كتاب النذور الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذلك وإنما قصد زجرها لا القربة إلى الله تعالى بإخراجها هديا وهو الأظهر لقول النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «إنما الأعمال بالنيات» .
مسألة: حلف ألا يشهد له ولا عليه فكتب كتابا وشهد على نفسه فيه
مسألة وقال في رجل حلف ألا يشهد لي ولا علي فبعته سلعة إلى أجل وكتبت كتابا وشهد على نفسه في الكتاب، كتب شهادته بيده على نفسه قال: يحنث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن شهادة الرجل على نفسه شهادة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] الآية.
مسألة: قال لغلام لأبيه في حياة أبيه يوم أملكك فأنت حر فهلك الأب وملكه
مسألة وقال في من قال لغلام لأبيه في حياة أبيه يوم أملكك فأنت حر، فهلك الأب وملكه، قال: إن كان يوم قال ذلك سفيها فلا أرى عليه عتقا، وإن كان يومئذ حليما فإني أرى أن يعتق عليه، قال: وإن قال: أنت عتيق في مالي ولم يقل يوم أملكك أو يوم أكسبك فليس بشيء لا عتق عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب أن من حلف بعتق ما يملك قبل أن يملكه، أو أوجبه على نفسه بشرط ملكه له فخص ولم يعم أن ذلك لازم له، والأصل في وجوب ذلك عليه قوله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] . لأنه إذا لزمه ذلك في الصدقة كان ذلك في
العتق أولى أن يلزمه، وإما إذا قال لعبد أبيه أنت حر أو حر في مالي ولم يقل يوم أملكك ولا نوى ذلك فلا شيء عليه لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» ، تم كتاب النذر بحمد لله.
: كتاب الصيد والذبائح
مسألة: بهيمة وقعت في ماء فذبحها صاحبها ورأسها في جوف الماء
كتاب الصيد والذبائح
من سماع عبد الرحمن بن القاسم
من كتاب القبلة مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول في بهيمة وقعت في ماء فلم يستطع صاحبها أن يذبحها إلا ورأسها في جوف الماء، فقال: إن وصل إلى مذبحها وهي حية فلا أرى بذلك بأسا وإن رأسها في جوف الماء إذا اضطر إلى ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إذا اضطر إلى ذلك شرط فيه نظر، إذ لا فرق في هذه المسألة في إعمال الذكاة بين أن يضطر إلى تذكيتها على تلك الحال أو لا يضطر إلى ذلك، وإنما تفترق الضرورة من غير الضرورة في إباحة الفعل ابتداء فيكره له أن يفعل ذلك من غير ضرورة مراعة لقول من يقول إن تذكيتها في حرف لا تجوز على حال، وهو قول ابن نافع في المبسوطة، قال: إن رفع رأسها على الماء فذبحها ثم تركها فهي حلال، وإن لم يرفع رأسها وذكاها تحت الماء فلا ذكاة فيها، ووجه ذلك أنه لا يدري إن كانت ماتت من ذبحه أو من الغم في الماء لاشتراك الأمرين جميعا فيها، كما قال مالك في المدونة في الصائد يذكي الصيد والكلاب تنهشه وهو يقدر على أن يتخلصه منها لا يؤكل مخافة أن يكون إنما مات من نهشها، وقال ابن القاسم: إنه يؤكل إن كان ذكاه وهو يستيقن أن حياته فيه مجتمعة، فقول مالك في المدونة خلاف قوله في هذه المسألة ومثل قول ابن نافع فيها، وقول ابن القاسم في المدونة
مثل قول مالك في هذه المسألة خلاف قول ابن نافع فيها، ولو ذكى الصائد الصيد والكلاب تنهشه وهو لا يقدر على أن يتخلصه منها لأكل باتفاق، فهذه المسألة يفترق فيها الضرورة من غير الضرورة في إعمال التذكية لا مسألة الذبح في الماء، فقف على ذلك واعلمه فإن المعنى في ذلك بين، وهو أن الصيد يؤكل إذا قتلته الكلاب قبل أن يدركه الصائد بخلاف إذا مات في الماء قبل أن يدركه، ولو قتله في جوف الماء بما يقتل به الصيد لم يؤكل لأنه قد صار أسيره، قاله ابن حبيب جعل النهر كالحفرة بخلاف الغيضة والغار، وبالله التوفيق.
مسألة: بهيمة طرحت جنينا حيا فذكي وهو يركض
مسألة قال مالك في بهيمة طرحت جنينا حيا فذكي وهو يركض، قال: ما أحب أن يؤكل قال، قال مالك وكذلك الذي لم يتم خلقه.
قال محمد بن رشد: قوله لا أحب ليس على ظاهره، ومراده بذلك لا يحل فتجوز في اللفظ وهو بين من إرادته بدليل تمثيله إياه بالذي لم يتم خلقه، ولا يجوز تذكيته إلا أن يعلم أنه لو أرجئ عاش، وأما إن علم أنه لو ترك لم يعش أو شك في ذلك فلا يصح تذكيته.
مسألة: ذبيحة السكران
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالك يقول في ذبيحة السكران الذي لا يعقل والمجنون الذي لا يعقل: إنها لا تؤكل إذا كانا لا يعقلان.
قال محمد بن رشد: وأما السكران الذي لا يعقل أصلا فهو كالمجنون المطبق الذي لا يعقل فلا تؤكل ذبيحته بإجماع؛ لأن من شرط التذكية النية وهو القصد إلى الذكاة، وذلك لا يصح ممن لا يعقل له أصلا،
وأما السكران الذي يخطئ ويصيب فلا ينبغي لأحد أن يأكل ذبيحته لأنه لا يدري هل صحت منه النية في الذبح أم لا؛ ولا يصدق في ذلك لأنه ممن لا تجوز شهادته ولا يقبل قوله، ولو أتى مستفتيا في خاصة نفسه يزعم أنه عرف ما صنع وقصد الذكاة بذلك لوجب أن ينوي في خاصة نفسه ويباح له أكل ذبيحته وإن كان في تلك الحال ممن يقع عليه اسم سكران، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] . والخطاب لا يتوجه إلا لمن يعقل، فدلت الآية أن السكران قد يعقل وهذا بين.
مسألة: حكم أكل جبن المجوس
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول:، وأما السمن والزيت فلا أرى به بأسا إذا كانت آنيتهم لا بأس بها، فإن كان في آنيتهم بعض ذلك فلا أرى أن يؤكل، وإن شككت في آنيتهم وكانوا يأكلون الميتة فلا أحب ذلك.
قال محمد بن رشد: أما جبن المجوس فبين أنه لا خير فيه لأنه إنما يجعلون فيه من أنافيح ذبائحهم التي لا تحل لنا، فقوله أكره ذلك لفظ فيه تجاوز، وقد روي أن أبا موسى الأشعري، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كتب إلى عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، يذكر أن المجوس لما رأوا المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن أهل الكتاب عمدوا فصلبوا على الجبن كما يصلب أهل الكتاب ليشترى من جبنهم، فكتب إليه عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ما تبين لكم أنه من صنعتهم فلا تأكلوه، وما لم يتبين لكم فكلوه، ولا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم، قال ابن حبيب: وقد تورع عمر بن الخطاب وابن
مسعود وابن عباس في خاصة أنفسهم عن أكل الجبن إلا ما أيقنوا أنه من جبن المسلمين وأهل الكتاب خيفة أن يكون من جبن المجوس، ولم يفتوا الناس به ولا منعوهم من أكله، فمن أخذ بذلك في البلد الذي فيه المجوس مع أهل الكتاب فحسن، وأما السمن والزيت فكما قال لا يجب أن يمتنع من أكله إلا أن يعلم بنجاسة آنيتهم فإن شككت في نجاستها فالتورع أفضل.
مسألة: ما ذبح أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم
مسألة وقال مالك: ما ذبح أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم وأعدوه فلا أحب أكله، ولست أراه حراما.
قال ابن القاسم: ولا يعجبني أكله.
قال عيسى: لا أرى به بأسا، وابن وهب مثله.
سحنون: كل ما ذبحوا لأعيادهم فلا يحل أكله، وما ذبحوا لأنفسهم فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: كره مالك ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم لأنه رآه مضاهيا لقوله عز وجل: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145] ، ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة له وإنما مضاهية له؛ لأن الآية عنده معناها ما ذبحوا لآلهتهم مما لا يأكلون، ورأى سحنون الآية متناولة له فحرمه، وأجازه من أجازه لأنه من طعامهم الذي يأكلونه، وقد قال عز وجل: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] ، وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد المالك من كتاب الضحايا فقف على ذلك وبالله التوفيق.
مسألة: الحوت يؤخذ حيا أيقطع قبل أن يموت
ومن كتاب أوله سلعة سماها مسألة قال: وسئل مالك عن الحوت يؤخذ حيا أيقطع قبل أن يموت؟ قال: لا بأس فيه لأنه لا ذكاة فيه، وأنه لو وجد ميتا أكل، فلا بأس بأن يقطع قبل أن يموت، وأن يلقى في النار وهو حي فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد كره هذا في رسم الجنائز والصيد من سماع أشهب كراهية شديدة.
وظاهر هذه الرواية الإباحة والوجه في ذلك أن الحوت لما كان لا يحتاج إلى تذكية وكان للرجل أن يقتله بأي نوع من أنواع القتل في الماء، وأن يقطعه فيه إن شاء كان له أن يفعل ذلك به بعد خروجه من الماء، والوجه في كراهية ذلك أن الحوت مذكى، فالحياة التي فيه بعد صيده بمثابة الحياة التي تبقى في الذبيحة بعد ذبحها فيكره في كل واحد منهما ما يكره في الآخر.
مسألة: حكم أكل جبن الروم الذي يوجد في بيوتهم
مسألة وسئل مالك عن جبن الروم الذي يوجد في بيوتهم، قال: ما أحب أن أحرم حلالا، وأما أن يكرهه رجل في خاصة نفسه فلا بأس بذلك، وأما أن أحرمه على الناس فلا أدري
ما حقيقته، قد قيل: إنهم يجعلون فيه أنفحة الخنزير وهم نصارى؛ وما أحب أن أحرم حلالا، وأما أن يتقيه رجل في خاصة نفسه فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: كره للرجل في خاصة نفسه من أجل ما قيل له إنهم يجعلون فيه من أنفحة الخنزير، ولو لم يسمع ذلك لم يكن عليه أن يبحث عن ذلك؛ لأن الله قد أباح لنا أكل طعامهم بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] . فأكل طعامهم جائز ما لم يوقن فيه بنجاسة، فإن خشي ذلك الرجل لشيء سمعه استحب له أن يتركه، ويبين هذا ما ذكرناه قبل هذا عن عمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وابن عباس وابن مسعود من تورعهم في خاصة أنفسهم عن أكل الجبن مخافة أن يكون من جبن المجوس.
مسألة: البازي يضطرب على الشيء يراه ولا يراه صاحبه فيرسله صاحبه
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن البازي يكون في يد صاحبه فيضطرب على الشيء يراه ولا يراه صاحبه فيرسله صاحبه فربما أخذ صيدا وربما أخذ الحية وما أشبهها مما ليست بصيد، قال: إذا كان إنما اضطرب على غير صيد فأرسله وهو لا يرى شيئا فأخذ صيدا فقتله فلا أحب له أن يأكله، ولعله أن يضطرب على صيد ويأخذ صيدا غيره إلا أن يستيقن أن اضطرابه إنما كان على الصيد الذي أخذ، مثل أن يكون يراه غيره ولا يراه هو، والطيرة يأخذها ولا يطير حولها شيء، ومثل هذا مما يستيقن فلا بأس بأكله.
قال محمد بن أحمد: معنى هذه المسألة أنه أرسل البازي ينوي صيد ما اضطرب عليه، وذلك بين من قوله: ولعله أن يضطرب على صيد ويأخذ صيدا غيره، ولو كان لما اضطرب أرسله ينوي ما صاد كان الذي اضطرب عليه أو غيره لأكل ما صاد على معنى ما في المدونة في الذي يرسل كلبه على الجماعة من الصيد وينوي، إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم ير أنه يأكله، ويبين هذا التأويل أيضا قول مالك في كتاب ابن المواز، قال: ومن رأى كلبه يحد النظر وكالملتفت يمينا وشمالا فأرسله على صيد لم يره، فليأكل ما أخذ وهو كإرساله في الغياض والغيران لا يدري ما فيها عرف أن فيها صيدا أو لم يعرف، ومن الناس من حمل هذه الرواية على الخلاف لما في المدونة مثل قول أشهب إنه لا يصح له أن ينوي في إرساله ما لم يره من الصيد، ومثل قول سحنون في رسم لم يدرك من سماع عيسى أنه إذا أرسل كلبه في الحجر والغامصة ينوي اصطياد ما فيهما وهو لا يدري أفيهما شيء أم لا، فأصاب فيهما صيدا أنه لا يؤكل، والتأويل الأول أظهر والله أعلم.
مسألة: الحوت يشترى فيوجد في بطنه حوت أخرى
ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل مالك عن الحوت يشترى فيوجد في بطنه حوت أخرى، أترى أن يؤكل؟ قال: نعم، لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصل مذهب مالك في جواز أكل ما وجد من الحوت ميتا طافيا على الماء وغير طاف عليه قد حسر عنه
الماء على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته» . ولم يفرق بين ما صيد أو وجد ميتا، من أهل العلم من يقول: إنه لا يؤكل الطافي من الحوت، ومنهم من يقول: لا يؤكل إلا ما صيد حيا.
فعلى قول هؤلاء لا يجوز أكل الحوت يوجد في بطن الحوت.
مسألة: بيع الجزرة من النصراني وهو يعلم أنه يريدها لذبح أعيادهم في كنائسهم
مسألة وسئل مالك عن بيع الجزرة من النصراني وهو يعلم أنه يريدها لذبح أعيادهم في كنائسهم، فكره ذلك، فقيل له: أيكرون الدواب والسفن إلى أعيادهم، قال: يجتنبه أحب إلي.
وسئل ابن القاسم عن الكراء منهم، فقال: ما أعلم حراما وتركه أحب إلي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قالا إن ذلك مكروه وليس بحرام لأن الشرع أباح البيع والاشتراء منهم والتجارة معهم وإقرارهم ذمة للمسلمين على ما يتشرعون به في دينهم من الإقامة لأعيادهم، إلا أنه يكره للمسلم أن يكون عونا لهم على ذلك، فرأى مالك هذا على هذه الرواية من العون لهم على أعيادهم فكرهه.
وقد روي عنه إجارة ذلك، وهو على القول بأنهم غير مخاطبين بالشرائع أولا يكون قد أعانهم على معصية إلا على القول بأنهم مخاطبون بالشرائع، وقع اختلاف قوله في ذلك في سماع سحنون من كتاب السلطان، فإن وقع البيع والكراء منهم على هذا مضى ولم يفسخ، وإن كان ازداد في ثمن الجزرة أو كراء الدابة بسبب أعيادهم شيئا على القيمة أرى أن يتصدق بالزائد على القول بأن ذلك مكروه استحبابا، والله أعلم.
مسألة: يرمي الصيد بسهم مسموم، فيدرك ذكاته أترى أن يؤكل
مسألة وسئل مالك عن الذي يرمي الصيد بسهم مسموم، فيدرك ذكاته أترى أن يؤكل؟ قال: لا أرى أن يؤكل وإن ذكي.
قيل له: إن السم يجتمع في بضعة واحدة ويقطع، قال: لا أرى ذلك، ونهى عنه وقال: أخاف أن يكون السم قتله وأخاف على من يأكله الموت منه ونهى عنه.
قال محمد بن رشد: أما إذا لم ينفذ السهم بالسم مقتله ولم يدرك ذكاته فلا يؤكل باتفاق، واختلف إن أدركت ذكاته، فقال في الرواية: إنه لا يؤكل، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة، قال: لأنه ساعة يمس السم الدم جرى به إلى قتله.
وقال سحنون: إنه يؤكل وهو أظهر؛ لأنه قد ذكي وحياته فيه مجتمعة قبل أن ينفذ مقاتله، وأما إذا أنفذ السهم بالسم مقاتله، فقال ابن حبيب: إنه لا يؤكل لأن السم قد شاركه في إنفاذ مقتله ويدخل في ذلك الاختلاف بالمعنى من مسألة الذبح في الماء على ما ذكرناه في أول رسم من السماع وبالله التوفيق.
مسألة: حيتان في برك يقل ماؤها فيطرح فيها السيكران فيسكرها ذلك فتؤخذ
مسألة وسئل مالك عن حيتان في برك يقل ماؤها فيطرح فيها السيكران فيسكرها ذلك فتؤخذ أفترى أن تؤكل؟ قال: ما يعجبني ذلك، ثم قال: أفيخاف على الذين يأكلونها؟ فقيل له: لا، قد جرب
ذلك وإنه لا يضر ذلك، قال: ما يعجبني ذلك وكرهه، وقال: هذا من عمل العجم.
قال محمد بن أحمد: إنما كره أكلها من ناحية الخوف على من يأكلها وكأنه لم ير التجربة تصح في ذلك قد يضر بعض الناس ولا يضر آخرين لا من ناحية أن ذلك مما يؤثر في ذكاة الحيتان لأنها لا تحتاج إلى ذكاة، وقد قال في رسم الصيد والجنائز: إنه لا بأس بأكل ما مات منها بالسيكران أو السكر فأخذ باليد، وهو مفسر لهذه الرواية في جواز أكلها إلا أنه لا يجوز بيعها إلا بعد أن يبين بذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: شراء قديد الروم
ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته
مسألة قال مالك: لا أحب شراء قديد الروم ولا جبنهم الذي ينزلون به من بلادهم مثل أهل طربلس.
قال محمد بن أحمد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها.
مسألة: يكون بينه وبين اليهودي شرك في شاة فيقول له اليهودي دعني أذبحها
مسألة قال: وسئل مالك عن الرجل يكون بينه وبين اليهودي أو النصراني شرك في شاة، فيقول له اليهودي: دعني أذبحها فإنا لا نأكل ذبائحكم، قال مالك: لا أحب له أن يمكنه من ذلك، فقيل له: فإنا لا نأكل ذبائحهم التي ذبحوا لأنفسهم، قال: إنما نأكل
ما ذبحوا لأنفسهم، وأما إنا نعطيهم شيئا أو يكون معهم شرك فتمكنهم فلا أحب للمسلم أن يفعل ذلك ولا ينبغي للمسلم أن يستأجرهم ولا يقارضهم ولا يأتمنهم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في سماع أشهب من كتاب الضحايا فلا معنى لإعادته وسيأتي هذا المعنى أيضا في سماع أشهب وفي سماع يحيى وبالله التوفيق.
مسألة: متردية اندق عنقها أو انكسر ظهرها أو خربت فأتيت وهي تتنفس فذكيت
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق مسألة قال مالك: وكل متردية اندق عنقها أو انكسر ظهرها أو خربت فأتيت وهي تتنفس فذكيت، قال مالك: ما أدرك من متردية اندق عنقها وإن كان مثلها لا يعيش أو ضربت، وإن تركت لم تعش فذكيت فهي توكل لأن بعضها مجتمع إلى بعض، وأما كل شيء خرق جوفه حتى انتثر أمعاؤها وأحشاؤها أو أكل معاؤها فلا أرى أن تذكى ولا توكل، قال مالك في المندقة العنق وما أشبهها: وإن كان مثلها لا يعيش لو ترك فذكي فهو ذكي وتوكل إلا أن ينقطع نخاعها فذكى، قال: ولم يجز بيعه.
وقد روي عن مالك ما يدل على جواز بيعه من ذلك ما وقع في رسم الشجرة من سماع ابن
القاسم من كتاب الصلاة في مسألة الصابون وما في سماع أشهب أيضا من هذا الكتاب على ما سنذكره إن شاء الله إذا مررنا به.
مسألة: كيفية نحر البدن
ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا مسألة قال مالك: تنحر البدن قياما أحب إلي، وكأني رأيته يراه وجه الأمر فيها، قال: والبقر والغنم تذبح وتضجع، قال: ويلي الرجل نحر بدنته وذبح ضحيته بيده أحب إلي، ويقول: بسم الله، الله أكبر، وإن أحب قال ربنا تقبل منا، وكره أن يقول اللهم منك وإليك وعابه وشدد الكراهية فيه، وقال إذا أعق: اللهم منك وإليك؛ وإذا تصدق قال: اللهم منك وإليك، فكره ذلك ولم يره من العمل ولم يستحسنه.
قال محمد بن رشد: هذا كله مثل ما في المدونة وإنما استحب أن تنحر البدن قياما، وقال: إنه وجه الأمر فيها كما قال في الحج الثالث من المدونة إنه الشأن اتباعا لظاهر قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36] ، أي سقطت إلى الأرض، ولم ير ابن القاسم في المدونة أن تنحر معقولة إن امتنعت ولم يحفظ عن مالك هل تنحر معقولة أم تكون مصفوقة، وقوله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] . أي مصطفة لا يدل على كونها معقولة، فلذلك لم يستحب ابن القاسم أن تعقل إذا لم تمتنع، وقد قرئ فاذكروا اسم الله عليها صوافن أي على ثلاث قوائم معقولة إحدى يديها، واستحب ذلك بعض العلماء، وقد قرئ صوافي أي صافية خالصة لله
تعالى، واستحب أن يلي الرجل نحر هديه وذبح ضحيته بيده تواضعا لله وتأسيا برسول الله في ذلك، فإن ذبح له غيره بأمره أجزأه عند مالك، قال ابن عبد الحكم في مختصره: وقد قيل لا يجزيه والأول أحب إلينا، وأما إن ذبحها له نصراني أو يهودي فلا يجزيه إلا عند أشهب، وقد مضى دليل قوله في سماع أشهب من كتاب الضحايا، واستحب في صفة التسمية على الذبيحة أن يقول بسم الله والله أكبر لأنه الذي مضى عليه أمر الناس، قال ابن حبيب في الواضحة: فإن قال: باسم الله والله أكبر وحده اكتفاه بذلك، وكذلك لو قال: لا إله إلا الله أو سبحان الله أو لا حول ولا قوة إلا بالله لاكتفي بذلك؛ لأنه إنما أمر أن يسمي الله، فكيف ما ذكره فقد سماه.
وأجاز أن يقول بعد التسمية صلى الله على رسول الله، وكره أن يقول معها محمد رسول الله، وظاهر المدونة أنه كره الأمرين جميعا وما في الواضحة أبين؛ لأن الصلاة على النبي دعاء له فلا وجه لكراهيته، بخلاف ذكر اسمه بغير دعاء ذلك مكروه؛ لأن الذبح إنما هو لله تعالى وحده فلا يذكر هناك إلا اسم الله تعالى وحده كما أمر حيث يقول: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34] . وتسمية الله سنة في الذكاة وليست شرطا في صحتها؛ لأن معنى قوله عز وجل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] ، أي لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق، ومعنى قوله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118] . كلوا مما قصد إلى ذكاته، فكنى عز وجل عن التذكية بذكر اسمه كما كنى عن رمي الجمار
بذكره حيث يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] ومن الدليل على أن مراده عز وجل بما لم يذكر اسم الله عليه ما لم يقصد إلى ذبحه قوله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119] . وبين بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] . إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3] . فبين بتسمية هذه الأشياء التي حرمها الله في هذه الآية بقوله فسقا أنها هي التي نهى عن أكلها لأنها فسق بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] . فمن ترك التسمية ناسيا أكلت ذبيحته، وأجاز ابن حبيب أن يقول مع التسمية على الضحية: اللهم منك وبك ولك، أي منك الرزق وبك الهدي ولك النسك، وحكاه عن علي بن أبي طالب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهو قول سحنون، وكره ذلك مالك في هذه الرواية وشدد الكراهية في ذلك، وقال في المدونة: إن ذلك بدعة، فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه إنما كره التزام ذلك على وجه كونه مشروعا في ذبح النسك كالتسمية، فمن قاله على غير هذا الوجه في الفرط لم يكن عليه إثم ولا حرج، وأوجر في ذلك إن شاء الله.
مسألة: الحبالة يضعها الرجل للصيد فلمن يكون الصيد إذا وقع فيها
مسألة وسئل مالك عمن وضع جبحا للعسل في الجبل فدخل فيه ذباب النحل فأطعم فيه، أتراه له دون الناس؟ فقال: إنما ذلك
عندي بمنزلة الحبالة يضعها الرجل للصيد فهو لمن وضع حبالته إذا وقع فيها، بذلك الجبح ما كان فيه من عسل فهو لمن جعله مثل الحبالة التي وصفت لك.
قال محمد بن أحمد: قال العتبي: إنما ذلكم لمن جعلها بعيدا من العمران حيث لا ينتهي إليه سرح النحل، وأما إن جعلها في موضع ينتهي إليه سرح النحل فلا يحل له ذلك، ولو أن السلطان علم بذلك لكان عليه أن يؤدبه، وقوله صحيح مفسر لقول مالك؛ لأن النحل إذا صارت في الأجباح كانت كحمام الأبراج لا يجوز لأحد أن يصيد حمام الأبراج، وسنزيد هذه المسألة بيانا في نوازل سحنون إن شاء الله.
مسألة: جبن الحبشة وهم مشركون
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات مسألة وسئل مالك عن جبن الحبشة وهم مشركون، قال: أخاف أن يجعلوا فيه ميتة فأنا أكرهه.
قال محمد بن أحمد: في بعض الروايات وسئل عن سمن الحبشة وهو الصحيح في الرواية والله أعلم لأن المشركين ليسوا بأهل كتاب وإنما هم عبدة أوثان، فذبائحهم محرمة علينا كذبائح المجوس، فالامتناع من أكل جبنهم واجب لأنهم يجعلون فيه من أنفحة ذبائحهم وهي ميتة لا تحل، وأما سمنهم فكرهه مالك مخافة أن يكون الإناء الذي هو فيه قد جعلوا فيه ميتة، وقد مضى في أول رسم من هذا السماع ما يدل على هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: الديكة المذبوحة من أقفيتها
ومن سماع أشهب وابن نافع مسألة قال سحنون: سمعت أشهب وعبد الله بن نافع يقولان: سمعنا المسور بن عبد المالك المخزومي يحدث مالكا أن أبا الحويرث حدثه أن محمد بن جبير بن مطعم أمر بثلاثة ديكة له أن تسمن حتى إذا امتلأن شحما أمر غلاما له أن يذبحها فذبحها من أقفيتها فلما نظر إليها محمد بن جبير بن مطعم، قال: لأظنه قد حرمها، فقلت له: كلا، فخرجت معه إلى سعيد بن المسيب حتى سأله عن أكلها، فقال له ابن المسيب: لا تؤكل فليس ذلك بذكاة، كل أنسية ذبحت من غير مذبحها فلا تؤكل، ولكن لو كانت وحشية أكلت، فقيل لمالك: أترى ما قال سعيد بن المسيب أن هذه الديكة المذبوحة من أقفيتها لا تؤكل؟ قال: نعم، إذا ذبحت من أقفيتها فلا تؤكل، وأرى أن تطرح، وأما لو ذهب يذبح فأخطأ فانحرف شيئا لم أر بأكلها بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أن من ذبح من القفا لم تؤكل ذبيحته، والمعنى في ذلك بين؛ لأن من ذبح من القفا فقد قطع النخاع وهو المخ الذي في عظم الرقبة قبل أن يصل إلى موضع الذبح، فيكون بفعله قد قتل البهيمة بقطعه نخاعها إذ هو مقتل من مقاتلها قبل أن يذبحها في موضع ذكاتها، وقول سعيد بن المسيب ولو كانت وحشية أكلت
فذلك كلام فيه نظر؛ لأن الوحشية إذا ملكت لا تذكى إلا بما تذكى به الأنسية من الذكاة في موضع الذكاة على وجه الذكاة، فمراده والله أعلم إذا فعل ذلك لها في حال الاصطياد لها وهو غير قادر عليها وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: ذبح ذبيحة على سفينة فجرت في الماء فماتت فيه
ومن كتاب الجنائز والصيد
مسألة وسئل عمن ذبح ذبيحة على سفينة فجرت في الماء فماتت فيه، فقال: لا يأكلها إلا إن كان قد تم ذبحه، فقيل له: إنا نخاف أن يكون قتلها الغم في الماء وإن كان قد تم ذبحه فلا بأس بها.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في المدونة إذا أكمل ذبحها قبل أن تسقط في الماء فأكلها جائز، وهو مما لا اختلاف فيه، بخلاف إذا ذبحها في جوف الماء، وقد مضى القول على هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.
مسألة: ذبيحة النصراني
مسألة قيل لمالك: فالرعاء يكونون عندنا نصارى فيأتي أحدهم بالشاة قد ذبحها، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، قال: وقال لي ابن أبي حازم في ذلك ما كان في يدك ملكه فلا تولهم ذبحه، وأما ما ذبحوا هم لأنفسهم فكله، وما وليتهم ذبحه فلا بأس بأكله وبئس ما صنعت.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم حلف بطلاق
امرأته من سماع ابن القاسم، ومضت أيضا والقول عليها في سماع أشهب من كتاب الضحايا فلا معنى لإعادته.
مسألة: النفخ في اللحم عند السلخ
مسألة وسمعت مالكا يقول: أرى أن يؤدب الجزارون الذين ينفخون اللحم وأن يمنعوا من ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد النفخ الذي يفعلون بعد السلخ ليظهر اللحم سمينا، وأما النفخ عند السلخ فلا بأس به لأن فيه منفعة إذ لا يتأتى السلخ إلا به ففيه صلاح، وأما الذي يفعلون بعد السلخ فيكره لوجهين، أحدهما: إن ذلك غش إذ يوهم الجاهل بفعلهم فيظن أن ذلك الامتلاء من سمانة اللحم.
والثاني: إن ذلك يغير طعم اللحم، وكذلك قال مالك في سماع ابن القاسم من كتاب السلطان وبالله التوفيق.
مسألة: كيفية ذبح الحمام والطير
مسألة وسئل مالك عمن يذبح الحمام والطير هكذا وأشار بيده وهو قائم يذبحها، قال: ما أراه بمستقيم هذا على وجه الاستخفاف، فقيل له: إن الصائد ربما فعل ذلك، فقال: إلا أنه غير فقيه ولا مفلح، فقيل له: فيؤكل، قال: نعم، إذا أحسن ذبحنا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال مالك إن ذلك لا يفعله إلا المتهاون بالذبح المستخف بما يلزمه من الاستثبات في الذكاة والتمكن فيها وأخلق بفاعل ذلك ألا يحافظ على ما يلزمه من التسمية واستقبال القبلة وفاعل ذلك غير فقيه ولا مفلح كما قال مالك.
مسألة: حد الشفرة قبل الذبح
مسألة وقال مالك: مر عمر بن الخطاب على رجل قد أضجع شاة
وهو يحد شفرته فعلاه بالدرة، فقال له: علام تعذب الروح؟ هلا حددت شفرتك قبل.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، روي عنه من رواية ابن مسعود أنه مر برجل قد صرع شاة وجعل يديها من وراء قرنها ثم جعل رجله على عنقها، فقال: هلم الشفرة، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فهلا تركتها قائمة ولم تعذبها حتى تحضر شفرتك ثم تضعها وضعا لينا رفيقا ثم تذبحها» ، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أمر بحد الشفار وأن يوارى بها عن البهائم، وقال: «إذا ذبح أحدكم فليجهز» ، هذا من سنة الذبح ومما ينبغي للذابح أن يتوخاه، وقد روي عن ربيعة أنه كره أن يذبح الشاة وأخرى تنظر، وخفف ذلك مالك واحتج بالبدن التي تنحر مصفوفة بعضها إلى جنب بعض واختار ابن حبيب قول ربيعة، ورأى صف البدن عند نحرها من سنتها، قال: وليس ذلك في الذبائح.
مسألة: سرق شاة فذبحها أتؤكل
مسألة وسئل مالك عمن سرق شاة فذبحها أتؤكل؟ قال: نعم تؤكل، ولا يشك في هذا أحد يعرف الذبح، وإنما حرم عليه السرقة.
قال محمد بن رشد: هذا أمر متفق عليه في المذهب ولا خلاف فيه أيضا بين فقهاء الأمصار، وقد روي عن عكرمة أنه قال: لا تؤكل ذبيحة السارق والغاصب، وهو قول إسحاق وداود بن علي، والحجة عليهم لفقهاء الأمصار ما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الشاة التي أخبر لما ألاك منها أكلة: إنها ذبحت بغير إذن صاحبها أطعموها الأسرى» وإذ لو لم تكن ذكية لما أطعمها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدا فأخبرت المرأة التي كانت دعت رسول الله إلى الطعام
أنها شاة بعث به إليه أهل أخيها بغير إذنه، فمن دخل داره سارق فذبح له شاة ووجدها مذبوحة فإن كان بلدا فيه مجوس مع المسلمين وأهل الكتاب فلا يأكلها مخافة أن يكون ذبحها مجوسي، وإن كان ليس فيه إلا المسلمون وأهل الكتاب فلا بأس بأكلها، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وليس ترك أكلها إذا كان في البلد مجوس بلازم في وجه الحكم، وإنما هو على سبيل التورع على ما مضى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود في أول رسم من سماع ابن القاسم، ويؤيد هذا ما روي عن ناس من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم «سألوا رسول الله، فقالوا: أغارب يأتوننا بحيتان مشروحة والجبن والسمن ما ندري ما كنه إسلامهم؟ قال: " انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سكت عنه فإنه عفا لكم عنه، وما كان ربك نسيا، واذكروا اسم الله عز وجل» ، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فأنزل الله عز وجل نبيه وأنزل كتابه وأحل له حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا: ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ [الأنعام: 145] ، الآية.
وإلى هذا ذهب ابن بكير، فقال: لا حرام إلا ما ذكر تحريمه في هذه الآية، وما سواه من الخيل والبغال والحمير وذوي الناب من السباع مكروه وليس بحرام، إذ لا جائز أن تنسخ السنة القرآن، وقد اختلف الذين ذهبوا إلى تحريم ما عدا ما ذكر تحريمه في الآية من الدواب أو ذوي الناب من السباع أو ذوي المخلب من الطير بسنة أو إجماع أو دليل خطاب، كاستدلال مالك على أن الدواب لا تؤكل بأن الله إنما ذكرها للركوب والزينة في تأويل الآية على أقوال، أحدها: أن ذلك نسخ لبعض ما اقتضت
الآية من التحليل، قال بذلك من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة.
والثاني: أن ذلك ليس بنسخ لأن ما عدا ما ذكر تحريمه فيها عموم يحتمل الخصوص، فيخصص بما يخصص به العموم من أخبار الآحاد والقياس والإجماع.
والثالث: ما ذهب إليه الشافعي من أن الآية لا تتناول بظاهرها تحليل جميع ما عدا ما ذكر تحريمه فيها؛ لأن معناها عنده قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه مما يأكلونه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير، وقد كانوا لا يأكلون أشياء تقذرا، منها السباع التي تعدو وتفترس والعقبان والرخم والنسور والخنافيس وشبهها، قال: فلم تدل الآية على تحليل شيء من ذلك، ودخلت هذه الأشياء في معنى الخبائث التي ذكر الله، وقوله: وإنما حرمت عليه السرقة استدلال صحيح.
يقول: لو كان السارق لا تؤكل ذبيحته إذا ذبح متاع غيره لوجب أن لا تؤكل ذبيحته إذا ذبح متاع نفسه، كالمحرم لما لم تؤكل ذبيحته إذا ذبح صيد غيره لم تؤكل ذبيحته إذا ذبح صيد نفسه.
مسألة: ذبيحة الخصي
مسألة وسئل عن ذبيحة الخصي، فقال: أحب إلي ألا يذبح، فإن ذبح أكلت.
قيل له: فذبيحة العبد؟ قال: هو يؤم الناس في النافلة وفي السفر، فأما صلاة الجماعات في المساجد فلا.
قيل: أرأيت إن أم خصي قوما أيعيدون الصلاة حين علموا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: كره ذبح الخصي ولم يكره ذبح العبد وكلاهما لا يكون إماما راتبا ولا تجب الإعادة على من صلى خلفه، فالفرق بينهما أن الخصاء أمر ثابت فنحا به ناحية التأنيث، والعبودية ليست بثابتة قد يعتق العبد، وإنما لم يجز أن يكون إماما راتبا من أجل حق السيد في أن يصرفه في
حوائجه ويمنعه من ملازمة المسجد للصلاة بالناس فيه، ولا يذبح الصبي ضحيته، والأظهر أن لا تذبح المرأة ضحيتها إلا من ضرورة بدليل ما جاءني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر عن أزواجه في الحج ولم يرو أنهن نحرن بأنفسهن، وتجوز ذبيحة الجنب والحائض والأغلف والمسخوط في دينه وإن كان الأولى في ذلك الكمال في الطهارة والدين، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة على ما مضى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، فستة لا تجوز ذبائحهم، وستة تكره ذبائحهم، وستة يختلف في جواز ذبائحهم، فأما الذين لا تجوز ذبائحهم فالصغير الذي لا يعقل والمجنون في حال جنونه، والسكران الذي لا يعقل، والمجوسي، والمرتد، والزنديق وأما الذين تكره ذبائحهم فالصغير الذي يعقل والمرأة والخنثى والخصي والأغلف والفاسق، وأما الذين يختلف في جواز ذبائحهم فتارك الصلاة والسكران الذي يخطئ ويصيب والبدعي الذي يختلف في تكفيره، والعربي النصراني والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ، هذا كله على مذهب مالك وفي خارجه ما يخرج عن هذا التقسيم، من ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أن المجوسي تؤكل ذبيحته، وعن ابن عباس الأغلف لا تؤكل ذبيحته، وقد ذكرنا ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
مسألة: ينخع الرجل ذبيحته بشفرة أو بغيرها
مسألة وقال: سمعت أهل العلم يكرهون أن ينخع الرجل ذبيحته بشفرة أو بغيرها.
قال محمد بن رشد: يريد قبل أن تزهق نفسها، وذلك مثل ما في المدونة وغيرها ولا اختلاف في كراهية ذلك.
مسألة: الذبيحة يخرج من بطنها جنين ميت
مسألة وسئل مالك عن الذبيحة يخرج من بطنها جنين ميت أيؤكل؟
قال: نعم إذا كان قد نبت شعره، قال: أيمر على حلقه السكين؟ قال: نعم حتى يخرج الدم.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه في المذهب لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذكاة الجنين في ذكاة أمه» ، وقد مضى القول على ذلك في آخر رسم أبي زيد من كتاب الضحايا فلا معنى لإعادته.
مسألة: المنخنقة أتذبح وهي في خناقها أم حتى تطلق من خناقها
مسألة وسئل مالك عن المنخنقة أتذبح وهي في خناقها أم حتى تطلق من خناقها؟ قال: لا والله، لكن تذبح إذا كانت أهلا للذبح، قيل: وما حد ذلك؟ قال: تكون تتنفس وعينها تطرف.
قال محمد بن رشد: يريد والله لا ينبغي أن تذبح وهي في خناقها ولكن تذبح بعد أن تطلق من خناقها إذا كانت أهلا للذبح وذلك أن تكون تتنفس وعينها تطرف، يريد وإن لم تكن مرجوة الحياة على قوله بعد هذا وما مضى له في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم خلاف ما مضى في سماع أشهب من كتاب الضحايا وقد مضى القول هناك على وجه الاختلاف، ولم يجب في هذه الرواية هل تؤكل إن ذبح في خناقها مع أن
تكون تتنفس وعينها تطرف على قياس قوله إنها تؤكل إذا ذكيت بعد أن تطلق من خناقها، ويتخرج ذلك على قولين أحدهما: كالذي يرمي الصيد بسهم مسموم فينفذ مقاتله أو يذبح في جوف الماء حسبما مضى القول في أول سماع ابن القاسم في رسم شك في طوافه منه.
مسألة: شرب أبوال الإبل
مسألة وسئل مالك أيشرب أبوال الإبل في الدواء؟ قال: لا بأس بذلك، قال: لا بأس بشرب أبوال الأنعام والإبل والبقر والغنم، قيل له: فأبوال الأتن؛ قال: لا خير فيه، قيل له: فأبوال الناس، قال: لا خير فيه، قيل له: فالشاة تحلب فتبول في اللبن، قال: أرجو ألا يكون به بأس.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه لا بأس بشرب أبوال الأنعام في الدواء، والدليل على ذلك ما جاء في «الرهط العرنيين الذين قدموا على النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فاستوخموا المدينة فأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يخرجوا في لقاحه فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا حتى إذا صحوا وسمنوا قتلوا الراعي واستاقوا الدود» ، الحديث، وقال مالك في المشهور عنه: أبوال سائر ما يؤكل لحمه في الطهارة على أبوال الأنعام، وروى أشهب عنه في جامع المستخرجة أنه فرق بين أبوال الأنعام وبين أبوال سائر ما يؤكل لحمه من الحيوان، وذهب ابن لبابة إلى أنه إنما فرق بين ذلك في إجازة التداوي بشربها لا في طهارتها على ما ذكرناه في آخر رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وقاس أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال بني آدم في النجاسة، فأبوال الأتن نجسة إذ لا يؤكل لحومها فلا يجوز التداوي بشربها، وما اختلف
في جواز أكله اختلف في نجاسة بوله حملا على ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى أن الأبوال تابعة للدماء في النجاسة لا للحوم، فرأى أبوال الأنعام وغيرها نجسة فأبعد في القياس وخالف الأثر، وأما الألبان فهي تابعة للحوم في الطهارة فما كان من الحيوان لا يؤكل لحمه سوى بني آدم المخصوصة لحومهم بالطهارة فألبانهم نجسة، فألبان الأتن نجسة، وقد قال يحيى بن يحيى في سماعه من كتاب الوضوء أن من أصاب ثوبه لبن حمارة فصلى به يعيد في الوقت كمن صلى بثوب نجس، إلا أنه جوز التداوي بها مراعاة للاختلاف في جواز أكل لحومها حكى ذلك ابن حبيب عن مالك وسعيد بن المسيب والقاسم وعطاء، وروي إباحة التداوي بها عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وإلى إجازة ذلك ذهب ابن المواز أيضا.
مسألة: تذكية الشاة يعدو عليها الذئب فتدرك وهي تركض
مسألة وسئل مالك عن الشاة يعدو عليها الذئب فتدرك وهي تركض، قال: أترى أن تذكى؟ قال: أما إن بعج بطنها أو أصاب مذبحها فلا أرى ذلك، ولا أرى أن تؤكل إذا كانت في سبيل المذبوحة فإن الشاة تذبح وهي تركض، فقيل له: أرأيت إذا كان لو خيط بطنها عاشت؟ فقال: لو كان هذا يكون كان، ولكن لا أظنه يكون، فقيل له: فإذا أصابها ما لا تعيش منه لم تذك؟ قال: نعم إذا كان جوفها أو مذبحها.
قال محمد بن رشد: قوله إنها لا تذكى ولا تؤكل إذا كانت في سبيل المذبوحة يريد بقوله إذا كانت في سبيل المذبوحة إذا يئس من حياتها وإن لم يصب مقتلها؛ لأن بعج البطن ليس بمقتل عند جميعهم إذا سلم المصير
ولم ينثر الحشوة، فقول مالك هذا مثل قوله بعد هذا ومثل ما في سماع أشهب أيضا من كتاب الضحايا خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وفي رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وفي قوله في آخر هذه المسألة إذا كان جوفها أو مذبحها إشكال، والمعنى في ذلك أنه رأى أن إصابته إياها إذا كان في جوفها أو مذبحها يصح أن يتحقق به أنها لا تعيش منه وإن لم يبلغ بذلك لها مقتلا، وما سوى الجوف والمذبح لا يصح أن يتحقق به ذلك؛ ففي هذا دليل أنه لو أشكل أمرها هل تعيش أو لا تعيش مما أصابها به لذكيت وأكلت خلاف قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم في الواضحة؛ فيتحصل في المنخنقة وأخواتها إذا سلمت مقاتلها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تذكى وتؤكل علم أنها لا تعيش من ذلك أو أشكل أمرها كالمريضة سواء، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك على القول بأن الاستثناء في الآية متصل، والثاني: أنها لا تؤكل ولا تذكى علم أنها لا تعيش أو أشكل أمرها بخلاف المريضة، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم على القول بأن الاستثناء في الآية منفصل، والثالث: الفرق بين أن يعلم أنها لا تعيش أو يشكل أمرها وهو الذي يقوم من هذه الرواية، وهو أيضا على القول بأن الاستثناء في الآية منفصل لأنه لم يجز التذكية في التي قيس منها بهذه الأسباب وجعلها بخلاف التي يئس منها بالمرض، وحمل التي أشكل أمرها محمل التي رجيت حياتها فأجاز تذكيتها خلاف مذهب ابن الماجشون وابن عبد الحكم في حملهما إياها محمل التي يئس منها وبالله التوفيق.
مسألة: الحيتان تصطاد فيغمس رأسها في الطين لتموت
مسألة وسئل عن الحيتان تصطاد فيغمس رأسها في الطين لتموت فكرهه ولم يره سديدا.
قال محمد بن رشد: هذا نحو قوله بعد هذا في طرح الحوت في النار حيا قبل أن يموت، وهو خلاف ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك توجيه القولين فلا معنى لإعادته.
مسألة: حكم العتيرة
مسألة وقال مالك: العتيرة شاة كانت تذبح في رجب يتبررون بها كانت في الجاهلية، وقد كانت في الإسلام ولكن ليس الناس عليها.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن العتيرة هي الرجبية الشاة التي كانت تذبح في الجاهلية في رجب على سبيل التبرر، وإنها قد كانت في الإسلام يريد معمولا بها كالضحايا مروي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، روي عنه قال بعرفة: «يا أيها الناس إن على كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرية، وهل تدرون ما العتيرية؟ "، قال الراوي للحديث مخنف بن سليم: فلا أدري ما كان من ردهم عليه، قال: هي التي يقول الناس الرجبية» ، وقوله: ولكن ليس الناس عليها يريد أنها نسخت بما روي عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من قوله: «لا فرع ولا عتيرة» والفرع هو أنهم كانوا يذبحون في الجاهلية أول ولد تلده الناقة أو الشاة فيأكلون ويطعمون، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه لما سئل
عنه: «أن تدعه حتى يكون زخرفا خير لك من أن تنحره فيحق لحمه بوبره فتكفأ إناك منه وتوله ناقتك» . يقول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خير له أن يتركه حتى يشتد ولا يذبحه صغيرا فيختلط لحمه بوبره، فتحزن ناقته وينقطع لبنها بذبح ولدها صغيرا فيكفأ إناه إذا لم يكن لها لبن، وقد اختلف في قوله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا فرع ولا عتيرة» ، فقيل: إن ذلك نهي عنها فلا بر في فعلها، وقيل: إن ذلك إنما هو نسخ للوجوب وفعل ذلك بر لمن شاء أن يفعله، واحتج من ذهب إلى هذا بما روي عن الحارث بن عمر السهمي أنه لقي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع، قال: «فقلت يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر» ، وبما روي عن لقيط بن عامر من حديث وكيع أنه سأل النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قال: «إنا كنا نذبح في رجب ذبائح فنطعم من جاءنا، فقال النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لا بأس» ، قال وكيع: لا أتركها أبدا.
قال محمد بن أحمد: العتيرة هي الرجبية، وقال الشافعي كقول مالك إن العتيرة هي الرجبية، والفرع شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم بأن يذبح الرجل منهم بكر ناقته أو شاته ولا يعدوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، ويرد قول محمد بن الحسن قوله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لا فرع ولا عتيرة.
مسألة: قوله تعالى وما أكل السبع إلا ما ذكيتم
مسألة قال: وسئل مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] الآية، فقال: من ذلك ما يؤكل ومنه ما لا يؤكل، إذا سقطت فأصابها شيء فشق جوفها فلا أرى أن تؤكل، وإذا ضرب وسطها فانقطعت بأي شيء تذكى أرأسها ما أرى أن تؤكل، قيل: أفرأيت قوله تبارك وتعالى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: 3] الآية فقال: مما فيه ذكاة.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب فشق حشوتها مكان فشق جوفها، والجواب صحيح على الروايتين جميعا؛ لأنه إذا شق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق إلا على دليل رواية أبي زيد عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ لأن ذلك مثل، وإذا شق جوفها ولم يشق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل على مذهبه في رواية أشهب عنه، وقد مضى القول على ذلك في المسألة التي قبل هذه المسألة.
مسألة: فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه
مسألة وسئل مالك عن فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه من رجل واشترط عليه أنه يبيعه إياه يدهن به الدلاء وصلاة الزرانيق والقنوات ولا يبيع منه شيئا، وإن كان لا يجوز بيعه فأخبرنا ندركه من قريب، فقال: لا والله ما أرى أن يباع ولا يؤكل ثمنه، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» ، قيل له: إن المشتري يقول أنا اشتريته بما اشترطت ولست أريد أكله، فمر أنت البائع بما بدا لك، فقال
لا والله ما حرم على البائع فلا يحل للمبتاع، ثم قال مالك بعد أن ذهب السائل: ولقد ندمت بأن لا أكون قد سألته بكم باعه، فإن هؤلاء يوفون بما يشترطون، فإن كان هذا إنما اشتراه لما ذكره فإنما يشتريه بأقل من نصف ثمنه، ولكن هم يقولون مثل هذا ويشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ثم يبيعونه ولا يوفون بما يشترطون.
قال محمد بن رشد: قوله في آخر المسألة فإن هؤلاء لا يوفون بما يشترطون ولكنهم يقولون ذلك ثم يشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ولا يوفون بما يشترطون يدل على أنه إنما لم يجز بيعه على الشرط مخافة ألا يفي المشتري بما شرط عليه من ذلك، ولو أمن من ذلك لأجازه فلما لم يأمن من ذلك لم يفسخ بيعه حماية للذرائع، لا لأن بيعه حرام لذاته كالخمر والخنزير والميتة، فعلى هذا لو باعه ممن يعلم ثقته ويأمن من أن يغش به لجاز له البيع وساغ له الثمن ولم يحرم عليه، وهذا قول ابن وهب وجماعة من السلف، ودليل ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في مسألة الصابون.
وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أجاز بيعه من غير المسلمين، والمشهور عن مالك المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن بيعه لا يجوز، وقد جعله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم قبل هذا كالميتة في أن بيعه لا يجوز، والأظهر في القياس أن بيعه جائز ممن لا يغش به إذا بين؛ لأن تنجسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملكه عنه ولا يذهب جملة المنافع منه ولا يجوز أن يتلف عليه، فجائز له أن يبيعه ممن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه، وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله،
وأما على مذهب من يجيز غسله، وقد روي ذلك عن مالك على ما قد ذكرناه في سماع أصبغ من كتاب فسبيله في البيع سبيل الثوب النجس.
مسألة: أكل ما عدا السمك من دواب البحر
مسألة وسئل مالك عن اللبس الذي يقال له ترس الماء ربما أخذ ميتا وهو إذا أخذ حيا أقام أياما حتى يذبح أتراه من صيد البحر؟ فقال: ما أراه إلا من صيد البحر، إذا كان لا بأس على المحرم في صيده، فما بأسه يؤكل ميتا؟ وما أرى ذبحهم إياه إلا يستعجلون بذلك موته، قال عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] الآية، فما أراه إلا من صيد البحر، وما أرى من ذبحه إلا يستطيل حياته، ومن الطير فيما بلغني من يطيل المكث في الماء ويعيش فيه وهو من صيد البر، قيل له: أرأيت إذا أخذ حيا أترى بأسا أن يذبح؟ قال: ما أرى بذلك بأسا إلا أن يكون ذلك يشكل أمره على الناس، فقلت: لقد شكك الناس فيه لما رأوا من ذبحه، فقال لي: هو كذلك، قيل له: إنه تطول حياته فأحب إليك أن يذبح أم يقتل؟ قال: ما أكره الذبح إلا لما يدخل على الناس فيه من الشك فإذا لم يكن ذلك فلا بأس بذبحه.
قال محمد بن رشد: اختلف أهل العلم في أكل ما عدا السمك من دواب البحر، فذهب مالك إلى أنها كالسمك في جواز أكلها بغير ذكاة وجدت طافية أو سلم على الماء أو حسر عنها الماء فماتت أو أخذت حية وإن
كانت تعيش في البر فلا يحتاج فيها عنده إلى ذكاة الضفدع ودرس الماء وغيره إلا أنه كره خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزير، وقال الليث بن سعد: لا يؤكل خنزير الماء ولا إنسان الماء، ومن أهل العلم من فرق بينهما وبين السمك فلم يجز أكلها على حال، ومنهم من لم يجز أكلها إلا بذكاة، ومنهم من أوجب الذكاة فيما كان منها يعيش في البر، وهو قول ابن دينار من أصحاب مالك في المدينة لا أرى أن تؤكل ترس الماء إلا بذكاة لأنه يكون في البر والبحر، وقد بلغني أنه لا يكون بيضه إلا في البر، فإذا كان يعيش في البر والبحر فلا يؤكل حتى يذكى.
وقال عيسى عن ابن القاسم: كل ما كان مستقره ومأواه الماء فهو يؤكل بغير ذكاة وإن كان يرعى في البر وما كان مأواه ومستقره في البر فلا يؤكل بغير ذكاة وإن كان يعيش في الماء، فهذه الرواية عن ابن القاسم تفسر مذهب مالك واعتبار مالك في جواز أكل كل ما يعيش في البر من دواب البحر بغير ذكاة، بأن المحرم يصيده صحيح؛ لأنه إنما جاز له صيده من أجل أنه مذكى لا يحتاج إلى تذكية.
فمن قال: لا يؤكل إلا بذكاة وأجاز للمحرم صيده فقد تناقض، واتفق أهل العلم كلهم في جواز أكل سمك البحر، وهو كل ما له سفتق من الحوت إلا الطافي منه فإن منهم من لم يجز أكله، وقد روي عن النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، من رواية جابر أنه قال: «ما ألقى البحر أو حسر عنه فكلوه وما طفا فلا تأكلوه» . ولم يصح عن مالك هذا الحديث فأجاز أكل الطافي وغيره، وقد سأل عبد الرحمن بن أبي هريرة عبد الله بن عمر عما لفظ به البحر فنهاه عن أكله ثم انقلب فدعا بالمصحف فقرأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] .
فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة أنه لا بأس بأكله، وتأول من لم يجز أكله بأن طعام البحر ملحه لا ما لفظه أو مات فيه، وبالله التوفيق.
مسألة: عما صاد المجوسي من الجراد
مسألة قال: وسألته عما صاد المجوسي من الجراد، فقال لي: لا خير فيه إلا إن ابتاعه منه مسلم حيا، فأما ما قطعوا رأسه أو جاءوا به مقتولا فلا خير فيه ولا يؤكل فقلت له: فما قطعوا رأسه أو عملوه قبل أن يأتوا به فلا بأس به؟ فقال لي: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصل مذهبه وقول الجمهور إنه من صيد البر يحتاج إلى التذكية وفدية المحرم إذا قتله، وعلى مذهب من جعله من صيد البحر وأجاز للمحرم أخذه وأكله يجوز أكله إذا صاده المجوسي، وهو قول عروة بن الزبير وروي ذلك عن ابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو مذهب كعب الأحبار على ما في الموطأ عنه من أنه أفتى أصحابه المحرمين أن يأخذوه ويأكلوه، فقال عمر بن الخطاب: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: إنه من صيد البحر، فقال له: وما يدريك؟ قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت تنثره في كل عام مرتين.
مسألة: الذبح بالقصبة والعظم
مسألة قال: وسألته عن الذبح بالقصبة والعظم، فقال لي: ليس بالذبح بالقصبة والعظم بأس إذا اضطررت إليه فلم تجد حديدا، قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25] .
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا بأس بالذبح بما عدا الحديد إذا لم يجد حديدا ولا بأس بأكل ما ذبح بغير الحديد وإن كان واجدا للحديد إذا أنهر الدم بذلك كله، والأصل في جواز ذلك ما روي أن «جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما لها بسلع فأصيبت شاة منها فذكتها بحجر فسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " لا بأس بها فكلوها» ، وما روي عن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله أرسل كلبي فيأخذ الصيد فلا يكون معي ما أذكيه به إلا المدوة والعصا، فقال: أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله إلا العظم والسن» . فإن أهل العلم اختلفوا في جواز الذبح بهما لما روي عن رافع بن خديج أنه قال: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، قال: «ما أنهر الذم وذكرت اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، فسأخبرك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الذبح بهما منزوعين كانا أو مركبين، والثاني: أن الذبح لا يجوز بهما منزوعين كانا أو متركبين، والثالث: أن الذبح يجوز بهما إذا كانا منزوعين ولا يجوز إن كانا مركبين، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو الصحيح من الأقوال من جهة المعنى واستعمال الآثار، أما المعنى فهو ما قال ابن حبيب من أن الذبح بهما إذا كانا مركبين إنما هو خنق ونهش وليس بذبح، وإذا كانا منزوعين وعظما حتى أمكن إنهار الدم بهما فهما كسواهما مما ينهر الدم وإن لم يكونا ذكيين، وأما وجه استعمال الآثار على ذلك فهو أن قول النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، في حديث عدي ابن حاتم أنهر الدم بما شئت لفظ عام في جواز الذبح بكل شيء يحتمل الخصوص، ونهيه في حديث رافع بن خديج
على أن الذبح بالسن وكذا العظم خاص، والخاص يقضي على العام فيحمل على البيان له والتخصيص لما قابله منه، إلا أنه لما احتمل أن يريد النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بنهيه في حديث رافع بن خديج عن الذبح بالسن والظفر - السن والظفر المنزوعين - وأن يريد بهما المركبين لم يصح أن يخصص من ذلك إلا ما يتحقق أنه أراده منهما وهما المركبان؛ لأنه إذا كان أراد بذلك المنزوعين فقد أراد المركبين لأنهما أولى بالنهي من المنزوعين وإن كان أراد المركبين فلم يرد المنزوعين فتحققنا بهذا أنه أراد المركبين لا محالة وشككنا في المنزوعين، فوجب أن لا يخص من اللفظ العام إلا ما يتحققه لا ما يشك فيه فخصصا منه المركبين وبقي المنزوعان على أصل الإباحة بالأمر العام وهذا أبين.
مسألة: أكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران
مسألة فقيل له: إن عندنا بالأندلس أنهارا وبركا ماؤها يكثر ثم يقل فتبقى فيها الحيتان لا مخلص له، فيعمد إلى شجرة يقال لها السيكران فنطرحها في ذلك النهر فتأكلها الحيتان فتموت ومنها ما يسكر فنأخذها بالأيدي، أيؤكل ما مات من ذلك وما سكر؟ قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لعل من أكل منها يسكر؟ فقيل له: لا، فقال: لا بأس بذلك وفيها أيضا من يموت بغير شيء فلا بأس بأكله.
قال محمد بن أحمد: إجازته في هذه الرواية لأكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران يبين أن كراهيته لذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم إنما هو للخوف على من يأكلها لا من أجل أن ذلك يؤثر في ذكاتها إذ لا يحتاج إلى ذكاته وقد ذكرنا هذا هنالك.
مسألة: إذا كان الشتاء قلة اللحوم فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه
مسألة وسئل مالك فقيل له: إن بالأندلس إذا كان الشتاء قلة اللحوم
فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه؟ قال: أما أنا فلا أحب أن أفعل ذلك ولا أن يتخذ اليهودي إماما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه لا ينبغي للمسلم أن يشتري اللحم في مجزرة يهودي وهو يجد من ذلك مندوحة، فقد كانوا يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة فكيف باليهودي والنصراني والكتابيين.
مسألة: اللبن الذي ماتت فيه خنفساء أترى بأكله بأسا
مسألة وسئل مالك عن لبن ماتت فيه خنفساء، أترى بأكله بأسا؟ قال: لا بأس بأكله إنما الخنفساء في هذا بمنزلة الذباب يموت في الطعام، وهذا الخشاش مثل هذه الأشياء التي لا دم لها فلا بأس بما مات فيه أن يؤكل أو يشرب، قيل له: أرأيت إن باع ما ماتت فيه هذه الخنفساء أترى أن يبين ذلك للمشتري؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك إذا باعه أن يبين ما مات فيه لما يكره الناس من هذه الأشياء التي تموت فيها الدواب، فأرى إذا باع ذلك أن يبين ما سقط فيه من هذه الأشياء ولا أرى بأكله بأسا، والعقرب مثل ذلك لا بأس بأكل ما مات فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من أن كل ما لا لحم له ولا دما سائلا من الخشاش فلا يفسد ما وقع فيه ومات من طعام أو شراب، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» وفي بعض الآثار فليملغه ومعلوم أنه لضعفه قد يموت إذا غمس في الشراب من ساعته ويلزم على قياس هذا أن يؤكل بغير ذكاة، وهو قول عبد الوهاب في التلقين إن حكم هذه الأشياء التي لا لحم لها ولا دم سائلا حكم دواب البحر لا تنجس في أنفسها ولا تنجس ما مات فيها خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا احتيج إليه حتى يذكى بما يذكى به الجراد مثل الحية والعقرب وبنات وردان والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب وما أشبهه ذلك، وفي تذكية الجراد اختلاف، وإنما أوجب على البائع أن يبين ذلك للمشتري لما قد يكره ذلك بعض الناس تقززا لا لنجاسة، قال مالك في كتاب ابن المواز: وكذلك طافي الحوت، فإن لم يبين كان للمشتري الرد وذلك في طافي الحوت أبين إذ من أهل العلم من لا يجيز أكله على ما مضى فوق هذا في هذا الرسم.
مسألة: الجراد إذا طرح في النار وهو حي
مسألة وسئل مالك عن الجراد إذا طرح في النار وهو حي، قال: ما أرى بذلك بأسا تلك ذكاة، وأحب إلي أن يقطع رأسه، وأرجو ألا يكون به بأس وإن لم يقطع رأسه؛ لأن الجراد يطير وهو يكبر
ويصغر فإن قطف رؤوسها كلها واحدا واحدا طال ذلك، فلا أرى بأسا أن تؤخذ فتطرح في المرعف حيا وإن لم تنزع رؤوسها.
قال محمد بن رشد: اختلف في الجراد، فقيل: إنه لا يحتاج فيه إلى ذكاة ويجوز أكل ما وجد منه ميتا، وقيل: إنه لا بد فيه من الذكاة وذكاتها أن يفعل بها ما تموت به معجلا باتفاق كقطع رؤوسها أو نقرها بالإبر أو الشوك أو طرحها في النار أو الماء الحار وما أشبه ذلك، أو أن يفعل ما تموت به وإن لم يكن معجلا على اختلاف كقطع أرجلها وأجنحتها وإلقائها في الماء البارد وما أشبه ذلك؛ لأن سحنون وغيره لا يرى فيها ذكاة، وقد قيل: إن أخذها ذكاة وتوكل إن ماتت بعد أخذها بغير شيء فعل بها، وهو قول ابن حبيب من أصحاب مالك، وحكي ذلك عن بعض أصحاب النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وجه القول الأول ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان الحوت والجراد والكبد والطحال» ، واختلف في تعليل جواز أكلها ميتة بغير ذكاة، فقيل: إن العلة في ذلك أنها من صيد البحر على ما روي عن كعب الأحبار أنها نثرة حوت ينثرها في كل عام مرتين، فأجاز للمحرم أخذها وأكلها، وقيل: إن العلة في ذلك لا لحم لها ولا دم سائل، فمن علل بالعلة الأولى أوجب الذكاة فيما لا لحم له ولا دما سائلا من الحيوان لتحريم الله عز وجل الميتة، وهو مذهب ابن حبيب، ومن علل بالعلة الثانية لم يوجب الذكاة في شيء من الحيوان الذي لا لحم له ولا دم سائل؛ لأنه يدخل في حكم الجراد المذكور في الحديث كما يدخل دواب البحر في حكم الحوت المذكور فيه، وهو قول عبد الوهاب في التلقين، ووجه القول الثاني: أن الله تعالى لما حرم الميتة لقوله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] فعم