البيان والتحصيلصفحات 33-72
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوضوء

صفحات 33-72
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الوضوء بفضل وضوء النصراني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد كتاب الوضوء من كتاب القبلة من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا قال: لا أرى لأحد أن يتوضأ بفضل وضوء النصراني، فأما بسؤره من الشراب فلا أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: وقد كرهه غير مرة.
قال سحنون: وإذا أمنت أن يشرب خمرا أو يأكل خنزيرا فلا بأس أن يتوضأ به، كان لضرورة أو لغير ضرورة.
قال محمد بن رشد: يريد مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بفضل وضوء النصراني ما بقي من الماء الذي غسل به يديه أو سائر جسده تنظفا أو تبردا؛ لأن غسل اليد يسمى وضوءا في اللسان، إذ هو مشتق من الوضاءة والنظافة.
ومنه الحديث: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم» ، روي ذلك عن الحسن ومثله لا يكون إلا توقيفا عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،

وقد روي عنه نصا، وإنما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنه لا يتوضأ به لأجل أنه أدخل يده فيه، وهو قوله في المدونة: لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بما أدخل يده فيه، يريد أنه لا يتوضأ به وجد غيره أو لم يجده، ويتيمم إن لم يجد سواه، فإن توضأ به في الوجهين أعاد في الوقت.
ويحتمل أن يريد أنه لا يتوضأ به مع وجود غيره، فإن توضأ به مع وجود غيره أعاد في الوقت، وإن لم يجد غيره توضأ به على كل حال ولم يتيمم.
والتأويل الأول أولى وأظهر على مذهبه في رواية ابن القاسم عنه.
ووجهه: أنه حمل يده على النجاسة؛ إذ الأغلب منها أنها لا تنفك عن النجاسة لأنها تجول على جسده وفيه النجاسة، ويباشر أيضا [بها] ، سائر النجاسات التي لا يتوقى منها، فكان كأنه قد أيقن بنجاستها.
ووجه التأويل الثاني أنه [لما] ، لم يوقن بنجاسة يده وجب أن لا يتوضأ به مع وجود غيره احتياطا، وأن لا ينتقل عن الوضوء المفروض عليه مع وجوده إلى التيمم إلا بيقين على الأصل في أنه لا تأثير للشك في اليقين.
وإلى هذا التأويل ذهب ابن حبيب، ولم ير عليه إعادة إن توضأ به وهو يجد غيره.
وأما سؤره من الشراب فمرة قال: لا بأس به، أي لا كراهية في الوضوء به إذا لم يجد غيره، بل واجب عليه أن يتوضأ به ولا يتركه ويتيمم، ولا إعادة عليه إن توضأ به وهو يجد غيره، وهو قول ابن عبد الحكم، ومرة كرهه؛ أي كره الوضوء به إن وجد سواه، فإن توضأ به وهو يجد سواه أعاد في الوقت، وإن لم يجد سواه توضأ به ولم يتيمم.
وعلى مذهبه في المدونة في مساواته بينه وبين ما أدخل فيه يده لا يتوضأ به، وجد سواه أو لم يجد، ويتيمم إن لم يجد سواه، فإن توضأ به في الوجهين أعاد في الوقت، وهو قول سحنون؛ لأن في قوله إذا أمنت أن يشرب خمرا أو يأكل خنزيرا فلا بأس أن يتوضأ به كان لضرورة أو لغير ضرورة، دليلا على أنه إذا لم يأمن ذلك فلا يتوضأ به كان

لضرورة أو لغير ضرورة.
ويبين ذلك من مذهبه قوله في نوازله من هذا الكتاب: إنه كالكلب المخلى على القذر والنجاسة، فيتيمم ولا يتوضأ بسؤره.
ووجه القول الأول أنه لما كانت النجاسة إن كان قد تناولها بفيه لا تثبت فيه ويزيل عنها منه الريق حمله على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة، ولم يحمله في القول الثاني على الطهارة ولا على النجاسة، فكره الوضوء به مع وجود سواه، ولم ير أن ينتقل عنه إلى التيمم إن لم يجد سواه، وهو على مذهبه في المدونة محمول على النجاسة مثل قول سحنون؛ لأنه لما كان لا يرع عنها صار عنده كالكلب المخلى عليها.

فصل: إن تحققت طهارة يد وفم النصراني فهل يجوز استعمال سؤره

فصل فإن تحققت طهارة يده وفمه جاز استعمال سؤره وما أدخل فيه يده وإن وجد غيره، وإن تيقنت نجاستهما لم يجز استعمال شيء من ذلك وإن لم يجد غيره، وإنما الاختلاف إذا لم يعلم طهارتهما من نجاستهما، فقيل: إنهما يحملان على الطهارة، وقيل: إنهما يحملان على النجاسة، وقيل: إنه يحمل سؤره على الطهارة، وما أدخل فيه يده على النجاسة، وقيل في سؤره: إنه يكره ولا يحمل على طهارة ولا على نجاسة.
وهذا كله على مذهب ابن القاسم ورواية المصريين عن مالك في أن الماء اليسير تفسده النجاسة اليسيرة وإن لم تغير وصفا من أوصافه، وأما على رواية المدنيين عن مالك في أن الماء قل أو كثر لا تفسده النجاسة إلا أن تغير وصفا من أوصافه فسؤر النصراني وما أدخل فيه يده وإن أيقن بنجاسة يده وفمه، مكروه مع وجود غيره ابتداء مراعاة للخلاف، واجب استعماله مع عدم سواه في الطهارة والتطهير، فالذي يتحصل في سؤر النصراني وما أدخل يده فيه من الخلاف

أنه إن توضأ به وهو يجد غيره ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا إعادة عليه لصلاته، ويعيد وضوءه لما يستقبل، والثاني: أنه يعيد وضوءه وصلاته في الوقت، والثالث: الفرق بين سؤره وما أدخل فيه يده، فيعيد صلاته في الوقت إن توضأ بما أدخل فيه يده، ولا يعيد إن توضأ بسؤره إلا وضوءه لما يستقبل.
وأما إن لم يجد غيره ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يتوضأ به ولا يتيمم، فإن تركه وتيمم أعاد أبدا، والثاني: أنه يتيمم ويتركه، فإن توضأ به أعاد في الوقت خاصة و [قيل] لا إعادة عليه، وقيل: يعيد مما أدخل يده فيه ولا يعيد من سؤره، وبالله التوفيق.

مسألة: اغتسال الجنب في البئر هل يفسده

مسألة قال مالك في رجل نزل في بئر معين فاغتسل فيه وهو جنب: إن ذلك لا يفسده على أهله ولا أرى بمائها بأسا ولا أرى أن ينزف.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح لا اختلاف فيه في المذهب أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه، إلا رواية شاذة رواها ابن نافع عن مالك نحا بها مذهب أهل العراق.
والدليل على ما عليه عمدة المذهب ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات فقال: «الماء طهور ولا ينجسه شيء» ، يريد إلا ما تغير أحد أوصافه، وذلك مذكور في بعض الآثار.

وإنما اختلف في جواز الاغتسال فيه ابتداء دون أن يغسل ما به من الأذى، فكرهه مالك للنهي الوارد عن الغسل في الماء الدايم، وأجازه ابن القاسم إذا كان الماء يحمل ما به من الأذى، وذلك قائم من المدونة ومنصوص عليه في رسم "البير" من هذا السماع، وفي رسم "العتق" من سماع عيسى من هذا الكتاب.
وفرقوا بين حلول النجاسة المائعة في الماء الكثير الدائم وبين موت الدابة فيه استحسانا على ما يأتي في مسائلهم.
ولو وقعت فيه الدابة ميتة وأخرجت من ساعتها قبل أن تطول إقامتها فيه لم يفسد ذلك الماء، وكذلك لو وقعت فيه حية فأخرجت قبل أن تموت.
وقد سئل سعيد بن نمر عن فارة وقعت في قصرية شراب فقع فأخرجت حية، فقال: إنه يهراق ولا يوكل، وحكى غيره أن في سماع ابن وهب عن مالك مثله، وهو بعيد وشذوذ لا وجه له، فالله أعلم بصحته.

مسألة: في حلول النجاسة في الماء والطعام

] وقال مالك في الماء الكثير تقع فيه القطرة من البول أو الخمر: إن ذلك لا ينجسه ولا يحرمه على من أراد أكله أو شربه أو الوضوء منه، والطعام والودك كذلك إلا أن يكون شيئا يسيرا.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن النجاسة اليسيرة لا تفسد الطعام الكثير ولا تنجسه، كما لا تفسد الماء الكثير ولا تنجسه، وهذا مما لا يقوله إلا داوود القياسي ومن شذ عن الجمهور وخالف الأصول؛ لأن

الله تعالى خلق الماء طهورا، فهو يحمل ما غلب عليه من النجاسات، بخلاف ما عداه من الأطعمة والأدم المائعات.
والفرق بينهما أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ماء بير بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات فقال: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته» ، وسئل عن الفارة تقع في السمن فقال: «انزعوها وما حولها فاطرحوه وإن كان مائعا فلا تقربوه» ، وهذا ما لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار، وإنما اختلفوا في جوازه للانتفاع به وبيعه، فمنهم من لم يجز شيئا من ذلك وهو مذهب ابن الماجشون من أصحابنا، ومنهم من أجاز جميع ذلك وهو مذهب ابن وهب من أصحابنا.
ودليل رواية ابن القاسم عن مالك في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" من كتاب الصلاة في مسألة الصابون، ووقعت أيضا في سماع ابن القاسم من هذا الكتاب في بعض الروايات.
ودليل رواية أشهب أيضا في كتاب الضحايا من العتبية.
ومنهم من أجاز الانتفاع به ولم يجز بيعه، وهو مذهب ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، فوجب أن لا تحمل الرواية على ظاهرها وأن تتأول على ما ذهب إليه الجمهور مما يطابق الأصول، فنقول: إن معنى قوله: والطعام والودك كذلك؛ أي أن القطرة [من الطعام] والودك إذا وقعت أيضا في الماء الكثير لم تؤثر فيه ولا أخرجته عن حكمه من التطهير كما لم تخرج القطرة من البول أو الخمر الماء الكثير عن حكمه من الطهارة والتطهير.
وقوله: إلا أن يكون يسيرا معناه إلا أن يكون الماء الذي وقع فيه شيء من ذلك يسيرا يتغير من ذلك بعض أوصافه فينجس بالنجاسة وينضاف بالطعام.
فهذا تأويل سائغ تصح به الرواية على الأصول وما عليه الجمهور.
وقد روي أنه سئل علماء البيرة عن فارة انطحنت مع قمح في رحى الماء، فقالوا: يغربل الدقيق ويؤكل، فبلغ ذلك سعيد بن نمر من قولهم فقال: عليهم بحرز العجول، لا يؤكل على حال.

قال محمد بن رشد: وهو الصحيح.
وإنما غلط علماء البيرة في هذه المسألة من هذه الرواية بحملها على ظاهرها، والله أعلم.

مسألة: الدواب تدرس الزرع فتبول فيه

مسألة وقد سئل سحنون عن الدواب تدرس الزرع فتبول فيه، فخففه للضرورة، كالذي يكون في أرض العدو فلا يجد بدا من أن يمسك عنان فرسه وهو قصير فيبول فيصيبه بوله.
قال محمد بن رشد: وإنما خفف ذلك مع الضرورة للاختلاف في نجاسته كما خفف المشي عن أرواث الدواب وأبوالها في الطرقات مع الضرورة إلى ذلك من أجل الاختلاف في نجاستها.
وأما ما لا اختلاف في نجاسته فلا يخفف مع الضرورة.
وقد روى سليمان بن سالم الكندي من أصحاب سحنون أنه كان يقول: إذا وقعت القملة في الدقيق ولم تخرج في الغربال لم يؤكل الخبز، وإن ماتت في شيء جامد طرحت كالفارة.
وقاله غيره في البرغوث أيضا، وفرق غيره بينهما فقال: إن البرغوث كالذباب الذي يتناول الدم، وأما القملة فهي من الإنسان كدمه.
قال محمد بن رشد: وهذا إغراق إذا كثر العجين؛ لأن القملة لا تنماع في جملة العجين فتنجسه، وإنما تختص بموضعها منه، فإذا تحرم اللقمة التي هي فيها، فلما لم تعرف بعينها لم يجب أن يحرم أكل اليسير منه إذا كثر، كما لو أن رجلا يعلم أن له أختا ببلدة من البلاد لا يعرف عينها، لم يحرم عليه أن يتزوج من نساء تلك البلدة، بخلاف اختلاطها بالعدد

اليسير من النسوة، فإذا خففنا تناول شيء منه لاحتمال أن تكون القملة فيما بقي، خففنا تناول البقية أيضا لاحتمال أن تكون القملة فيما تناول والله أعلم.
ومن كتاب أوله شك في طوافه

مسألة: توضأ وصلى ثم علم أن عليه الإعادة

مسألة وقال سحنون: إذا توضأ رجل بماء قد تغير مما وقع فيه تغييرا شديدا فصلى بذلك الوضوء ثم علم أن عليه الإعادة في الوقت [وبعد الوقت] ، قال: وهذه الرواية أحب إلي من رواية ابن القاسم؛ لأنه إذا غلبت عليه النجاسة خرج عن حد الماء وصار كالمصلي بغير وضوء.
قال محمد بن رشد: التغير الشديد هو أن يتغير الماء عن لونه أو طعمه أو تشتد تغير رائحته وإن لم يتغير لونه ولا طعمه، والتغير الذي ليس بشديد هو أن يتبين تغيير رائحته من غير أن يشتد التغير مع أن لا يحول عن لونه ولا عن طعمه؛ لأن ابن الماجشون لا يراعي تغير الرائحة جملة، فأراه نحا إلى قوله في اشتراطه شدة التغير، وقد اشترطه مالك أيضا في آخر سماعه من هذا الكتاب، وسنتكلم عليه في موضعه إذا مررنا به إن شاء الله.
وقوله: وهذه الرواية، إشارة منه إلى رواية لم يذكرها قد جرى ذكرها في المجلس كرواية علي بن زياد عن مالك في المدونة، أو ما كان في معناها مما وقع في مختصر ابن عبد الحكم وغيره.
ولم يذكر أيضا رواية ابن القاسم التي استحب الرواية التي أشار إليها [عليها] فيحتمل أن يكون أراد رواية ابن القاسم

عن مالك الواقعة في هذا الرسم بعد هذه المسألة بمسألة، فإن كان أرادها فإنما اختار الرواية التي أشار إليها عليها - لما فيها من الإجمال والاحتمال.
ويحتمل أن يكون أراد أيضا إطلاقه عنه أن من توضأ بماء نجس أعاد في الوقت؛ لأن وصفه بالنجس يقتضي تغير أحد أوصافه من النجاسة، وهو لا يقول: إنه يعيد في الوقت إلا في الماء اليسير الذي لم يتغير أحد أوصافه بما حل فيه من النجاسة.
فإن كان أراد هذه الرواية فإنما اختار الرواية التي أشار إليها عليها لفسادها في الظاهر ولأنها أبين منها وأفسر؛ إذ لا يقول ابن القاسم ولا أحد من أهل العلم: إن من توضأ بماء قد غلبت عليه النجاسة وتغير منها تغيرا شديدا أنه لا يعيد أبدا، وهذا حفظنا عن شيوخنا في تأويل قول سحنون هذا وتصحيحه، والله أعلم بحقيقة الصواب في ذلك.

مسألة: الرجل يصلي بثوب فيه نجاسة

مسألة روى عيسى في كتاب القطعان عن ابن وهب في الرجل يصلي بثوب فيه نجاسة، قال: يعيد تلك الصلاة متى ما ذكرها في الوقت وبعده.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لابن وهب أيضا في سماع عبد الملك من كتاب الصلاة، ومذهبه أن رفع النجاسات من الثياب والأبدان من فرائض الصلاة، فسواء عن مذهبه صلى بثوب فيه نجاسة ناسيا أو متعمدا أو جاهلا بالنجاسة أو بوجوب رفعها في حال الصلاة أو مضطرا إلى الصلاة فيه لعدم سواه، يعيد أبدا في الوقت وغيره.
وإنما يقول: إنه يعيد أبدا في الوقت وغيره إذا كانت النجاسة متفقا عليها كبول بني آدم والرجيع والاحتلام ودم الحيضة والميتة وما أشبه ذلك، كذا روى أبو الطاهر عنه، وذلك مفسد لهذه الرواية.
والمشهور في المذهب قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن رفع النجاسات

من الثياب والأبدان سنة لا فريضة، فمن صلى بثوب نجس على مذهبهم ناسيا أو جاهلا بنجاسته أو مضطرا إلى الصلاة فيه أعاد في الوقت.
واختلف في الوقت الذي يعيد فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: الاصفرار، والثاني: الغروب، والثالث: أنه الغروب في المضطر والاصفرار فيما سواه.
وإن صلى به عالما غير مضطر أو متعمدا أو جاهلا أعاد أبدا لتركه السنة عامدا.
ومن أصحابنا من قال: إن رفع النجاسات عن الثياب والأبدان فرض بالذكر يسقط بالنسيان، كالكلام في الصلاة، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأنه ينتقض بالذي يصلي فيه مضطرا إلى الصلاة به؛ لأنه ذاكر ولا يعيد إلا في الوقت.
وقال بعضهم: فرض مع الذكر والقدرة تحرزا من هذا الاعتراض.

مسألة: في الفارة تموت في البئر

] وقال مالك في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فارة فماتت وتسلخت، قال: أرى أن يغسل ما أصابه من الثياب، وأما الصلاة فلا يعيد إلا ما أدرك وقته.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الماء تغير من ذلك أو لم يتغير، وتأويلها يتخرج على الوجهين، فإن كان أراد أن الماء تغير من ذلك، فيحمل قوله: أرى أن يغسل ما أصابه من الثياب على الوجوب، ويحمل قوله على أن الصلاة لا يعيد منها إلا ما أدرك وقته على أنه لم يتوضأ من ذلك الماء، وإنما صلى بما أصابه ذلك الماء من الثياب؛ إذ لو توضأ من ذلك الماء وقد تغير لوجب أن يعيد الصلاة أبدا.
وقد وقع ذلك من رواية ابن القاسم في هذا السماع في بعض الروايات، ونص ذلك: قال ابن القاسم عن مالك: إذا تغير لون الماء وطعمه أعاد أبدا، وهذا ما لا اختلاف فيه، وإنما

الاختلاف في تغير رائحته خاصة.
وإن كان أراد أن الماء لم يتغير من ذلك، فيحمل قوله: إن الثياب تغسل من ذلك - على الاستحباب فيما لا يفسده الغسل كما قال ابن حبيب، وإعادة الصلاة من ذلك في الوقت صحيح كما قال على أصولهم، توضأ بذلك الماء أو صلى بالثياب التي أصابها ذلك الماء ولم يتوضأ به.
وفرق في آخر سماع أشهب من هذا الكتاب بين أن يكون الماء فاسدا منتنا أو يكون ذلك فيه شيئا خفيفا.
وسنتكلم على معنى ذلك إذا مررنا به إن شاء الله.

مسألة: في مس القرآن على غير طهارة

] وسئل مالك عن اللوح فيه القرآن أيمس على غير وضوء؟ فقال: أما الصبيان الذين يتعلمون فلا أرى بذلك بأسا.
فقيل له: فالرجل يتعلم فيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا.
فقيل لابن القاسم: فالمعلم يشكل ألواح الصبيان وهو على غير وضوء؟ قال: أرى ذلك خفيفا.
قال محمد بن رشد: إنما خفف مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، للرجل الذي يتعلم القرآن أن يمس اللوح فيه القرآن، وخفف ذلك ابن القاسم أيضا للمعلم يشكل ألواح الصبيان؛ لأن النهي إنما ورد أن لا يمس القرآن إلا طاهر، وحقيقة لفظ القرآن إذا أطلق أن يقع على جملته، وإن كان قد يطلق ويراد به بعضه على ضرب من التجوز، فتقول: سمعت فلانا يقرأ القرآن وإن كنت لم تسمعه يقرأ منه إلا سورة واحدة أو آية واحدة فتكون صادقا في قولك.
فلما كان لفظ القرآن يقع على كله وقد يقع على بعضه لم يتحقق ورود النهي

في مس بعضه على غير طهارة، فمن أجل ذلك خفف للذي يتعلم القرآن أو يشكل ألواح الصبيان أن يمس اللوح فيه القرآن على غير وضوء لما يلحقه من المشقة في أن يتوضأ كلما أحدث، ولعل ذلك يكون في الأحيان التي يثقل فيها مس الماء فيكون ذلك سببا إلى المنع من تعلمه، وهذه هي العلة في تخفيف ذلك للصبيان؛ لأنهم وإن كانوا غير متعبدين، فآباؤهم فيهم متعبدون بمنعهم مما لا يحل كشرب الخمر وأكل [لحم] الخنزير وما أشبه ذلك.
ألا ترى أنه خفف لهم التضاريس يتعلمون فيها في الكتاب، وكره أن يمسوا فيها المصحف الجامع للقرآن إلا على وضوء.
ومن الدليل على ما قلناه من الفرق بين جملة القرآن وبعضه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وكتب إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم وأسلم يوتك الله عز وجل أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.
و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] إلى قوله: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52] » . ولهذا جاز للرجل أن يكتب في الكتاب الآية والآيتين على غير وضوء في سماع أشهب من كتاب الصلاة.
ومن هذا الكتاب في بعض الروايات أن الرجل لا يمس اللوح إذا قرأ فيه على غير وضوء، فإن لم يكن معناه على غير التعلم فهو معارض لهذه الرواية، فتأمل ذلك تجده صحيحا، والله أعلم.

مسألة: في الوضوء بسؤر الهر

] وسئل عن الهر يلغ في إناء رجل لوضوئه، أيتوضأ به؟ قال: نعم، وذلك يذكر.

قال محمد بن رشد: قوله: وذلك يذكر، يريد يذكر في السنة قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه: «إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات» . فالهر على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك بهذا الحديث محمول على الطهارة حتى يرى في فمه نجاسة، بخلاف غيره من السباع والدجاج المخلاة، إلا في الماء الكثير لقول عمر بن الخطاب: لا تخبرنا يا صاحب الحوض، فإنا نرد على السباع وترد علينا، وإلا في الطعام فإنه لم ير في المدونة أن يطرح إلا بيقين لحرمته.

مسألة: في سؤال الماء للوضوء

] سئل ابن القاسم عن الرجل يكون في السفر يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء، أترى أن يسألهم لوضوئه أم يتيمم؟ قال: أما المكان الكثير الماء فلا أرى بذلك بأسا، وأما الموضع الذي يتعذر فيه، فأرجو أن يكون واسعا.
قال محمد بن رشد: واجب على الرجل أن يطلب الماء لوضوئه إذا عدمه ولم يجد ممن يشتريه وهو واجد بما يشبه من الثمن على ما في المدونة ممن يليه ويظن أنه لا يمنعه ويعطيه لما قال في سماع أشهب من هذا الكتاب، وليس في قوله في هذه الرواية: فلا أرى بذلك بأسا، دليل على أن له أن يترك الطلب في المكان الكثير الماء الذي يقع في نفسه أنه لا يبخل فيه به عليه؛

لأن المعنى في سؤال السائل يكره له سؤال الماء من ناحية أن المسألة مكروهة، فأخبر أنه لا كراهية في السؤال في هذا الكتاب، وإذا انتفت عنه الكراهة تعلق به الوجوب لما يلزمه من الطهارة للصلاة.
وقوله في آخر المسألة: وأرجو أن يكون ترك السؤال واسعا في الموضع الذي يتعذر فيه الماء يدل على أنه لا سعة له عنده في ترك السؤال في الموضع الذي يكثر فيه الماء بيان ما قلناه.
وفي سماع أشهب من معنى هذه المسألة ما فيه بيان لها وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة

مسألة: في حد التيمم في اليدين

] وسئل مالك عمن أفتي بأن التيمم إلى الكفين فتيمم وصلى، ثم أخبر بعد ذلك أن التيمم إلى المرفقين، ما ترى أن يصنع؟ قال: أرأيت لو صلى منذ عشرين سنة أي شيء كنت آمره به؟ ثم قال: أرى أن يعيد ما دام في الوقت.
قال مالك: لقد سمعت رجلا عظيما من أهل العلم يقول إلى المنكبين، واعجبا كيف قاله! فقيل له: إنه تأول هذه الآية ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، فقال: أين هو من آية الوضوء فيأخذ بهذا ويترك هذا؟ فيا عجبا مما يقوله! قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن مالكا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إنما تعجب ممن يقول إلى الكفين [وجعل قوله إغراقا في الخطأ إذ من أهل العلم من يقول إلى المنكبين، فقيل له إنه قال إلى الكفين] متأولا لآية السرقة

فقال: أين هو من آية الوضوء؟ يريد أن رد الأيدي المطلقة في التيمم إلى الأيدي المقيدة في الوضوء بالمرفقين؛ إذ هو بدل منه أولى من ردها إلى الأيدي المطلقة في السرقة؛ لأن المعنى في ذلك مختلف، وذلك بين.
ولا دليل في قول مالك: وأين هو من آية الوضوء؟ على أن الحكم عنده أن ترد آية التيمم إليها، إذ لو كان الحكم عنده أن ترد إليها لأوجب على من تيمم إلى الكوعين الإعادة أبدا، وإنما أراد أن حمل آية التيمم على آية الوضوء أولى من حملها على آية السرقة [وإن كان هو لا يرى حملها على واحدة منهما؛ إذ لو حملها على آية السرقة] لأمر المتيمم بالتيمم إلى الكوعين ابتداء، ولو حملها على آية الوضوء لأوجب الإعادة أبدا على من تيمم إلى الكوعين، فالآية عنده على إطلاقها غير مقيدة بآية الوضوء ولا بآية السرقة.
فمن تيمم عنده إلى الكوعين أجزأه وإن كان لا يأمره بذلك ابتداء، ويرى عليه الإعادة في الوقت إن فعل مراعاة لقول من يرى آية التيمم محمولة على آية الوضوء، فيوجب التيمم إلى المرفقين على أصله في مراعاة الخلاف، ولم يراع قول من أوجب التيمم إلى المنكبين لشذوذه وبعده من النظر؛ لأن الآية إذا حملت على إطلاقها وجب أن يجزئ التيمم إلى الكوعين لوقوع اسم اليد على الكف إلى الكوع وألا يجب إلى المنكبين، وإن تناول ذلك اسم اليد عند العرب؛ لأن الأصل براءة الذمة من العبادات، فلا يجب منها شيء على أحد إلا بيقين.
وقوله فيمن يتيمم إلى الكوعين إنه يعيد في الوقت، مثله في المدونة وفي سماع محمد بن خالد من هذا الكتاب.
وقال أصبغ في مختصر ابن أبي زيد: والوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، وقال ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم يعيد أبدا، وقولهما على قياس القول بأن آية التيمم محمولة على آية الوضوء.
ولابن لبابة في هذه المسألة اختيار

غريب، وهو أن الجنب يتيمم إلى الكعبين وأن المحدث حدث الوضوء يتيمم إلى المنكبين، اتبع في ذلك ظواهر آثار جلبها فانظر ذلك وتدبره.

مسألة: في صفة تيمم الأقطع

] وسئل مالك أيتيمم الأقطع للصلاة؟ قال: نعم، فقيل له: وكيف يتيمم؟ فقال: كيف يتوضأ، فقيل له يوضئه غيره، قال: كما يتوضأ كذلك يتيمم، فقلت له: هو مثله؟ قال: نعم، التيمم مثل الوضوء.
قال محمد بن رشد: أما وجهه فلا كلام عليه في أنه يتيمم كما يتوضأ، وكذلك يداه على مذهب مالك ييمم ما بقي منهما إلى المرافق، ويسقط عنه التيمم فيهما على مذهب من يرى أن التيمم إلى الكوعين، وبالله التوفيق.

مسألة: في وضوء الجماعة من إناء واحد

] وحدثني ابن القاسم عن مالك عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص أنه كان لهم مركن يسكب فيه الماء فيتوضأ منه أبوها وأهل البيت.

قال محمد بن رشد: المركن الإجانة التي تغسل فيها الثياب، قاله الهروي.
وفائدة هذا الحديث إجازة وضوء المرأة بفضل الرجل ووضوء الرجل بفضل المرأة؛ لأنه الظاهر منه، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم في ذلك.
ومن الحجة لهم «قول عبد الله بن عمر في الموطأ: إن كان الرجال والنساء ليتوضئون جميعا في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وهذه مسألة لأهل العلم فيها خمسة أقوال: أحدها: قول مالك هذا وجميع أصحابه، والثاني: أنه لا يتوضأ واحد منهما بفضل صاحبه شرعا معا أو غاب أحدهما عن الوضوء، والثالث: أنه تتوضأ المرأة بفضل الرجل ولا يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والرابع: أنه يتوضأ كل واحد منهما بفضل صاحبه إذا شرعا معا.
بخلاف إذا غاب أحدهما على الوضوء، والخامس: أنه لا بأس أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل صاحبه ما لم يكن الرجل جنبا أو المرأة حائضا أو جنبا.
وقد قيل: إن عائشة هذه صحابية، وإن مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - أدركها فهو بذلك من التابعين.
والصحيح أنها ليست صحابية؛ لأن الكلاباذي ذكرها في التابعات ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابيات، فانظر ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: في تدلك المغتسل

] قيل لسحنون: أرأيت قول مالك لا يجزئ الجنب الغسل حتى يمر يديه على جميع جسده كله ويتدلك، أرأيت لو أن رجلا بادنا لا يقدر أن يعم بيديه جميع جسده، قال فليوكل رجلا أو امرأة تجري يدهما على ما قصر عنه يد المغتسل.
قيل له: فإن كان في سفر وليس معه أحد؟ قال: فليأخذ ثوبا وليبله ويمره على المواضع التي لا يبلغها بيده.

قال محمد بن رشد: المشهور من قول مالك في المدونة وغيرها أن الغسل لا يجزئ الجنب حتى يمر بيده على جميع جسده ويتدلك [قياسا على الوضوء أنه لا يجزئ فيه صب الماء دون إمرار اليد.
وقد روى مروان بن محمد الطاطري الشامي عن مالك أن الجنب يجزئه الغسل وإن لم يتدلك] وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، لما في الحديث من قوله: «ثم اغتسل وأفاض عليه الماء» ، ولم يذكر عركا ولا دلكا.
وقد قال أبو الفرج: إنما قال مالك: لا يجزئ الجنب الغسل إلا أن يتدلك - مخافة أن ينبو الماء عن بعض جسده، ولو أطال البقاء في الماء حتى يوقن بوصول الماء إلى جميع جسده لأجزأه الغسل على مذهبه وإن لم يتدلك.
وهذا من التأويل البعيد، والصواب أن ذلك اختلاف من قوله.
فإذا لم يدرك الجنب جميع جسده فالصواب ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه يمر يديه على كل ما أدركه من جسده ويوالي صب الماء على ما لم يدركه منه، ويجزيه غسله مراعاة للاختلاف في ذلك، ولأنه أشبه بيسر الدين، وبالله التوفيق.

مسألة: في لباس ما لبس النصراني أو نسج

] وسئل عن الرجل يشتري من النصراني الخفين أيلبسهما؟ قال: لا، فقيل: فثوبه؟ قال: الذي يلبسه؟ قال: نعم، نعم قال: لا حتى يغسله.
قيل له: فما ينسجون، فإنهم يبلون الخمر ويحركونه بأيديهم ويسقون به الثياب قبل أن تنسج وهم أهل نجاسة؟ قال: لا بأس بذلك، ولم يزل الناس يلبسونها قديما.

قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وهو كما قال، ولا فرق في القياس بين ما نسجوا ولبسوا، وإنما هو الاتباع وقد أجاز محمد بن عبد الحكم أن يصلي فيما لبس النصراني.
ووجه قوله أنه حمله على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة خلاف مذهب مالك، ومعنى ذلك عندي فيما لم يطل مغيبه عليه ولباسه إياه؛ لأنه إذا طال مغيبه عليه ولباسه إياه لم يصح أن يحمل على الطهارة؛ لأن الظن يغلب على أنه لم يسلم من النجاسة.
وقد اختلف إذا أسلم هل يصلي في ثيابه التي كان يلبسها قبل أن يغسلها، فوقع لزياد بن عبد الرحمن في سماع موسى من هذا الكتاب أنه لا يغسل منها إلا ما علم فيه نجاسة.
وروى أشهب عن مالك في رسم "الصلاة" الثاني من سماعه من كتاب الصلاة أنه لا يصلي فيها حتى يغسلها.
وإذا أيقن بطهارتها من النجاسة فالاختلاف في وجوب غسلها يجري على اختلافهم في طهارة عرق النصراني والمخمور، وبالله التوفيق.

مسألة: في غسل النجاسة

] وسئل عن قطيفة كان ينام عليها رجل فوجد في وسعها وزغة قد ماتت كأنه بات عليها ولم يجد فيها الدم، قال يغسلها، يريد بذلك الموضع.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما تعلق بالقطيفة من الوزغة الميتة نجس وإن لم يكن دما لأنه ميتة.
وقوله: يريد بذلك الموضع صحيح؛ إذ ليس عليه أن يغسل القطيفة كلها، وإنما عليه أن يغسل الأثر الذي رأى فيها، ولا شيء عليه في سائرها إلا أن يشك فيه فينضحه والأصل في ذلك

حديث عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إذا وجد الاحتلام في ثوبه فغسل ما رأى ونضح ما لم ير ".

مسألة: في الاستبراء من البول

] وسئل عما يعمل الناس عند البول من أن يبول الرجل ثم يقوم فيقعد ثم يكثر السلت، قال: ليس ذلك بصواب، وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن به حرارة شديدة وإن كان ليقوم في الشيء القريب مرارا فيبول مرارا ويتوضأ ويرجع مكانه، فما رأيت أحدا كان أسرع رجوعا منه ولا أخف وضوءا، فذكر ذلك لابن هرمز، فقال: إنه فقيه، وأعجبه ذلك منه، فقال له الرجل: إني أجد الشيء يخرج مني بعدما أبول فلا تطيب نفسي، فقال: إنما ذلك من الشيطان، وكره ذلك.
قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في رسم "الوضوء والجهاد" بأوعب من هذا، وليس فيه ما يشكل فيتكلم عليه؛ لأنه من فعل الشيطان ووسوسته التي أقدره الله عليها ومكنه منها ابتلاء لعباده؛ ليجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعصيانه، فهو يلبس على الناس ويفسد عليهم طاعتهم بما يلقي في نفوسهم من التقصير فيها، فالذي يومر به من اعتراه شيء من ذلك أن يضرب عنه ولا يلتفت إليه، فإن ذلك يقطعه بفضل الله ورحمته.
وقد سئل ربيعة عن الرجل يمسح ذكره من البول ثم يتوضأ فيجد البلل، فقال: لا بأس به، فقد بلغ محنته وأدى فريضته.

مسألة: في قدر ما يتوضأ به من الماء

] وقال مالك: قد رأيت عياش بن عبد الله بن معبد، وكان رجلا صالحا من أهل الفقه والفضل، يأخذ القدح فيجعل فيه قدر ثلث المد ماء بمد هشام، فيتوضأ به ويفضل منه، ثم يقوم فيصلي بالناس وهو إمام، وأعجب مالكا ذلك من فعله.
قال محمد بن رشد: إنما أعجب مالكا فعله واستحبه؛ لأن السنة في الغسل والوضوء إحكام الغسل مع قلة الماء، فقد «روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ بمد وتطهر بصاع» وهو أربعة أمداد.
وروي عنه أنه «توضأ بنصف المد» ، وذلك لا يقدر عليه إلا العالم السالم من وسوسة الشيطان.
وإلى فعل عياش هذا أشار مالك في المدونة بقوله: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد، يريد مد هشام؛ لأن ثلث مد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسير جدا لا يمكن إحكام الوضوء به، والله أعلم وبالله التوفيق.

مسألة: في نقل المتوضئ الماء إلى أعضائه

] وسئل مالك عن الرجل يأخذ الماء لوضوئه، فإذا حمل الماء نفض يديه من الماء، قال: لا خير فيه، وكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما قال: لا خير فيه؛ لأن الغسل إنما يكون بنقل الماء إلى العضو المغسول، فإذا نفض يديه من الماء ورفعهما إلى وجهه

مبلولتين فليس بغاسل وجهه وإنما هو ماسح، فلا يجزئه ذلك إلا فيما يمسح لا فيما يغسل.
وليس في قوله: وكرهه - دليل على أنه إن فعله أجزأه؛ لأنه قد يطلق هذا اللفظ كثيرا فيما لا يجوز سواه، من ذلك قوله في المدونة: لا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا العسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلي من ذلك، وهو الواجب الذي لا يجوز سواه، فكذلك هذا، والله أعلم وبه التوفيق.
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

مسألة: في الاكتفاء في الاستنجاء بالأحجار

[مسألة في الاكتفاء في الاستنجاء بالأحجار] وسئل مالك عن رجل استنجى بأحجار ثم توضأ ولم يستنج بالماء ثم صلى، أيعيد؟ قال مالك: لا يعيد شيئا مما صلى به، لا في وقت ولا في غيره.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: استنجى بأحجار؛ أي بثلاثة أحجار؛ لأنه المستحب في الاستنجاء، لما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، فإن أنقى بحجر أو حجرين اكتفى به أو بهما» . وقيل: يمسح بتمام الثلاثة الأحجار، فإن اكتفى بالحجر أو الحجرين فلا إعادة عليه، قاله في رسم "أسلم" من سماع عيسى.
وفي سماع أبي زيد: وكذلك إن اكتفى بمدرة فلا إعادة عليه، قاله في رسم "المحرم" بعد هذا من هذا السماع.
زاد في المدونة: وليغسل ما هنالك بالماء لما يستقبل.
وهذا كله ما لم يعد ذلك المخرج، فإن عدا المخرج بكثير أعاد

في الوقت، واختلف إن عداه إلى ما لا بد منه، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت، والماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن.
وقد كان أهل قباء يفعلون ذلك، فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] ، وقال ابن حبيب: لا نبيح اليوم الاستنجاء بالأحجار إلا لمن لم يجد الماء؛ لأنه أمر قد ترك وجرى العمل بخلافه، وبالله التوفيق.

مسألة: في المسح على الحائل للضرورة

] قال مالك: في الرجل يشتكي أصابع يده فتنكسر أظافره فيجعل عليها علكا؛ لأن تنبت ويحسن نباتها ويتوضأ على العلك، قال: أرجو إذا كان بهذه الحال أن يكون [خفيفا وهو] في سعة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فيمسح عليها كالجبيرة.

مسألة: فيما يكره الاستنجاء به

] وسمعت مالكا يكره أن يستنجى بالعظم والروث.
قال محمد بن رشد: روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الاستنجاء بالعظم والجلد والبعرة والروثة والحممة» ، فكره من ذلك مالك في هذه

الرواية العظم والروث، وخفف العظم في رواية أشهب من هذا الكتاب، والروث في المجموعة.
قال ابن حبيب: واتباع النهي في تجنب ذلك كله أحب إلي.
وقد اختلف إن استنجى بشيء مما نهي عن الاستنجاء به، فقيل: إنه لا إعادة عليه، وهو قول ابن حبيب، وقيل: إنه يعيد في الوقت، والوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، روي ذلك عن أصبغ، وكذلك عنده من استنجى بعود أو خرق أو خزف.
فوجه القول الأول: أن الاستنجاء إنما هو لعلة إزالة الأذى عن المخرجين، فإذا أزال الأذى بما عدا الأحجار ارتفع الحكم كما لو زال بالأحجار.
ووجه القول الثاني: أن إزالة الأذى عن المخرجين مخصوص بالأحجار؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار» ولقوله: «من استجمر فليوتر» ، فلا يجزي فيه ما عداها إلا الماء؛ لقوله: «إنه أطهر وأطيب» . ومما أجمعوا أنه لا يجوز الاستنجاء به كل ما له حرمة من الأطعمة، وكل ما فيه رطوبة من النجاسات، فإن استنجى بشيء مما له حرمة أعاد في الوقت عند أصبغ، وإن استنجى بما فيه رطوبة من النجاسات أعاد في الوقت قولا واحدا.

مسألة: في المسافر وصاحب الشجة يريد أحدهما إصابة أهله

وسئل مالك عن الرجل تصيبه الشجة أو تنكسر يده فيربط عليها عصايب، فيريد أن يصيب أهله وهو بتلك الحال، فقال مالك: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، ولعل ذلك يطول عليه وهو محتاج

إلى أهله، فلا أرى بذلك بأسا، ولا يشبه المسافر الذي لا يجد الماء، فإذا برأ غسل الموضع.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وإنما افترق حكم المسافر من صاحب الشجة؛ لأن صاحب الشجة يطول أمره إلى برء شجته في أغلب الأحوال، والمسافر يجد الماء عن قرب في أغلب الأحوال.
ولو كان المسافر في موضع يعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد طول لكان له أن يطأ أهله إذا أضر به طول الانتظار.
وقد حكى ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وحكى فيه حديثا.
ولو كان صاحب الشجة تبرأ شجته عن قريب لما كان له أن يبطأ حتى تبرأ شجته، فيمكنه غسل ذلك الموضع في غسله.
وهذا بين؛ لأن الأحكام إنما تتعلق بالمعاني لا بالأسماء إلا فيما قرر الشرع أن الحكم يتعلق بها.
وهذا كله في الاختيار وما يستحب له أن يفعل.
وأما أن يكون على واحد منها التربص واجبا فلا.
وقد روى ابن وهب عن الليث بن سعد أن للمسافر أن يطأ أهله، وإن لم يكن عنده ماء تيمم وصلى، واختاره ابن وهب وقال: الصعيد الطيب يقوم مقام الماء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] الآية وبالله التوفيق.

مسألة: في غسل الجنابة يوم الجمعة هل يجزي أحدهما عن الآخر

؟] وسئل مالك عن رجل قام من الليل فاحتلم فأصبح ولم يشعر، وكانت ليلة جمعة، فحضرت الصلاة فاغتسل للجمعة ثم راح وصلى، ثم علم بذلك فوجده في ثوبه، فقال: أرى

أن يغتسل الثانية ويعيد الصلاة ظهرا أربعا.
فقيل له: ألا ترى غسل الجمعة يكفيه؟ قال: لا، «إنما الأعمال بالنية» . قال ابن القاسم: قال لي مالك: يجزئ غسل الجمعة عن غسل الجنابة إذا نوى به.
قال ابن القاسم: ويجزيه عن غسل الجنابة من غسل الجمعة إذا كان عند الرواح.
قال محمد بن رشد: قوله: إن غسل الجمعة لا يجزئ من غسل الجنابة - هو مثل ما في المدونة، وحكاه ابن حبيب أيضا عن مالك من رواية ابن القاسم وعن ابن عبد الحكم وأصبغ، وحكى خلاف ذلك عن مالك أنه يجزيه من رواية مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأشهب وابن كنانة وابن وهب.
قال: وليس غسل الجمعة كمن اغتسل تبردا، وإنما هو كمن توضأ للنافلة أو للنوم فإنه يصلي به الفريضة عند مالك وجميع أصحابه ابن القاسم وغيره.
والقول الأول أظهر؛ لأن الذي اغتسل للجمعة وهو لا يعلم بالجنابة لم يقصد إلى رفع حدث الجنابة؛ إذ لم يعلم بها، وإنما اغتسل للجمعة غسل سنة لا لرفع حدث؛ إذ قد يجوز له شهود الجمعة بغير غسل، فوجب أن لا يرتفع عنه الحدث به، وليس ذلك كالذي يتوضأ للنوم؛ لأن الذي يتوضأ للنوم وإن كان الوضوء له استحبابا؛ إذ يجوز له النوم بغير وضوء، فقد قصد به إلى رفع الحدث إذا كان محدثا قد علم بحدثه.
وأما الذي يتوضأ للنافلة فلا إشكال في الفرق بينه وبين الذي اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة؛ لأن النافلة لا تجوز إلا بوضوء والجمعة تجوز بغير غسل.
ووجه القول الأول ظاهر لقول النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» ووجه الدليل منه أنه قال: «ومن اغتسل فالغسل أفضل» ، فجعل الغسل الذي هو سنة يجزئ عن الوضوء الذي هو فرض، فوجب على قياس ذلك أن يجزئ عن الغسل للجنابة الذي هو فرض.
وقوله: إن غسل الجمعة يجزيه عن غسل الجنابة إذا نوى به صحيح، مثل ما في الصلاة الثاني من المدونة.
وقد روى أبو حامد الأسفراييني عن مالك أن الغسل لا يجزيه إذا نوى به الجنابة والجمعة جميعا، وهو بعيد شاذ.
وأما قوله: " إنه يجزئ غسل الجنابة من غسل الجمعة إذا كان عند الرواح فهو صحيح؛ لأن غسل الجمعة ليس لرفع حدث، وإنما هو لما شرع لها من التنظف وقد حصل التنظف لها بالغسل للجنابة، واقتضت نية الغسل للجنابة نية الغسل للجمعة؛ لأنها أوجب منها فاستغرقتها، وقد حكى ابن حبيب أن ذلك يجزئ، وهذا أصح لما بيناه، والله أعلم وبه التوفيق.

: مسألة في تخليل اللحية في غسل الجنابة

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا مسألة في تخليل اللحية في غسل الجنابة وسئل مالك عن الجنب إذا اغتسل أيخلل لحيته؟ قال: ليس ذلك عليه، وقال أشهب عن مالك: إن عليه تخليل اللحية من الجنابة.
«ويذكر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخلل أصول شعر رأسه من الجنابة» .

قال محمد بن رشد: وجه رواية ابن القاسم عن مالك بإسقاط وجوب تخليل اللحية في الغسل من الجنابة أن الأصل كان ألا يجب تخليل شعر الرأس واللحية؛ لأنه من أصل الخلقة، فإذا كشف صار ما تحته من البواطن، وانتقل فرض الغسل إليه، فخرج من ذلك تخليل شعر الرأس بما ثبت في الحديث، من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان يخلل شعر رأسه من الجنابة» ، وبقي شعر اللحية على الأصل.
ووجه رواية أشهب بإيجاب تخليلها القياس على شعر الرأس، وما روي من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغسلوا الشعر وانقوا البشر فإن تحت كل شعر جنابة» ، فعم ولم يخص، وبالله التوفيق.

مسألة في البير تقع فيها الفارة فيصرف ماؤها في طعام يصنع به

ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان المضمون مسألة في البير تقع فيها الفارة فيصرف ماؤها في طعام يصنع به وسئل مالك عن بئر وقعت فيه فارة فبلوا بمائها قمحا فقلوه، أترى أن يؤكل؟ فقال مالك: لا يأكلون الميتة.
قال محمد بن رشد: شدد مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في هذه الرواية في أكل القمح المبلول بالماء الذي ماتت فيه الفارة وجعل ذلك كالميتة، فإن كان فهم من سؤال السائل أن الماء كان قد تغير لونه أو طعمه من ذلك أو رائحته على الاختلاف في مراعاة تغير الرائحة فلا إشكال ولا اختلاف في أنه كالميتة لا يحل منه إلا ما يحل من الميتة؛ وإن كان أجاب على أنه لم يتغير من ذلك، فوجه قوله أنه حمله على النجاسة في المنع من أكله ابتداء على سبيل التوقي والتحرز من المتشابه، كما منع من الوضوء به ابتداء، وقال: إنه يتيمم ويتركه،

وإن كان لا يراه نجسا على الحقيقة، كأنه يقول: إن توضأ به وصلى لا يعيد إلا في الوقت.
وفي رسم "النذر والجنائز والذبائح" ورسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، وفي سماع موسى بن معاوية في الخبز المعجون بمثل هذا الماء أنه لا يؤكل، وهذا وجه القول فيه.
وفي غسل اللحم المطبوخ به اختلاف من رواية أشهب ورواية موسى عن ابن القاسم، وسنتكلم على ذلك إذا مررنا به إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

مسألة: في الغسل في الفضاء

] وسئل مالك عن الغسل في الفضاء، فقال: لا بأس بذلك.
فقيل له: يا أبا عبد الله إن فيه حديثا، فأنكر ذلك وقال تعجبا: ألا يغسل الرجل في الفضاء، ورأيته يتعجب من الحديث إنكارا له.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، للرجل أن يغتسل في الفضاء إذا أمن أن يمر به أحد هو أن الشرع إنما قرر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون من سواهم من الملائكة؛ إذ لا تفارقه الحفظة الموكلون عليه منهم في حال من الأحوال.
قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] ، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 11] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 12] . ولهذا قال مالك تعجبا: ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ إذ لا فرق في حق الملائكة بين الفضاء وغيره، وأنكر الحديث لما كان مخالفا للأصول؛ لأن الحديث إذا كان مخالفا للأصول فإنكاره واجب إلا أن يرد من وجه صحيح لا مطعن فيه فيرد إليها بالتأويل الصحيح.
وقد روي عن

أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» . ويكره التجرد لغير ضرورة ولا حاجة في الفضاء وغير الفضاء، ففي رسالة مالك إلى هارون: إياك والتجرد خاليا فإنه ينبغي لك أن تستحي من الله إذا خلوت، وذكر في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حديثا.

مسألة: في حكم طهارة الأزقة والطرق

] وسئل عن طين المطر والماء الذي لا يستطاع أن يتخلص من أذاه يصيب الثياب من مشي الدابة أو غيرها، قال: أرى أن يكون الناس من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وزاد فيها: وإن كان فيه أبوال الدواب وأرواثها، يريد ما لم يكن غالبا أو عينا قائمة، وهو كما قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن الله قد وسع على هذه الأمة ورفع عنهم الحرج في دينهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه» ، ومثل هذا المعنى في الآثار كثير، وبالله التوفيق.

مسألة: في مسح الرأس بفضل ماء اللحية أو الذراعين

] وسئل مالك عمن يمسح رأسه بفضل ذراعيه، فقال: لا أحب ذلك.
قيل لابن القاسم: فلو مسح بفضل ذراعيه وبفضل لحيته ثم صلى فلم يذكر حتى خرج الوقت، قال: يعيد وإن ذهب الوقت، وليس هذا بمسح.
قال محمد بن رشد: أما مسح الرجل رأسه بفضل ذراعيه فلا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يتعلق بذراعيه من الماء ما يمكنه به المسح ويكفيه له.
وليس في قول مالك: لا أحب ذلك - دليل على أنه إن فعله أجزأه؛ لأنه قد يقول لا أحب تجوزا فيما لا يجوز عنده بوجه، فقد كان العلماء يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام فيما طريقه الاجتهاد، ويكتفون بأن يقولوا: أكره هذا ولا أحب هذا ولا بأس بهذا وما أشبه هذا من الألفاظ، فيُجتزى بذلك من قولهم ويُكتفى به.
وكذلك فضل اللحية إذا لم يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح، وعلى هذا تكلم ابن القاسم في هذه الرواية بدليل قوله: وليس هذا بمسح، وقد اختلف إذا عظمت فكان فيما يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح وفضل بين، فأجاز ابن الماجشون لمن ذكر مسح رأسه وقد بعد عنه الماء أن يمسح بذلك البلل، ومنع مالك من ذلك في المدونة، وهذا الاختلاف جار على اختلافهم في إجازة الوضوء بالماء المستعمل عند الضرورة، فظاهر قول مالك في المدونة أن ذلك لا يجوز مثل المعلوم من قول أصبغ خلاف قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.

مسألة في الخف يصيبه الروث

ومن كتاب أوله تأخير العشاء في الحرس [مسألة في الخف يصيبه الروث] وسئل عن الخفين يلبسهما الرجل فيأتي المسجد فيصيبهما الروث الرطب فيخلعهما فيصلي ثم يخرج يمشي بهما فيكثر ذلك عليه، أترى أن يمسحهما ويصلي بهما؟ [قال: إن أصابهما روث رطب فلا يصلي بهما] حتى يغسلهما أو يخلعهما.
قال ابن القاسم: قد خففه مالك بعد ذلك إذا كان غالبا.
قال محمد بن رشد: هذا المعنى من اختلاف قول مالك متكرر في رسم "المحرم" والرسم الذي بعده، وزاد في رسم "المحرم": وأما العذرة وبول الناس وخرو الكلاب وما أشبهها فلا يجزئ فيها إلا الغسل، وهو كله معنى ما في المدونة، وعند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه أن النجاسات كلها لا يطهرها إلا الماء وإن زال العين بغير الماء فالحكم باق؛ لأنه خفف في أحد قوليه أن يمسح الخفين من أرواث الدواب الرطبة وأبوالها ويصلي فيها دون أن يغسل للمشقة التي تلحق الناس في خلعهما أو غسلهما لكثرة تكرر ذلك عليهم كلما أقبلوا أو أدبروا، والطرقات لا تنفك عنها ولا يمكن التوقي منها، فخص الخف بالمسح من أبوال الدواب وأرواثها الطرية لهذه العلة، كما خص المخرج بالمسح بالأحجار لتكرر الأذى عليه ومشقة غسله أبدا كلما تكرر عليه الأذى، وكما جوز لمن يكثر الترداد إلى مكة من الحطابين وغيرهم أن يدخلوها بغير إحرام، ومثل هذا كثير.
وقال ابن حبيب: إن النعل والقدم

لا يجزئ فيهما المسح؛ إذ لا مؤنة في نزع النعل ولا في غسل القدم، وفي المدونة دليل ضعيف على أن النعل بمنزلة الخف يجزئ فيه المسح من أرواث الدواب وأبوالها، بخلاف الدم والعذرة.
وقد أعمله أبو إسحاق التونسي على ضعفه بحكم منه على مساواته بين النعل والخف.
قال: إذ قد يحتاج الرجل أن يصلي في نعليه كما يحتاج أن يصلي بخفيه، وإن غسلهما كلما احتاج إلى الصلاة بهما أفسدهما الغسل.
ولما قاله أبو إسحاق وجه إذا احتاج إلى الصلاة بهما لشدة حر الأرض أو بردها، وأما إذا لم يحتج إلى ذلك فما قاله ابن حبيب أظهر؛ إذ لا مؤنة في خلعهما.
وقد جاء «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم: خلعتم نعالكم؟ فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» . وفي هذا دليل؛ إذ خلعهما ولم يكتف بمسحهما.
والخفاف الذي عندنا والشمشكات تجري مجرى النعال.
وأما القدم فقياسه على الخفين في جواز مسحه لمشقة غسله كلما أراد الصلاة أولى من قياسه على النعلين، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق فيه، وبالله التوفيق.
واختلف في وجه تفرقته بين أرواث الدواب وأبوالها وبين العذرة والدم وخرو الكلاب وما أشبه ذلك، فقيل: إنما فرق بين ذلك مراعاة للاختلاف في نجاسة أرواث الدواب وأبوالها، وقيل: إنما فرق بين ذلك؛ لأن الطرقات لا تنفك من أرواث الدواب وأبوالها غالبا، وهي تنفك مما سوى ذلك من النجاسات، والأول أظهر والله أعلم وبه التوفيق.

مسألة: في وضوء الجنب إذا أراد النوم

] وسئل مالك عن الرجل تصيبه الجنابة نهارا وهو يريد أن يقيل، أيتوضأ وضوء الصلاة مثل الليل؟ قال: نعم، لا ينام حتى يتوضأ.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة سواء، وإنما سأله عن نوم النهار؛ لأن السنة إنما جاءت في نوم الليل.
ذكر مالك في موطاه عن عبد الله بن عمر أنه قال: «ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: توضأ واغسل ذكرك ثم نم» ، فقاس مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - نوم النهار على نوم الليل في ذلك؛ إذ لا فرق بينهما في المعنى، مع أنه ظاهر قول عائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنها كانت تقول: " إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل فلا ينم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة " فوضوء الجنب قبل أن ينام من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، بدليل ما روي عن عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنها قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ربما نام وهو جنب لهيئته لا يمس ماء» ، وإن كان قد قال ابن حبيب: إن محمل ذلك على أنه يتيمم إذ لم يحضره الماء، وقال: إن الوضوء للجنب لازم لا يسع أحدا تركه، وما قلناه هو الظاهر والله أعلم.
ومما يدل على التوسعة في ذلك أن ابن عمر كان لا يغسل رجليه في وضوئه له، وقد اختلف في معنى أمره بالوضوء فقيل: إنما أمر بذلك لعله ينشط فيغسل، وقيل: إنما أمر بذلك مخافة أن يتوفى في منامه فيكون على أدنى الطهارتين، والأول أظهر والله أعلم؛ لأن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة.
ألا ترى أن الحائض لا تؤمر بذلك إذ لا تملك تعجيل طهرها، وهذا بين، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله رجل كتب عليه ذكر حق

مسألة: في غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في إنائه

] وسئل عن الرجل يستيقظ من النوم فيدخل يده في إنائه، قال: لا بأس بذلك، وإنما مثله في ذلك الجرة تكون في البيت فيستيقظ أهل البيت فيغرفون منها فيدخلون أيديهم فيها فلا يكون بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: قوله لا بأس بذلك؛ أي لا بأس بالماء إن فعل ذلك ما لم يعلم بيده نجاسة.
ولا ينبغي له إذا استيقظ من نومه أن يدخل

يده في وضوئه قبل أن يغسلها؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» ، فإن فعل ذلك وهو موقن بطهارة يده فالماء طاهر، وإن فعله وهو موقن بنجاستها فالماء نجس على مذهب ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن توضأ به أعاد في الوقت مراعاة للخلاف، وإن فعله وهو لا يعلم طهارة يده من نجاستها فهي محمولة على الطهارة حتى يوقن بنجاستها، وسواء أصبح جنبا أو غير جنب على المشهور في المذهب.
وقال ابن حبيب: إن كان بات جنبا أنجس ذلك الماء وهو معنى الحديث، وحكي ذلك عن الحسن البصري.
فإن كان الإناء مثل المهراس والغدير الذي لا يقدر على أن يغسل يده منه إلا بإدخالها فيه أدخل يده فيه إن لم يعلم بها دنسا، ولا يأخذ الماء بفيه ليغسلها، إذ ليس ذلك من عمل الناس، قاله في آخر سماع أشهب.
وأما إن كانت يده قذرة فلا يدخلها فيه حتى يغسلها، وليحتل في ذلك بأن يأخذ الماء بفيه أو بثوب أو بما يقدر عليه، قاله في سماع موسى بن معاوية الصمادحي بعد هذا من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

مسألة: في المسافرين ينزلون دون المنهل بموضع لا ماء فيه

] وسئل مالك عن قوم كانوا في سفر وليس معهم ماء فأرادوا أن ينزلوا من الليل دون المنهل بثلاثة أميال خوفا إذا أتوا المنهل من الليل أن يذهب بعض متاعهم أو يسرقوا في ظلمة الليل ويتيممون

للصلاة إذا أصبحوا، فكره ذلك وقال: لا يعجبني إلا أن يرسلوا أحدا يأتيهم بماء.
قال محمد بن رشد: فإن فعلوا فقد قال ابن عبد الحكم: لا إعادة عليهم، وهو ظاهر الرواية، وقال أصبغ: يعيدون في الوقت، وقال ابن القاسم: يعيدون في الوقت وبعده، وقع هذا الاختلاف في المبسوطة، والقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من النزول دون المنهل بثلاثة أميال للعلة التي خافوها من ذهاب متاعهم.
والدليل على جواز ذلك لهم «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أقام على التماس عقد عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حتى أصبح الناس على غير ماء» فلا وجه لمن قال من الشيوخ: إن الخوف على ذهاب المال لا يمنع من الفرض بخلاف الخوف على النفس، مع السنة الثابتة في هذا.
وإذا كان لا يلزمه أن يشتري الماء لغسله ووضوئه بما لا يشبه من الثمن إذا رفعوا عليه فيه، وكان له أن ينتقل إلى التيمم ويحوط ماله من أن يشتري الماء بأكثر من ثمنه على ما قال في المدونة، فأحرى أن يكون له أن ينتقل هاهنا إلى التيمم بالنزول دون المنهل حياطة على ماله خوف السرقة عليه، مع أن طلب الماء لا يلزمه إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الآية، وبالله التوفيق.

مسألة: المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه

ومن كتاب أوله الشريكين يكون لهما مال مسألة وقال مالك في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] ، أن ذلك في المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فإذا كان كذلك يتيمم كما يتيمم المسافر إذا لم يجد الماء.
قال محمد بن رشد: ليس هذا نص التلاوة في الآية، وإنما ساقها على معنى من قدر فيها تقديما وتأخيرا، فأعاد شرط عدم الماء على السفر والمرض، فقال: إن المريض الذي يتيمم هو الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فلم يجعل المريض الذي لا يقدر على مس الماء إن كان واجدا له من أهل التيمم، وكذلك الحاضر العادم للماء على قياس هذه الرواية ليس من أهل التيمم.
ومن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا جعلهما جميعا من أهل التيمم، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأن تأويل الآية على هذا: وإن كنتم مرضى لا تقدرون على مس الماء ولا تجدون من يناولكم إياه، أو على سفر غير واجدين للماء، فاكتفى بذكر المرض عن ذكر عدم الماء وعدم القدرة على مسه وبذكر السفر عن ذكر عدم الماء لما كان ذلك الأغلب من أحوالهما، وفهم ذلك من مراد الله عز وجل كما فهم من مراده عز وجل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أن معنى ذلك: فأفطر

﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . ولما كان الحاضر واجدا للماء في أغلب الأحوال صرح في الآية بشرط عدمه، فقال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] . والتيمم: القصد، والصعيد: وجه الأرض وهو ما صعد منه أي ارتفع، والطيب الطاهر، وبالله التوفيق.

مسألة: السيف يقاتل به الرجل فيكون فيه الدم هل يغسل

مسألة وقال مالك في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم، هل ترى أن يغسل؟ قال: ليس ذلك على الناس.
قال محمد بن رشد: قال عيسى: وكذلك الذي شأنه الصيد، وهو كما قال؛ لأنه أمر قد مضى الناس على إجازته وتخفيفه.
وقد كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلون بأسيافهم وفيها الدم ولا يبالون بذلك، ولو كانوا يغسلون أسيافهم في غزواتهم لصلواتهم في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعده لنقل ذلك وعرف، والله أعلم وبه التوفيق.

مسألة: لبس الخاتم فيه ذكر الله أيلبس في الشمال وهو يستنجى به

مسألة قال: وسألت مالكا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله، أيلبس في الشمال وهو يستنجى به؟ قال مالك: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون خفيفا - يدل على أنه عنده مكروه وأن نزعه أحسن، وكذلك قال فيما يأتي في هذا السماع في رسم "مساجد القبائل"، وفي رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، ومثله لابن حبيب في الواضحة.
ووجه الكراهية في ذلك بينة؛ لأن ما كتب فيه اسم الله تعالى فمن الحق أن يجعل له حرمته.
وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله وكتابه فيعطاها نجسا، وأعظم ذلك إعظاما شديدا وكرهه.
وقول ابن

القاسم في رسم "مساجد القبائل": وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله -ليس بحسن من فعله، ويحتمل أن يكون إنما يفعله؛ لأن الخاتم قد عض بإصبعه، فيشق عليه تحويله إلى اليد الأخرى كلما دخل الخلاء واحتاج إلى الاستنجاء فيكون إنما تسامح في ذلك لهذا المعنى، فهو أشبه بورعه وفضله، والله أعلم وبه التوفيق.

مسألة المرأة ترى الدم عند وضوئها فإذا قامت ذهب ذلك عنها

مسألة وسئل عن المرأة ترى الدم عند وضوئها، فإذا قامت ذهب ذلك عنها.
قال مالك: أرى ألا تترك الصلاة إلا أن ترى دما تنكره، ولتشد ذلك بشيء.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة أيضا في رسم "يوصي" من سماع عيسى، وزاد فيها من قول مالك: وليس عليها غسل، وهو تفسير لهذه الرواية.
ووجه ذلك أن الدم لما كان يتكرر عليها عند كل وضوء دون سائر الأوقات لم يجعل ذلك حيضا، ورآها مستنكحة بذلك من الشيطان، فأمرها بالصلاة ولم ير عليها غسلا، كما فعل عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المرأة التي استفتته في نحو هذا، ذكره مالك في كتاب الحج من الموطأ، عن أبي الزبير المكي، أن أبا عامر الأسلمي عبد الله بن سفيان أخبره أنه كان جالسا مع عبد الله بن عمر، فجاءته امرأة تستفتيه فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت حتى ذهب ذلك [عني ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء فرجعت حتى ذهب ذلك عني] ، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان فاغتسلي ثم استتري بثوب ثم طوفي.
وقد قال ابن أبي زيد: معنى ما أراد مالك أنها

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
الوضوء بفضل وضوء النصرانيفصل: إن تحققت طهارة يد وفم النصراني فهل يجوز استعمال سؤرهمسألة: اغتسال الجنب في البئر هل يفسدهمسألة: في حلول النجاسة في الماء والطعاممسألة: الدواب تدرس الزرع فتبول فيهمسألة: توضأ وصلى ثم علم أن عليه الإعادةمسألة: الرجل يصلي بثوب فيه نجاسةمسألة: في الفارة تموت في البئرمسألة: في مس القرآن على غير طهارةمسألة: في الوضوء بسؤر الهرمسألة: في سؤال الماء للوضوءمسألة: في حد التيمم في اليدينمسألة: في صفة تيمم الأقطعمسألة: في وضوء الجماعة من إناء واحدمسألة: في تدلك المغتسلمسألة: في لباس ما لبس النصراني أو نسجمسألة: في غسل النجاسةمسألة: في الاستبراء من البولمسألة: في قدر ما يتوضأ به من الماءمسألة: في نقل المتوضئ الماء إلى أعضائهمسألة: في الاكتفاء في الاستنجاء بالأحجارمسألة: في المسح على الحائل للضرورةمسألة: فيما يكره الاستنجاء بهمسألة: في المسافر وصاحب الشجة يريد أحدهما إصابة أهلهمسألة: في غسل الجنابة يوم الجمعة هل يجزي أحدهما عن الآخر: مسألة في تخليل اللحية في غسل الجنابةمسألة في البير تقع فيها الفارة فيصرف ماؤها في طعام يصنع بهمسألة: في الغسل في الفضاءمسألة: في حكم طهارة الأزقة والطرقمسألة: في مسح الرأس بفضل ماء اللحية أو الذراعينمسألة في الخف يصيبه الروثمسألة: في وضوء الجنب إذا أراد النوممسألة: في غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في إنائهمسألة: في المسافرين ينزلون دون المنهل بموضع لا ماء فيهمسألة: المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياهمسألة: السيف يقاتل به الرجل فيكون فيه الدم هل يغسلمسألة: لبس الخاتم فيه ذكر الله أيلبس في الشمال وهو يستنجى بهمسألة المرأة ترى الدم عند وضوئها فإذا قامت ذهب ذلك عنها
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل