كتاب الصلاة الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولا إعادة عليهم لها، من أجل أنه ليس له أن يوجب عليهم بقوله صلاة قد سقطت عنهم بأدائهم لها على الوجه الذي أمروا به، وحصل هو ضامنا لها بقول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الإمام ضامن» . لا من أجل أن صلاتهم غير مرتبطة بصلاته، لا اختلاف في المذهب في أن صلاة القوم مرتبطة بصلاة إمامهم، وإنما قال ابن القاسم في الإمام إذا أحدث بعد التشهد فتمادى بالقوم حتى سلم بهم عامدا، أنه لا إعادة عليهم لصلاتهم، مراعاة لقول أبي حنيفة في أن الرجل إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته وخرج منها- وإن لم يسلم، وقول عيسى بن دينار هو القياس على المذهب في أن السلام من فرائض الصلاة، وأنه لا يتحلل منها إلا به.
مسألة: المسافر يكون إماما فيصلي ركعة ثم ينوي الإقامة
مسألة وسألته عن المسافر يكون إماما فيصلي ركعة ثم ينوي الإقامة.
قال: يقدم غيره ويخرج.
قلت له: فهل يتم لنفسه بركعة أخرى ويجعلها نافلة بمنزلة ما لو كان وحده؟ قال: لا.
ويدخل معهم ويقضي باقي الصلاة وتجزئه.
قال عيسى بن دينار: وأرى أن يبتدئوا الصلاة هو وهم، قال: قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يقطع ولا يضيف إليها ركعة، بخلاف المنفرد لما جاء عن النبي عن ذلك بقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أصلاتان معا؟!» وقد مضى التكلم على هذه المسألة في رسم "لم يدرك"- مستوفى، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
مسألة: يقهقه في الصلاة وهو وحده أو مع إمام ناسيا أو عامدا
ومن كتاب البراءة مسألة وسئل عن الذي يقهقه في الصلاة- وهو وحده أو مع إمام ناسيا، أو عامدا، أو يبتسم - وهو وحده، أو مع إمام- عامدا أو ناسيا، قال: أما المتبسم وحده أو وراء الإمام، فلا شيء عليه فيه؛ لأنه لو كان عليه سجود السهو في التبسم فيما نسي، لكان عليه إذا تعمد ذلك- إعادة الصلاة، وأما إذا قهقه فإني لم أسمع مالكا يفرق بين نسيانه ولا تعمده، ولو كان عمده يفترق من نسيانه، لفرقه كما فرق الكلام، وأرى أن يعيد منه- ناسيا كان أو عامدا؛ فإن كان مع إمام مضى وأعاد إذا سلم، وكذلك قال لي مالك؛ وإن كان وحده، قطع واستأنف الإقامة والإحرام.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يقطع ولا يضيف إليها ركعة، بخلاف المنفرد قد مضى القول في التبسم في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وفي القهقهة في رسم "استأذن من هذا السماع"- مستوعبا مستوفى، فليس لإعادة شيء من ذلك هنا معنى.
مسألة: تفوته بعض صلاة الإمام ويدرك بعضها ما أدرك أهو أول صلاته أم آخرها
ومن كتاب الجواب مسألة قال: وسألت مالكا عن الذي تفوته بعض صلاة الإمام، ويدرك بعضها، أرأيت ما أدرك أهو أول صلاته، أم آخرها؟ قال: بل آخرها.
قال سحنون: بل أولها- وهو الذي لم يعرف خلافه، وهو
قول مالك؛ هكذا أخبرني (به) غير واحد، ويقضي الذي فاته على ما فاته سواء.
قال محمد بن رشد: قد قيل في اختلاف قول مالك هذا: إنه اختلاف في عبارة، لا في معنى حكم شيء من الصلاة؛ إذ لم يختلف قول مالك في صفة ما يفعله من فاته بعض صلاة الإمام باختلاف قوليه هذين، فهو على كليهما بان في صفة القيام والجلوس، قاض في القراءة؛ فيحسن أن يعبر عما أدرك الرجل مع الإمام بأنه أول صلاته، من أجل أنه بان على ذلك، لما بقي عليه منها في صفة القيام والجلوس؛ ويحسن أن يعبر عنه بأنه آخر صلاته، من أجل أنه قاض لما فاته منها على صفة ما فاته في القراءة؛ ووجه ما اختاره سحنون من قولي مالك أن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، هو أنه بذلك ابتدأها، وفيه أو مع تكبيرة الإحرام، وذلك لا يكون إلا في أولها؛ إذ لا يصح أن يبدأ أحد صلاته من نصفها؛ وقد قال، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وما فاتكم فأتموا» . والتمام لا يكون إلا آخرا لا أولا، ووجه القول الآخر اتباع ظواهر قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فما أدركتم فصلوا» . ومعلوم أن الذي أدرك من صلاة الإمام هو آخرها، فوجب بحق هذا الظاهر، أن يكون ذلك هو آخر صلاته أيضا، وقيل: إن اختلاف قول مالك هذا اختلاف فيما يفعله من فاته شيء من صلاته من قضاء أو بناء، فعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، يكون قاضيا في القراءة والجهر، وفي صفة القيام والجلوس، كمذهب أبي حنيفة، فيأتي إذا أدرك ركعة من صلاة رباعية بالركعة الأولى أولا فيقرأ فيها بالجهر وسورة ويقوم، ثم يأتي بالركعة الثانية فيقرأ فيها أيضا بالحمد وسورة ويجلس، ثم يأتي بالركعة الثالثة فيقرأ فيها بالحمد وحدها
فيجلس ويتشهد (ويسلم) ؛ لأنها آخر صلاته، وعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، يكون بانيا في القراءة، والجهر، وفي صفة القيام والجلوس، كمذهب الشافعي، فيأتي إذا أدرك ركعة من صلاة رباعية بالركعة الثانية يقرأ فيها بالحمد وسورة ويجلس؛ ثم يأتي بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد وحدها ويقوم، ثم يأتي بالركعة الرابعة يقرأ فيها بالحمد وحدها ويجلس ويتشهد ويسلم، وهذا التأويل على مالك غير صحيح؛ إذ لا يوجد ذلك له، ولا يعرف من مذهبه؛ والتأويل الأول مرغوب عنه؛ إذ لا فائدة في الاختلاف في الألفاظ- إذا لم يختلف باختلافها شيء من الأحكام، ولا يعد ذلك اختلاف قول، والذي أقول به في اختلاف قول مالك، إنه اختلاف يؤدي إلى اختلاف في كثير من المعاني والأحكام، مع أن قوله لم يختلف في أن من فاته شيء من صلاته مع الإمام، يكون بانيا في صفة القيام والجلوس، وقاضيا في القراءة، والأصل في ذلك عنده اتباع ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» . والإتمام هو البناء، فوجب عنده بحق هذا الظاهر أن يبني على ما أدرك ما فاته، ومعلوم أن الذي فاته يقرأ فيه بالحمد وسورة، فعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، يكون ذلك للإمام آخر الصلاة، وله هو أول الصلاة، ولا يضره اختلاف نيته ونية إمامه في أعيان الركعات- على ما يأتي في رسم "باع شاة"، وإن أدرك معه ركعة من الصبح قنت في الركعة التي يقضي؛ لأنها ثانيته، وإذا أدرك ركعتين يكبر إذا قام؛ لأن ذلك وسط صلاته، وإذا سجد مع الإمام قبل السلام لسهو كان عليه فدخل عليه هو فيما يقضي لنفسه سهو، سجد له أيضا، وإن كان سهو الإمام بعد السلام أضاف سهوه إلى سهو الإمام فسجد قبل السلام- إن كان سهوه سهوا يكون
سجوده قبل السلام، وعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، لا يقنت في الركعة التي يقضي في الصبح، ويقوم إذا أدرك ركعتين بغير تكبير؛ وإذا سجد مع الإمام لسهو، كان عليه قبل السلام فدخل عليه فيما يقضي سهو لم يسجد له؛ وإن كان سهوه بعد السلام لم يضف سهوه إلى سهو الإمام؛ وأما على مذهب أشهب من أصحاب مالك الذي يقول إن من أدرك بعض صلاة الإمام، يبني على ما أدرك منها في صفة القيام والجلوس، وفي القراءة، فإن أدرك من صلاته ركعتين بنى عليهما ركعتين بأم القرآن- وحدها، كمذهب الشافعي، فلا إشكال على مذهبه- أن ما أدرك الرجل مع الإمام فهو أول صلاته.
مسألة: المجنون الذي لا يعرف الوضوء والغسل يكون أمام الرجل في الصف
مسألة وسئل عن المجنون المطبق الذي يعرف أنه لا يتوضأ ولا يغتسل من جنابة، يكون أمام الرجل في الصف في الصلاة، وكيف إن صلى وراءه- وهو أمامه- عامدا أو ناسيا، هل يعيد الصلاة؟ أو الصبي الصغير، أو المرأة- على مثل ذلك؟ قال ابن القاسم: المجنون الذي ذكرت، والصبي والمرأة في هذا بمنزلة واحدة، ولا أحب له أن يفعل ذلك؛ ولا يصلي- وهو أمامه، وليتنح عن ذلك أو ينحيهم أو يتقدم عنهم؛ وقد بلغني أن أبا سلمة بن عبد الأسد، كان في الصلاة وكان أمامه رجل مأبون في دبره، فقدم رجلا إلى جنبه ليكون أمامه في مكانه فلم يتقدم الرجل؛ لأنه لم ير خللا ولا فرجة، ولم يأبه لما أراد؛ فلما فرغ من صلاته، عزله في التقدم حين قدمه فلم يتقدم، فكأنه اعتذر بنحو ما أخبرتك؛ فقال أبو سلمه بن عبد الأسد: ألم تر إلى فلان المأبون في دبره أمامنا؟ إنما قدمتك لذلك، وهو أبو سلمة بن عبد الأسد الذي كان زوج أم سلمة زوج النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قال ابن القاسم: فإن فات ذلك وصلى حذاءهم، أوهم
أمامه، لم أر عليه إعادة الصلاة- عامدا كان أو ناسيا أو جاهلا، لا في وقت ولا في غيره- في كل ما سمينا؛ لأنه بمنزلة الرجل يصلي إلى جدار مرحاض أمامه، وقد قيل فيه لاشيء عليه، وكذلك الكافر مثل المجنون، والصبي، والمرأة، في ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما مضى في رسم "الصلاة " لثاني من سماع أشهب، وليس فيه معنى يشكل فنتكلم عليه؛ إذ قد قدر الشرع تعظيم شأن القبلة، فمن الاختيار للمصلي أن ينزه قبلته في الصلاة عن كل شيء مكروه، ولم يكن قوله في الرجل إنه مأبون في دبره غيبة فيه؛ لأن المقول له كان عالما بما قاله له من ذلك القائل، فلم يتنقصه بقوله ولا اغتابه عنده به- وبالله التوفيق.
مسألة: متى يفرق بين الصبيان في المضاجع
مسألة وسألته متى يفرق بين الصبيان في المضاجع؟ فقال ابن القاسم: إذا أثغروا، من نحو التفرقة في البيع، قال عيسى: وحدثني ابن وهب أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا بلغ الصبيان سبع سنين، فمروهم بالصلاة، وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها، وفرقوا بينهم في المضاجع» . قال عيسى: وبه آخذ.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يفرق بينهم في المضاجع- إذا أثغروا، خلاف ظاهر الحديث، وكذلك ما في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، من
أنهم يضربون على الصلاة- إذا أثغروا؛ هو أيضا خلاف ظاهر الحديث، ولا رأي لأحد مع الحديث، فاتباع ظاهره في المعنيين على ما ذهب إليه عيسى - هو الصواب، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: شك في قراءة أم القرآن حتى هم أن يركع وقبل أن يرفع
ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك
مسألة قال: ومن شك في قراءة أم القرآن حتى هم أن يركع وقبل أن يرفع- وقد قرأ السورة التي معها، فإنه يرجع ويقرأ أم القرآن، والسورة التي معها، وليس عليه سجود.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما مضى في رسم "إن خرجت"، ومثل ما في الرسم الأول من سماع أشهب، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في ذلك على مسألة سماع أشهب المذكور، فقف عليه.
مسألة: صلي بالناس فيجلس في ثالثة أو يقوم إلى خامسة فيسبح به فلا يرجع
مسألة وسئل عن الإمام يصلي بالناس فيجلس في ثالثة، أو يقوم إلى خامسة، فيسبح به فلا يرجع، فيكلمه إنسان ممن يصلي خلفه؛ قال: قد أحسن وتتم صلاته.
قلت: وكذلك لو سأل الإمام أتمت صلاته أم لا؟ قال: نعم، كذلك أيضا يتم على ما صلى.
قال: وينبغي للإمام إذا سبح به، أن يجيبهم إذا كان في شك، ولا يدري في ثلاث هو أو في أربع، فليقم إلى أربع، إلا أن يسبح به قد تممت صلاتك فيرجع.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، أن الكلام في الصلاة فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة- إذا لم يفهم بالتسبيح، ولا بالإشارة، جائز، لا يبطل الصلاة على ما جاء عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في حديث ذي اليدين.
وذهب ابن كنانة، وابن نافع، وأكثر أصحاب مالك - إلى أن ذلك منسوخ لا يجوز لأحد بعد النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وأخذ سحنون بالحديث في موضعه ولم يقس عليه سائر المواضع.
وقوله وكذلك لو سأل الإمام أتمت صلاته، قال: نعم، كذلك أيضا ظاهره قبل السلام وهو بعيد؛ إذ لا ضرورة بالإمام إلى السؤال قبل السلام: هل أكمل صلاته أم لا؟ لأن الواجب عليه إذا شك أن يبني على اليقين، إلا أن يسبح به فيرجع؛ فإن سألهم قبل أن يسلم، أو سلم على شك، فقد أفسد الصلاة، وإن سلم على يقين ثم شك، جاز له أن يسألهم، فينبغي أن يعدل بالكلام عن ظاهره، ويقال: معناه إذا شك في إتمام صلاته بعد أن سلم على يقين؛ وذلك بخلاف الذي استخلف ساعة دخوله- ولا علم له بما صلى الإمام، فإنه يجوز له السؤال إذا لم يفهم بالإشارة على ما في سماع موسى بن معاوية؛ إذ ليس عنده أصل يقين يبني عليه.
وقوله: إنه ينبغي للإمام أن يجيب من خلفه إذا سبحوا به- وكان في شك- صحيح، وقد مضى من معناه في أول رسم من سماع ابن القاسم.
مسألة: صلى المغرب خمس ركعات ساهيا
مسألة وسئل عن رجل صلى المغرب خمس ركعات- ساهيا، قال: يسجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما وقع في أول رسم من سماع ابن
القاسم من رواية سحنون عن ابن القاسم، أن من زاد في صلاته مثل نصفها، أعاد الصلاة أبدا؛ وهو مثل ما في المدونة فيمن شفع وتره ساهيا.
وما في سماع أبي زيد فيمن صلى ركعتي الفجر أربعا من استحباب إعادتها، يقوم منه قول ثالث- وهو الإعادة في الوقت؛ والقول الأول أظهر من جهة القياس - وهو أن الزيادة في الصلاة لما كان يستوي القليل والكثير منها في العمد، وجب أن يستويا في السهو، ووجه القول الثاني، أن الاقتصار في الصلوات على ما وقت فيها من عدد الركعات فرض، والفروض لا تسقط بالنسيان، فكان الأصل أن تبطل صلاة من زاد في صلاته ركعة فأكثر من أي الصلوات كانت، فخرج من ذلك من زاد ركعة في صلاة هي أربع ركعات، بحديث ابن مسعود إذ صلى النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الظهر خمسا» وبقي ما زاد على ذلك على الأصل- وبالله التوفيق.
مسألة: أدرك الإمام جالسا في التشهد في الصلاة فأحرم ثم جلس فلما سلم الإمام سها
مسألة وقال في رجل أدرك الإمام جالسا في التشهد في الصلاة، فأحرم ثم جلس، فلما سلم الإمام، سها فسلم معه ثم قام فبنى، قال: عليه سجدتا السهو بعد السلام؛ لأن السلام زيادة.
قال محمد بن رشد: وهذا- كما قال؛ لأنه زيادة خارجة عن حكم الإمام، فوجب السجود له- على مذهب مالك بعد السلام.
مسألة: ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدا
ومن كتاب التفسير مسألة قال ابن القاسم من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل
حتى خر ساجدا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدا، فلا يعتد بتلك الركعة، ومن رفع رأسه من السجود فلم يعتدل- جالسا حتى سجد الأخرى، فليستغفر الله ولا يعد؛ وأحب إلي للذي خر من الركعة- ساجدا قبل أن يرفع رأسه، أن يتمادى في صلاته ويعتد بها، ثم يعيد الصلاة، قال سحنون: روى علي بن زياد عن مالك، أنه لا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن رفع رأسه من الركوع أو السجود فلم يعتدل قائما، أنه يستغفر الله ولا يعد؛ يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائما في الرفع من الركوع، وجالسا في الرفع من السجود- ساهيا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة- وحده كان أو مع الإمام، عامدا كان أو ساهيا، وهذا- عندي - على القول بأنه لا سجود على من نسي تكبيرة واحدة؛ إذ يبعد أن يسهو عن ذلك في جميع صلاته؛ وذهب ابن عبد البر إلى أن ذلك من فرائض الصلاة، وعاب قول من لم يجب في ذلك الإعادة، لقول النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود» ؛ ولقوله للذي رآه يصلي ولا يعتدل في ركوعه وسجوده-: «ارجع فصل، فإنك لم تصل» . قال: وإنما اختلف الناس الطمأنينة بعد
الاعتدال.
والصحيح أن ذلك سنة لا فريضة على ما دلت عليه هذه الرواية، والآثار التي احتج بها ليست على ظاهرها، بدليل ما في سائرها.
وأما الرفع من الركوع فاختلف هل هو فرض لا يتم الركوع إلا به، أو سنة؟ وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف قول مالك في عقد الركعة: هل هو الركوع، أو الرفع منه، فعلى القول بأنه سنة- إن خر من ركعته- ساهيا، سجد قبل السلام، وإن كان متعمدا، استغفر الله ولم تكن عليه إعادة، وهي رواية علي بن زياد عن مالك؛ وعلى القول بأنه فرض من تمام الركوع- إن كان متعمدا، أفسد الصلاة، وإن كان ناسيا، رجع إلى الركعة محدودبا- قاله ابن المواز، وأجزأته صلاته، وسجد لسهوه بعد السلام، إلا أن يكون مع الإمام فيحمل ذلك عنه، وإن بعد ذلك وفاته الرجوع إليها، ألغاها وأتى بها وسجد لسهوه إلا أن يكون أيضا مع الإمام يحمل عنه السهو؛ وقول ابن القاسم: إنه لا يعتد بتلك الركعة ظاهر قوله ناسيا كان أو متعمدا، واستحبابه أن يتمادى ويعيد في الوجهين، وجهه مراعاة الاختلاف، كمن ترك أم القرآن من ركعة، فمرة قال بالإلغاء، ومرة قال بالإعادة، وأما الرفع من السجود، فلا اختلاف أنه فرض؛ إذ لا يتم السجود إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، والله- سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: نسي صلاة يوم لا يدري أفي السفر نسيها أو في الحضر
ومن كتاب القطعان مسألة وسألت ابن القاسم عمن نسي صلاة يوم لا يدري أفي السفر نسيها أو في الحضر؟ قال: يعيد صلاة يوم للسفر، ثم يعيد صلاة يوم للحضر، ولا يعيد الصبح، ولا المغرب للحضر.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يعيد صلاة يوم للسفر، ثم يعيدها للحضر، صحيح- كما قال؛ لأن من ذكر صلاة السفر في الحضر وقد خرج وقتها يصليها سفرية- كما كانت عليه، لقوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها، فليصلها- كما كان يصليها في وقتها.» فإذا لم يدر إن كانت الصلاة التي ذكرها- وقد خرج وقتها- سفرية أو حضرية، وجب أن يصليها سفرية وحضرية، حتى يوقن أنه قد أتى بما عليه.
وأما قوله: إنه لا يعيد الصبح ولا المغرب للحضر، معناه إذا لم يعين الأيام، وأما لو عينها مثل أن يقول: لا أدري إن كنت نسيت صلاة يوم السبت في السفر، أو صلاة يوم الأحد في الحضر، لوجب أن يعيد المغرب والصبح ليوم الأحد- على مذهب ابن القاسم، وقد مضى ذلك في أول رسم "أوصى" من هذا السماع.
مسألة: أهل منى هل يقصرون إذا أرادوا الإفاضة أو أهل عرفة
مسألة وسئل ابن القاسم عن أهل منى هل يقصرون إذا أرادوا الإفاضة، أو أهل عرفة؟ فقال: أما أهل عرفة فيقصرون ولا يقصر أهل منى، قال ابن القاسم: وكل من كان بمنى يقصر، فإذا أفاض قصر، وكل من كان بمنى يتم، فإذا أفاض أتم.
قال محمد بن رشد: قوله في الحاج من أهل منى إنهم لا يقصرون في إفاضتهم من منى إلى مكة صحيح، لقرب ما بين منى ومكة.
وقوله في أهل عرفة: إنهم يقصرون في إفاضتهم من منى إلى مكة صحيح أيضا، على قياس قوله: إنهم يقصرون بمنى؛ لأنهم إذا كانوا يقصرون بمنى، فهم على ذلك يرجعون إلى وطنهم بعرفة.
وفي قوله: إنهم يقصرون بمنى نظر؛ لأنه إنما قال: إنهم
يقصرون بها قياسا على تقصير الحاج من أهل مكة بها، وذلك إنما فيه الاتباع لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تقصيره بها، ولا يتعدى بالسنة موضعها- إذا لم تكن موافقة للأصول، لا سيما وقد قيل: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن مقيما بمكة، ولذلك قصر بمنى، وإلى ذلك ذهب أهل العراق، فلم يجيزوا للحاج من أهل مكة التقصير بمنى وعرفة، وقد مضى هذا في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم.
وقول ابن القاسم: وكل من كان بمنى يقصر، فإذا أفاض قصر، مثل قوله أولا أما أهل عرفة فيقصرون؛ لأن أهل عرفة يقصرون عنده بمنى - على ما تقدم؛ ووقع في بعض الروايات: وكل من كان بعرفة يقصر، فإذا أفاض قصر- وهو غلط؛ لأن قوله يتناقض بذلك، من أجل أن أهل منى يقصرون بعرفة، وهو قد قال: إنهم يتمون إذا أفاضوا.
مسألة: هل يؤذن المؤذن المؤذن يوم عرفة والإمام على المنبر يخطب
مسألة فقلت له: هل يؤذن المؤذن، يوم عرفة - والإمام على المنبر يخطب؟ - قال: قال مالك: ذلك واسع، قال عيسى: وقال لي ابن وهب: تلك السنة.
قال محمد بن رشد: قول مالك في أذان المؤذن- والإمام على المنبر يخطب: إن ذلك واسع، يدل على أن الاختيار عنده ألا يؤذن إلا بعد فراغه من الخطبة- كما قال في آخر كتاب الصلاة الثاني من المدونة؛ إذ لا يوسع إلا فيما غيره أحسن منه.
فقول ابن وهب تلك السنة، خلاف لقول مالك، إن لا يصح أن يكون الاختيار عنده خلاف السنة، ولو ثبتت السنة عند مالك، لما اختار خلافها، وإن كان ذلك أظهر في المعنى، من أجل أن أذان المؤذن- والإمام يخطب، ترك منه لما أمر به من استماع الخطبة، والإصغاء إليها، وقد
قال في كتاب الحج الأول من المدونة: إن ذلك واسع، إن شاء أذن- والإمام يخطب، وإن شاء بعد فراغ الإمام من الخطبة.
والوجه في ذلك، أنه لما لم يقطع بثبوت السنة، وكان الأذان بعد تمام الخطبة أولى من جهة النظر والمعنى، خير بين الوجهين فرارا من أن يحض على خلاف ما قد روي عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أو يترك ما يوجبه النظر إلى ما لم يثبت عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وهذا منه- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بنهاية في التوقي.
وفي الواضحة: أنه يؤذن في جلوس الإمام بين خطبتيه على ما (حكي) من سيرة الحج فيما كتب به القاسم، وسالم - إلى أمير الحج في زمن يزيد بن عبد الملك، وقد روي عن ابن الماجشون أن المؤذن يؤذن بعد صدر من خطبته.
مسألة: نسي صلاة يوم الجمعة فلم يذكر حتى صلى الجمعة
مسألة قال ابن القاسم فيمن نسي صلاة يوم الجمعة فلم يذكر حتى صلى الجمعة، قال: يصلي الصبح، ثم يصلي الجمعة أربعا.
قال محمد بن رشد: والوقت في ذلك، النهار كله، قال ذلك ابن المواز؛ وقال أشهب وسحنون والليث بن سعد وغيرهم: أن السلام من الجمعة خروج وقتها، ولو ذكر صلاة الصبح- وهو في الجمعة مع الإمام، لخرج إن أيقن أنه يدرك من الجمعة ركعة بعد صلاة الصبح، وإن لم يوقن ذلك تمادى مع الإمام وأعاد ظهرا أربعا على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب، ومن قال بمثل قوله: إن السلام من الجمعة خروج وقتها.
وجه قول ابن القاسم، أن الجمعة لما كانت بدلا من الظهر، ووقت الظهر قائم بعد، وجب أن يعيد الجمعة ظهرا أربعا، لتعذر إقامتها جمعة؛ ووجه قول أشهب ومن قال بمثل قوله، أنه لما تعذر إقامتها جمعة كما كان صلاها، سقطت عنه الإعادة؛ إذ ليست بواجبة؛ ألا ترى أنها لا تجب بعد خروج الوقت، وستأتي المسألة متكررة في سماع سحنون.
مسألة: صلى بقوم فأصابه حدث فأخذ بيد رجل فقدمه
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فأصابه حدث، فأخذ بيد رجل فقدمه، فجهل الذي قدم، فقال للذي خلفه: كيف أصنع أبني أم أستأنف؟ فقالوا: بلى ابن، قال ابن القاسم: عليه وعليهم الإعادة.
(قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الكلام جوز من إصلاح الصلاة فيما تدعو إليه الضرورة، لا يوجد من ذلك بد، والجهل ليس بعذر يجيز له التكلم في صلاته، فهو كمتعمد الكلام.
مسألة: نسي سجدة من أول ركعة فذكرها في تشهد الرابعة
مسألة وسئل ابن القاسم عمن نسي سجدة من أول ركعة، فذكرها في تشهد الرابعة، قال: يقوم فيقضي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام؛ لأنه نقصان وزيادة.
قال ابن وهب: يقضي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام؛ لأنه زيادة فقط.
قال عيسى: وقول ابن القاسم أعجب إلي) .
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في المنفرد، وهو عند ابن القاسم بأن يخالف المأموم على المشهور في المذهب، وعلى هذا يأتي جوابه في هذه المسألة؛ لأن الركعة الأولى التي أسقط منها السجدة تبطل إذ لم يصلحها قبل أن يعقد بعدها ركعة، فتصير الثانية له أولى، وهو قد جلس فيها فزاد الجلوس في غير موضعه، وزاد أيضا عمل الركعة التي أسقط منها السجدة، وتصير الثالثة له ثانية، وهو لم يقرأ فيها إلا بالحمد- وحدها، وقام ولم يجلس فأسقط منها السورة والجلوس، وتصير الرابعة له ثالثة، فيأتي بالركعة الرابعة بأم
القرآن فقط، ويسجد قبل السلام؛ لأنه نقصان وزيادة.
وقوله في المدونة فيمن أسقط السجود من الركعة الأولى، والركوع من الركعة الثانية: إنه لا يجزيه أن يجعل سجود الركعة الثانية للركعة الأولى؛ لأنه لم ينوه لها، وإنما نواه للركعة الثالثة، معارض لأصله في هذه المسألة، ومعنى قول ابن وهب أنه عنده قاض كالمأموم فتبطل عنده عليه الركعة الأولى، وتبقى الثانية على حالها ثانية، والثالثة ثالثة، والرابعة رابعة؛ ويقوم فيقضي الأولى التي بطلت عليه بترك السجود فيها، فيكون على هذا قد زاد عمل الركعة الأولى التي أسقط منها السجدة.
فهذا تفسير قول ابن وهب ومعناه، فجميع أصحاب مالك على أن الفذ بانٍ إلا ابن وهب؛ وجميعهم على أن المأموم قاضٍ، إلا أشهب - وبالله التوفيق.
مسألة: القوم تفوتهم الجمعة ويريدون أن يجمعوا
ومن كتاب أوله باع شاة
مسألة وسألت ابن القاسم عن القوم تفوتهم الجمعة ويريدون أن يجمعوا، قال ابن القاسم: كنت مع ابن وهب بالإسكندرية - وكنا في بيت فلم نحضر الجمعة لأمر خفناه، ومعنا ناس كانوا جاءونا، فأردنا أن نصلي، فقال ابن وهب: نجمع، فقلت أنا: لا، فألح ابن وهب فجمع بالقوم، وخرجت أنا عنهم؛ فقدمنا على مالك، فسألناه عن ذلك، فقال: لا تجمعوا، ولا يجمع الصلاة من فاتته الجمعة، إلا أهل الحبس، والمسافرين، والمرضى، فأما غير ذلك فلا.
قال محمد بن رشد: كان تخلفهم عن الجمعة لمكان البيعة، وكانت قامت في ذلك اليوم؛ وقع ذلك في المبسوطة، فحملهم ابن القاسم محمل من فاتتهم الجمعة، لقدرتهم على شهودها؛ وحملهم ابن وهب محمل المسافرين
الذين لا تجب عليهم الجمعة، لما لهم من العذر في التخلف عنها؛ فهذا وجه قوليهما، وقد مضى في رسم "نقدها" من هذا السماع- تحصيل القول في هذه المسألة، ونزيد ذلك ههنا بيانا بأن نقول: إن المصلين الجمعة ظهرا أربعا، حيث تجب الجمعة- أربع طوائف: طائفة لا تجب عليهم الجمعة وهم المرضى، والمسافرون، وأهل السجون؛ فهؤلاء يجمعون، إلا على رواية شاذة جاءت عن ابن القاسم - أنهم لا يجمعون ويصلون أفذاذا، فإن جمعوا على هذه الرواية، لم يعيدوا، وطائفة تخلفت عن شهود الجمعة لعذر يبيح لهم التخلف عنها، فهؤلاء اختلف هل يجمعون أم لا- على ما جاء في هذه الرواية من الخلاف بين ابن القاسم، وابن وهب، فإن جمعوا على قول ابن وهب، لم يعيدوا على قول ابن القاسم؛ وطائفة فاتتهم الجمعة، فهؤلاء المشهور أنهم لا يجمعون، وقد قيل إنهم يجمعون، وروي ذلك عن مالك وبعض أصحابه، فإن جمعوا لم يعيدوا، وطائفة تخلفت عن الجمعة لغير عذر، فهؤلاء لا يجمعون، واختلف إن جمعوا، فقيل: إنهم يعيدون، وقيل: إنهم لا يعيدون- على ما مضى في رسم "نقدها".
مسألة: أحدث فقدم رجلا لم يدرك معه تلك الركعة فسجد بهم
مسألة وسألته عن الرجل يؤم الناس، فلما استقل من الركعة، أحدث فقدم رجلا لم يدرك معه تلك الركعة فسجد بهم، هل تجزئهم تلك الركعة؟ وعن الإمام يحدث- وهو راكع- كيف يخرج؟ وكيف يصنع؟ قال ابن القاسم: لا تجزئهم الركعة، ولا يعتدون بها؛ لأنه لم يعتد هو بها، ولا ينبغي لهم أن يتبعوه، فإن فعلوا، فسدت صلاتهم جميعا؛ لأني لا آمرهم أن يقعدوا بعد أربع ركعات؛ لأن
تلك الركعة لم تجز عنهم حين سجد بهم من لا يجزئ عنه سجوده؛ ولا آمرهم أن يصلوا خامسة، فيكونوا قد صلوا خامسة عامدين، فأحب إلي أن يستأنفوا صلاتهم- إن فعلوا، وإن علم، رأيت له أن يتأخر ويقدم من أدرك ركعة فيسجد بهم.
وقال في الإمام يحدث - وهو راكع-: إنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا فيرفع بهم ويسجد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا تجزئهم الركعة ولا الصلاة أيضا- إن سجد بهم السجدتين اللتين بقيتا عليهم من الركعة التي فاتته، هو قول أشهب أيضا، وقد قيل إنه تجزئهم، حكى ابن المواز القولين جميعا؛ فأما القول الأول فقد بين في الرواية وجهه، وهو أنه لما كان هو لا يعتد بها من صلاته، وجب ألا يتبعوه فيها، وأن تبطل صلاتهم إن اتبعوه فيها؛ لأنهم زادوا فيها ما ليس منها، وإن قعدوا ولم يتبعوه في السجود، بطلت عليهم الركعة؛ فلهذا رأى أن يتأخر ويقدم من أدرك الركعة فيسجد بهم، فتصح لهم الركعة والصلاة، ووجه القول الثاني، أنه لما كان لا بد لهم من سجود سجدتي تلك الركعة، استخلف عليهم الإمام، أو لم يستخلف، لم يضرهم أن يعتدوا به في السجود، وكانوا في سجودهم معه كسجودهم- أفرادا، وإذا أنزلنا سجودهم معه كسجودهم أفرادا، فإنما يجزئهم سجود تلك الركعة على القول بأن ما فعل في حكم الإمام يعتد به على ما ذكرته من قول ابن نافع في رسم "الأقضية الثالث" من سماع أشهب؛ لأنهم في حكم المستخلف، وهو شذوذ في المذهب؛ وقوله في الذي يحدث- راكعا- أنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا، فيرفع بهم ويسجد، صحيح؛ ولو قدم رجلا قد أحرم معه قبل أن يركع، لوجب أن يركع ويرفع بهم، وجب عليهم أن يرجعوا معه إلى الركوع، حتى يرفعوا برفعه، فإن لم يفعلوا أجزأتهم صلاتهم لأنهم بمنزلة من رفع قبل إمامه.
مسألة: يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة ويسهو فلا يسجد غيرها
مسألة (قال) : وسألته عن الإمام يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة، ويسهو فلا يسجد غيرها، فينهض قائما وينهض معه بعض من يصلي معه- عالمين بأنه قد سها عن سجدة، فاتبعوه- اقتداء به، أو ساهون بسهوه، أو سجد بعضهم حين علموا أنه قد ترك سجدة ثم اتبعوه، ثم ذكر الإمام قبل أن يركع فسجدها، هل ترى لمن كان قد سجدها أن يعيدها ثانية مع الإمام، أم يعتدوا هم بسجدتهم التي سجدوا قبل الإمام، أو لم يذكر الإمام حتى ركع، هل ترى للذين سجدوها أن يعتدوا بها؟ قال ابن القاسم: أما الذين سجدوا لأنفسهم، فإنه إن رجع الإمام إلى السجدة قبل أن يركع، فإنهم لا يسجدون معه- ثانية، وسجدتهم الأولى تجزئهم؛ وإن لم يرجع الإمام إلى السجدة وسها عنها حتى يركع، فإن الذين سجدوا يتبعونه في صلاته حتى يتموا أربعا بتلك الركعة التي سها منها الإمام السجدة، فإذا أتموا أربعا، قعدوا وقام الإمام ومن سها معه فصلوا ركعة بسجدتين يؤمهم فيها الإمام، فإذا فرغ وسلم الإمام سلموا بسلامه، ثم سجد الإمام، ويسجد معه من سجد السجدة ومن لم يسجدها.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة الذين سجدوا السجدة بعد سلام الإمام، وهو أحب إلي من أن آمرهم أن يسجدوا معه ثالثة، فيزيدوا في صلاتهم متعمدين، أو أن يقوموا معه ولا يسجدوا فيقطعوا ركعتهم ويصلوا معه- خامسة من غير سهو؛ فالذي أرى أن يمضوا على صلاتهم على سنتها، ثم يعيدوا بعد فراغ
الإمام- احتياطا، وأما الذين اتبعوه- عامدين، فصلاتهم منتقضة على كل حال- رجع الإمام من قبل أن يركع، أولم يرجع.
قال أصبغ: ولا أدري ما هذا ولا يعجبني.
وإن رجع الإمام قبل الركعة ورجعوا معه، فأرجو أن تجزئهم وإلا فلا.
قال أصبغ: وهذا فقه هذه المسألة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تنقسم على وجهين: أحدهما أن يسهو الإمام عن السجدة- وحده، والثاني أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه، فأما إذا سها عنه هو وحده، فلا يخلو من خلفه من حالين: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فأما إن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي يعدها، فركعة القوم صحيحة باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة بعينها التي أسقط منها السجدة في آخر صلاته- وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام؛ واختلف إن ذكر الإمام قبل أن يركع، فرجع إلى السجود، هل يسجدون معه ثانية أم لا- على قولين، وأما إن اتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه، فصلاتهم فاسدة باتفاق؛ وأما الوجه الثاني- وهو أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه- وهي مسألة الكتاب، فلا يخلو من لم يسه عنها بسهو الإمام من حالين أيضا: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه؛ فأما أن يسجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوع إليه بعقد الركعة التي بعدها، ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم في هذه الرواية أن السجود يجزئهم وتصح لهم الركعة ويلغيها الإمام ومن سها معه، فإذا أكمل ثلاث ركعات، قام ومن سها معه إلى الرابعة، وقعدوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعا سجدتي السهو بعد السلام؛ - وهو أضعف الأقوال، لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام، ولمخالفتهم إياه بالنية في أعيان الركعات؛ لأن
صلاتهم تبقى على نيتها وتصير للإمام ومن سها معه الركعة الثانية أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة؛ ولهذا المعنى قال ابن القاسم في الرواية: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة، وإنما يسجد الإمام بهم بعد السلام- كما قال- إن كان ذكر بعد أن ركع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالثانية بالحمد وسورة، ويجلس فيها فيكون سهوه زيادة كله؛ وأما إن لم يذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها، فإنه يسجد قبل السلام- على ما اختاره من قول مالك في اجتماع الزيادة والنقصان؛ لأنه يجعلها ثانية، وقد قرأ فيها بأم القرآن- وحدها، وقام ولم يجلس، فأسقط السورة والجلوس منها، فاجتمع عليه في سهوه زيادة ونقصان.
واختلف أيضا في هذا الوجه- إن ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إلى السجدة، هل يسجدون معه ثانية، أم لا؟ على قولين، والقول الثاني: أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه من مخالفة نيتهم لنية إمامهم في أعيان الركعات- وهو قول أصبغ، والقول الثالث: أن السجود لا يجزئهم وتبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ويتبعونه في صلاته كلها وتجزئهم؛ حكى هذا القول محمد بن المواز في كتابه.
وأما إن اتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فقال في الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويتخرج على ما في كتاب محمد: أن تبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ولا تنتقض عليهم الصلاة؛ لأن السجدة إذا كان على مذهبه لا يجزيهم فعلها، فلا يضرهم تركها- وبالله التوفيق.
مسألة: عليه سجود السهو بعد السلام فيسهو فيسجد قبل السلام
ومن كتاب العتق مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يكون عليه سجود السهو بعد السلام، فيسهو فيسجد قبل السلام؛ قال: يعيدهما بعد السلام، وإنما هذا سهو دخل عليه.
قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية سجوده قبل السلام سهوا فيما وجب عليه فيه السجود بعد السلام سهوا، دخل عليه قي صلاته فأوجب عليه إعادة السجود بعد السلام، ولم يراع ما في أصل المسألة من الاختلاف، فيلزم على هذا- لو كان جاهلا أو متعمدا- أن يعيد الصلاة؛ وقد روى ذلك أبو زيد عن أشهب، حكى ذلك ابن المواز، وهو خلاف ما في المدونة، وفي آخر الرسم الأول من سماع أشهب؛ فعلى ما في المدونة وفي السماع المذكور لا إعادة عليه للسجود بعد السلام إذا سجد قبل السلام- ناسيا كان أو متعمدا، مراعاة للاختلاف، وقد نص في كتاب محمد بن المواز على ذلك فقال: لا إعادة عليه للسجود بعد السلام- ساهيا كان أو متعمدا، وذهب ابن لبابة إلى أن يفرق بين الناسي والمتعمد في الذي يجب عليه السجود بعد السلام فيسجد قبله، فيجعل رواية عيسى هذه مفسرة لما في المدونة، وإنما هي خلاف لها بما بان مما ذكرته من كتاب محمد ابن المواز - وبالله التوفيق.
مسألة: يأتي المصلى يوم عيد وقد سبقه الإمام بالتكبير
مسألة وقال في رجل يأتي المصلى يوم عيد- وقد سبقه الإمام بالتكبير، قال: إن أدركه قائما، دخل معه في الصلاة وكبر سبعا؛ وإن وجده راكعا، كبر تكبيرة واحدة ودخل معه في الركوع- ولا شيء عليه، وإن أدركه في الركعة الثانية، أو بعد أن رفع رأسه من (الركعة) الأولى، قضى بعد تسليم الإمام ركعة بسجدتيها، فكبر فيها سبعا، فإن وجده جالسا في آخر صلاته، أحرم ودخل معه، فإذا سلم الإمام قام فقضى الركعتين، يكبر في الأولى سبعا، وفي
الثانية خمسا.
قال عيسى: وقد قال ابن القاسم في غير هذا الموضع: إنه يكبر في الأولى ما بقي عليه من التكبير- وذلك ست تكبيرات.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "يوصي لمكاتبه"، وجه قول ابن القاسم فيمن دخل مع الإمام في العيد- وهو يقرأ، أنه يكبر التكبير الذي فاته معه؛ ووجه قول ابن وهب هناك، أنه لا يكبر بعده- إذا فاته التكبير معه؛ وقوله- ههنا فيمن فاتته الركعة الأولى من صلاة العيد: إنه يكبر إذا قام لقضائها سبعا، هو مثل ما في الحج الأول من المدونة؛ وخلاف أصله في الصلاة الأول منها فيمن جلس مع الإمام في غير موضع جلوس له، أنه يقوم بلا تكبير؛ ومثل قوله فيه فيمن أدرك الإمام جالسا في آخر صلاته، أنه يقوم بتكبير؛ لأنها إنما هي سبع تكبيرات بتكبيرة الإحرام، وهو قد كبر تكبيرة الإحرام، فإذا لم يكبر للقيام على الأصل المذكور، وجب أن يكبر ما بقي من التكبير، وذلك ست تكبيرات على ما قال في القول الثاني- وهو قوله في كتاب الصلاة الثاني من المدونة.
وإذا كبر للقيام على قوله في الذي أدرك الإمام- جالسا في آخر صلاته، وجب أن يكبر سبع تكبيرات، واحدة للقيام والست التي بقيت، وهو مذهب ابن الماجشون أنه يقوم بتكبير على كل حال؛ وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله فيمن أدرك الإمام جالسا في آخر صلاته، أنه يقوم بتكبير، ليس بخلاف لأصله في تفرقته بين أن يجلس مع الإمام في موضع جلوس (أو في غير موضع جلوس) ، لكنه استحب لما كان في أول الصلاة أن تتصل قراءته بتكبير، وهذا يضعف بقوله فيمن أدرك الإمام جالسا في صلاة العيد من أنه يكبر سبعا وخمسا؛ لأن الواحدة من السبع هي
للقيام، وقد كان معه من بقيه التكبير ما يتصل له به القراءة في أول الصلاة، وهذا كله بين- والله الموفق.
مسألة: الغلام يحتلم بعد العصر
مسألة وقال ابن القاسم في الغلام يحتلم بعد العصر، قال: أرى أن يصلي الظهر والعصر- وإن كان قد صلاهما.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح؛ لأنه إذا احتلم- وقد بقي من النهار ما يدرك (أن يصلي) فيه بعد فراغه من غسله- الصلاة الواحدة، وركعة واحدة من الأخرى؛ وجب عليه أن يصليهما جميعا، لقول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» - الحديث- وإن كان قد صلاهما قبل أن يحتلم؛ لأنهما كانتا له قبل الاحتلام نفلا، ولا تجزئ نافلة عن فريضة- وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام يضعف عن الخطبة يوم الجمعة
من سماع يحيى (بن يحيى) من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب الصبرة قال يحيى: قال ابن القاسم في الإمام يضعف عن الخطبة يوم الجمعة: أنه لا ينبغي له أن يصلي بالناس إن اختطب بهم غيره،
وليأمر الذي يوكله بالاختطاب أن يصلي بالناس، وليصل الإمام وراءه خيرا له من أن يدع الجمعة، والأعياد مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الخطبة متضمنة بالصلاة، فكانت هي والصلاة كالصلاة وحدها- في أنه لا يجوز أن يفرق على إمامين بالقصد إلى ذلك، فإن حدث للإمام ما يخرجه عن الصلاة- وقد صلى بعضها- جاز له أن يستخلف على بقيتها، فكذلك إذا حدث له ما يمنعه من الصلاة بعد أن خطب، جاز له أن يستخلف على الصلاة؛ وهذا كله بين لا إشكال فيه، وقد مضى ما دل على هذا المعنى في رسم "إن خرجت"- قبل هذا.
وقوله: وليصل الإمام وراءه خيرا له من أن يدع الجمعة، كلام ليس على ظاهره، بل هو الواجب عليه أن يصلي وراءه الجمعة، ولا سعة له في التخلف عن ذلك- وبالله التوفيق.
مسألة: يدخل في أول صلاة الإمام يوم الجمعة وينسى التكبير للإحرام في الركعة الأولى
(ومن كتاب الصلاة)
مسألة وسئل عن الرجل يدخل في أول صلاة الإمام يوم الجمعة وينسى التكبير للإحرام في الركعة الأولى: أيجزئه أن يكبر في الثانية ويجعلها أول صلاته؟ قال: ذلك مجزئ عنه في الجمعة خاصة، لئلا تفوته، ولا يجزئ ذلك في غيرها.
قال محمد بن رشد: قوله في السؤال أيجزئه، وقوله في الجواب ذلك مجزئ عنه، لفظ غير محرر، وصوابه: أيجوز له، قال: ذلك يجوز له، ولا يجوز له ذلك في غيرها- وهو الذي أراد؛ لأن ذلك إن فعله يجزئه في الجمعة وغيرها،
ويجوز له في الجمعة، ولا يجوز له في غيرها؛ لأن الاختيار له في غير الجمعة أن يتمادى مع الإمام على صلاته - رجاء أن تجزئه على قول من يرى تكبيرة الركوع تجزئ عن تكبيرة الإحرام، (ثم يعيد مخافة أن لا تجزئه على قول من لا يرى تكبيرة الركوع تجزئ من تكبيرة الإحرام) ، والاختيار له في الجمعة، أن يقطع ويحرم في الثانية، فتكون له جمعة باتفاق.
وقد وقع في أصل السماع من كتاب الصلاة أيضا، وقال في الرجل يذكر في صلاة الجمعة بعد ركعة، أنه لم يحرم- وقد كبر للركوع: إن ذلك التكبير يجزئه- ولا شيء عليه، نواه للإحرام أو لم ينوه، وذلك بعيد؛ لأنه إذا أجزأه في الجمعة، كان أحرى أن يجزئه في غيرها، وليس ذلك موجودا لمالك، وإنما هو قول سعيد بن المسيب، وابن شهاب.
مسألة: يركع ويسجد وهو مغلق اليدين
مسألة وسألته عن الرجل يركع ويسجد وهو مغلق اليدين، قابضا أصابعه كلها) : صنع ذلك من عذر لشيء في يديه، أو متعمدا من غير عذر؛ قال: يستغفر الله ولا يعد، وليس عليه استئناف في وقت ولا غيره، صنع ذلك من عذر أو غير عذر.
قال محمد بن رشد: قوله يستغفر الله ولا يعد يريد إذا فعل ذلك متعمدا من غير عذر؛ وأما إذا فعله من عذر فلا استغفار عليه في ذلك؛ إذ لم يأت بما يكره له ويستغفر منه، وإيجاب الاستغفار في ذلك عليه، يدل على أنه عنده من سنن الصلاة، لا من فضائلها؛ فيتخرج في ترك ذلك متعمدا من غير عذر- قولان، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: المرأة تصلي العصر وتنسى الظهر ثم تحيض
ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع مسألة وسئل عن المرأة تصلي العصر وتنسى الظهر، ثم تحيض وعليها من النهار ما تصلي فيه صلاة واحدة، فقال: سواء عليها؛ إذا حاضت ولم يبق من النهار إلا ما كانت تصلي فيه صلاة واحدة وهي ناسية للظهر قبل ذلك، صلت العصر أولم تصلها، فليس عليها أن تعيد إلا الظهر وذلك أنها لو نسيتهما جميعا، فحاضت ولم يبق من النهار إلا قدر ما تصلي فيه صلاة واحدة، فإنما عليها إذا طهرت إعادة الظهر التي (قد) كان (فرط) وقتها، وتكون إعادة صلاة العصر عنها موضوعة؛ لأنها حاضت في وقتها؛ كما أنها لو حاضت وقد بقي من النهار ما تصلي فيه الظهر والعصر، لم يكن عليها إذا طهرت أن تعيد شيئا، وإنما تعد الوقت الآخر؛ إذا لم يبق من النهار إلا قدر ما كانت تصلي صلاة واحدة لآخر الصلاتين، ولا تعد ذلك الوقت للظهر، بل قد فرط وقت الظهر وبقي وقت العصر، فما فرط قبل أن تحيض، فعليها إعادته إذا طهرت، وما بقي وقته قبل أن تحيض فليس عليها أن تعيد إذا طهرت، كما لو بقي وقتهما جميعا قبل أن تحيض، لم يكن عليها إعادة واحدة منهما- بعد أن
تطهر؛ ألا ترى أنها لو صلت الظهر ونسيت العصر وحاضت- وعليها من النهار وقت صلاة واحدة، لم تعد العصر؛ إذا طهرت، وقد قال في سماع عيسى: ليس عليها إعادة الظهر لأنها لما صلت العصر ونسيت الظهر وحاضت وبقي عليها من النهار بقية، جعل وقت ما حاضت فيه الظهر، وقاسها ابن القاسم بالرجل ينسى الظهر في السفر ويصلي العصر، فيدخل الحضر وعليه بقية من النهار، ففيما يتوضأ غربت الشمس، أن عليه الظهر أربعا؛ قال ابن القاسم: ومن قال خلاف هذا، فقد أخطأ.
قال محمد بن رشد: عبر ابن القاسم في هذه المسألة عن القضاء بالإعادة، حيثما وقع منها، وذلك تجوز في العبارة؛ لأن الإعادة إنما تستعمل فيما قد فعل، وأما ما لم يفعل حتى خرج وقته من الصلوات، فإنما يقال فيه قضاء لا إعادة؛ فذلك تجوز في العبارة- كما قلناه.
وقوله في سماع عيسى: وقاسها ابن القاسم بالرجل ينسى الظهر في السفر إلى آخر قوله، ليس بوجه القياس؛ لأن حقيقة القياس أن يرد ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه عند الجميع، أو مع المنازع؛ ومسألة المسافر التي قاس عليها مسألة الحائض ليست بمتفق عليها فتجعل أصلا لها، وإنما هي نظيرة لها، فيدخلها من الخلاف ما دخلها؛ وكذلك مسألة الحاضر يسافر لمقدار ركعتين فأقل، وقد صلى العصر ولم يصل الظهر؛ ومسألة الذي يصلي العصر بثوب طاهر، والظهر بثوب نجس، ثم يعلم ذلك قبل الغروب بمقدار أربع ركعات، فأقل؛ هذه الأربع مسائل الاختلاف فيها واحد، قيل: إن الوقت فيها كلها وقت للعصر، صليت أولم تصل؛ قال: هذا من ذهب إلى أن العصر تختص بأربع ركعات قبل الغروب، لا يشاركها فيها الظهر، وهي رواية عيسى هذه عن ابن القاسم،
فلا تسقط على هذا القول عن الحائض صلاة الظهر؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن تحيض؛ وتسقط إعادتها عن الذي صلاها بثوب نجس؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن يعلم؛ ويصليها المسافر سفرية إذ قد خرج وقتها قبل أن يدخل؛ ويصليها الحاضر حضرية؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن يخرج؛ وقيل: إن الوقت فيها كلها وقت للظهر التي لم تصل، قال: هذا من ذهب إلى أن الظهر يشارك العصر في الوقت إلى الغروب، وهي رواية عيسى هذه، ورواية أصبغ في سماعه، فعلى هذا القول لا تصليها الحائض؛ لأنها حاضت في وقتها، ويعيدها الذي صلاها بثوب نجس؛ لأنه قد علم في وقتها، ويصليها المسافر حضرية؛ لأنه قد دخل في وقتها؛ والحاضر سفرية؛ لأنه قد خرج في وقتها؛ فهذا هو أصل الاختلاف في هذه المسألة، فوجه القول باختصاص العصر بالوقت دون الظهر، قوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» . فأضاف الوقت إلى العصر دون الظهر، ووجه القول باشتراك الظهر معها فيه، إجماعهم على أنه يصلي الظهر في ذلك الوقت من آخره إليه.
وأخذ ابن حبيب برواية يحيى أن الوقت وقت للعصر في مسألة الحاضر يخرج خاصة؛ لأن الصلاة تجب على هذا حضرية، وبرواية عيسى وأصبغ: أن الوقت وقت للظهر في سائر المسائل، لوجوب الصلاة على ذلك والإتمام احتياطا للصلاة على غير قياس؛ وكذلك اختلف قول ابن القاسم في المرأة تطهر لمقدار صلاة واحدة، فتذكر أن عليها صلاة منسية، فمرة جعل الوقت الذي طهرت فيه للصلاة المنسية بصلاتها فيه، ويسقط عنها الأخرى؛ ومرة جعل الوقت للصلاة التي طهرت في وقتها فتصلي الصلاة المنسية، ثم تصلي الصلاة التي طهرت في وقتها- وإن خرج الوقت.
واختار أصبغ القول الأول، وذكره من قول مالك؛ ووجهه أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم- قال: «إذا نام أحدكم عن الصلاة» - الحديث، فجعل وقت الصلاة المنسية وقت ذكرها.
واختار ابن المواز القول الثاني، وقال: إن القول الأول مخالف لأصل قول مالك في موطئه في المسافر يخرج في سفره لمقدار ركعتين من النهار- وهو ناس للظهر والعصر، إنه يصلي الظهر أربعا، والعصر ركعتين.
إذ ينبغي على القول الأول أن يجعل الوقت للظهر فيصليها ركعتين، ويصلي العصر أربعا؛ وهذا مما لم يقل به مالك، ولا أحد من أصحابه؛ ووجهه قوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» . بدليل حمله على عمومه - وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
مسألة: الجنب يجز شعره ثم يصلي وفي ثوبه بعضه
ومن كتاب المكاتب مسألة قال: وسألته عن الجنب يجز شعره ثم يصلي- وفي ثوبه بعضه، قال: ليس عليه أن يعيد في وقت ولا غيره، إلا أن يكون في الشعر بعينه نجس أصابه، وقد يصلي الرجل على بساط شعر ميتة فلا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا استدلال مقلوب؛ لأنه بنى الأصل على فرعه، وذلك لا يصح إلا بعد تسليمه والقول بصحته؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في جواز أخذ الشعر من الحي وأنه طاهر، لقوله عز وجل:
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: 80]- الآية.
وإنما اختلفوا في جواز أخذه من الميت؛ إذ من أهل العلم من رآه نجسا (يموت) بموت الميتة؛ إذ قد حله الروح عنده؛ والدليل على أنه طاهر، وأن الروح لم يحله، جواز أخذه من الحي، فهذا هو القياس الصحيح؛ ووجه التنظير بين المسألتين، أن الشعر كما لا ينجس بالموت، لا ينجس بالجنابة.
مسألة: القريب العهد بالإسلام يصلي المغرب أياما أربعا أربعا
مسألة وقال في الجاهل من مسالمة أهل الذمة، أو القريب العهد بالإسلام من غيرهم: يصلي المغرب أياما أربعا، أربعا؛ إنه يعيد تلك الصلوات كلها في الوقت، علم بقبيح ما صنع، أو بعد ذهاب الوقت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الجاهل لا يعذر بجهله في الصلاة، فهو كالمتعمد العالم، وهو أصل من الأصول في المذهب.
مسألة: المريض أيجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل
مسألة وسألته عن المريض أيجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل، فقال: سمعت مالكا يقول: لا يجوز ذلك- حتى لا يستطيع الصلاة قاعدا؛ فإذا كان على كل حال لا يستطيع أن يصلي إلا إيماء مستلقيا أو مضطجعا، جازت صلاته على المحمل ويحبس له المحمل، ويستقبل به القبلة، كما كان يصنع به لو كان نازلا بالأرض.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية عن مالك خلاف رواية ابن القاسم عنه في رسم "سن": أنه لا يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل- أصلا، وخلاف رواية أشهب عنه في آخر رسم "الصلاة" الثاني، أنه يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل- إذا لم يقدر على السجود- وإن قدر على الجلوس، فهي ثلاثة أقوال، وقد مضى بيان ذلك في رسم "سن" المذكور.
مسألة: المسافر يريد مسيرة أربعة برد فإذا صار عشرين ميلا أجمع إقامة أربع ليال
مسألة قال: وسألته عن المسافر يريد مسيرة أربعة برد، فإذا صار عشرين ميلا، أجمع إقامة أربع ليال، فأتم الصلاة، ثم يخرج ماضيا إلى تمام سفره، أيقصر الصلاة أم لا؟ فقال: كل من أجمع إقامة أربع ليال فأتم الصلاة ثم خرج لإتمام سفره، فإنه لا يقصر الصلاة، إلا أن يكون فيما بقي من سفره مسيرة أربعة برد فصاعدا، وهذا يعد بإقامته الأربع ليال التي وجب بهن عليه الإتمام، كمبتدئ السفر من أوله؛ قلت لسحنون: فلو نواه أن يسير يوما ويقيم أربعة أيام، قال: يقصر كلما سار، ويتم كلما أقام؛ وإنما ينظر إلى نيته في منتهى سفره، فإذا كان ما يقصر في مثله الصلاة، فعليه الإقصار في مسيره والإتمام في مقامه إذا نوى مقام أربعة أيام.
قال محمد بن رشد: لا فرق بين المسألتين، فقول سحنون خلاف لقول ابن القاسم: ينظر إلى ما بقي من سفره بعد الإقامة في المسألتين جميعا، فلا يقصر فيهما إلا إن كان بقي من سفره ما تقصر في مثله الصلاة، وسحنون ينظر إلى نيته في ابتداء سفره، فإن كان ذلك ما يجب فيه قصر الصلاة، قصر في مسيرة ذلك، وإن تخلله إقامة أربعة أيام، نوى الإقامة من أول سفره أو لم ينوها- وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يرى في ثوب الإمام نجاسة
مسألة قال: وسألته عن الرجل يرى في ثوب الإمام نجاسة، ما ترى له أن يصنع؟ فقال: إن أطاق أن يريه إياه فليفعل، وإن لم يطق ذلك فصلى معه وقد رآه أو علم به، فليعد صلاته في الوقت، وغيره أحب إلي، وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه؛ قال: وإنما رأيت أن يعيد بعد ذهاب الوقت؛ لأن كل من تعمد الصلاة بثوب نجس، فالإعادة عليه واجبة في الوقت وبعده؛ فهذا قد صلى، وهو يعلم أن الإمام قد صلى بثوب نجس؛ قلت له: أكنت تحب أن ينصرف إذا لم يقدر على أن يعلم الإمام بما في ثوبه، أو ترى أن يعلم الناس ويسمعهم، وكيف إن علم أن الإمام غير متوضئ، فماذا يجب، أيجب عليه أن يعلم الناس، أم الإمام دونهم؟ أم ينصرف ولا يصلي بصلاته؟ قال سحنون: إذا كانت بينه وبين الإمام صفوف، فلا أرى بأسا- أن يكلم الإمام ويخبر بأن في ثوبه نجاسة، ثم يبتدئ الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي رأى في ثوب الإمام نجاسة - إن أطاق أن يريه ذلك فليفعل، يريد فيخرج الإمام ويستخلف، ويتمادى هو مع المستخلف على صلاته، إلا أن يكون عمل من الصلاة معه عملا بعد أن رآه وقبل أن يريه إياه، فيكون قد أفسد على نفسه صلاته بذلك، فيقطع ويبتدئ- قاله يحيى بن يحيى؛ وهو صحيح على ما قال: إذا لم يطق أن يريه إياه فصلى معه، إنه يعيد في الوقت، وبعده أحب إلي؛ وإنما قال: وإن لم يعد
إلا في الوقت أجزأه، مراعاة لقول من يرى أن صلاة المأمومين غير مرتبطة بصلاة إمامهم، مع ما في أصل المسألة من الاختلاف؛ إذ قد قيل في رفع النجاسات من الثياب والأبدان أنه فرض، وهو قول ابن وهب؛ فعلى قوله يعيد من صلى بثوب نجس عامدا أو جاهلا أو ناسيا أبدا؛ وقيل: إنه سنة- وهو المشهور في المذهب، فعلى هذا يعيد من صلى بثوب نجس في الوقت إن كان ناسيا، أولم يجد غيره، وإن صلى به متعمدا أو جاهلا- وهو يجد ثوبا طاهرا، أعاد أبدا، لتركه السنة عامدا مستخفا بصلاته، أو جاهلا فلا يعذر بجهله، ومن الناس من يعبر عن رفع النجاسات من الثياب والأبدان- على هذا- بأنه فرض بالذكر مع القدرة، يسقط بالنسيان، أو عدم القدرة، وليست بعبارة مخلصة.
وقد روى البرقي عن أشهب أن من صلى بثوب نجس عامدا، فلا إعادة عليه إلا في الوقت، وهو ظاهر قوله في المدونة فيمن مسح مواضع المحاجم ولم يغسلها، أنه يعيد في الوقت، - إذ لم يفرق في ذلك بين النسيان والعمد، وعلى ذلك حملها أبو عمران فقال: ناسيا كان أو عامدا، للاختلاف في المسح؛ إذ قد روي عن الحسن وغيره، أنه قال: ليس عليه غسل موضع المحاجم.
وقد قال ابن أبي زيد: معناه ناسيا؛ وجعل ذلك ابن حبيب أخف من الدم الذي يفتله الراعف ويتمادى على صلاته، (وحكم الذي يعلم في الصلاة- أن الإمام غير متوضئ، حكم الذي يرى في ثوب الإمام نجاسة- ولا يقدر على أن يريه إياه، لبعد ما بينه وبينه؛ يعلم الإمام بذلك، ويستأنف الصلاة عند سحنون؛ وسكت ابن القاسم عن الجواب في هذا الذي يأتي على مذهبه في ذلك أن يكلمه ويبني على صلاته) - على أصله في إجازة الكلام فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة على حديث ذي اليدين؛ وقد قيل: إنه إن قدر أن يفهم الإمام أنه على غير وضوء، وأن في ثوبه نجاسة، بأن يتلو
آية الوضوء، أو أول المدثر، فعل ذلك وتمادى على صلاته مع مستخلف الإمام، وهو قول الأوزاعي؛ وقد قيل: إنه لا يمنع الرجل أن يرى الإمام النجاسة في ثوبه بعدما بينه وبينه، وله أن يخرق الصفوف إليه، ثم يرجع إلى الصف، ولا يستدبر القبلة في رجوعه إلى الصف، قاله يحيى بن يحيى، وهو خلاف ظاهر قول سحنون.
مسألة: يختم القرآن وهو في نافلة ثم يريد أن يبتدئ القرآن من سورة البقرة
مسألة وسألته عن الرجل يختم القرآن وهو في نافلة قد استفتح الركعة التي ختم فيها بأم القرآن، ثم يريد أن يبتدئ القرآن من سورة البقرة؛ أيجب عليه أن يفتتح بأم القرآن أيضا لابتدائه القرآن من أوله؟ أم يجزئه أن يفتتح البقرة ويدع أم القرآن؟ قال: يفتتح البقرة- ولا جناح عليه في ترك أم القرآن؛ لأنه لا يقرأ أم القرآن في ركعة مرتين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال- لأن السنة أن يقرأ أم القرآن في كل ركعة مرة، كما قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي علمه الصلاة.
مسألة: يمنعهم شدة المطر من شهود الجمعة أيجمعون الظهر بمكانهم
ومن كتاب أول عبد أشتريه فهو حر مسألة قال: وسئل عن القوم يمنعهم شدة المطر من شهود الجمعة، أيجمعون الظهر بمكانهم الذي هم فيه؟ فقال: إن جاء من
ذلك أمر غالب يعذرون به، جاز لهم أن يجمعوا كما جوز مالك للمرضى والمحبوسين، لما تبين من عذرهم؛ وإن كان مطرا لا يمنعهم من شهود الجمعة، فإن جمعوا أعادوا الصلاة- إذا تركوا شهود الجمعة لغير عذر غالب.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مجودا في أول رسم من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول في ذلك.
مسألة: الإمام يرى في ثوبه دما تعاد الصلاة من مثله
مسألة وسألته عن الإمام يرى في ثوبه دما تعاد الصلاة من مثله، أيجزئه أن ينزعه ويعلم الناس ويبتدئ صلاته؟ أم يخرج ويستخلف مكانه؟ فقال: بل يخرج فينزع ثوبه ويغسله- إن أحب، ثم يرجع فيدخل مع الناس فيما أدرك، ويدخل عند خروجه- رجلا فيبني الداخل على صلاة الإمام؛ لأن ما مضى منها مجزئ عمن خلفه، ومنتقض عليه هو؛ فلذلك لزمه الخروج؛ لأنه لو ابتدأ من خلفه يبني، لاختلط عليهم ما هم فيه.
قال محمد بن رشد: قوله في الإمام يرى في ثوبه نجاسة، أنه ينصرف ويستخلف من يتم بالقوم بقية صلاتهم، هو المشهور المعلوم في المذهب؛
والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في ثوبه دما في الصلاة فانصرف» ، فإذا وجب عليه أن ينصرف لما في ثوبه من النجاسة، وجب عليه أن يستخلف كما إذا ذكر أنه على غير وضوء وأحدث؛ وقد قال ابن القصار: إن من رأى نجاسة في ثوبه- وهو في الصلاة وعليه ما تجزئه به الصلاة سواه، أنه يخلعه ويتمادى على صلاته، كما فعل النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في النعل الذي علم في الصلاة أن فيه نجاسة؛ وقد فرق بعض الناس بين الثوب والنعل، بأن النجاسة في أسفل النعل، فأشبه أن لو بسط عليها ثوبا أو جلدا، وهي تفرقة ضعيفة، والصواب أن ذلك تعارض بين الآثار؛ ولذلك اختلف أهل العلم في طهارة الثوب والبقعة، هل هو من فرائض الصلاة، أو من سننها- وبالله التوفيق.
مسألة: يدخل المكتوبة فيصلي ركعتين ثم يشك في أنه بقي عليه مسح رأسه
من سماع سحنون وسؤاله أشهب وابن القاسم مسألة قال سحنون: وسئل أشهب عن الرجل يدخل المكتوبة فيصلي ركعتين، ثم يشك في أنه بقي عليه مسح رأسه، ثم يتم بقية صلاته، ثم يذكر بعد ذلك أنه قد أتم وضوءه، قال: صلاته باطل.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم في أول رسم "بع" من سماع عيسى، وقد مضى هناك وجه قوله، ووجه قول أشهب هذا أن الصلاة واجبة عليه بطهارة، فلا يصح الدخول فيها، ولا التمادي عليها، إلا بطهارة متيقنة غير مشكوك فيها.
مسألة: يأتي إلى القوم وهم في الصلاة فيدخل معهم فيها وقد صلاها في البيت
مسألة قيل لأشهب فالرجل يأتي إلى القوم وهم في الصلاة فيدخل معهم فيها- وهو عند نفسه قد صلاها في البيت، فإذا فرغ من الصلاة مع الإمام، ذكر أنه لم يكن صلاها في البيت؛ قال: صلاته باطل، وعليه الإعادة.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما يأتي بعد هذا في هذا السماع من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وخلاف ما مضى أيضا في رسم "أسلم" من
سماع عيسى، وقد مضى هناك من توجيه القولين ما أغنى عن إعادته ههنا.
مسألة: يدخل يوم الجمعة وهو يرى أنه يوم الخميس
مسألة قال أشهب في الذي يدخل يوم الجمعة- وهو يرى أنه يوم الخميس، أو يدخل يوم الخميس- وهو يرى أنه يوم الجمعة: أرى عليه الإعادة في الأمرين جميعا، قيل له: فإن كان مسافرا دخل مع قوم- وهو يظنهم مسافرين، فأصابهم حضريين، أو وهو يظن أنهم حضريون فأصابهم مسافرين؛ قال: صلاته في الأمرين جميعا مجزئة عنهم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة موعبا في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته.
مسألة: يدخل في الظهر فتتحول نيته وهو يظن أنه في نافلة
مسألة قيل لأشهب في الذي يدخل في الظهر فتتحول نيته- وهو يظن أنه في نافلة، فيصلي ركعتين ويسلم، ثم يذكر بحضرة ذلك؛ قال: يبني، وصلاته تامة، وليس تحول النية بشيء؛ قال سحنون: قال لي يوسف بن عمرو: قلت له فإن تحولت نيته وظن أنه في عصر حتى صلى ركعتين؟ قال: صلاته مجزئة وليس تحول النية بشيء، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: لم يراع أشهب تحول النية في الصلاة وهو على روايته عن مالك في الذي ركع بالسجدة- ساهيا في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى خلاف قول ابن القاسم فيه وفي رسم أسلم بعده، وقد مضى في الرسمين من الكلام في ذلك ما فيه كفاية لمن تدبره ووقف عليه.
مسألة: الحائض تطهر فتغتسل وقد بقي عليها من النهار ما تصلي فيه ثلاث ركعات
مسألة وسألت أشهب عن الحائض تطهر فتغتسل وقد بقي عليها من النهار ما تصلي فيه ثلاث ركعات، ثم تعلم قبل أن تصلي أن الماء غير طاهر، فإن اغتسلت ذهب النهار.
قال: آمرها أن تصلي بهذا الغسل في الوقت، أحب إلي من أن تغتسل بماء طاهر فتصلي وقد ذهب الوقت؛ لأن الصلاة في الوقت في الثوب غير الطاهر خير من الصلاة بعد الوقت بثوب طاهر؛ قيل له: فإن طهرت وقد بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه خمس ركعات عند نفسها، فصلت الظهر ثم غابت الشمس؛ قال: أخطأت في التقدير، وإنما كان عليها أن تصلي العصر، فعليها أن تعيد العصر أربع ركعات، قيل لأشهب: فإن ظنت أنه إنما بقي عليها أربع ركعات، فبدأت بالعصر ففرغت وقد بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه ركعة؛ قال: تصلي الظهر وليس عليها إعادة العصر؛ لأن الظهر والعصر كانتا عليها جميعا؛ وإنما ذلك بمنزلة من صلى العصر، ونسي الظهر ثم ذكر قبل مغيب الشمس بقدر ما يصلي ركعة أو أربع ركعات قبل غروب الشمس، فليس عليه إعادة العصر، ولو بقي عليه من النهار قدر خمس ركعات، صلى الظهر