كتاب الصيام والاعتكاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة: المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد
من سماع عبد الرحمن بن القاسم من مالك
من كتاب أوله سلعة سماها قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها، فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد، أين تعتد؟ قال: إنما هو بمنزلة ما لو طلقها في المسجد، فإذا طلقها في المسجد لم ينبغ لها أن تخرج من المسجد حتى تتم اعتكافها؛ فهذه ينبغي لها أن ترجع إلى المسجد حتى تتم اعتكافها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المعتكفة إذا حاضت في اعتكافها فخرجت إلى منزلها، لا ينتقض اعتكافها، فتكون إذا طهرت مبتدئة لاعتكاف، بل هي باقية في حرمة الاعتكاف الذي دخلت فيه، قيل في حرمته كله، وهو قول سحنون، وقيل في حرمته من جهة لذي الرجال خاصة، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، فإذا طهرت، رجعت إلى تمامه، فوجب أن
يكون حكم طلاق زوجها إياها بعد أن دخلت في الاعتكاف في حال الطهر أو الحيض، سواء فيما يلزمها من التمادي على اعتكافها الذي قد سبق وجوب العدة عليها؛ لأن الاعتكاف إذا سبق العدة، لم تخرج منه حتى ينقضي اعتكافها، كما أن العدة إذا سبقت الاعتكاف، لم تخرج منها إلى الاعتكاف حتى تنقضي عدتها، وإن كان اعتكافا واجبا عليها في أيام بأعيانها، قد كانت نذرت اعتكافها - قاله بعض شيوخ القرويين، وهو صحيح، فقف عليه، وإذا طهرت في بعض يومها فرجعت إلى المسجد، فلا تمسك عن الأكل بقية يومها، ولا تعتد به في اعتكافها، إلا أن تطهر قبل الفجر، فتنوي صيام ذلك اليوم، وتدخل معتكفها - حينئذ، وهي رواية ابن وهب عن مالك؛ وقيل: إنها لا تعتد بذلك اليوم إلا أن تطهر قبل الغروب، وتدخل معتكفها حينئذ في الوقت الذي يبتدئ المعتكف فيه باعتكافه، وهو قول سحنون.
وقد قيل: إنها إذا طهرت في بعض النهار، لا ترجع إلى المسجد بقية يومها، قياسا على قول ابن القاسم في الذي يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فيمرض فيها ثم يصح فيغشاه العيد قبل أن يتم اعتكافه، إنه يخرج إلى العيد، ولا يرجع ذلك اليوم من أجل أنه غير صائم، فتدبر ذلك.
مسألة: ينذر صيام يوم الخميس فيمر يوم الخميس وهو غير ذاكر له
مسألة وسئل: عن الذي ينذر صيام يوم الخميس، فيمر يوم الخميس - وهو غير ذاكر له، فإذا كان يوم الجمعة، أصبح صائما - وهو يرى أنه يوم الخميس، أترى أن يجزئه من قضاء صيام يوم الخميس الذي جعله عليه؟ قال: نعم، إني أرجو أن يجزئه - إن شاء الله - من صيامه؛ وإني لأكره للرجل أن يجعل على نفسه الشيء، هكذا يصومه حتى كأنه فريضة، ولكن يصوم ولا يجعل على نفسه شيئا؛ فإن شاء صام، وإن شاء أفطر.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أصبح يوم الجمعة صائما يرى أنه الخميس الذي كان نذر صيامه، أنه يجزئه من قضائه صحيح؛ لأن صوم يوم الخميس واجب عليه كوجوب قضائه، فناب في النية فرض عن فرض، وذلك مثل قولهم في الأسير يخطئ في الشهور، فيصوم شوالا - وهو يرى أنه رمضان، فلا اختلاف بينهم في أنه يجزئه؛ وستأتي متكررة في رسم "سلف"، ورسم "جاع" من سماع عيسى، وكراهيته أن ينذر على نفسه صيام يوم بوقته أبدا، هو مثل ما في المدونة، وإنما كره ذلك لمشقة تكرره، وقد يسهو عنه، أو لعله يفرط فيه مع طول المدة فيأثم، والله أعلم.
مسألة: نذر صياما بمكة أو ببلد من البلدان رجا فيه الفضل
مسألة وسئل مالك: عمن نذر صياما بمكة، أو بالمدينة، أو بعسقلان، أو بالإسكندرية، أو ببلد من البلدان، رجا فيه الفضل؟
قال: قال مالك: من نذر صياما في مثل المدينة، ومكة، وساحل من السواحل ترجى بركة الصيام فيه، فإني أرى ذلك عليه، ومن نذر في غير ذلك مثل العراق، وما أشبهه، فلا أرى أن يأتيه.
قال ابن القاسم: ومعنى قوله: إنه يصوم ذلك الصيام بمكانه الذي هو فيه.
قال محمد بن رشد: فهذا مثل ما في المدونة، والأصل فيه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه» . فمن نذر أن يصوم في موضع يتقرب إلى الله بالصيام فيه، لزمه الخروج إليه؛ ومن نذر أن يصوم في موضع لا قربة لله في الصيام فيه، صام بموضعه ولم يخرج إلى ذلك الموضع؛ إذ ليس لله في ذلك طاعة، وهذا ما لا اختلاف فيه - وبالله التوفيق.
مسألة: عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد ويكتب المصاحف
ومن كتاب أوله شك في طوافه مسألة وسئل مالك: عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد، ويكتب المصاحف؛ قال: ليس هذا من شأن المعتكف، ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ ورأيته يرى أن وجه من يريد الاعتكاف أن يكون في مؤخر المسجد ورحابه.
قال محمد بن رشد: قوله ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ معناه ليرقع ويكتب المصاحف قبل أن يدخل إن أحب، وهذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، الذي يرى أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن والصلاة.
وأما على مذهب ابن وهب الذي يبيح للمعتكف جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، فيجيز له مدارسة العلم، وعيادة المرضى في موضع معتكفه، والصلاة على الجنائز - إذا انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون عليها، فيجوز له أن يكتب المصاحف للثواب، لا ليتمولها، ولا على أجرة يأخذها؛ إلا ليقرأ فيها، وينتفع بها من احتاج إليها، وأما ترقيعه ثوبه فمكروه، ولا ينتقض به اعتكافه إذا كان شيئا خفيفا.
مسألة: الاعتكاف يوما أو يومين
مسألة وسئل مالك: عن الاعتكاف يوما أو يومين، قال: ما عرفت هذا من اعتكاف الناس؛ قال ابن القاسم: قد سئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسا، وأنا لست أرى بأسا؛ لأن الحديث قد جاء أدنى الاعتكاف يوم وليلة.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في أدنى الاعتكاف: فمرة قال أدناه يوم وليلة، ومرة قال أدناه عشرة أيام؛ وهو اختلاف في أدنى ما يستحب للرجل أن يعتكفه، إذ لا يقول أحد إن من نذر أن يعتكف ما دون عشرة أيام، يلزمه اعتكاف عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام، فبان بذلك ما قلناه؛ ويتصور الاختلاف في وجه آخر أيضا - وهو أن من نذر اعتكافا مبهما غير محدود، ودخل فيه ولم ينو شيئا، يلزمه يوم وليلة على القول بأن أدنى الاعتكاف يوم وليلة، أو عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام.
وقال ابن حبيب: أدنى الاعتكاف في الاستحباب يوم وليلة، وأعلاه في الاستحباب عشرة أيام، فجعل أعلاه في الاستحباب عشرة أيام على القول بأن أدناه يوم وليلة.
ولم يتكلم في أعلاه في الاستحباب، على القول بأن أدناه عشرة أيام؛ والذي يصح أن يقال على هذا القول في أعلاه: إنه شهر كامل، ولا يستحب لأحد أن يعتكف أكثر من شهر، بل يكره ذلك له مخافة ألا يفي بشروطه.
وقد «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» .
مسألة: المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه هل عليه إعاد
مسألة وسئل مالك: عن المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه، أترى عليه إعادة؟ قال: لا.
قال سحنون: لا أقول ما قال، وأرى ذلك يفسد اعتكافه؛ لأن ذلك سنة مجتمع عليها ألا يخرج وأن
يبيت في معتكفه حتى يصبح.
وقال عبد الملك بن الماجشون بقول سحنون: إن ذلك يفسد اعتكافه، قال: وإن أصاب أهلا، أو فعل ما ينقض اعتكافه في ليلة الفطر، كان ذلك ناقضا لاعتكافه؛ لأنها من اعتكافه، له فيها ما للمعتكف، وعليه ما عليه؛ وقاسها ابن الماجشون بركعتي الطواف، وقال: هو من بابه وجدت الطواف ينقضي بالركعتين، ووجدته إن انتقض وضوؤه في الركعتين أو قبلهما، انتقض طوافه، وقد يرى أنهما ليستا من أشواطه السبعة، كما أن ليلة الفطر ليست من ليالي صومه، والاعتكاف لا يكون إلا بصومه.
قال محمد بن رشد: قد احتج ابن الماجشون لقوله، وقول مالك أظهر، ووجهه: أن ليلة الفطر ليست من العشر الأواخر، فلو أن رجلا حلف ألا يكلم فلانا في العشر الأواخر، فكلمه بعد غروب الشمس من ليلة الفطر لم يحنث؛ فكذلك من نوى اعتكاف العشر الأواخر، ودخل فيها أو نذرها، لما يلزمه المقام ليلة الفطر في اعتكافه بموجب نذره، وإنما يؤمر بذلك اتباعا لفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فإن لم يفعل فقد قضى ما لزمه من الاعتكاف، وقصر في ترك السنة؛ إذ ليس في مقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الفطر في معتكفه، ما يدل على أن الليلة من العشر، ولا أن لها حكم العشر، إذ قد زاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كثير من الشرائع زيادات، فكانت سننا فيها، ولم يكن لها حكمها في الوجوب؛ من ذلك سنن الوضوء، ورفع اليدين في الإحرام، والركعتان عند الإهلال؛ وقد اشترى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جابر بن عبد الله جملا فقضاه الثمن وزاده زيادة، فلم يكن على من اشترى شيئا، أن يزيد البائع عند القضاء؛ وإن زاد لم يكن للزيادة حكم الثمن المزيد عليه في جميع أحواله، وفي دون هذا كفاية، ولما كانت زيادة الليلة في الاعتكاف تختص باعتكاف العشر الأواخر دون ما سواه من الاعتكاف، ضعف قياس ذلك على ركعتي الطواف، لكونهما أصلا في كل
طواف، لا يختص بطواف دون طواف؛ وقد ذهب ابن لبابة إلى أن على كل معتكف أن يزيد في اعتكافه ليلة يخرج في صبيحتها من اعتكافه على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله فيه: «وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه» وهو شذوذ من القول، لا متابع له عليه من الفقهاء؛ لأن أكثر الرواة يقولون في الحديث «وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه» - وبالله التوفيق.
مسألة: النقص من قيام رمضان
مسألة وسمعت مالكا - وذكر أن جعفر بن سليمان أرسل إليه يسأله أن ينقص من قيام رمضان، قال: فنهيته عن ذلك؛ فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم - وقد قام الناس هذا القيام، فقيل له: فكم القيام عندكم؟ قال: تسعة وثلاثون ركعة بالوتر.
قال محمد بن رشد: لما كان قيام رمضان مرغبا فيه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وكان للجمع فيه أصل للسنة، وكان العمل قد استمر فيه على هذا العدد من يوم الحرة إلى زمنه، وذلك أن عمر بن الخطاب كان أمر أبي بن كعب، وتميما الداري، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فكانا يطيلان القيام، حتى لقد
كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر؛ فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمرهما أن يزيدا في عدد الركوع، وينقصا من طول القيام؛ فكانا يقومان بالناس بثلاث وعشرين ركعة، وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثمان ركعات؛ فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة، رأى الناس أنه قد خفف، فكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، ثم شكوا ذلك لما اشتد عليهم، فنقصوا من طول القيام، وزادوا في عدد الركوع، حتى أتموا تسعا وثلاثين ركعة بالوتر، ومضى الأمر على ذلك من يوم الحرة، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يقوموا بذلك، وأن يقرءوا في كل ركعة بعشر آيات، فكره مالك أن ينقص من ذلك، إذ لا ينبغي أن يحمل الناس على انتقاص الخير، وإنما ينبغي أن يرغبوا في الازدياد فيه، ويحملوا على ذلك إن أمكن، وكان بالناس عليه طاقة، وإليه نشاط، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: صيام العبد بغير إذن سيده
ومن كتاب الشجرة مسألة وسئل: عن صيام العبد بغير إذن سيده، قال: لا بأس بذلك، إلا أن يكون مضرا بسيده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العبد مكلف، مثاب على طاعته، فليس لسيده أن يمنعه مما يثاب عليه، ولا يضر به؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» ، فإذا لم يكن لسيده أن يمنعه، لم يكن عليه أن يستأذنه.
وكذلك خادم الخدمة، بخلاف الزوجة، والسرية، وأم الولد، إلا أن يكون غائبا أو مسنا لا ينبسط للنساء، فلا إذن عليهن؛ وذلك
في صيام التطوع، وما أوجبوه على أنفسهم من نذر، أو كفارة يمين، أو ظهار، أو فدية أداء، أو جزاء صيد في الإحرام، أو الحرم، وقد قيل: إنه إذا أذن له في النكاح، كان له أن يصوم في الظهار، وإن كان ذلك مضرا بسيده، كما إذا أذن له في الإحرام، فأصاب خطأ ما أوجب عليه الصيام، والأول أظهر؛ لأنه وإن أذن له في النكاح، فهو أدخل على نفسه الظهار، فهو بمنزلة إذا أذن له في الإحرام فأصاب عمدا ما أوجب عليه الصيام.
وأما قضاء رمضان، فلا إذن عليهم فيه، وإذا أذن لهم في صيام التطوع، لم يكن له أن يرجع في الإذن؛ وإذا صاموا بإذنه، فلا يجوز لهم الفطر إلى الليل، وبالله التوفيق.
مسألة: المؤذن يعتكف أيؤذن فوق المنار
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان مسألة وسئل مالك: عن المؤذن يعتكف، أيؤذن فوق المنار؟ قال عيسى به وضعفه؛ وقال: وما رأيت مؤذنا يعتكف، وكأنه كره الأذان له؛ وقال ابن القاسم: وقد سمعته يكرهه غير مرة، ويجيزه.
وجل رأيه فيما أعلم - الكراهية؛ وقوله: في الكراهية أحب إلي.
قال محمد بن رشد: القولان في المدونة، والكراهة أجرى على أصله في أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن.
وقد مضى ذلك في رسم "شك في طوافه".
مسألة: المعتكف ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه
ومن كتاب طلق بن حبيب مسألة وسئل عن المعتكف: ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، قال: لا يعجبني ذلك.
قيل له: أيغتسل في موضعه للجمعة الذي يخرج فيه
لحاجته، قال: لا بأس بذلك؛ ولغير الجمعة - إن أحب ذلك - تَبَرُّدًا أو غير ذلك، فلا بأس عليه في الغسل؛ ولقد كان رجال من أهل الفضل يغتسلون في كل يوم لرواحهم، منهم: عامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، كانوا يغتسلون كل يوم.
قال محمد بن رشد: كراهيته للمعتكف أن ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، معناه: إذا كان له من يكفيه ذلك؛ وأما إذا لم يكن له من يكفيه ذلك، فلا يكره له ذلك؛ لأنه مضطر إليه، لكنه يكره له أن يدخل في الاعتكاف - إذا لم يكن له من يكفيه ذلك - على أحد قولي مالك في المدونة، فاختلاف قوله فيها إنما يعود إلى الدخول في الاعتكاف إذا لم يكن له من يكفيه الخروج عن طعامه، فمرة أجاز ذلك له، ومرة كرهه له، ورأى ترك الاعتكاف خيرا له.
وأما إذا دخل فيه، فلا اختلاف في أن له أن يخرج عن طعامه - إذا لم يجد من يسوقه إليه؛ لأنه مضطر إلى ذلك، ولا يقطع اعتكافه؛ لأنه قد لزمه.
وأما خروجه للغسل إلى الموضع الذي يخرج فيه لحاجة الإنسان، فذلك جائز، إذ لا يصح له فعله في المسجد، وهو مما له أن يفعله تبردا - وإن لم يكن واجبا عليه؛ لأن ذلك يعينه على ما هو فيه، ولأنه من النظافة المشروعة في الدين - وبالله التوفيق.
مسألة: ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد فيخرج منه المذي
مسألة
وسئل: عن الذي ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد منه، فيخرج منه المذي، ماذا ترى عليه؟
قال: أرى أن يقضي يوما مكانه، ولقد كان رجل من أصحابنا من أهل الفضل إذا دخل رمضان، لا يدخل بيته حتى يمسي، خوفا على نفسه من أهله.
قال ابن القاسم:
وسمعت مالكا قال: ليس على من قبل امرأته في رمضان قضاء، إلا أن يكون أنعظ ووجد اللذة، فعليه القضاء - وإن لم يمذ إذا كان ذلك حرك منه اللذة التي وجدها؛ وإن أمذى فعليه القضاء؛ قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا قبل فلا شيء عليه، أنعظ أو لم ينعظ ما لم يمذ، وإذا باشر فأنعظ فعليه القضاء، أمذى أو لم يمذ؛ أنكر سحنون قول ابن القاسم هذا - ولم يره شيئا.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة: أنه إن نظر قاصدا إلى التلذذ بالنظر، أو تذكر - قاصدا إلى التلذذ بذلك؛ أو لمس، أو قبل، أو باشر فسلم، فلا شيء عليه؛ وإن أنعظ ولم يمذ، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء - وهي رواية ابن القاسم.
والثاني: أنه لا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في المدونة.
والثالث: الفرق بين ما بين المباشرة، وما دونها من قبلة، أو لمس، فإن أنعظ من مباشرة فعليه القضاء، وإن أنعظ فيما دونها فلا قضاء عليه، وهو قول ابن القاسم الذي أنكره سحنون؛ وإن أمذى فعليه القضاء.
وإن أنزل، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء والكفارة - وهو قول مالك في المدونة في القبلة، والملامسة، والمباشرة؛ والنظر، والتذكر للذة، محمولان على ذلك.
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه، إلا أن يتابع حتى ينزل، وهو قول أشهب، وأصح الأقوال؛ لأن الكفارة لا تجب إلا على من قصد انتهاك حرمة الصوم، وهذا لم يفعل إلا ما وسع له فيه، فغلبه الإنزال.
والثالث: الفرق بين اللمس، والقبلة، والمباشرة، وبين النظر، والتذكر، فإن لمس أو قبل، أو باشر فأنزل، فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابع ذلك؛ وإن نظر وتذكر فأنزل، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ إلا أن
يتابع ذلك حتى ينزل، وهذا القول هو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
وأما إن نظر على غير قصد، أو تذكر، فأمذى دون أن يتابع النظر، أو التذكر، ففي ذلك قولان: أحدهما: أن عليه القضاء - وهو قول مالك في هذه الرواية في النظر، والتذكر محمول عليه.
والثاني: أنه لا قضاء عليه، إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل.
وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في غير المستخرجة في التذكر، والنظر محمول عليه، إذ لا فرق بينهما، وهذا القول أظهر؛ لأن المذي لا يجب به القضاء على أي وجه كان عند الشافعي، وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم.
والمتأخرون من البغداديين يقولون: إن القضاء على من قبل وأمذى في مذهب مالك، إنما هو استحباب، فقف على ذلك.
الصائم إذا باشر فأنعظ فحرك منه اللذة
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: ولا أحب للصائم أن يباشر، وإن لم يحرك ذلك منه شيئا، ولا يقبل؟
قال ابن القاسم: قال لي مالك في الصائم: إذا باشر فأنعظ، فحرك منه اللذة؟ رأيت عليه القضاء، وإن لم يمذ، قال ابن القاسم: وذلك رأي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في التي قبلها، فلا معنى لإعادته.
المسافر يقيم في المنهل يوما أو ما أشبه ذلك
ومن كتاب الشريكين قال مالك في المسافر يقيم في المنهل يوما، أو ما أشبه ذلك؛ قال مالك: يجوز له أن يفطر، ما كان يجوز له أن يقصر.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، فهو مما لا اختلاف فيه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 184] ... الآية، إلا أن مالكا يستحب له الصيام، ويكره له الفطر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] .
مسألة: الفطر لمن أصبح صائما متطوعا
مسألة قال: وبلغني أن رجلا له شرف صنع صنيعا، فدعا فيمن دعا حسين بن رستم الأيلي - وكان صائما، وأنه لما خف الناس من عنده، قال له: ألا ندعو لك بطعام؟ قال: إني صائم، فجعل يده عليه - ويديره على الفطر، ويقول: إنك ستصوم يوما آخر مكانه؛ فقال له حسين: إني بَيَّت الصيام، وإني أكره أن أخالف الله ما وعدته؛ وقال: يقال «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، فإنك لن تجد فَقْد شيء تكرهه لله.
قال محمد بن رشد: إنما قال ما قال، فأبى أن يجيبه إلى ما أراده عليه من الفطر؛ لأنه رأى ذلك من المشبهات التي قال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه» ، لاختلاف أهل العلم في جواز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا، ولما جاء في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مما يدل على جوازه والمنع له؛ من ذلك: أنه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل» . وروي: «فإن شاء فليأكل، وإن كان صائما فليصل» ، أي: ليدع.
وروي: «وإن كان صائما فلا يأكل» . وروي عنه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه قال: «لا تصوم امرأة - وزوجها شاهد - يوما من غير شهر رمضان، إلا بإذنه» . وهذا يدل على أن الفطر لا يجوز لها، ولا يجوز لزوجها أن يفطرها.
وروي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان عند أم هانئ فأتي بشراب فشرب منه، ثم ناول أم هانئ فشربت، ثم قالت: يا رسول الله، إني كنت صائمة، ولكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال لها: "أكنت تقضين شيئا؟ " قالت: لا.
قال: "فلا يضرك إن كان تطوعا» . فهذا يدل على جواز الفطر لمن أصبح صائما.
وقد جاء: «أن عائشة وحفصة أهدى لهما طعاما فأفطرتا عليه، فدخل عليهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بذلك حفصة، فقال لهما رسول الله: "اقضيا مكانه يوما آخر» .
فاحتمل أن يكون ذلك على الوجوب، وأن يكون على الندب؛ وكان ابن عباس يجيز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا.
وكان عبد الله بن عمر يجيزه ويشدد في ذلك، فيقول: ذلك الذي يلعب بصومه.
وإلى قوله ذهب مالك فقال: إنه لا يفطر، فإن أفطر لغير عذر فعليه القضاء؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة وحفصة: «اقضيا مكانه يوما آخر» . وقد قال
مطرف: إن حلف عليه أحد بالعتق، أو الطلاق - أن يفطر، فليحنثه ولا يفطر، إلا أن يرى لذلك وجها؛ وإن حلف هو، فليكفر ولا يفطر، وإن عزم عليه أبواه أو أحدهما في الفطر، فليطعهما وإن لم يحلفا عليه إذا كان ذلك رقة منهما عليه، لإدامة صومه، وبالله التوفيق.
أكل الطعام في المسجد للمعتكف
ومن كتاب أوله اغتسل عن غير نية وسألته: عن الرجل في رمضان يكون في المسجد ويكون بمنزله نائما، فيأتيه الطعام من أهله فيأكله في المسجد، وقال: أرجو أن يكون خفيفا؛ وقال: لا أحب لأحد أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من فيه من السواك، فيلقيه في المسجد، ولا أحب لأحد أن يتمضمض في المسجد.
قال محمد بن رشد: معنى ما استخف من أكل الطعام في المسجد، هو في الطعام الجاف، وأما الألوان، فقد كره في غير ما موضع أن يؤتى بها إلى المساجد فتؤكل بها، من ذلك ما وقع في رسم "سلعة سماها" من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وغيره، وأما التمضمض في المسجد وإلقاء ما يخرج من فيه من السواك فيه، فمكروهه بين، مذكور في كتاب الصلاة وغيره.
مسألة: أكل في رمضان ناسيا
مسألة قال: إني لأستحب أن يقضي من أكل ناسيا في تطوع، وما أراه عليه بواجب، مثل من أكل في رمضان، وإني لأستحب ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن ذلك مستحب وليس بواجب؛ لأن من أهل العلم من يجيز الفطر في صيام التطوع - عامدا، ومنهم
من يكرهه ولا يرى عليه قضاء - إن فعله - وهو مذهب الشافعي، ومنهم من لا يوجب القضاء على من أكل في رمضان ناسيا، لحديث أبي هريرة: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أكل أو شرب في صومه ناسيا، فليتم صومه، فإن الله أطعمه وسقاه» وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وجماعة من أهل العلم سواهما.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لولا قول الناس، لقلت: إنه يقضي، يريد: لولا طعن الناس لمخالفة الحديث، والله أعلم.
وقد راعى ابن القاسم هذا القول في الذي يحلف بالطلاق، أو غيره، أن يصوم غدا فيصبح صائما، ثم يأكل ناسيا، فقال: إنه لا حنث عليه في رسم "سلف من" سماع عيسى من هذا الكتاب، ومن كتاب الأيمان بالطلاق، وفي سماع أبي زيد من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
مسألة: لم يأتهم خبر هلال الفطر إلا بعدما زالت الشمس
مسألة وقال، فيمن لم يأتهم خبر هلال الفطر، إلا بعدما زالت الشمس: فلا أرى عليهم صلاة من الغدوة لا يخرجون إلى المصلى، وليس عليهم ذلك.
وأنكر الخروج في غير يوم الفطر إنكارا شديدا، وقال: من أخطأ يوم الجمعة، أيجعله يوم السبت؟ استنكارا للخروج في غير يوم الفطر.
قال محمد بن رشد: قد روي أن الهلال خفي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأصبحوا صياما، فشهد عند النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفطر، فأفطروا تلك الساعة، وخرج بهم من الغد، فصلى بهم صلاة العيد، وذهب إلى هذا قوم، منهم: أبو يوسف.
وأكثر رواة الحديث لا يذكرون فيه
الصلاة، وإنما قالوا: أمرهم أن يفطروا من يومهم، ثم ليخرجوا لعيدهم من الغد، أو إلى مصلاهم من الغد، فإن صح الحديث فيحتمل أن يكون أمرهم بالخروج، لترى كثرتهم، فيتناهى ذلك إلى عدوهم، فيعظم أمرهم عندهم لا للصلاة؛ ولم يصح عند مالك الحديث، ولا رأى الخروج، ولا الصلاة.
وحجته على ذلك بالجمعة حجة صحيحة؛ لأنها لما كانت كالجمعة في أنه لا تقضى بعد خروج وقتها في ذلك النهار، وجب أن يكون مثلها في أنها لا تقضى في يوم آخر.
المسافر في البحر يريد أن يفطر
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك: عن المسافر في البحر يريد أن يفطر؟ قال مالك: ذلك له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن المسافر في البحر والبر سواء في جواز الفطر، ووجوب القصر؛ لقوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22] ، وهذا ما لا اختلاف فيه أحفظه.
نذرت أن تصوم بنية شهر فاشتد عليها الحر وهي ترضع
ومن كتاب صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك: عن المرأة نذرت أن تصوم بنية شهر، فاشتد عليها الحر وهي ترضع، قال: تفطر وتطعم وتصوم بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أنها تفطر وتطعم؛ لأن حكم نذر الصيام المعين في الوجوب، كحكم صوم شهر رمضان، إلا في وجوب الكفارة على من أفطر فيه متعمدا.
وقد روي عن مالك: أن عليها القضاء، ولا إطعام
عليها؛ ومن أهل العلم من يرى عليها الإطعام دون القضاء.
قال بذلك من رأى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] ... الآية - محكمة في الموضع، والحامل، والشيخ.
ولها على المشهور من مذهب مالك في الفطر ثلاثة أحوال: حال لا يجوز لها فيها الفطر والإطعام، وهي إذا قدرت على الصيام ولم يجهدها الإرضاع.
وحال يجوز لها فيها الفطر والإطعام، وهي إذا أجهدها الإرضاع ولم تخف على ولدها، إما بأنه يبقى لها من اللبن إن لم تفطر ما ترمقه به، وإما لأنها تقدر على أن تستأجر له من ترضعه من ماله، أو من مال الأب، أو مالها، إذا كان يقبل غيرها.
وحال يجب عليها الفطر والإطعام، وهي إذا خافت على ولدها، إما بأنه لا يقبل غيرها، وإما بأنها لا تقدر على أن تسترضع له بحال؛ فهي قوله "اشتد عليها الحر" أي: اشتد عليها فأجهدها بسبب الإرضاع، ولو لم يجهدها الإرضاع فأفطرت، لكانت بمنزلة غير المرضع، تكفر إن كانت في رمضان كفارة المتعمد، وتقضي، وإن كانت في نذر أيام بأعيانها أتمت وقضت، ولم يجب عليها كفارة ولا إطعام.
مسألة: عليه نذر صيام هل له أن يتطوع قبل الفراغ منه
مسألة قال سحنون: قال ابن القاسم: وسئل مالك: عن رجل عليه نذر صيام، هل له أن يتطوع قبل الفراغ منه؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النذر المبهم يتخرج على قولين: أحدهما: أنه على الفور، والثاني: أنه على التراخي؛ فأما على القول بأنه على الفور، فلا يجوز له أن يتطوع بالصيام قبله؛ لأن ذلك اليوم مستحق عليه
صومه في النذر، إلا أن يكون يوما مرغبا في صيامه، كيوم عاشوراء، وشبهه، فيخرج جواز صومه قبل النذر، على ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلى إذ نام عن صلاة الصبح في الوادي حتى طلعت الشمس ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح» . وأما على القول بأنه على التراخي كقضاء رمضان الذي قد وسع فيه إلى شعبان، فلا ينبغي له أن يتطوع بالصيام قبله، لوجهين: أحدهما: أن صيام التطوع لا يفوته، فهو إن بدأ به فاته فضل بتعجيل النذر.
والثاني: مخافة أن يموت قبل أن يقضي النذر، فلا يتقبل منه التطوع، على ما جاء عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا تقبل من أحد نافلة - وعليه فريضة - حتى يؤديها؛ إلا أن يكون يوم مرغب في صيامه، كيوم عاشوراء.
فالاختيار على قياس هذا القول: أن يصومه تطوعا قبل النذر؛ لأنه إن صامه للنذر، فاته فضل اليوم.
وقيل: إن الاختيار أن يصومه للنذر؛ لأنه إن صامه تطوعا، فاته فضل تعجيل النذر، ولم يأمن أن يموت قبل أن يصوم النذر، فلا يتقبل منه الطوع على ما جاء عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم في: هل يصوم يوم عاشوراء من عليه صيام قضاء رمضان؟ على ما يأتي في رسم "المحرم" بعد هذا.
مسألة: الرجل يعتكف فيمرض أبوه أو أمه هل يخرج
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يعتكف فيمرض أبوه أو أمه، هل يخرج؟ قال: نعم، يخرج إليهما ويبتدئ اعتكافه، ورواها في كتاب إن خرجت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الخروج إليهما من برهما، وبرهما فرض بنص القرآن، فهو آكد عليه مما دخل فيه من الاعتكاف،
لأن الاعتكاف يقضيه، وما فاته من بر أبويه لا يستدركه ولا يقضيه؛ وذلك بخلاف الخروج إلى جنازتهما، لا يخرج من اعتكافه إلى جنازتهما - قاله مالك في موطئه، إذ ليس في ترك شهود جنازتهما عقوق لهما.
مسألة: صيام الأيام الغر
ومن كتاب مساجد القبائل مسألة وسئل مالك: عن صيام الغر الثلاثة الأيام: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، قال: ليس هذا ببلدنا، وإني أكره أن يتعمد صيامها، قال: والأيام كلها لله.
قال محمد بن رشد: قد روي فيها وفي الأيام البيض: أول يوم من الشهر، ويوم عشرة، ويوم عشرين - أنها صيام الدهر.
وقد روي عن مالك: أنه كان يصوم الأيام البيض.
وقد كتب إلى هارون الرشيد في رسالته، يحضه على صيام الأيام الغر - ويذكر الحديث فيها؛ فإنما كره في هذه الرواية صيامها، ولم يحض عليها مخافة أن يكثر العمل بذلك؛ لكثرة إسراع الناس إلى الأخذ بقوله، فيحسب ذلك من لا علم له من الواجبات.
يعتكف في قريته في مسجد لا يجمع فيه وهو ينتاب الفسطاط
ومن كتاب مرض وله أم ولد فحاضت وقال فيمن كان منزله على أميال - وحضر شهر رمضان، فأراد أن يعتكف في قريته في مسجد لا يجمع فيه، وهو ينتاب الفسطاط
يصلي فيه الجمعة؛ قال مالك: يعتكف في قريته، أحب إلي من صلاته الجمعة بالفسطاط.
قال محمد بن رشد: رأى الاعتكاف له أفضل من صلاة الجمعة بالفسطاط، لما كان ممن لا يجب عليه الإتيان إلى الجمعة لبعد منزله من الفسطاط، وهذا على مذهبه في أن الاعتكاف لا يختص بالمسجد الذي تجمع فيها الصلوات، لعموم قوله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ [البقرة: 187] ... الآية.
فإذا كان ممن لا يلزمه الإتيان إلى الجمعة، أو ممن لا تجب عليه الجمعة، أو كان اعتكافه أياما يسيرة لا تدركه فيها الجمعة، جاز له أن يعتكف في غير المسجد الذي تجمع فيه الجمعة، فإن مرض في تلك الأيام ثم صح فغشيته الجمعة قبل أن يفرغ من اعتكافه، خرج إلى الجمعة - ولم ينتقض اعتكافه - قاله ابن الماجشون، ورواه ابن الجهم عن مالك؛ قيل: لأنه دخل بما يجوز له، بخلاف ما لو دخل لاعتكاف أيام تأخذه فيها الجمعة، هذا يخرج إلى الجمعة ويبتدئ اعتكافه، قاله ابن الماجشون أيضا.
قيل: لأنه دخل بما لا يجوز له، وقد قيل: إن ذلك اختلاف من القول؛ ولا فرق بين أن يدخل بما يجوز له، أو بما لا يجوز له؛ وأما الاعتكاف في مساجد البيوت، فلا يصح عند مالك لرجل ولا امرأة، خلاف قول أبي حنيفة في أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها، وبالله التوفيق.
مسألة: المعتكفة إذا طلقت أو مات عنها زوجها
مسألة
وسئل: عن المعتكفة إذا طلقت أو مات عنها زوجها، أترى أن تخرج؟ قال: لا تخرج بعدما دخلت الاعتكاف، لا من وفاة، ولا من طلاق؛ وكذلك المرأة المحرمة.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: وكذلك المرأة المحرمة، أن المحرمة إذا طلقت أو مات عنها زوجها في الطريق، تنفذ لوجهها ولا ترجع إلى بيتها،
لتعتد فيه؛ والمسألتان في المدونة، الأولى في كتاب الاعتكاف، والثانية في كتاب طلاق السنة؛ والوجه في ذلك أنها قد دخلت في عمل بر لزمها إتمامه، فلم يجز لها إبطاله؛ لقوله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ، ولقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ، وهذا ما لا اختلاف فيه، كما أنه إذا سبق الطلاق أو الموت - الاعتكاف والإحرام، لم يصح لها أن تحرم، ولا أن تعتكف، حتى تنقضي العدة؛ لأنها قد لزمتها، فليس لها أن تنقضها، وبالله التوفيق.
الصيام قبل الاستسقاء
ومن كتاب نذر سنة وسئل مالك: عن الصيام قبل الاستسقاء أمما يعمل به؟ قال: ما سمعت إنكارا على من عمله.
قال محمد بن رشد: الصيام قبل الاستسقاء مما لم يأت به أثر عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ولا عن الخلفاء الراشدين المهديين بعده، وإنما هو أمر أحدثه بعض الأمراء، فاستحسنه كثير من العلماء؛ فعله موسى بن نصير بإفريقية حين رجع من الأندلس، فاستحسنه الجذامي وغيره من علماء المدينة؛ وإلى هذا ذهب ابن حبيب، قال: استحب للإمام أن يأمر الناس قبل بروزه بهم إلى المصلى، أن يصبحوا صياما يومهم ذلك؛ ولو أمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام - آخرها اليوم الذي فيه يبرزون، كان أحب إلي، والمعلوم من مذهب مالك إنكار هذه الأمور المحدثات كلها، من ذلك أنه كره في سماع ابن القاسم القراءة في المسجد، والاجتماع يوم عرفة بعد العصر في المساجد للدعاء، والدعاء عند خاتمة القرآن، فيحتمل ما في هذه الرواية من قوله ما سمعت إنكارا على من
عمله، أن يكون انتهى كلام مالك إلى قوله ما سمعت، أي: ما سمعت أن ذلك يفعل، ويكون إنكارا على من عمله من قول ابن القاسم.
أخبر أن مالكا أراد بقوله ما سمعت - الإنكار على من عمله، فيكون ذلك مطابقا لمذهبه المعلوم، ويحتمل أن يكون الكلام كله من قول مالك، فيقتضي جواز ذلك عنده؛ إذ قد نفى أن يكون سمع الإنكار على من عمله، والأول من التأويلين أولى - والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: صوم عاشوراء قبل قضاء رمضان
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه مسألة وسئل مالك: عن الرجل يكون عليه قضاء رمضان، أيصوم يوم عاشوراء قبل قضاء رمضان؟ قال: ما يعجبني ذلك، وعسى به أن يكون خفيفا؟ قيل له: أفيصومه في قضاء رمضان؟ قال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله ما يعجبني، وعسى به أن يكون خفيفا، معناه: أني أكره ذلك كراهية خفيفة، وكراهيته له أن يصومه تطوعا، يقتضي أن المستحب عنده أن يصومه في قضاء ما عليه من رمضان؛ وقوله بعد ذلك: لا بأس أن يصومه في قضاء رمضان - مخالف لذلك، إذ لا يقال في الشيء المستحب فعله: لا بأس أن يفعل، وإنما يقال ذلك في المباح الذي فعله وتركه سواء؛ وفي سماع ابن وهب، قيل له: أفيصومه في قضاء رمضان؟ قال: لا.
معناه: لا ينبغي له أن يفعل ويصومه تطوعا أحسن؛ فهذه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الاختيار أن يصام لقضاء رمضان، والثاني: أن الاختيار أن يصام تطوعا ويؤخر قضاء رمضان، والثالث: أن الأمرين سواء، يفعل الفاعل أيهما شاء، وهذا الاختلاف إنما يتصور على القول بأن قضاء رمضان على التراخي، بدليل قول
عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إن كان ليكون علي الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان، للشغل برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ لو كان القضاء على الفور، لما منعها من ذلك الشغل، والواجب على التراخي تعجيله أفضل، فلما كان إن صام يوم عاشوراء تطوعا، وأخر القضاء، أحرز فضل اليوم، وفاته تعجيل القضاء، وإن صامه للقضاء، أحرز تعجيل القضاء، وفاته فضل صوم النهار؛ وقع الاختلاف، فوجه القول بأن صومه تطوعا أحسن، هو أن فضيلة صومه قد وردت الآثار عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بنصها، وقدرها، وفضيلة تعجيل القضاء إنما علمت بالنظر والقياس، فذلك فيها معدوم، وأيضا فقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس قبل صلاة الصبح، وقضى الصلاة على الفور، فكيف بقضاء الصيام الذي هو على التراخي، ووجه القول بأن صيامه للقضاء أحسن، هو أنه إن صامه تطوعا لم يأمن أن تخترمه المنية قبل القضاء، فلا يقبل منه التطوع على ظاهر ما جاء عن أبي بكر الصديق، من أنه لا يقبل من أحد نافلة، وعليه فريضة حتى يؤديها؛ ووجه القول في تخيير الفاعل فيما شاء من ذلك، هو أن الدلائل استوت عنده، واستواؤها دليل على التخيير، وهذا نحو قوله في الإبل إذا زادت على العشرين ومائة - واحدة، جعل الساعي مخيرا لما استوت عنده الأدلة في مقدار الزيادة المذكورة في الحديث، إن كان المراد بها ما كانت من قليل أو كثير أو زيادة بغير الفرض، ظاهر ما في كتاب الصيام من المدونة: أن قضاء رمضان على الفور؛ لأنه قال فيمن أفطر في رمضان في سفر أو مرض ثم قدم فأقام شهرا، أو صح شهرا ثم مات، وأوصى أن يطعم عنه؛ أن ذلك يكون في ثلثه مبدأ.
وكذلك على مذهبه
فيما لو مرض شعبان كله بعد أن صح شهرا، لوجب عليه الإطعام؛ فعلى هذا لا يجوز له أن يصوم يوم عاشوراء إذا كان عليه قضاء رمضان، فيأتي في المسألة أربعة أقوال.
مسألة: جعلت على نفسها يوما سمته من الجمعة ما عاشت ثم نذرت بعد ذلك صيام
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق مسألة وسئل: عن امرأة جعلت على نفسها يوما سمته من الجمعة ما عاشت، ثم نذرت بعد ذلك صيام سنة لأمر شكرت فيه؛ أترى عليها قضاء ذلك اليوم الذي كانت نذرته قبل نذر السنة إذا هي قضت السنة؟ قال: لا أرى عليها قضاء ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: معناه: أن السنة التي نذرت سنة بعينها، فلا تقضي اليوم الذي صامته بالنذر الواجب عليها، ولا رمضان الذي صامته لفرضها، ومثل هذا في المدونة أنها لا تقضي رمضان، ولا يوم الفطر، ولا أيام الذبح، وقال فيها أيضا فيمن نذر صيام ذي الحجة، أن عليها أن تقضي أيام الذبح، فحكي عبد الحق عن بعض شيوخه، أن هذا الخلاف لا يدخل في شهر رمضان؛ لأنه قد صامه؛ وحكي عن غيره أنه يدخل في ذلك، وأن ذلك موجود لمالك في كتاب أبي بكر الأبهري، فعلى هذا يدخل الخلاف أيضا في هذه المسألة، ويكون عليها قضاء اليوم الذي صامته لنذرها، إذ لا فرق بين ما صامته لنذرها، وبين ما صامته لفرضها، وأما لو كانت السنة التي نذرت لأمر شكرت فيه سنة بغير عينها، لكان عليها أن تصوم سنة كاملة، سواء أيام نذرها، وأيام صومها لفرضها - قولا واحدا، وبالله تعالى التوفيق.
دعوة الوليمة حكم إجابتها
من سماع أشهب، وابن نافع، عن مالك، رواية سحنون من كتاب الطلاق الثاني قال أشهب: وسمعته يسأل: عن الرجل يصنع لأهل المسجد يوم الفطر من رمضان طعاما، فيدعوهم إليه، أترى عليهم إجابته بمنزلة طعام الوليمة؟ قال مالك: ما أرى ذلك، وإني لأكره مثل هذا لأهل المسجد أن يجيبوا إلى من دعاهم هكذا، وهم يزرون عليه ويغمصون، وما أرى ذلك لهم، وإني لأكرهه وما يعجبني ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الدعوات إلى الأطعمة على قصد ما عليها بها، فمنها ما لا ينبغي أن يجاب إليها، كهذه وشبهها مما يقصد بها قصدا مذموما من تطاول، وامتنان، وابتغاء محمدة، وشكر، وما أشبه ذلك؛ ومنها ما يجب على المدعو إليها إجابة الداعي إليها، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر، وهي دعوة الوليمة التي أمر رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها، وحض عليها، وأوجب إجابة الداعي إليها، ومنها ما يجوز إجابة الداعي إليها ولا حرج في التخلف عنها، وهو ما سوى دعوة الوليمة من الدعوات التي تصنع على جري العاديات، دون مقصد مذموم؛ كدعوة العقيقة، والنقيعة، والوكيرة، والخرس، والإعذار، وما أشبه ذلك.
ومنها ما يستحب الإجابة إليها، وهي المأدبة التي يفعلها الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه، على
حسن العشرة، وإرادة التودد والألفة؛ ومنها ما تحرم الإجابة إليها، وهو ما يفعل الرجل لمن يحرم عليه قبول هديته، كأحد الخصمين، والقاضي، وشبه ذلك.
رأى الناس الهلال في نصف النهار
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب العرية قال عيسى بن دينار: سألت ابن القاسم: عن قوم صاموا شهر رمضان صاموا ثلاثين يوما، فلما كان في تسعة وعشرين كان غيم، فلما أصبحوا تمام ثلاثين، رأى الناس الهلال في نصف النهار، أو عند الزوال، هل ترى على من أفطر تلك الساعة شيئا؟ وكان صيامهم قبل ذلك في غيم أيضا؟
قال ابن القاسم: لا يجوز لأحد أن يفطر حتى الليل، فإنما الهلال لليلة القابلة، فمن أفطر فإنما عليه القضاء؛ لأنه إنما أفطر على تأويل.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، أن الهلال إذا رئي قبل الزوال أو بعده، أنه لليلة القادمة، إلا ابن وهب فذكر عنه ابن مزين في تفسيره للموطأ، أنه إذا رئي قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال فهو لليلة القادمة، وأخذ بذلك عيسى بن دينار، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكاه - مفسرا عن عمر بن الخطاب؛ وقال ابن الجهم: إن ذلك لا يصح عن عمر، والذي رواه عنه رجل مجهول، وليس في رواية مالك عنه للزوال ذكر، ولا فرق بين ذلك؛ وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -.
مسألة: مرض فقال لله علي إن شفاني أن أصوم خمسة أيام فلم يصمها
مسألة وسئل: عن رجل مرض في سفر، فقال: لله علي إن شفاني من
مرضي أن أصوم في أهلي خمسة أيام، فقدم أهله فلم يصمها، نسي أو غفل، فذكر وهو في سفر.
قال: يصومها وهي مجزئة عنه، وليس في صيامها في أهله قربة إلى الله، فليصمها حيث شاء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه» . وقد مضى مثله في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
قال لله علي صيام هذه السنة وهو في سنة ست وثمانين وقد مضى نصفها
(ومن كتاب أوله: بع ولا نقصان عليك) قال ابن القاسم: من قال لله علي صيام هذه السنة - وهو في سنة ست وثمانين، وقد مضى نصفها؛ قال: عليه صيام اثني عشر شهرا.
قال محمد بن رشد: إلا أن يكون أراد ما بقي من السنة فتكون له نيته؛ قال ذلك مالك في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، فإن لم تكن له نية، فقوله محمول على اثني عشر شهرا يستقبلهن من يوم حلف بعد اليوم الذي هو فيه على مذهب ابن القاسم، ولا يقضيه ولا يعده على مذهب أشهب؛ لأنه يقضيه فيصوم على مذهب ابن القاسم ما بقي من ذلك الشهر من الأيام، ثم أحد عشر شهرا على المشهور، ثم يكمل على الأيام التي صام من الشهر الأول تمام تسعة وعشرين يوما، ويكمل عليها على مذهب أشهب ثلاثين يوما؛ لأنه يقضي اليوم الذي حلف فيه على قوله فيمن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم نهارا، أنه يقضيه، وبالله التوفيق.
مسألة: الأسير يكون في أرض الحرب فلا يعرف الشهور، فيتحرى فيصوم رمضان
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة قال: وسألته: عن الأسير يكون في أرض الحرب فلا يعرف الشهور، فيتحرى فيصوم رمضان ثم يخرج إلى أرض المسلمين - وقد صام على التحري سنين، قال: يعيد كل رمضان صامه، إذ لم يدر قبل رمضان صام أو بعده.
قال محمد بن رشد: إذا صام على التحري ثم خرج فلا يخلو أمره من أحد أربعة أحوال: إما أن يعلم أنه صامه قبله، وإما أن يعلم أنه صامه بعده، وإما أن يعلم أنه أصابه بتحريه، وإما أن يبقى على شكه، فأما إن علم أنه صامه قبله، فلا يجزئه باتفاق؛ وأما إن علم أنه صام بعده، فيجزئه باتفاق، وأما إن علم أنه أصابه بتحريه، فلا يجزئه على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب أشهب، وسحنون.
وأما إن بقي على شكه، فلا يجزئه على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب ابن الماجشون، وسحنون، ولابن كنانة في المدنية: أنه يستحب أن يقضي، إذا علم أنه صام بعده.
قال ابن الماجشون: ولو انكشف له أنه صام ثلاثة أعوام - شعبان، شعبان، فليعد الشهر الأول، ثم كل شعبان قضاء عن كل رمضان.
يريد بقوله: فليعد الشهر الأول، أن يلغي الشعبان الأول، فلا يجزئه، وليس يعني أن يعيد رمضان الأول؛ لأنه عنه وقع شعبان الثاني، والشعبان الثالث قضاء عن الرمضان الثاني، ويبقى عليه الرمضان الثالث فيقضيه.
وقال فضل: قول ابن الماجشون خطأ، وعليه قضاء الرماضين الثلاثة.
وقول فضل صحيح لا يجزئه ما صامه عن رمضان بعينه عن رمضان غيره، كما لا يجزئه ما صلى عن يوم بعينه عن يوم غيره.
وقد قال ابن
القاسم في المدونة فيمن صام رمضان قضاء عن غيره: إنه يجزئه، وعليه القضاء على إحدى الروايتين عنه فيها، فعلى هذه الرواية يأتي قول ابن الماجشون، وقول فضل على الرواية الأخرى، وعلى القول بأنه لا يجزئ عن واحد منهما، وهذا أصح القولين - والله أعلم.
ينذر صيام الإثنين فيصبح يوم الإثنين وهو يظنه يوم الأحد
ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب وقال في الذي ينذر صيام الإثنين فيصبح يوم الإثنين - وهو يظنه يوم الأحد، فيدعو بالطعام، فيخبر أنه يوم الإثنين؛ أنه يتم صيامه ولا شيء عليه إذا كان قد بيت صيامه قبل ذلك، إذا أمر به ونواه - وإن كان قبل ذلك بأيام؛ قال: وإن أصبح يوم الثلاثاء صائما - وهو يظنه يوم الإثنين الذي نذر فهو مجزئ عنه.
قال محمد بن رشد: قال فيمن نذر صيام يوم بعينه من الجمعة: إن النية لصيامه تجزئه قبل ذلك بأيام، ومثله في رسم "جاع " بعد هذا، ولمالك في مختصر ابن عبد الحكم - وهو قول أشهب، فجعلوا النية مجزئة عن ذلك اليوم كلما تكرر، وقد روي عن ابن القاسم أن ذلك لا يجوز وهو الصواب الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة؛ لأن ظاهر قوله فيها في المرأة تحيض في رمضان ثم تطهر، أن الصيام لا يجزئها إلا أن تجدد النية، ولا تجتزئ بالنية الأولى من أجل الفطر الذي يخلل الصيامين، وقال ابن القاسم فيها: إنها تجتزئ بالنية الأولى، ولم يختلف قول ابن القاسم في ذلك، كما اختلف في مسألة ناذر يوم بعينه يوم الجمعة؛ فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا بد من تجديد النية في المسألتين جميعا وهو مذهب مالك في المدونة، لكن النية الأولى إذا كانت
لا تجزئ في مسألة الحائض، والأيام التي أفطرتها لا يصح لها صومها؛ كان أحرى أن تجزئ النية الأولى في مسألة ناذر يوم في الجمعة، لصحة صوم الأيام التي أفطرتها في اليومين.
والثاني: أن النية الأولى تجزئ في المسألتين جميعا، وهي رواية عيسى هذه، وقول مالك في المختصر، وقول أشهب؛ لأن النية الأولى إذا كانت تجزئ في مسألة ناذر يوم من الجمعة، كان أحرى أن تجزئ في مسألة الحائض، للعلة التي قدمنا ذكرها؛ والثالث: أنها تجزئ في مسألة الحائض؛ لأن أيام الحيض لما كانت لا يصح صومها، أشبهت الليل، فصار صومها كالمتصل، ولا تجزئ في مسألة ناذر يوم الجمعة، لتحلل الفطر بين الصيامين، وهو أحد قولي ابن القاسم.
والصحيح من هذه الأقوال: أنه لا بد من تجديد النية في المسألتين، إذ لو أجزأت النية الأولى في الصيام الثاني ولم تراع ما بينهما من الفطر، لوجب ألا يحتاج في أول رمضان إلى نية، لتقدم النية في صيامه قبل دخوله، وهذا لا يقوله أحد غير ابن الماجشون، قد نحا إليه بقوله: إن أهل البلد إذا عمهم العلم برؤية الهلال، أو بالشهادة فيه عند القاضي، صح صيام من لم يعلم بذلك منهم متى أصبح، وأجزأه ما لم يأكل ولم يشرب، وكذلك لو تخلل صيام شهر رمضان فطر لمرض أو سفر، لم يحتج إلى تجديد النية عند صحته، أو قدومه من سفره، على قياس رواية عيسى هذه في ناذر يوم من الجمعة بعينه، وهو بعيد، والذي يوجبه النظر أنه لا بد من تجديد النية في ذلك، وأن إيقاعها قبل غروب الشمس من ليلة الصوم لا يصح، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . فيصح إيقاعها في جميع الليل إلى الفجر، وقد قيل: إن إيقاعها مع الفجر معا لا يصح، والأول أصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] . وإذ قد مضى تحصيل
القول في حكم النية في الصيام الذي يتخلله فطر - يريد بتخلله فطر نهاري.
فالصيام الذي لا يتخلله فطر، ينقسم قسمين: أحدهما: ما يجب متابعته بنص أو نذر، والثاني: ما لا يجب متابعته، فأما ما تجب متابعته كشهر رمضان، وشهري الظهار والنذر المتتابع، وشبه ذلك، بنية واحدة عند أوله تجزئ في المشهور في المذهب، إذ لا يتخلل ذلك فطر في زمن يصح فيه صوم، فكان كاليوم الواحد.
وقد حكى محمد بن عبد الحكيم عن مالك: وجوب التبييت في كل ليلة، وهو شذوذ.
وأما ما كان من الصيام يجوز تفريقه كقضاء رمضان، وصيامه في السفر، وصيام كفارة اليمين، وفدية الأذى، فاختلف إذا نوى متابعة ذلك، هل تجزئه نية واحدة في أوله؟ أو يلزمه تجديد النية لكل يوم، لجواز الفطر على قولين، الأظهر منهما أن تجزئه نية واحدة في أوله، يكون حكمها باقيا، وإن زال عينها، ما لم يقطعها بنية الفطر عامدا.
وأما ما لم ينو متابعته من ذلك، فلا اختلاف في أن عليه تجديد النية لكل يوم، وقد مضى التكلم على المسألة الثانية في أول سماع ابن القاسم، وسيأتي أيضا في رسم "جاع".
مسألة: يحلف بالله أو بالطلاق أو غيره أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا
مسألة وقال في الذي يحلف بالله، أو بالطلاق، أو غيره، أن يصوم غدا، فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا: إنه لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه لا شيء عليه إذا أكل ناسيا، أي: لا حنث عليه؛ بخلاف ما لو أصبح مفطرا ناسيا ليمينه، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع - متعمدا، أو في رمضان ناسيا، لما جاء في ذلك، وقد مضى ذلك في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم، وقد تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الأيمان بالطلاق - ومضى من كلامنا عليها هناك ما فيه زيادة بيان.
مسألة: إفطار صاحب الخوى الشديد
مسألة وقال في الأرعن يصيبه الضربان من الخوى: أهو مرض من الأمراض إن جاءه من ذلك ما يحتاج معه إلى الفطر في رمضان؟ فذلك له، وهو مرض من الأمراض.
وأرخص مالك لصاحب الخوى الشديد أن يفطر، ويتداوى إذا ألجئ إلى ذلك.
قال محمد بن رشد: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فللمريض أن يفطر وإن كان قادرا على الصوم - إذا أجهده الصوم باتفاق، أو كان لا يجهده، إلا أنه يخشى أن يزيده في مرضه - على اختلاف، فصاحب الضربان يجهده الصيام، وصاحب الخوى يخشى أن يزيده في مرضه تأخير العلاج إلى الفطر، فلذلك قال فيه: إنه رخصة - والله تعالى أعلم.
مسألة: أصبح في الحضر صائما في رمضان ثم بدا له أن يسافر
مسألة قال ابن القاسم: ولو أن رجلا أصبح في الحضر صائما في رمضان، ثم بدا له أن يسافر، فتأول أنه له الفطر، فأكل قبل أن يخرج، ثم خرج فسافر، لم أر عليه إلا قضاء يوم؛ لأنه متأول.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أن عليه القضاء والكفارة، سافر أو لم يسافر.
والثاني: أن عليه القضاء ولا كفارة عليه، سافر أو لم يسافر.
والثالث: الفرق بين أن يسافر أو لا يسافر، والرابع: أنه إن أكل قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفر، سافر أو لم يسافر، وإن أكل بعد أن أخذ في أهبة السفر، كفر إن لم يخرج.
وأظهر الأقوال: ألا كفارة عليه بحال؛ لأن الكفارة إنما هي تكفير للذنوب، ومن تأول فلم يذنب، وإنما أخطأ، والله تعالى قد تجاوز لأمة نبيه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عن الخطأ والنسيان، وعما استكرهوا عليه.
ووجه قول من أوجب عليه الكفارة في شيء من ذلك، هو أنه لا يعذره بالجهل إذ كان ذلك عنده من الأمور البينة التي لا يسع أحدا جهلها، فإذا لم يتعلم وكان يلزمه أن يتوقف حتى يسأل، فإذا لم يفعل فإقدامه عليها قبل أن يسأل، يوجب عليه الكفارة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] . ولابن القاسم في المجموعة: أن من أراد سفرا فحبسه مطر فأفطر، فإنه يكفر؛ لأنه من التأويل البعيد.
مسألة: احتجم في رمضان فتأول أن له الفطر فأكل
مسألة قال ابن القاسم: من احتجم في رمضان، فتأول أن له الفطر فأكل؛ فليس عليه إلا قضاء ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: أوجب عليه ابن حبيب في الواضحة الكفارة، ورآه من التأويل البعيد، وهذا من معنى ما تقدم القول فيه - وبالله تعالى التوفيق.
جعل عليه صيام يوم الخميس والإثنين فأصبح يوم الخميس وهو يظنه الأربعاء
ومن كتاب جاع فباع امرأته قال: وقال مالك: من جعل عليه صيام يوم الخميس والإثنين،
فأصبح يوم الخميس - وهو يظنه الأربعاء، فلم يأكل حتى علم، قال مالك: يصوم ولا شيء عليه، ويكفيه إيجابه على نفسه أولا في نيته؟ قال: ولو أصبح يوم الأربعاء صائما وهو يراه الخميس ثم علم بذلك، فإن عليه أن يتمم ذلك اليوم ويصوم الخميس؛ قيل لمالك: فلو جاوز يوم الخميس، فلما كان يوم الجمعة أصبح صائما وهو يراه يوم الخميس، قال: يجزئه من يوم الخميس.
قال محمد بن رشد: هذه ثلاث مسائل قد مضى القول على المسألة الأولى منها في رسم "سلف" قبل هذا، وعلى المسألة الثانية في أول رسم من سماع ابن القاسم، وإيجاب ابن القاسم عليه في المسألة الثانية أن يتمم ذلك اليوم يدل على أنه إن أفطره وجب عليه القضاء خلاف قول أشهب في المدونة.
مسألة: كان في أرض العدو فعمي عليه رمضان وكان عليه صيام شهر نذره
مسألة وقال مالك: فيمن كان في أرض العدو فعمي عليه رمضان، وكان عليه صيام شهر نذره، فصام رمضان لنذره - وهو لا يراه رمضان، ثم تبين له؛ قال: لا يجزئه لرمضان ولا لنذره.
قال محمد بن رشد: أما قوله لا يجزئه لرمضان فبين؛ لأنه لم ينو به رمضان، ولا تكون الأعمال إلا بالنيات.
وأما قوله ولا لنذره، فيدخل ذلك الخلاف من مسألة الذي صام رمضان قضاء عن غيره، وسيأتي القول عليها في أول سماع يحيى، وبالله التوفيق.
مسألة: جعل على نفسه صيام الخميس فأصبح مفطرا وهو يراه الأربعاء
مسألة وسئل: عن الذي يجعل على نفسه صيام يوم الخميس فأصبح
يوم الخميس مفطرا - وهو يراه الأربعاء، فأكل وشرب، ثم تبين له أنه الخميس، أيكف عن الطعام في بقيه يومه؟ قال: نعم، يكف عن الطعام في بقية يومه، وعليه القضاء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على أصولهم في أن حكم صيام النذر المعين في الوجوب، كحكم صيام رمضان، إلا في وجوب الكفارة على من أفطر متعمدا، وبالله التوفيق.
يصوم رمضان فينوي به قضاء رمضان قد كان أفطره
من سماع يحيى بن يحيى من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب الصلاة قال يحيى: قال ابن القاسم، في الرجل يصوم رمضان فينوي به قضاء رمضان قد كان أفطره في سفر، أو مرض، قال: لا يجزئ عليه لشهر رمضان عامه ذلك، ولا للذي نوى صيامه قضاء عنه.
وعليه أن يبتدئ قضاء الشهر الذي أفسد صومه بما نوى، وقضاء الأول الذي كان أفطره في مرض أو في سفر؛ لأنه أفسد الآخر حين نواه قضاء لما كان عليه من الصوم، ولم يجز عنه في القضاء؛ لأن رمضان لا يكون قضاء عن غيره.
قال محمد بن رشد: هذا هو قول مالك في رواية أشهب، وعلي بن زياد عنه، وقول أشهب وسحنون وابن حبيب، واختيار أحمد بن خالد وابن المواز: أنه لا يجزئه عن واحد منهما؛ لأن رمضان صومه مستحق لعينه، فلا يصح أن يقضى فيه غيره، ولأنه نوى به قضاء غيره، فلا يجزئه عن فرضه، وزاد ابن المواز أنه يكفر عن الأول بمد لكل يوم، ويكفر عن هذا بكفارة العمد عن كل
يوم، إلا أن يعذر بجهل؛ وقال أشهب: إنه لا كفارة عليه؛ لأنه قد صامه ولم يفطره - وإن كان لا يجزئه صيامه، وأما كفارة المفرط في الأولى، فيجب عليه إن كان صحيحا مقيما ففرط حتى دخل عليه هذا الرمضان؛ ووقع لابن القاسم في المدونة أنه يجزئه، وعليه قضاء رمضان الآخر - بفتح الخاء - على أنه يجزئه عن هذا الرمضان، ولا يجزئه عن القضاء، وهو الذي يدل عليه لفظه واحتجاجه، إلا أنه بعيد في المعنى أن يجزئه عنه - وهو لم ينوه بصيامه، وروي الآخر بكسر الخاء على أنه يجزئه عن القضاء، ولا يجزئه عن هذا الرمضان؛ وهو أشبه في المعنى؛ لأنه نوى به القضاء، ولم ينو به هذا الرمضان، إلا أنه بعيد مما يدل عليه لفظه، والصحيح الذي يوجبه النظر ما تقدم: ألا يجزئه عن واحد منهما.
ولقد روي عن ابن القاسم فيمن صام رمضان في سفر قضاء عن غيره، أنه لا يجزئه، فكيف بمن صامه عنه في حضر، ورأى غيره أنه يجزئه إن فعل - وإن كان ذلك يكره له - وهو القياس؛ لأن له فطره؛ ولو نواه عنهما جميعا، لوجب أن يجزئه عن هذا الرمضان، ولا يجزئه عن القضاء؛ لأنه صامه عما وجب عليه أن يصومه له، فلا يفسد نيته ما زاد فيها مما لا يجوز له من نية القضاء، وهو قول ابن حبيب في الواضحة؛ وقد روي عن أشهب: أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
وأما إذا خلط النيتين في الحج والنذر، فقال مالك: إنه يجزئه عن النذر.
وقال المخزومي: إنه يجزئه عن الفرض.
واختلافهما جار على الاختلاف في الحج: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ ولم يقل أحد فيما علمت أنه لا يجزئ عن واحد منهما، وهذا يقضي بصحة قول ابن حبيب: إنه إذا صام رمضان ينوي به صيامه وقضاء غيره، أجزأه عن الفرض، ولم يجزه عن القضاء، خلاف قول أشهب.
مسألة: صام يوما متطوعا ثم أفطر من غير عذر
مسألة وقال: إذا صام الرجل يوما متطوعا ثم أفطر من غير عذر، كان عليه قضاؤه.
ثم إن أفطر أيضا يوم القضاء من غير عذر، كان عليه
قضاء يومين، يقضي يوما لليوم الأول الذي كان ابتدأ صيامه، ويوما لليوم الثاني الذي كان يصومه للقضاء؛ قال: فأما الذي يفطر في رمضان من مرض، أو سفر، ثم يقضي صيامه، فيفطر يوما من أيام القضاء بعدما أصبح صائما للقضاء، فإنما عليه أن يقضي يوما مكانه؛ ثم إن أفطر في قضاء القضاء، كان عليه مكانه صيام يومين؛ قال: وأما الحج فمجمع على الذي يفسد حجة بإصابة النساء ثم يحج قابلا ويهدي مكان ما أفسد من حجه أنه إن أفسد الحجة الثانية بإصابة النساء، كان عليه أن يقضي حجتين مستقبلتين، ويهدي هديين لكل حجة أفسدها.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: أنه فرق بين قضاء التطوع وقضاء رمضان، وبين قضاء رمضان وقضاء قضائه؛ فأوجب في فطر قضاء التطوع يومين، وفي فطر قضاء رمضان يوما واحدا، وفي قضاء قضائه يومين فجعل قضاء قضاء رمضان كقضاء التطوع، بخلاف قضاء رمضان، ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره في هذا، إذ لا فرق في المعنى، والقياس بين قضاء رمضان وقضاء التطوع، ولا بين قضاء قضاء رمضان، وقضاء قضاء التطوع.
فمعنى قوله في الذي يفطر يوما من أيام قضاء رمضان، إنما عليه أن يقضي يوما مكانه، يريد لفطره يوم القضاء، مع أن عليه يوما آخر لرمضان سكت عنه للعلم بوجوبه عليه، فالمفطر على هذه الرواية متعمدا في قضاء رمضان، كالمفطر متعمدا في قضاء التطوع، يجب عليه يومان هاهنا، ويومان هاهنا؛ يوم لفطره في القضاء، واليوم الذي كان وجب عليه - لإفطاره في رمضان، أو لإفطاره متعمدا في التطوع، ثم إن أفطر بعد ذلك متعمدا في قضاء القضاء، كان عليه صيام ثلاثة أيام، اليوم الذي كان ترتب في ذمته بالفطر في رمضان، أو بالفطر
متعمدا في صيام التطوع؛ ويوم لفطره في القضاء متعمدا، ويوم لفطره في قضاء القضاء متعمدا، وقد روى عن ابن القاسم: أنه ليس عليه في ذلك كله إلا يوم واحد، وهو اليوم الذي وجب عليه لفطره في رمضان، أو لفطره في صيام التطوع - معتمدا، ولا شيء عليه لفطره متعمدا في القضاء، ولا في قضاء القضاء - قاله في سماع عيسى من كتاب الحج، وإليه ذهب أصبغ، وضعف قول من أوجب القضاء في القضاء أو في قضاء القضاء، ورأى ذلك في الحج استحسانا، ورأى قول ابن القاسم وروايته عن مالك في ذلك وهما وخطأ، وقع ذلك في بعض روايات المستخرجة، ووجه القول الأول، أنه لما دخل في القضاء، أو في قضاء القضاء، لزمه إتمامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] . فوجب عليه إن أفطره متعمدا قضاؤه؛ ووجه القول الثاني أنه لم يجب عليه إتمامه إلا على الوجه الذي دخل فيه من القضاء، فإن أفطره متعمدا، لم يجب عليه إلا القضاء الذي كان عليه؛ فعلى القول الأول لو دخل في القضاء ثم علم أنه ليس عليه شيء يجب عليه إتمام صيامه، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ وعلى القول الثاني لا يجب عليه إتمامه، وهو قول أشهب في المدونة أيضا.
تأخير قضاء رمضان
من سماع سحنون من عبد الرحمن بن القاسم قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سئل مالك: عن الذي يكون عليه صيام رمضان، وصيام تمتع، ويحضره رمضان آخر، قال: إن كان يقدر على أن يصوم صيام التمتع ورمضان قبل أن يدخل الآخر، بدأ بالتمتع، وإن لم يطمع بذلك، بدأ برمضان، ثم قضى التمتع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة المدونة، وإنما قال إنه يبدأ بالتمتع إذا اتسع الوقت له وللقضاء؛ لأن الاختيار ألا يفارق بين الثلاثة الأيام والسبعة
بصيام، لقوله عز وجل: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ... الآية.
وفي تأخير قضاء رمضان إلى الرمضان الذي بعده سعة، لقول عائشة: إن كان ليكون علي الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان.
وأما إذا ضاق الوقت عن أحدهما، فالبداية بقضاء رمضان أوجب؛ لأنه قد تعين في هذا الوقت، ألا ترى أنه إن أخره عنه، وجب عليه الإطعام.
مسألة: الحج يفسده صاحبه فيحج حجة أخرى قضاء منها فيفسدها أيضا
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: من كان عليه قضاء صيام يوم، فصامه فأكل فيه - متعمدا، كان عليه قضاؤهما.
قال ابن القاسم: وكذلك الحج يفسده صاحبه، فيحج حجة أخرى قضاء منها فيفسدها أيضا - إن عليه حجتين: واحدة للأولى، وأخرى للأخرى، وهذا بين.
قال ابن وهب: ليس عليه إلا حجة واحدة، وهديان: هدي لكل حجة أفسدها.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية القضاء في القضاء، ولم يفرق بين أن يكون القضاء الذي أفطره - متعمدا من رمضان، أو من تطوع، إذ لا فرق بينهما على ما بيناه في سماع يحيى؛ وساوى بين الحج والصيام، وفرق بينهما على الرواية الثانية في سماع عيسى من كتاب الحج، إذ لم يختلف قوله في الحج، كما اختلف في الصيام؛ وقد قال في سماع يحيى: إن الحج مجتمع عليه - يريد من قول مالك وابن القاسم، إذ قد خالف فيه ابن وهب.
ووجه الفرق بينهما: أن الله قد نص على وجوب إتمام الحج والعمرة بقوله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] . ولم ينص على وجوب إتمام الصيام، وإنما أوجب بالقياس - وبالله التوفيق.