كتاب الصلاة الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: قوله ليس من هيئة الناس اليوم أن يصلوا جلوسا، أي ليس من هيئتهم أن يصلي المريض الجالس بالأصحاء قياما، يريد أن ذلك إنما كان من هيئة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمرتبته التي لا يشاركه فيها غيره، فكان ذلك من خواصه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقوله بعد ذلك ولعل هذا شيء نسخ والعمل على حديث ربيعة إلى آخر قوله، يدل على أنه لم يرد ذلك من خواصه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه كان شرعا شرعه لأمته ثم نسخه عنهم بما كان من فعله أيضا في ذلك المرض الذي توفي فيه.
وقد تعارضت الآثار في ذلك فجاء في بعضها ما دل على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس تأخر أبو بكر عن الإمامة وتقدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بالناس بقية صلاتهم وهو جالس والقوم خلفه قياما، وجاء في بعضها ما يدل على أن أبا بكر لم يتأخر عن الإمامة، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما صلى مؤتما بأبي بكر، فمن الناس من صحح ما دل منها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان الإمام ورأى ذلك شرعا لأمته ثم لم ينسخه عنهم ولا اختص به دونهم، فأجاز إمامة المريض جالسا بالأصحاء قياما، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك، وفي هذا نظر، كيف أم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس في صلاة قد دخلوا فيها قبله، إلا أن يتأول أنه أحرم خلف أبي بكر ودخل في الصلاة معه، ثم حينئذ تقدم فصار هو الإمام رجع أبو بكر مأموما، فيستقيم معنى الحديث ويصح التعلق به لمن أجاز إمامة الجالس منه.
ومنهم من صحح أيضا ما دل منها أنه كان الإمام إلا أنه رأى ذلك من خواصه، فلم يجز لأحد بعده إذا كان مريضا أن يؤم الأصحاء قياما، وهو قول مالك في هذه الرواية على ما قلناه.
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كان منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاتين فكان في الصلاة الأولى هو الإمام، وائتم في الثانية بأبي بكر، فكان فعله في الصلاة الثانية ناسخا لفعله في الصلاة الأولى.
وإلى هذا ينحو آخر قول مالك في هذه الرواية على ما قلناه.
فعلى هذا التأويل تخلص الآثار من التعارض، فهو أولاها بالصواب، والله أعلم.
فإن أَمَّ المريض جالسا بالأصحاء قياما على ما في رواية ابن القاسم عن مالك أجزأته وأعاد القوم
أبدا، وقد قيل: إنهم لا يعيدون إلا في الوقت مراعاة لقول من يجيز ذلك ابتداء، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
وقد قال بعض أصحاب مالك: إن الإمام يعيد، وهو بعيد، وستأتي هذه المسألة أيضا في آخر رسم "استأذن " من سماع عيسى.
وأما ما روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه صلى وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» فلا اختلاف بين أهل العلم أن ذلك منسوخ إلا ما جاء عن أسيد بن الحضير، وجابر بن عبد الله أنهما عملا بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، وهو شذوذ، فإن صلى المريض بالأصحاء جلوسا أعادوا في الوقت وبعده، وقد قيل: إنهم لا يعيدون إلا في الوقت، وهو بعيد لضعف الاختلاف في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.
مسألة: يكبر الإمام إذا صعد المنبر في العيدين
مسألة قال مالك: من السنة أن يكبر الإمام إذا صعد المنبر في العيدين، ويكبر في الخطبة الثانية.
قال محمد بن رشد: التكبير من شعار العيد.
روي عن الحسن بن علي أنه قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نلبس أحسن ما نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد: البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار» . ولم يحد مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في تكبير الإمام في الخطبة حدا، قاله في رسم "اغتسل " بعد هذا، وقال ابن حبيب: إنه يكبر في
مبتدأ الخطبة الأولى تسع تكبيرات، وفي مبتدأ الثانية سبع تكبيرات، وفي خلال كل فصل ثلاث تكبيرات، وحكي ذلك عن مطرف وابن الماجشون، قال: وقد روي عن أبي هريرة أنه يكبر في مبتدأ الخطبة خمس عشرة تكبيرة، والاقتصار على الأولى أحب إلينا.
مسألة: يصلي المريض المكتوبة على المحمل
مسألة قال: ولا يصلي المريض المكتوبة على المحمل، وإن اشتد مرضه حتى ينزل بالأرض فيصلي عليها وإن كان يومئ إيماء، ولا يصلي مكتوبة على المحمل.
قال ابن عبد الحكم: إنما ذلك إذا كان المريض يقوى إذا نزل بالأرض على الصلاة جالسا وساجدا؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل إيماء وهو ممن يقوى على السجود، فإذا كان ممن إذا نزل بالأرض لم يقو على الصلاة إلا مضطجعا وإيماء فلا بأس أن يصلي على المحمل؛ لأن الحالة قد استوت به، ورواه يحيى عن ابن القاسم عن مالك.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وظاهر روايته هذه عن مالك وما في المدونة أن المريض لا يصلي المكتوبة على المحمل أصلا وإن لم يقدر على السجود بالأرض ولا على الجلوس، ورواية يحيى عن ابن القاسم عن مالك أنه يجوز له أن يصلي على المحمل إذا لم يقدر على السجود وإن قدر على الجلوس، ومثله رواية أشهب عن مالك بعد هذا، فهي ثلاثة أقوال على ما ذكرناه، فرواية يحيى عن ابن القاسم عن مالك مخالفة لقول عبد الحكم ولرواية أشهب عن مالك، فسياقة العتبي لرواية يحيى على أنها مثل قول ابن عبد الحكم سياقة فاسدة، فتدبر ذلك وقف عليه إن شاء الله، وبه التوفيق.
مسألة: الصلاة على السرير
مسألة وقال لا بأس بالصلاة على السرير، وهو عندي مثل الفراش يكون على الأرض للمريض.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو أمر لا اختلاف فيه؛ لأن الصلاة على السرير كالصلاة في الغرف وعلى السطوح، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يكون في الصلاة فيخرج الرجل من الصف
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في الصلاة فيخرج الرجل من الصف، قال إن كان إلى جنبه فإني أرى أن يشير إليه بالتسوية إذا كان ذلك شيئا يسيرا، فأما الصف يتعرج فإني أرى أن يقبل على صلاته ولا يشتغل به.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن اشتغاله بالإقبال على صلاته آكد عليه من الاشتغال بتقويم الصف إذا اعوج؛ لأن الإقبال على صلاته مما يخصه بخلاف تقويم الصف.
مسألة: حكم وضوء من ينام وهو قاعد
مسألة وسألته عن الذي ينام وهو قاعد، قال مالك: لا أرى عليه وضوءا إلا أن يتطاول ذلك، ومن الرجال من ينام في المسجد فيتطاول به النوم عامة الليل حتى يذهب ليل طويل وهو قاعد، فأما إذا كان مثل يوم الجمعة وما أشبهه فلا أرى في ذلك شيئا، فقيل له: يا أبا عبد الله ربما رأى الرؤيا في ذلك، فقال: إنما ذلك أحلام وليست برؤيا، فلا أرى في مثل هذا وضوءا.
وحدث ابن القاسم عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان ينام وهو جالس ثم يصلي
ولا يتوضأ.
قال مالك فلا أرى الوضوء إلا على من تطاول ذلك عليه، فأما الرجل ينام يوم الجمعة والإمام يخطب وما أشبهه فلا أرى عليه وضوءا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن النوم ليس بحدث فتنتقض الطهارة بقليله وكثيره، وإنما هو سبب للحدث.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» ، فلا يجب الوضوء إلا من النوم الذي يمكن إذا كان منه الحدث ألا يشعر به، فالقدر الذي يحكم على النائم بانتقاض وضوئه من أجله يختلف باختلاف هيئته في نومه، وهو على أربع مراتب: أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها بالنوم الاضطجاع، ثم السجود، ثم الجلوس والركوب، ثم القيام والاحتباء.
واختلف في الركوع فقيل إنه كالقيام، وقيل إنه كالسجود، واختلف أيضا في الإسناد فقيل: إنه كالجلوس وقيل: إنه كالاضطجاع.
فإذا نام الرجل مضطجعا وجب عليه الوضوء بالاستثقال وإن لم يطل، وإذا نام ساجدا لم يجب عليه الوضوء إلا أن يطول، وقيل: إنه يجب عليه بالاستثقال وإن لم يطل، وإذا نام جالسا أو راكعا فلا وضوء عليه إلا أن يطول، وإذا نام قائما أو محتبيا فلا وضوء عليه وإن طال؛ لأنه لا يثبت، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
مسألة: أصابه الرعاف يوم الجمعة بعد أن صلى ركعة فغسل الدم عنه
مسألة قال مالك: فيمن أصابه الرعاف يوم الجمعة بعد أن صلى ركعة فغسل الدم عنه، قال: أرى أن يرجع إلى المسجد فيركع ركعة، وإن صلى في بيته ابتدأ أربعا؛ لأن الجمعة لا تصلى في البيوت.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أرى أن يرجع إلى المسجد، أنه
يرجع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه، وهو المشهور في المذهب.
ومن أصحابنا من يقول إنه يتم صلاته في أقرب المساجد إليه، وهو الذي يدل عليه تعليله بأن الجمعة لا تصلى في البيوت.
وجه القول الأول أن المسجد شرط في صحة الجمعة، فإذا دخل في الجمعة في مسجد ما تعين عليه إتمام الصلاة في ذلك المسجد.
ووجه القول الثاني أنه لا يتعين عليه إلا إتمام الصلاة في مسجد لا في ذلك المسجد بعينه.
ويدل تعليله أيضا على أن الجمعة لو أقيمت في مسجد سوى المسجد الجامع لأجزأت خلاف ما ذهب إليه القاضي أبو الوليد من أن ذلك لا يجوز إلا أن تنتقل إليه الجمعة على التأبيد.
مسألة: نسي صلوات كثيرة فذكرها في وقت صلاة
مسألة قال ابن القاسم فيمن نسي صلوات كثيرة فذكرها في وقت صلاة، إن كانت صلاة يوم وليلة فأدنى بدأ بها ثم صلى الصلاة التي حضرته وإن فات وقتها، وإن كانت أكثر من ذلك بدأ بالصلاة التي حضرته ثم قام فقضى ما فاته.
قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية حد الصلوات الكثيرة الذي يبدأ بما حضر وقته عليها ست صلوات فزائدا، وروى ابن سحنون عن أبيه أن حدها خمس صلوات فزائدا، وقد قيل إن حدها أربع صلوات فزائدا على ظاهر ما في المدونة.
والصواب أن حدها أكثر ما قيل في ذلك وهي الست الصلوات للاتفاق على أنها كثيرة؛ لأن ظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، يقتضي بحمله على عمومه، إذ الصلاة من ألفاظ العموم، أن يبدأ بالفوائت، قلت أو كثرت ساعة يذكرها قبل ما هو في وقته، فلا يخصص من هذا العموم إلا ما يتفق على تخصيصه منه وهو الكثير، وبالله التوفيق.
الرجل يصلي في الإزار والرداء فيجد الحر فيطرح رداءه على منكبيه
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك عن الرجل يصلي في الإزار والرداء فيجد الحر ويكون متربعا فيطرح رداءه على منكبيه، قال: أما النافلة فأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: يكره للرجل أن يصلي مكشوف الظهر والصدر، فاستخف ذلك في النافلة لشدة الحر، ولو لم يفعل لكان أحسن.
مسألة: الوتر يقرأ فيه الرجل بأم القرآن وحدها ثم يركع
مسألة وسئل عن الوتر يقرأ فيه الرجل بأم القرآن وحدها ثم يركع، فإذا رفع رأسه ذكر أنه لم يقرأ فيه إلا بأم القرآن وحدها، كيف يصنع؟ قال أرى أن يمضي وتره على حاله، فقيل له: أترى عليه سجود سهو؟ قال: لا وخففه وقال: ألا ترى أن ركعتي المكتوبة اللتين تكونان في آخر الصلاة ليس يقرأ فيهما إلا بأم القرآن وحدها، فلا أرى في مثل هذا سجود سهو.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن سجود السهو إنما يجب لنقصان السنن لا لنقصان الاستحبابات، وقراءة ما عدا أم القرآن في الوتر مستحب.
مسألة: الجمع بين المغرب والعشاء في المطر
مسألة وسئل عن الجمع بين المغرب والعشاء كيف هو يكون المطر دائما لا ينقطع وليس لتعجيلها أمر يتعجلان فيه منفعة لأن المطر كما هو، قال أرى أن تجمعا، وما زال الناس يجمعون، فأرى أن تعجل العشاء قليلا عن وقتها وتؤخر المغرب إلى العشاء.
قيل له فإنهم إذا
فرغوا من المغرب قام المؤذنون يؤذنون واحدا بعد واحد كأنهم يريدون أن يبطئوا بالعشاء قليلا، قال: ذلك أحسن ولا أرى به بأسا، وذلك رفق بالناس في جمع الصلاتين.
فقيل له إنه ربما تجلت السماء وانقطع المطر إلا أنه يكون الطين والوحل فيجمعون، فكأنه لم ير به بأسا، قال ما زال الناس يجمعون.
قال محمد بن رشد: سلم السائل قوله إن الجمع لا منفعة لهم فيه لتمادي المطر، وليس ذلك ببين، بل هم مع تمادي المطر في الجمع أعذر، والرخصة لهم فيه أكثر، للمشقة الداخلة عليهم في الذهاب والرجوع مرتين مع تمادي المطر.
وظاهر هذه الرواية أنه أجاز الجمع في الطين والوحل وإن لم يكن مطر ولا ظلمة، إذ لم يشترط الظلمة، وذلك خلاف قوله في المدونة والواضحة، وخلاف ما في قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب، وقد مضى التكلم في وقت الجمع بينهما في رسم "شك في طوافه " فلا وجه لإعادته.
التكبير خلف الصلوات بأرض العدو
مسألة وسئل مالك عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو، وقال ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة، فقيل له: فإن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح، فقال هو ما أحدثه المسودة.
قال محمد بن رشد: المسودة هم القائمون على بني أمية بدولة بني العباس، وكانت لهم ألوية سود فنسبوا إليها، وأنكر في هذه الرواية التكبير دبر الصلوات بأرض العدو، وسكت عنه في غير دبر الصلوات، وأجازه في الجهاد من المدونة، وفي سماع أشهب من كتاب الجهاد بحضرة العدو وبغير حضرتهم وسكت عن دبر الصلوات، فكل واحدة من الروايتين مبينة لصاحبتها.
وحكى ابن حبيب أن أهل العلم يستحبون التكبير في العساكر
والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء وصلاة الصباح تكبيرا عاليا ثلاث تكبيرات، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديما، وسمعتهم يكرهون التطريب في ذلك وأن يتقدمهم واحد بالتكبير أو التهليل ثم يجيبه الآخرون بنحو من كلامه جما غفيرا، ولا بأس أن يخترق تكبيره، وما ذهب إليه مالك من كراهية التكبير دبر الصلوات أظهر؛ لأنه أمر محدث لم يكن في الزمن الأول، ولو كان لذكر ونقل، والله أعلم.
الصلاة في مثل مساجد الحرس أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسألت مالكا عن الصلاة في مثل مساجد الحرس، أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين؟ فكره ذلك وقال: لا أحب أن تجمع في المسجد صلاة واحدة مرتين يجمع فيها بعد الصلاة.
قال ابن القاسم: إذا كان المسجد يجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعضها فلا تجمع فيه صلاة مرتين.
قال ابن القاسم: قال لي مالك كل مسجد تجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعض فلا أرى أن يجمع فيه مرتين ما يجمع فيه وما لا يجمع.
قال مالك: وقد كان بالمدينة هاهنا مساجد يجمع فيها المغرب والعشاء والصبح ولا يجمع فيها الظهر والعصر.
قال ابن القاسم: ولا أعلم إلا أنه كان من قوله فلم يكن يجمع فيها صلاة واحدة مرتين مما لم يكن يجمع فيه.
وفي رواية أشهب وابن نافع من كتاب الصلاة قال: وسئل مالك عن مساجد بالإسكندرية يحرس فيها يصلى فيها المغرب والعشاء والصبح بالأذان والإقامة، ولا يصلى فيها الظهر والعصر، فربما شهدنا الجنازة بالنهار فصلينا فيها الظهر
والعصر فتجمع فيها الصلاة منها مرتين، أترى ذلك واسعا؟ قال نعم لا بأس بذلك، وأما الصلوات التي تجمع فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: رواية ابن القاسم في المنع من الجمع مرتين في المسجد الذي يجمع فيه بعض الصلوات التي لا تجمع فيها، تأتي على أن الجمع في مسجد واحد مرتين كره لوجهين:
أحدهما: تفريق الجماعة.
والثاني: لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع في اعتزالهم أهل السنة وتفرقتهم بأئمتهم؛ لأن الصلاة التي لا تجمع فيه إذا جمع فيه مرتين كل ذلك ذريعة لأهل البدع إلى ما يذهبون إليه من إظهار بدعهم وإن لم يكن في ذلك تفريق جماعة، إذ ليس لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق.
ورواية أشهب تأتي على أن الجمع مرتين في مسجد واحد إنما كره لعلة واحدة وهي تفريق الجماعة، فإذا لم يكن لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق جاز الجمع فيه مرتين، فهذا وجه الروايتين.
مسألة: يصلي العصر ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي ثم يذكر صلى
مسألة وسئل عن الرجل يصلي العصر لنفسه ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي الثانية فيركع ركعتين ثم يذكر أنه قد صلى، قال: أرى أن يضم إليها أخرى، فقلت له: يا أبا عبد الله أتكون صلاة بعد العصر؟ فقال قد كان المنكدر يصلي، وقد كان عمر ينهاه عن ذلك، وقد جاء فيها بعض ما جاء، فالشيء إذا كان صاحبه لا يريد به خلاف السنة، وإنما يفعله على غير خلاف السنة رأيت أن يفعل ذلك للذي جاء فيه من الرخصة، وإنما كره من ذلك ما كان صاحبه يتعمد به خلاف الحق.
قال محمد بن رشد: النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس نهي ذريعة، وإنما حقيقة الوقت
المنهي عن الصلاة فيه عند الطلوع وعند الغروب.
ألا ترى أن رجلين لو كان أحدهما قد صلى العصر والثاني لم يصلها لجاز للذي لم يصل العصر أن يتنفل ولم يجز ذلك للآخر والوقت لهما جميعا وقت واحد، فإنما نهي الذي صلى العصر عن الصلاة بعد العصر حماية للوقت المنهي عن الصلاة فيه، لا لأن الصلاة فيه حرام.
روي عن المقدام ابن شريح: «قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد الظهر والعصر، قالت: كان يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين.
ثم كان يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين، قال فقلت: فأنا رأيت عمر يضرب رجلا رآه يصلي بعد العصر، فقالت: لقد صلاهما عمر ولقد علم أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاهما، ولكن قومك أهل اليمن قوم طغام فكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر وإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب فقد أحسن» .
فلما كان هذا الذي صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه قد صلاها في وقت ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه لأن الصلاة فيه حرام، وجب أن يتم ركعتين ولا يبطل عمله، لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] ، فهذا وجه قول مالك والله أعلم.
ولو ذكر قبل أن يركع لكان الأظهر أن يقطع على قياس قوله في مسألة رسم "أوله مرض " بعد هذا، ولو ذكر قبل أن يركع من صلاة يصلي بعدها لجرى ذلك على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في كتاب الصيام من المدونة في الذي يظن أن عليه يوما من رمضان فيصبح صائما، ثم يعلم أنه لا شيء عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف
مسألة وسئل عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف، فكره ذلك كراهية شديدة وعابه وقال لا يفرق القرآن وقد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه، لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: أنزل الله تبارك وتعالى القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئا بعد شيء حتى كمل الدين، واجتمع القرآن جملة في الأرض كما أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا، فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه والله أعلم.
مسألة: الصلاة في الحمام وقراءة الآية والآيتين
مسألة قال مالك: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام وأن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام، معناه إذا أيقن بطهارته؛ لأنه قد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «نهى عن الصلاة في سبعة مواطن، أحدها الحمام» ، ومعنى النهي عن ذلك عند مالك لما يتقى من نجاسته إذ هو موضع يتخذ للاغتسال من النجاسة وغيرها، فينبغي أن يحمل داخله على النجاسة حتى يوقن بطهارته، وخارجه حيث يخلع الناس ثيابهم على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة.
ولعله تكلم في هذه الرواية على خارج الحمام، ولذلك لم يشترط أن يعلم طهارة الموضع الذي صلى فيه، وتكلم في المدونة على داخله، ولذلك اشترط طهارة الموضع فقال: إذا كان مكانه طاهرا فلا بأس به، ولم يجز أن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث، على سبيل الارتياع والتعوذ لأنه قرآن كريم، فواجب أن يجل على أن يتلى في المواضع
المكروهة، وقد كره في رسم "المحرم " للرجل أن يقرأ بقية حزبه في طريق مسيره إلى المسجد، فكيف بالتلاوة في الحمام، وبالله التوفيق.
مسألة: يغدو يوم الجمعة إلى المسجد ليصلي الصبح فيغتسل ويريد بذلك غسل الجمعة
مسألة وسئل مالك عن الرجل يغدو يوم الجمعة إلى المسجد ليصلي الصبح فيغتسل ويريد بذلك غسل الجمعة فيقيم في المسجد حتى يصلي، قال مالك لا يعجبني ذلك، وكره ذلك الرواح تلك الساعة إلى الجمعة، ولم يعجبه غسل الجمعة تلك الساعة.
قال محمد بن رشد: غسل الجمعة عند مالك لا يكون إلا محصلا بالرواح إليها، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» - وقوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة» خرج على المجيء المعروف الذي يكون ساعة الرواح على ما بينه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: «من اغتسل ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» الحديث، فلما اغتسل هذا الرجل في غير وقت الرواح الذي ندب رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلى الرواح فيه بالحديث المذكور بإجماع لم يجزه الغسل عنده وإن كان متصلا بخروجه.
وفي سماع زونان لابن وهب أنه يجوز له أن يروح إلى الجمعة بالغسل الذي اغتسله بعد الفجر، قال والفضل أن يكون غسله متصلا برواحه، ومثله في سماع أبي قرة عن مالك، وهو خلاف المشهور من قوله.
مسألة: المطر إذا كان الطين والأذى في الطريق أيصلي الرجل في منزله
مسألة وسئل مالك عن المطر إذا كان الطين والأذى في الطريق،
أيصلي الرجل في منزله ويكون في سعة من ترك إتيانه إلى المسجد؟ قال: نعم أرجو أن يكون في سعة إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن رشد: هذا من نحو إجازته الجمع بين المغرب والعشاء في الطين والوحل على ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا؛ لأن فضيلة الوقت أكثر من فضيلة الجماعة، فإذا جاز ترك فضيلة الوقت لهذه العلة جاز ترك فضيلة الجماعة لها.
وقد روي عن زياد عن مالك أن صلاة الصبح في أول الوقت فذا أفضل من صلاتها في آخر الوقت في جماعة.
مسألة: الرجل يسمع مؤذن المغرب في الحرس فيحرك فرسه ليدرك الصلاة
مسألة وسئل مالك عن الرجل يخرج إلى الحرس فيسمع مؤذن المغرب في الحرس فيحرك فرسه ليدرك الصلاة، قال مالك: لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: معناه ما لم يسرع حتى يخرج بذلك عن حد السكينة المأمور بها في الإتيان إلى الصلاة، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من هذا الكتاب.
مسألة: حكم الاضطباع في الصلاة
مسألة قال مالك: الاضطباع أن يرتدي الرجل فيخرج ثوبه من تحت يده اليمنى.
قال ابن القاسم: وأراه من ناحية الصماء.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال ابن القاسم؛ لأنه إذا أخرج ثوبه من تحت يده اليمنى انكشف جنبه الأيمن فبدت عورته، ولهذه العلة جاء النهي في اشتمال الصماء.
مسألة: الرجل يقعد للتشهد يوم الجمعة في نافلة فيخرج الإمام أيدعو أم يسلم
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد للتشهد يوم الجمعة في نافلة فيخرج الإمام، فأراد أن يدعو إلى أن يقوم الإمام قبل أن يسلم، قال بل يسلم ولا يدعو.
قال محمد بن رشد: قد استحب مالك في رواية ابن وهب عنه إذا لم يبق من صلاته إلا السلام أن يدعو ولا يسلم مادام المؤذنون يؤذنون والإمام جالس، والقياس ما في الكتاب لما جاء من " أن خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام ". فإذا كان خروجه يقطع الصلاة وجب أن لا يكون له أن يدعو ولا يسلم بعد خروجه، كما ليس له أن يدعو ولا يسلم بعد قيامه، وبالله التوفيق.
الرجل يجعل الخاتم في يمينه أو يجعل فيه الخيط لحاجة يريدها
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء وسئل مالك عن الرجل يجعل الخاتم في يمينه أو يجعل فيه الخيط لحاجة يريدها، قال لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة هذا أو تخفيفه واضح، وذلك أن التختم في اليسار ليس بواجب، وإنما كان هو المختار لأن الأشياء إنما تتناول باليمين، فهو يأخذ الخاتم بيمينه فيجعله في يساره، فإذا جعله في يمينه ليتذكر بذلك الحاجة فلا حرج عليه في ذلك.
وأما جعله فيه الخيط فليس فيه أكثر من السماجة عند من يبصره ويراه ولا يعرف وجه مقصده بذلك ومغزاه إن شاء الله، وبه التوفيق.
مسألة: الخمر إذا اضطر إليها الرجل أيشرب
مسألة وسئل عن الخمر إذا اضطر إليها الرجل، أيشرب؟ قال: لا، ولن تزيده الخمر إلا شرا لقول بقطع جوفه.
قيل لأصبغ: ما الفرق للمضطر بين الميتة والخمر، أرخص للمضطر في الدم وكره له شرب الخمر إذا اضطر إليها؟ فقال لأن الله ذكر تحريم الميتة فقال: حرمت عليكم الميتة الآية ثم استثنى فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: 173] الآية، وذكر تحريم الخمر فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] الآية، فلم يستثن فيها للمضطر ولا غيره.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في الرواية ما الفرق للمضطر بين الميتة والخمر أرخص للمضطر في الدم وكره له شرب الخمر، وكان الصواب في الكلام أن يكون أرخص للمضطر في الميتة وكره له شرب الخمر، إلا أنه ذكر الدم مكان الميتة لما كان حكمهما سواء عند الجميع في جميع الأحوال.
ووقع في بعض الروايات: ما الفرق للمضطر بين الميتة والدم؟ وهو خطأ
لا يصح له معنى.
وقد قال ابن القاسم أيضا في سماع أصبغ من كتاب الصيد: إن المضطر يشرب الدم ولا يشرب الخمر، وقال أيضا إنه يأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل.
واحتج ابن وهب هناك للفرق بينهما وبين الميتة والخمر بمثل حجة أصبغ هنا سواء، وليست بحجة، إلا من جهة التعلق بالظاهر، وليس مذهبنا التعلق به وترك القياس والفرق بين الدم والخمر من جهة القياس أن تحريم الدم عبادة لا لمعنى يتوقع من شربه، وتحريم الخمر لما يتوقع من شربه من وقوع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
والفرق بين الميتة وضوال الإبل من جهة القياس أن الميتة لا ملك لأحد عليها بخلاف ضوال الإبل، فلا يكون باستباحتها عند الضرورة متعديا على أحد كما يكون إذا استباح ضوال الإبل.
فإذا قلنا بالفرق بين ذلك من جهة القياس أو من جهة التعلق بالظاهر، فهل يمتنع من الخمر وضوال الإبل وإن لم يجد الميتة؟ أو هل إنما يلزمه الامتناع منهما مع وجود الميتة؟ فالظاهر من قول أصبغ أنه يمتنع منهما بكل حال، والظاهر من قول ابن وهب إنما يلزمه الامتناع منهما إذا وجد الميتة، ويأتي على ما في الموطأ لمالك من أن المضطر إذا وجد مالا لقوم وأمن أن يعد سارقا فتقطع يده كان أكل ما وجد للقوم أولى من أكل الميتة، أنه إذا وجد الميتة وضوال الإبل أكل الضوال ولم يأكل الميتة، فهي مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال: أحدها: المساواة بينهما، والثاني: أن الأولى به إذا وجدهما أن يأكل الميتة، والثالث: أن الأولى به إذا وجدهما أن يأكل ضوال الإبل، والرابع: أن لا يقرب ضوال الإبل بحال.
وتعليل قول مالك لقوله إن المضطر لا يشرب الخمر بأنها لا تزيده إلا شرا يدل على أنه لو كان له في شربها منفعة لجاز له أن يشربها، وأن لا فرق عنده بين الميتة والخمر في إباحتهما للمضطر.
وقد استدل محمد بن عبد الحكم في كتاب المولدات على أن هذا مذهب مالك بهذا التعليل الذي علل به قوله، واحتج على صحته بأن من غص بلقمة فخشي على نفسه الموت ولم يجد ماء يستسيغها به إلا بالخمر أن ذلك جائز له، والظاهر من قول أصبغ أن
ذلك لا يجوز له كما ذكرنا، وقاله محمد بن عبد الحكم في المحرم يضطر إلى الميتة أنه يأكلها ولا يأكل الصيد، يريد إلا أن لا يجد إلا الصيد فإنه يجوز له أن يأكله على أصله في الذي يغص باللقمة أنه يستسيغها بالخمر.
ولو وجد حمارا أهليا لأكله ولم يأكل الصيد للاختلاف في الحمار الأهلي، ولو وجد المضطر ميتة وخنزيرا لأكل الميتة ولم يأكل الخنزير، فهذا وجه القول في هذه المسألة مستوفى، وبالله التوفيق.
مسألة: لا يقصر حتى ينوي حين يخرج من منزله سفرا فيه أربعة برد
مسألة وسئل مالك عن الرجل يخرج من بيته إلى السوق، وبينه وبين منزله خمسة عشر ميلا، وخلف ذلك سوق آخر نحو ذلك أو أكثر، وخلف السوقين سوق آخر بينه وبينهما نحو من خمسة عشر ميلا، قرى بعضها خلف بعض، ونيته حين يخرج إن هو باع سلعته في السوق الأول رجع إلى أهله، وإلا تقدم حتى يبلغ آخر تلك الأسواق، أيقصر الصلاة أم يتم؟ قال مالك: لا يقصر على الشك وليتم الصلاة، ولا يقصر حتى ينوي حين يخرج من منزله سفرا فيه أربعة برد، وعندنا هاهنا مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في الذي يطلب حاجة على بردين فلم يزل يقال له هي بين يديك حتى سار مسيرة أيام وليالي، أنه يتم الصلاة في ذلك، وإنما يقصر في رجعته، وهذا ما لا أعرف فيه خلافا.
مسألة: ينصت الناس في خطبة الاستسقاء والعيدين
مسألة وقال مالك: ينصت الناس في خطبة الاستسقاء والعيدين كما ينصتون في الجمعة.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح كما قال؛ لأنها خطب مشروعة للصلاة عنده، فوجب أن يكون حكمها حكم خطبة الجمعة في الإنصات لها.
وذهب الطحاوي في خطبة العيدين إلى أنها للتعليم لا للصلاة كخطب الحج فلا يجب الاستماع إليها والإنصات لها.
ودليله ما روي «عن عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما صلى قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يرجع فليرجع» ، وكذلك خطبة الاستسقاء إذ لا صلاة فيه على مذهبه، وبالله التوفيق.
مسألة: التروح في الصلاة من الحر
مسألة وسئل عن التروح في الصلاة من الحر، فقال: الصواب أن لا يفعل.
قال ابن القاسم: يريد المكتوبة، ولا بأس به في النافلة إذا غلبه الحر.
قال محمد بن رشد: الاشتغال بالتروح في الصلاة ترك للخشوع فيها، ومجاهدة النفس على الصبر على شدة الحر وترك التروح ربما أدى إلى ترك الإقبال على الصلاة، فرأى مالك ترك التروح والصبر على شدة الحر ومجاهدة النفس على ذلك في الصلاة أصوب من التروح فيها، لقول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] ، واستخف ذلك ابن القاسم في النافلة إذ ليست بواجبة.
مسألة: الرجل يدخل المسجد الحرام أيبدأ بركعة أم بالطواف
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل في المسجد الحرام، أيبدأ بركعة أم بالطواف؟ قال بل بالطواف.
قال محمد بن رشد: الطواف بالبيت في المسجد الحرام كالصلاة في غيره من المساجد، ولا يتم إلا بركعتين، فإن دخله وهو لا يريد الطواف به تلك الساعة وجب عليه أن يركع ركعتين قبل أن يجلس.
مسألة: يصلي في صف آخر وقدامه صفوف منحرفة أيشق الصف إليها
مسألة وسئل عن الصف يكون خلفه الرجل في صف آخر وأمام الصف الذي قدامه صفوف منحرفة، أترى أن يشق الصف إليها؟ قال إن كان ينال ذلك برفق فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب وأمام الصف الذي أمام الصف الذي قدامه، فعلى هذا أجاز له أن يشق صفين لسد الفرجة يراها في الصف المتقدم، ومع ذلك إذا كانت الفرجة أمامه، وأما إن كانت عن يمينه أو يساره فالذي يليها أولى بسدها منه، وقد قال ابن حبيب إن له أن يخرق لسدها الصفوف، وذلك لما جاء في الترغيب في سد الفرجة في الصف، روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من سد فرجة في الصف رفعه الله بها درجة في الجنة وبنى له في الجنة بيتا» .
مسألة: الإمام يكون في الصلاة فينظر إلى رجل مقبل أترى أن ينتظره
مسألة وسئل مالك عن الإمام يكون في الصلاة فينظر إلى رجل
مقبل، أترى أن ينتظره؟ قال لا، وكذلك لو رأى أيضا غيره أكان ينتظره؟ فنهى عن ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك للإمام هذا لأن حق من دخل معه في الصلاة وتحرم بها عليه في أن يفعل ما يتبعه فيه أولى من حق من قصر عن الإتيان وأبطأ فيه.
ومن أهل العلم من أجاز ذلك في القدر اليسير الذي لا ضرر فيه على من معه في الصلاة، بدليل ما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمع صوت صبي في الصلاة فخفف» «وأنه صلى فأطال السجود فسئل عن ذلك فقال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته مني» .
وقد حكى بعض الناس عن أبي حنيفة فيمن تنحنح به وهو يصلي فانتظر المتنحنح به أن صلاته فاسدة، قال وأخشى عليه، ومعنى ذلك أن يكون قد عمل بعض صلاته لغير الله عز وجل، فيكون بذلك كافرا، وهو بعيد، لما جاء عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما ذكرناه، والصحيح عنه الكراهية لذلك مثل قول مالك، وهو قول الشافعي أيضا.
وبالله التوفيق.
الذي يتنخم في المسجد على الحصير ثم يدلكه برجله
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق وسئل عن الذي يتنخم في المسجد على الحصير ثم يدلكه برجله، فكره ذلك وقال إن القاسم بن محمد رأى رجلا يمضمض في المسجد بعد فراغه من شربه ثم مجه في الحصباء، فنهاه عن ذلك، فقال له الرجل وهو يريد أن يحاجه إنه يتنخم فيه وهو شر من الماء، قال إن ذلك مما لا بد للناس منه، ولم ير مالك بالتنخم تحت الحصير بأسا، وكره مالك تقليم الأظفار ودفن القمل وقتلها في
المسجد.
وسئل مالك عن التنخم في النعلين في المسجد، فقال أما إن كان لا يصل إلى موضع حصيرة يتنخم تحتها فلا أرى بأسا، وإن كان يصل إلى الحصيرة فإني أستحسنه ولا أحب لأحد أن يتنخم في نعليه.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين.
أما كراهيته أن يتنخم في الحصير ثم يدلكه برجله فلأن ذلك لا يزيل أثرها من الحصير، وفي ذلك إذاية للمصلين وإضاعة لحرمة المسجد.
وأجاز أن يتنخم تحت الحصير كما أجاز أن يتنخم في الحصباء ويدفنه، فقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه» . وهذا كله في المدونة.
وكره تقليم الأظفار في المسجد لحرمته، وكره قتل القملة في المسجد ولم ير دفنها فيه بخلاف النخامة لنجاستها؛ ولأنه قد روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتل القملة في المسجد وأمر بإخراجها منه» ، وكان قتل البرغوث في المسجد أخف عنده من قتل القملة، وكره التنخم في النعلين، إلا أن لا يصل إلى الحصيرة لظهور ذلك فيهما وربما وضعهما في المسجد فيعلق به شيء من ذلك.
ووقع في بعض الروايات مكان فإني أستحسنه فإني استقبحه، فيعود الاستحسان إلى التنخم تحت الحصير إن كان يصل إليها، والاستقباح إلى التنخم في النعلين إن كان يصل إلى الحصير، وهذا كله مما لا إشكال فيه.
مسألة: رجل كبر مع الإمام فنعس أو سها حتى سجد الإمام
مسألة وسئل مالك عن رجل كبر مع الإمام فنعس أو سها حتى سجد الإمام، قال: إن ظن أنه يدركه قبل أن يرفع رأسه من السجود فليركع ويسجد ويلحقه، وإلا فلا يعتد بها وليركع ركعة إذا فرغ من الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة المدونة، تكررت في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وفي أول رسم من سماع عيسى، وفي رسم "لم يدرك منه" أكمل مما وقعت هاهنا.
وتلخيص ما وقع فيها من الاختلاف أن لمالك فيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه يركع بعد رفع الإمام رأسه ويتبعه كان ذلك في أول ركعة أو بعد أن عقد معه ركعة، والثاني أنه يلغي تلك الركعة ولا يتبع الإمام فيها كان ذلك أيضا في أول ركعة أو بعد أن عقد مع الإمام ركعة، والثالث أنه إن كان ذلك في أول ركعة ألغاها ولم يتبع الإمام فيها وإن كان ذلك بعد أن عقد معه ركعة اتبعه، واختلف قوله إلى أي حد يتبعه على القول الأول إذا عقد معه ركعة على قولين: أحدهما أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود الركعة التي غفل عنها، والثاني أنه يتبعه ما لم يركع في الركعة التي بعدها أو ما لم يرفع رأسه من ركوعها على الاختلاف في قوله في عقد الركعة هل هو الركوع أو الرفع منه.
وسواء على مذهبه غفل أو سها أو نعس أو زوحم أو اشتغل بحل إزاره أو ربطه أو ما أشبه ذلك، وسواء أيضا على مذهبه أحرم قبل أن يركع الإمام أو بعد أن ركع إذا كان لولا ما اعتراه من الغفلة وما أشبهها لأدرك معه الركعة.
وأما لو كبر بعد أن ركع الإمام فلم يدرك أن يركع معه حتى رفع الإمام رأسه فقد فاتته الركعة ولا يجزيه أن يركع بعده ويتبعه قولا واحدا.
وأخذ ابن وهب وأشهب بالقول الأول إذا أحرم قبل أن يركع الإمام، وبالقول الثاني إذا أحرم بعد أن ركع الإمام، ولم يفرقا بين الزحام وغيره.
وأخذ ابن القاسم في الزحام بالقول الثاني، وفيما سواه من الغفلة والاشتغال بالقول الثالث.
وأخذ بالقول الثاني في الاشتغال، وفيما سواه من الزحام أو السهو أو الغفلة بالقول الثالث.
وأخذ محمد بن عبد الحكم في الجمعة بالقول الأول، وفيما عدا الجمعة بالقول الثالث، وبالله التوفيق.
مسألة: الإمام يدخل المسجد عند الإقامة ولم يصلى ركعتي الفجر
مسألة وسئل مالك عن إمام مسجد في عشيرته أتى إلى المسجد فلما دخل المسجد أقام المؤذن الصلاة ولم يكن ركع ركعتي
الفجر، أترى أن يسكت المؤذن حتى يركع ركعتي الفجر أم يصلي بهم؟ قال بل يصلي بهم الصبح ولا يسكت المؤذن لهما ولا يخرج من المسجد ولا يركع فيه بعد أن دخل المسجد ولا يسكت المؤذن.
قال محمد بن رشد: لم ير للإمام أن يسكت المؤذن لركعتي الفجر، إذ قيل فيهما إنهما من الرغائب وليستا من السنن، وهي رواية أشهب عن مالك، بخلاف الوتر الذي هو سنة، وقد قيل فيه إنه واجب فإن للإمام أن يسكت المؤذن حتى يوتر، وقد فعل ذلك عبادة بن الصامت.
مسألة: يشرب الماء يوم الجمعة والإمام يخطب
مسألة قال مالك: لا أحب لأحد أن يشرب الماء يوم الجمعة والإمام يخطب ولا يسقي الماء يدور به على الناس والإمام يخطب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما كان حال الخطبة حال الصلاة في الإنصات وجب أن يكون حالها حال الصلاة في الأكل والشرب.
مسألة: وقت الصلوات كلها
مسألة قال: مالك وقت الصلوات كلها في كتاب الله عز وجل، فأما قول الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] ، فذلك المغرب والعشاء والصبح؛ وقوله ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] ، فعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر؛ وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] صلاة الظهر ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 78] قال: الغسق غيبوبة الشفق واجتماع الليل وظلمته،
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78] . قال مالك: ذلك وقت صلاة الصبح.
قال: والأعراب يقولون صلاة الشاهد صلاة المغرب وذلك أني تفكرت في ذلك فإذا هي لم تنقص في السفر، هي فيه بمنزلتها في الحضر لم تقصر كما قصرت الصلوات، فلذلك سميت صلاة الشاهد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إن وقت الصلوات كلها في كتاب الله، ولكنها فيه مجملة غير محدودة، فلو تركنا وظاهر القرآن لم نعرف منه أوائل الأوقات التي لا تجوز الصلاة قبلها من أواخرها التي لا يجوز تأخيرها إلى ما بعدها، ولا وقت الاختيار من وقت الضرورة، ولا وقت التوسعة من وقت الرخصة للعذر، وقد بينت السنة ذلك كله وأحكمته.
فالأوقات تنقسم على خمسة أقسام: وقت اختيار وفضيلة وهو أن يصلي قبل انقضاء الوقت المستحب، وهو القامة للظهر، والقامتان للعصر، والإسفار للصبح، ومغيب الشفق للمغرب على اختلاف في ذلك، وثلث الليل أو نصفه للعشاء الآخرة؛ ووقت رخصة وتوسعة هو أن يصلي في آخر الوقت المستحب؛ ووقت رخصة للعذر وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر المستحب أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب وهو أول الزوال أو بعدما يمضي منه مقدار ما يصلي فيه صلاة الظهر على اختلاف ذلك؛ ووقت تضييق من ضرورة وهو أن يؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، والصبح إلى طلوع الشمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر؛ ووقت سنة أخذ بحظ من الفضيلة للضرورة، وهو الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة.
وقد قيل إنما سميت المغرب صلاة الشاهد من أجل النجم الظاهر عند غروب الشمس، فالشاهد النجم، وهو أظهر مما ذهب إليه مالك؛ لأن الصبح لم تقصر أيضا هي في السفر بمنزلتها في الحضر.
مسألة: قول الرجل في صلاة العشاء العتمة
مسألة وسئل عن قول الرجل في صلاة العشاء العتمة، قال مالك: الصواب من ذلك ما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] ، فسماها الله تعالى العشاء، فأحب للرجل أن يعلمها أهله وولده ومن يكلمه بذلك، فإن اضطر أن يكلم بها أحدا ممن يظن أنه لا يفهم عنه فإني أرجو أن يكون من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: وجه كراهية مالك أن تسمى العشاء الآخرة العتمة إلا عند الضرورة ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنما هي العشاء ولكنهم يعتمون على إبلهم» . وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» ، فسمى العشاء في هذا الحديث العتمة، فالوجه في الجمع بين الحديثين أن الذي كانت العرب تعرفه في اسم هذه الصلاة العتمة للمعنى المذكور في الحديث الأول، فكان الأمر على ذلك إلى أن أنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 58] إلى قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] ، فنهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تسميتها العتمة.
وفي كتاب ابن مزين أن من قال في صلاة العشاء العتمة كتبت عليه سيئة، وبالله التوفيق.
مسألة: براءة أيقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة وسئل مالك عن براءة أيقرأ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ قال مالك: تقرأ كما أنزلت وليس فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: في قوله تقرأ كما أنزلت وليس فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دليل على أن غيرها من السور أنزلت وفيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ومعنى ذلك أنها أنزلت وفيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ للاستفتاح والفصل بينها وبين التي قبلها لا على أن ذلك قرآن منها، بدليل ما روي «عن ابن عباس أنه قال: كان جبريل إذا نزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ علم أن السورة قد انقضت» ، وروي «عن أبي بن كعب أنه قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمر في أول كل سورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وكانت براءة من آخر ما نزلت ولم يأمر فيها بذلك فضمت إلى الأنفال إذ كانت تشبهها» ، يريد من أجل أنها إنما نزلت بنقض العهود التي تقدمت في الأنفال، وبراءة على قوله سورتان، وكذلك هما سورتان على ما روي عن البراء أنه قال: " آخر آية نزلت يستفتونك وآخر سورة نزلت براءة " فقيل إنه إنما لم يكتب في أول براءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لأنها نزلت بالحرب والمنابذة والوعيد ونقض العهود، وبسم الله الرحمن الرحيم، إنما تكتب في السلم لا في المنابذة وفي استفتاح الخير لا في الوعيد ونقض العهود.
وقيل إنها لم تكتب في أولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إعظاما
لاسم الله في خطاب المشركين، وهذا يرده ما في كتاب الله من قصة سليمان في كتابه إلى صاحبة سبأ ويرد الأول بثبوت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الهمزة وتبت يدا.
وقد قيل إن براءة من الأنفال فلذلك لم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: لما كانت قصتها شبيهة بقصتها وذهب عني أن أسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنها، وقع في قلبي أنها منها، فلذلك قرنت بينهما دون فصل ببسم الله الرحمن الرحيم، وبالله التوفيق، [والحمد لله ولا شريك له] ، تم كتاب الصلاة الأول.