البيان والتحصيلصفحات 147-186
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الخامس

صفحات 147-186
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

خرج يوم الجمعة من دار مقامه، دعت عليه الملائكة ألا يصحب في سفره، ولا تقضى حوائجه» . وحدثني عبد الله بن رجاء المكي، عن صدقة بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة.
قال محمد بن رشد: ما روي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - من دعاء الملائكة على من خرج من دار مقامه يوم الجمعة، ليس على ظاهره، إذ لا يجب ترك السفر يوم الجمعة، إلا في الوقت الذي أمر الله بالسعي فيه إليها - حيث يقول: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] ؛ لأنه أباح في الآية البيع إلى وقت وجوب السعي، والسفر من أسباب البيع، وقد روى ابن وهب وابن نافع، وابن أبي أويس (عن مالك) أنه قال: لا بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم تحضر الجمعة ويفيء الفيء.
قال في رواية ابن أبي أويس: وأحب إلي لمن طلع عليه الفجر يوم الجمعة في أهله، ألا يبرح حتى يصلي الجمعة، ومثله في رسم "المحرم" من سماع ابن القاسم، فيحتمل أن يكون معنى الحديث من خرج يوم الجمعة من دار مقامه بعد حضور الجمعة، أو قبل ذلك - رغبة عن شهودها، ومعنى قول سعيد بن المسيب السفر يوم الجمعة بعد الصلاة، أي هو الذي يستحب له ويؤمر به، ومعناه في السفر المباح غير المندوب إليه؛ روي عن ابن عباس قال: «بعث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه؟ فقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ألحقهم، فلما

صلى مع النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال له: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: لو أنفقت ما في الأرض، ما أدركت فضل غدوتهم» .

مسألة: تصلي الفريضة ومعها ولدها تمسكه في الركوع والسجود ولا تضعه في الأرض

مسألة وسئل ابن القاسم عن المرأة تصلي الفريضة - ومعها ولدها - تمسكه في الركوع والسجود، ولا تضعه في الأرض - حتى تفرغ، هل تعيد تلك الصلاة؟ فقال ابن القاسم: ما أحب لها أن تفعل، فإن فعلت ولم يشغلها عن الصلاة - فلا إعادة عليها.
قال محمد بن رشد: قوله: ما أحب لها أن تفعل ذلك، معناه على حب ولديها من غير ضرورة - إلى ذلك.
وأما إذا اضطرت إلى ذلك ولم تجد من يكفيها، وأمكن ألا يشغلها عن صلاتها مع ألا تضعه بالأرض في ركوعها وسجودها، فذلك لها جائز أن تفعله - على ظاهر ما قاله مالك في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، لما جاء في ذلك من الأحاديث، وقد مضى هناك القول فيه، فقف عليه وتدبره.

مسألة: صلي ومعه الكيس الكبير وجعله تحت إبطه

مسألة وسئل عن الذي يصلي ومعه الكيس الكبير الذي لا يقدر على أن يصره في كمه، ولا يستطيع أن يصلي به حتى يجعله تحت إبطه

(من ثقله) - وهو يخاف عليه إن وضعه في الأرض أن يخطف؛ هل يصلي به - وهو لا يستطيع أن يضع يده على ركبته، ولا يضع يده في الأرض، هل تجزئه صلاته؟ قال ابن القاسم: إذا اضطر إلى ذلك، وخاف عليه فلا إعادة عليه؛ وأما إذا لم يخف عليه وصنع ذلك حتى لا يستطيع أن يضع يده على ركبته، فأرى أن يعيد؛ لأن مالكا قال في الذي يصلي وعنان فرسه في يده، لا يضع يده على ركبته - إذا خاف على دابته، فلا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: (وقع) قول مالك هذا الذي احتج به في رسم " الشجرة " من سماع ابن القاسم، وهو أصح في المعنى؛ مما في رسم "اغتسل" منه، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السجود على سبعة آراب» ؛ لأن ذلك إن لم يقتض إيجاب السجود على السبعة الآراب، فهو يقتضي أن ذلك من سنة السجود، والسنة لا يرخص في تركها إلا من ضرورة - وبالله التوفيق.

مسألة: إمام مسافر صلى بمسافرين ومقيمين ثم سلم فقدم المقيمون رجلا منهم

مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام مسافر صلى بمسافرين ومقيمين ثم سلم، فقدم المقيمون رجلا منهم، فأتم بهم الركعتين - ولم يصلوا

فرادى؛ هل يفسد (ذلك) صلاتهم؟ قال ابن القاسم: يعيدون في الوقت، وبعد الوقت أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة فيما مضى من هذا السماع، ونبهنا على ما مضى فيها من الكلام في مواضعه - والحمد لله.

مسألة: يصلي في بيته العصر ثم يأتي إلى المسجد فيجد القوم لم يصلوا هل يتنفل

من سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم (مسألة) قال محمد بن خالد: سألت عبد الرحمن بن القاسم عن الذي يصلي في بيته العصر، ثم يأتي إلى المسجد فيجد القوم لم يصلوا؛ هل يتنفل؟ قال: إن أحب أن ينتظر الصلاة فلا يتنفل، وإن أحب أن ينصرف فلينصرف ولا ينتظر الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» ، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وهذا في النوافل عند مالك، وإنما يعيد العصر في جماعة بعد أن صلاها - وحده بنية الفريضة، ولا يدري أيتهما صلاته؟ ومن

جعل الأولى صلاته، والثانية نافلة لا يجيز له إعادة العصر، ولا الصبح في جماعة، إذ لا نافلة بعدهما.

مسألة: يصلي فيمر بين يديه حية أو عقرب هل يقتلهما

من سماع عبد الملك بن الحسن وسؤال ابن القاسم وأشهب مسألة قال عبد الملك بن الحسن: سئل ابن القاسم - وأنا أسمع - عن الرجل يصلي فيمر بين يديه حية، أو عقرب، هل يقتلهما؟ قال: قال مالك لا يقتلهما إلا أن يريداه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في صدر سماع موسى، والكلام عليه، فلا معنى لإعادته.

مسألة: صلى بالناس العصر فلما سلم ذكر أنه لم يكن صلى الظهر

مسألة (قال) وسألته عن إمام صلى بالناس العصر، فلما سلم ذكر أنه لم يكن صلى الظهر، قال يجزئ عن القوم صلاتهم، ويعيد الإمام الظهر ثم العصر، وإن ذكر ذلك، وقد صلى ركعة أو ركعتين، قدم رجلا غيره.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم "إن خرجت"، والكلام عليها، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يسجد في آخر الأعراف ثم يبتدئ بالأنفال

مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يسجد في آخر الأعراف ثم يبتدئ قراءة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] ؛ هل يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أولا؟ قال نعم، يقرؤها ولا يتركها فيها ولا في غيرها من السور، وهو قول مالك؛ وذلك في النوافل، وقيام رمضان، وما أشبهه؛ قال أشهب: لا أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب وروايته عن مالك في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في النوافل، هو مثل ما في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك تحصيل القول في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته؛ وقول أشهب هنا: لا أرى ذلك عليه، يقتضي التخيير في ذلك، فهو مثل ما في المدونة.

مسألة: الرجل أيصلي بالثوب الحرير

مسألة قال وسألت أشهب عن الرجل أيصلي بالثوب الحرير؟ قال لا، قلت له: فإن صلى به؟ قال إن كان عليه ثوب يواريه غيره، فلا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: فلا إعادة عليه يريد لا في الوقت ولا في غيره، ولو لم يكن عليه ثوب غيره، لأعاد على مذهبه في الوقت وغيره.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب، قال: لأنه شبيه بالعريان حين لم يكن عليه في صلاته إلا ما حرم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. - وهو قول عيسى بن دينار.

وقال سحنون: لو صلى بثوب حرير، وعليه أربعون قطيعة، لأعاد في الوقت، وهو مذهب ابن القاسم؛ وفي كتاب ابن الصابوني: مثله لأشهب، ويأتي بعد هذا في هذا السماع - لابن وهب، وابن الماجشون؛ أنه لا إعادة عليه في وقت ولا غيره، وسواء على مذهبهم كلهم فعل ذلك متعمدا وله ثوب غيره، (أو لم يكن له ثوب غيره) ؛ فجعل ابن القاسم تجنب لباس الحرير للرجال في الصلاة من سنن الصلاة، كتجنب النجاسة فيها، لنهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عنهما جميعا؛ لأن الصلاة عنده بالثوب الحرير، أخف من الصلاة بالثوب النجس - على قوله وروايته عن مالك في المدونة في الذي له ثوب حرير، وثوب نجس، أنه يصلي بالحرير، ويعيد في الوقت؟ خلافا لأصبغ في قوله: إنه يصلي بالنجس، ويعيد في الوقت، فإن صلى بالحرير لم يعد؛ ولم ير ابن وهب، وابن الماجشون، تجنب لباس الحرير مما يختص بالصلاة، فيكون من سننها أو من فرائضها، فلذلك قالا: إنه لا إعادة على من صلى بثوب حرير، لا في الوقت ولا في غيره؛ وقد قيل في الذي لا يكون له إلا ثوب حرير، إنه يصلي عريانا ولا يصلي بالثوب الحرير؛ روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وذهب إليه أحمد بن خالد.

مسألة: شارب الخمر هل تجوز الصلاة خلفه

مسألة وسئل ابن وهب عن شارب الخمر، هل تجوز الصلاة خلفه؟ فقال: لا، فإن صلاها رجل خلفه، أعاده في الوقت وبعد الوقت؛

قيل له فالذي يعصر الخمر، أيصلي الرجل خلفه؟ قال لا يصلي خلفه، فإن فعل فلا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: إنما أوجب الإعادة في الوقت وبعده على من صلى خلف شارب الخمر؛ لأن شارب الخمر فاسق لا تقبل شهادته، والفاسق الذي لا تقبل شهادته لا يؤتمن على ما يجب تقليده فيه من إحضار النية والطهارة، والتوقي من النجاسة، وشبه ذلك؛ مما هو موكول إلى أمانته، ولا أمانة له؛ وقد قيل فيمن ائتم بفاسق إن صلاته جائزة، ويعيد في الوقت استحبابا.
وقال أبو بكر الأبهري: إن كان فاسقا بتأويل، أعاد من صلى خلفه في الوقت، وإن كان فاسقا بإجماع، كمن ترك الطهارة عمدا، أو زنى، أو سرق، أو شرب خمرا، أعاد من صلى خلفه أبدا.
وقال بعض المتأخرين: إن كان فسقه فيما لا تعلق به بالصلاة - كالزنى، والقتل، والغصب، أعاد في الوقت؛ وإن كان فيما له تعلق بالصلاة، كالطهارة، أو يخل بشيء من فرائض الصلاة مثل أن يفعله - وهو سكران - فيعيد أبدا في الوقت وبعده؛ وجعل عصر الخمر من الذنوب التي لا يخرج بها إلى الفسق، ولا تسقط أمانته، وعلى هذا تجوز شهادته، وهو ظاهر ما في كتاب الرجم من المدونة، إلا أنه يعيد، إلا أن يعذر في ذلك بجهل.

مسألة: اغتسل الرجل يوم الجمعة بعد الفجر إذا نوى غسل الجمعة أن يروح به

مسألة قال عبد الله بن وهب: لا بأس إذا اغتسل الرجل يوم الجمعة بعد الفجر - إذا نوى غسل الجمعة - أن يروح به، قال والفضل أن يكون غسله متصلا بالرواح.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف المشهور في المذهب من أن غسل

الجمعة لا يكون إلا متصلا بالرواح، لقول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» . - فشرط الغسل بالإتيان إلى الجمعة.
ومن طريق المعنى أن الغسل إنما شرع في الجمعة للتنظف لها، وإزالة التفل والرائحة التي تكون من العرق، فيتأذى بذلك الناس؛ فإذا اغتسل أول النهار ذهب المعنى الذي كان لأجله الغسل، لا سيما في شدة الحر، وقد روى أبو قرة عن مالك أن غسل الجمعة يجزئ في الفجر وهو شذوذ في المذهب.

مسألة: إشارة الرجل في الصلاة ببلى ونعم

مسألة قال ابن وهب لا بأس أن يشير الرجل في الصلاة ببلى، ونعم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، والأصل في جواز ذلك ما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى قباء فسمعت به الأنصار؟ فجاءوا يسلمون عليه - وهو يصلي، فرد عليهم إشارة بيده» . فكأن مالكا لا يرى بأسا أن يرد الرجل إلى الرجل جوابا بالإشارة في الصلاة، وأن يرد إشارة على من سلم عليه ولم يكن يكره شيئا من ذلك؛ وقد روى عنه زياد أنه كره أن يسلم على المصلي، وأن يرد المصلي على من سلم عليه - إشارة بيد، أو برأس، أو بشيء، والحجة لهذه الرواية ما روي في «أن ابن مسعود سلم على النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وهو يصلي، فلم يرد عليه» . والأظهر من

القولين عند تعارض الأثر من وجوب رد السلام؟ إشارة لقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] . وأما إشارة الرجل إلى الرجل في الصلاة ببعض حوائجه فالأولى والأحسن أن يقبل على صلاته ولا يشتغل بشيء من ذلك، إلا أن يكون تركه لذلك سببا لتمادي اشتغال باله في صلاته، فيكون فعله لذلك أولى.

مسألة: تفسير قوله عليه الصلاة والسلام إذا دبغ الإهاب فقد طهر

مسألة قال وسألته عن تفسير قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ، قال بلغني أن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قال: «ذكاة كل أديم دباغه» . فلا بأس أن يصلي الرجل بجلود الميتة إذا دبغت، ولا بأس أن يصلي عليها ويبيعها.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم أنه إنما يطهر للانتفاع به، دون الصلاة عليه وبيعه، وقد مضى القول في هذه المسألة مجودا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الوضوء، فمن أحب الوقوف عليه، تأمله هناك.

مسألة: المؤذن هل هو في سعة من أذانه في أن يؤذن في أي حين شاء

مسألة قال وسألته عن المؤذن هل هو في سعة من أذانه في أن يؤذن في أي حين شاء من نصف الليل - إلى آخره؟ قال لا يؤذن المؤذن إلا سحرا.
قلت وما السحر عندك؟ قال السدس الآخر.

قال محمد بن رشد: الأصل في جواز الأذان لصلاة الصبح قبل دخول وقتها عند مالك، وجميع أصحابه، بخلاف سائر الصلوات؛ قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» . فقيل إن الأذان لها جائز من الليل إذا خرج وقت العشاء، وهو شطر الليل - على ظاهر الحديث: (قوله «إن بلالا ينادي بليل» . ووجه اختياره في الرواية ألا يكون الأذان لها إلا في السحر قرب الفجر، ما جاء في بعض الآثار عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت ولم يكن بينهما إلا مقدار ما ينزل هذا ويصعد هذا.

مسألة: صلى في بيته الظهر يوم الجمعة لعلة كانت به ثم أتي المسجد

مسألة وسئل وأنا أسمع عن رجل صلى في بيته الظهر يوم الجمعة لعلة كانت به، ثم أتي المسجد فوجد الناس في صلاتهم؛ أو وجد الإمام يختطب، أو وجد الناس قد فرغوا من صلاتهم، فقال: إذا صلى في بيته الظهر يوم الجمعة، والإمام يختطب، فإنه يصلي الجمعة، فإن أتى المسجد وقد فرغ الإمام من الصلاة؛ اجتزأ بالصلاة التي صلى في بيته، إلا أن يعلم أن صلاته كانت قبل الزوال؛ وإن انتقض وضوؤه - وهو مع الإمام في صلاته - خرج فتوضأ وصلى ظهرا أربعا.
قال محمد بن رشد: سأله عمن صلى الظهر يوم الجمعة في بيته لعلة كانت به، يريد من مرض، أو شبه ذلك مما يمنعه من شهود الجمعة، ثم ذهبت

العلة فأتى المسجد، فأجابه عمن صلى في بيته الظهر يوم الجمعة ولم يذكر لعلة، ثم أتي المسجد؛ فدل ذلك على استواء المسألتين عنده، وأن العلة إن ذهبت في المسألة الأولى؛ فأتى المسجد، فأدرك من صلاة الجمعة ركعة أو أكثر أو ذهب في وقت لو أتى المسجد لأدرك من الصلاة ركعة أو أكثر، بطلت صلاته التي صلى في بيته، ووجب عليه أن يعيد صلاته ظهرا أربعا؛ وأن يصلي مع الإمام - إن جاء، فإن لم يفعل، أو انتقض وضوؤه فيها، وجب عليه أن يعيد صلاته ظهرا أربعا، وأن صلاته وإن وقعت في المسألة الثانية، وقد صلاها على ألا يأتي الجمعة، أو وهو يظن أن الجمعة قد صليت في وقت لو أتى الجمعة لأدركها، أو ركعة منها، فهي باطل، وعليه إعادتها إن لم يأت الجمعة، وأن يصليها مع الإمام إن أتى؛ فإن لم يفعل أو انتقض وضوؤه فيها، أعاد الظهر أربعا.
وقد روى ابن وهب عن مالك فيمن ظن أن الصلاة يوم الجمعة قد صليت، فصلاها في بيته ظهرا أربعا ثم مر بالمسجد فوجد الناس لم يصلوا، فجهل فمضى لحاجته ولم يصل معهم، أرجو أن تجزئ عنه صلاته.
فعلى هذه الرواية لا تبطل صلاته التي صلى في بيته في المسألتين جميعا - أتى إلى المسجد أولم يأت، وإنما يؤمر أن يصلي مع الإمام إن أتي إلي المسجد -استحبابا؛ - لأنه إذا قال إن صلاته التي صلي في بيته، وهو يظن أن الجمعة قد صليت في وقت لو أتى إلى الجمعة لأدركها أو ركعة منها لا تبطل، فأحرى ألا تبطل إذا صلاها في بيته لعلة كانت به من مرض أو شبهه؛ وقد مضت هذه المسألة، وتحصيل الاختلاف فيها في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى؛ وأما إذا صلى في بيته قبل صلاة الإمام في قوت لو مضى إلى الجمعة لم يدركها ولا ركعة منها، فلا تبطل صلاته باتفاق، بمنزلة إذا صلاها بعد صلاة الإمام؛ كما أن المحصر بعدو إذا انكشف عنه الوقت في وقت لا يدرك فيه الحج - وإن كانت أيام الحج لم تنقض، فهو محصور كما لو كانت أيام الحج قد انقضت، على ما في كتاب الحج الثاني من المدونة، وهذا كله بين.

مسألة: القوم في المركب فيصلون جلوسا وهم يقدرون على الصلاة قياما

مسألة وسئل - وأنا أسمع - عن القوم في المركب فيصلون جلوسا - وهم يقدرون على الصلاة قياما، قال يعيدون في الوقت وبعد الوقت.
وإن لم يقدروا أن يصلوا قياما، فلا بأس أن يؤمهم إمامهم وهم جلوس.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح لا إشكال فيه؛ لأن القيام فرض في الصلاة، قال الله عز وجل: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] . فمن تركه مع القدرة عليه، فلا صلاة له.

مسألة: نسي صلاة فذكرها بعد شهر فصلاها

مسألة وسئل عمن نسي صلاة فذكرها بعد شهر فصلاها، ثم تبين له بعدما صلى أن في ثوبه نجاسة، فقال ابن وهب يعيدها.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب هذا صحيح على أصله في أن رفع النجاسة من الثياب والأبدان من فروض الصلاة، خلاف مذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك؛ لأن الصلاة الفائتة بتمامها يخرج وقتها.

مسألة: يصلي بثوب حرير متعمدا لذلك وهو يجد غيره

مسألة وسئل عن الذي يصلي بثوب حرير - متعمدا لذلك - وهو يجد غيره، أنه لا إعادة عليه في وقت ولا غيره، وقاله ابن الماجشون.
قال محمد بن رشد: قد تقدم في هذا السماع - القول في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يوقد في مساجد يصلى فيها نار

مسألة قال: وسألته عن مسجدنا - وهو المسجد الذي تصلى فيه الجمعة - إذا كان شهر رمضان، أمر الوالي أن يصنع طعاما في ناحية منه للمساكين والأيتام يفطرون عليه، والنار التي توقد فيه هي في ناحية منه، إلا أنه في داخل المسجد، أترى للإمام أن ينهى عن مثل هذا، ويأمر بإخراجه من المسجد؟ قال سبحان الله! وهل يكون هذا في المساجد؟ فقلت نعم، هذا عندنا ظاهر، فتعاظم ذلك، وقال لا ينبغي أن يوقد في مساجد يصلى فيها نار، وأرى أن ينهى عن ذلك أشد النهي؛ قلت له فماء يكون عندنا طاهرا في المسجد، فإذا كان أيام الطين والمطر، غسل الناس فيه أرجلهم، إلا أنه لا يتوضأ فيه؛ أترى أن يمنع مثل هذا؟ فقال نعم أشد المنع، ولا يكون مثل هذا في المساجد.
قال محمد بن رشد: قد مضى من القول في هذا المعنى، ما فيه كفاية في أول رسم "سلعة سماها" من سماع ابن القاسم.

مسألة: الجنائز هل ينادى بها في المساجد

مسألة قلت له: فالجنائز هل ينادى بها في المساجد؟ قال لا ينادى بها في المساجد، ولا ينادى بها إلا على أبواب المساجد.
قال محمد بن رشد: كره في رسم "حلف" من سماع ابن القاسم من كتاب الجنائز، أن ينادى بالجنائز على أبواب المساجد، وأن يصاح خلفه: استغفروا له يغفر الله لكم؛ والوجه في ذلك أنه رآه من ناحية النعي المنهي عنه.

مسألة: إمامة الأقطع والأشل

مسألة قال ابن وهب لا يؤم الأقطع وإن حسنت حاله، ولا الأشل إذا كان لا يقدر على أن يضع يده على الأرض.
قال محمد بن رشد: قد روى ابن نافع عن مالك، أنه لا بأس بإمامة الخصي والأقطع وكل ذي عيب في جسده في الجمعة والأعياد وغيرها - إذا كانوا لذلك أهلا، وإنما العيوب في الأديان لا في الأبدان؛ وإلى هذا ذهب ابن الماجشون في الواضحة، ووجه قول ابن وهب، أن الأقطع والأشل يعجز كل واحد منهما عما يحاوله من الطهارة والتنظف من النجاسة، عن أن يكون في ذلك بمنزلة الصحيح، والصلاة أولى ما احتيط لها؛ مع أن الأقطع إن تاب وحسنت حاله، وكان القطع كفارة له يؤذي بذلك أيضا، كذلك الزاني، فتكره إمامته أيضا من هذا الوجه الآخر، ووجه أخر أيضا يختص بالأشل - وهو الذي يأتي على تعليل ابن وهب فيه - إذا كان لا يقدر أن يضع يده بالأرض، وهو «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال السجود على سبعة آراب» . وقال عبد الله بن عمر اليدان يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا لم يقدر الرجل أن يضع يده بالأرض لشلل بها، وجب ألا تجوز إمامته؛ كما إذا لم يقدر أن يضع جبهته بالأرض لضرر بها.
واعتل ابن الفخار للمنع من جواز إمامة الأقطع والأشل، بأنهما ناقصا الفضيلة، وأن ذلك يسري إلى المأمومين ويتعدى إليهم، لارتباط صلاتهم بصلاته.

مسألة: الإمام يكون ممن يسلم اثنتين فقام رجل بعد أن يسلم واحدة

مسألة وسئل عن الإمام يكون ممن يسلم اثنتين، فقام رجل بعد أن يسلم واحدة، فقال لا إعادة عليه وبئس ما صنع.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السلام الأول هو الفرض الذي يتحلل به من الصلاة، والثاني سنة؛ فإذا قام الرجل بعد سلامه الأول، فصلاته تامة؛ وقد مضى نحو هذا في رسم "شك في طوافه"، ورسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم.

يشتري العلج والعلجة هل يجب عليه ختانهما وتعليمهما القرآن

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم - وسئل عن الرجل يشتري العلج والعلجة من العجم - فيريد إمساكهما، هل يجب عليه خفض العلجة، وختان العلج، وتعليمهما القرآن، وعدد الصلوات؛ قال: على الرجل أن يختن من عبيده، ويخفض من إمائه ما يجمع على إمساكه، وأن يعلمهم من القرآن السورتين والثلاث، فمن كان منهم أعجميا لا يفصح أمر من يعلمه وقوت الصلوات وعدد الركعات، ويوقفه على الركوع والسجود، وعلى التوحيد والإحرام بالصلاة والتسليم منها، والوضوء؟ قال أصبغ وعليه

أن يدخله في الإسلام إذا ملكه، إذا كان من غير أهل الكتاب، من المجوس، والزنج، والسودان، والصقالبة، والبربر، وما أشبههم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن على الرجل أن يختن من عبيده، ويخفض من إمائه ما يجمع على إمساكه؛ لأنهم حوله وملك يمينه؛ فيلزمه من ختان ذكورهم، ما يلزمه من ختان ذكور ولده؛ لأن الختان طهور الإسلام وشعاره، فهو سنة واجبة، ويستحب له من خفاض إناثهم ما يستحب له من خفاض إناث ولده؛ لأن الخفاض في النساء مكرمة، وليس بسنة واجبة، روت أم عطية أن امرأة كانت تختن، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى عند البعل» . وعليه - (كما قال) - أن يعلمهم الوضوء، والصلاة، ويوقفهم على حدودها، ويعلمهم من القرآن ما يحتاجون إليه في صلاتهم.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]- الآية.
وقول أصبغ: وعليه أن يدخله في الإسلام، إذا ملكه - يريد صغارا، كانوا أو كبارا، فهو ظاهر قوله ههنا، وفي نوازله من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، مثل رواية ابن نافع عن مالك في المدونة، خلاف ما في سماع ابن القاسم، وسماع يحيى من كتاب التجارة إلى أرض

الحرب، فإنه فرق في السماعين بين الصغار والكبار، فلا اختلاف في الصغار من غير أهل الكتاب أنهم يجبرون على الإسلام، ولا يتركون على الكفر - إذا عقلوا؛ واختلف في حكمهم قبل أن يعقلوا على أربعة أقوال: أحدها أنه يحكم له بحكم سيده من الإسلام بملكه إياه، وهو قول ابن دينار، ورواية معن بن عيسى عن مالك.
والثاني أنه يحكم له بحكم الإسلام إذا نوى به سيده الإسلام، (وهو قول ابن وهب.
والثالث: أنه لا يحكم له بحكم الإسلام) حتى يرتفع عن حدثان الملك شيئا، ويزييه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والرابع أنه لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يعقله ويجيب إليه، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وقد قيل إنه لا يحكم له بحكم الإسلام - وإن عقله وأجاب إليه - ما لم يبلغ، وهو مذهب سحنون، ومثله لابن القاسم في النكاح الثالث من المدونة.
واختلف في الكبار على القول بأنهم يجبرون على الإسلام في حكمهم قبل أن يجبروا عليه، فقيل إنه يحكم لهم بحكم سيدهم من الإسلام بملكه إياهم، وهو قول مالك في كتاب النذور من المدونة في الأعجمي إنه يجزئ في الرقاب الواجبة إذا لم يجد غيره، وإن كان من صلى وصام أحب إليه.
وقيل إنه لا يحكم له بحكم الإسلام حتى يجيب إليه، وهو قول سحنون في مسألة كتاب النذور المذكورة، وذلك إذا كان قد أجاب إلى الإسلام؛ وهذا كله فيما سبي أو اشتري من رقيق أهل الحرب، وأما ما اشتري من أهل الذمة من

المجوس، فإنهم لا يجبرون على الإسلام - على ما بينه أصبغ في نوازله من كتاب التجارة إلى أرض الحرب.

النصراني يسلم والمغمى عليه يفيق والحائض تطهر قبل غروب الشمس أو طلوع الفجر

ومن كتاب السهو قال ابن القاسم: قال مالك في النصراني يسلم، والمغمى عليه يفيق، والحائض تطهر - قبل غروب الشمس، أو طلوع الفجر -: إنهم إن كانوا يدركون خمس ركعات من النهار، أو أربع ركعات من الليل قبل طلوع الفجر، صلوا الصلاتين جميعا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؛ لأن المغرب ثلاث ركعات، وركعة من العشاء، فوجبت كلها؛ وصلاة النهار للظهر أربع ركعات، ومن صلاة العصر ركعة، فوجبت كلها، قال وإن لم يدركوا من صلاة النهار إلا أربع ركعات فأدنى، ومن صلاة الليل إلا ثلاث ركعات فأدنى، قضوا العصر وحدها، أو العشاء وحدها؛ لأن ذلك وقت لها، وقد خرج وقت ما كان قبلها.
قال ابن القاسم: وإنما تنظر الحائض إلى ما بقي من الوقت بعد فراغها من غسلها وجهازها، وليس حين ترى الطهر - إذا لم تكن في ذلك مفرطة ولا متوانية، والنصراني يسلم ينظر إلى الوقت ساعة يسلم، فيقضي ما عليه، وليس بعد فراغه من غسله أو وضوئه؛ لأن مالكا قال في النصراني يسلم في رمضان في يوم وقد مضى بعضه، أنه يكف عن الأكل بقية يومه، ويقضي يوما مكانه؛ فالصلاة في الإعادة أوكد وأحرى أن يكون عليه ما أسلم في وقته، قياسا على قول مالك في الصيام أن يقضي يومأ مكانه، فالصلاة أولى بالقضاء، قلت

فالمغمى عليه، أينظر إلى ما بقي من الوقت ساعة يفيق، أو إلى فراغه من وضوئه؟ فقال ينظر إلى ما بقي بعد فراغه من وضوئه، وذلك الشأن والقياس فيه، وفي النصراني؛ إلا أني أستحسن في النصراني ما قلت لك، للذي أخبرتك من قول مالك في الصيام؛ فقال ابن القاسم: ولو أحدثت الحائض بعد فراغها من غسلها، والمغمى عليه بعد فراغه من وضوئه، أو بعد دخولهما في الصلاة، فلم يفرغا من الوضوء ثانية حتى غابت الشمس؛ كان عليهما القضاء؛ لأنها صلاة قد وجبت كليهما، وليس نقض الوضوء بالذي يسقطها، ولو فرغا من وضوئهما الثاني وقد بقي من النهار شيء، لم ينظر إلى ما بقي ساعتئذ، ولكن إلى ما قد وجب عليهما في أول، فيقضيانه على كل حال، ولا يعملان على ما بقي من النهار بعد الوضوء الثاني؛ ولو كانا اغتسلا أو توضآ بماء غير طاهر وصليا، ثم علما بعد غروب الشمس، فلا إعادة عليهما؛ فإن علما قبل أن يصليا، أعادا الغسل والوضوء، وعملا على ما بقي لهما بعد فراغهما، ولم ينظرا إلى الوقت الأول، وهذه المسألة مخالفة للتي قبلها.
قال محمد بن رشد: أما النهار، فلا اختلاف في أن مقدار أربع ركعات منه قبل الغروب وقت للعصر خاصة، وأما الليل فاختلف في مقدار أربع ركعات منه قبل الفجر، فقيل أنه وقت للمغرب والعشاء؛ لأنه إذا بدأ بالمغرب بقيت ركعة للعشاء، وهو مذهب ابن القاسم؛ وقيل إنه وقت للعشاء خاصة؛ لأنه مقدار ما يصلي فيه؟ فليس على الحائض إذا طهرت لمقدار أربع ركعات، أن تصلي إلا العشاء خاصة، روي هذا القول عن ابن الماجشون وهو القياس، وقول ابن القاسم استحسان؛ وعكس هذه المسألة المسافرة تطهر لمقدار ثلاث ركعات قبل الفجر، وسيأتي الكلام عليها في سماع أبي زيد؛

ولا اختلاف في الحائض تطهر أنها إنما تنظر إلى ما يبقى من الوقت بعد كمال غسلها؛ لأنها غير مخاطبة بالصلاة في حال حيضها، فلما كانت غير مخاطبة بها في حال حيضها، وكانت لا تملك الطهر عنها، وكانت الطهارة بالماء من شرطها، وجب ألا يجب إلا بعد كمالها، وكذلك القياس في المغمى عليه؛ لأنه غير مخاطب بالصلاة في حال إغمائه وهو لا يملك الإفاقة منه؛ وذهب مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، إلى أنه إنما ينظر إلى ما بقي عليه من الوقت ساعة يفيق؛ ووجه هذا القول، مراعاة قول من يرى الإغماء كالنوم في أنه لا يسقط الصلاة؛ وأما النصراني يسلم؛ فالقياس فيه أن ينظر إلى ما بقي عليه من الوقت ساعة يسلم؛ لأنا إن قلنا أنه غير مخاطب بالصلاة حتى يسلم، فلا عذر له في تأخير الإسلام إلى الوقت الذي أسلم فيه، إذ قد كان قادرا عليه قبل، بخلاف الحائض، والمغمى عليه؛ فقول ابن القاسم في الرواية، إن القياس في النصراني أن يكون كالحائض والمغمى عليه، ليس بصحيح، لما ذكرناه.
وقد قال أصبغ أنه كالحائض، والمغمى عليه إنما ينظر إلى ما بقي عليه من الوقت بعد فراغه من غسله؛ وذلك على قياس القول بأنه غير مخاطب بالصلاة حتى يسلم من غير أن يراعي ما فرقنا به بينه وبين الحائض والمغمى عليه، من قدرته على الإسلام قبل؛ وتفرقته في الحائض بين أن تحدث بعد الغسل أو تغتسل بماء نجس ليس ببين؛ لأنهما جميعا لم يكن منهما تفريط في التأخير، فإما أن تعذر في المسألتين جميعا، فتعمل فيهما على ما بقي من الوقت، بعد الوضوء وبعد الغسل الثاني - على ما روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز؛ وإما ألا تعذر فيهما جميعا فتعمل فيهما على ما كان بقي من الوقت أولا، ولم يبين في الرواية إن كان الماء الذي اغتسلت به أولا قد تغير من النجاسة أو لم يتغير، فإن كان تكلم فيها على أن الماء لم يكن تغير، فهو خلاف ما مضى من قول أشهب في سماع سحنون، وقد تكلمنا هناك على ذلك، وذكرنا وجه الاختلاف فيه.

مسألة: الطاهرة تنسى الصلاة أو تفرط فيها ثم تحيض

مسألة قال مالك: والطاهر تنسى الصلاة، أو تفرط فيها، ثم تحيض، أنها إن حاضت في وقت، فلا قضاء عليها فيما حاضت في وقته؛ وما خرج وقته قبل أن تحيض، كان عليها قضاؤه بعد أن تطهر.
قال ابن القاسم وتفسير ذلك، أنها إن نسيت الظهر والعصر أو فرطت فيهما، ثم حاضت لمقدار خمس ركعات قبل الغروب، فلا قضاء عليها لهما، وإن كان لمقدار أربع ركعات فأدق، قضت الظهر؛ لأن وقتها قد خرج، ولا قضاء عليها للعصر؛ لأن هذا الوقت لها؛ وإن كانت إنما نسيت العصر وحدها، ثم حاضت قبل الغروب لقدر ركعة أو أكثر، فمثل ذلك لا قضاء عليها لها؟ وإن كانت نسيت الظهر وصلت العصر، ثم حاضت لقدر ركعة أو أكثر، فلا قضاء عليها للظهر؛ لأن هذا وقت لها حين كانت قد صلت العصر، وإنما يكون وقت الظهر خارجا، ويكون آخر النهار وقت العصر، إذا نسيتهما جميعا، فأما إذا كانت قد صلت العصر، فالنهار كله وقت الظهر الذي نسيت؛ فمتى حاضت قبل الغروب، فقد حاضت في وقت ذلك؛ وكذلك هي في صلاة الليل على ما وصفت لك في نسيان الصلاتين، أو إحداهما؛ قال مالك إن كان لقدر أربع ركعات أو أكثر، فهو وقت لهما، وإن كان لقدر ثلاث ركعات أو أدني، فهو وقت للعشاء.
قال مالك: والمسافر ينسى الصلاة في سفره، ثم يدخل في يومه، أو ينسى في حضره ثم يخرج من يومه: إنه إن كان دخل في وقت صلى صلاة حضر؛ وإن خرج في وقت صلى صلاة سفر.
قال ابن القاسم: وتفسير ذلك، أنه إن نسي الظهر والعصر جميعا في سفره، ثم دخل من يومه، فإنه إن دخل لقدر خمس ركعات؛ صلاهما جميعا صلاة حضر، وإن لم يدخل إلا لقدر أربع ركعات فأدق، صلى الظهر صلاة سفر؟ لأن وقتها قد خرج

قبل دخوله، وصلى العصر صلاة حضر؛ لأنه قد دخل في وقتها.
وإن كان إنما نسي الظهر في سفره فصلى العصر ثم دخل من يومه، فأي ساعة دخل قبل الغروب لقدر ركعة أو أكثر، فهو وقت للظهر؛ لأنه قد صلى العصر والوقت الذي دخل فيه وقت للصلاة التي نسيها فقضاها فليصلها صلاة حضر، وإن كان في النهار فضل عنها لقدر ركعة، أعاد العصر؛ لأنه في وقتها، وإلا فلا إعادة عليه لها؛ وكذلك هو في الخروج على مثل ذلك في الوقت إن نسيهما جميعا، ثم سافر لمقدار ثلاث ركعات صلاهما صلاة سفر: ركعتين، ركعتين، وإن كان لقدر ركعتين أو أقل، صلى الظهر صلاة حضر؛ لأنه قد خرج وقتها قبل خروجه، وصلى العصر صلاة سفر؛ لأنه مسافر في وقتها، وإن كان إنما نسي الظهر وصلى العصر ثم سافر من يومه، فإن سافر لقدر ركعة فصاعدا، فهو وقت الظهر التي نسيها، فإنما يصليها صلاة سفر، ولا إعادة عليه للعصر، إلا أن يبقى عليه من الوقت قدر ركعة فصاعدا، فيعيد العصر ويعيدها صلاة سفر ركعتين؛ وكذلك هو في صلاة الليل على ما وصفت لك في الدخول والخروج سواء، وفي نسيان الصلاتين جميعا أو إحداهما، إلا أن صلاة الليل كما قد علمت المغرب ثلاثا، والعشاء أربعا، فعلى ذلك كله فقس واعرف ما يجب عليك من ذلك، وما لا يجب، وما تكون العشاء فيه صلاة حضر، أو سفر، قال ولو نسي الظهر في سفره وصلى العصر فدخل من يومه قبل الغروب لقدر ركعة أو أكثر، فانتقض وضوؤه، أو دخل غير متوضئ، أو دخل جنبا، فلم يفرغ من غسله، ولا وضوئه حتى

غربت الشمس، فعليه قضاؤها صلاة حضر أربعا، مثل الذي كان وجب عليه حين الدخول؛ وإنما ينظر في مثل هذا إلى الدخول، فما وجب عليه ساعتئذ، قضاه على كل حال، وكذلك هو أيضا في الخروج على مثل ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: قوله إذا حاضت لمقدار أربع ركعات من الليل قبل الفجر ولم تكن صلت المغرب والعشاء، إنه وقت لهما جميعا، فليس عليها أن تصليهما، هو على قياس قول ابن القاسم في المسألة التي قبل هذه.
وقد ذكرنا أن ابن الماجشون يرى الوقت لصلاة العشاء خاصة؛ لأنه قدر ما تصلي فيه، فعلى قوله يسقط عنها صلاة العشاء في هذه المسألة؛ لأنها حاضت في وقتها، ويكون عليها أن تصلي المغرب؛ لأنه خرج وقتها قبل أن تحيض، وهو القياس، وقول ابن القاسم استحسان؛ وأما قوله إذا صلت العصر ونسيت الظهر ثم حاضت لقدر ركعة فأكثر، فلا قضاء عليها للظهر؛ وإذا صلى المسافر العصر ونسي الظهر ثم دخل قبل الغروب لقدر ركعة أو أكثر فهو وقت للظهر، يصليها صلاة حضر؟ وإذا صلى المقيم العصر ونسي الظهر ثم سافر من يومه لمقدار ركعة فصاعدا، فهو وقت للظهر يصليها صلاة سفر، فهو خلاف رواية يحيى عن ابن القاسم في رسم "يشتري الدور والمزارع" من سماعه، مثل ما وقع له هناك من رواية عيسى عنه، وقد مضى من القول في ذلك هناك ما لا مزيد عليه، وبالله التوفيق.

: سهو الإمام

في سهو الإمام قال: وقال مالك من أدرك من صلاة الإمام ركعة بسجدتيها فصاعدا، فما دخل على الإمام من سهو وجب عليه - زيادة كان سهوه، أو نقصانا، قبل دخوله مع الإمام كان أو بعده؛ لأن من أدرك

من الصلاة ركعة فقد أدركها، فهو بمنزلة من دخل معه في أول صلاته.
قال ابن القاسم وما وجب على الإمام من سجود السهو، وجب على من خلفه؛ لأنهم له تبع، وإنما جعل الإمام ليؤتم به؛ قال مالك وإن كان سجود الإمام نقصانا، سجد معه هذا الداخل قبل السلام، ثم لا سجود عليه بعد ذلك؛ وإن كان سجود الإمام زيادة، فلا يسجد معه؛ قال ابن القاسم وقد اختلف قول مالك في أن يقوم إذا سلم الإمام لقضاء ما عليه أو ينتظر حتى يفرغ الإمام من سجوده، مرة كان يقول هذا، ومرة كان يقول هذا، وأحب إلي أن يجلس وينتظر حتى يفرغ الإمام؛ لأن قيامه وانفراده بالقيام، والإمام ساجد سماجة وشهرة.
قال ابن القاسم وقال مالك فإذا فرغ من قضاء ما عليه سجد لنفسه بعد السلام، كما كان وجب على الإمام.
قال ابن القاسم وإن دخل عليه فيما يقضي لنفسه سهو، فإن كان نقصانا سجد قبل السلام لسهوه وسهو الإمام جميعا؛ لأنه نقصان وزيادة اجتمعا، فالسجدتان لهما قبل السلام؛ وإن كان سهوه لنفسه أيضا زيادة، فسجدتان بعد السلام يجمعان له سهوه وسهو الإمام.
قال: وإن كان سهو الإمام قبل السلام، فيسجد معه، ثم دخل عليه فيما يقضي لنفسه سهو، سجد له أيضا إن كان قبل السلام، فقيل وإن كان بعد فبعد على سنته؛ قال ابن القاسم وقد سمعت أن مالكا أمره أن يسجد إذا سها فيما يقضي لنفسه وليس

(في) تبيان أن سجود الإمام كان قبل أو بعد، وهو - عندي سواء؟ ولو لم آمره أن يسجد فيما يقضي لنفسه إذا كان قد سجد مع الإمام في النقصان، لم آمره أن يسجد في الزيادة؛ وذلك الذي لا شك فيه، وهو عندي سواء، وهو على ما فسرت لك؛ قال وإن أحدث الإمام فقدمه، فإن كان سهو الإمام نقصانا فليسجد بهم إذا انقضت صلاة الإمام الذي استخلفه قبل أن ينهض لقضاء ما عليه، كما كان الأول يفعل؛ ثم يشير إليهم بعد ذلك للجلوس ويقوم لتمام ما بقي عليه، فإن دخل عليه في ذلك سهو، فليسجد فيه لنفسه، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، ولا يسجدون معه في شيء من ذلك؛ لأن صلاتهم قد انقضت ولم يبق لهم إلا سلامه، فليس عليهم من سهوه ذلك شيء، وإن سها في بقية صلاة الإمام الأول، فإنه يسجد سجود الإمام الأول قبل السلام، ويجزئه من ذلك كله، كان سهوه في ذلك زيادة أو نقصانا؟ فسجود الإمام يجمع ذلك كله، فإنما يسجد بالقوم سجود من استخلفه، وليس هو إذا كان مستخلفا بمنزلته فيما يفعل لنفسه - إذا انفرد وكان وحده.
قال: وإن كان سهو الإمام زيادة فقدمه، فلا يسجد حتى يتم بقية صلاته، ويسلم ويسجد بهم؛ فإن دخل عليه سهو، فسواء كان في بقية صلاة الأول، أو فيما يقضي لنفسه من بقية صلاته؛ وسواء كان زيادة أو نقصانا، فإنما يسجد بعد السلام سجود الإمام الذي استخلفه، ويجمع له ذلك كله ويسجدون معه؛ لأنه إن كان سهوه إنما هو في بقية صلاة الإمام

الأول، فهي لهم صلاة يجب عليهم مثل ما وجب عليه فيها، وإن كان سهوه إنما هو فيما يقضي لنفسه، فإنما يسجدون معه بسجود الإمام، وإنما يعمل في ذلك عمل من استخلفه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تشتمل على مسائل، وقوله في أولها إن من أدرك من صلاة الإمام ركعة، وجب عليه ما وجب على الإمام من سهو قبل أن يدخل معه في الصلاة، بمنزلة من دخل معه في أول صلاته؛ صحيح لا اختلاف فيه أحفظه، والأصل في ذلك قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» . لأن المعنى في ذلك عند أهل العلم فقد أدرك حكم الصلاة، خرج مخرج قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يريد واسأل أهل القرية.
فإذا أدرك الرجل ركعة من صلاة الإمام، كان حكمه في صلاته حكم صلاة الإمام في القصر - إن كانت جمعة، أو الإتمام إن كان الإمام مقيما، وهو مسافر، وفيما يجب من سجود السهو على الإمام، ولا يكون حكمه حكم الإمام إن كان الإمام مسافرا وهو مقيم؛ لأن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» . فخصص هذا الحديث عموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» . وقوله بعد ذلك وما وجب على الإمام من سجود السهو، وجب على من خلفه؛ لأنهم له تبع، «وإنما الإمام ليؤتم به» ؛ صحيح؛ لأن سجود السهو إنما يجب فيما يحمله الإمام عمن خلفه، وما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهو لهم - وإن فعلوه؛ وقول مالك وإن كان سجود الإمام نقصانا، سجد معه هذا الداخل قبل السلام، ثم لا سجود عليه بعد ذلك؛ هو المعلوم في المذهب، وقد حكى ابن عبدوس عن غير ابن القاسم، أنه لا يسجد سجدتي السهو إلا بعد قضاء ما عليه بقرب سلامه؛ وهذا على

قياس القول بأن ما أدرك مع الإمام، هو أول صلاته، إذ لا يكون السجود للسهو في وسط الصلاة؛ والقول الأول على قياس القول بأن ما أدرك مع الإمام، هو آخر صلاته مع ما جاء في الأمر من اتباع الإمام، والنهي عن أن يختلف عليه؟ وما حكي بعد ذلك من اختلاف قول مالك في أن يقوم إذا سلم الإمام لقضاء ما عليه، أو ينتظر حتى يفرغ الإمام، هو خلاف ماله في المدونة؛ لأنه خيره فيها بين أن يقوم أو يقعد حتى يفرغ الإمام من سجوده، فهي ثلاثة أقوال لمالك، وثلاثة أقوال أيضا لابن قاسم؛ لأن اختياره ههنا خلاف اختياره في المدونة؛ وحكى ابن حبيب عنه أنه وسع له في القيام لقضاء ما فاته أو القعود حتى يفرغ الإمام من سجوده، فوجه قوله إنه يقعد حتى يفرغ الإمام من سجوده، اتباع ظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» . لأن من ذلك أن يصلي هو ما فاته، والإمام يسجد لسهوه، وهذا معنى قوله في الرواية؛ لأن انفراده بالقيام - والإمام ساجد - سماجة وشهرة؛ ووجه قوله إنه يقوم لقضاء ما فاته مع الإمام ولا ينتظره، ما علل به اختياره في المدونة؛ ووجه التوسعة في ذلك والتخيير فيه، أن الدلائل لما استوت عنده في الأمرين خير بينهما، إذ قد قيل أن الناظر إذا استوت عنده دلائل الحظر والإباحة، كان له أن يأخذ بأيهما شاء.
وقوله إنه، إن دخل عليه سهو فيما يقضي لنفسه، فإنه يسجد له إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، كان سجود الإمام قبل السلام، سجد معه أو بعد السلام فلم يسجد، صحيح؛ لأنه إن كان قد سجد مع الإمام قبل السلام، فيسجد فيما يدخل عليه من سهو فيما يقضي على سنة السجود في الزيادة بعد السلام.
وفي النقصان قبل السلام.
وإن كان لم يسجد مع الإمام؛ لأن سجوده كان بعد السلام، فيضيف سهوه إلى سهو الإمام؟ فإن كان زيادة، سجد بعد السلام لأن السهو كله زيادة؛ وإن كان نقصانا سجد قبل السلام، لاجتماع الزيادة والنقصان.
وخالف ابن الماجشون هذا الأصل كله فقال: إنه إذا سجد مع

الإمام للسهو قبل السلام، فلا سجود عليه فيما يدخل عليه من سهو فيما يقضي لنفسه، وهذا على قياس القول بأن ما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته، وإلى هذا يرجع قوله في الواضحة بأنه لا يسجد للسهو في الصلاة - وإن كثر إلا مرة واحدة.
وقال أيضا على قياس قوله: إنه إن كان سجود الإمام بعد السلام، فإنما يسجد بعد قضاء ما فاته بعد السلام، لسجود الإمام على كل حال، وإن دخل عليه فيما يقضي لنفسه سهو يكون سجوده قبل السلام.
وقوله: إن سهو الإمام إن كان نقصانا فأحدث فقدمه، أنه يسجد بهم إذا انقضت صلاة الإمام الذي استخلفه قبل أن ينهض لقضاء ما عليه، كما كان الأول يفعل؛ هو خلاف ما تقدم في سماع موسى بن معاوية، وخلاف قول أشهب أيضا، ولكلا القولين وجه من النظر.
وأما قوله إن سجوده يكون قبل السلام وإن دخل عليه في بقية صلاة الإمام سهو زيادة أو نقصان، فصحيح لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف إذا قدمه وعليه سجود بعد السلام، فقال في الرواية إنه يسجد بعد السلام لسجود الإمام الذي استخلفه، وإن سها في بقية صلاة الإمام، أو فيما يقضي لنفسه سهوا يكون نقصانا.
وقال ابن حبيب إنه إن سها في بقية صلاة الإمام سهوا يكون سجوده قبل السلام، سجد قبل السلام لسهوه وسهو الإمام؛ بخلاف إذا كان السهو فيما يقضي لنفسه، فإنه يسجد بعد السلام سجود الإمام الذي استخلفه، وفي كتاب ابن عبدوس عن غير ابن القاسم، أنه إن سهل في بقية صلاة الإمام، أو فيما يقضي لنفسه سهوا يكون سجوده قبل السلام، سجد قبل السلام لسهوه وسهو الإمام، فهي ثلاثة أقوال، أظهرها تفرقة ابن حبيب، والله أعلم.

مسألة: لم يدرك مع الإمام إلا التشهد وعلى الإمام سهو

مسألة قلت أرأيت من لم يدرك مع الإمام إلا التشهد، وعلى الإمام

سهو يكون قبل السلام أو بعده؟ قال لا يسجد معه لا قبل ولا بعد؛ لأنه لم يدرك من الصلاة شيئا؛ والحديث «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» . وهو لم يدرك شيئا حتى يجب عليه ما يجب على الإمام، ومما يبين (لك) ذلك، لو أن مسافرا دخل مع حضري في الصلاة قد علم أنه حضري، فلم يدرك من صلاته شيئا إلا التشهد أو السجود الآخر، فإنما يصلي صلاة سفر، وليس عليه أن يصلي صلاة حضر، ولا يحل له أن يصليها، وكذلك هذا.
قال محمد بن رشد: قوله ولا يحل له أن يصليها، لفظ ليس على ظاهره في مذهب مالك، إذ ليس القصر على مذهبه فرضا، ألا ترى أنه لا إعادة عليه عنده - إن أتم في جماعة، ولا يعيد أيضا إن أتم وحده إلا في الوقت؟ ووقع في بعض الروايات: ولا ينبغي له، وهو أصح، وقد تقدم في آخر رسم "نقدها" من سماع عيسى، الاختلاف فيمن أدرك التشهد من صلاة الإمام، وعليه سجود السهو قبل السلام أو بعده، وتوجيه ذلك كله، فلا وجه لإعادته.

مسألة: صلى نافلة فسها عن السلام فيها حتى تطاول ذلك

مسألة وسئل عمن صلى نافلة فسها عن السلام فيها حتى تطاول ذلك، أو يحدث، أو تباعد، عليه السجود؛ فقال أحب إلي أن يعيد احتياطا؛ ولاختلاف الناس في ذلك، فأرى أن يسجد متى ما ذكر، ولا يحدث سلاما قبل ذلك؛ لأن طول حديثه وتباعده تسليم، حتى لو دخل في مكتوبة بعد ذلك لم يضره، ولم ينقضها ذلك عليه.

قال محمد بن رشد: يريد بقوله، ولاختلاف الناس في ذلك، قول من يقول من أهل العراق وغيرهم: أن التشهد والسلام ليس بواجب في الفريضة، فاستخف لذلك في النافلة أن يصلحها بسجود السهو - إذا طال، أو أحدث، واستحب أن يعيد النافلة احتياطا؛ كما استحب لمن أفطر ناسيا في صيام التطوع، أن يقضي، وعلى أصل المذهب لا قضاء على من أفسد نافلته غير متعمد، وقد مضى ذكر (هذا) الاختلاف في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب.

مسألة: صلى بقوم ركعتين فلما قام في الثالثة أحدث

مسألة وسئل سحنون عن إمام صلى بقوم ركعتين، فلما قام في الثالثة أحدث، فقدم رجلا دخل ساعتئذ - وقد أدرك الإحرام، فصلى بهم بقية صلاة الإمام المستخلف، ثم رجع إليه الإمام الأول، وهو في التشهد من أربعة، فقال له أنه بقيت علي سجدة من أحد الركعتين الأوليين، لا أدري أمن الثانية أم من الأولى؛ قال سحنون: يقوم الإمام ومن معه فيصلي بهم ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وحدها؛ لأنها ركعة بناء، ثم يقوم هو ويقعد القوم فيأتي لنفسه بركعة بسجدتيها، يقرأ فيها بأم القرآن وسورة؛ لأنها ركعة قضاء لنفسه، وليست بناء، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام من قبل أن الإمام الأول لما ترك السجود من إحدى ركعتيه، فقد بطلت؛ فإن كانت من الأولى بطلت وصارت الثانية هي الأولى، وإن كانت من الثانية، فقد بطلت الثانية وصحت الأولى؛ وصار المستخلف إنما استخلف على ثانية الإمام الأول - وهي الأولى، وقد قرأ فيها بأم القرآن فقط، وقام فيها، وقد كان عليه أن يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ويجلس، فدخل النقص من ههنا،

وصارت الرابعة الثالثة؛ وعليه أن يأتي برابعة الإمام وهي ركعة البناء، فلذلك أمر أن يقرأ فيها بأم القرآن، ثم يأتي لنفسه بركعة القضاء وهي الأولى التي سبقه بها الإمام الأول؛ قال وإن كان القوم على يقين قعدوا وقام الإمام فصلى ما بقي عليه.
قال محمد بن رشد: المسألة كلها صحيحة على أصولهم في أن الإمام إذا ذكر في آخر صلاته سجدة من أولها هو ومن معه أنه يلغي تلك الركعة ويبني على ما معه كالمنفرد، بخلاف إذا أسقط السجدة هو وحده، فمعنى ذلك ما تكلم عليه فيها إذا أسقط الإمام السجدة ومن معه، أو بعضهم، أو شك فيها هو ومن معه أو بعضهم.
وقوله في آخرها: وإن كان القوم على يقين - يريد على يقين من أنهم لم يسقطوا شيئا - قعدوا وقام الإمام فصلى ما بقي عليه، يريد أنه يقضي الركعتين اللتين فاتتاه بأم القرآن وسورة؛ لأن الإمام إذا كان إنما أسقط السجدة وحده دون من خلفه، فإنما عليه قضاء تلك الركعة وحده دون من خلفه، وبالله التوفيق.
تم سماع أصبغ بن الفرج بحمد الله وحسن عونه


قوم ربطهم اللصوص أياما لا يصلون ثم يرسلون

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن قوم ربطهم اللصوص أياما لا يصلون ثم يرسلون، قال: يقضون تلك الصلوات كلها؛ وينبغي لهم أن يصلوا الصلاة إذا حضر وقتها إيماء إذا لم يقدروا على غير ذلك، ثم يعيدوا إذا أرسلوا - ما أرسلوا في وقته، فإن لم يفعلوا، فعليهم القضاء، قضاء تلك الصلوات.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهم إذا لم يصلوا أياما ثم أرسلوا أنهم يقضون تلك الصلوات، صحيح؛ لأنهم لما ربطهم اللصوص فلم يقدروا من أجل ربطهم على الركوع والسجود، انتقل فرضهم إلى الإيماء، فلما تركوا ذلك، كان كمن ترك صلاته - متعمدا حتى خرج الوقت - أنه يجب عليه أن يصليها بعد خروج الوقت ولا اختلاف عندي في هذا الوجه، وهو مثل قوله في المدونة في الذين تحت الهدم، فإن صلوا إيماء، فلا إعادة عليهم إلا في الوقت استحبابا.
وقوله: فإن لم يفعلوا فعليهم قضاء تلك الصلوات، يحتمل أن يريد فإن لم يصلوا إيماء، فعليهم قضاء تلك الصلوات أبدا، فإن كان أراد ذلك، فهو صحيح على ما قلناه؛ ويحتمل أن يكون أراد فإن لم يعيدوا في الوقت إذا صلوا إيماء فعليهم القضاء بعد الوقت؛ فإن كان أراد ذلك، فهو على أحد قولي ابن القاسم فيمن أمر بالإعادة في الوقت، فلم يفعل حتى خرج الوقت؛ وقد مضى ذلك في رسم "استأذن" من سماع عيسى، وفي غيره من المواضع؛ وقد روى

معن بن عيسى عن مالك في الأسرى يكتفهم العدو أياما لا يصلون، قال لا صلاة عليهم إذا تركوا إلا ما أدركوا وقته، وقاله ابن نافع في الذين تحت الهدم، ورواه أشهب عن مالك؛ ومعنى ذلك - عندي في الذين لا يقدرون على الصلاة أصلا بإيماء ولا غيره، أو في الذين ليسوا على طهارة ولا يقدرون عليها بوضوء ولا تيمم؛ لأن الاختلاف إنما يصح في هؤلاء، فعلى ظاهر ما في المدونة أتجب عليهم الإعادة، إذ لم يفرق فيها بين أن يقدروا على الإيماء أو لا يقدروا؛ ولا بين أن يكونوا على طهارة، أو لا يكونوا؛ وعلى قول ابن نافع ورواية أشهب ومعن بن عيسى عن مالك، لا إعادة عليهم.
وفي سماع أبي زيد من كتاب الوضوء في المريض الذي لا يقدر على الوضوء، ولا على التيمم أنه يصلي على حاله، ويعيد إذا قدر على الوضوء أو التيمم، وقد تكلمنا هناك على وجه ذلك.

مسألة: رجل حضرته الصلاة وهو في سفر وليس معه إلا ثوبان

مسألة قال ابن القاسم في رجل حضرته الصلاة وهو في سفر وليس معه إلا ثوبان، أصابت أحدهما نجاسة لا يدري أيهما هو؟ قال: يصلي في أحدهما، ثم يعيد في الآخر - مكانه؛ وقد بلغني عن مالك، أنه قال: يصلي في واحد منهما، ويعيد ما كان في الوقت - إن وجد ثوبا - كما قال في الثوب؛ ولست أرى أنا ذلك، يصلي في أحدهما ثم يعيد في الآخر - مكانه، ثم لا إعادة عليه في وقت ولا غيره - وإن وجد غيرهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم استحسان؛ لأنه إذا صلى بأحد الثوبين ثم أعاد في الآخر - مكانه؛ فقد تيقن أن إحدى صلاتيه قد خلصت بثوب طاهر - وفيه نظر؛ لأنه إذا صلى في أحدهما على أن يعيد في الآخر،

فلم يعزم في صلاته فيه على أنها فرضه، إذ صلاها بنية الإعادة، فحصلت النية غير مخلصة فيها للفرض؛ وكذلك إذا أعادها في الآخر، لم تخلص النية في إعادته للفرض؛ لأنه إنما نوى أنها صلاته - إن كان هذا الثوب هو الثوب الطاهر.
وقول مالك أصح وأظهر من جهة النظر والقياس؛ لأنه يصلي في أحدهما على أنه فرضه فتجزئه صلاته؛ إذ لو لم يكن له غيره فصلى به - وهو عالم بنجاسة لأجزأته صلاته، ثم إن وجد في الوقت ثوبا طاهرا يوقن بطهارته، أعاد استحبابا.

مسألة: دخل في صلاة العيدين والإمام يقرأ

مسألة قال ابن القاسم فيمن دخل في صلاة العيدين - والإمام يقرأ، قال يكبر سبعا، قيل فوجده راكعا؟ قال يكبر واحدة ويركع معه.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "يوصي لمكاتبه" من سماع عيسى مثل هذا لابن القاسم، وخلافه لابن وهب؛ وتكلمنا هناك على توجيه القولين جميعا، فأغنى ذلك عن إعادته (هنا) .

مسألة: إمام صلى صلاة الخوف تقدم بطائفة فصلى بهم ركعة ثم ذهب العدو وأمنوا

مسألة قال ابن القاسم في إمام صلى صلاة الخوف، تقدم بطائفة فصلى بهم ركعة، ثم ذهب العدو وأمنوا، قال: يتم بالطائفة التي معه ركعتين، ويقدم الطائفة الأخرى رجلا يؤمهم ويصلي بهم ركعتين.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في سماع سحنون، وزاد فيها زيادة اختلف فيها قوله؟ فبينا الوجه في ذلك بما أغنى عن إعادته (هنا) .

مسألة: لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر الصلاة خلفه

مسألة قال ابن القاسم لو كنت أعلم أن أحدا لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر ما صليت خلفه.
قال محمد بن رشد: القراءة فيهما على مذهب مالك واجبة، ولذلك لم ير ابن القاسم الصلاة خلف من لا يقرأ فيهما، وقد مضى في رسم "البز" من سماع ابن القاسم ذكر الاختلاف في ذلك.

مسألة: لم يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن ثم ذكر وهو في الركعتين

مسألة قال ابن القاسم من لم يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، ثم ذكر وهو في الركعتين؛ قال: يسلم ويبتدئ الصلاة، قيل له فلم يقرأ في ركعة واحدة؟ قال: يسلم ويبتدئ.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة - موعبا في جميع وجوهها في رسم "أوصى أن ينفق على أمهات أولاده" من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك (هنا) .

مسألة: مسافرة طهرت وقد بقي عليها من الليل قدر ما تصلي ثلاث ركعات

مسألة قال ابن القاسم في مسافرة طهرت وقد بقي عليها من الليل قدر ما تصلي ثلاث ركعات، قال: تصلي العشاء وليس عليها في المغرب شيء، وقال أشهب مثله؛ قال أصبغ: هذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم، قال: وذلك أن ابن عبد الحكم نازعني فيها فقال: تعيد الصلاتين جميعا، وقلت أنا لا تعيد إلا العشاء الآخرة، فصحبت

ابن القاسم - وكان خارجا إلى الحج إلى جب عميرة، فسألته عنها وأخبرته بقولي، وبقول ابن عبد الحكم؛ فقال لي يا أصبغ أصبت، وأخطأ ابن عبد الحكم.
وسئل عنها سحنون وأخبر بقول أصبغ، وابن عبد الحكم، فرأى ما روى أصبغ عن ابن القاسم - غلطا؛ وقول أصبغ (خطأ) ، ورأى قول ابن عبد الحكم صوابا: أن عليها الصلاتين جميعا؛ لأنها طهرت في وقت منهما جميعا، وذلك أن ركعتين للعشاء الآخرة، وركعة للمغرب، وكذلك لو حاضت قبل الفجر لثلاث ركعات - وقد نسيت المغرب والعشاء، لم يكن عليها من الصلاتين شيء؛ لأنها حاضت في وقتهما؛ ألا ترى أن آخر الوقت لآخر الصلوات، فالركعات من آخر الوقت للعشاء، وركعة قبلها للمغرب، فهو وقت لهما جميعا، فقس على هذا ما ورد عليك - إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن رشد: قول ابن عبد الحكم وسحنون، هو الصحيح الذي يوجبه القياس والنظر؛ لأنها قد طهرت في وقت منهما جميعا؛ لأن الوقت إنما يقدر لآخر الصلوات؛ وهي إذا صلت العشاء - وحدها، بقيت ركعة من وقت صلاة المغرب تذهب هدرا، إذ لم تصلها؛ وليس استغراق صلاة المغرب الذي يجب أن تبدأ بها للرتبة لوقت العشاء، بالذي يمنع أن تبدأ بالمغرب - وإن صلت العشاء بعد الفجر كما أن الحائض إذا طهرت لمقدار ركعة أو أربع قبل غروب الشمس - وعليها صلاة قد فرطت فيها، أو نسيتها قبل حيضتها؛ أنها تبدأ بالصلاة التي فرطت فيها أو نسيتها على الصحيح من الأقوال، ثم تصلي العصر

بعد الغروب؛ وقد مضى القول في ذلك في رسم "يشتري الدور والمزارع" من سماع يحيى، فتدبر ذلك، تجده صحيحا - إن شاء الله تعالى.

مسألة: مسافر مر بقوم ممن لا تجب عليهم الجمعة فصلى بهم الجمعة

مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام مسافر مر بقوم ممن لا تجب عليهم الجمعة، فصلى بهم الجمعة؛ قال يصلون على أثرها ركعتين، ولا يعيد الإمام الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله يصلون على إثرها ركعتين، يريد أنهم يتمون صلاتهم إذا سلم الإمام، وتجزئ الإمام الصلاة ومن معه من المسافرين، وتكون لهم صلاة سفر لا جمعة؛ وهذا مثل قول مالك في موطئه، ومثل قول ابن نافع في بعض روايات المدونة؛ خلاف رواية ابن القاسم عنه فيها: أنهم يعيدون كلهم الصلاة أهل القرية والإمام (ومن) معه من المسافرين؛ وإنما لم تجز الإمام والمسافرين، وتكون لهم صلاة سفر ويبني عليها أهل القرية المقيمون؛ لأنه جهر فيها متعمدا، ففسدت عليه وعليهم؛ هذا وجه رواية ابن القاسم، ووجه رواية أبي زيد، وما في الموطأ، وقول ابن نافع؛ أنه عذر الإمام بالجهل في التأويل؛ ولمالك في المبسوط من رواية ابن نافع عنه، أنهم يعيدون كلهم في الوقت، فهي ثلاثة أقوال فيمن جهر في غير موضع الجهر من صلاته - متعمدا بتأويل.

مسألة: صلى بثوب حرير في كمه

مسألة وسألت ابن القاسم عمن صلى بثوب حرير في كمه، قال: أرجو أن يكون خفيفا، ولم ير عليه إعادة، ولم يره من ناحية اللبس.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحرير ليس بنجس، فيكون إذا صلى به في كمه حامل نجاسة، وإنما نهى عن لباسه من ناحية الترف،

والتشبه في لباسه بالكفار؛ فلا إثم عليه في صلاته به في كمه، ولا كراهة إلا من جهة اشتغال باله بحفظه في صلاته، ولذلك قال أرجو أن يكون خفيفا.

مسألة: أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فأصابه رعاف

مسألة قال ابن القاسم فيمن أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فأصابه رعاف، فخرج فغسل الدم عنه، ثم رجع إلى المسجد فبنى فيه فسها في الركعة الثانية عن قراءة أم القرآن؛ قال ابن القاسم: يسجد سجدتي السهو ويسلم، ثم يقوم ويصلي الظهر أربعا، وكذلك في الصبح.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الوضوء من المدونة، وهو أحد أقوال مالك في الصلاة منها؛ والقول الثاني أنه لا إعادة عليه، والقول الثالث أنه يلغي تلك الركعة؛ وقد قيل إن هذا الاختلاف إنما هو فيما عدا الصبح، والجمعة، وصلاة السفر؛ والأول هو أظهر ما في المدونة، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم " أوصى" من سماع عيسى.

مسألة: حكم ركعتي الفجر

مسألة وسئل عن ركعتي الفجر أسنة هي؟ فقال لي: نعم.
قلت له: فالقنوت في الصبح، فقال لي: ركعتا الفجر أبين؛ ورأيت معنى قوله إن القنوت ليس بسنة.
قال محمد بن رشد: قوله في ركعتي الفجر إنهما سنة، هو دليل ما في المدونة، ومثل ما في رسم "القبائل" من سماع ابن القاسم، خلاف ما في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب؛ وفي سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين لأصبغ، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك، وتوجيهه في رسم "القبائل"

المذكور.
وقوله: أن القنوت ليس بسنة، هو مذهبه في المدونة؛ لأنه لم ير على من نسيه سجود سهو، فإن سجد لم تفسد صلاته، بخلاف من ترك التسبيح فسجد لذلك؛ وقال أشهب من سجد قبل السلام لترك القنوت أو التسبيح، أعاد صلاته؛ وقد روى زياد عن مالك أن من ألزم نفسه القنوت فنسيه فليسجد.

مسألة: يصلي وقلنسوة حرير على رأسه

مسألة وسئل عن الرجل يصلي وقلنسوة حرير على رأسه، قال: لا يفعل؛ قلت: فالتكة؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لباس كله؛ ألا ترى لو أن رجلا حلف ألا يلبس الخز، أو الحرير، فلبس منه قلنسوة، كان لباسا، وكان حانثا، وهذا بين.

مسألة: يصلي ركعتي الفجر فيقوم في الثالثة

مسألة وسئل عن الرجل يصلي ركعتي الفجر، فيقوم في الثالثة؛ قال: يرجع فيقعد.
قلت: فإن لم يفعل حتى مضى وصلى أربعا وسجد سجدتي السهو، قال: يعيد الركعتين أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "إن أمكنتني" من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: يقرأ صدرا من الحمد لله ثم يصيبه حدث فيقدم رجلا

مسألة وسئل عن الذي يقرأ صدرا من الحمد لله، ثم يصيبه حدث فيقدم رجلا، قال لي: يقرأ من حيث انتهى الإمام.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
مسألة: تصلي الفريضة ومعها ولدها تمسكه في الركوع والسجود ولا تضعه في الأرضمسألة: صلي ومعه الكيس الكبير وجعله تحت إبطهمسألة: إمام مسافر صلى بمسافرين ومقيمين ثم سلم فقدم المقيمون رجلا منهممسألة: يصلي في بيته العصر ثم يأتي إلى المسجد فيجد القوم لم يصلوا هل يتنفلمسألة: يصلي فيمر بين يديه حية أو عقرب هل يقتلهمامسألة: صلى بالناس العصر فلما سلم ذكر أنه لم يكن صلى الظهرمسألة: يسجد في آخر الأعراف ثم يبتدئ بالأنفالمسألة: الرجل أيصلي بالثوب الحريرمسألة: شارب الخمر هل تجوز الصلاة خلفهمسألة: اغتسل الرجل يوم الجمعة بعد الفجر إذا نوى غسل الجمعة أن يروح بهمسألة: إشارة الرجل في الصلاة ببلى ونعممسألة: تفسير قوله عليه الصلاة والسلام إذا دبغ الإهاب فقد طهرمسألة: المؤذن هل هو في سعة من أذانه في أن يؤذن في أي حين شاءمسألة: صلى في بيته الظهر يوم الجمعة لعلة كانت به ثم أتي المسجدمسألة: القوم في المركب فيصلون جلوسا وهم يقدرون على الصلاة قيامامسألة: نسي صلاة فذكرها بعد شهر فصلاهامسألة: يصلي بثوب حرير متعمدا لذلك وهو يجد غيرهمسألة: يوقد في مساجد يصلى فيها نارمسألة: الجنائز هل ينادى بها في المساجدمسألة: إمامة الأقطع والأشلمسألة: الإمام يكون ممن يسلم اثنتين فقام رجل بعد أن يسلم واحدةيشتري العلج والعلجة هل يجب عليه ختانهما وتعليمهما القرآنالنصراني يسلم والمغمى عليه يفيق والحائض تطهر قبل غروب الشمس أو طلوع الفجرمسألة: الطاهرة تنسى الصلاة أو تفرط فيها ثم تحيض: سهو الإماممسألة: لم يدرك مع الإمام إلا التشهد وعلى الإمام سهومسألة: صلى نافلة فسها عن السلام فيها حتى تطاول ذلكمسألة: صلى بقوم ركعتين فلما قام في الثالثة أحدثقوم ربطهم اللصوص أياما لا يصلون ثم يرسلونمسألة: رجل حضرته الصلاة وهو في سفر وليس معه إلا ثوبانمسألة: دخل في صلاة العيدين والإمام يقرأمسألة: إمام صلى صلاة الخوف تقدم بطائفة فصلى بهم ركعة ثم ذهب العدو وأمنوامسألة: لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر الصلاة خلفهمسألة: لم يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن ثم ذكر وهو في الركعتينمسألة: مسافرة طهرت وقد بقي عليها من الليل قدر ما تصلي ثلاث ركعاتمسألة: مسافر مر بقوم ممن لا تجب عليهم الجمعة فصلى بهم الجمعةمسألة: صلى بثوب حرير في كمهمسألة: أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فأصابه رعافمسألة: حكم ركعتي الفجرمسألة: يصلي وقلنسوة حرير على رأسهمسألة: يصلي ركعتي الفجر فيقوم في الثالثةمسألة: يقرأ صدرا من الحمد لله ثم يصيبه حدث فيقدم رجلا
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل