كتاب الوضوء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تغتسل منه وإن تمادى عند كل وضوء حتى تجاوز أيامها والاستظهار، ثم هي مستحاضة.
ومالك أولى بتبيين ما أراد، وقد بينه في رسم "يوصي" من سماع عيسى على ما ذكرناه وبينا هناك وجهه ومعناه.
مسألة: الرجل يكون في السفر فيريد الصلاة والماء قريب منه ولكن يخشى السباع
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في السفر فتحضره الصلاة والماء منه على ميل ونصف ميل، فيريد أن يذهب إليه وهو يتخوف عناء ذلك أو يتخوف منه أن ينفرد إما من سلابة وإما من السباع، قال: لا أرى عليه أن يذهب إليه وهو يتخوف.
قال محمد بن رشد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وسواء تخوف على نفسه أو على ماله دون نفسه ليس عليه أن يذهب وهو يتخوف على شيء من ذلك على ما صححناه في مسألة رسم "كتب عليه ذكر حق" قبل هذا.
ودليل هذه الرواية أنه إن لم يتخوف شيئا فعليه أن يذهب إليه على الميل والنصف ميل.
وفي النوادر إن كانت عليه في ذلك مشقة فليتيمم.
قال محمد بن رشد: وذلك على قدر ما يجد من الجلد والقوة، وذلك مفسر في رسم "البز" بعد هذا.
وأما الميلان فهو كثير ليس عليه في سفر ولا حضر أن يعدل عن طريقه ميلين؛ لأن ذلك مما يشق، قاله سحنون في نوازله من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية مسألة وقال مالك في الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه، قال: أرى أن يتوضأ لكل صلاة، ولو كان الشتاء واشتد عليه الوضوء ثم فرق بين الصلاتين لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: حكى عبد الحق عن بعض البغداديين أن الذي يسلس بوله أو مذيه من إبردة، إنما يستحب له الوضوء لكل صلاة إذا كان ينقطع المذي أو البول ثم يعود.
وأما إن لم ينقطع ذلك البتة فلا معنى لاستحباب الوضوء لكل صلاة، وهو معنى صحيح ينبغي أن يحمل على التفسير لجميع الروايات، فنقول: إن معنى قوله في هذه الرواية فلا ينقطع عنه؛ أي لا يكاد ينقطع، لا أنه يسيل أبدا لا ينقطع، وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما قرب منه، ومنه قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» . وقد اختلف إن صلى صلاتين بوضوء واحد من غير ضرورة ولا مشقة تلحقه، فقيل: يعيد الأخرى في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، حكى ابن المواز القولين جميعا عن مالك في المستحاضة، وهذا مثله؛ لأنه ساوى بينهما على ظاهر قوله في المدونة، وكذلك قال ابن المواز وإن ذلك كالذي يسلس منه البول.
وقد يحتمل أن يفرق بينهما للاختلاف في المستحاضة، فقد قيل: عليها الغسل لكل صلاة، وقيل: عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، وللصبح غسلا واحدا.
وقيل: إنها تغتسل من ظهر إلى ظهر.
وذهب مالك إلى أنها تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ لكل صلاة، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه
مسألة وسئل مالك عن الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه، قال: لا ينقض ذلك وضوءها، والرجل مثل ذلك لامرأته، وإنما ينقض الوضوء ما كان من ذلك للذة.
فأما الرجل تناوله امرأته الشيء أو يناولها، فتمسه أو يمسها فليس عليه شيء، وإنما الذي عليه من
ذلك الذي هو للذة.
وقال مالك في الجسة من فوق الثوب أو من تحته إذا كان على وجه اللذة فأرى عليه الوضوء.
وقال سحنون: كان علي بن زياد يروي إن كانت الجسة من فوق ثوب كثيف لا يصل بجسه إلى جسدها فلا شيء عليه.
وإن كان ثوبا خفيفا يصل في جسه إلى جسدها فحينئذ يكون عليه الوضوء.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن اللمس مع القصد إلى الالتذاذ يوجب الوضوء وإن لم يلتذ، وهو ظاهر ما في المدونة أيضا، ونص رواية عيسى عن ابن القاسم في رسم "أوصى" من هذا الكتاب خلاف ما في سماع أشهب، وسواء كانت الملامسة من فوق الثوب أو من تحته، إلا أن يكون الثوب كثيفا على ما في رواية علي بن زياد؛ لأنها تحمل على التفسير.
وتحصيل هذه المسألة أن من التذ باللمس فلا خلاف في أن الوضوء واجب عليه سواء قصد إلى الالتذاذ به أو لم يقصد.
واختلف إذا قصد الالتذاذ به فلم يلتذ على قولين، وأما إن لم يقصد الالتذاذ بذلك ولا التذ به فلا خلاف في أنه لا وضوء عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها
مسألة قال مالك: ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها، وليس هذا من عمل الناس، ولم يكن للناس ذلك الزمان مصابيح.
قال محمد بن رشد: كان القياس أن يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر؛ إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت على من لم يصلها في سعة من الوقت، فسقط ذلك عنها في الاتساع ومن ناحية المشقة
التي تدركها في القيام من الليل، فخفف ذلك عنها بأن تنظر عند إرادة النوم، فإن استيقظت عند الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من الليل حملت في الصلاة على ما نامت عليه ولم يجب عليها قضاء صلاة الليل حتى توقن أنها طهرت من قبل الفجر، وأمرت في رمضان بصيام ذلك اليوم وأن تقضيه احتياطا.
فيجب على المرأة أن تنظر عند النوم للعلة التي ذكرنا، وعند أوقات الصلوات، ويجب ذلك عليها في أوائلها وجوبا موسعا، ويتعين في آخرها بقدر ما يمكنها أن تغتسل وتصلي قبل خروج الوقت.
والأصل في هذه المسألة قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الآية.
لأنها دالة على أن التأهب لها بالغسل والوضوء لا يجب إلا عند إرادة فعلها بدخول وقتها، وهو بين، وبالله التوفيق.
مسألة: يخرج من منزله وهو على غير يريد منزلا آخر فتغرب عليه الشمس
مسألة وسئل عن رجل خرج من منزله وهو على غير وضوء وهو يريد منزلا آخر قريبا منه، وهو يرى أنه سيأتيه قبل غروب الشمس، فغربت عليه وبينه وبين الموضع الذي كان يريده ميل أو ميلان، قال: لا يصلي حتى ينتهي إلى موضعه الذي يريد فيتوضأ ويصلي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الميل أو الميلين يأتي عليهما قبل مغيب الشفق، ولو كان لا يدرك الماء قبل مغيب الشفق لوجب عليه أن يتيمم ويصلي كما قال في المدونة، ولا اختلاف في هذه المسألة؛ لأنه مسافر وإن كان سفرا قريبا لا تقصر فيه الصلاة.
وقيل: إنها جارية على الاختلاف في الحاضر العادم للماء هل هو من أهل التيمم أم لا؟ على
اختلافهم في آية التيمم هل تحمل على ظاهرها أو يقدر فيها تقديم وتأخير على ما تقدم القول عليه في رسم "الشريكين"؟ وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يفضي بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب هل ينقض الوضوء
مسألة قال سحنون: حدثني ابن القاسم عن مالك عن يزيد عن عبد المالك بن المغيرة، عن سعيد بن أبي سعيد القبري، عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة» .
قال محمد بن رشد: قد روي هذا المعنى عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من وجوه كثيرة، وروي عن طلق بن علي أنه قال: «قدمنا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، هل ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: وهل هو إلا بضعة منك» . فمن أهل العلم من أوجب الوضوء من مس الذكر، ومنهم من لم يوجبه، ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل الآثار الواردة في ذلك ولم يطرح منها شيئا.
والأقوال الثلاثة قائمة في المذهب لمالك.
روى أشهب عنه في هذا الكتاب أنه قال: من مس ذكره انتقض وضوءه، فظاهره في العمد والسهو.
وروي عنه في كتاب الصلاة أنه سئل عن مس الذكر، فقال: لا أوجبه وأبى، فروجع في ذلك فقال: يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا، فظاهره أيضا في العمد والسهو.
وروى ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا [الكتاب] القول الثالث
أنه لا إعادة عليه إلا أن يمسه عامدا.
وإلى هذا يرجع ما في المدونة على تأويل بعض الناس، وقد تأول ما فيها [على الظاهر] من التفرقة بين باطن الكف وظاهره من غير اعتبار بقصد ولا وجود لذة، وهذا كله إذا مسه على غير حائل.
واختلف قوله: إن مسه على حائل خفيف على قولين، أحدهما: أنه لا وضوء عليه، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا الكتاب اتباعا لظاهر هذا الحديث، والثاني: أن عليه الوضوء، وهو قوله في رواية علي بن زياد عن مالك.
وأما إن كان الحائل كثيفا فلا وضوء عليه قولا واحدا، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يتوضأ ولم يخلل أصابع رجليه
مسألة وسئل مالك عمن توضأ ولم يخلل أصابع رجليه، قال: يجزئ عنه.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن تخليلها أحسن، وكذلك قال ابن حبيب أن تخليلها مرغب فيه.
وفي رسم "نذر سنة" بعد هذا: أنها لا تخلل، ونحوه روى ابن وهب عن مالك في المجموعة، قال: ولا خير في الجفاء والغلو، وبالله التوفيق.
ومن كتاب البز
مسألة: الرجل يجنب فيدخل البير المعين يغتسل فيه
مسألة وسئل مالك عن الرجل يجنب فيدخل البير المعين يغتسل فيه، قال: كنت أسمع أن ينهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم والمقيم.
فقيل له: إن البير ربما كانت كثيرة الماء، قال: هو ماء مقيم
وإن كان معينا، قد قيل لأبي هريرة حين ذكر غسل اليد للوضوء، فقيل له: فأين المهراس؟ قال: أف لك، لا تعارض الحديث، يريد أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله.
قال محمد بن رشد: قد مضى التكلم في أول رسم من هذا السماع على الغسل في الماء الدائم، وفي رسم "كتب عليه ذكر حق" على حكم إدخال اليد في الماء قبل غسلها: وظاهر قول أبي هريرة أنه لا يسعه أن يدخل يده في المهراس قبل أن يغسلها للحديث، ويلزمه أن يحتال لغسلها إلا أن يوقن بطهارتها خلاف ما يأتي في آخر سماع أشهب من تخفيف ذلك، فانظر ذلك وقف عليه.
وبالله التوفيق.
مسألة: المسافر يحضره وقت الصلاة وليس معه ماء والماء متنح عن الطريق
مسألة وسئل مالك عن المسافر يحضره وقت الصلاة وليس معه ماء، والماء متنح عن الطريق، أترى أن يعدل إليه؟ قال: إن ذلك لمختلف، فمنهم القوي والضعيف، والأمر الذي لا يقوى عليه فهو على قدر ما يطيق، فإن لم يكن يقوى على ذلك وذلك يشق عليه فأرجوه أن يكون ذلك واسعا له إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في آخر رسم "الشريكين" بما أغنى عن إعادته، وبالله التوفيق.
مسألة نضح الثوب ما وجه ذلك
مسألة وسئل مالك عن نضح الثوب ما وجه ذلك؟ قال: تخفيف، وهو جيد.
قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - للرجل حين سأله لعلي، قال: «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» . وكان عبد الله بن عمر ينضح، وهو حسن، وهو تخفيف، يريد تخفيفا لما يشك فيه.
قال محمد بن رشد: هذا أصل قد تقرر في المذهب أن ما شك في نجاسته من الثياب يجزي فيه النضح.
والأصل في ذلك نضح أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - للنبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، الحصير الذي صلى عليه.
وأن عمر بن الخطاب لما غسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام نضح ما لم ير.
وأما احتجاجه في الرواية لذلك بقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» فليس ببين؛ لأن النضح بعد الغسل لما قد غسل ليس لشك في نجاسته، وإنما هو لرفع ما يخشى أن يكون يطرأ عليه بعد ذلك من الشك في أن يكون قد خرج منه بعد الغسل بقية من ذلك المذي، كما قال سعيد بن المسيب: إذا توضأت وفرغت فانضح بالماء، ثم قل: هو الماء.
ووجه ما ذهب إليه في احتجاجه أن النضح يرفع الشك الذي قد وقع كما يرفع الشك الذي يتوقع، ويحتمل أن يكون أراد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: " وانضح " أي: انضح ما شككت فيه من ثيابك أن يكون المذي قد أصابه.
فعلى هذا التأويل يصحح الاحتجاج بالحديث لوجوب نضح ما شك في نجاسته من الثياب، ويكون بينا لا إشكال فيه.
وإنما أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغسل أنثييه لما يخشى أن يكون قد أصابهما من الأذى؛ لأن المذي من شأنه أن يمتد وينفرش، ولذلك قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ليس على الرجل غسل أنثييه
من المذي إلا أن يخشى أن يكون قد أصابهما منه شيء، وهو أصله أن ما شك في نجاسته من الأبدان فلا يجزئ فيه إلا الغسل بخلاف الثياب.
ومن الدليل على وجوب غسل ما شك فيه من الأبدان قوله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فأمر بغسل اليد للشك في نجاستها، وهذا بين.
وفي كتاب ابن شعبان أنه ينضح ما شك فيه من الثياب والأبدان، وهو شذوذ.
وذهب ابن لبابة إلى أن يغسل ما شك فيه من الثياب والأبدان، ولم ير النضح إلا مع الغسل في الموضع الذي ورد فيه الحديث.
وقال: إن نضح الحصير للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن لنجس، وحكى ذلك عن ابن نافع، وهو خروج عن المذهب.
ويحتمل عنده أن يكون معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» أي: انضح واغسل ذكرك وأنثييك؛ لأن الواو لا توجب رتبة، وتكون إرادته بالنضح الصب، فكأنه قال: صب الماء على ذكرك وأنثييك واغسلهما؛ لأن الصب قد يسمى نضحا، ومنه الحديث: «إني لأعرف مدينة ينضح البحر بناحيتها» أي: يصب، والله أعلم بمراده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يدخل حوض الحمام وهو ملآن أترى ذلك يجزيه في طهوره
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل حوض الحمام وهو ملآن، أترى ذلك يجزيه في طهوره؟ قال: نعم، إن كان طاهرا فنعم، يريد بذلك الماء والرجل جميعا.
قال محمد بن رشد: قوله نعم؛ يريد أن ذلك يجزيه من غسله إذا فعل بالشرطين اللذين وصف، لا أنه يبيح ذلك ابتداء لوجهين، أحدهما: الاغتسال في الماء الدائم للحديث الوارد في ذلك على ما تقدم له في أول مسألة من هذا الرسم وفي غير ما موضع، والثاني: كراهية الاغتسال بالماء السخن من الحمام، فقد قال في سماع أشهب: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل من ذلك الماء؟ وبالله التوفيق.
مسألة: المسح على الخفين في الحضر أيمسح عليهما
مسألة وسئل عن المسح على الخفين في الحضر أيمسح عليهما؟
فقال: لا، ما أفعل ذلك.
ثم قال: إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط في جماعة من الناس: قد أقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان خلافتهم، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون.
قال: وإنما هي [هذه] الأحاديث.
قال: ولم يروا يفعلون ذلك، وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به.
قال محمد بن رشد: كان مالك أول زمانه يرى المسح في السفر والحضر، ثم رجع فقال: يمسح المسافر ولا يمسح المقيم، ثم قال أيضا: لا يمسح المسافر ولا المقيم.
والصواب الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين إجازة المسح في السفر والحضر.
وقد روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسح على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، وروي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسحون على الخفين.
وروي عنه أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أنه من لم ير المسح على الخفين يجزئه حتى يخلعهما فيغسل رجليه لم تجاوز صلاته أذنيه
ولو صلى أربعين سنة حتى يتوب.
ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة.
فأما ابن عباس فروي عنه أنه قال: «مسح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الخفين» ، فسل الذين يزعمون أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد مسح على الخفين أقبل المائدة أو بعد المائدة، والله ما مسح بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح عليهما.
وإنما قال ابن عباس: إنه لم يمسح على الخفين بعد نزول المائدة؛ لأنه لم يره مسح فظن أنه لم يمسح، ومن رأى حجة على من لم ير.
فقد روي «أن جرير بن عبد الله البجلي قال: " رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح على خفيه، فقالوا: بعد نزول سورة المائدة؟ فقال: إنما أسلمت بعد نزول سورة المائدة ".» وقول ابن عباس: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على الخفين، يحتمل أن يكون ذلك منه اختيارا لترك المسح في خاصته؛ لأنه من قوم اختصهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دون الناس بإسباغ الوضوء على ما روي عنه أنه قال: «ما اختصنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارا على فرس» . ويكون المسح له وللناس باقيا عنده على حكمه قبل نزول المائدة، بدليل ما روي عنه أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.
وكذلك أبو هريرة قد روي عنه أيضا إجازة المسح.
وأما عائشة فقد روي أنها سئلت عن ذلك فتوقفت وقالت: اسألوا عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسئل فقال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمرنا أن نمسح على أخفافنا» . والصحيح من مذهب مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، الذي عليه أصحابه إجازة المسح في السفر والحضر، فهو مذهبه في موطاه، وعليه مات.
روي
عن ابن نافع قال: دخلنا على مالك في مرضه الذي مات فيه فقلنا له: يا أبا عبد الله قد أقمت برهة من عمرك ترى المسح على الخفين وتفتي به ثم رجعت عنه، فما الذي ترى في ذلك الآن ونثبت عليه؟ فقال: يا ابن نافع، المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين ثابت لا شك فيه، إلا أني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور، فلا أرى من مسح قصر فيما يجب عليه، وأرى المسح قويا والصلاة تامة.
ومثل هذا في نوازل أصبغ من قوله وروايته عن ابن وهب.
مسألة: إذا لبس الخفين المقيم والمسافر وهو طاهر فليمسح عليهما
مسألة أخبرنا سحنون عن ابن وهب أنه قال: سمعت مالكا يقول: إذا لبس الخفين المقيم والمسافر وهو طاهر فليمسح عليهما، ليس عند أهل بلادنا في هذا وقت إذا انتهى إليه لم يمسح على الخفين، ولكن ما داما عليه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المعلوم من قول مالك في المدونة وغيرها الذي عليه أصحابه أن لا توقيت في ذلك، وقد روي عن مالك التوقيت في ذلك كالذي يذهب إليه أهل العراق: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، في رسالته إلى هارون الرشيد.
وقد قيل: إنها لم تصح عنه، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: الغسل باللبن والعسل يغسل به رأسه
مسألة وسئل مالك عن الغسل باللبن والعسل يغسل به رأسه، قال: ما يعجبني ذلك، وغيره أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم "النذور والجهاد" من سماع أشهب، ونحو قول سحنون في نوازله، وفي سماع أشهب أيضا من هذا الكتاب.
وقال ابن نافع فيه: لا بأس بالوضوء بالنخالة.
وهذا إنما يكره من
ناحية السرف والترفه والتشبه بأمر الأعاجم وما للأطعمة من الحرمة، لا لأنه حرام، فمن تركه أجر، ومن فعله لم يكن عليه إثم ولا حرج على حد المكروه؛ لأنه مما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب.
وقول ابن نافع: لا بأس بالوضوء بالنخالة؛ معناه لا إثم عليه إن فعل ذلك، فليس بخلاف لقول مالك وسحنون.
وكذلك ما وقع في سماع أشهب من كتاب الحدود: لا بأس أن تمشط المرأة بالنضوح تعمله من التمر والزبيب، معناه: لا إثم عليها في ذلك؛ لأن النهي إنما جاء في الخليطين للشرب، لكنه مكروه لها من ناحية السرف، فإن تركته أجرت، وإن فعلته لم تأثم، فليس في شيء من ذلك كله تعارض ولا اختلاف، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل تبول الدابة قريبا منه فيشك أن يكون أصابه شيء من بولها
مسألة وسئل مالك عن الرجل تبول الدابة قريبا منه فيشك أن يكون أصابه شيء من بولها، فقال: إن استيقن أنه أصابه ولم يره غسل تلك الناحية، وإن شك نضح وهو يجزئ عنه.
قال محمد بن رشد: وهذا على أصله الذي قد قرره في غير ما موضع أن ما شك في نجاسته من الثياب يجزئ فيه النضح، فإن لم يفعل أعاد في الوقت.
واختلف إذا وجد في ثوبه احتلاما فغسل ما رأى وترك أن ينضح ما لم ير، فقال في سماع ابن أبي زيد يعيد في الوقت، وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه؛ لأن النضح هاهنا إنما هو لتطيب النفس، وهو قول ابن نافع في تفسير ابن مزين، وبالله التوفيق.
: الفرس في مثل الغزو والأسفار يكون صاحبه يمسكه فيبول فيصيبه بول الفرس
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل [مالك] عن الفرس في مثل الغزو والأسفار يكون صاحبه يمسكه فيبول فيصيبه بول الفرس، قال: أما في أرض العدو
فإني أرجو أن يكون خفيفا إذا لم يكن له من يمسكه غيره، وأما في أرض الإسلام فليتقه ما استطاع، ودين الله يسر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه مما لا يستطيع المسافر التوقي منه، لا سيما الغازي في أرض العدو، فهو موضع تخفيف للضرورة، كما خفف مسح الخف من الروث الرطب، وكما جوز للمرأة أن تصلي في الثوب الذي ترضع فيه إذا لم يكن لها ثوب غيره، مع أن تدرأ البول عنه جهدها.
: الرجل يجعل الخرقة يمسح بها وجهه عند وضوئه
ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك عن الرجل يجعل الخرقة يمسح بها وجهه عند وضوئه، قال: لا بأس بذلك، وأنا أفعل ذلك، ثم قال: وما الذين يسألون عن مثل هذا؟ فقيل: إن بعض الناس يذكرون أن بلال بن عبد الله بن عمر نهى رجلا عن ذلك، ويقولون: هو يذهب بنور الوجه، فوعظه أن يحدث بذلك أو يقبله ممن حدثه، قال: ولو قاله بلال أيؤخذ منه ذلك؟ قال محمد بن رشد: إنما أنكر مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والله أعلم، هذا الحديث ووعظ أن يحدث بذلك أو يقبله ممن حدثه لبيان بطلانه، وذلك أن نور الوجه هو بياضه، فإن كان أراد أن مسح الوضوء بالخرقة يذهب بياض الوجه في الدنيا فيسود أو تعلوه كالغبرة، فذلك ترده المشاهدة، وإن كان أراد أنه يذهب بياضه في الآخرة فيسود أيضا أو تعلوه غبرة، فذلك يرده القرآن؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه أن ذلك من علامات الكفار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106] .
وقال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: 40] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 41] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: 42] وقد «روي أنه، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء» وقع هذا الأثر في المدونة من رواية عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وقولها: «كانت له خرقة يتنشف بها عند الوضوء» يقتضي أن ذلك كان شأنه الذي يداوم عليه، فلا يعارض هذا ما روي «عن ميمونة أنها قالت: " صببت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غسلا فاغتسل به ثم أتيته بمنديل أو خرقة فلم يردها أو لم ينفض بها» ؛ إذ قد يحتمل أن يكون كره الخرقة لشيء علمه فيها، أو كره مناولتها إياه، أو أحب أن يكون هو الذي يتناولها بنفسه تواضعا لله عز وجل، ولعلها قامت بها عليه فكره قيامها؛ إذ ذلك من فعل الجبابرة، وقد قال، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . ومن الناس من كره ذلك في الغسل دون الوضوء اتباعا للآثار، فهي أقوال.
وقد عللت الكراهية فيها بأنه أثر عبادة فكرهت إزالته كدم الشهيد، وهو من التعليل البعيد، وبالله التوفيق.
مسألة: الخاتم يكون في يد الرجل أيحركه عند الوضوء
مسألة وسئل عن الخاتم يكون في يد الرجل أيحركه عند الوضوء؟
قال: لا أرى ذلك على أحد أن يحرك خاتمه.
فقيل له: أيستنجي به وفيه ذكر الله؟ قال: إن ذلك عنده لخفيف، ولو نزعه لكان أحسن، وفي هذا سعة، وما كان من مضى يتحفظ هذا التحفظ في مثل هذا
ولا سئل عنه.
وقال ابن القاسم: وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى على أحد أن يحرك خاتمه عند الوضوء مثله في بعض الروايات لأبي زيد بن أبي آمنة في الذي يكون في إصبعه خاتم قد عض به، فهو كما قال؛ لأنه إن كان سلسا فالماء يصل إلى ما تحته ويغسله، وإن كان قد عض بإصبعه صار كالجبيرة لما أباح الشرع له من لباسه إياه، فلا ينبغي أن يدخل في هذا لهذه العلة الاختلاف الموجود في المدنية وفي بعض روايات العتبية فيمن توضأ وقد لسق بظفره أو بذراعه الشيء اليسير من العجين أو القير أو الزفت؛ لأن الأظهر من القولين تخفيف ذلك على ما قاله أبو زيد بن أبي آمنة في بعض روايات العتبية، ومحمد بن دينار في المدنية، خلاف قول ابن القاسم في المدنية، وظاهر قول أشهب في بعض روايات العتبية.
وقد روي عن أبي تميم الجيشاني قال: " دخلت أنا وإخوتي على عمر بن الخطاب وعلى بعضهم خاتم فقال له عمر: كيف يتم وضوءك وهذا عليك؟ فنزعه وألقاه ". وهذا شاذ والله أعلم بصحته؛ إذ لو كان هذا واجبا لاتصل به العمل، ونقل نقل التواتر الذي لا يجهل، وبالله التوفيق.
وفي البخاري عن ابن سيرين " أنه كان يغسل موضع الخاتم إذا توضأ "، وذلك من الاعتداء في الوضوء المنهي عنه ومن الغلو في الدين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77] . وأما الاستنجاء به وفيه ذكر الله فقد مضى القول فيه في رسم "الشريكين"، وبالله التوفيق.
حكم درق البازي
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت قال ابن القاسم: في درق البازي قال: يعيد في الوقت إلا أن يكون الذي يصيب ذكيا، فقيل لابن القاسم: فالحمام تصيب أرواث الدواب، فقال: أحب إلي أن لو أعاد في الوقت من صلى بخروها.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن حارث في كتاب يحيى بن إسحاق من رواية أصبغ عن ابن القاسم أن درق البازي نجس، وإن كان الذي يأكل ذكيا.
قال أصبغ: ولا يعجبني قوله: إذا كان الذي يأكل ذكيا وأراه طاهرا.
وفي المبسوطة أيضا لمالك مثل قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه أنه نجس يعيد منه في الوقت وإن كان الذي يصيب منه ذكيا.
وقد روي عن مالك أنه لا يوكل ككل ذي مخلب من الطير لنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك.
وعلى هذه الرواية يأتي أن درق البازي نجس وإن كان الذي يأكل ذكيا.
وقوله في الحمام: يصيب أرواث الدواب أن أحب إليه أن لو أعاد في الوقت من صلى بخروها، إنما إذا علم من حالها أنها تأكل أرواث الدواب ولم يتحقق أنها أكلتها، ولو تحقق ذلك لقال: إنه يعيد في الوقت على كل حال؛ لأن خرو ما يأكل النجس عنده نجس، وبالله التوفيق.
: خرو الحمام يصيب الثوب
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن خرو الحمام يصيب الثوب، قال: هو عندي خفيف، وغسله أحب إلي.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا لم يعلم أنها أكلت نجاسة على ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يكون معه الماء القليل لوضوئه أترى يسقيه عطشانا ويتيمم
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون معه الماء القليل لوضوئه فيمر
به رجل] فيستقيه، أترى أن يسقيه ويتيمم؟ قال: ذلك يختلف، أما رجل يخاف أن يموت فأرى ذلك له، وإن لم يبلغ منه الأمر الخوف فلا أرى ذلك له، وقد يكون عطش خفيف، ولكن إن أصابه من ذلك أمر يخافه فأرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: خوفه على الرجل الذي يستقيه كخوفه على نفسه سواء، وقد قال في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب: إنه إذا كان معه من الماء قدر وضوئه فخاف العطش أنه يجوز له أن يتيمم ويبقي ماءه، وهو كما قال؛ لأن الخوف على النفس يسقط حق الله.
قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] .
مسألة: نام فاحتلم وصلى الصبح فرأى في قميصه الاحتلام وهو بالسوق
مسألة وسئل مالك عن من نام فاحتلم وصلى الصبح فرأى في قميصه الاحتلام وهو بالسوق وذلك نهارا بعد أن طلعت الشمس، وهو يريد أن يشتري حاجة، أفترى أن يمضي لحاجته أم ينصرف فيغتسل ويصلي الصبح؟ قال: بل ينصرف ويغتسل ويصلي الصبح.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الوضوء من المدونة سواء.
والدليل على صحته قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وقد قال في كتاب الصلاة الأول من المدونة: من ذكر صلاة قد خرج وقتها فليس له أن يتنفل قبلها، وليس الأمر في ذلك
عندي بضيق؛ لما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صلى إذ نام عن الصلاة في الوادي ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح» وبالله التوفيق.
مسألة: الفارة تأكل من الخبز أيؤكل من موضعها الذي أكلت منه
مسألة وسئل مالك عن الفارة تأكل من الخبز أيؤكل من موضعها الذي أكلت منه؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة قال: وسألنا مالكا عن الخبز من سؤر الفارة، فقال: لا بأس بذلك، وهو على أصله فيها أن السباع والدجاج التي تأكل النتن إن شربت من اللبن لم يطرح إلا أن يتيقن أن في مناقرها أذى.
ويروى الخبز من سؤر الفارة بفتح الخاء، يريد ما عجن بالماء الذي شربت فيه، وذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك سواء، وإنما يفترق ذلك على مذهب ابن الماجشون الذي يقول إن الكلب إذا ولغ في اللبن أكل، وإذا ولغ في الماء وعجن به أو أصبح أنه لا يؤكل شيء من ذلك؛ لأنه فساد أدخله هو على نفسه بفعله، والله أعلم.
مسألة: الرجل يدخل إصبعه في فيه عند وضوئه ويدخلها في مائه
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل إصبعه في فيه عند وضوئه، ويدخلها في مائه، قال: لا بأس بذلك.
فقيل له: فالسواك يدخله في مائه الذي يتوضأ به وقد أدخله في فيه، أيتوضأ بذلك الماء؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما سأله عن ذلك لما خشي أن ينضاف الماء لما تعلق بإصبعه أو سواكه من ريقه، فرأى ذلك خفيفا؛ إذ لا يتغير الماء من
الريق إلا أن يكثر البصاق فيه.
وقد استحب في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب غسل يده قبل أن يعيدها إلى وضوئه وهو حسن، إذ روي عن أبي الحسن القابسي أن الماء اليسير ينضاف بما حل فيه من الطاهر اليسير وإن لم يتغير به، كما تفسده النجاسة اليسيرة وإن لم يتغير بها، وهو شذوذ.
مسألة وسئل مالك عن الاستنثار، أيستنثر الرجل من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك، وقال: لا أعرفه، كأنه يرى أنه يضع يده إذا أراد أن يستنثر.
قال محمد بن رشد: وهو كما قال؛ لأن ذلك هو السنة، والشأن في الاستنثار الذي مضى عليه العمل وأخذه الصغير عن الكبير.
ووجه ذلك أنه يضع يده على أنفه إذا استنثر يدفع ما يخرج من أنفه مع الماء الذي استنشقه من أن يسيل على فمه ولحيته، ولذلك أنكر مالك تركه، وهو موضع الإنكار، وبالله التوفيق.
مسألة وسئل مالك عن المتيمم كيف يتيمم؟ قال: ضربة لوجهه، وضربة ليديه، يمر يده اليسرى على اليمنى من فوقها وباطنها، واليمنى على اليسرى مثل ذلك من فوقها وباطنها.
قال محمد بن رشد: هذا هو الاختيار عند مالك في التيمم، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، يمر اليسرى على اليمنى من فوقها وباطنها، الأصابع على ظهور الأصابع، وظهر الذراع والكف على بطن الذراع إلى أصل الكف، ثم اليمنى على اليسرى من فوقها وباطنها كذلك، إلا أنه ينتهي إلى آخر الأصابع، قاله ابن حبيب، وخالفه غيره في ذلك فقال
يمسح اليمنى باليسرى إلى أطراف الأصابع، ثم اليسرى باليمنى كذلك.
وما في المدونة محتمل للتأويل.
والفرض عنده ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكفين، فإن تيمم أحد عنده إلى الكفين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لم يكن عليه إعادة.
وقال ابن حبيب يعيد في الوجهين في الوقت، وقال ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم: يعيد في الوجهين جميعا في الوقت وبعده.
ويتحصل من اختلاف أهل العلم في صفة التيمم تسعة أقوال؛ لأن في حده ثلاثة أقوال، قيل: إلى الكوعين، وقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى المنكبين، قيل بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين، وقيل بضربة واحدة للوجه واليدين، [وقيل بضربة واحدة للوجه واليدين] وضربة ثانية للوجه أيضا واليدين.
واختيار ابن لبابة الذي قد ذكرناه في رسم "الشجرة" قول عاشر في المسألة.
مسألة: الجنب أيحرك لحيته بالماء إذا اغتسل
مسألة وسئل مالك عن الجنب أيحرك لحيته بالماء إذا اغتسل؟ قال: نعم.
فقيل له: فعند الوضوء؟ قال: يحرك ظاهرها من غير أن يدخل يده فيها، وهو مثل أصابع الرجل أراد أنها لا تخلل.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في تخليل الرجلين في آخر رسم "اغتسل".
وأما تخليل اللحية في الوضوء ففيها ثلاثة أقوال: أحدها قوله في هذه الرواية وفي المدونة أنها لا تخلل، وهو قول ربيعة أن تخليلها مكروه، والثاني: أن تخليلها مستحب، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والثالث: أن تخليلها واجب، وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع عنه حكاه ابن حارث.
وقد مضى في رسم "أخذ يشرب خمرا" من توجيه الاختلاف في تخليلها في الغسل ما يدل على ذلك في الوضوء لمن فهم.
وأظهر الأقوال
استحباب تخليلها، " فقد روي «أن عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته فقيل له: أتخلل لحيتك؟ فقال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخلل لحيته» وبالله التوفيق.
رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة ثم سأل عن ذلك بعد أيام
من كتاب أوله المحرم يتخذ خرقة لفرجه وسئل مالك عن رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة فيمم بها وجهه ويديه وصلى، ثم سأل عن ذلك بعد أيام، قال: أرجو أن يجزئ عنه، وغير ذلك كان أصوب.
قال ابن القاسم: لا أرى عليه إعادة في الوقت ولا بعده.
قال محمد بن رشد: قد مضى في الرسم الذي قبل هذا من التكلم على هذه المسألة بما فيه كفاية.
مسألة: استنجى بدرة ثم توضأ وصلى
مسألة وسئل عمن استنجى بدرة ثم توضأ وصلى.
قال: صلاته تجزئه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "سن" بما فيه كفاية.
مسألة: الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب
مسألة وسئل مالك عن الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب أيمسحه الرجل ويصلي به؟ قال: أرجو أن يكون واسعا إن شاء الله، وما الناس كلهم سواء، من الناس من يركب،
ومن الناس من يجعل زوجي خفاف لموضع البرد فينزع الأعلى، وأرجو أن يكون خفيفا.
فقلت له: فأحب إليك أن ينزعه؟ قال: نعم، هو أحب إلي، ولا أراه ضيقا على الناس.
فقيل له: فالعذرة يطأ عليها؟ قال: ليس هذا مثل الروث، والروث أسهل عندي من العذرة، ولا أرى أن يصلي بالعذرة حتى يغسلها.
قال: والبول بول الناس عنده مثل العذرة وخرو الكلاب وما أشبهها لا يجزئ فيها إلا الغسل، إلا أرواث الدواب وأبوالها فإن المسح يجزئ فيها.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في رسم أوله "تأخير صلاة العشاء ".
مسألة: الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل
مسألة وسألته عن الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل أم لا؟ فقال لي: أما الخبز الذي ينضج فيه فلا يؤكل، وأما ما طبخ في القدر فأكله خفيف وهو يكره بدءا، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما وقع في رسم "شك في طوافه" في بعض الروايات، قال: لا يوقد بعظام الميتة لا الطعام ولا الشراب، قال ابن القاسم: ولا أرى أن يوقد بها في الحمامات، قال ابن القاسم: ولا أرى بأسا أن تخلص بها الفضة من التراب إن شاء الله تعالى، ونفرد القول على هذه المسألة في موضعها.
وهذا كما قال؛ لأن الخبز الذي ينضج فيه قد داخله من عين نجاسة الروث النجس وسرى فيه فنجس بذلك.
وأما ما طبخ عليه في القدر فلم يصل إليه من عين النجاسة شيء ينجس به من أجل الحائل الذي بينه وبينه، وإنما يكره من أجل ما يصل إليه من دخان الروث النجس؛ لما في ذلك من الشبهة من أجل من يقول: إن الدخان نجس وإن لم يكن عندنا نجسا.
مسألة: الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء هل يجزئ ذلك للصلاة
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء، ولا يريد بذلك صلاة، فتحضره الصلاة، أفترى أن يصلي بذلك الوضوء؟ قال: نعم إذا أراد بذلك طهرا.
قال محمد بن رشد: لا إشكال أن يصلي صلاة الفريضة بهذا الوضوء؛ لأنه إذا نوى به الطهر فقد قصد به رفع الحدث، فهذا أعم ما ينوي المتوضئ بوضوئه.
وإنما الكلام إذا لم يعم ويقصد رفع الحدث، وإنما توضأ لشيء يعنيه هل يصلي بذلك صلاة الفريضة أم لا؟ وهذا ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتوضأ لما لا يصح فعله إلا بوضوء كمس المصحف أو الصلاة على جنازة وما أشبه ذلك، والثاني: أن يتوضأ لما يصح فعله بغير طهارة والوضوء له مشروع استحبابا كالنوم وقراءة القرآن طاهرا وما أشبهه، والثالث: أن يتوضأ لما لم يشرع له الوضوء أصلا كالدخول على السلطان وما أشبه ذلك.
فالأول يصلي به باتفاق، والثاني يصلي به على اختلاف، والثالث لا يصلي به باتفاق، وبالله التوفيق.
الرجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك أيصلي فيه
من كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل مالك عن رجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك، أيصلي فيه؟ قال: لا، حتى يغسله أو يخلعه.
قيل له: فالحديث الذي جاء في القشب؟ قال: ذلك القشب اليابس فيما تقول.
قال ابن القاسم: ثم سمعته بعد ذلك يخففه في أرواث الدواب وأبوالها إذا مسحت وإن كانت طرية.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في مواضع، ومضى القول فيها في رسم "تأخير العشاء" ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها
مسألة وسئل مالك عن الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها، قال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه المسألة في رسم "نقدها" من سماع عيسى: فإن سألهم، فقالوا: هو طاهر، فإنه يصدقهم إلا أن يكونوا نصارى فلا أرى ذلك.
وهذا كما قال: إن النصارى يحمل ما سال عليه من عندهم على النجاسة ولا يصدقون إن قالوا: إنه طاهر، بخلاف المسلمين؛ لأنهم ممن يتوقى من النجاسة ويخاف من ربه العقوبة.
وقد تكررت في هذا الرسم بعينه من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
مسألة: الدود يخرج من الدبر أترى فيه وضوءا
مسألة وسئل مالك عن الدود يخرج من الدبر، أترى فيه وضوءا؟ قال مالك: لا، هو عندي مثل البول الذي يفلت من صاحبه.
قال ابن القاسم: يريد السلس.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا وضوء عليه خرجت الدود نقية أو غير نقية، وهو المشهور في المذهب أن لا وضوء إلا فيما يخرج من السبيلين من المعتادات على العادة، والثاني: أنه لا وضوء [عليه] إلا فيما تخرج غير نقية، وهذا على قول من يرى الوضوء فيما خرج من السبيلين من المعتادات خرج على العادة أو على غير العادة، والثالث: أن عليه الوضوء وإن خرجت نقية، وهو قول ابن عبد الحكم خاصة
من أصحابنا؛ لأنه يرى الوضوء مما خرج من السبيلين من المعتادات وغير المعتادات، وبالله التوفيق.
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون
تخليل اللحية في الوضوء
من كتاب الجنائز وسئل مالك عن تخليل اللحية في الوضوء، قال: لا أرى ذلك عليه، يغسل وجهه ويمر يديه على لحيته.
قيل له: أفيخلل لحيته من الجنابة؟ قال: نعم ويحركها، قد «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخلل أصول شعر رأسه من الجنابة» .
قال محمد بن رشد: دليل هذه الرواية أن تخليل اللحية مستحب عنده؛ لأنه لما نفى وجوب تخليلها بقوله: لا أرى ذلك عليه، دل على الاستحباب؛ إذ لا يقول أحد إن تخليلها من قبيل المباح.
وقد تقدم القول في تخليلها في الوضوء في آخر رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم، وفي تخليلها في غسل الجنابة في رسم "أخذ يشرب خمرا" منه بما لا معنى لإعادته هاهنا وبالله التوفيق.
مسألة: تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء
مسألة وسئل عن تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القبلة من الملامسة، فإنما ينتقض الوضوء من ناحية اللذة، والنساء في ذلك على ثلاثة أحوال: من لا يوجد في تقبيلهن لذة ومنهن من لا يُبتغى في تقبيلهن لذة، ومنهن من يُبتغى في تقبيلهن اللذة.
فأما اللواتي لا يوجد في تقبيلهن لذة وهن الصغيرات اللواتي لا يشتهى مثلهن فلا وضوء في تقبيلهن وإن قصد بذلك اللذة ووجدها بقلبه إلا على مذهب من يوجب الوضوء في الالتذاذ بالتذكار.
وأما اللواتي
لا يبتغى في تقبيلهن لذة وهن ذوات المحارم فلا وضوء في تقبيلهن إلا مع القصد إلى الالتذاذ بذلك من الفاسق الذي لا يتقي الله؛ لأن القصد في تقبيلهن الحنان والرحمة، فالأمر محمول على ذلك حتى يقصد سواه.
وأما اللواتي يبتغى بتقبيلهن اللذة وهن من سوى ذوات المحارم فيجب الوضوء في تقبيلهن مع وجود اللذة أو القصد إليها وإن لم توجد، واختلف إذا عدم الأمران على قولين، وبالله التوفيق.
مسألة: المسافر لا يجد وفي الرفقة من معه ماء أيتيمم للصلاة ولا يسألهم
مسألة وسئل عن المسافر لا يكون معه ماء وقد حضرت الصلاة وفي الرفقة من معه ماء، أترى أن يتيمم ويصلي ولا يسألهم؟ أم ترى ألا يتيمم حتى يسألهم؟ فقال: يتيمم وهو يجد ماء، لا، ولكن يسأل من يليه ومن يظن أنه يعطيه.
قبل أن يتيمم، وليس عليه أن يتبع أربعين رجلا في الرفقة فيسألهم كلهم، ولكن يسأل من يليه ويرجو ذلك منه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، ويأتي في رسم " أبي زيد " ما فيه زيادة في معناها.
مسألة: المتوضئ في الصفر والحديد
مسألة وسئل عن المتوضئ في الصفر والحديد، فقال: لا بأس بذلك، وقد أتي عبد الله بن عمر بوضوء في تور نحاس فأبى أن يتوضأ فيه، قال مالك: وأراه نحاه ناحية الفضة.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك في هذه المسألة: لا بأس بذلك؛ أي لا بأس ولا كراهية فيه عندي، وإن كان عبد الله بن عمر قد كرهه ونحا به ناحية الفضة.
مسألة: أيتوضأ من السقاء من الميتة إذا دبغ
مسألة وسئل أيتوضأ من السقاء من الميتة إذا دبغ؟ فقال: إني أرجو أن لا يكون به بأس، إن أبغض ذلك إلي الصلاة فيه.
قال محمد بن رشد: قال في كتاب الجعل والإجارة من المدونة: وجه الانتفاع بها الجلوس عليها والغربلة بها، وأما الاستسقاء بها ففي نفسي منه شيء، فأنا أتقيه في خاصة نفسي ولا أحرمه على الناس.
فالمشهور من قول مالك المعلوم من مذهبه أن جلد الميتة لا يطهره الدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في المعاني التي ذكر على حديث عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» . وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشاة ميتة كان أعطاها مولى لميمونة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال: أفلا انتفعتم بجلدها؟ فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنما حرم أكلها» . وروي عنه أيضا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» وروي عن عبد الله بن الحكم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض جهينة وأنا غلام شاب أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فقال ابن لبابة: يشبه أن يكون مالك أسقط حديث ابن عباس الأول؛ لأنه قد اختلف عن ابن شهاب في إسناده ومتنه، فروي عنه مرة عن ابن عباس عن ميمونة، ومرة عن ابن عباس
أن شاة لميمونة، وروي عنه «ألا دبغتم إهابها فانتفعتم به» وأسقط حديثه أيضا: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» لأنه منه، وأسقط حديث عبد الله بن حكيم؛ لأنه لم تكن له صحبة، ولأنه قد روي عنه أنه قال: أخبرنا أشياخنا أن كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى إلى جهينة، وتقلد حديث عائشة وحده.
وكان شيخنا الفقيه أبو جعفر بن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: لم يسقط مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - شيئا من هذه الآثار بل استعملها كلها، وجعل حديث عائشة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» مفسرا لها كلها، فقال قوله في حديث ابن عباس الثاني: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» معناه الانتفاع به، وقوله في حديث عبد الله بن حكيم: «ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» معناه قبل الدباغ، وهو كلام جيد؛ إذ لا ينبغي أن يطرح شيء من الآثار مع إمكان استعمالها.
وأكثر أهل العلم يقولون: إن جلد الميتة يطهره الدباغ طهارة كاملة يجوز بها بيعه والصلاة به، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في سماع عبد الملك من كتاب الصلاة، وفي الصلاة من المدونة دليل على هذا القول، وروى أشهب مثله عن مالك في جلود الأنعام خاصة في كتاب الضحايا، قال: وسئل مالك أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرا؟ فقال: ألا يقال هذا في جلود الأنعام، فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرا إذا دبغ وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه.
وقد اختلف في جلد الخنزير فقيل: إنه لا يطهر بالدباغ، وقيل: إنه يطهر به لعموم الحديث.
وقد قال أهل اللغة منهم النضر بن شميل: إن الإهاب جلد الأنعام، وما سواه لا يقال له إهاب، وإنما يقال له
جلد.
وقال إسحاق بن راهويه: هو كما قال النضر، وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر.
مسألة: أيغسل الصوف صوف الميتة قبل أن يلبس
مسألة وسئل أيغسل الصوف صوف الميتة قبل أن يلبس؟ فقال: إن كان يعلم أنه لم يصبه أذى فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصله أنه طاهر، بدليل أخذه منها في حال الحياة.
وقد قال ابن حبيب: إنه يغسل، واستحب ذلك في المدونة، ولا معنى له إن علم أنه لم يصبه أذى.
وذهب الشافعي إلى أن الصوف من الميتة ميتة؛ لأنه رأى أن الروح قد حله فمات بموت الشاة.
وفي إجماعهم على جواز أخذه حال الحياة مع السلامة دليل على أن الروح لم يحله.
وقد قال بعض من احتج له: إن ذلك كاللبن يؤخذ من الحي ولا يؤخذ من الميت، ولم يأت بشيء؛ لأن اللبن من الميت إنما نجس من كونه في الوعاء النجس، لا أنه مات بموت الشاة.
وأما القرن فقد حله الروح، ولذلك كره مالك أخذه حال الحياة أو الموت، ولم يحرمه؛ لأنه أشبه الصوف في أنه لا يؤثر فيه الموت ولا يؤلم البهيمة أخذه منها حال الحياة.
مسألة: قوله تعالى " يوم تبلى السرائر " هل الوضوء من السرائر
مسألة وسألته عن قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9] أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ قال: نعم.
الوضوء من السرائر، وقد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدثه فلا، والصلاة من السرائر، والصيام من السرائر، إن شاء قال: قد صليت ولم يصل، ومن السرائر ما في القلوب يجزي الله به العباد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السرائر ما يسر العبد في نفسه من إيمان أو كفر أو خير أو شر أو إخلاص عبادة أو الرياء بإظهار طاعة، فيعلم الله ذلك من قلبه ويبلوه من فعله ويحاسبه على ذلك بحكمه ويصيره إلى ما شاء من جنة أو نار بعدله، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
مسألة الأقطع الرجل الواحدة أيجوز له أن يمشي بالنعل الواحدة
مسألة وسئل عن الأقطع الرجل الواحدة، أيجوز له أن يمشي بالنعل الواحدة؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النهي عن المشي في النعل الواحدة إنما أريد به من كان ذا رجلين، بدليل قوله في الحديث: «لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا» ، فمن كان ذا رجل واحدة لم يتناوله النهي، والله تعالى أعلم.
مسح مقدم رأسه مثل ما صنع ابن عمر
ومن كتاب الصلاة وسئل عمن مسح مقدم رأسه مثل ما صنع ابن عمر، فقال: وما يدريك أن ابن عمر مسح مقدم رأسه، فقال: أرى أن يعيد الصلاة.
قال أشهب: لا إعادة عليه، فقيل له: إذا مسح بعض رأسه ولم يعم أعاد؟ قال: نعم، أرأيت لو غسل بعض وجهه أو ذراعيه أو رجليه.
قال محمد بن رشد: اختلف أهل العلم في جواز مسح بعض الرأس في الوضوء لاحتمال قول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] أن تكون الباء للتبعيض وأن تكون للإلزاق، ولما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«مسح بعض رأسه» . فأما مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - فلم يجز مسح بعض الرأس كما لم يجز في التيمم مسح بعض الوجه واليدين، وإن كان الله قد قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] ، كما قال في الوضوء: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] . وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من أهل العلم إلى إجازة مسح بعض الرأس لما ذكرناه، وإلى هذا ذهب أشهب في هذه الرواية.
وقال محمد بن مسلمة: إن مسح ثلثي رأسه أجزأه، وقال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه، وبالله التوفيق.
المرأة التي يئست من المحيض تدفق دفقة من دم أو دفقتين
مسألة وسئل عن المرأة التي يئست من المحيض تدفق دفقة من دم أو دفقتين، قال: يسأل النساء عن ذلك، فإن كانت مثلها تحيض فلتغتسل وتصل.
قال محمد بن رشد: النساء في الحيض ينقسمن على خمسة أقسام: صغيرة لا يشبه أن تحيض، ومراهقة يشبه أن تحيض، وبالغة في سن من تحيض، ومسنة يشبه أن لا تحيض، وعجوز لا يشبه أن تحيض.
ولما لم يرد في القرآن ولا في السنة حد يرجع إليه من السنين يفصل به بين المسنة التي يشبه أن لا تحيض والعجوز التي لا يشبه أن تحيض، وجب أن يرجع في ذلك إلى قول النساء كما قال، فيُسألن عنه، فإن قلن: إن هذه المرأة التي دفقت دفقة أودفقتين من دم بعد أن كانت يئست من المحيض فيما كانت
ظنت مثلها تحيض، فلتعد ذلك الدم حيضا وتغتسل منه إذا انقطع عنها وتصلي، وإن قلن: إن مثلها لا تحيض فلا تعد ذلك الدم حيضا ولا تترك الصلاة له ولا تغتسل منه، قاله ابن القاسم في المجموعة، وقال ابن حبيب: إنها تغتسل وليس ذلك بصحيح؛ وإن شككن فيها عدت ذلك حيضا؛ لأن ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه حيض حتى يوقن أنه ليس بحيض من صغر أو كبر؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] والأذى الدم الخارج من الرحم، فوجب أن يحمل على أنه حيض حتى يعلم أنه ليس بحيض، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا، وبالله التوفيق.
الرجل يغسل رأسه بالبيض
ومن كتاب النذور والجنائز والذبائح قال مالك: وسألني رجل عمن غسل رأسه بالبيض فقلت له: ما يعجبني ذلك، ولكل شيء وجه، ما له يدع الغاسول ويغسل بالبيض؟ فقيل له: أرأيت الأرز يغسل به اليد؟ أهو مثله؟ قال: هذا أخف عندي، هذا مثل الأشنان.
قال محمد بن رشد: أما الأرز بإسكان الراء، فإذا لم يكن من الطعام فغسل اليد به جائز لا وجه للكراهة فيه، وأما ما كان من الطعام فغسل اليد والرأس به مكروه، وقد مضى في آخر رسم "البز" وجه الكراهة فيه والجمع بين ما يعارض ظاهره في ذلك من الروايات.
وأما الرواية فيه بتحريك الراء وتشديد الزاء فخطأ لا يستقيم الكلام عليها؛ لأنها من رفيع الطعام فلا وجه لتخفيفه على غيره من الطعام، فإن كان لشجر الأرز ثمر يؤكل عند الحاجة أو على وجه التداوي فقوله في تخفيف غسل اليد به وتشبيهه بالأشنان بين؛ لأن الكراهة في هذا إنما هي بحسب حرمة الطعام، فلا شك أن غسل اليد بدقيق الكرسنة أخف منه بدقيق القمح، وبالله التوفيق.
مسألة: الفارة تقع في بير فتتمعط فيها فيعجن بها ويطبخ اللحم
مسألة وسئل عن فارة وقعت في بير فتمعطت فيها، فعجن بها وطبخ اللحم، أترى أن يؤكل؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل.
قيل له: فما يصنع به؟ قال: لو أطعمه البهائم، قال: فما غسل به من الثياب؟ قال: لو غسلت لأجزأهم.
قال محمد بن رشد: قال هاهنا في الخبز الذي عجن واللحم الذي طبخ بالماء الذي ماتت فيه الفارة: إنه لا يؤكل، وقال في رسم "سلف" من سماع ابن القاسم في القمح المفلق بالماء الذي ماتت فيه الفارة: إنه لا يؤكل أيأكلون الميتة.
يحتمل أن يكون تكلم في مسألة القمح على أن الماء تغير من ذلك، وفي هذه الرواية على أن الماء لم يتغير من ذلك، ومساواته هاهنا بين الخبز المعجون بذلك واللحم المطبوخ به هو نحو ما في سماع يحيى من كتاب الصيد في البيض الذي يسلق فيوجد في إحداهن فرخ أن أكلهن كلهن لا يصلح؛ لأن بعضه سقى بعضا، وخلاف لما في سماع موسى بن معاوية من هذا الكتاب أن اللحم يغسل ويؤكل.
وقوله فيما غسل به من الثياب: لو غسل لأجزاهم، ليس بخلاف لما في آخر السماع من قوله: إن الثياب تنضح ولا تغسل إذا لم يكن الماء فاسدا منتنا.
والفرق بين المسألتين أن الثياب هاهنا كانت غسلت بذلك الماء فعمتها النجاسة فلم يجز فيها النضح، وفي المسألة التي في آخر السماع لم تغسل الثياب من ذلك الماء، وإنما كان ذلك الماء يصيبها على ما قال فلم تعمها النجاسة، وهذا فرق بين من الكتاب بين المسألتين.
مسألة: غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر للصلاة
مسألة قال: وسئل عن غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر للصلاة، قال: نعم في رأيي، قيل له: لا تخاف أن يكون ذلك من
اللماس؟ قال: لا لعمري، وما كان ابن عمر يفعل ذلك إلا من شغل أو عذر يجده.
قال محمد بن رشد: قوله في حديث ابن عمر: ويعطينه الخمرة، يريد للصلاة، دليل على ما قال مالك: إن غسلهن لرجليه إنما كان للصلاة، وإذا لم يكن القصد في مس أحد الرجلين صاحبه الالتذاذ فلا وضوء على أحد منهما، إلا أن يلتذ بذلك ويشتهي، فلو التذ عبد الله بن عمر بغسل جواريه رجليه لما صلى بذلك الوضوء؛ إذ قد علم من مذهبه أن الملامسة تنقض الوضوء في بعض الروايات إلا من شغل أو ضعف، وفي روايتها بعضها إلا من ضعف أو عذر يجده، وهي الرواية الصحيحة في المعنى.
وقد حكى الطحاوي عن طائفة من أهل العلم أن الفضل في أن يلي المغتسل أو المتوضئ أو المتيمم ذلك بنفسه لنفسه، فإن ولى ذلك غيره أجزأه.
وحكى عن طائفة منهم أن ذلك لا يجزئه، قال: ومنهم مالك بن أنس.
والذي يظهر من مذهبه وقوله في هذه المسألة خلاف ذلك، إلا أن يفعله استنكافا عن عبادة الله تعالى واستكبارا عنها وتهاونا بها، والله أعلم وبه التوفيق.
الرجل يكون على وضوء فيجد ريحا فيريد أن يتوضأ للصلاة ولم يمس شيئا قذرا
ومن كتاب الوضوء والجهاد وسئل مالك عن الرجل يكون على وضوء فيجد ريحا فيريد أن يتوضأ للصلاة ولم يمس شيئا قذرا ولا غيره وهي طاهرة، أيغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه؟ فقال: أحب إلي أن يغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه، فقيل له: وإن كانت يده طاهرة؟ فقال: هو أحب إلي إلا أن يكون عهده بالماء قريبا، فقلت له: كان على وضوء فأحدث ثم أراد الوضوء، فقال: أحب إلي أن يغسلها قبل أن يدخلها في وضوئه.
قال محمد بن رشد: اختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء
إذا أيقن بطهارتها، فقيل: إن ذلك سنة من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، وقيل: إن ذلك استحباب لا سنة، قيل: كان عهده بغسلها قريبا أو بعيدا، وهو أحد قولي مالك في هذه الرواية وقول ابن وهب في سماع عبد الملك من هذا الكتاب وقول ابن القاسم في رسم " أسلم " من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وقيل: إنما ذلك إذا بعد عهده بالماء، وأما إن كان عهده بالماء قريبا فليس ذلك عليه في سنة ولا استحباب، وهو القول الثاني لمالك في هذه الرواية، وقول أشهب في سماع عبد الملك بن الحسن من هذا الكتاب.
ووجه القول بأنه سنة «أن عبد الله بن زيد بن عاصم لما سأله السائل هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ، قال: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين مرتين» ، فكان في توقيت غسلهما مرتين مرتين دليل على أن غسلهما عبادة لا لنجاسة، فثبت كون ذلك سنة في الوضوء إذا لم يأت ما يعارضها.
ووجه القول بأن ذلك استحباب أن هذه السنة قد عارضها دليل حديث أبي هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» ؛ لأنه لما علق الأمر بالغسل بالشك في طهارة يده دل ذلك على أنها لا تغسل إذا أوقن بطهارتها، فالاختلاف في غسل اليد قبل إدخالها في الوضوء إذا أوقن بطهارتها هل هو سنة أو استحباب مبني على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، وهذا بين لمن تأمل.
ويلزم على القول بأنه سنة أن لا يجزئ إلا بنية.
وقد اختلف إذا غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء ثم بعد غسلهما مع ذراعيه هل يجزئه ذلك أم لا؟ ففي مصنف عبد الرزاق عن عطاء أن ذلك يجزئه، وقال محمد بن عمر بن لبابة: لا يجزئه.
قال محمد بن يحيى: وقول
محمد بن عمر أرجح؛ لأنه بمنزلة من صلى نافلة فلا تجزئه عن فريضة؛ إذ أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغسلهما قبل إدخالهما في الوضوء إنما هو زيادة على ما أمر الله به لا عوضا منه، وهو ظاهر، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: المتوضئ للصلاة يدخل يده إذا تمضمض في فيه فيدلك بها أسنانه ولسانه
مسألة قال: وسئل مالك عن المتوضئ للصلاة يدخل يده إذا تمضمض في فيه فيدلك بها أسنانه ولسانه ثم يدخلهما في الإناء قبل أن يغسلهما، فقال: لا بأس به إن شاء الله، وأرجو أن يكون واسعا، وأحب إلي أن يغسلهما، وأرجو أن يكون واسعا.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم وجه استحبابه لغسل يده قبل أن يعيدها في وضوئه، فلا معنى لإعادة ذلك وذكره.
مسألة: الأذنان من الرأس وليستأنف لهما الماء
مسألة قال مالك: الأذنان من الرأس، وليستأنف لهما الماء.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المدونة وغيرها: إن الأذنين من الرأس، وإنما السنة عنده في تجديد الماء لهما.
والدليل على أنهما من الرأس قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث أبي عبد الله الصنابحي: «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه» وإنما قال
مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: من نسي مسح أذنيه حتى صلى إن صلاته تامة، وإن كان من مذهبه أن استيعاب مسح الرأس فرض؛ لأنه استخفهما ليسارتهما؛ إذ قد قيل: إنه يجزئ مسح بعض الرأس، وإذ قد قيل: إنهما ليستا من الرأس، فقد قيل: إنهما من الوجه، وقيل: إنهما سنة على حيالها ليستا من الوجه ولا من الرأس، وقيل: إن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه.
مسألة: يد واحدة للمضمضة والاستنثار أيجزئ ذلك
مسألة وسئل مالك عن يد واحدة للمضمضة والاستنثار، أيجزئ ذلك؟ فقال: نعم يجزئه ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن ذلك يجزئه، إذا قدر أن يمسك من الماء بكفه ما يكفيه لذلك كله، والاختيار أن يأخذ غرفة فيمضمض بها ويستنثر، ثم يأخذ غرفة أخرى فيمضمض بها ويستنثر أيضا، ثم غرفة ثالثة فيمضمض بها ويستنثر على ظاهر الحديث، فمضمض واستنثر ثلاثا، وإن شاء مضمض ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، ثم استنثر ثلاثا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، الأمر في ذلك واسع، واتباع ظاهر الحديث أولى، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: الاستنجاء بالعظم والحممة
مسألة وسألته عن الاستنجاء بالعظم والحممة، فقال: والله ما سمعت فيه بنهي عام، وقد سمعته هكذا.
فقلت له: فلا ترى به بأسا؟ فقال: أما في علمي أنا فلا أرى به بأسا، وقد سمعت الذي يقال هكذا.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في رسم "سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
: مسألة البئر يقع فيه الهر فيموت فيه ما ينزف منها
مسألة قيل له: أفرأيت البئر يقع فيه الهر فيموت فيه ما ينزف منها؟
فقال: الآبار تختلف، فمنها ما ينزف كل يوم، ومنها ما يكثر ماؤها يُستقى منها كل يوم فلا ينزف وتسع البير، فأرى أن ينزع منها قدر ما يطيبها.
قلت: أرأيت ما عجن به من مائها من الخبز؟ فقال لي: أما أنا فأرى أن يطرحه أو يعلفه للدواب ولا يؤكل، ولقد جاءني قوم حديثا خبزوا خبزا بماء بئر من دارهم، ثم علموا أن الماء الذي عجن به ماتت فيه دابة من هذه الدواب فأمرتهم بذلك.
قيل له: أرأيت من اغتسل به وتطهر حتى صلى صلوات، قال: أما نحن فنقول يعيد ما كان في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: وجه النزف من ماء البير التي ماتت فيه الدابة هو أنه يخشى أن يكون قد خرج من الدابة مع خروج نفسها شيء يكون على وجه الماء لا ينماع فيه، فلا يؤمن إذا لم ينزف من الماء شيء أن يحصل ذلك الشيء في المقدار الذي يتوضأ به الرجل.
فإذا نزف من الماء شيء خرج ذلك الشيء فيما نزف وانماع بالنزف في الماء فطاب بذلك، ولهذا المعنى لم يكن لما ينزف من الماء حد، ووجب أن يكون على قدر قلة ماء البير وكثرته وعلى ما تطيب به النفس.
وهذا إذا لم يتغير الماء بذلك، وأما إذا تغير منه فلا بد أن ينزف منه حتى يذهب التغير.
ومعنى ما تكلم عليه في هذه الرواية أن الماء لم يتغير من ذلك، ولذلك قال فيما صلى بالوضوء الذي توضأ من ذلك الماء: إنه لا يعيد إلا في الوقت.
وأما قوله في الخبز الذي عجن بذلك الماء: إنه لا يؤكل، فهو مثل ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا وعلى طريق التوقي والتحرز من المتشابه على ما ذكرناه في رسم "يسلف" من سماع ابن القاسم، وليس بحرام بين، فقد روى محمد بن يحيى السبائي عن مالك في
المدنية أنه كره أكله إلا من حاجته إليه.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا يحل أكله إلا إذا حلت له الميتة، وذلك الطعام بمنزلة الميتة فشدد في ذلك.
مسألة: يصيب امرأته أول الليل فيغتسل ثم يضاجعها ولم تغتسل هي
مسألة وسئل مالك عن الذي يصيب امرأته أول الليل فيقوم فيغسل ثم يرجع فيضاجعها ولم تغتسل هي، أيغسل شيئا من جلده الذي مسه جلدها؟ فقال: لا، ولكن يتوضأ إذا قام.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا التذ بمضاجعته إياها ولم يكن بجسدها أذى، وأما إن لم يلتذ بذلك ولا قصد الالتذاذ به فلا وضوء عليه باتفاق.
وإن كان فيما مس جلده من جلدها أذى يخشى أن يكون قد أصاب جلده فلا بد له أن يغسل ذلك الموضع الذي يخشى أن يكون قد أصابته النجاسة التي في جسدها على المشهور في المذهب أن ما شك فيه من نجاسة البدن فحكمه أن يغسل ولا يجزئ فيه النضح.
وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم "اغتسل" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: الحائض والجنب من النساء أتخضب يدها وهي حائض أو جنب
مسألة وسئل عن الحائض والجنب من النساء أتخضب يدها وهي حائض أو جنب؟ فقال: نعم، وذلك مما كان النساء يتحرينه لئلا ينقصن خضابهن للطهر للصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا مما لا إشكال في جوازه ولا وجه لكراهيته؛ لأن صبغ الخضاب الذي يحصل في يدها لا يمنع من رفع حدث الجنابة أو الحيض عنها بالغسل إذا اغتسلت، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لخولة بنت يسار في الموضع النجس بدم الحيض: «يكفيك الماء ولا يضرك أثره» ، فكيف بهذا؟