البيان والتحصيلكتاب الظهار
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الظهار

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عليه كفارة الظهار هل يكون الشعير مجزيا عنه في إطعامه

كتاب الظهار

من سماع عبد الرحمن بن القاسم من كتاب أوله شك في طوافه قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول: وسئل عن الذي تكون عليه كفارة الظهار، أترى أن الشعير مجزيا عنه في إطعامه؟ قال: إن كان ذلك طعام أهل ذلك البلد، وهو الغالب عليهم، فأرى ذلك مجزيا عنهم.
فقيل له: ربما غلا الشعير حتى يكون مكافيا للقمح في الغلا، قال: إن كان طعامهم، فأرى ذلك مجزيا عنهم.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها إن الكفارات يخرجها المكفر من غالب عيش بلده، كان عيشه وعيش عياله أرفع من عيش أهل بلده أو أدنى، إلا أن يكون عيشه من الأدنى، إنما هو من ضيق وجده، فليس عليه أن يخرج إلا من ذلك، وذهب ابن المواز إلى أنه إنما يجب عليه أن يخرج مما يأكل هو، كان ذلك أرفع مما يأكل أهل بلده أو أدنى، إلا أن يكون إنما يأكل أدنى مما يأكل أهل بلده بخلا وشحا، فيكون عليه أن يخرج مما يتقوت به أهل بلده.
وذهب ابن حبيب، إلى أنه يخرج من الأرفع، مما يتقوت به هو وأهل بلده، إلا أن يعجز أن يخرج مما

يتقوت به أهل بلده، فهي ثلاثة أقوال، ويخرج عندهم من كل ما تودى منه زكاة الفطر على ما مضى القول فيه في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب الزرع والحبوب، كل على مذهبه في مراعاة ما يتقوت به أهل بلده دون ما يتقوت به هو أو مراعاة ما يتقوت به هو دون ما يتقوت به أهل بلده، أو إخراج الأرفع من ذلك، وقول ابن المواز في مراعاة ما يتقوت به دون ما يتقوت به أهل بلده أظهر من قول ابن القاسم؛ لأن الخطاب في قوله عز وجل: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] إنما يتوجه إلى المكفرين لا إلى من سواهم من أهل بلدهم.
ويؤيده حديث أبي سعيد الخدري في زكاة الفطر: «كنا نخرج في زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب» لأنهم كانوا أهل بلد واحد، وإنما افترق ما كانوا يخرجون، لافتراق ما كانوا به يتقوتون.
ولابن حبيب فيما يخرج به زكاة الفطر من الأصناف تفصيل فيه نظر، من أحب الوقوف عليه تأمله في موضعه، وكذلك اختلف في مقدار مكيلة كفارة الظهار على ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أنه يخرجها بمد هشام، وهو مدان إلا ثلث؛ لأنها مطلقة في القرآن، لم تقيد فيه بالوسط من الشبع، ككفارة اليمين، فحملت على الشبع الكامل.
والقول الثاني: رواية مطرف عن مالك أنه يخرج فيها لكل مسكين مدان بمد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حملا على كفارة فدية الأداء، المطلقة في القرآن، المقيدة في السنة بمدين، وإليه ذهب ابن حبيب، وذكر في ذلك أثرا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أعطى المظاهر شطر تمر، وهو نصف وسق؛ ليكفر به عن ظهاره.
والقول الثالث: أنه يخرج فيها لكل مسكين مدا واحدا بمد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حملا على كفارة اليمين المقيدة في القرآن بالوسط من الشبع، وهو قول ابن القصار في كتابه، وعليه يأتي قول ابن الماجشون، وما في كتاب محمد بن المواز: أنه إن غدّى وعشّى

في الظهار أجزأه، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك، ويؤيد هذا القول ما روي من «أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى المظاهر عدنا في قدره خمسة عشر صاعا؛ ليكفر به عن ظهاره.» خرجه الترمذي.
وإن قول مالك يختلف: إن الرقبة فيه مومنة، حملا على آية القتل، فكذلك يجب أن يجزي فيه مد لكل مسكين، حملا على آية كفارة اليمين.
وأيضا فإن الذمة برية، ولا ينبغي أن يثبت فيها بشيء إلا بيقين، والله أعلم.
وقد قيل في مد هشام: إنه مدان، وقيل: مد وثلث، والله أعلم.

قال لأمته أنت أحرم علي من أمي

ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ابن القاسم: قال مالك في رجل قال لأمته: أنت أحرم علي من أمي، فأراد أن يطأها فقال: لا يطأها حتى يعتق رقبة.
قال ابن القاسم: وقد نزلت عندنا في رجل قال لامرأته: أنت علي حرام مثل أمي، فكتب بها إلى أحمد يسأله، فأجاب مالك فيها: إنه ظهار.
قال محمد بن رشد: هذا المعنى مكرر في غير ما موضع، من ذلك ما في سماع أشهب من هذا الكتاب، ومن كتاب الإيلاء، وما في سماع عيسى من هذا الكتاب، ومن كتاب التخيير والتمليك، ومن كتاب الأيمان بالطلاق، وما في سماع يحيى وأصبغ، وأبي زيد من هذا الكتاب.
وتحصيل القول في هذه المسألة أن التحريم بذوات المحارم كلهن من نسب أو صهر أو رضاع ظهار، سمى الظهار أو لم يسمه، إلا أن يريد بذلك الطلاق، فيتخلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك ظهار، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: أن ذلك طلاق، وهو قول ابن القاسم، ولا ينوى عنده في المدخول بها، وينوى عند سحنون.
والثالث: أنه إن سمى الظهر فهو ظهار، وإن لم يسمه فهو طلاق، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، وأن التحريم بالأجنبيات طلاق إن أراد به الطلاق، وإن لم يرد به الطلاق، أراد به الظهار أو لم يرده، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طلاق، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: أنه ظهار، وهو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه، والثالث: الفرق بين أن يسمي الظهر أو لا يسميه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وبالله التوفيق.

تزوج أمة ثم ظاهر منها ثم اشتراها فأعتقها في تظاهره منها ثم أراد أن يتزوجها

مسألة وسئل عن رجل تزوج أمة ثم ظاهر منها، ثم اشتراها فأعتقها في تظاهره منها، ثم أراد أن يتزوجها، فقال: يجزي ذلك عنه من تظاهره، ومعنى قوله: إنها إذا لم تكن حاملا واشتراها، وليس في بطنها حمل، وذلك لأنا سمعنا منه أنه يقول: هي أم ولد بذلك الحمل.
وقال مالك: لا يجزي عتق أم الولد في الظهار إذا ظاهر منها أو من غيرها.
قال ابن القاسم: فحملنا هذا على وجه قوله، والله أعلم.
قال محمد بن رشد: إنما ينبغي أن يجزي ذلك عنه من تظاهره على القول بأن العودة العزم على الوطء، وعلى القول بأنه إذا ابتدا الكفارة في العصمة جاز له بعد الخروج من العصمة، ويكون معنى المسألة أنه لما ظاهر منها عزم على وطئها قبل أن يشتريها، فوجبت عليه الكفارة بذلك، فلما اشتراها وهي غير حامل، جاز له أن يعتقها فيما وجب عليه من الكفارة بالعزم على الوطء، وأما على القول بأن العودة العزم على الوطء مع استدامة العصمة، وأنه لا يجوز له أن يتم الكفارة بعد الخروج من العصمة، وهو المشهور في المذهب، فلا يصح أن يجزيه عتقها، ولا الكفارة بعتق غيرها، ولا بما سواه من صيام أو إطعام، إلا بعد أن يتزوجها ويعزم على وطئها؛ لأن الكفارة لا تصح إلا مع إرادة الوطء في حال يجوز فيه.

متظاهر أجمع على إمساك امرأته ثم صام فماتت

ومن كتاب اغتسل على غير نية وسئل عن متظاهر أجمع على إمساك امرأته، ثم صام فماتت، فقال: لا أرى عليه إتماما، فقيل له: فإنه يشق عليه الصيام، فطلقها لموضع الصيام الذي يشق عليه، قال مالك: لا أرى عليه إتماما لصيامه.
قال محمد بن رشد: أجمع على إمساك امرأته، يريد به أجمع على إمساكها وإصابتها، ولو أجمع على إمساكها، ولم ينو المصاب ولا أراده، لما أجزأه

الصيام، وإن أتمه إلا على ما يدل عليه قول ابن نافع في المدونة، وهو قول شاذ خارج عن أقاويل العلماء، وقوله: إنها إذا ماتت فلا يجب عليه إتمام صيامه صحيح، على المشهور في المذهب، من أن العودة إرادة الوطء، والإجماع عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما عن الآخر، لم تجب الكفارة إن أجمع على الوطء، ثم قطع العصمة بطلاق، فلم يستدمها أو انقطعت بموت، سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها، سقط عنه سائرها، وكذلك إن استدام العصمة ولم يرد الوطء، ولا أجمع عليه، لم تجب عليه الكفارة، بل لا تجزئه إن فعلها وهو غير عازم على الوطء، ولا مجمع عليه، فالكفارة على هذا القول تصح بالعزم على الوطء والإجماع عليه، ولا تجب إلا بالوطء، وعلى ما في الموطأ من أن العودة إرادة الوطء، والإجماع عليه تجب الكفارة عليه إذا أجمع على الوطء وإن ماتت أو طلقها، وإن كان عمل بعضها كان عليه تمامها، وبالله التوفيق.

مسألة: قال كل امرأة أنكحها فهي علي كظهر أمي

ومن كتاب باع غلاما بعشرين دينارا وسئل مالك عن رجل قال: كل امرأة أنكحها فهي علي كظهر أمي، فقال: كفارة واحدة تجزيه، فقيل له: أفرأيت إن كانت له امرأة، فقال لها: كل امرأة أتزوجها عليك فهي علي كظهر أمي؟ قال: تجزيه كفارة واحدة، قال: عليك، أو لم يقل: عليك.
قال محمد بن رشد: هذه مثل ما في المدونة، وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم: أن عليه لكل امرأة كفارة.
وروى أشهب: أن مالكا قاله مرة، وهو قول ابن نافع.
وجه القول الأول أن الكفارة إنما هي لما لفظ به من القول المنكر، فلم يكن عليه إلا كفارة واحدة، قال ذلك ابن الماجشون في كتابه، وليس ذلك بوجه بين، وإنما الوجه في ذلك، أن قائل ذلك إنما قصد إلى الامتناع من التزوج أبدا، أو من التزوج على امرأته بالظهار، والظهار يمين تكفر، فكأنه قال: والله، لا أتزوج أبدا، ولا أتزوج على امرأتي أبدا، أو كأنه قال: إن تزوجت أبدا، وإن تزوجت على امرأتي فعلي كفارة الظهار، فوجب

أن يكون عليه كفارة واحدة إن تزوج، أو إن تزوج على امرأته.
ووجه القول الثاني اعتبار ما يقتضيه اللفظ، من إفراد كل امرأة يتزوجها بحكم الظهار فيها؛ لأنه كأنه قال: كل امرأة أنكحها فعلي فيها كفارة ظهار، أو كلما تزوجت امرأة فعلي فيها كفارة الظهار.
وهذا القول أظهر؛ لأن الظهار كان في الجاهلية طلاقا، فخفف الله ذلك، بأن جعل فيه الكفارة، فكما كان الطلاق يلزم بهذا القول في كل امرأة يتزوجها، وكذلك يلزمه الظهار، في كل امرأة يتزوجها، وأما لو قال: من تزوجت من النساء فهي علي كظهر أمي لوجب عليه في كل امرأة يتزوجها كفارة، ولا خلاف في ذلك، بخلاف قوله: كل امرأة أتزوجها، وكذلك لو قال لنسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، لم يلزمه إلا كفارة واحدة، ولا خلاف في ذلك، بخلاف قوله: تزوجت منكن.
قال ذلك ابن المواز: ولم يعجب أبا إسحاق تفرقته بين كل امرأة أتزوجها، وبين من تزوجت من النساء، وكذلك ليس بينهما فرق بين في المعنى، والله أعلم، وبه التوفيق.

ظاهر من امرأته ثم طلقها طلقة ثم أراد أن يكفر

من سماع أشهب، وابن نافع، من مالك رواية سحنون عنهما من كتاب الطلاق قال أشهب: وسمعته يسأل عمن ظاهر من امرأته، ثم طلقها طلقة، ثم أراد أن يكفر، ثم يرتجع بعد ذلك، قال: يرجع ثم يكفر، قال ابن نافع وقال مالك: إن كفر قبل أن يرتجع أجزأه ذلك، إن كانت في العدة قبل أن تنقضي.
قال أشهب: إن كفر قبل أن يرتجعها، فذلك يجزي عنه، ولا بأس به إن فرغ من الكفارة قبل أن تبين منه، فإن بانت منه قبل فراغه من الكفارة سقط ما كفر به من الصيام والإطعام، وكانت عليه الكفارة مبتدأة إن هو تزوجها قبل أن يصيبها، قال أشهب: وقال ذلك المخزومي أيضا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المظاهر من امرأته إن طلقها طلقة ثم أراد أن يكفر، أنه يرتجع قبل الكفارة، إنما هو استحسان، بدليل قوله بعد ذلك: إنه إن كفر قبل أن يرتجع أجزأه، يريد إذا فرغ من الكفارة قبل أن

تبين منه كما قال أشهب، ومعنى ذلك، إذا كفر بنية العودة، وهي أن ينوي الارتجاع ويعزم على الوطء؛ لأن الكفارة لا تصح إلا بعد العزم على الوطء والإجماع عليه، على ما مضى في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وقول أشهب: إنها إن بانت منه قبل فراغه من الكفارة سقط ما كفر به من الصيام والإطعام، هو المشهور في المذهب، وقال ابن عبد الحكم: يتم على صيامه وإطعامه ويجزيه، وهو قول ابن نافع في المدونة، وفرق ابن الماجشون في ديوانه، بين أن يمضي في الكفارة أقلها أو أكثرها، وأما إن لم تتم له كفارته حتى تزوجها، فاتفق على أنه لا يبني على الصيام، واختلف هل يبني على الإطعام؟ فقال أشهب: هاهنا إنه لا يبني، وقال أصبغ: له أن يبني، فيتحصل في الإطعام أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يبني بعد انقضاء العدة وإن تزوجها، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه يبني وإن لم يتزوجها، وهو قول ابن عبد الحكم وابن نافع.
والثالث: أنه لا يبني إلا أن يتزوجها، وهو قول أصبغ.
والرابع: الفرق بين أن يمضي منه أقله أو أكثره، وهو قول ابن الماجشون، وفي الصيام ثلاثة أقوال: يبني، ولا يبني، والفرق بين أن يمضي منه أقله أو أكثره، وبالله التوفيق.

مسألة: يظاهر من امرأته فيصوم في تظاهره منها شهرا ثم يطلقها

مسألة وسئل عمن يظاهر من امرأته، فيصوم في تظاهره منها شهرا، ثم يطلقها طلاقا له فيه رجعة، ثم يتم صيامه ولا يرتجعها، أترى ذلك يجزيه ويخرجه من الظهار؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: أما إذا طلقها طلاقا رجعيا، فلا اختلاف في أن له أن يبني على صيامه، ومعنى ذلك، مع أن ينوي مراجعتها وإصابتها، وأما مع ألا يريد مراجعتها ولا إصابتها، فلا يصح له على مذهبه أن يبني على صيامه، وقد مضى بيان هذا في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم.
وأما إذا طلقها طلاقا بائنا، فلا يصح أن يبني على مذهب مالك، ويصح له ذلك على قول ابن نافع في المدونة، وقول ابن عبد الحكم، وعلى قول ابن

الماجشون: إن كان مضى من الكفارة أكثرها على ما مضى في المسألة التي قبل هذه، إذ لا فرق في ذلك بين أن تبين بانقضاء العدة، ويكون الطلاق بائنا، وبالله التوفيق.

يقول لامرأته أنت علي كأمي وهو يريد الطلاق

ومن كتاب الطلاق وسئل عن الذي يقول لامرأته: أنت علي كأمي، وهو يريد الطلاق.
قال: تطلق عليه.
قلت: أرأيت إن رجعت إليه بعد نكاح، أيكون عليه كفارة الظهار؟ قال: لا، ما له وللظهار هذا؟ إنما أراد الطلاق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم سن، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
وقوله: إنها إن رجعت إليه بنكاح جديد، لا يكون عليه كفارة الظهار صحيح، وسواء في هذه المسألة كان مستفتيا أو مطالبا بحكم الظهار، إذ لم يذكر الظهر، ولو قال: أنت علي كظهر أمي لم يصدق إذا حضرته البينة، وطولب بحكم الظهار إذا تزوجها؛ لأنه يتهم في إسقاط حكم الظهار عن نفسه بادعائه أنه أراد الطلاق، فيؤخذ في الطلاق بما أقر به على نفسه، وفي الظهار إن تزوجها بما أفصح به من قوله، وبالله التوفيق.

مسألة: المظاهر من امرأته أله أن يضاجعها ولا يمسها قبل أن يكفر

مسألة قال أشهب: وسمعت مالكا، وسئل عن المظاهر من امرأته، أله أن يضاجعها ولا يمسها قبل أن يكفر؟ قال: لا حتى يفرغ مما عليه، فقلت له: وهل يرى شعرها؟ قال: نعم، أرجو ذلك.
قال محمد بن رشد: خفف مالك هاهنا أن ينظر المظاهر إلى شعر امرأته التي ظاهر منها، وقال في المدونة: لا بأس أن ينظر إلى وجهها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، قال في موضع آخر: لأن ذلك لا يدعو إلى خير،

فدل على أنه كره ذلك للذريعة، مخافة التطرف إلى ما بعد ذلك لكان ذلك محظورا عنده؛ لأن الله تعالى إنما قال ذلك: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] وليس النظر إلى شيء من ذلك مماسة، وإنما اختلف أهل العلم في القبلة والمباشرة واللمس والجس، فمنهم من حمل قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] على عمومه، فمنع من ذلك كله إلا بعد الكفارة، وهو مذهب مالك.
ومنهم من قال: إن للمظاهر أن يقبل ويباشر، ويطأ في غير الفرج، فحمل الآية على غير العموم، وقال: إن المراد بالمماسة الوطء خاصة، وهو قول الحسن، وعطاء، والزهري، فيأتي على مذهب من حمل الآية على العموم، أنه إن قبل أو باشر قبل أن يكفر، وجبت عليه الكفارة، وهو قول مطرف: إنه إن قبل في خلال الكفارة ابتدأها، وقال أصبغ وسحنون: إذا قبل وباشر في خلال الكفارة، استغفر الله، ولا شيء عليه، فالامتناع على مذهب مطرف مما عدا الوطء واجب، وهو الظاهر من قول مالك؛ لأنه قال: يجب على المرأة أن تمسك نفسها، وإن رفعته إلى الإمام حال بينه وبينها، وعلى قول أصبغ وسحنون مستحب، وعلى قول الحسن ومن قال بقوله مباح، وبالله التوفيق.

قال الرجل اشتروا عبد فلان وعبد فلان فأعتقوهما عني في كفارة علي

من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب الثمرة قال ابن القاسم: إذا قال الرجل: اشتروا عبد فلان، وعبد فلان، فأعتقوهما عني في ظهار وجب علي وقتل نفس، فنظر في ثلثه فلم يحملها، قال: يسهم بينهما، فأيهما خرج سهمه اشتري فيعتق، قلت: في أي شيء يعتق؟ أفي الظهار أم في قتل النفس؟ قال: بل في قتل النفس.
قالت: لم؟ قال: لأن قتل النفس لا يطعم فيه المساكين،

والظهار يطعم فيه المساكين، فإن اشتروا هذا العبد الذي خرج سهمه فيعتق أطعم بفضلة الثلث المساكين في الظهار.
قلت: فإن لم يبلغ ما يطعم به ستين مسكينا، قال: يطعم به ما كان.
قلت: فإن فضل عن إطعام ستين مسكينا؟ قال: يعان بالفضلة في رقبة أو في رقاب.
قلت: فإن كان ثمن الذي خرج سهمه يحيط بجميع الثلث، في أي شيء يعتق العبد؟ أفي الظهار أم في قتل النفس؟ قال: في القتل؛ لأن الظهار أمر قد اختلف فيه؛ لأن بعض الناس قد قالوا: لو أن رجلا تظاهر من امرأته ثم وطئها قبل أن يكفر، ثم طلقها، أن الكفارة ليست عليه بواجبة، وهو قول أهل المشرق، وبعض من ارتضى من أهل المدينة، والقتل لا اختلاف فيه أن ذلك عليه عاش أو مات، فالقتل أوجبهما عليه لما اختلف فيه من الظهار، وهو أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قوله إذا لم يحملها الثلث: إنه يسهم بينهما، فأيهما خرج سهمه اشتري فأعتق، هو على قوله في المسألة التي بعدها، إذا أوصى أن يعتق عبد من عبيده في ظهار عليه، أنه يسهم بينهم، أيهم يعتق في الظهار، خلاف قول أصبغ وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد، والذي يأتي في هذه المسألة على قول أصبغ، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد: أن يكون الورثة بالخيار، في أن يشتروا للعتق أيهما شاءوا ذلك إذا كانت أثمانهما مستوية، وأما إذا كان أحدهما أكثر ثمنا من الآخر، فالواجب على هذا القول أن يشترى للعتق الأقل ثمنا منهما، فإن بلغ ما يفضل من الثلث ما يشترى به عبد اشتري للكفارة الأخرى، وإن لم يكن فيه ما يشترى به عبد، أطعم فيه عن الظهار.
وأما قوله: إنه يعتق العبد الذي خرج عليه السهم في القتل، ويطعم بفضل الثلث عن الظهار، فهو أمر لا اختلاف فيه، إن كان

يفضل من الثلث ما يطعم به ستين مسكينا عن الظهار، وأما إن كانت الفضلة لا تبلغ إطعام ستين مسكينا، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يعتق العبد أيضا في القتل، ويطعم بالفضلة من المساكين ما بلغت، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يعتق العبد عن الظهار، ويشرك بالفضلة في رقبة عن القتل، وهو قول أصبغ في سماعه بعد هذا، وأما إن لم يكن في الثلث فضل عن ثمن العبد الذي خرج السهم عليه، ففي ذلك أربعة أقوال: قيل: إنه يعتق في القتل؛ لأن الظهار قد اختلف فيه، وهو قول ابن القاسم هاهنا.
وقيل: إن ذلك إلى الورثة يعتقونه على أي الكفارتين شاءوا.
وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ، وقيل: يقرع بين الكفارتين، فيعتق عن الكفارة التي خرج السهم لها، وقيل: يتحاصان، فما ناب الظهار أطعم به، وما ناب القتل شورك به في رقبة أخرى.
وهذان القولان الآخران يتواليان على ما في المدونة من قوله فيها: إنه لا يبدى أحدهما على صاحبه، وبالله التوفيق.
وقوله لأن بعض الناس قد قالوا: لو أن رجلا تظاهر من امرأته ثم وطئها قبل أن يكفر، ثم طلقها، أن الكفارة ليست عليه واجبة، ظاهره ولو وطئ مرارا، فلم ير قائل هذا القول الكفارة تجب بالوطء، وإنما رآها ليباح بها الوطء في المستقبل، فمن مات أو طلق لم تجب عليه كفارة، فيقال على هذا القول لمن ظاهر: لا تقرب امرأتك حتى تكفر؛ لقول الله عز وجل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ، فإن وطئ قبل أن يكفر، قيل له: قد عصيت وأثمت، ولا يجوز لك أن تطأ أيضا حتى تكفر، فإن وطئ أيضا قبل أن يكفر، قيل له: قد عصيت ثانية وأثمت، ولا يجوز لك أيضا أن تطأ حتى تكفر هكذا أبدا يكون كلما وطئ قبل الكفارة عاصيا ممنوعا من الوطء فيما يستقبل حتى يكفر، وهو قول له وجه.
وقد قال ابن القاسم: إنه قول من يرتضى من أهل المدينة.

مسألة: قال أعتقوا من رقيقي رأسا فإن علي رقبة في ظهار

مسألة قلت: فإن قال: أعتقوا من رقيقي رأسا، فإن علي رقبة في ظهار، فنظروا في عبيده، فإذا هم كلهم ليس فيهم من يجوز في الرقاب

الواجبة، قال: يباع منهم ويشترى رقبة.
قلت: فإن كانوا ممن يجوز في الرقاب، ولكنهم كل واحد منهم قيمته أكثر من الثلث، قال: يباع منهم أيضا فيشترى رقبة تجوز في الرقاب الواجبة.
قلت: فإن كان فيهم من يجوز في الرقاب، وثمنه الثلث فما دونه، وثم من يجوز، وثمنه أكثر من الثلث، وثم من لا يجوز رأسا قال: يعزل منهم الذين لا يجوزون، والذين أثمانهم أكثر من الثلث، ويسهم بين الآخرين، فمن خرج سهمه أعتق.
قلت: فإن كان أوصى أن عليه رقبة في قتل، فلم يكن في ثلثه ثمن رقبة، ماذا يصنع بالثلث؟ قال: أرى أن يطلب بالثلث رقبة، يشركون فيها آخر، فتعتق كلها، فإن لم يجدوا أعانوا بالثلث في رقاب.
قلت: ولا يشترون نصف رقبة فيعتقونها، ونصفها عبد، قال: لا يضعون ذلك إلا في رقبة يتمون عتقها، وإلا أعانوا به في رقاب.
قال أصبغ مثله إلا السهم، فإني لم أر أن يسهم عليهم، ولكن يعتق الورثة أو الوصي واحدا منهم ممن يجوز في الرقاب بلا عيب، ممن هو أقل من الثلث أو الثلث، ممن شاءوا أو رأوا، وإن كان فيهم من هو أرفع منه ثمنا أو مثله أو دونه، فذلك إليهم؛ لأنه عتق كفارة أمرهم بها، وليست وصية فيهم ولهم، ولا تطوع جعل عتقه جاريا في عدتهم، ولا شيء وجب عليه فيهم بأعيانهم قبل ذلك، إنما هي رقبة واجبة عليه أمر أن تخرج من ماله ورقيقه عنه، ألا ترى أن ابن القاسم يقول: إذا وجد فيهم من يجوز في الرقاب الواجبة مثله، قال: يشتري رقبة من الثلث يعتق عنه، فهذا دليل على أن المعتق

ليس فيهم بأعيانهم، فإذا شرك حتى لا يعتق أحد منهم إلا بسهم، ولو كان كذلك ما جاز أن يشترى من غيرهم، إذا لم يكن فيهم من يجوز، فإنما هي وصية بكفارة أرادها حتى لو مات أولئك الرقيق أجمعون، أو استحقوا لم تسقط الكفارة من ماله، إن بقي له مال يكون له الثلث، يعتق فيه، وإنما يحمل قوله: من رقيقي المشهورة، وإن فيهم من يعتق في ذلك بعلم أو جهل أو ظن نرجوه، ونحو ذلك، ولو تركهم وفيهم من يجوز، وأعتق من غيرهم، لم يكن مخطئا خطأ يكون به ضامنا، ورأيت ذلك مجزيا، ويرقون جميعهم، ولا قول لهم، وهذا رأيي.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لم يكن فيهم من يجوز في الرقاب الواجبة، أنه يباع منهم، ويشترى رقبة فتعتق، صحيح لا اختلاف فيه، ومعناه إذا لم يكن عالما بذلك، كما قال في سماع أبي زيد، ومعناه أيضا إذا كانت الرقبة من ظهار، كما قال، وكذلك لو كانت من قتل خطأ؛ لأنها واجبة في الوجهين جميعا، وذلك مثل قوله في المدونة، ورأيته عن مالك في الذي يوصي، وهو صرورة أن يحج عنه رجل بعينه، أن يحج عنه، فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه، أنه يعطى ذلك غيره ممن يحج به، ولا يرجع ذلك إلى الورثة، ولو كانت الرقبة من قتل عمد، فلم يكن في عبيده من يجوز في الرقاب؛ لجرى ذلك على الاختلاف الذي في المدونة فيمن وصى أن يحج عنه، رجل يعينه بحجة تطوع، فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه، هل يرجع المال إلى الورثة أو يحج به عنه غيره؛ لأن الرقبة في قتل العبد تطوع، وليست واجبة، فهي كحج التطوع؟ فعلى قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة إذا لم يكن فيهم من يجوز في الرقاب الواجبة تبطل الوصية، وعلى قول غيره فيها، يباع منهم، ويشترى من غيرهم من يجوز في الرقاب الواجبة فيعتق، وإنما يباع منهم ما يقع واحد من عددهم على ما قال في سماع أبي زيد.
وهذا كله بين، والله أعلم.
وأما قوله: إنه يسهم بينهم وبن من يجوز منهم في الرقاب الواجبة إن

كان فيهم من لا يجوز في الرقاب، فقد اختلف قوله في ذلك، فله في سماع أبي زيد مثل قول أصبغ هاهنا: إن الورثة يعتقون من شاءوا منهم، ولا يسهمون بينهم، ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه القول بأنه يسهم بينهم أنه لما أوصى أن تعتق الرقبة التي عليه منهم، وجب أن يسهم بينهم كما لو أوصى أن يعتق منهم عبدا تطوعا؛ لاحتمال أن يكون قصد أن يجعل وصيته فيهم لشيء كان منهم إليه أو منه إليهم، على نحو ما جاء في الذي أتى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال: «يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنما لي بجنبها، وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها، وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة أفأعتقها؟ فقال له رسول الله: "إن الله» الحديث، ألا ترى أنه أراد أن يجعل الرقبة التي عليه فيها من أجل أنه لطمها.
ووجه القول: بأنه لا يسهم بينهم هو أن السهم غرر، فلا ينبغي أن يستعمل إلا حيث تدعو إليه الضرورة، بأن يتحقق أنه أراد أن يجعل وصيته فيهم بأعيانهم، وبالله التوفيق.

المظاهر تخدمه امرأته

ومن كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: قال ابن القاسم في المظاهر تخدمه امرأته، فقال: أما أن تخدمه وتناوله الشيء، فلا بأس ويستتر.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: ويستتر، أنه لا ينظر إلى شعرها مثل ما في المدونة، وذلك للذريعة، وقد مضى القول في هذا مستوفى في رسم الطلاق من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

مسألة: ظاهر من امرأته فصام شهرا ثم طلقها فمضى على صيامه حتى أتم الشهر

مسألة وقال: في رجل ظاهر من امرأته، فصام شهرا ثم طلقها، فمضى على صيامه حتى أتم الشهر، قال: إنما أراد بذلك الكفارة إن هو ارتجعها في العدة، وكان طلاقه إياها واحدة، فذلك يجزيه، وإن كان صالحها أو طلقها ألبتة، فقد انقطعت العصمة بينهما، ولا ينفعه

ذلك، وبالله التوفيق، إن هو تزوجها يوما ما.
قال محمد بن رشد: في قوله: "إن كان إنما أراد بذلك الكفارة إن هو ارتجعها في العدة نظر؛ لأنه خلاف المشهور في المذهب المعلوم من مذهب ابن القاسم، من أن من كفر قبل أن يريد العودة لم تجزه الكفارة، هذا قوله في المدونة، وقول كبار أصحاب مالك فيها: إن المظاهر إذا كفر بغير نية الجماع كما قال الله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: 3] فمعنى يعودون يريدون، أن ذلك لا يجزيه، وكان يحيى بن عمر يقول تعلقا بظاهر هذا اللفظ، وما كان مثله من نحو قول ابن نافع في المدونة؛ ولأنه ممن كانت العودة جائزة له قبل أن يطلق: إن من صام وهو لا يريد المصاب، إلا أنه يريد حبس امرأته، أنه يجزيه، والصواب أن ذلك لا يجزيه على ما مضى القول فيه في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وفي أول سماع أشهب، وقد مضى في سماع أشهب تحصيل الاختلاف في إتمام الكفارة بعد الطلاق البائن، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: ظاهر من نسوة له بكلمة واحدة

مسألة وسئل عمن ظاهر من نسوة له بكلمة واحدة، فقال: كفارة واحدة تجزيه عنهن جميعا.
قيل له: فإن جهل وظن أنه لا تجزيه إلا كفارة كفارة، فصام عن إحداهن.
قال مالك: الكفارة تجزيه عنهن جميعا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في نص المدونة، ولا اختلاف في ذلك أعلمه؛ لأنه إنما هو بمنزلة من قال: والله، لا أقرب واحدة منكن، فليس عليه إلا كفارة واحدة، قربهن جميعا أو قرب واحدة منهن، وإن كفر قبل أن يطأ أجزأته الكفارة، وسواء نواهن كلهن بها أو لم ينو إلا واحدة منهن، وبالله التوفيق.

مسألة: الظهار ثلاثة وجوه

ومن كتاب العرية وقال لي: افهم، إنما الظهار ثلاثة وجوه؛ إن قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي هكذا من غير أن يحلف على شيء يفعله، أو قال: أنت علي كظهر أمي إن كلمت فلانا، فكلمه فحنث، فلم يمسها حتى طلقها ألبتة، فتزوجها بعد زوج، قال: لا يطأها لو تزوجها بعد عشرين زوجا حتى يكفر، وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن كلمت فلانا فطلقها ألبتة قبل أن يكلمه، ثم تزوجها بعد زوج، فأراد كلامه، فليكلمه ولا شيء عليه؛ لأن ملك النكاح الذي حلف فيه قد ذهب حين طلق ألبتة، فليكلمه ولا شيء عليه، قال: وإن ظاهر منها ابتداء من غير يمين، أو تظاهر بيمين ثم حنث فمسها قبل أن يكفر، فإن الكفارة تلزمه، وإن طلقها أو مات قال: وإن طلقها واحدة فانقضت عدتها، أو ألبتة، فأراد أن يكفر، ثم يتزوجها لم يجزه ذلك حتى يكفر بعد التزويج، قال: ولو طلقها واحدة وهو من أهل الصيام أو الإطعام، فابتدأ الصيام أو الإطعام، فلم يفرغ حتى انقضت عدتها لم يجزه من ذلك شيء وإن أتمه، ولا تجزيه الكفارة إلا ما دامت في ملكه.
قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال: إن من الظهار ما يسقط بانقضاء ملك النكاح، فلا يعود إذا رجعت إليه، ويعود إذا رجعت إليه بعد طلقة أو طلقتين، وهو اليمين بالظهار إذا طلق قبل الحنث، ومنه ما يسقط بالطلاق البائن، واحدة كان أو ثلاثا، ويعود متى ما رجعت إليه وهو الظهار، إذا لزم بقول أو فعل ثم طلق قبل الوطء، ومنه ما لا يسقط بطلاق ولا موت، وهو إذا ظاهر ثم وطئ، ومعاني افتراقهما بينة؛ لأن الوجه الأول بيمين الظهار لم يحنث فيه، فيعود ما لم ينقض الملك، والثاني ظهار قد

لزم، فمتى رجعت إليه رجع عليه الظهار، إذ لا يستطيع أن يطأ إلا بعد الكفارة، والثالث كفارة قد لزمت بالوطء، فلا تسقط على حال، ولا اختلاف في أن المظاهر إذا طلق طلاقا بائنا قبل أن يأخذ في الكفارة، فإن الكفارة لا تجزيه بعد الطلاق، وإنما اختلف إذا كان قد أخذ في الكفارة قبل الطلاق، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: يوصي بأن يشترى أبوه أو أخوه فيعتق عنه فأبوا أن يبيعوه إلا بأكثر من ثمنه

مسألة وسئل عن الرجل يوصي بأن يشترى أبوه أو أخوه فيعتق عنه، فأبوا أن يبيعوه إلا بأكثر من ثمنه بأضعاف والثلث كثير، أو قال: إن علي رقبة في ظهار، فاشتروه وأعتقوه عني، أو أوصى أن عليه عتق رقبة، ولم يسم من يشترى له، وكان أبوه عبدا، فرأى الخليفة أن يشتريه فيعتقه، ماذا ترى فيه إن لم يبيعوه إلا بأكثر من ثمنه بأضعاف، وأبى ذلك الورثة؟ قال ابن القاسم: إن أوصى أن يشترى له زيد في ثمنه قدر الثلث، ولم يزد أكثر، وإن قال: علي رقبة، فاشتروها عني، ولم يشتر له، لم يجز للخليفة أن يشتري أحدا ممن يعتق عليه، وإن قال: علي رقبة في ظهار، فاشتروا والدي فأعتقوه عني أنفذ ما قال؛ لأنها وصية، ولو شاء لم يوص بشيء، فإنما يحمل محمل الوصية.
قال محمد بن رشد: هذا كله صحيح، على ما في المدونة، في الذي يوصي أن يشترى عبد فلان، فيعتق، فأبى سيده أن يبيعه أنه يزاد فيه مثل ثلث ثمنه، ولا فرق في هذا بين أن يوصي أن يشترى ابن فلان فيعتق، أو يشترى أبوه فيعتق عنه في ظهار عليه، وإنما يفترق الثلاث مسائل إذا أبى سيده أن يبيعه بزيادة ثلث ثمنه، فأما الذي أوصى أن يشترى فيعتق، فقيل: يستأنى بثمنه السنة ونحوها، فإن أبى السيد من بيعه رجع ميراثا، وقيل: إنه لا

يرجع ميراثا إلا بعد أن يوئس من العبد بموت أو عتق، والقولان في المدونة.
وقيل: إنه إذا أمن منه جعل في عبد غيره، ولا يرجع ميراثا.
وهو قول ابن كنانة في المدنية، وأما الذي أوصى أن يشترى أبوه، فإن الثمن يرجع ميراثا بعد اليأس منه بموت أو عتق، وأما الذي أوصى أن يشترى أبوه فيعتق عنه في ظهار عليه، فإن الثمن لا يرجع ميراثا، ويجعل في عبد يعتق عنه في ظهاره بعد اليأس منه بموت أو عتق، بمنزلة الذي يوصي أن يشترى عبد فلان، فيعتق عنه في ظهاره، والله الموفق للصواب بمنه.

يقول امرأتي علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا

ومن كتاب لم يدرك من صلاة الإمام وسئل عن الرجل يحلف على شيء، فيقول: امرأتي علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا، فيريد أن يقدم الكفارة قبل الحنث، قال: ولا تجزيه، وعليه كفارة أخرى بعد الحنث، وإنما هو بمنزلة رجل حلف بالطلاق على شيء ألا يفعله، فقدم الطلاق على الحنث، ثم حنث؛ أن تطليقة أخرى تلزمه.
قلت: فأي الأيمان تجزي فيها الكفارة قبل الحنث، قال: اليمين بالله، وأما المشي والطلاق والظهار إذا حلف به فلا يجزيه إلا بعد أن يحنث.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الذي يحلف بالظهار على شيء ألا يفعله، لا يجوز له أن يقدم الكفارة قبل الحنث، كما لا يجوز للذي يحلف بالطلاق على شيء أن يقدم الطلاق قبل الحنث صحيح كما قال، وهو في الظهار أوضح وأبين؛ لأن الطلاق يجب بالحنث على من حلف به فحنث، والكفارة لا تجب بالحنث على من حلف بالظهار فحنث حتى يطأ، إلا أنه بالحنث يلزمه الظهار، ولا يكون له أن يطأ حتى يكفر؛ لقول الله عز وجل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ، ولو حلف بالظهار على شيء أن يفعله ولم يضرب

لذلك أجلا، لجاز له أن يقدم الكفارة، ويبر بذلك؛ لأنه على حنث، كما يجوز له أن يقدم الطلاق إذا حلف بالطلاق أن يفعل فعلا، ولم يضرب له أجلا، ويبر بذلك في يمينه؛ لأنه على حنث حتى يفعل، على ما في النذور من المدونة.
وقال في كتاب محمد بن المواز: من حلف بالطلاق أن يقتل فلانا، ولم يضرب أجلا، لم يبر بالطلاق، فإن مات فلان قبل أن يقتله وقع عليه الطلاق، ولم يجتزئ بالطلقة التي أوقع؛ لأن موت فلان كان قضاء الأجل.
وقوله: إن الأيمان التي تجزي فيها الكفارة قبل الحنث اليمين بالله صحيح، على المشهور في المذهب، والأصل في جواز ذلك قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من حلف على شيء فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، أو ليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه» ؛ لأن الحديث محمول عندهم على التخيير من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الوجهين، لا على أنه شك من المحدث، وسواء كان في اليمين على بر أو على حنث، وروى أبو زيد، عن ابن الماجشون: أن الكفارة في اليمين بالله لا تجزي إلا بعد الحنث، فإن حلف ليفعلن فعلا فلا يتبين حنثه إلا بالموت، ولا تجزيه الكفارة إن كفر في حياته، فساوى أيضا بين أن يكون يمينه على حنث أو على بر في أن الكفارة لا تصح إلا بعد الحنث، والقياس أن يفرق بين الوجهين، فتجزيه الكفارة قبل الحنث فيما كان فيه على حنث، ولا تجزيه فيما كان فيه على بر إلا بعد الحنث.
وفي قوله في آخر المسألة: إن المشي والطلاق والظهار إذا حلف به، فلا تجزيه إلا بعد أن يحلف، كذا وقع، والصواب بعد أن يحنث، نظرا لقوله في جميع ذلك: فلا تجزيه إلا بعد أن يحنث، والصواب في ذلك أن المشي والطلاق لا يجب عليه إلا بعد أن يحنث، وأن الكفارة في الظهار لا تجزيه إلا بعد أن يحنث؛ لأنه لا تجب عليه بالحنث، وإنما تجب عليه بالوطء.
وقد وقع في آخر الظهار من المدونة عن مالك، فيمن لا يعتق رقبة بغير

عينها، فأعتق رقبة قبل أن يحنث، أن ذلك يجزيه ويسقط عنه الإيلاء، وبعد الحنث أحسن، وهو بعيد، والصواب أن ذلك لا يجزيه إلا بعد الحنث، بخلاف اليمين بالله.
وابن الماجشون يرى الكفارة في اليمين بالله لا تجزيه إلا بعد الحنث، وقد تقدم ذلك.

قال لامرأته أنت أمي يريد بذلك الطلاق

ومن كتاب النسمة قال ابن القاسم: من قال لامرأته: أنت أمي، يريد بذلك الطلاق، فهو طلاق، وإن قال لها ذلك وهو لا يريد الطلاق، فهو ظهار، قال: ومن قال لها ذلك وهو لا يريد الطلاق ولا الظهار فهو ظهار.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل قول ابن القاسم وغيره في هذه المسألة في رسم سن من سماعه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق، لا رب سواه.

قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إن وطئتك فوطئها مرة ثم ماتت

ومن كتاب القطعان قال ابن القاسم: فيمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن وطئتك، فوطئها مرة ثم ماتت، أو طلقها البتة، فليس عليه كفارة، وإن قال: أنت علي كظهر أمي إن وطئتك، فوطئها مرة، ثم وطئها ثانية قبل أن يكفر، فإن الكفارة عليه واجبة.
قال محمد بن رشد: هذا على القول بأن من حلف بطلاق امرأته ثلاثا إن وطئها، أنه ليس بمول، فلا يضرب له أجل المولي إن رفعته امرأته إلى السلطان، ولا يطلق عليه؛ لأنه لا يحنث إلا بالوطء، فله أن يطأ الوطأة التي يحنث بها، وهذا أحد قوليه في المدونة، وله فيها قول آخر، إن رفعته إلى الإمام عجل عليه الطلاق، ولم يضرب له أجل الإيلاء لا يمكن من الوطء، إذ يحنث بأول الملاقاة، فيكون باقي وطئه في امرأة قد بانت منه بطلاق

الثلاث، فيلزم على قياس هذا القول، أن لا يجوز لمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن وطئتك أن يطأها حتى يكفر كفارة الظهار؛ لأنه يحنث بأول الملاقاة، ويجب عليه الظهار، فيكون باقي وطئه في امرأة قد ظاهر منها قبل الكفارة، وذلك ما لا يجوز؛ لقوله عز وجل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ، وقد قيل في مسألة الحالف بالطلاق ثلاثا لا يطأ قولان آخران سوى هذا من القولين، وليس هذا موضع ذكرهما، وبالله التوفيق لا شريك له.

العبد يعتق سيده نصفه في ظهاره ثم يعتق بعد ذلك النصف الآخر في ذلك الظهار

ومن كتاب أوله باع شاة وسألته عن العبد يعتق سيده نصفه في ظهاره، ثم يعتق بعد ذلك النصف الآخر في ذلك الظهار، قال: يجزيه إن شاء الله.
قلت: فإن لم يعتق حتى رفع إلى السلطان، أترى على السلطان أن يأمر بعتقه في ظهاره؟ قال: يجبره، فإن أعتقه أجزاه، وإلا أعتقه عليه السلطان.
قال محمد بن رشد: قوله: وإلا أعتقه عليه السلطان، يريد ولا يجزيه إذا أعتقه عليه، لكنه مكره على ذلك، والمكره لا نية له، فلا يجزيه، إذ لا تجزيه الكفارة إلا بنية.
وكذلك قال في المدونة في الذي أعتق نصيبه من عبد وهو موسر، فقوم عليه نصيب شريكه أنه لا يجزيه، وابن الماجشون يقول: إنه إذا أعتق نصف عبده عن ظهار، ثم أعتق بعد ذلك النصف الآخر أو أعتق شقصا له في عبد عن ظهاره وهو موسر، ثم اشترى نصيب صاحبه فأعتقه، أنه لا يجزيه؛ لأنه لما أعتق نصف عبده فقد لزمه عتق باقيه، ولما أعتق نصيبه من عبد وهو موسر، لزمه أن يقوم عليه نصيب شريكه، فلا يجزيه أن يعتق في ظهاره ما قد وجب عليه تقويمه أو عتقه، ومن الناس من يتأول ما في المدونة لابن القاسم على مذهب ابن الماجشون؛ لقوله: والظهار لا يكون فيه تبعيض العتق، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الذي يدل عليه قوله: إن التبعيض عنده إنما هو أن يعتق نصيب شريكه في موضع لا يلزمه أن يقوم عليه فيه، وإنما يصح أن يتأول على مذهب ابن الماجشون، قول سحنون، والله أعلم.

يوصي بعتق عبد في تطوع ويوصي بشراء آخر لكفارة ظهار فأيهما يبدأ

ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب وسئل عن الذي يوصي بعتق عبد له بعينه في تطوع، ويوصي بأن تشترى رقبة فتعتق عنه في الظهار، فأيهما يبدأ؟ قال: بالظهار هو أولى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إن الواجب وإن كان غير معين فهو يبدى على التطوع وإن كان معينا، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يقول لجاريته لا أعود لمسيسك حتى أمس أمي

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر قال يحيى: وسألته عن الرجل يقول لجاريته: لا أعود لمسيسك حتى أمس أمي، أيكون بهذا القول مظاهرا؟ قال: ليس عليه في هذا ظهار، فليمس أمته متى شاء، ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأنه إنما هو بمنزلة من قال: لا أمس أمتي أبدا، فلا شيء عليه، وبالله التوفيق.

يقول لامرأته إن لم أطلقك فأنت علي كظهر أمي

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: وسألت أشهب، عن الذي يقول لامرأته: إن لم أطلقك فأنت علي كظهر أمي، وغلامي حر، أو علي المشي إلى بيت الله الحرام، قال: أما في الظهار فيحال بينه وبين وطئها، فإن رفعته ضرب له أجل الإيلاء، فإن طلق، وإلا طلقت عليه بالإيلاء، وأما في العتق والمشي فإنه لا يحال بينه وبين الوطء وهي امرأته، وإنما يحنثه في عتق أو مشي بعد الموت، وليس في هذا إيلاء.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يحال بينه وبينها في الظهار، ويضرب

له أجل الإيلاء إن رفعته صحيح، إذ لا يجوز له الوطء، كمن حلف بالطلاق ليفعلن فعلا، فإن أبا أن يطلق لما وقف، وقال: أنا التزم الظهار، ولا تطلقوا علي بالإيلاء، كان ذلك له، وقيل له كفر، وابق مع امرأتك، فإن لم يكفر وسأل أن يضرب له أربعة أشهر أخرى للإيلاء، كمن ظاهر ولم يكفر، فقيل ذلك له كمبتدئ الظهار من يوم التزم الظهار، وقيل: ليس ذلك له؛ لأنه يتهم على أنه لم يلتزم الظهار، وإنما أراد التطويل والزيادة في الإيلاء الذي قد مضى أجله، وهو أشبه، والله أعلم.
والذي يرفع عنه التهمة أن يفصح بالتزامه ليقول: أنا ألتزمه، هي علي كظهر أمي، وقد مضى في رسم لم يدرك ما بين هذا المعنى، وأما العتق والمشي فكما قال فيهما، لا كلام في ذلك ولا إشكال، وبالله التوفيق.

مسألة: رجل أعتق رقبة في ظهار عليه اشتراها فأتى رجل فاستحق الرقبة

مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل أعتق رقبة في ظهار عليه اشتراها، فأتى رجل فاستحق الرقبة، فرجع المعتق على بائعه بالثمن، وهو ثمن واسع، أترى أن يشتري ببعضه رقبة ويرد ما بقي؟ قال: يشتري به كله، وإنما رأيت أن يشتري به كله؛ لأن مالكا سئل عن الرجل يعتق رقبة عن ظهار عليه، ثم يطلع على عيب، قال: يرجع به على بائعه، ويجعله في رقبة، فإن لم يجد به رقبة، أعان به في رقبة يتم له عتقها، فمن هنالك رأيت ما قلت لك، والعيب الذي أصيب بالعبد، ليس هو مما إذا كان في العبد لم يجز في الرقاب، ولكنه إذا كان في العبد جاز العبد به.
قلت له: فلو كان تطوع، قال: يرجع بالعيب، ويصنع به ما شاء، وكذلك لو كان هدي تطوع أهداه، ثم أصاب به عيبا، رجع على بائعه بقيمة العيب، وصنع به ما شاء، وهو مثل لعتق التطوع، إلا أنه لو كان هديا واجبا، فأصاب به عيبا، رجع على بائعه بقيمة

العيب، فاشترى به هديا، فإن لم يجد به هديا شاة، ولا غيره مما يكون هديا تصدق به، ولا يشرك به في هدي.
قال محمد بن رشد: مساواة ابن القاسم هنا بين العيب يوجد في العتق التطوع والهدي التطوع، أنه لا شيء على المبتاع في قيمة العيب الذي يرجع به على البائع، خلاف قوله في المدونة في تفرقته بين الهدي التطوع، والعتق التطوع.
ولابن نافع في المدونة: أنه لا يصح له تملك ما يرجع به العيب في العتق التطوع، فأحرى أن لا يصح له ذلك على مذهبه في الهدي التطوع، وأما الهدي الواجب، والرقبة الواجبة، والضحية، فلا اختلاف في أنه لا يصح له تملك لما يرجع به للعيب في شيء من ذلك كله إن كان العيب يسيرا يجوز به العبيد في الرقاب والشاة في الهدي والضحية، وإن كان كثيرا لا يجوز به العبد في الرقاب ولا الشاة في الضحية والهدي، وجب عليه البدل في الرقبة، والهدي في الضحية إن كانت لم تفت أيام الذبح، وإن كانت قد فاتت تصدق بذلك.
وقد مضت هذه المسألة مستوفاة في أول سماع أصبغ من كتاب الضحايا، فمن أحب الوقوف عليها تأملها هنالك، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لامرأته أنت علي كظهر فلانة لجارة له

مسألة وقال: في رجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر فلانة لجارة له- إن دخلت هذه الدار، فيتزوج جارته التي حلف لامرأته بظهارها، ثم دخل الدار قال سحنون: لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: وجه قول سحنون أنه حمل يمينه على أنه أراد أنت علي كظهر فلانة مني يوم أدخل الدار إن دخلها، ويلزم على قياس هذا لو قال لامرأته: أنت علي كظهر فلانة -لامرأة له أخرى- إن دخلت هذه الدار، فطلق فلانة طلاقا بائنا، ثم دخل الدار، أن يلزمه الظهار؛ لأنه على بر، فكأنه ظاهر يوم دخل الدار؛ بظهر أجنبية، وإن قلنا في هذه: إن اليمين بالظهار لغو، لما وقعت بظهر من تحل له يوم اليمين، وجب أن يقول في مسألة الكتاب:

إن الظهار له لازم لما كانت يمينه بظهر أجنبية يوم اليمين، والأظهر أن يحمل يمينه على أنه إنما أراد أنت علي كظهر فلانة اليوم، إن دخلت الدار، متى ما دخلتها وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في المدونة في الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل عبد أملكه فهو حر، أن اليمين إنما تلزمه في كل عبد كان عنده يوم حلف، لا في كل عبد كان عنده يوم حنث، وكذلك إذا قال: كل عبد أملكه من الصقالبة فهو حر، فاشترى بعد يمينه، وقبل أن يكلمه صقالبة أنهم أحرار.
وقول سحنون في هذه المسألة يأتي على ما في سماع زونان في الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها بمصر طالق، أن الحنث إنما يلزمه فيمن تزوج بعد كلامه، لا فيما تزوج بعد يمينه وقبل كلامه، وبالله التوفيق.

مسألة: التتابع في كفارة القتل والظهار

مسألة وسئل عن رجل صام عن ظهارين كانا عليه أربعة أشهر، فلما كان قبل فراغه ذكر أنه ناس ليومين، لا يدري أهي من الكفارة التي هو فيها أو من الأولى؟ فزعموا أنه يصوم يومين ويأتي بشهرين.
قال محمد بن رشد: التتابع في كفارة القتل والظهار فرض التنزيل، فلا يعذر أحد في تفريقهما بالنسيان على المشهور في المذهب، وإنما يعذر في ذلك بالمرض أو بالحيض إن كانت امرأة، فإن مرض الرجل، فأفطر في شهري صيامه أو أكل فيهما ناسيا، قضى ذلك ووصله بصيامه، فإن ترك أن يصله بصيامه ناسيا أو جاهلا متعمدا، استأنف صيامه، فإذا صام الرجل عن ظهارين كانا عليه أربعة أشهر، ثم ذكر قبل فراغه أنه ناس ليومين، لا يدري من أي الكفارتين، فقال ابن القاسم: إنه يصوم يومين، ويأتي بشهرين، ووجه قوله أن هذه الكفارة التي هو فيها لما كان يقدر على إصلاحها بإتيان ما شك فيه منها، أمر ألا يتركها حتى يصلحها على ما يومن بيومين يصلهما بها، ثم يعيد بعد ذلك الكفارة الأولى؛ لاحتمال أن تكون اليومان منها، وقد ترك أن

يصلهما بها على أصله فيمن ذكر سجدة من آخر صلاته، لا يدري من أي ركعة، أنه يسجد سجدة يصلح بها هذه الركعة التي لم يفته إصلاحها، ثم يأتي بركعة؛ لاحتمال أن تكون السجدة من غيرها من الركعات، ويأتي في هذه المسألة على مذهب من يرى أنه يأتي بركعة، إذ لا بد من الإتيان بها ولا يخر إلى سجدة، إذ ليس على يقين أنها من هذه الركعة، أنه يصوم شهرين، ولا يأتي بيومين، إلا أن يكون أيضا لا يدري لعل أحد اليومين من الكفارة الأولى، والثاني من الثانية، فإنه يصوم يوما واحدا يصله بصيامه، ثم يأتي بشهرين، وهو قول ابن الماجشون، وروى ذلك ابن سحنون، عن أبيه، ويأتي في هذه المسألة على قياس قول من يقول في من ظن أنه قد أكمل صلاته أربع ركعات، فقام بإثر سلامه، وصلى ركعتين نافلة، ثم ذكر أنه لم يصل من الفريضة إلا ركعتين، أنه يعتد بهذين الركعتين النافلة، وتجزئه من فريضته أن يعتد أيضا بيومين من أول الكفارة الثانية، على اليومين اللذين نسيهما أو شك فيهما من الكفارة الأولى، فيكون عليه أن يأتي بعد تمام الأربعة أشهر بيومين لا أكثر، يصلهما بصيامه، فإن ترك أن يصلهما سهوا أو عمدا، استأنف صيام شهرين.
ومحمد بن عبد الحكم يرى أنه يعذر في تفرقة الصوم بالنسيان؛ لأنه أمر غالب كالمرض، فعلى قوله: إن ذكر اليومين بعد تمام الأربعة أشهر متى ما ذكر، فليس عليه إلا صيام يومين ساعة يذكرهما.
واختلف على قوله: إن ذكر يومين من الكفارة الأولى قبل أن يتم الكفارة الثانية، فقيل: إنه يتم الكفارة التي هو فيها ثم يقضي يومين؛ لأنه معذور لما تشبث به من صيام الكفارة التي هو فيها، وقيل: إنه لا عذر له في ذلك، فيصوم اليومين اللذين ذكرهما من الكفارة الأولى، ويستأنف الثانية، وإن شاء تمادى على صيام الكفارة التي هو فيها، وقضى الكفارة الأولى، على الاختلاف فيمن ذكر صلاة في صلاة، هل تفسد الصلاة عليه أم لا تفسد.
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز له أن يقضي اليومين في أثناء الكفارة، ويبني على صيامه، ولا يعد بذلك مفرقا لصيامه، إذ لم يتخلله فطر على ما قال ابن حبيب فيمن صام لظهاره شعبان وشوال، أنه يجزيه ولا يضره ما يخلل صيامه من صيام رمضان، وبالله التوفيق.

وجبت عليه رقبة فابتاع من رجل عبدا على أن يعتقه في الرقبة التي وجبت عليه

من سماع محمد بن خالد من داوود بن سعيد قال محمد بن خالد: سألت داود بن سعيد بن أبي دينار، عن رجل وجبت عليه رقبة، فابتاع من رجل عبدا على أن يعتقه في الرقبة التي وجبت عليه، فأعتقه ثم علم بعد عتقه إياه أن نصفه حر، ونصفه رقيق، قد دلس له بذلك البائع، قال: يرده إلى البائع، ويأخذ الثمن منه ويعاقب بفعله؛ لأن نصفه لا يجزي عنه في رقبة، فلذلك يجب له رده.
قال: قلت له: ولا يعتق على البائع بما رضي من بيعه على العتق، قال: لا يعتق عليه؛ لأنه إنما كان رضي أن يمضي عتقه بما كان أخذ من ثمنه، فإذا أخذ ذلك منه فليس براض.
قال محمد بن رشد: قول داوود هذا أنه يرده إلى البائع، ويأخذ منه الثمن.
من أجل أنه لا يجزئ عنه في رقبة، خلاف المشهور في المذهب، المعلوم من قول مالك في الحج الثاني من المدونة وغيره، فيمن اشترى عبدا فأعتقه في ظهاره، أو بعيرا فقلده وأشعره، ثم أصاب به عيبا لا يجوز به العبد في الرقاب، ولا البعير في الهدايا، أنه يرجع بقيمة العيب، ولا يرده لفواته بالعتق أو بالفدى، ويجعل ما يأخذ في قيمته العيب فيما وجب عليه من بدله.

المولى عليه يظاهر من امرأته أيعتق بغير إذن وليه

من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك بن الحسن: سألت عبد الله بن وهب، عن المولى عليه، يظاهر من امرأته أيعتق بغير إذن وليه؟ قال: نعم، استحب ذلك له إذا كان موسرا، وإن لم يكن له إلا رأس واحد، فلا أحب له أن يعتق وعليه الصيام.
قال محمد بن رشد: قوله في السؤال: أيعتق بغير إذن وليه؟ معناه أيكون له أن يعتق بغير إذن وليه، فلا يكون لوليه أن يرد ذلك؟ وقوله في الجواب نعم، أستحب ذلك له، معناه أستحب أن يكون الحكم فيه ذلك إذا

كان موسرا، وقوله: وإن لم يكن له إلا رأس واحد، فلا أحب له أن يعتق، معناه فلا أحب أن يكون الحكم في ذلك جواز العتق له، وهو نحو مذهب ابن القاسم؛ لأنه يجوز له العتق إن أعتق بغير إذن وليه في الموضع الذي يلزم وليه أن يعتق عنه بإذنه؛ ولأن من قول ابن القاسم أن وليه ينظر له في حبس امرأته أو إنماء ماله، وقال: وليس كلهم سواء، منهم من يقل ماله ومنهم من يكثر ماله، وليس كل النساء سواء، منهن من يكثر مالها، ومنهن من لا يكون لها ذلك المال في النساء، ولا الحال فلينظر له وليه على ما يرى من ذلك خيرا له وأصلح، فإن رأى أن يكفر عنه كفر، وليس في ذلك حرج مرة ولا مرتين، وإنما هو على الاجتهاد منه، وليس له إلى الصيام ولا إلى الإطعام سبيل؛ لأنه ممن يجد رقبة.
وأما قول ابن وهب وعليه الصيام، فهو خلاف قول ابن القاسم: وليس له إلى الصيام، ولا إلى الإطعام سبيل، فعلى قول ابن وهب، وهو اختيار ابن المواز، إذا لم يأذن له وليه في العتق، صار من أهل الصيام، فإن لم يكفر به وطلبته امرأته بالوطء، ضرب له أجل الإيلاء، فإن لم يكفر بالصيام، طلق عليه بالإيلاء، وعلى مذهب ابن القاسم، إن أبى وليه أن يعتق عنه وطلبته امرأته بالوطء، طلق عليه، ولم يضرب له أجل الإيلاء، إذ لا سبيل له إلى الوطء إلا بالكفارة، ولا سبيل له إلى الكفارة، وقد قيل: يضرب له أجل الإيلاء، وإن كان ممن لا يقدر على الوطء ولا على الكفارة، لعلها سترضى بالإقامة معه على غير وطء، فلا تطلق عليه حتى ينقضي أجل الإيلاء على ما قيل في الذي يحلف بطلاق البتة ألا يطأ امرأته.
وابن كنانة يقول: إنما ينظر له وليه في أول مرة؛ لأن المرة الواحدة تأتي على الحليم والسفيه، فإن عاد إلى الظهار مرة ثانية لم يكفر عنه، وإن آل ذلك إلى الفراق، وبالله التوفيق.

أوصى فقال أعتقوا عني عبدا في ظهار أو عبدا في قتل نفس

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الوصايا قال أصبغ: قال لي ابن القاسم في رجل أوصى فقال: أعتقوا

عني عبدا في ظهار، أو عبدا في قتل نفس، فلم يكن في الثلث إلا ثمن عبد واحد، وفضلة يسيرة لا تبلغ ثمن عبد آخر، قال: أرى أن يعتق ذلك العبد في قتل النفس، ويطعم عنه بالفضلة عن الظهار.
وقال أصبغ: وذلك صواب؛ لأن الظهار يجوز فيه الإطعام لمن لم يجد، وهذا غير واجد، كما لو كان حيا، فوجبتا عليه جميعا، ولا يحد إلا هكذا، بدئ بكفارة القتل؛ لأنه لا إطعام فيه، ثم صار بعد بمنزلة مظاهر لا يجد رقبة، فإنه يصوم، فالميت مثله، غير أن الميت لا صيام له، ولا فيه ولا عنه.
فالإطعام عنه بمنزلة الصيام كالذي لا يطيق الصوم فيطعم.
قال أصبغ: وهذا عندي في قتل الخطأ، فأما قتل العمد إن أوصى بالكفارة فيه، فإني أرى أن يبدأ بالظهار؛ لأن الكفارة عنه ليست بمفروضة ولا واجبة تفرض، فهي بمنزلة التطوع، فسألت ابن القاسم إذا لم يكن في الثلث في هذه المسألة إلا ثمن عبد واحد، أو كفارة واحدة، لا فضل فيها، قال: أرى ذلك إليهم يعتقون عن أي الكفارتين شاءوا ورأوا.
قال أصبغ: وذلك رأيي، وما فعل من ذلك أجزأ.
وأحب إلي أن يعتقوه عن القتل، لعله ينوب له مال، يوجد في قدره كفارة الظهار، فإن كان ممن يويس له، فليس في هذا استحباب يجعلونه على أي ذلك جعلوه.
قال أصبغ: وإن كان في الثلث ثم عبد وفضلة قليلة لا تبلغ كفارة الظهار بالطعام، فإني أرى أن يبدءوا بالظهار؛ لأنه مما لا يجوز أن يشارك فيه في رقبة؛ لأن له مسلكا غير العتق إذا لم يخلص العتق موفرا لا يشرك فيه بالإطعام، وشورك بالباقي في رقبة؛ لأن قتل النفس لا إطعام فيه ولا مسلك له إلا العتق، أو صيام، ولا صيام في الميت ولا عنه، وإنما هو العتق، فإن لم يتم شورك به في عتق كمحمل الوصايا وغيرها من التشريك، قال أصبغ: قلت لابن القاسم: فإن لم يكن أوصى إلا بقتل نفس واحدة، فلم يكن في الثلث ثمن رقبة، وليس يكون في

قتل النفس إطعام، أترى أن يرد ذلك إلى الورثة؟ قال: لا.
قلت: أَفَيُعَان به في عتق رقبة؟ قال: عسى؛ قال أصبغ: وهو رأيي أن يعان به، وهو مما يبين ما فسرت في الظهار والنفس إذا وجد في الثلث ثمن عبد وفضلة لا تبلغ الإطعام في الظهار، ويقوى ذلك، والله أعلم، وهو مذهب أهل العلم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، وتحصيلها في أول سماع عيسى، فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

مسألة: يقول لامرأته أنت علي كظهر أبي أو غلامي

مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يقول لامرأته: أنت علي كظهر أبي أو غلامي: إنه ظهار.
قال محمد بن رشد: ولو قال كأبي أو غلامي ولم يسم الظهر لم يكن ظهارا عنده، حكى ذلك ابن حبيب من رواية أصبغ، واختاره وقال مطرف: لا يكون ظهارا ولا طلاقا، وإنه لمنكر من القول، والصواب إذا لم يكن ظهارا أن يكون طلاقا، وهو ظاهر قول ابن وهب؛ لأنه قال في ذلك: إنه لا ظهار عليه، فكأنه رأى عليه الطلاق الظهار في ذلك يترجح على القول بإباحة وطء أدبار الزوجات؛ لأنه كأنه أشبه ما يباح له من ذلك في زوجته بما يحرم عليه منه في أبيه أو في غلامه تحريما مؤبدا، كما شبه الظهار بذوات المحارم ما يباح له من وطء زوجته، بما يحرم عليه وطؤه من ذوات محارمه تحريما مؤبدا، وقد روي عن ابن القاسم إباحة ذلك، ومذهب ابن وهب تحريمه والتغليظ فيه، فكأن كل واحد منهما جرى على أصله، وبالله التوفيق.

ظاهر من امرأته فبدأ بالكفارة فصام أياما ثم قال لها أنت علي كظهر أمي

من نوازل سئل عنها أصبغ بن الفرج قيل لأصبغ: أرأيت رجل قال: امرأتي علي كظهر أمي، فبدأ بالكفارة، فصام أياما، ثم قال لها أيضا: أنت علي كظهر أمي.
أترى

أن يمضي على كفارته للظهار الأول، ثم يبتدي صياما آخر للظهار الثاني؟ قال: بل أرى أن يسقط ما مضى من صيامه، ثم يبتدئ من يوم ظاهر الظهار الثاني شهرين مستقلين، ولا أرى عليه استتمام الكفارة الأولى، وكذلك لو ظاهر مرارا في مجلس واحد أو مجالس مختلفة، قبل أن يكفر عن ظهاره الأول، لم يكن عليه إلا كفارة واحدة لجميع ظهاره، وذلك إذا كان ظهاره الأول لم يكن عليه إلا كفارة واحدة لجميع ظهاره، وذلك إذا كان ظهاره كله ظهارا بفعل واحد، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي، ثم يقول في مجلس آخر: أنت علي كظهر أمي، ففعل ذلك في مجالس شتى، فكفارة واحدة مجزئة عن ذلك، وليس دخوله في الكفارة بالذي يوجب عليه إتمامها وابتداء آخر للظهار الآخر.
قلت: فلو ظاهر منها بفعل قال لها: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا، فحنث، فوجب عليه الظهار، فابتدأ الصيام لكفارته، ثم صام أياما، فقال لها: أنت علي كظهر أمي ظهارا بغير فعل، حلف عليه، هل له أيضا أن يبتدئ الصيام للظهارين من يوم ظاهر الثانية، ويسقط عنه ما مضى من صومه؟ قال: نعم، ذلك له مثل الأول.
قلت: وهذان ظهاران مختلفان، ليسا من نوع واحد، ظهار الفعل، وظهار بغير فعل، كيف لا يكون عليه كفارتان، يمضي في الأولى للظهار الأول، ويتبدئ للظهار الآخر كفارة أخرى؟ قال: لا ليس ذلك عليه؛ لأن قوله الثاني: أنت علي كظهر أمي، فقد كان مظاهرا منها بفعل أو بغير فعل، فكأنه توكيد للظهار الأول.
قلت: فلو ظاهر منها ظهارا مجردا بغير فعل حلف عليه، فوجب عليه الظهار، فابتدأ الكفارة ثم قال: أنت علي كظهر أمي إن

فعلت كذا وكذا، فحنث به؛ أيبتدئ صياما مستقبلا للظهارين جميعا ويسقط ما مضى من صيامه؟ قال: هذا خلاف الذي ابتدأ الظهار بالفعل، ثم ظاهر ظهارا مجردا بعد ذلك، هذا الذي ظاهر بغير فعل، ثم ظاهر بفعل، فقد وجب عليه الظهار الأول، ووجبت عليه الكفارة، فلما حلف بظهارها ألا يفعل شيئا فحنث، صار ظهارا آخر مبتدأ، أدخله عليه الحنث، لم يكن هو أدخله على نفسه ابتدأ بغير حلف، فيكون توكيدا للظهار الأول، فتجزيه كفارة واحدة، فعلى هذا كفارتان، يمضي في كفارته التي ابتدأ ويستقبل كفارة أخرى للظهار الآخر.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم أن الرجل إذا ظاهر من امرأته ظهارا بعد ظهار، أنهما إن كانا جميعا بغير فعل، أو جميعا بفعل في شيء واحد، والأول بفعل، والثاني بغير فعل، فليس عليه فيهما جميعا إلا كفارة واحدة، إلا أن يريد أن عليه في كل ظهار كفارة، فيلزمه ذلك، قاله في كتاب ابن المواز.
قال أبو إسحاق: ويجوز له أن يطأ بعد الكفارة الأولى وقبل الثانية.
قال محمد بن رشد: بل هو الواجب؛ لأنه لو كفر قبل أن يطأ لم تجزه الكفارة، إذ ليس بمظاهر، وإنما هو حالف، كرجل قال: إن وطئت امرأتي فعلي كفارة الظهار، فلا تلزمه الكفارة حتى يطأ، بل لا تجزيه حتى يطأ، وقد مضى بيان هذا في رسم لم يدرك من سماع عيسى، وأنهما إن كانا جميعا بفعلين مختلفين، أو الأول منهما بغير فعل، والثاني بفعل، فعليه في كل واحد منهما كفارة، بحيث لم يجب عليه من ذلك إلا كفارة واحدة، إذا وقع الظهار الثاني بعد أن شرع في الكفارة للظهار الأول لم يجب عليه إتمامها، واستأنف كفارة الظهار من يوم أوقع الظهار الثاني، وحيثما وجب عليه في كل واحدة منهما كفارة كفارة، إذا وقع الظهار الثاني بعد أن شرع في الكفارة للظهار الأول، يجب عليه إتمامها، وابتدا كفارة أخرى للظهار الثاني، فهذا تحصيل قول ابن القاسم في هذه المسألة، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أنه إذا كان الظهار الأول بفعل، والثاني

بفعل، فعليه لكل واحد منهما كفارة، وإن كان الفعل واحدا وهو بعيد، ولابن الماجشون في ديوانه: إن كفارة واحدة تجزيه في كل ذلك، كيف ما كان، فعلى مذهبه إذا أوقع الظهار الثاني بعد أن شرع في الكفارة للظهار الأول، يبتدئ الكفارة من يوم أوقع الظهار الثاني، وإن كانا جميعا بفعلين، في شيئين مختلفين.
وقد قيل: إنه إذا أوقع الظهار الثاني بعد أن شرع في الكفارة للظهار الأول، يتم الأول ثم يستأنف الثانية، وإن كانا جميعا بغير فعل، قال ابن المواز: وهو أحب إلي إن لم يبق من الأولى إلا يسير، وإن لم يكن مضى من الأولى إلا يسير، نحو اليومين والثلاثة، فإنه يتمها وتجزيه لهما.
وقول ابن القاسم في هذه المسألة كلها أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، وبالله التوفيق.

المظاهر يقبل امرأته في شهري صيامه

مسألة وسئل عن المظاهر يقبل امرأته في شهري صيامه، قال: لا شيء عليه، ويستغفر الله.
قال محمد بن رشد: لمطرف في سماع أبي زيد من كتاب الصيام خلاف هذا أنه يستأنف.
وقد مضى القول في هذه المسألة وتحصيلها في آخر سماع أشهب، فلا وجه لإعادته.

مسألة: أعتق في رقبة واجبة منفوسا فكبر الصبي معيبا

مسألة قيل لأصبغ: أرأيت من أعتق في رقبة واجبة منفوسا فكبر الصبي أخرسا أو أصما أو مقعدا أو مطبقا جنونا، أعليه بدلها؟ قال أصبغ: ليس ذلك عليه وقد أجزته.
وهذا شيء يحدث، وكذلك لو ابتاعه فكبر على مثل هذا، لم يلحق البائع شيئا من ذلك.
قال محمد بن رشد: تعليله لإجزاء ذلك عنه في الكفارة، وأنه لا رجوع

له في ذلك على البائع بشيء، بأن هذا شيء يحدث، ليست بعلة صحيحة؛ لأن ما يحدث ويقدم من العيوب، إذا أمكن أن يعلم يلحق البائع فيه اليمين، ولا يجزئ عن المكفر في الكفارة إذا كان العيب مما لا يجوز في الرقاب، فالعلة في ذلك إنما هي أن هذا مما يستوي البائع والمبتاع في الجهل بمعرفته، ولا يمكن أن يعلم ذلك أحد، فلم يكن له حكم العيب في قيام المبتاع فيه على البائع، ولا في عدم الإجزاء في الكفارة؛ لأن المكفر قد أدى ما تجب عليه باجتهاده، ولم يقصر، فلا درك عليه فيها لا يمكن أن يعلم، إذ لم يكلف معرفة ما ليس في وسعه من ذلك؛ قال الله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .

يقول لامرأته قد جعلت أمرك بيدك فتقول أنا عليك كظهر أمك

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن أبي الغمر قال: سئل ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته: قد جعلت أمرك بيدك، فتقول: أنا عليك كظهر أمك، قال: ليس ذلك لها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزوج إنما ملكها في الطلاق، فليس لها أن توجب عليه أن لا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، فإذا لم يكن ذلك لها، فقد سقط ما كان بيدها من التمليك إذا قضت بما ليس لها، إلا أن تقول: أردت بذلك الطلاق، فيكون ثلاثا، إلا أن يناكرها الزوج فيما فوق الواحدة، والله أعلم.

مسألة: ظاهر من امرأته فأعطته رقبة يعتقها في ذلك

مسألة وقال: في رجل ظاهر من امرأته، فأعطته رقبة يعتقها في

ذلك، قال: إن كانت أعطته بشرط يعتق عنها، فذلك غير جائز، وإن كانت أعطته بغير شرط، فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأنها إذا أعطته إياها أو ثمنها على أن يعتقها، فلم يملكها قبل العتق ملكا تاما، لما لزمه من عتقها بالشرط الذي شرطت عليه.
وقد قال في المدونة: أن لا تجزيه أن يعتق إلا رقبة يملكها قبل العتق، ولا يعتق عليه، فصار بمنزلة من اشترى من يعتق عليه فأعتقه عن ظهاره، ولا هي أيضا أعتقها عنه بإذنه، فيجزيه على اختلاف في ذلك أيضا.
ولا يرد العتق وإن لم يجزه عن ظهاره، واختلف في ماله، ففي المدونة لابن نافع أن ماله تابع له، ولا يقبل قول المرأة فيه.
وقال ابن القاسم: القول قولها أنها أعطته بغير مال، ويكون لها المال، وبالله التوفيق.

مسألة: قال أعتقوا عني رأسا من رقيقي وله عشرة أرؤس في ظهار وجب عليه ثم مات

مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل قال: أعتقوا عني رأسا من رقيقي، وله عشرة أرؤس في ظهار وجب عليه ثم مات.
قال: الورثة مخيرون يعتقون أيهم شاءوا، إذا كان ممن يجوز في الظهار.
قلت: أرأيت إن كان عبيده كلهم عميًّا؟ قال: إن كان الذي أوصى عالما أنه ليس من عبيده واحد يجوز في الظهار، رأيت أن يسهم بينهم فيعتقوا واحدا منهم، وإن كان ممن يظن أن أحدهم يجوز عنه في الظهار، يعذر بالجهالة، يخرج عشر قيمتهم، فيشتري رقبة صحيحة، قيل له: لا يوجد، قال: بل يوجد صغيرا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الورثة مخيرون في عتق من شاءوا منهم إن كانوا ممن يجوز في الرقاب، خلاف قوله في أول سماع عيسى مثل قول أصبغ فيه.
وقوله إن كان عبيده كلهم عمي: إنه يسهم بينهم إن كان الموصي عالما بذلك، وإنه يباع منهم بعشر قيمتهم إن لم يكن عالما بذلك، بيان لما في

سماع عيسى.
وقد مضى هنالك القول على هذا المعنى مستوفى، فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك

مسألة قال ابن القاسم: في رجل قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، فأخذ في الكفارة، فلما صام شهرا وقع بين امرأته وبينه مشاجرة.
فقال لها: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، قال: يبتدئ شهرين من يوم ظاهر الظهار الآخر.
قيل له: فإن ابتدأ، فلما صام أياما أراد أن يبر بالتزويج فيتزوج عليها، فقال: إذا تزوج عليها سقطت عنه الكفارة، وبطل عليه الصيام.
قال محمد بن رشد: لا يجب على الرجل الظهار بقوله: امرأتي علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليها؛ لأنه يحنث بعد، ولا يقع عليه الحنث بذلك إلا بعد الموت، إلا أن الكفارة تجزيه قبل الحنث؛ لأنها يمين هو فيها على حنث، فإن أراد أن يكفر ليحل عن نفسه الظهار، فيجوز له الوطء، كان ذلك له، وإن لم يفعل وطالبته امرأته بالوطء ورفعته إلى السلطان، ضرب له أجل الإيلاء، إذ لا يجوز له أن يطأ إلا أن يكفر، فإن هو لما أخذ في الكفارة قال لها مرة أخرى: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، عاد إلى ما كان عليه قبل أن يبتدئ الكفارة، وسقط ما مضى منها، ولم يكن له أن يطأها حتى يستأنف الكفارة، على ما قال، ولم يكن عليه أن يتم الكفارة التي دخل فيها، ثم يستأنف الكفارة لليمين الأخرى؛ لأن اليمينين جميعا على فعل واحد، فلا يلزمه فيهما إلا كفارة واحدة حسب ما مضى بيانه في نوازل أصبغ، فإن تزوج عليها بر بالتزويج، وانحلت عنه اليمين، ولم يكن عليه إتمام ما دخل عليه فيه من الكفارة.
وهذا كله بين، وقد مضى ما يزيده وضوحا وبيانا في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، وبالله التوفيق، لا رب غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
عليه كفارة الظهار هل يكون الشعير مجزيا عنه في إطعامهقال لأمته أنت أحرم علي من أميتزوج أمة ثم ظاهر منها ثم اشتراها فأعتقها في تظاهره منها ثم أراد أن يتزوجهامتظاهر أجمع على إمساك امرأته ثم صام فماتتمسألة: قال كل امرأة أنكحها فهي علي كظهر أميظاهر من امرأته ثم طلقها طلقة ثم أراد أن يكفرمسألة: يظاهر من امرأته فيصوم في تظاهره منها شهرا ثم يطلقهايقول لامرأته أنت علي كأمي وهو يريد الطلاقمسألة: المظاهر من امرأته أله أن يضاجعها ولا يمسها قبل أن يكفرقال الرجل اشتروا عبد فلان وعبد فلان فأعتقوهما عني في كفارة عليمسألة: قال أعتقوا من رقيقي رأسا فإن علي رقبة في ظهارالمظاهر تخدمه امرأتهمسألة: ظاهر من امرأته فصام شهرا ثم طلقها فمضى على صيامه حتى أتم الشهرمسألة: ظاهر من نسوة له بكلمة واحدةمسألة: الظهار ثلاثة وجوهمسألة: يوصي بأن يشترى أبوه أو أخوه فيعتق عنه فأبوا أن يبيعوه إلا بأكثر من ثمنهيقول امرأتي علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذاقال لامرأته أنت أمي يريد بذلك الطلاققال لامرأته أنت علي كظهر أمي إن وطئتك فوطئها مرة ثم ماتتالعبد يعتق سيده نصفه في ظهاره ثم يعتق بعد ذلك النصف الآخر في ذلك الظهاريوصي بعتق عبد في تطوع ويوصي بشراء آخر لكفارة ظهار فأيهما يبدأيقول لجاريته لا أعود لمسيسك حتى أمس أمييقول لامرأته إن لم أطلقك فأنت علي كظهر أميمسألة: رجل أعتق رقبة في ظهار عليه اشتراها فأتى رجل فاستحق الرقبةمسألة: يقول لامرأته أنت علي كظهر فلانة لجارة لهمسألة: التتابع في كفارة القتل والظهاروجبت عليه رقبة فابتاع من رجل عبدا على أن يعتقه في الرقبة التي وجبت عليهالمولى عليه يظاهر من امرأته أيعتق بغير إذن وليهأوصى فقال أعتقوا عني عبدا في ظهار أو عبدا في قتل نفسمسألة: يقول لامرأته أنت علي كظهر أبي أو غلاميظاهر من امرأته فبدأ بالكفارة فصام أياما ثم قال لها أنت علي كظهر أميالمظاهر يقبل امرأته في شهري صيامهمسألة: أعتق في رقبة واجبة منفوسا فكبر الصبي معيبايقول لامرأته قد جعلت أمرك بيدك فتقول أنا عليك كظهر أمكمسألة: ظاهر من امرأته فأعطته رقبة يعتقها في ذلكمسألة: قال أعتقوا عني رأسا من رقيقي وله عشرة أرؤس في ظهار وجب عليه ثم ماتمسألة: قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل