعها بشيء من لغوها، فقيل له: إن البيع قد وقع حين وقع وهي حوامل، وقد كان له أن يختارها وهي حوامل وأولادها في بطونها، قال: وإن ليس له ههنا إلا الرقاب لم يشتر غيرها إلا أن يكون اشترى على أنها حوامل، بشرط واشترط، فالبيع حينئذ فاسد مفسوخ، قيل له: فإن جز صوفها قبل أن يختار ثم جاء ليختار؟ قال: له الصرف يأخذه لأنه لم يكن للبائع جزه.
فقيل له: فما أكل البائع منها من الألبان والسمون؟ قال: لا شيء عليه فيه للضمان.
فقيل له: فإن اشترى عشرة شياه من مائة يختارها على أن المائة كلها تحلب قسطا قسطا؟ قال: وما بأسه؟ لا بأس به، قيل: فتأخر اختياره حتى احتلبها هذا أياما ثم جاء ليختار؟ قال: لا شيء عليه فيما احتلب لأنه كان ضامنا يعني البائع، قيل له: فإن اشترى رجل عشر جواري يختارها من مائة وهي حوامل؟ قال: ليس هذا مثل الغنم، هذا إن كان يختار مكانه حين اشترى فلا بأس والبيع جائز، إلا أن يكون أيضا الشرط على أنهن حوامل فيفسخ البيع، وإن لم يشترط ذلك فلا بأس، فإن لم يختر حتى يضعن أيضا رأيت أن يفسخ البيع ولا يكون له الخيار في رقاب الأمهات كما يختار في رقاب الأمهات من الغنم من قبل أن ذلك يكون حينئذ تفرقة بين الأمهات والأولاد، ورآه بمنزلة من باع جارية ولها ولد وسكت عن الولد فلم يشترط فيها تفرقة ولا غيرها أن ذلك البيع أيضا يفسخ لأنها تفرقة، فقيل له: إن البيع

وقع ههنا فاسدا وأصل البيع هناك كان صحيحا، قال: وإن فقد صار إلى فساد قبل أن يتم، قال أصبغ مثله إلا في الاشتراط أنها حوامل، فإنه إن كان الحمل بينا ثابتا معروفا يعرفه كل واحد فلا بأس به في الغنم والجواري جميعا، والشرط فيه وغير الشرط سواء، ولا يفسد البيع إلا في ولادة الجواري إذا لم يشترط الحمل ووضعن قبل الاختيار فكان الولد للبائع أنه يختار ثم يجمع ما اختار مع ولده فيباعان جميعا ويقسم الثمن على الأقدار ولا يفسخ لأن أصله جائز أن تجمعهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة في الذي يشتري عشرة من الغنم يختارها من عدة وهي حوامل فلم يختر حتى وضعت أنه ليس له في الأولاد شيء، وإنما يختار في الأمهات مثل قول أشهب في المدونة خلاف قوله فيها في الذي يشتري أمة بالخيار فتضع في أيام الخيار أن الولد للمشتري إن اختار الشراء فجعل الولد كعضو منها بخلاف الجناية عليها عنده وهو أن يكون كعضو منها في هذه أحرى؛ لأن البيع له فيها لازم في عشرة مع أنه بالخيار في كل واحدة منهما، وقد قال ابن دحون: إن قوله في هذه المسألة ليس بخلاف لما له في المدونة لأنه إنما جعل الولد للمشتري في مسألة المدونة من أجل التفرقة، ولا تفرقة في الغنم، وليس قوله بصحيح لأنه قد قال في الجواري بعد هذا: إن البيع يفسخ إذا وضعت الجواري قبل الاختيار من أجل أن الولد يكون للبائع فيكون بيع تفرقة، ولم يقل إنه يكون له أولاد الذي يختار، فدل ذلك على أنه لا فرق عنده في هذا بين الغنم والجواري.
وفي قوله: إن البيع يفسخ نظر لأنه إنما فسخه من أجل أنه رأى اختياره إن اختار إنما يكون على العقد الأول وكأنها لم تزل ملكا له من يومئذ، وهذا يوجب أن يكون له الأولاد، وفسخه للبيع أيضا من أجل التفرقة خلاف قوله في المدونة من أن البيع لا يفسخ إلا أن يأبيا أن يجمعا بينهما في ملك واحد بأن يبيع أحدهما من الآخر أو يهب له، وقد قيل: إن البيع لا يفسخ، وإن أبيا أن يجمعا

بينهما في ملك بيعا عليهما وقسم الثمن بينهما على قيمتهما، وهو قول أصبغ هنا، وهو القياس على القول بجواز جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وهو مذهب أشهب إلا أنه قد خالف أصله في هذه المسألة فقال: إن البيع يفسخ إذا أبيا أن يجمعا بينهما في ملك واحد.
وقوله: إن له الصوف إذا جزه البائع قبل أن يختار صحيح بين لا اختلاف فيه لأن الشراء إنما وقع على أن يختارها بصوفها، فليس للبائع أن يسقط حقه في الصوف بجزه إياه.
وأما قوله فيما أكل البائع منها من الألبان والسمون قبل أن يختار المبتاع أنه له من أجل الضمان ولا شيء للمبتاع فيه فهو قول فيه نظر لأن المبتاع ضامن العشرة على مذهبه لوجوب البيع عليه فيها لو تلفت للزمه غرم الثمن وكانت مصيبتها منه، فكان القياس على قوله أن يكون له من اللبن والسمن الذي أكل البائع ما يقع للعشرة من جملة الغنم التي اشترط الخيار منها؛ لأنه شريك معه فيها بذلك القدر لو تلفت، وإنما يصح أن يكون اللبن والسمن للبائع على مذهب سحنون الذي يقول: إن المصيبة من البائع في جميع الغنم إن تلفت قبل أن يختار المبتاع، وعلى هذا يأتي قوله في كتاب الخيار من المدونة في مسألة الدنانير، ومعناه أن تلف الدينار لم يعلم إلا بقوله؛ لأن قوله في ذلك خلاف مذهب ابن القاسم، سواء على مذهب ابن القاسم قامت بينة على تلفه أو لم تقم؛ لأن قبضه على الإيجاب.
وقول العتبي في قول أصبغ إنه مثل قول ابن القاسم إلا في اشتراط أنها حوامل فلا بأس به إذا كان الحمل ظاهرا وهم منه؛ لأنه قال فيه: ولا يفسد البيع في ولادة الجواري إذا لم يشترط الحمل ووضعن قبل الاختيار ويكون الولد للبائع ويختار ثم يجمع ما اختار مع ولده فيباعان ويقسم الثمن على الأقدار ولا يفسخ البيع، وهذا نص خلاف قول ابن القاسم في أن البيع يفسخ إذا وضعن قبل الاختيار.
وما وقع في الأم من قوله ولا يفسد البيع إلا في ولادة الجواري خطأ في الرواية لأن إلا إذا أثبتت فيها تناقض الكلام وصار أوله مخالفا لآخره، ولعله ينقص من آخر الكلام شيء، فينبغي أن يتأمل قول أصبغ في الأصل الذي نقله منه العتبي حتى يوقف على حقيقته.
وقوله إذا لم يشترط الحمل يريد في غير بينة الحمل على مذهبه في أن اشتراط

الحمل في بينة الحمل لا يفسد البيع، وهو مذهب سحنون خلاف قول ابن القاسم ههنا وخلاف روايته عنه في المدونة وفي رسم الشريكين من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك هناك.
وإنما لا يفسد البيع على مذهب أصبغ وسحنون باشتراط الحمل الظاهر في الرمكة إذا قال: أبيعك إياها على أنها حامل، ولم يقل من فرس ولا حمار، وأما إن قال من فرس أو حمار فيكون البيع فاسدا لاحتمال أن يكون انفلت عليها غير الذي سمى، وبالله التوفيق.

مسألة: يعطي الرجل زرعه وثمره بجدادها وحصاده

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: لا بأس أن يعطي الرجل زرعه وثمره بجدادها وحصاده ويكونان شريكين في الزرع والثمرة بمنزلة بيعه ذلك بالعين، وإن اشترط في الزرع على أن على بائع النصف درسه وذروه لم يحل، وكذلك قال لي مالك، قال أصبغ يعني درس الجميع وذروه، فكأنه اشتراه بعد ما يخرج.
قال أصبغ: ولو شرط ذلك على المشتري لم أر به بأسا لأنه اشترى نصفه بثمن مسمى وبعمل من الأعمال معروف، فلا بأس به إن شاء الله وقد سمعت ابن القاسم يغمزه ويغلظ فيه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا بأس أن يعطي الرجل زرعه وثمره على النصف بجدادها وحصاده ويكونان شريكين في الزرع والثمرة بمنزلة بيعه ذلك بالعين، هو مثل ما في كتاب الجعل والإجارة من المدونة، ووجه جوازه هو أنها إجارة لأنه استأجره على حصاده بنصفه، ونصفه يجوز له أن يبيعه، وما يجوز بيعه جاز الاستئجار به، فكانت إجارة جائزة لازمة لهما

جميعا، إن أراد الأجير أن يترك الحصاد قبل أن يبدأ به أو بعد أن حصد بعضه لم يكن ذلك له، وإن أراد رب الزرع أن يمنعه لم يكن ذلك له.
وقول أصبغ في قول ابن القاسم وروايته عن مالك إنه لو اشترط على بائع النصف درسه وذروه لم يحل يعني درس الجميع وذروه، كلام فيه نظر؛ لأن درس نصفه وذروه على البائع إذ هو له لم يبعه، فإنما يصح أن يشترط المشتري عليه ما لم يجب علمه، وذلك درس النصف الذي اشتراه وذروه، وإذا اشترط ذلك عليه كان عليه بشرط درس النصف وذروه درس الجميع وذروه بأن درس نصفه الآخر وذروه عليه لأنه ماله لم يبعه، وكان ذلك حراما [لا يحل] ، كما قال، ولو اشترط على بائع النصف حصاده وجذه لجاز ذلك لأنه يجوز للرجل أن يبيع جميع زرعه على أن عليه حصاده، وهذا على أن القول بأن بيع الزرع بعد أن يحصد وهو في سنبله قبل أن يدرس جائز، وهو قول مالك في رواية أشهب وابن نافع عنه، وقد مضى هذا المعنى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال، وقول أصبغ: إنه لو اشترط ذلك البائع على المشتري لم يكن به بأس، وجهه أنه إذا اشترط عليه حصاد نصفه وذروه كان عليه حصاد الجميع وذروه لأن حصاد النصف الآخر وذروه عليه لأنه ماله قد وجب عليه باشتراء وكان إذا اشترط ذلك عليه قد اشترى نصف الزرع بالثمن الذي سمياه وبحصاد النصف الآخر الذي للبائع وذروه، فجاز ذلك، وجوازه إنما يأتي على رواية أشهب عن مالك في أول رسم من سماعه من كتاب الجعل والإجارة في أنه يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على حصاد زرعه ودرسه بنصفه، وأما على مذهبه في المدونة أنه لا يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على حصاد زرعه ودرسه بنصفه فلا يجوز ذلك، ومن أجل ذلك كان ابن القاسم يغمزه ويغلظ فيه، إذ لا فرق في المعنى بين أن يبيع منه نصف الزرع بكذا على أن على المبتاع حصاده ودرسه، وبين أن يؤاجره على حصاده ودرسه بنصفه.
ولو اشترى منه جميع الزرع أو نصفه كل قفيز بكذا على أن حصاده ودرسه

وذروه على البائع لجاز، قاله في المدونة، وسيأتي في سماع يحيى من كتاب الجعل والإجارة القول على تلف الزرع إذا استأجره على حصاده بنصفه.

مسألة: بيع الشاة المذبوحة ولم تسلخ

مسألة وسمعته يقول: لا بأس ببيع الشاة المذبوحة ولم تسلخ إذا بيعت على حالها، وإن كان إنما ابتاع أرطالا ثم توزن وتسلخ فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال لأن الشاة المذبوحة غير المسلوخة، وإن كان لها حكم اللحم في أنه لا يجوز بيعها بشيء من الطعام إلى أجل ولا باللحم إلا مثلا بمثل على التحري فيجوز بيعها بالدنانير والدراهم والعروض نقدا وإلى أجل، ولا يكون ذلك من بيع اللحم المغيب كما يكون بيع الشارف والكسير وما لا يستحيا من جميع الحيوان بيع اللحم المغيب، وأما شراء أرطال منها قبل أن تسلخ فهو بيع اللحم المغيب، والأصل في هذا أن كل ما يدخل بالعقد في ضمان المشتري فليس من بيع اللحم المغيب، وما لا يدخل بالعقد في ضمانه حتى يوفى إياه فهو بيع اللحم المغيب.

مسألة: اشترى من صبرة عشرة أرادب فاكتال منها خمسة

مسألة وسألته عمن اشترى من صبرة عشرة أرادب فاكتال منها خمسة ثم قال للبائع: أعطني الخمسة الأخرى من هذه الصبرة وهي أدنى منها، قال: لا بأس بذلك، فقيل له فيأخذ شعيرا مكانها؟ قال: لا بأس بذلك أيضا.
قال محمد بن رشد: هو مثل ما في المدونة إنما جاز ولم يدخله بيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه صنف واحد فهو يعد مبادلة يدا بيد، ولم يجز

في المدونة أن يأخذ من الحنطة المشتراة دقيقا وإن كان اللحم والدقيق عنده صنفا واحدا مراعاة لقول عبد العزيز بن أبي سلمة في أنهما صنفان، وقد كان يلزمه على قياس هذا ألا يجيز الشعير من القمح مراعاة لقول من يراهما صنفين مع قوة الخلاف في ذلك وما في بعض الآثار من قوله: وبيعوا القمح بالشعير كيف شئتم، فهو تعارض من القول، والله أعلم.

مسألة: بيع ودك الرؤوس

مسألة وسمعت ابن القاسم يقول ودك الرؤوس يشترى: لا يباع حتى يستوفى لأن أصله طعام، وقال أصبغ: وهو كالإهالة، والإهالة شحوم ألية مذابة وأوداكها فهي طعام.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، وهو مما لا يدخل فيه اختلاف لأن كل ما كان من الأطعمة فلا يجوز بيعه قبل استيفائه «لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن بيع الطعام قبل أن يستوفى» ، فهو محمول عند الجميع على عمومه في جميع الطعام الذي يوكل ويشرب على غير التداوي لأن الأدوية لا تعد من الأطعمة، وقد مضى ذلك في أول رسم أوصى من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد من كتاب السلم والآجال.

يحضر المزايدة فيقول له الصائح دونك السلعة فقد أمضيتها لك بالذي زدت فينكر

ومن كتاب الكراء والأقضية قال أصبغ: سألت ابن القاسم في الرجل يحضر المزايدة على السلعة فيقول له الصائح: دونك السلعة فقد أمضيتها لك بالذي زدت، فينكر أن يكون زاد شيئا، قال: لا أرى عليه إلا

يمينا بالله ما زاد شيئا ويبرأ، وإنما ألزمته اليمين لحضوره المزايدة، وأما لو قال ذلك لمن لم يحضر المزايدة لم يكن عليه يمين ولم يلزمه من قوله شيء.
قلت: أرأيت لو قال ذلك لمن لم يحضر وقال: أنت أمرتني وأوصيتني إذا وقفت على شيء أن أوجبها لك ألا يحلف له؟ قال: إن كان مثله يأمر مثله في تجارته وناحيته فأرى أن يحلف، وإن كان على غير ذلك لم يحلف.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصولهم في أن من زاد على السلعة في بيع المزايدة تلزمه السلعة بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يلزمها إياه ما لم ينقلب بسلعته وتذهب أيام الصياح أو يكون مما العرف فيه أن ترد أو تباع في المجلس فتلزمه السلعة بما زاد فيها وإن زاد عليه غيره ما لم ترد السلعة ويصاح على غيرها، وقد مضى هذا في آخر أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب، وأوجب عليه اليمين بمجرد الدعوى لأن حضوره المزايدة خلطة توجب له عليه اليمين، وأما إذا لم يحضر المزايدة فلا يمين له عليه إلا أن يكون بينه وبينه من الأسباب ما يشبه أن يكون مثله يأمر مثله كما قال، وهذا على قولهم في أن اليمين لا تلحق بمجرد الدعوى دون خلطة؛ لأن الخلطة إنما تكون من قبيل الدعوى، فإن ادعى مبايعة كانت الخلطة بالمبايعة، وإن ادعى عليه سلفا ومعروفا كانت الخلطة بالصداقة والملاطفة التي تقتضي المسالفة والمعروف بينهما، وكذلك هذا، المخالطة فيه بأن يكون بينهما ما يشبه به أن يكون مثله يأمر مثله في تجارته، فإن حلف لم يلزم الصائح شيء إذا كان ذلك في المجلس، وأما إن قبض السلعة وقال: فلان أمرني أن أوجبها له بما أعطى فيها فجاء فلان فأنكر قول الصائح فحلف فإن السلعة تلزم نصائح بذلك الثمن لأنه أتلفها على ربها إذ لم يمضها لمن زاد فيها في المناداة في المجلس وأمسكها لغيره، وإن نكل عن اليمين حلف الصائح ولزمته السلعة، وإن نكل الصائح عن اليمين بعد نكوله هو كان لرب السلعة أن يضمنه إياها بذلك الثمن إن شاء لأنه قد أتلفها عليه بنكوله.

مسألة: باع سلعة ثم أتى يقبض الثمن فقال المشتري لم أقبض السلعة

مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن رجل باع سلعة ثم أتى يقبض الثمن فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وقال البائع: قد قبضتها؟ فقال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن.
قال أصبغ: ويحلف البائع إن كان ذلك بحرارة البيع والإشهاد بأن هذا من أفعال الناس، فأما أن يكف فإذا حل الثمن وشبهه قال: لم أكن قبضت السلعة فلا قول له ولا يمين على البائع إذا حل الأجل.
قال محمد بن رشد: قد قيل إنه إذا حل الأجل فالقول قول البائع مع يمينه لقد دفع السلعة، وإذا كان بالقرب فالقول قول المشتري وإن كان قد أشهد على نفسه بالثمن.
وكذلك إذا باعها منه بالنقد وأشهد عليه المبتاع بدفع الثمن ثم قام يطلب السلعة منه بالقرب الذي يتأخر فيه القبض ويستقل الناس في حوائجهم الأيام والجمعة ونحو ذلك فالقول قول المشتري وعلى البائع البينة على دفعها، وإن بعد الأمر الشهر والشهرين ونحو ذلك لم يصدق المبتاع أنه لم يقبض وكان القول قول البائع، وهذا القول هو ظاهر قول ابن القاسم في الدمياطية، وهو أظهر من رواية أصبغ هذه؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» ولا شك أن البائع مدع في دفع السلعة كما أن المبتاع مدع في دفع الثمن، فلما كان بالقرب القول قول البائع إنه ما قبض، وفي البعد القول

قول المبتاع مع يمينه لقد دفع، وقد مضى حد القرب والبعد والاختلاف فيه في رسم الأقضية من سماع أشهب، وجب أن يكون بالقرب، القول قول المبتاع مع يمينه أنه ما قبض السلعة وإن أشهد على نفسه بالثمن إن كان إلى أجل، أو على البائع بدفعه إليه إن كان نقدا، إذ لا دليل في الإشهاد بالثمن على قبض السلعة، إذ قد يشهد به قبل ذلك؛ وأن يكون في البعد القول قول البائع لقد دفع مع يمينه، ولا وجه لسقوط اليمين عنه مع تحقيق دعوى المبتاع عليه أنه لم يدفع السلعة إليه.
ولو أشهد المبتاع على نفسه بالثمن وأنه قد قبض السلعة ثم قام بالقرب يطلبها وقال: إنما أشهدت له بقبضها على سبيل الطمأنينة إليه لجرى ذلك على اختلاف المتأخرين في البائع يشهد للمبتاع في كتاب الابتياع بالبيع والقبض ثم يدعي أنه بقيت له منه بقية أو أنه لم يقبض منه شيئا وقال: إنما أشهدت له بالبيع والقبض على الثقة له والطمأنينة إليه، فقيل: إنه لا يمين على المبتاع قرب الأمر أو بعد، وقيل: إن كان بالقرب حلف، وإن كان قد بعد الأمر وطال الأمد لم يحلف، حكى القولين ابن الهندي في وثائقه، وقال ابن زرب: إن كان المشتري من قرابة البائع أو من حلفائه حلف، وإن كان أجنبيا لم يحلف، ولم يفرق بين القرب والبعد.

مسألة: قال اشتريت من فلان أنا وفلان فقال البائع لا بل بعتك أنت وحدك

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول عن رجل قال: اشتريت من فلان أنا وفلان هذه السلعة بكذا وكذا دينارا، فقال البائع: لا بل بعتك أنت وحدك، فقال: لا يلزم المقر إلا نصف السلعة بنصف الثمن الذي ذكره، وليس للبائع عليه غير ذلك.
وإن قال: اشتريت هذه السلعة من فلان، وقال البائع: بل بعتك أنت وفلانا فإنه إن طلبها ذلك الفلان الذي أقر له صاحب السلعة بالبيع أخذ ذلك إلا يكون للآخر بينة، وقاله أصبغ كله.
قال ابن القاسم: فإن لم يطلب ذلك فأراها كلها

لهذا الذي زعم أنه اشتراها كلها لنفسه، وليس للبائع حجة لأنه قد أقر ببيعها كلها وإخراجها من يده وملكه.
قال أصبغ: وليس هذا بشيء، وليس له إلا نصفها إلا أن يسلم له البائع البيع، وهذا إغراق عن الصواب، وهو كالتقصير عنه.
وقد قال أيضا: إذا قال لفلان علي ألف درهم وعلى فلان وفلان فأراها عليه كلها خاصة إن كان كلاما نسقا فهو خطأ كالذي فوقه، وهو منكر من قوله، وليس عليه إلا الثلث.
وفرق - زعم - بين هذا وبين أن يقول لفلان علي وفلان وفلان ألف درهم لأن الأول قد أقر بالألف على نفسه ثم ندم فأدخل ما أدخل ليسقط بعض ذلك عن نفسه، وأن الآخر إنما هو إقرار واحد وإقرار وشهادة، فيؤخذ منه ما يلزمه من حصة ذلك وهو الثلث، ويسقط ما بقي إن لم تجز شهادته فيه.
قال أصبغ: وهو سواء الأول والآخر، وما فيه من الإقرار أولا وآخرا هو إقرار واحد كله بعضه من بعض، الأول بالآخر والآخر بالأول بمنزلة تقديم العتق في اليمين قبل الحلف، أو الحلف قبل العتق والطلاق كذلك، فليس عليه إلا الثلث في المسألتين.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في الذي قال: اشتريت من فلان أنا وفلان هذه السلعة بكذا وكذا فقال البائع: بل بعتك أنت وحدك إنه لا يلزم المقر إلا نصف السلعة بنصف الثمن صحيح لا إشكال فيه، إذ لا يلزمه إلا ما أقر به.
وقوله: وليس للبائع عليه غير ذلك معناه أنه ليس له أن يلزمه أخذ الكل، ولكن له عليه أن يحلفه ما اشترى منه إلا النصف، فإن حلف كان شاهدا لفلان بشراء النصف الآخر يحلف مع شهادته إن كان عدلا ويأخذه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الثوب أنه ما باعه إلا من الأول ولم يكن له شيء، وإن نكل الأول عن اليمين فحلف صاحب الثوب وألزمه أخذ جميع الثوب لزمه أن يدفع نصف الثوب إلى الثاني الذي أقر له أنه اشترى الثوب معه إن أراد أخذه، وإن لم يرد أخذه وأراد هو أن يلزمه

إياه لزمته له اليمين أنه ما اشتراه معه، فإن حلف انفرد الأول بالثوب، وإن نكل عن اليمين حلف الأول لقد اشتراه معه وألزمه النصف فكانا فيه شريكين.
وقوله في الذي قال: اشتريت هذه السلعة من فلان وقال البائع: بل بعتك أنت وفلانا أنه إن طلبها ذلك الفلان الذي أقر له صاحب السلعة بالبيع أخذ ذلك إلا أن يكون للآخر بينة بين لا إشكال فيه ولا وجه للقول.
وأما قوله: وإن لم يطلب ذلك فأراها كلها لهذا الذي زعم أنه اشتراها كلها وليس للبائع حجة؛ لأنه قد أقر ببيعها كلها وإخراجها من يديه، ليس بوجه القياس، وإنما هو استحسان، وقول أصبغ هو القياس؛ لأن من حجة البائع أن يقول: إنما بعت منك النصف، فلا يلزمني أن أعطيك الكل بدعواك من أجل إقراري أني بعته من غيرك.
واستحسان ابن القاسم في هذه المسألة مثل استحسان أشهب في كتاب الخيار من المدونة في الذي اشترى سلعة بالخيار فمات واختلف ورثته فقال بعضهم: نرد، وقال بعضهم: نجيز، إن للذين أجازوا في الاستحسان أن يأخذوا مصابة الذين أرادوا الرد إن لم يرد البائع أن يلتزم مصابة الذين أرادوا الرد وقال: إما أن تجيزوا جميعا وإما أن تردوا جميعا من أجل أن البائع قد رضي ببيعها كلها، فإذا أخذها كلها بعض الورثة لم تكن له حجة على وجه الاستحسان، وأما على وجه القياس فله حجة إذ لا يلزمه أن يبيع لبعضهم ما يجب لجميعهم، وإما أن يأخذوا جميعا وإما أن يردوا جميعا، ويلزم في المسألة الأولى على طرد استحسان ابن القاسم في هذه إذا قال: اشتريت من فلان أنا وفلان هذه السلعة بكذا وكذا فقال البائع: بل بعتك أنت وحدك أن يكون لفلان أن يأخذ نصف السلعة فتكون لهما جميعا ولا تكون للبائع حجة؛ لأنه قد أقر ببيعها كلها بالثمن من هذا، وكذلك المسألة التي ساق أصبغ على هذه تفرقة ابن القاسم فيها استحسان، وقول أصبغ فيها هو القياس لاتفاقهم في مسألة اليمين بالعتق والطلاق على أنه لا فرق في ذلك بين أن يقدم العتق والطلاق فيقول: عبدي حر أو امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا، أو يؤخره فيقول: إن فعلت فعبدي حر أو امرأتي طالق، في أن الطلاق والعتق لا يلزمه إلا بفعل الشيء الذي حلف عليه، وأنه لا يقال إذا قدم الطلاق والعتق إن ذلك قد

لزمه وأن قوله: إن فعلت كذا وكذا ندم منه أراد أن يسقط به عن نفسه ما قد لزمه من العتق والطلاق، وهذه مسألة قد اختلف فيها قول ابن القاسم، فله في الغصب من المدونة خلاف قوله هنا مثل قول أصبغ في الذي يقر بالخاتم أو بالثوب أو بالبقعة ويقول في الفص أو البطانة أو في البنيان إنه له أنه يصدق إذا كان قوله نسقا، وله في كتاب أشهب من كتاب الدعوى والصلح في الذي يقر أن البقعة بينه وبين فلان ويقول: إن البنيان تابع للبقعة ولا يصدق مثل قوله هنا خلاف قول أصبغ.
وقد مضت من هذا المعنى مسألة في رسم كتاب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وفي رسم سلف من سماع عيسى منه هي أشكل من هذه لمعنى زائد فيها، وقد مضى من القول عليها هناك ما فيه بيان لهذه، وبالله التوفيق.

يبيع الشاة ويستثني جلدها

ومن كتاب البيوع الثاني وقال ابن القاسم في الذي يبيع الشاة ويستثني جلدها حيث يجوز فيه فتموت الشاة إن المشتري ضامن للجلد.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في أول رسم أوصى ورسم حمل صبيا من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.

مسألة: اشترى عبدا من رجل ولم يستثن ماله

مسألة وسمعته يقول في رجل اشترى عبدا من رجل ولم يستثن ماله ثم أراد أن يشتري ماله بعد ذلك، قال: إن كان ذلك بقربه فلا بأس بذلك، وإن طال فلا ينبغي له لأنه لا يدري كم هو وهل نقص أم لا؟ قال أصبغ: أو زاد بتجارة أو فائدة، وقال ابن القاسم: ليس شيء من ذلك بمضمون على السيد، قال: فإن ابتاعه بحضرة ذلك أخذ ما وجد ولم يكن على البائع أن يوفيه شيئا؛ لأنه ليس

شيء من ذلك بمضمون عليه.
قال ابن القاسم: ولو أن رجلا قال لرجل: أبيعك غلامي هذا وله مائة دينار أوفيكها كان هذا بيعا لا يصلح ولا يحل.
قال محمد بن رشد: قد مضى في أول رسم من سماع عيسى القول على شراء مال العبد المجهول بعد الصفقة إذا لم يشترط في الصفقة مستوفى فلا معنى لإعادته مرة أخرى، وأما إذا سمى مال العبد فقال: وهو كذا وكذا فلا اختلاف في أنه لا يجوز اشتراطه في الصفقة ولا شراؤه بعد الصفقة إلا بما يجوز شراؤه به على وجه البيع.
وقوله: ولو أن رجلا قال لرجل: أبيعك غلامي هذا وله مائة دينار أوفيكها كان هذا بيعا لا يصلح ولا يحل، معناه أنه إذا اشتراه بدنانير أو بدراهم لأنه إذا اشتراه بدنانير كان عبدا ودنانير بدنانير، وإذا اشتراه بدراهم كان عبدا ودنانير بدارهم، فدخله البيع والصرف، وهو عنده لا يجوز خلافا لأشهب.
وأما إن اشتراه بعرض فذلك جائز عند الجميع، هذا الذي كنت أقوله في هذه المسألة وأعتقده فيها، وقد تقدم من قولي في غير هذا الموضع، والذي أقول به الآن: إنه جائز للرجل أن يشتري العبد ويستثني ماله عينا كان أو عرضا، سماه أو لم يسمه بالدينار والدراهم نقدا وإلى أجل لأنه إنما يستثنيه للعبد لا لنفسه، فجاز معلوما كان أو مجهولا، وذلك بين من قول مالك في موطأه: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو دينا أو عروضا يعلم أو لا يعلم، وذلك أن مال العبد له، وإن كانت جارية استحل فرجها.
ولو استثنى المشتري مال العبد لنفسه لما جاز سماه أو لم يسميه إلا أن يسميه فيشتريه بما يجوز اشتراؤه به، وإنما قال في هذه الرواية في الذي قال: أبيعك غلامي وله مائة دينار أوفيكها: إن ذلك بيع لا يصلح ولا يحل من أجل قوله أوفيكها لأنه إن اشترط عليه أن يوفيه إياها فقد استثناها لنفسه في ظاهر أمره، فوجب ألا يجوز، ولو بين فقال: أوفيكها مالا له أو أوفيها إياه لجاز، فإذا قال الرجل: أشتري منك العبد وماله لم يجز إلا أن يكون ماله معلوما فيشتريه بما يجوز شراؤه به، وإذا قال: أشتريه

منك بماله أو أشتريه منك وأستثني عليك ماله جاز معلوما كان أو مجهولا لأنه إذا اشتراه بماله أو اشتراه وشرط ماله فإنما اشتراه على أن يبقى ماله له بعد الشراء كما كان قبل الشراء.

[مسألة: الكتان يشترى حطبا ويشترط المشتري على البائع بَلّه]

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن الكتان يشترى حطبا ويشترط المشتري على البائع بَلّه؟ قال: إن كان بَلّه شيئا معروفا قدره وقدر النصب فيه فلا بأس، ولكن إن كان الكتان يختلف عند خروجه من البلل فلا خير فيه لأنه كأنما اشترى ما يخرج ولا يدري كيف يخرج، وقد جاءني قوم وسألوني عنه وقالوا لي: إنه يختلف يخرج الجرات الرديء والطيب فقلت: لا خير فيه، فكل شيء يختلف عند خروجه وليس بمأمون فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأنه بيع وأجرة في الشيء المبيع فلا يجوز على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إلا أن يكون قدر العمل معروفا ووجه خروجه معلوما لا يختلف، وسحنون لا يجيزه بحال.
وقد مضى القول على هذا مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم.

مسألة: يبيع سلعة بثمن إلى ثلاثين سنة أو عشرين

مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن الذي يبيع سلعة بثمن إلى ثلاثين سنة أو عشرين، قال: أما ثلاثين فلا أدري، ولكن عشرة وما أشبهه.
قلت: يكره أن يكون إلى العشرين وما أشبهه؟ قال: نعم،

قلت: فوقع أتفسخه؟ قال لي: لا أفسخه، ولكن لو كان سبعين أو ثمانين لفسخته، قلت: وكذلك النكاح أيضا إذا وقع الصداق مؤجلا إلى عشرين سنة وما أشبهها لم تفسخه؟ قال لي: نعم، قلت: وتكره أن يقع به النكاح كما تكره أن يقع به البيع؟ قال: نعم، وقد قال لي في الثلاثين أيضا: إن وقع به النكاح جاز، وكذلك البيع عندي.
قال أصبغ: ولا أرى بذلك بأسا ابتداء إلى الخمس عشرة والعشرين؛ لأن مالكا قد سئل عن العبد يؤاجره سيده الخمس عشرة سنة ونحو ذلك فقال: لا بأس بذلك وذلك جائز، والنكاح في ذلك أبين وآمن.
قال محمد بن رشد: اتفق مالك وجميع أصحابه فيما علمت اتفاقا مجملا في النكاح يقع بمهر مؤجل إلى أجل بعيد أنه لا يجوز ويفسخ إذا وقع، واختلف في حده على أربعة أقوال: أحدها أنه يفسخ فيما فوق العشرين، وهو قول ابن وهب، وقد كان ابن القاسم جامعه عليه ثم رجع عنه، والثاني أنه لا يفسخ إلا فيما فوق الأربعين، وإليه رجع ابن القاسم فيما كان جامع عليه ابن وهب على ما حكاه ابن حبيب، والثالث أنه لا يفسخ إلا في الخمسين والستين، والرابع أنه لا يفسخ إلا في السبعين والثمانين، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، واختلف في العشرين فما دونها على خمسة أقوال أيضا: أحدها أنه يكره في القليل والكثير منها، وهو أحد قولي ابن القاسم في كتاب ابن المواز وقول مالك في المدونة، واعتل لكراهيته بالاتباع فقال: إنه ليس بنكاح من مضى، ومن الحجة له أن الله لم يذكر في ذلك الأجل كما ذكره في البيع فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وقال في الإماء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 25] وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث للذي سأله أن يزوجه

المرأة التي كانت وهبت نفسها له: «هل عندك من شيء تصدقها إياه» دليل بين على أن النكاح يكره ابتداء بالمهر المؤجل لأنه لما أخبره أنه ليس عنده شيء ولا خاتما من حديد إلا إزاره أنكحه إياها بما معه من القرآن ولم يجعل عليه الصداق دينا مؤجلا، والثاني أنه يجوز في السنة ويكره فيما جاوز ذلك وهو قول ابن وهب، والثالث أنه يجوز في السنتين والأربع ويكره فيما جاوز ذلك وهو أحد قولي ابن القاسم في كتاب ابن المواز، والرابع أنه يجوز في العشر ونحوها ويكره فيما جاوز ذلك وهو قول ابن القاسم في رواية أصبغ هذه وقول أصبغ في الواضحة ومذهب أشهب؛ لأنه زوج ابنته وجعل مؤخر مهرها إلى اثنتي عشرة سنة، والخامس أنه يجوز في العشرين فما دونها وهو قول أصبغ في هذه الرواية وظاهر قول ابن القاسم وابن وهب في كتاب ابن المواز، ومساواة ابن القاسم بين البيع والنكاح فيما يكره فيهما من الأجل ابتداء وفيما لا يجوز ويفسخ به البيع والنكاح هو القياس؛ لأنهما معاوضتان لا يجوز فيهما الغرر، فوجب أن يستويا فيما يجوز فيهما من الأجل وما لا يجوز، وقد ذكرنا وجه تفرقة من فرق بينهما ولم يعتبر في

ظاهر قوله ما بقي من عمر الزوج والمشتري الذي يعمر إليه المفقود، وهو قول أشهب في الدمياطية سئل عن الزوج يتزوج المرأة بمهر مؤجل إلى أجل كم الأجل؟ قال: ما شاء إن شاء ثلاثين سنة، قيل له: فإن كان كبيرا، لا يعيش إلى مثلها؟ قال: لا أدري ما يعيش أرأيت الذي يتزوج إلى عشر سنين أليس لا يدري أيعيش إلى ذلك الأجل أم لا؟ فإن كان يدخل في هذا الغرر فهو يدخل في هذا أو معنى ما تتكلم عليه عندي في الكبير الذي لا يعيش إلى مثلها في الغالب، وقد يعيش إلى مثلها في النادر.
وأما لو كان كبيرا يعلم أنه لا يعيش إلى ثلاثين سنة مثل أن يكون يوم تزوج أو اشترى السلعة ابن مائة سنة وما أشبه ذلك لما انبغى أن يجوز ذلك لأنه كمن تزوج أو اشترى إلى موته، وقد قال أبو إسحاق التونسي: وإذا حقق هذا فإنما كرهوا البيع والنكاح إلى الأجل البعيد الذي يجاوز عمر الإنسان لأنه يصير غررا لحلوله بموته، ولو كان ابن ستين فنكح أو اشترى إلى عشرين سنة لم يجز لأن الغالب أنه لا يعيش إلى ذلك، فأما ابن عشرين ينكح إلى عشرين أو يشتري إلى عشرين فكان الواجب إجازته، فما الأغلب أنه يعيش إليه جاز باتفاق، وما لا يعيش إليه لا يجوز باتفاق، وما الأغلب أنه لا يعيش إليه يجوز على الاختلاف، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

باع جارية وأشهد للمشتري بعد البيع أن لا نقصان عليه

ومن كتاب القضاء وقال في الذي باع جارية وأشهد للمشتري بعد البيع أن لا نقصان عليه فإنه يلزم البائع الشرط ولا يحل للمشتري أن يطأ، قال أصبغ: وذلك إذا رضي ما أشهد له به وقبله، قال ابن القاسم: فإن وطأ لزمه الثمن لأنه قد ترك ما جعل له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إذا قال له بعد البيع بع ولا نقصان عليك يلزمه؛ لأن معنى قوله بع ولا نقصان عليك، أي بع والنقصان علي، فهو أمر قد أوجبه على نفسه، والمعروف على مذهب مالك وجميع

أصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه يحكم به عليه ما لم يمت أو يفلس، وسواء قال ذلك له قبل أن ينتقد أو بعد ما انتقد، إلا أن يقول له قبل أن ينتقد انقدني وبع ولا نقصان عليك فلا يجوز ذلك لأنه يدخله بيع وسلف، وقال في سماع عيسى من كتاب العدة إن ذلك لا خير فيه لأنه يكون فيه عيوب وخصومات، فإن باع بنقصان لزمه أن يرد عليه النقصان إن كان قد انتقد وألا يأخذ منه أكثر مما باع إن كان لم ينقد، وهذا إذا لم يغبن في البيع غبنا بينا وباع بالقرب ولم يؤخر حتى تحول الأسواق، فإن وخر حتى حالت الأسواق فلا شيء له لأنه قد فرط، والقول قوله مع يمينه في النقصان إلا أن يأتي بما يستنكر فلا يصدق، وقاله ابن نافع، واختلف إذا كان عبدا فأبق أو مات فقيل: إنه لا شيء له، وقيل: إنه موضوع عن المشتري، وهو اختيار ابن القاسم في سماع عيسى من الكتاب المذكور، وأما إن كان ثوبا أو مما يغاب عليه فلا يصدق في تلفه إلا ببينة، وأما إذا باع منه على أن لا نقصان عليه فلا يجوز، واختلف إذا وقع، فقيل: إنه بيع فاسد يحكم فيه بحكم البيع الفاسد، وقيل: إنه ليس ببيع فاسد وإنما هي إجارة فاسدة وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب العدة إن شاء الله.

مسألة: بيع المقاثي في جائجتها

مسألة قال أصبغ: وسألت أشهب عن المقاثي في جائجتها فقال لي: يوضع القليل منه والكثير ما أصيب منه من شيء، قلت: وإن كان أقل من الثلث بطن منها؟ قال: نعم، وأراها بمنزلة البقلة، قال أصبغ: ليس هذا من قوله عندنا بشيء، وهو خلاف قول مالك وأصحابه كلهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أصبغ إن قوله شاذ في المذهب، ومعناه في مقاثي الفقوس لا في مقاثي البطيخ، ووجهه أن الفقوس لما لم يكن له بقاء في أصوله وكانت تجنى صغارا وكبارا أشبهت البقول في استعجال جدها، فوضعت الجائحة في القليل والكثير منها

بخلاف الثمار التي يحتاج إلى بقائها في الأصول إلا أن يتناهى طيبها أي لا يوضع في الحائجة فيها اليسير، إذ قد علم المشتري أنه لا بد أن يذهب منها اليسير بالطير والعافية والسقوط وما أشبه ذلك، فدخل على ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: صلاح مقاثي البطيخ التي يحل بيعها به

مسألة قال أصبغ: وسألت أشهب عن صلاح مقاثي البطيخ التي يحل بيعها به أهو أن يوكل فقوسا أو بطيخا؟ فقال: بل هو أن يؤكل فقوسا.
قال أصبغ: فقوسا بطيخا قد انتهى للبطيخ، فأما الصغار فلا.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ خلاف لقول أشهب، جائز على مذهب أشهب اشتراء المقاثي إذا عقدت وصلح بيعها وإن كان يريد أن يتركها حتى تصير بطيخا كما يجوز شراء الثمار إذا بدا صلاحها وإن كان يريد أن يتركها حتى تيبس.
وقد قيل: إنه لا يجوز شراء الثمار بعد طيبها على أن تترك حتى تيبس، والقولان قائمان من المدونة؛ لأنه لم يجز فيها شراء الفول أخضر على أن يترك حتى ييبس، وذلك معارض لقوله في النخل والعنب إذا اشتراه وهو أخضر ثم أصيب بعد أن يبس إنه لا جائحة فيه؛ لأن الظاهر منه إجازته على أن يتركه حتى ييبس، وهو المشهور في المذهب من القولين، وعلى الثاني يأتي قول أصبغ.

يبتاع العبد على أن يعتقه

ومن كتاب المدبر والعتق قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يبتاع العبد على أن يعتقه فلا يعتقه حتى يفوت العبد عند المشتري والبائع يظن أن قد كان أعتقه ثم يعلم ذلك وفات العبد بموت أو نقصان أو نماء دخله مما هو فوت، قال: أرى أن يغرم المشتري للبائع ما نقص من قيمته يوم اشتراه وقاله أصبغ، ويكون العبد للمشتري يصنع به ما شاء إذا ضمنه للبائع بقيمته، ويبلغ في القيمة قيمته

بغير شرط للعتق، وليس عليه حينئذ عتقه إذا كان فوتا بعيدا بالعيوب المفسدة والنقصان المتفاحش والزيادة المتباينة وغير ذلك من غير الموت، فإن كان فوته بغيرها مثل الغير في البدن بالزيادة والنقصان واختلاف الأسواق بالأمر القريب فالمشتري بالخيار: يعتق كما اشترى ولا شيء للبائع، أو يرد إلا أن يشاء البائع إنفاذه له بالثمن الأول عبدا إن شاء أعتق وإن شاء ترك فيلزم ذلك المشتري.
وإن كان فوته في المسألة بموت فلم يعمق فقد فات الرد والإشراء فأرى إن كان يرى أن البائع وضع من الثمن لاشتراط العتق وخفف عنه في ذلك أن يرجح بتمام ذلك تمام القيمة على ما يساوي يومئذ، وإن كان قد استقصى وقارب القيمة فلا أرى له شيئا، وهذا إذا شرط المشتري وترك وتهاون حتى تطاول ذلك قبل موت العبد، فإن لم يفرط ولم يطل وقد فات بحرارة البيع وفوره وقربه وما يكون في مثله الرأي والنظر والارتياء له فإن مات فلا أرى على المشتري شيئا ولا له ولا للبائع ولا عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

بيع شعر الخنزير

ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: لا بأس ببيع شعر الخنزير خنزير الوحش، وهو مثل صوف الميتة، وكذلك رواها أبو زيد.
قال أصبغ: هذا خطأ لا خير في ذلك، وليس مثل صوف الميتة ولا حق لبائعه، وهو مثل الميتة الخالصة كلها وأشر، كل شيء منه محرم حي وميت، وصوف الميتة إنما حل لأنه حلال منها وهي حية وشعر الخنزير ليس بحلال حيا ولا ميتا فلا يباع ولا

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
باع من امرأته خادما واشترط عليها أن تتصدق بها على ولدهمسألة: حكم أقداح القوارير المنصوبة في المجالس للبيعمسألة: قلال الخل هل يجوز شراؤها بحالها مطينة ولا يدري ما فيهامسألة: باع دابة على أن يركبها بعد ثلاث فقبضها المشتري فنفقت عنده قبل الثلاثمسألة: الأرض يبيعها الرجل من الرجل على أن يردها عليه متى ما جاءه بالثمنمسألة: يبيع الدور ويستثني سكناها سنة فانهدمت الدار قبل أن تمضي السنةمسألة: الرجل من أهل الأندلس يكون له المال الموضوع بمصرمسألة: باع دابة بثمن مسمى واشترط ركوبهامسألة: العبد يشترى ويستثنى نصف مالهمسألة: اشترى من رجل كرما فخاف الوضيعةحكم بيع البرجمسألة: حكم بيع الصعاب من الإبلمسألة: اشترى من رجل ثوبا مصبوغا واشترط له أن يلبسهمسألة: بيع كيل وجزافمسألة: اشترى من رجل عشرة من الغنم يختارها والغنم كلها حواملمسألة: يعطي الرجل زرعه وثمره بجدادها وحصادهمسألة: بيع الشاة المذبوحة ولم تسلخمسألة: اشترى من صبرة عشرة أرادب فاكتال منها خمسةمسألة: بيع ودك الرؤوسيحضر المزايدة فيقول له الصائح دونك السلعة فقد أمضيتها لك بالذي زدت فينكرمسألة: باع سلعة ثم أتى يقبض الثمن فقال المشتري لم أقبض السلعةمسألة: قال اشتريت من فلان أنا وفلان فقال البائع لا بل بعتك أنت وحدكيبيع الشاة ويستثني جلدهامسألة: اشترى عبدا من رجل ولم يستثن مالهمسألة: يبيع سلعة بثمن إلى ثلاثين سنة أو عشرينباع جارية وأشهد للمشتري بعد البيع أن لا نقصان عليهمسألة: بيع المقاثي في جائجتهامسألة: صلاح مقاثي البطيخ التي يحل بيعها بهيبتاع العبد على أن يعتقهبيع شعر الخنزير
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل