كتاب العيوب الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اشترى جارية فأقامت عنده سنين ثم قالت قد ولدت مع سيدي الذي باعني منك
كتاب العيوب الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد، عونك يا الله من سماع ابن القاسم
من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال فيمن اشترى جارية فأقامت عنده سنين ثم قالت قد ولدت مع سيدي الذي باعني منك، فقال لا يحرمها ذلك على سيدها، وذلك عيب ترد منه إن باعها وكتمه.
قال سحنون: قال ابن القاسم: يريد إذا باعها للمشتري الذي زعمت له ذلك، فإنه إذا لم يبين ذلك لمشتريها منه أنها قد ذكرت له أنها قد ولدت مع سيدها الأول كان عيبا ترد منه؛ لأن أهل الورع لا يقدمون على مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قوله إن الجارية لا تحرم على سيدها بقولها
له بعد سنين قد ولدت من سيدي الذي باعني صحيح لأنها تدعي الحرية أو عقد عتق إن كان سيدها الذي باعها حيا، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» وتتهم أيضا على إرادة الرجوع إليه وأن ذكرت ذلك بحدثان شرائه إياها، فكيف إذا لم تذكره إلا بعد سنين، إلا أن يرع هو في خاصة نفسه إذا لم تظهر له تهمتها فيما قالته فهو حسن، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه» الحديث، وأخبر - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن رضاع امرأة فتبسم وقال: «كيف وقد قيل» ، وذلك بين من قوله إنه عيب إن باعها ولم يبين من أجل أن أهل الورع لا يقدمون على مثل هذا.
ولو أخبره قبل أن يشتريها مخبر صدق أنها حرة من أصلها وأن سيدها أعتقها أو أنها ولدت منه لما حل له أن يشتريها من جهة قبول خبر الواحد لا من طريق الشهادة.
ولو قالت ذلك في عهدة الثلاث أو في الاستبراء لكان له ردها به على قياس قوله إن ذلك عيب يجب عليه أن يبين به إذا باعها؛ لأن ما حدث من العيوب في العهدة والاستبراء فضمانه من البائع، وبذلك أفتى ابن لبابة وابن مزين وعبد الله بن يحيى وغيرهم من نظرائهم، وقع ذلك في أحكام ابن زياد، خلاف ما روي عن مالك من رواية المدنيين عنه بأن ذلك ليس بعيب ترد منه إذ لا يقبل ذلك منها.
وقد روى داود بن جعفر عن مالك نحوه، قال إذا سرق العبد في عهدة الثلاث رد بذلك، وإن أقر على نفسه بالسرقة لم يرد لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده.
ومعنى ذلك عندي إذا كانت سرقته التي أقر بها لا يجب عليه القطع فيها، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يبيع العبد ويقول عهدتك وتباعتك على
مسألة وقال في الذي يبيع العبد ويقول عهدتك وتباعتك على
الذي اشتريته منه، ولعله ليس من أهل البلد ولا المعروف وهو حاضر يشير إليه أو غائب وهو معروف.
قال مالك: إن كان معروفا وهو غائب أو حاضر فهو سواء، وشرطه باطل إلا أن يكون عند مواجبة البيع، وهو أحب ما فيه إلي.
وقال مالك: كل من اشترط عهدة لم تكن عند الصفقة فهو باطل وتباعته على بائعه.
قال محمد بن رشد: قوله: وهو أحب ما فيه إلي دليل على الاختلاف، وفي ذلك ثلاثة أقوال: قيل إن الشرط عامل، وقيل إنه غير عامل، وقيل إنه عامل بالقرب دون البعد.
وإذا لم يكن عاملا فقيل إن البيع به فاسد، وقيل يبطل الشرط ويصح البيع، وهو قوله في هذه الرواية، وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم سلم دينارا في ثوب إلى أجل من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال، وسيأتي أيضا في هذا الرسم من سماع عيسى من هذا الكتاب.
مسألة: اشترى عبدا فأبق عنده فزعم العبد أنه أبق عند سيده الأول
مسألة قال مالك فيمن اشترى عبدا فأبق عنده فزعم العبد أنه أبق عند سيده الأول، قال: إن كان بائعه أخبره أنه لغيره فلا يمين عليه، وإن لم يكن أخبره فلا بد من اليمين.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم في هذه المسألة إيجاب اليمين على البائع وإن لم يعلم أنه أبق عند المشتري إلا بقوله، مثل ظاهر روايته هذه عن مالك في قوله: وإن لم يكن أخبره فلا بد من اليمين، إذ لم يفرق فيما بين أن يثبت إباقه عند المشتري أو لا يثبت ذلك عنده، خلاف ما في المدونة، ومذهب أشهب أنه لا يمين عليه في ذلك، مثل
روايته عن مالك في رسم الأقضية الثاني من سماعه بعد هذا، ومثل ما في المدونة، حكى ذلك ابن المواز عنها وقال هو من رأيه قولا ثالثا إنه لا يمين عليه إلا أن يظهر العيب عند المشتري، فالذي في المدونة إنما هو لأشهب لا لابن القاسم.
وكذلك القول في السرقة والزنا والعيوب التي تكون في الأخلاق، وأما [العيوب] التي تكون في الأبدان ويمكن أن تكون حادثة عند المشتري فلا اختلاف في وجوب اليمين فيها على البائع، وإنما يختلف في صفه اليمين، فقيل إنه يحلف علي البت في الظاهر والخفي، وهو قول ابن نافع ورواية يحيى عن ابن القاسم بعد هذا في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر، وقيل إنه يحلف على العلم في الظاهر والخفي، وهو قول أشهب، وقيل إنه يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفي، وهو مذهب ابن القاسم.
وأختلف قوله إن نكل عن اليمين فقال في المدونة إنها ترجع علي المبتاع على نحو ما كانت على البائع، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وقال في رسم الفصاحة من سماع عيسى إنه يحلف على العلم في الوجهين جميعا.
وقد كان بعض الشيوخ يقول ليست هذه الرواية بخلاف لما في المدونة؛ لأنه إنما أوجب فيها اليمين على البائع من أجل قول العبد إنه أبق عند سيده، فهي شبهة وجبت بها اليمين عليه، وذلك غلط ظاهر، لا تأثير لقول العبد في ذلك؛ لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده.
[وبالله التوفيق] .
مسألة: اشترى عبدا فوجد به عيبا يرد منه
مسألة قال مالك فيمن اشترى عبدا فوجد به عيبا يرد منه فرأى
صاحبه فأخبره بذلك وأشهد عليه أنه غير راض به وأنه بريء به، فأقبل ليأخذ عبده فوجده قد هلك بعد قول المشتري أو أبى البائع أن يقبضه فذهب المشتري يستأدي عليه فهلك العبد، قال: العبد من المشتري حتى يرده إلى البائع بقضاء السلطان أو بأمر يعرفه صاحب العبد فيقبض عبده.
قال ابن القاسم: قال لي مالك إذا قضى به السلطان فهو من البائع وإن لم يقبضه من المشتري.
قال محمد بن رشد: قول مالك في آخر المسألة إن السلطان إذا قضى برده فهو من البائع وإن لم يقبضه من المشتري مبين لقوله قبل ذلك حتى يرثه إلى البائع بقضاء من السلطان.
وقد اختلف بماذا تدخل السلعة المردودة بالعيب في ضمان البائع علي أربعة أقوال: أحدها أنها تدخل في ضمانه بإشهاد المبتاع على العيب وأنه غير راض به وإن لم يرض البائع بقبض عبده ولا حكم عليه به حاكم، وهو قول أصبغ؛ والثاني أنها لا تدخل في ضمانه حتى يرضى بقبض عبده أو يثبت العيب عند السلطان وإن لم يحكم بعد برده، وهو الذي يأتي على قول مالك في موطأه وعلى قول غير ابن القاسم في الشهادات من المدونة؛ والثالث أنه لا يدخل في ضمانه وإن رضي بقبضه حتى يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه، وإن ثبت العيب عند السلطان فحتى يقضي برده ويمضي من المدة أيضا ما يمكنه فيه قبضه، وهو معنى قول مالك في هذه الرواية، فإذا قضى برده ومضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه دخل في ضمان البائع بالحكم وإن لم يقبضه من المشتري، ولا خلاف في هذا؛ لأن حكم الحاكم لا يفتقر إلى قبض وحيازة، وإنما يختلف إذا رضي البائع بأخذ عبده دون حكم هل يدخل في ضمانه بنفس الرضي دون القبض؟ أو لا يدخل في ضمانه بنفس الرضي حتى يقبضه [أو يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه؟ أو لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه وإن مضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه؟ فقيل إنه يدخل في ضمانه بنفس الرضى دون القبض، وقيل إنه لا يدخل في ضمانه بنفس
الرضى حتى يقبضه أو يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه] وقيل إنه لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه وإن مضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية أو بأمر يعرفه صاحب العبد فيقبض عنده وهذا هو القول الرابع، وهو علي قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع، وأن على البائع في البيع حق توفيه.
ووجه القول الأول أن المبتاع لما كان بالخيار بين أن يرد بالعيب أو يمسك شاء البائع أو أبى لم يكن للاعتبار برضاه معنى ووجب إذا أشهد المبتاع أنه قد رد أن ينتقض البيع فتكون المصيبة من البائع؛ والقول الثاني على قياس القول بأن الرد بالعيب نقض بيع فإذا وجب بثبوت العيب أو بإقرار البائع به وجب أن يكون الضمان من البائع؛ والقول الثالث على قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع وأن البائع ليس عليه حق توفيه، فإذا مضى من المدة ما يمكنه فيه القبض فالمصيبة منه وإن لم يقبض؛ والقول الرابع على قياس القول بأن الرد بالعيب ما لم يقبض المبتاع وإن مضى من المدة ما كان يمكنه فيه القبض.
والاختلاف في هذا جار على اختلافهم في المكيال إذا سقط من يد المشتري وهو يكيل لنفسه بعد أن امتلأ وقبل أن يفرغه في وعائه، فروى يحيى عن ابن القاسم في رسم يشتري الدور والمزارع للتجارة من كتاب جامع البيوع أن ضمانه من البائع، وعلى هذا يأتي قوله في هذه الرواية فيقبض عبده.
وقال سحنون في نوازله من الكتاب المذكور: مصيبة ما في المكيال من المشتري، فعلى قوله يدخل العبد المردود بالعيب في ضمان البائع بنفس رضاه بقبضه.
وقد قيل إن على البائع في العروض حق توفية وأنها في ضمانه وإن طال الأمد وكان قد قبض الثمن ما لم يقبضها المبتاع أو يدعوه البائع إلى قبضها فيأبى، وهو قول أشهب في ديوانه، وعلى قياس قوله يأتي القول الرابع حسبما بيناه.
وقد قال ابن دحون: قوله في هذه
الرواية ويقبض العبد قول غريب يوجب أن كل من اشترى شيئا بعينه فمات قبل قبض المشتري له أنه من بائعه، ولا اختلاف في ذلك إلا في هذه القولة النادرة، وليس قوله بصحيح، إذ قد بينا وجه دخول الاختلاف فيه، وأنه قول من رأى على البائع حق توفية في العروض.
قال ابن دحون: وإنما الاختلاف إذا احتبسه البائع بالثمن، فابن القاسم يقول حكمه حكم الرهن، وغيره يقول هو من البائع.
قال محمد بن رشد: والقولان لمالك في كتاب العيوب من المدونة، قوله فيه: وقد قال مالك بقولهما جميعا بعد أن ذكر اختلاف سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار في ذلك، فلو كان البائع لما رضي بقبض عبده بالعيب أبى المبتاع أن يرجعه إليه حتى يرد إليه الثمن فهلك فيما بين ذلك لجرى الأمر فيه على هذا الاختلاف.
[وبالله التوفيق] .
مسألة: تصدق بعبد أو ثوب ثم اطلع على عيب فيه
مسألة قال وسمعت مالكا [يقول] قال فيمن تصدق بعبد أو ثوب ثم اطلع على عيب فيه، قال يأخذ قيمة العبد كما لو أعتقه لأنه قد فات فلا يستطيع رده.
قال سحنون وعيسى: قيمة العيب للمتصدق به.
محمد بن أحمد: قوله إنه يأخذ قيمة العيب إذا تصدق به أو أعتقه هو المشهور في المذهب، وقد قيل إنه إذا تصدق به أو أعتقه فهو فوت ولا رجوع له بقيمة العيب، روى ذلك زياد عن مالك، ففي قياسه الصدقة على العتق نظر، إذ لا فرق بينهما، الاختلاف فيهما سواء ومن حق القياس أن يقاس ما اختلف فيه على ما اتفق عليه.
وفي تعليله أيضا بقوله لأنه قد
فات فلا يستطيع رده نظر؛ لأنه يفوت بالبيع ولا يستطيع رده ولا يرجع للعيب بشيء على مذهبه، فكان وجه القياس أن يقول يأخذ قيمة العيب كما لو فات لأنه قد خرج من يده بغير عوض.
وقول سحنون وعيسى إن قيمة العيب للمتصدق به صحيح على معنى ما في الشفعة من المدونة في الذي يهب العبد لرجل ثم يستحق فيأخذ له ثمنا أنه لا شيء للموهوب له من الثمن، وبالله التوفيق.
باع عبدا له أو وليدة وبه عيب غره أو دلسه
ومن كتاب القبلة قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال من باع عبدا له أو وليدة وبه عيب غره أو دلسه إنه يعاقب البائع ويرد عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن الواجب على من غش أخاه المسلم أو غره أو دلس له بعيب أن يؤدب على ذلك مع الحكم عليه بالرد؛ لأنهما حقان مختلفان، أحدهما لله ليتناهى الناس عن حرمات الله، والآخر للمدلس له بالعيب، فلا يتداخلان ولا ينوب أحدهما عن الآخر، كالقطع في السرقة الذي يجب مع رد السرقة إلى المسروق منه.
مسألة: ابتاع عبدا فأبق منه ثم وجد من يشهد له أنه كان أبق عند الذي باعه
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من ابتاع عبدا فأبق منه ثم وجد من يشهد له أنه كان أبق عند الذي باعه، فقال الذي باعه لم يأبق منك ولكنك غيبته أو بعته، قال: يحلف بالله ما بعته ولقد أبق مني ثم يأخذ ثمنه من البائع.
قال محمد بن رشد: إنما كان القول قول المبتاع إنه أبق عنده،
لأن مصيبته في الإباق من البائع إذا أثبت أنه باعه إياه وهو آبق.
وهذا مثل ما حكى بعض الرواة عن سحنون أنه سئل عن الرجل يشتري العبد أو الأمة فيدعي أنه أبق في العهدة ولا بينة له في إباقه، فقال إن ادعى ذلك في الأيام الثلاثة حلف على ذلك، وإن لم يدع ذلك إلا بعد العهدة لم يقبل إلا ببينة، فجعل القول قول المبتاع في إباق العبد بالموضع الذي لو ثبت أنه أبق فيه لكانت مصيبته من البائع، فهو أصل واحد، والله تعالى ولي التوفيق.
يبيع الميراث فيبيع الجارية ويقال إن الجارية تزعم أنها عذراء
ومن كتاب حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل عن الذي يبيع الميراث فيبيع الجارية ويصاح عليها ويقول الذي يصيح عليها إنها تزعم أنها عذراء ولا يكون ذلك شرطا منهم في ذلك إنما يقولون إنها تزعم ثم يجدها غير عذراء فيريد أن يردها.
قال: ذلك له.
فقيل له: إنهم يزعمون أنا لم نشترط وإنما قلنا ذلك بأمر زعمته، قال: أرى أن يردها إلا أن يكونوا لم يقولوا له شيئا فأما أن يقولوا مثل هذا ثم يشتري المشتري وهو يظن ذلك فأرى أن يردها، وكذلك إن قال إنها تنصب القدور وتخبز، ويقولون إنها تزعم ولا يشترطون ذلك، فإذا هي ليست كذلك، فإني أرى أن يردها إلا ألا يخبروا شيئا فلا أرى عليهم شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في رسم البيوع من سماع أصبغ بعد هذا، وفي رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب النكاح، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، سواء قال في الجارية أبيعها منك على أنها عذراء أو
على أنها رقامة أو خبازة أو وصفها بذلك فقال أبيعها منك وهي عذراء أو رقامة أو خبازة، وذلك كله كالشرط لأنه إذا قال: إنها تزعم أنها على صفة كذا وكذا، أو قالت هي عند البيع إني على صفة كذا وكذا ولم يكذبها في قولها ولا تبرأ منه فقد أوهم أنها صادقة فيما زعمت، فكأنه قد باع على ذلك وشرطه للمبتاع.
وإنما يفترق الشرط من الوصف في النكاح حسبما مضى القول عليه في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب النكاح فلا معنى لإعادته.
[وبالله التوفيق] .
مسألة: يشتري العبد فيجده أعسر
مسألة وسئل عن الرجل يشتري العبد فيجده أعسر أتراه عيبا؟ قال نعم أراه عيبا وأرى أن يرده به.
قال ابن القاسم وإن كان أيسر وانتفع بيديه جميعا فلا أرى أن يرد.
قال محمد بن رشد: في حديث عمر أنه كان أعسر أيسر.
قال أبو عبيدة هو الذي يعمل بيديه جميعا، وقال والمحدثون يقولون أعسر أيسر وهو خطأ، قال ابن لبابة: الأعسر الذي لا يعمل إلا باليد اليسرى، والأيسر الذي يعمل بيديه جميعا.
فإذا كان يعمل بيديه جميعا فليس ذلك بعيب كما قال لأنها زيادة منفعة إلا أن تنقص يمناه في قوتها والبطش بها عن يمنى من لا يعمل بيسراه فيكون ذلك عيبا، قاله ابن حبيب في الواضحة في الأعسر الذي هو أعسر أيسر يعمل بيديه جميعا.
وقوله صحيح مفسر لقول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
باع غلاما من رجل فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا كان عند بائعه
ومن كتاب أوله
الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عمن باع غلاما من رجل فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا كان عند بائعه، وبالعبد عيب يحدث مثله يكون عند الأول والآخر ولا يدرى متى حدث، قال أرى أنه مردود بالعيب الأول، وليس على الآخر في العيب الذي حدث شيء، وإنما هو مدع فيه أن يقول حدث عندك ومن يعلم ذلك، وليس على المبتاع أكثر من أن يحلف بالله ما علمت أنه حدث عندي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة صحيحة، إنما كان القول قول المبتاع في العيب الذي يقدم ويحدث إنه ما حدث عنده من أجل أنه قد وجب له أن يرد بالعيب القديم ويأخذ جميع الثمن، فالبائع يريد أن ينتقصه من الثمن بأن يقول حدث عندك العيب فلا ترده إلا أن ترد ما نقصه ذلك، فهو مدع عليه في ذلك، إن نكل المبتاع عن اليمين حلف البائع أنه ما يعلم العيب كان عنده أو ما كان عنده إن كان من العيوب الظاهرة على مذهب ابن القاسم، ثم كان المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقصه العيب، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب؛ فإن نكل البائع أيضا لزمه العيبان جميعا، وكان المبتاع مخيرا بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد ولا شيء عليه، قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم الفصاحة من سماع عيسى، وهو صحيح.
[وبالله التوفيق] .
مسألة: الجارية تشترى فتوجد غير مخفوضة
مسألة وسئل عن الجارية تشترى فتوجد غير مخفوضة، أترى أن
ترد؟ قال قد سئلت عن ذلك قبل اليوم، فقيل له فماذا قلت فيه؟ قال: رأيت أنها إن كانت من جواري العرب الذين يخفضون فإنه يردها، وإن كانت من رقيق العجم الذين لا يخفضون لم أر أن ترد منه.
فقيل له: فالخدم؟ فقال: لا، ليس الخدم مثل المرتفعات، لا يرد الخدم من رقيق العجم ولا من رقيق العرب.
قال محمد بن رشد: وكذلك العبد يشترى فيوجد غير مختون، قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم الجواب من سماع عيسى، وزاد أن من طال مكثه في أيدي العرب فهو بمنزلة ما ولد عندهم.
وقال في سماع محمد بن خالد بعد هذا: إن الجارية الرائعة ترد إذا وجدت غير مخفوضة، ولم يفرق بين أن تكون من رقيق العرب ولا من رقيق العجم، وينبغي أن يحمل على أن هذا تفسير له، ولا يحمل على ظاهره من الخلاف؛ لأنه يبعد أن يرد رقيق العجم بذلك.
وذهب ابن حبيب إلى أنه يرد بترك الختان والخفاض الرفيع والوضيع من بلاد المسلمين، وقال إن ما طال لبثه في أيدي المسلمين من رقيق العجم فهو بمنزلة ما ولد عندهم، يرد بذلك الرفيع والوضيع إلا أن يكونا من الصغر بحيث لم يفت ذلك منهما.
وهذا كله في المسلمين من الرقيق، وأما النصارى منهم فلا يردون بترك الختان ولا الخفاض، قاله ابن حبيب.
وقال في سماع محمد بن خالد في العبد المسلم يوجد غير مختون إنه يرد بذلك ولم يفرق بين وضيع ولا رفيع، مثل قول ابن حبيب في الواضحة، خلاف ما في رسم الجواب من سماع عيسى.
والصحيح في القياس والنظر ألا يفرق في الختان بين رفيع ولا وضيع بخلاف الجواري في الخفاض، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن يرد الرفيع والوضيع من الغلمان والجواري بترك الختان والخفاض، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنه لا يرد بذلك إلا
الرفيع دون الوضيع من الجواري والغلمان جميعا، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، والثالث الفرق بين الجواري والغلمان على ما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.
الغلام يبيعه الرجل ويتبرأ من الإباق في عهدة الثلاث ثم يموت
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن الغلام يبيعه الرجل ويتبرأ من الإباق في عهدة الثلاث ثم يموت ولا يعلم أنه مات في العهدة أو بعد ذلك، فقال البائع هو منك وقال المبتاع لا بل هو منك، فقال: أراه من المبتاع ضامنا حتى يأتي عليه ببينة أنه مات في عهدة الثلاث، فإن لم يعلم ذلك وجهل فهو من المبتاع.
فقيل له: والعور وغير ذلك من العيوب؟ قال نعم هو من المبتاع إلا أن يعلم أن ذلك أصابه في العهدة.
وأخبرني العتبي قال: قال ابن نافع عن مالك: إن المصيبة من البائع حتى تعلم البينة أنه خرج سالما من عهدة الثلاث.
قال محمد بن رشد: رواية ابن نافع هذه وقعت في بعض الروايات مختصرة، وهي في المدونة وفي أول سماع أشهب كاملة، قال فيها: إن المصيبة من البائع حتى يعلم أنه خرج من العهدة سالما، ووقع في آخر سماع أشهب أن المصيبة من المبتاع حتى يعلم أنه مات في العهدة مثل رواية ابن القاسم هذه.
والخلاف إنما هو إذا عمي أمره فلم تعلم حياته ولا موته أو علم أنه مات ولم يعلم إن كان موته في عهدة الثلاث أو بعدها.
وأما إن علم أنه مات في عهدة الثلاث فمصيبته من البائع بلا خلاف، فإن عمي أمره فترادا الثمن على إحدى روايتي أشهب وابن نافع عن مالك في أن المصيبة من البائع، ثم أتى العبد، كان للبائع ولم يرد إلى المبتاع، ولو أتى قبل أن يترادا الثمن كان للمبتاع، حكى ذلك محمد
ابن المواز عن أشهب.
ومعنى ذلك عندي إذا تراضيا على ذلك بغير حكم، وأما لو حكم بذلك عليهما لوجب أن يرد العبد إلى المبتاع لانكشاف خطأ الحكم في ذلك بما لا اختلاف فيه، وبالله التوفيق.
يبيع السفينة من الرقيق من السند والزنج فتباع جملة فتوجد بينهم جارية حاملة
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل عن الرجل يبيع السفينة من الرقيق من السند والزنج فتباع جملة فتوجد بينهم جارية حاملة أترد؟ قال: ما أرى ذلك لهم؛ لأنهم وخش.
قال محمد بن رشد: قوله فتباع جملة يريد صفقة واحدة وقد عرف عددهم، إذ لا يجوز بيع الرقيق جزافا.
ولم ير أن ترد الحامل منهن بعيب الحمل إذ لا ينقص الحمل من جملة الثمن شيئا من أجل أنهم وخش.
ولو اشتراها وحدها لكان له أن يردها، قال ذلك في آخر سماع أصبغ على قوله في المدونة وغيرها إن الحمل عيب في الوخش والمرتفعات.
وكان القياس إذا كان له أن يردها إذا اشتراها وحدها أن يكون له أن يردها بما ينوبها من الثمن إذا اشتراها مع غيرها جملة كما قال في المدونة وغيرها في السلع تشترى جملة فيوجد ببعضها عيب أن المعيب يرد منها بما ينوبه من الثمن، إلا أنه استحسن هذا في الحمل خاصة مراعاة لقول من لا يرى الحمل عيبا في وخش الرقيق.
وممن قال بذلك ابن كنانة، ورآه ابن حبيب فيهن عيبا
اشترى جارية من رجل فسأله عن حيضتها
ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل عن رجل اشترى جارية من رجل فسأله عن حيضتها، فقال إنها صغيرة ولم تحض بعد وكانت قصيرة فطمع المشتري أن يكون لها نشوز عند حيضتها، فلما اشتراها لم تقم إلا عشرا أو
نحوها حتى حاضت.
قال: قال مالك: إن كانت قد بلغت ومثلها تحيض ويخاف أن تكون تحيض، فأرى أن يستحلفه أنها ما حاضت عنده، وإن كانت صغيرة فقد ائتمنه على ما قال، ولا أرى أن يستحلفه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كانت قد بلغت ومثلها تحيض، معناه: إن كانت قد بلغت في حالها مبلغا يشبه أن يحيض مثلها ويخاف أن تكون [قد] حاضت عنده استحلف ما حاضت عنده، واليمين ههنا يمين تهمة، فيدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في لحوق يمين التهمة، وكذلك إن نكل عن اليمين لجرى الحكم في ذلك على الاختلاف في رد يمين التهمة، ترد عليه في أحد القولين بالنكول دون رد يمين، وفي القول الثاني لا ترد عليه إلا بعد يمين المشتري، والقول الأول هو المشهور، وقوله: وإن كانت صغيرة أي وإن كانت فيما يظهر من حالها أنها صغيرة لا يحيض مثلها فلا يمين عليه، وذلك بيّن على ما قال: لأن حيضتها وهي على هذه الحال علة فيها ومصيبة دخلت عليه، فلا حجة له في ذلك على البائع.
[وبالله تعالى التوفيق] .
مسألة: اشترى من رجل جارية مثلها لا توطأ فوجدها مفتضة
مسألة قيل لسحنون: ولو أن رجلا اشترى من رجل جارية مثلها لا توطأ فوجدها مفتضة، قال: إن كانت من وخش الرقيق فليس ذلك بعيب، وإن كانت من علية الرقيق فذلك عيب يردها به، وإن كانت مثلها توطأ فليس ذلك بعيب كانت من علية الرقيق أو من وخشها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الجارية التي يوطأ مثلها محمولة على أنها قد وطئت فليس له أن يردها إذا وجدها مفتضة، والتي لا يوطأ مثلها محمولة على أنها لم توطأ، وليس ذلك كالشرط فيها، فإذا وجدها مفتضة كان له أن يرد الرفيعة بذلك؛ لأن الافتضاض ينقص من قيمتها، ولم يكن له أن يرد الوخش بذلك؛ إذ لا ينقص الافتضاض من قيمتها إلا أن يشتريها على أنها غير مفتضة بشرط، وذلك قائم من قوله في المدونة: إنه إذا اشترى الجارية البكر فافتضها فليس له أن يبيعها مرابحة يبين إلا أن تكون من الوخش اللواتي لا ينقصهن الافتضاض شيئا فليس عليه أن يبين، وبالله التوفيق.
عبد ابتاعه رجل فخرج بائعه إلى مكة ووجد المشتري بالعبد عيبا
ومن كتاب أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك: عن عبد ابتاعه رجل فخرج بائعه إلى مكة، ووجد المشتري بالعبد عيبا توقيفا في يده فأتى به السلطان فأشهد عليه، ثم إن الرجل قدم من مكة والعبد مريض، أترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده إلا أن يكون مرضا مخوفا.
قال عيسى بن دينار: قال لي ابن القاسم: فإن كان مرضا مخوفا استؤني به ما لم يدخل في ذلك ضرر، فإن كان برؤه قريبا رده، وإن كان مرضا يتطاول به أو هلك رد إليه قدر قيمة العيب.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المرض المخوف إنه يستاني به يريد إن رجي برؤه إلى مدة قريبة لا يكون في الاستيناء إليه ضرر، تفسير لقول مالك فإن برئ بالقرب رد، وهو معنى قوله: وإن كان برؤه قريبا رده، وإن لم يبرأ بالقرب وتطاول أمره أو هلك رد إليه قيمة العيب، [ولو كان مرضه مرضا لا يرجى برؤه منه إلى مدة قريبة لم
يستأن به على قياس قوله ورجع بقيمة العيب] وفي نوازل سحنون في بعض الروايات أنه يرده مريضا، وإن كان مرضه مرضا مخوفا رده ورد معه ما نقصه عيب المرض المخوف، فقيل: إن الاختلاف في هذا جار على اختلافهم في جواز بيع المريض، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأن الاختلاف في ذلك إنما هو مع تراضي المتبايعين على ذلك، والمردود عليه بالعيب لا يرضى أن يأخذ عبدا مريضا يخشى عليه الموت، ويدل على ذلك أيضا قول مالك: إن المرض المخوف فوت في الرد بالعيب، مع أن مذهبه جواز بيعه، فهو دليل قوله في المدونة في كتاب بيع الخيار في الأمة تشترى بالخيار فتلد في أيام الخيار.
وظاهر قوله في كتاب الاستبراء منها وفي رسم الجواب من سماع [عيسى بعد هذا وفي سماع] ، سحنون أيضا، ونص قول أصبغ في الثمانية قال: لا بأس ببيع المريض ما لم يقارب الموت أو ينزل به أسبابه من شدة المرض أو البلاء في جسده، مثل السل والمد ونحو ذلك، خلاف قول ابن الماجشون، واختيار ابن حبيب في أن بيعه لا يجوز إذا بلغ منه المرض مبلغا لو كان حرا لم يجز القضاء له إلا في ثلث ماله، وسحنون يميل أبدا إلى قول ابن الماجشون، فوجه قوله: إنه يرد بالعيب وإن كان مريضا مرضا مخوفا مراعاة قول من يرى الرد بالعيب نقض بيع، وأنه يرجع به إلى البائع المالك الأول.
[وبالله تعالى التوفيق] .
مسألة: ابتاع جارية من رجل فزوجها فولدت له أولادا ثم وجد بها عيبا
مسألة وسئل عن رجل ابتاع جارية من رجل فزوجها فولدت له أولادا، ثم وجد بها عيبا كان عند الأول، أترى ولادتها فوتا أو يردها بولدها إن شاء أو يمسك؟ فتفكر فيها، ثم قال: أرى إن أحب أن يردها ردها بولدها، وإن أحب أن يمسك أمسك، ولا أرى له
في العيب شيئا.
قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: ذلك رأيي لم يكن قول ابن القاسم في كتاب سحنون.
قال محمد بن رشد: الزيادة في الرقيق في الرد بالعيب تنقسم على قسمين: زيادة في الحال، وزيادة في العين، فأما الزيادة في الحال مثل العبد والجارية يتخرجان أو يتعلمان الصناعات أو يفيدان الأموال، فهذا لا اختلاف فيه أنه ليس بفوت، والمشتري مخير بين أن يرد أو يمسك ولا شيء له؛ وأما الزيادة في العين، فتنقسم على ثلاثة أقسام: زيادة الولد، وزيادة الكبر، وزيادة السمن.
فأما زيادة الولد ففيها قولان؛ أحدهما: أن ذلك ليس بفوت وهو مخير بين أن يرد الجارية وولدها إن كانوا على ما قال في هذه الرواية، أو يردها ويجمع ثمنهم إن كان قد باعهم، على ما قال في رسم باع شاة من سماع عيسى، وبين أن يسمك ولا شيء له؛ والثاني: أنه فوت يكون فيه مخيرا بين أن يرد ويرد الأولاد أو ثمنهم إن كان باعهم وبين أن يسمك ويرجع بقيمة العيب، قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية إذا كان قد باع الأولاد، ولا فرق بين أن يبيعهم أو يكونوا قياما على هذا القول، كما لا فرق بين ذلك في القول الأول، وأصبغ يقول: إنه إذا باع الأولاد رد الأم وأخذ حصتها من الثمن كأن البيع وقع عليها معهم يوم ولدوا، وهو بعيد.
وأما زيادة الكبر ففيها أيضا قولان؛ أحدهما: أن ذلك فوت يكون المبتاع فيه مخيرا بين أن يرد أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مالك؛ والثاني: أنه فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب، وليس له أن يرده إلى البائع إلا أن يرضاه، وهو الذي في المدونة، ولا فرق بين زيادة الولد، وزيادة الكبر فيحمل كل واحد منهما على صاحبه، ويدخل فيه من الاختلاف ما دخل فيه، فيكون في زيادة الولد ثلاثة أقوال وفي زيادة الكبر ثلاثة أقوال.
وأما زيادة السمن في الجواري فلم يره ابن القاسم فوتا إلا أن فيه أيضا قولين؛ لأن ابن حبيب يراه فوتا يوجب التخيير للمبتاع بين أن يرد أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، ويدخل فيه القول الثالث بالمعنى، والله الموفق.
بيع الرجل الأعداد من الكتان والبز
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك: عن بيع الرجل الأعداد من الكتان والبز، تفتح فينظر إلى ثوبين أو ثلاثة أو رطل من الكتان أو رطلين، فيوجد الذي بعده لا يشبهه، قال مالك: إن الأعدال يكون أولها أفضل من آخرها، فإذا فتح العدل فجاء ذلك صنف واحد أو بعضه قريب من بعض، فإن كان الأول الذي نظر إليه هو أجود إلا أنه صنفه أو قريب منه، فإني أرى البيع جائزا عليه، ومثل ذلك الرجل يشتري البيت فيه تمر أو قمح فيكون أوله خيرا من آخره، فإذا جاء في ذلك تغير قريب رأيت ذلك جائزا، وإن جاء أمر فاسد رأيت أن يرد عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبينة لما في المدونة وغيرها؛ لأن العرف كالشرط عليه يدخل المتبايعان فلا قيام للمبتاع إلا فيما تفاحش وخرج عن العرف.
مسألة: يقدم البلد بالكتان وما أشبهه من المتاع فتكون تلك السلعة من سلع الفسطاط
مسألة وسئل: عن الذي يقدم البلد بالكتان وما أشبهه من المتاع فتكون تلك السلعة من سلع الفسطاط، ويكون لها عمال معروفون بأعمالهم فيقدم بها الرجل البلد، فيقول له بعض من يشتري منه من عمل من اشتريت؟ فيقول: من عمل فلان، وهو عمل قد عرفوه، فيشترونه منه ولا يفتحونه ولا ينظرون إليه.
قال مالك: لا أحب لهم أن يشتروا حتى يفتحوه وينظروا إلى شيء منه.
محمد بن أحمد: وهذا كما قال: إن الاختيار ألا يشتروه حتى يفتحوه وينظروا إليه، فإن لم يفعلوا جاز؛ لأنهم إنما اشتروا على ما قد عرفوه وعاينوه، فلا يشبه شراء ذلك على الصفة؛ لأن الشراء على الصفة غرر، إذ لا تقوم الصفة مقام العيان، وإنما جاز عند الضرورة لبيع السلعة الغائبة إذ لا يمكن فيها المعاينة، وكبيع الأحمال على البرنامج [لما في حلها ونشرها على السوام من الضرر على أرباب المتاع] ، [وبالله التوفيق] .
مسألة: بيع الثياب في الجراب بالبراءة
مسألة وقال مالك في بيع الثياب في الجراب بالبراءة: لا خير فيه، وهو مما لا يستطاع أن تدرك معرفته، فلذلك رأيت البراءة لا ينتفع بها فيه إلا أن يكون الشيء غير المضر ولا المفسد.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يريد ببيع الثياب في الجراب بيع الأعدال في لفائفها أو أوعيتها على صفة البرنامج، ويحتمل أن يريد بذلك بيع الثوب الرفيع في جرابه الذي يفسده ويغيره إخراجه من جرابه ونشره؛ لأن هذا أجيز بيعه على الصفة لهذه الضرورة على اختلاف في ذلك، وقال: إنه لا خير في البراءة في ذلك من أجل أن معرفته غير مدركة، والمعنى في ذلك: أنه لما كان بيع البراءة إنما جاز من أجل أنه يلزمه أن يبين ما علم ولا يبرأ إلا مما لم يعلم، كره أن يبيع بالبراءة ما يجهل عيوبه، ورأى عيوب الثياب المبيعة على هذه الصفة مما يخفى على البائع ولا تدرك معرفتها فكره البراءة فيها لذلك، وقال: إنها إن وقعت برئ من الشيء اليسير مراعاة لقول من رأى أن البراءة نافعة فيها في القليل والكثير، وهو قول جماعة من السلف وقول ابن وهب من أصحاب مالك واختيار ابن حبيب، وقد كان مالك يراها في الرقيق والحيوان، قاله في موطأه، ثم رجع إلى أنها لا تجوز إلا في الرقيق [وحده] ، وبالله التوفيق.
أيام العهدة في الاستبراء متى هي
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك: عن أيام العهدة في الاستبراء متى هي، أبعد الاستبراء أم قبله؟ قال: من يوم تباع تدخل في الاستبراء، ليس بعد الاستبراء عهدة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم الأقضية من سماع أشهب، وإنما هذا إذا أقامت في الحيضة ثلاث ليال أو أزيد، وأما إن كان الاستبراء أقل من ثلاث فلا بد من تمام عهدة الثلاث، ولا تدخل عهدة الثلاث في عهدة السنة، قاله مالك في رسم الأقضية المذكور من سماع أشهب.
والفرق على قوله بين دخولها في الاستبراء، ودخولها في عهدة السنة أن عهدة الثلاث والاستبراء يتفقان في أن الضمان فيهما من البائع في كل شيء، فوجب أن يدخل الأقل منهما في الأكثر، وعهدة السنة إنما هي من الجنون والجذام خاصة فلم يدخل فيها الاستبراء ولا عهدة الثلاث.
وقد قال مالك في الواضحة إن عهدة السنة من يوم عقد البيع، وقاله ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، ووجه هذا القول أنه لما كان الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة يتفقان في الجذام والبرص وجب أن يدخل الأقل من ذلك في الأكثر فيما يتفقان فيه، وذهب المشايخ السبعة إلى أن عهدة الثلاث بعد الحيضة، فأحرى على قولهم أن تكون عهدة السنة بعد الاستبراء وبعد عهدة الثلاث، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن العهدتين والاستبراء لا يدخل شيء من ذلك في شيء ويبدأ بالاستبراء، ثم عهدة الثلاث ثم عهدة السنة، وهو قول المشايخ السبعة، والثاني: أنهن يتداخلن جميعا فيكون الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة كلها من يوم عقد البيع، وهو قول مالك في الواضحة، وقول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، والثالث: أن الاستبراء وعهدة الثلاث يتداخلان جميعا فيكونان من يوم البيع وعهدة السنة بعد تمامها جميعا، وهو قول مالك في سماع أشهب ودليل قوله في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
يشتري الجارية الفاره فإذا هي لقية
ومن كتاب البز وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية الفاره فإذا هي لقية أتراه عيبا ترد به؟ قال لي: نعم أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: أن غير الفاره لا ترد بذلك، ومثله في رسم الأقضية الآخر من سماع أشهب، وفي رسم الأقضية الثاني منه أن الرد لا يجب بذلك إلا أن يشترط الرشدة، وابن القاسم يرى الرد في ذلك في الفاره، وغير الفاره وإن لم يشترط، فهي ثلاثة أقوال.
مسألة: باع ثوبا فوجد به المبتاع خرقا فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر المبتاع
مسألة وسئل مالك: عن رجل باع ثوبا فوجد به المبتاع خرقا فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر المبتاع، أترى أن يحلف في هذا عند المنبر؟ قال: لا أرى أن يحلف عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدا.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذا أنه لا يحلف عند المنبر إلا أن تكون قيمة العيب ربع دينار، وقد روي ذلك عن ابن المواز، وهو بعيد؛ لأنه يجب عليه إذا اختلف المتبايعان فقال البائع: بعت بعشرة دراهم وقال المبتاع: بل ابتعت بتسعة دراهم ألا يحلفا عند المنبر، وذلك لا يصح؛ لأن اليمين إنما هي في فسخ بيع الثوب وثمنه أكثر من ربع دينار، فكذلك الثوب المعيب إنما ينظر إلى قيمته؛ لأنه هو الذي يرد لا إلى قيمة عيبه، فينبغي أن يعدل بالكلام عن ظاهره فيقال: معنى قوله: إلا في ربع دينار فصاعدا، أن تكون قيمة الثوب الذي فيه العيب ربع دينار فصاعدا لا قيمة العيب، أو يقال: معناه إذا فات الثوب ووجب الرجوع بقيمة العيب، وبالله التوفيق.
يشتري الدابة فيسافر عليها فيجد بها عيبا في سفره
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن الرجل يشتري الدابة فيسافر عليها فيجد بها عيبا في سفره، ثم يقدم بها وهي على حالها، أله أن يردها؟ قال: نعم ذلك له.
قيل له: وإن ركبها؟ قال: نعم.
قيل: أفترى عليه في ركوبها شيئا؟ قال: لا، الحاضر قد يركب فيجد العيب فلا يكون عليه في ركوبها شيء، يريد قبل أن يجد.
قال ابن القاسم: وأما المسافر يجد العيب في سفره فليس عليه في ركوبها شيء وليس عليه أن يتكارى عليها من يقودها، ولكن إذا أتى بها على حالها ردها ولم يضره ركوبها، فإن عجفت في سفره كان بالخيار، إن أحب أن يردها ويغرم ما نقص العجف منها، أو يمسكها ويأخذ قيمة العيب.
وأما الحاضر فإنه إن ركبها ركوب احتباس لها بعد أن يجد العيب وإقامته عليها لزمته؛ لأن ذلك رضي منه بالعيب، فأما إن كان يركبها ليردها عليه وما أشبهه فلا شيء عليه في ركوبها وليردها.
قال محمد بن رشد: ابن القاسم يجيز للمشتري إذا وجد العيب بالدابة اشتراها في سفره أن يمضي في سفره ويركبها ولا يوجب عليه الرجوع بها إلا أن يكون قريبا لا مؤنة عليه في الرجوع، ويستحب له أن يشهد أن ركوبه إياها ليس برضى منه بالعيب، فإن لم يفعل لم يضره ذلك وكان له ردها، هو ظاهر قول مالك في هذه الرواية ومعناه.
وابن كنانة يقول: إنه إذا وجد العيب بالدابة في سفره فليشهد عليه ويردها ولا يركبها في ردها ألا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القرية ليشهد؛ وابن نافع يقول في المدنية: إنه لا يركبها ولا يحمل عليها إلا ألا يجد من ركوبها أو الحمل عليها بدا في السفر أو الغزو، فليشهد على ذلك ويركب أو يحمل حتى إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها فيه، يعني حتى يجد حكما وبينة تشهد له بذلك الموضع
بما يستوجب ردها به، فاعرف أنها ثلاثة أقوال في ركوبها إذا وجد العيب بها في السفر، وأما في الحضر فليس له أن يركبها بعد وجود العيب بها إلا في ردها.
وقال ابن حبيب: إن ألجأ بائعها إلى الخصومة فيها فلا بأس أن يركبها في مكانه بالمعروف حتى يحكم له بردها؛ لأن عليه النفقة ومنه الضمان، وكذلك العبد والأمة له أن يستخدمهما بالمعروف، وليس له أن يطأ الأمة ولا يتلذذ بشيء من أمرها ولا يلبس الثوب إن كان الذي وجد العيب به ثوبا، فإن فعل كان رضى منه بالعيب، وليس على من وجد عيبا بدابة اشتراها في غير البلد الذي اشتراها فيه أن يردها إلى البلد الذي فيه صاحبها إلا ألا يجد السبيل إلى ردها عليه حيث هي لعدم بينة أو حكم، والسلعة بخلاف ذلك لما لزمه عن الكراء عليها في حملها من بلد إلى بلد.
وروى أبو قرة عن مالك أنه إن دعاه صاحبها إلى ردها كان بالخيار بين أن يردها أو يأخذ قيمة العيب، وكذلك من اشترى سلعة ثقيلة لا بد من الكراء عليها فلما حملها من دار البائع أو من الموضع الذي اشتريت فيه للبيع إلى داره وجد بها عيبا كان مخيرا بين أن يردها إلى الموضع الذي اشتراها فيه أو يمسكها ويرجع بقيمة العيب، إلا أن يرضى البائع أن يأخذها حيث هي ويؤدي إليه ما غرم في حملها فلا يكون للمبتاع أن يمسكها ويرجع بقيمة العيب، وإن كان البائع دلس له بالعيب لزمه أن يأخذها من دار المبتاع ويؤدي إليه أيضا ما غرم على حملها؛ لأنه غره في ذلك، وسواء في حمل السلعة من بلد إلى بلد دلس له بالعيب أم لم يدلس.
والفرق بين الموضعين أن الذي يشتري الخابية وشبهها إنما يشتريها لحملها إلى داره قد علم ذلك البائع، فوجب أن يفرق في ذلك بين التدليس وغير التدليس، كالذي يشتري الثوب فيقطعه قطعا يقطع مثله، ثم يجد به عيبا وقد نقصه القطع، وبالله تعالى التوفيق.
باع متاعا بالبراءة
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق قال مالك: من باع متاعا بالبراءة لم تنفعه البراءة فيه إلا أن يكون الشيء التافه غير المضر ولا المفسد يوجد في الثوب أو في
العكم فلا أرى أن يرد، فأما كل شيء مفسد مثل الخرق وما أشبهه، وكل ما كان مضرا بالثياب فإني أرى أن ترد عليه، وإن تبرأ منه بائعه، ولا ينفعه فيه، والجواب مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام في هذه المسألة في رسم يسلف في المبتاع فلا معنى لإعادته، وبالله تعالى التوفيق.
[لا إله إلا الله ولا معبود سواه] .
الثياب إذا بيعت بالبراءة
ومن كتاب مرض وله أم ولد فحاضت قال مالك في الثياب إذا بيعت بالبراءة مثل الأعكام وغيرها فتوجد فيها عيوب، [قال] : إن كانت عيوب مفسدة، فلا أرى البراءة تنفعه، وإن كان خفيفا رأيت ذلك ينفعه في البيع.
قال محمد بن رشد: إنما خففه في اليسير؛ لأن ربيعة وغيره أجازه في القليل والكثير المفسد وغير المفسد، وقد مضى ذلك في رسم يسلف فلا معنى لإعادته والحمد لله.
يبيع الفرس فيجد المشتري به رهصة فيريد رده
ومن كتاب مساجد القبائل وسئل مالك: عن الرجل يبيع الفرس فيجد المشتري به رهصة فيريد رده ويقول البائع: اركبه فإنها تذهب إلى يوم أو يومين [قال] : ليس به عيب، قال ابن القاسم: يركب ويرده إن شاء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أنه لا يلزمه أن ينتظر زوال العيب ولعله لا يزول، فإن زال قبل أن يحكم له برده لزمه إلا أن يكون عيبا تخشى عاقبته بعد برئه فيكون له أن يرده وإن برئ.
[بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
رب أعن]
يشتري العبد بالبراءة
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب البيوع الأول قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك: عن الذي يشتري العبد بالبراءة أيبيعه بيع الإسلام وعهدة الإسلام ولا يخبرهم أنه اشتراه بالبراءة؟ قال: لا حتى يخبرهم أنه اشتراه بالبراءة.
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يبيع بالبراءة من اشترى بالبراءة، وأن يبيع بيع الإسلام وعهدة الإسلام من اشترى بيع الإسلام وعهدة الإسلام، فإن باع بيع الإسلام وعهدة الإسلام من اشترى بالبراءة دون أن يبين أنه اشترى بالبراءة فهو مدلس بعيب؛ لأنه إن أعدم ووجد المشتري بالعبد عيبا لم يكن له أن يرده على الذي باعه منه من أجل أنه باع بيع براءة، فذلك عيب فيما اشترى يكون فيه مخيرا بين أن يمسكه أو يرده ولا خلاف في هذا الوجه.
وأما إذا باع بالبراءة وقد اشترى بيع الإسلام وعهدة الإسلام فهو بيع فيه غرر؛ لأنه ترك أن يكشف عما بالعبد الذي اشترى من العيوب التي يجب له بها القيام على من باعه ليلزم ذلك من باع منه بيع براءة فأضر من باع منه ونفع من ابتاع بمجهول لا يعلم قدره، واختلف في ذلك قول
مالك، فله قرب آخر هذا الرسم أنه بيع فاسد يفسخ، وله في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء إن ذلك يكره ولا يرد إذا وقع، ووقع ذلك أيضا في نوازل سحنون من هذا الكتاب في بعض الروايات.
مسألة: ابتاع سمنا بدينار واستوجبه فإذا هو سمن بقر
مسألة وسئل مالك: عمن ابتاع سمنا بدينار واستوجبه فإذا هو سمن بقر فقال: والله ما أردت إلا سمن غنم، أله أن يرده؟ قال: نعم له أن يرده.
قال محمد بن رشد: إنما أوجب له الرد؛ لأنه رأى أن سمن الغنم أطيب وأفضل من سمن البقر، وكذلك قال في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب جامع البيوع إن سمن الغنم ولبنها وزبدها أجود وأطيب من الذي من البقر، وذلك خلاف ما عندنا من أن سمن البقر أفضل من سمن الغنم.
فعلى ما عندنا ليس له أن يرد؛ لأنه وجد أفضل الصنفين، وهذا إذا كان سمن الغنم هو الغالب في البلد أو كانا متساويين فيه، فعلى رواية أشهب هذه كل شيء يباع من جنسين متساويين في البلد فالبيع يقع على أفضلهما، فإن وجد الأدنى كان له أن يرده، وإن وجد الأفضل لم يكن له أن يرده إلا أن يكون اشترى على أنه من الصنف الأدنى فوجده من الصنف الأعلى، فيكون له أن يرده بشرطه إذا كان لاشتراطه وجه، كمن اشترى عبدا على أنه نصراني فوجده مسلما فيكون له أن يرده إن قال: إنما اشترطت نصرانيا لأزوجه أمة لي نصرانية أو ليمين علي ألا أشتري مسلما وما أشبه ذلك مما يذكره ويكون له وجه على ما قال في رسم الجواب من سماع عيسى.
ولابن حبيب في الواضحة خلاف رواية أشهب هذه، قال: ومن اشترى أمة أو عبدا فألفاه روميا وما أشبهه من الأجناس التي يكرهها الناس ولم يكن ذكر له جنسه، فليس له أن يرده إلا أن يكون البائع نسبه إلى جنس فألفاه من جنس غيره أدنى عند الناس فله أن يرده، وبالله التوفيق.
مسألة: باعوا رقيقا في ميراث فأرادوا أن يكتبوا على أحد البائعين دون أصحابه
مسألة وسئل مالك: عن قوم باعوا رقيقا في ميراث فأراد المشترون أن يكتبوا على أحد البائعين دون أصحابه فأبى ذلك عليهم، وقال: إنما بعناكم جميعا فلا أكتب لكم إلا جميعا.
فقالوا: إنا نريد أن تكتب لنا نصيبك من ذلك، فقال مالك: ما وجه ما كنا نعرف إلا أن يكتبوا عليهم جميعا.
قال محمد بن رشد: الذي يوجبه القياس والنظر أن لا امتناع له من أن يكتبوا عليه ما يصيبه من الثمن الذي قبضه؛ لأن من حقهم أن يقولوا: نحن نثق بسواك من البائعين فلا حاجة بنا إلى الإشهاد عليهم، ومن حقنا أن نشهد عليك بما يصيبك من الثمن، ولا يضرك ترك إشهادنا على سواك ممن باع معك ببقيته.
ووجه ما ذهب إليه مالك أنه قد يطرأ غريم بدين له على الميت، فإذا وجد الكتاب عليه بما ابتاع من تركة الميت كان من حقه أن يأخذ حقه منه ويقول له: ارجع على من باع معك ولعلهم ينكرونه، فإذا وجد الكتاب عليهم جميعا أخذ دينه منهم جميعا، وهذا استحسان؛ لأن من حقهم أن يقولوا له: إن كنت تخاف هذا فحصن لنفسك بالإشهاد على من باع تركة الميت معك، وأما نحن فلا حاجة لنا في الإشهاد عليهم، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يباع بيع الإسلام وعهدة الإسلام
مسألة وسألت مالكا: عن العبد يباع بيع الإسلام وعهدة الإسلام
بالبراءة من الإباق فيأبق في عهدة الثلاث، فقال لي: أراه من البائع حتى يعلم أن قد خرج من الثلاث ولم يصبه عطب؛ لأني لا أدري لعله مات في عهدة الثلاث التي يكون فيها من البائع، فأما إباقه في الثلاث فليس له على البائع حجة في ذلك، فأراه من البائع حتى يعلم أنه قد خرج من الثلاثة سالما فإذا علم ذلك كان من المبتاع.
ومن ذلك أن يوجد بعد الثلاث بيوم أو يومين فلا يكون للمبتاع رده على البائع وتكون عهدة الثلاث قد مضت على البائع وبرئ منها، وليس عليه أن يضرب فيه عهدة ثلاث أخرى من يوم يوجد، وكذلك لو وجده بعد شهر أراه يرجع إلى المبتاع ولا يكون له في الإباق على البائع شيء؛ لأنه قد تبرأ من الإباق.
قال: فقلت له: أرأيت إذا أبق في عهدة الثلاث فرأيته من البائع؛ لأنك لا تدري لعله قد تلف في الثلاثة أيرجع عليه بالثمن من ساعته فيؤخذ منه أم يضرب لذلك أجل حتى يعلم خروج العبد من الثلاثة سالما أو عطبا؟ فقال لي: بل أرى أن يضرب لذلك أجل حتى يتبين من أمر العبد، فإن علم أنه قد خرج من الثلاثة سالما لم يكن على البائع منه شيء وكان ضمانه من المشتري، وإن لم يعلم ذلك كان من البائع؛ لأنه لا يدري لعله عطب في الثلاثة، فهو أبدا في الثلاثة من البائع حتى يعلم أنه قد خرج منها سالما.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: ابتاع رأسا وقبضه وصار منه وضمنه
مسألة وسألت مالكا: كمن ابتاع رأسا وقبضه وصار منه وضمنه، أو
كانت جارية فتواضعاها، ثم قبضها حين حاضت، فبقيت عند المشتري ما شاء الله من الزمان، ثم ظهر منها أو منه على عيب يرد منه، فرده أو ردها بذلك العيب، أيكون على الذي رد ذلك العبد أو الجارية في واحد منهما عهدة؟ قال لي: أما عهدة فلا عهدة عليه في واحد منهما، فإن كان ذلك عبدا رده على البائع ولا عهدة فيه وهو من البائع، وإن كانت جارية فلا عهدة فيها أيضا إلا أن ينتظر بها الحيضة [ثم يدفع إليه، ولا عهدة عليه في ذلك، وإنما ينتظر بها الحيضة] إذا كانت من الجواري المرتفعات ذوات الأثمان اللاتي إنما يبتعن للوطء، فأما إن كانت من وخش الرقيق ليست من المرتفعات ردت على البائع ولم ينتظر بها حيضة ولا غيرها.
قال: قلت لمالك: أرأيت إن كانت من الجواري المرتفعات فوضعت للحيضة فتلفت قبل الحيضة، ممن ترى ضمانها؟ قال: أرى ضمانها من البائع الذي ردت عليه، [وإنما وضعت ليعلم أحامل هي أم لا، فإذا ماتت ولم يتبين بها حمل فأراها من البائع الذي ردت عليه] ، وإن لم تحض حتى ماتت أو تلفت، قال: فقلت لمالك: إنها إنما أقامت عند المشتري أشهرا، ثم علم بالعيب فردها فوضعت للحيضة، فقال: نعم لا عهدة فيها على المشتري، وضمانها من البائع الذي ردت عليه، إلا أنها توقف حتى يعلم أنها حبلى أم لا، فإن ماتت فضمانها من البائع الذي ردت عليه، قيل له: أرأيت إن كان المشتري قد أصاب الجارية، ثم ظهر منها على عيب فردها على البائع على من
ضمانها؟ فقال: ضمانها على البائع المردودة عليه الجارية إن ماتت قبل أن تحيض، إنما توضع فإن كانت غير حامل فإنما هي للبائع وضمانها عليه، وإن كانت حاملا لزمت المشتري ويرد عليه ما نقص العيب من ثمنها.
قال محمد بن رشد: رواية أشهب هذه عن مالك مثل قوله في كتاب الاستبراء من المدونة: إن الرد بالعيب نقض بيع وليس هو ابتداء بيع؛ لأنه لم ير على المبتاع في الجارية مواضعة، وإن وطئ، ورأى ضمانها من البائع، وجعله ابن القاسم فيه ابتداء بيع؛ لأنه رأى المواضعة على المبتاع في الجارية إذا ردها بالعيب بعد أن خرجت من الحيضة وإن لم يطأ، وروي ذلك عن مالك، فكذلك تكون عليه عهدة الثلاث والسنة على قياس هذا القول.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال: لم يختلف ابن القاسم وأشهب في أن الراد ليست عليه عهدة ثلاث ولا سنة، وإنما اختلفا في الاستبراء على من هو، فابن القاسم يقول: هو على الراد، وأشهب يقول: هو على المردود عليه، فكأنه ذهب إلى أنه لا اختلاف بينهما في أن الرد بالعيب نقض بيع إذ لم يختلفوا على زعمه في أنه لا عهدة ثلاث ولا سنة على المبتاع، وإنما أوجب ابن القاسم المواضعة عليه وجعل الضمان منه إذا ردها بعد أن خرجت من الحيضة، وإن كان لم يطأ فقد حكم له بحكم البائع ابتداء، هذا مما لا إشكال فيه.
ومما يدل على صحة الاختلاف في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع اختلافهم؛ في الذي يعتق عبده وعليه دين يغترقه فيرد السلطان عتقه ويبيعه عليه في الدين، ثم يجد المشتري به عيبا قديما قد علمه البائع فيرده عليه وقد أفاد مالا، هل يعتق عليه بالعتق الذي كان أعتقه أم لا؟ فمن رأى الرد بالعيب نقض بيع قال: إنه يعتق عليه؛ لأنه قد رجع إليه على الملك الأول وانتقض البيع فكأن لم يكن، قال ذلك ابن القاسم في المدونة، وهو رجوع منه إلى مذهب
أشهب، ومن رأى الرد بالعيب ابتداء بيع قال: إنه لا يعتق عليه؛ لأنه ملك مبتدأ حادث، روي ذلك عن أشهب، وهو رجوع منه إلى مذهب ابن القاسم، فهو أصل اضطربا فيه جميعا، ويأتي الاختلاف أيضا في غير ما مسألة، ووجه قول مالك في رواية أشهب هذه عنه أن ضمان الجارية من البائع إذا ماتت في استبرائها قبل أن يظهر بها حمل، وإن كان المبتاع قد وطئها هو أنه يحملها على السلامة من الحمل، وابن القاسم يخالفه في ذلك ويحملها على الحمل من ذلك الوطء حتى تظهر البراءة منه، فيرى الضمان منه إذا ماتت في استبرائها، وإن كان الملك قد صح وثبت لغيره، قاله في سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق في الذي يستحق أمة له عند رجل اشتراها ويقيم عليها البينة فتموت بعد ذلك أن مصيبتها منه ويرجع المبتاع بالثمن على البائع إلا أن يكون قد وطئ فتكون المصيبة منه من أجل أن ماءه فيها، ويرجع المستحق على البائع بالأكثر من القيمة والثمن إن كان غاصبا فلا يختلف قول ابن القاسم في أن ضمان الجارية المردودة بالعيب من المبتاع إذا كان قد وطئها وماتت في استبرائها، وإن كان قد اختلف قوله في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع على ما بيناه، ويلزم على قياس قول أشهب فيمن اشترى جارية رفيعة أو وضيعة وقد وطئها البائع فماتت في المواضعة قبل أن يظهر بها حمل أن ضمانها من المبتاع، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يقول للرجل قد أوقف عبده للبيع بكم عبدك هذا فيقول بعشرين
مسألة وسئل: عن الرجل يقول للرجل: قد أوقف عبده للبيع بكم عبدك هذا؟ فيقول: بعشرين دينارا، فيقول: قد أخذته بذلك، فيقول البائع مجيبا مكانه: لا أبيعه بذلك، أترى البيع لازما له؟ قال: نعم إني لأرى ذلك له لازما، وليس له أن يأبى أن يعطيه إياه بعشرين
دينارا.
وكذلك أصحاب الإبل يوقف أحدهم بعيره في السوق فيقال له: بكم بعيرك؟ فيقول: بعشرين دينارا، فيقول السائم: ضع لي دينارا، فيقول: لا، فيقول: قد أخذته، فأراه له إذا قال أخذته، وليس لصاحب البعير في ذلك قول.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو قال السائم: أنا آخذه بكذا وكذا، فقال البائع: قد بعتكه بذلك، فقال السائم: لا آخذه بذلك للزمه الشراء على قول مالك هذا، خلاف ما في كتاب بيع الغرر من المدونة من أن ذلك لا يلزم البائع ولا المشتري بعد أن يحلف كل واحد منهما أنه ما ساومه على الإيجاب والإمكان، وإنما كان ذلك منه على وجه كذا وكذا لأمر يذكره وقال أبو بكر الأبهري: إن كان ذلك قيمة السلعة وكانت تباع بمثله لزمهما البيع، وإن كان لا يشبه أن يكون ذلك ثمن السلعة حلف أنه كان لاعبا ولم يلزمه البيع.
وهذا الاختلاف إنما هو في السلعة الموقوفة للبيع، وأما إن لقي رجل رجلا في غير السوق فقال له: بكم عبدك هذا أو ثوبك هذا لشيء لم يوقفه للبيع، فقال له: بكذا وكذا، فقال: قد أخذته بذلك فقال رب السلعة: لا أرضى بذلك وإنما كنت لاعبا وما أشبه ذلك، فإنه يحلف على ذلك ولا يلزمه البيع إلا أن يتبين صدق قوله فيسقط عنه اليمين قولا واحدا على ما يقتضيه ما في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب جامع البيوع.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن الخلاف أيضا في ذلك وإن لم تكن السلعة موقوفة للبيع على ظاهر ما وقع في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع، إذ لم يذكر فيه أن السلعة كانت موقفة للبيع، وإلى أنه يتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن البيع لا يلزم وإن كانت السلعة موقوفة للبيع على ما في المدونة.
والثاني: أنه يلزم وإن لم تكن السلعة موقفة للبيع على ظاهر ما في رسم سلعة سماها المذكور.
والثالث: الفرق بين أن تكون السلعة موقفة للبيع أو لا تكون موقفة له على ما يقتضيه ما وقع في سماع أشهب من كتاب جامع البيوع، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأن مسألة رسم سلعة سماها وإن لم تكن السلعة موقفة للبيع
فذهاب المشتري بها ليستشير فيها بإذن البائع يخرجها من الخلاف، وقد بين هذا في تفسير ابن مزين.
وأما إن قال البائع: قد بعتك بكذا وكذا، وقال المشتري: قد اشتريت منك بكذا وكذا فلا اختلاف في أن ذلك لازم لكل واحد منهما إن أجابه صاحبه بالإمضاء والقبول في المجلس قبل التفرق، واختلف إذا قال المشتري: بعني بكذا وكذا فلما أراد البائع أن يلزمه ذلك أباه، أو قال البائع: خذها بكذا وكذا أو اشترها بكذا وكذا فلما أراد المشتري أن يأخذها بذلك أبى، فقيل: إن ذلك كالمساومة يدخل في ذلك الاختلاف المذكور، وهو الذي يأتي على ما في المدونة؛ لأنه ساوى فيها بين الوجهين، وقيل: إن قول المشتري بعني بكذا بمنزلة قوله: قد اشتريت بكذا، وإن قول البائع: خذها بكذا أو اشترها بكذا بمنزلة قوله: قد بعتك بكذا، يلزم ذلك كل واحد منهما إذا أجابه صاحبه بالقبول والإمضاء في المجلس قبل التفرق، وهو قول ابن القاسم وعيسى بن دينار في كتاب ابن مزين، والقولان لمالك أيضا في كتاب ابن المواز [المذكور] ، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سماع أشهب من جامع البيوع.
وبالله التوفيق.
مسألة: يباع من الرجل وله زوجة قد دلس له بها ولا يعلم المشتري بذلك
مسألة وسألت مالكا فقلت له: قلت في العبد يباع من الرجل وله زوجة قد دلس له بها ولا يعلم المشتري بذلك حتى يطلق العبد الزوجة أو تموت، ثم يعلم بذلك فيريد رده بذلك على البائع، أله أن يرده بذلك على البائع؟ فقال: نعم قد قلته، وهو الذي أرى ولم يكن مما سئلت عنه قديما فنظرت فيه وما أدرى ما هو إلا أني كذلك أرى.
فقيل لمالك: أفرأيت الذي يبتاع الجارية وقد دلس له فيها بالوعك ثم لا يعلم بذلك المشتري حتى تبرأ من ذلك ثم يعلم فيريد ردها، فقال: لا أرى ذلك مثل الأول وهو أخف عندي.
قال محمد بن رشد: أما الوعك فلا اختلاف في أنه إذا لم يعلم به المشتري حتى تبرأ منه أنه ليس له أن يرد؛ لأن عيبه يذهب بالبرء منه.
وأما عيب الزوجية في الأمة والعبد فاختلف هل يذهب بارتفاع العصمة بموت أو طلاق أم لا على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يذهب بذلك، ولمشتري العبد أن يرده، وإن كان لم يعلم بأن له زوجة حتى ماتت أو طلقها؛ لأنها إن كانت ماتت فاعتياده أن يكون له زوجة عيب به، وإن كان طلقها فهو أشد لما يخشى من تعلق نفسه بها.
وكذلك لمشتري الأمة أن يردها، وإن كان لم يعلم بأن لها زوجا حتى مات عنها أو طلقها لبقاء العيب فيها بعد الموت أو الطلاق بما ذكرناه، وهو قول مالك في هذه الرواية.
والثاني: أن العيب يذهب بارتفاع العصمة بالموت دون الطلاق، وهو قول أشهب في ديوانه وإليه ذهب ابن حبيب، قال: إلا أن تكون الأمة رائعة فيكون الزوج عيبا فيها وإن مات عنها، وهو أعدل الأقوال.
والثالث: أن العيب يذهب بارتفاع العصمة بالموت أو الطلاق، وهذا القول تأوله الفضل على ابن القاسم في قوله في المدونة إذا اشترى الأمة وهي في عدة من طلاق، فلم يعلم بذلك حتى انقضت العدة أنه لا رد له، وليس بتأويل بين، لاحتمال أن يكون قد علم أنه كان لها زوج ولم يعلم أنها في عدة منه.
وهذا القول اختار أبو إسحاق التونسي، وقال: لأن العصمة إذا ارتفعت بموت أو طلاق فلم يبق إلا عيب اعتيادها الوطء، وهو لو وهبها لعبده يطؤها ثم انتزعها منه ما كان عليه أن يبين ذلك، ولم ير بين اعتيادها الوطء بالزوجية والتسري فرقا، ولعمري إن بينهما لفرقا؛ لأن للزوجة حقا على زوجها في الوطء إذ لا تكون الزوجية إلا للوطء، ولا حق للأمة على سيدها في الوطء، فهي تسكن إلى زوجها ما لا تسكن إلى سيدها، وبالله التوفيق.
مسألة: يشتري القلنسوة السوداء فإذا ذهب بها وجدها من ثوب ملبوس
مسألة وسئل مالك: عن الذي يشتري القلنسوة السوداء فإذا
ذهب بها وجدها من ثوب ملبوس، فأراد ردها، فقال: إن القلانس لتعمل من الخلقان فأراها له لازمة إلا أن تكون فاسدة جدا، ولقد كان ينبغي للبائع أن يبين مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العرف فيها إذا كان أنها تعمل من الثياب الملبوسة فلا يلزم البائع أن يبين بذلك ويحمل المشتري على العلم به فيلزمه ولا يكون له أن يردها إلا أن يكون الثوب الذي صنعت منه منهوكا جدا ومعفونا ومحروقا فيكون به عيبا يجب به الرد، إلا أن يبين البائع بذلك، ولو بين أنها من ملبوس، وإن لم يكن منهوكا ولا معفونا لكان أحسن مخافة أن يكون المشتري ممن يجهل العرف في ذلك فيشتري وهو يظن أنها من ثوب جديد.
وبالله التوفيق.
مسألة: ابتاع عبدا بيع الإسلام وعهدة الإسلام فزعم البائع أنه باعه بالبراءة
مسألة وسئل مالك فقيل له: إني ابتعت عبدا بيع الإسلام وعهدة الإسلام، فلما وجب لي وصار إلي قام علي البائع فجاءني فقال لي: إني كنت ابتعت هذا الغلام بالبراءة فلم أعلمك بذلك وبعتكه بيع الإسلام وعهدة الإسلام، وهذا بيع مفسوخ فقال: ما أرى ذلك، وأرى البيع جائزا، وإنما الذي أكره أن يبتاع رجل بالبراءة ويبيعه بيع الإسلام وعهدة الإسلام ويكتمه أنه ابتاعه بالبراءة.
فأما من ابتاع بالبراءة وباع بيع الإسلام وعهدة الإسلام فلا بأس بذلك وأراه جائزا وأرى عليه أن يعلمه أنه ابتاعه بالبراءة، ولا أرى أن يكتمه ذلك، فقال له صاحب السوق: إنك كنت أمرتني ألا يبيع من ابتاع بالبراءة إلا بالبراءة، وألا يبيع من ابتاع بيع الإسلام وعهدة الإسلام إلا بيع الإسلام وعهدة الإسلام ولا يبيع بالبراءة، فقال له مالك: أما من ابتاع بالبراءة فلا أرى بأسا أن يبيع بيع الإسلام وعهدة الإسلام إذا بين له أنه ابتاع بالبراءة؛ لأنه إنما
يحكم على نفسه ويكون هو المتبع، وأما من ابتاع بيع الإسلام وعهدة الإسلام فلا يبع بالبراءة؛ لأنه إنما يحكم على غيره يعمد إلى العبد فيشتريه بيع الإسلام وعهدة الإسلام، ولا يجب أن يخبر بشيء من عيوبه ولا يقيم في يديه كبير شيء حتى يعهد إليه فيبيعه بالبراءة فيحكم على المشتري بما لا يدري كيف هو، فامنعهم من ذلك أشد المنع وافسخ ذلك بينهم، من ابتاع منهم بيع الإسلام وعهدة الإسلام، فلا تدعه يبيع بالبراءة؛ لأن هذا يكون في مثله التدليس، وإنما يبيع بالبراءة، وقد ابتاع بيع الإسلام وعهدة الإسلام لسوء يريده، فأرى أن يمنعهم من ذلك أشد المنع، إلا رجل باع في دين عليه أو ميراث ورثه أو بيع سلطان أو ما أشبه هذا من العذر فلا أرى به بأسا أن تدعهم يبيعوا بالبراءة، وإن كانوا إنما ابتاعوا بيع الإسلام وعهدة الإسلام.
قال مالك: وبيع الناس الذي كان فيهم ماضيا يتبايعون بيع الإسلام وعهدة الإسلام، فقال له صاحب السوق: أرأيت الذي يبيع العبد بالبراءة على ألا يمين على البائع، ثم يجد المشتري بالعبد عيبا قبيحا فيريد أن يستحلف له البائع ما علم هذا العيب، قال: ما أرى ذلك له عليه؛ لأنه قد اشترط عليه ألا يمين عليه ثم قال له مالك: وقد كنت أمرتك ألا تبيح هؤلاء الجلاب الذين يجلبون الرقيق في السفن من مصر أن يبيعوا شيئا من ذلك إلا بيع الإسلام وعهدة الإسلام ولا يبيعوا ذلك بالبراءة قال: قد فعلت فجاء علي وابن علي وأصحاب له برقيق لهم فأمرتهم ألا يبيعوا إلا بيع
الإسلام وعهدة الإسلام، فقال له مالك: فإنه بلغني أنهم يتبايعون بالبراءة، فقال: باطل، قد منعتهم من ذلك، فقال له: فنعم امنعهم أن يبيعوا بالبراءة فإنهم يبيعون ما لا يعرفون، إنما يقدم عليهم [الرقيق] اليوم ويبيعون من الغد، فامنعهم من ذلك فإنهم يبيعون ما لا يعرفون وهم يجهلونهم.
قال محمد بن رشد: إذا باع على ما اشترى من عهدة أو براءة فلا كلام في جواز ذلك، وإذا اشترى بالبراءة جاز أن يبيع بيع الإسلام وعهدة الإسلام إذا بين قولا واحدا.
وإذا اشترى بيع الإسلام وعهدته فلا يجوز أن يبيع بالبراءة واختلف إن فعل، فقيل: يفسخ وهو قول مالك هنا، وقيل: لا يفسخ وهو قوله في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء، وقد مضى ذلك كله في أول مسألة من السماع.
وأما إذا اشترط الذي باع بالبراءة ألا يمين عليه فأعمل ههنا شرطه عموما في المأمون وغير المأمون وفي الذي يبيع لنفسه أو لغيره، إذ لم يفرق بين شيء من ذلك، ولم يعمله في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات إلا في الوصي والوكيل الذي يبيع لغيره، وفي الرجل المأمون، فحصل الاختلاف بين الروايتين في الرجل الذي ليس بمأمون إذا باع لنفسه.
وكان من أدركنا من الشيوخ يذهبون إلى أن المعنى في هذه المسألة وفي التي في رسم سلعة سماها من كتاب المديان والتفليس في أن الشرط في التصديق في اقتضاء الدين دون يمين غير عامل، وأن له أن يحلفه سواء لحمل كل واحدة منهما على صاحبتها، فيأتي فيهما جميعا ثلاثة أقوال: إعمال الشرط، وإبطاله، والفرق بين المأمون والذي يبيع لغيره وبين الذي ليس بمأمون ويبيع لنفسه.
والصواب: أنهما مسألتان مفترقتا المعنى لا تحمل إحداهما على الأخرى؛ لأن هذه اشترط فيها إسقاط يمين إن كانت قد وجبت حين الشرط ولم يعلما
بوجوبها، ومسألة سلعة سماها في اشتراط التصديق في اقتضاء الدين دون يمين اشترط فيها إسقاط يمين يعلم أنها لم تجب بعد، فالأولى بمثابة أن يقول الرجل: إن كان فلان قد اشترى هذا الشقص بكذا، فقد سلمت له الشفعة، فهذا يلزمه التسليم إن كان قد اشترى؛ والثانية بمثابة أن يقول: إن اشترى فلان الشقص فقد سلمت له الشفعة فهذا لا يلزمه التسليم إن اشترى؛ لأنه أسقط حقه قبل أن يجب له، فلا يدخل الاختلاف في مسألة التصديق في اقتضاء الدين دون يمين من مسألة العيوب هذه ولا فيها نص خلاف.
قال في الواضحة: وكل من وضع يمينا قبل أن تجب فهي غير موضوعة، وإنما يدخل الاختلاف فيها بالمعنى؛ لأن إسقاط الحق قبل وجوبه أصل مختلف فيه، من ذلك اختلافهم فيمن شرط لامرأته إن تزوج عليها فأمرها بيدها فأسقطت عنه الشرط وأذنت له بالتزويج، فلما تزوج أرادت أن تقضي، وقد مضى القول على هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح.
[وبالله تعالى التوفيق] .
مسألة: الرقيق يبعث إلينا بهم نصيح عليهم ثلاثا
مسألة وقال له صاحب السوق: أرأيت الرقيق يبعث إلينا بهم نصيح عليهم ثلاثا، فأصيح عليهم وأبين لهم أني أصيح ثلاثا، فأصيح يومين فإذا كان اليوم الثالث شغل أهلوهم فلم يرسلوهم إلينا اليوم واليومين والثلاثة، ثم يرسلونهم فيقول الذين كانوا عليهم: قد حبسوا عنا وقد مضت أيام الصياح ولا حاجة لنا بهم، فقال مالك: إذا كان اليوم واليومان وما أشبه ذلك فأرى أن يلزمهم ذلك، وأما إذا كان العشرين ليلة وما أشبه ذلك فلا، فقال له: إن طلحة بن بلال بعث إلي برقيق أبيعهم وأصيح عليهم ثلاثا، فصحت عليهم يومين ثم مات فشغل أهله بموته فلم يبعثوا بهم إلا بعد يومين فأراد الذين كانوا عليهم تركهم، وقالوا: قد حبسوا عنا