البيان والتحصيلصفحات 259-298
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الأول

صفحات 259-298
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إنه يجب عليه منذ يدخل رحاب المسجد التي تصلى فيه الجمعة من ضيق المسجد، وبالله التوفيق.

مسألة: الجمع بين المغرب والعشاء إذا جمعتا في المطر

مسألة وسئل مالك عن الجمع بين المغرب والعشاء إذا جمعتا في المطر أية ساعة يجمعان؟ قال: يؤخر المغرب قليلا.
فقيل: أيوتر من جمع قبل أن يغيب الشفق؟ قال: لا، أفلا يستطيع أن يوتر في بيته؟ قال محمد بن رشد: قوله: إن المغرب تؤخر قليلا في الجمع بينهما هو معنى ما في المدونة، وفي رسم "أخذ يشرب خمرا" بعد هذا، وهو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك أن ينصرف الناس وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق وإظلام الوقت.
وقد روي عن مالك أنه يجمع بينهما عند الغروب، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وروي ذلك عن ابن وهب وأشهب.
وهذا القول يأتي على قياس القول بأن المغرب ليس لها في الاختيار إلا وقت واحد، فلما لم يجز على هذا القول تأخير المغرب بعد الغروب إلا لعذر ولا تعجيل العشاء قبل الشفق إلا لعذر أيضا، واستوى الطرفان، رأى التعجيل أولى لما للناس من الرفق في الانصراف والضوء متمكن بعد.
وأما القول الأول فإنه يأتي على مراعاة قول من يرى أن المغرب وقتها في الاختيار إلى مغيب الشفق، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، فرأى أن يكون الجمع في وسط وقت المغرب المختار ليدرك من فضيلة وقت المغرب بعضها وتكون العشاء قد عجلت عن وقتها المختار للرفق بالناس كي ينصرفوا وعليهم إسفار قبل تمكن الظلام.
وقوله: إنه لا يوتر قبل أن يغيب الشفق صحيح؛ لأن الوتر من صلاة الليل، ولا ضرورة تدعو إلى تعجيله قبل مغيب الشفق، وبالله التوفيق.

مسألة: ينصرف من منى إلى مكة وهو من أهلها فتدركه الصلاة قبل وصوله مكة

مسألة وسئل مالك عن الرجل ينصرف من منى إلى مكة وهو من أهل مكة، فتدركه الصلاة من قبل أن يصل إلى مكة، أترى يتم الصلاة؟ قال: نعم.
وأهل المحصب يتمون وراءهم مثلهم، وأرى أن يحصب الناس بالمحصب حتى يصلوا العشاء.
وقد حصب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال لي بعد ذلك أرى أن يصلوا ركعتين حين ينزلون بالمحصب إذا أدركهم الوقت فيما بين منى ومكة، وإن تأخروا بمنى صلوا ركعتين.
قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي أن يتموا قبل أن يأتوا المحصب.
قال مالك: «حج معاوية بن أبي سفيان فصلى بمنى ركعتين، فكلمه مروان في ذلك وقال: أنت القائم بأمر عثمان، تصلي ركعتين وقد صلى عثمان أربعا، فقال: ويلك أنا صليتهما هاهنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعتين، قال: فلم يزل به مروان حتى صلى أربعا» . قال محمد بن رشد: أما من قدم مكة ولم ينو المقام بها أربعا حتى خرج إلى الحج فلا اختلاف في أنه يقصر بمنى وفي جميع مواطن الحج لأنه مسافر بعدُ على حاله، وإنما اختلف أهل العلم فيمن نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها وخرج إلى الحج، فقيل: إنه يتم لأنه ليس في سفر يقصر في مثله الصلاة، وهو مذهب أهل العراق، وقيل إنه يقصر لأنها منازل سفر وإن لم يكن سفرا يقصر في مثله الصلاة.
وإلى هذا ذهب مالك، ودليله «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بمكة إلى يوم التروية، وذلك أربع ليال» ، ثم خرج فقصر بمنى، فلم يختلف قول مالك: إنه يقصر بمنى وعرفة، وفي جميع مواطن الحج إلا في رجوعه من منى إلى مكة بعد انقضاء حجه إذا نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها على ما تقدم، فكان أولا

يقول: إنه يُتم؛ مراعاة لمن يرى أنه يتم؛ إذ ليس في سفر تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع فقال: إنه يقصر حتى يأتي مكة بناء على أصله في أنه من أهل القصر دون مراعاة منه لقول غيره.
وكذلك اختلف في ذلك اختيار ابن القاسم، وستأتي هذه المسألة متكررة في رسم "الشريكين" وفي رسم "المحرم " وفي بعض الروايات.
وأما إتمام عثمان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بمنى فقد روي أن الناس لما أنكروا عليه الإتمام قال لهم: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من تأهل في بلدة فهو من أهلها» ، ولعله تأول أن رسول الله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لم يقصر بمنى إلا من أجل أن إقامته بمكة لم تكن إقامة تخرجه عن سفره، ولذلك قصر بمنى.
وأما معاوية بن أبي سفيان فالوجه فيما ذكر عنه في هذه الرواية والله أعلم أنه كان مقيما بمكة فقصر بمنى؛ لأنه تأول أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصر بها، وقد كان مقيما بمكة، فلم يزل به مروان حتى صرفه عن تأويله على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان مقيما بمكة إلى أنه إنما قصر، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لأنه لم يكن مقيما بمكة إقامة تخرجه عن سفره.
فالاختلاف هل كان، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، مقيما بمكة قبل خروجه إلى منى أو غير مقيم هو أصل الاختلاف في هذه المسألة، فذهب مالك إلى أنه قصر بمنى وقد كان مقيما، وذهب أهل العراق إلى أنه إنما قصر بمنى من أجل أنه لم يكن مقيما بمكة، وبالله التوفيق.

مسألة: صلاة النوافل في البيوت

مسألة وسئل عن الصلاة في النوافل في البيوت أحب إليك أم في المسجد؟ قال: أما في النهار فلم يزل من عمل الناس الصلاة في المسجد يجرون ويصلون، وأما الليل ففي البيوت.
وقد كان الرسول، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، يصلي الليل في بيته.
وقال مالك: يستحب

للذي يصلي بالليل في منزله أن يرفع صوته بالقرآن.
وكان الناس إذا أرادوا سفرا تواعدوا لقيام القرآن وبيوتهم شتى، وكانت أصواتهم تسمع بالقرآن، فأنا أستحب ذلك.
قال محمد بن رشد: استحب مالك صلاة النافلة بالنهار في المسجد على صلاتها في البيت؛ لأن صلاة الرجل في بيته وبين أهله وولده وهم يتصرفون ويتحدثون ذريعة إلى اشتغال باله بأمرهم في صلاته، ولهذه العلة كان السلف يهجرون ويصلون في المسجد، فإذا أمن الرجل من هذه العلة فصلاته في بيته أفضل؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا الصلاة المكتوبة» ؛ لأنه حديث صحيح محمول على عمومه في الليل والنهار مع استواء الصلاة في الإقبال عليها وترك اشتغال البال فيها؛ وقد سئل مالك في أول الرسم بعد هذا عن الصلاة في مسجد النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، في النوافل، أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ قال: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة، فدل هذا من قوله أن الصلاة بالنهار في البيوت لغير الغرباء أحب إليه من الصلاة في المسجد.
ومعنى ذلك إذا أمنوا من اشتغال بالهم في بيوتهم بغير صلاتهم، وأما إذا لم يأمنوا ذلك فالصلاة في المسجد أفضل لهم، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ركع ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه» . وإنما كانت صلاة النافلة للغرباء في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل منها لهم في بيوتهم بخلاف المقيمين؛ لأن الصلاة إنما كانت أفضل في البيوت منها في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي جميع المساجد من أجل فضل عمل السر على عمل العلانية، قال الله

عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] . قال النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله» ، فذكر فيهم: " من ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ومن تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". والغرباء لا يعرفون في البلد ولا يذكرون بصلاتهم في المسجد، فلما لم تكن لصلاتهم في بيوتهم مزية من ناحية السر وجب أن تكون صلاتهم في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل لما جاء من: «أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» . فعلى هذا تتفق الروايات ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف.
ووجه استحباب مالك للذي يصلي الليل في بيته أن يرفع صوته بالقرآن ليشيع الأمر ويعلو ويكثر فيرتفع عنه الرياء، ويحصل بفعله الاقتداء، فيحصل له أجر من اقتدى به، وذلك من الفعل الحسن لمن صحت نيته في ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: البيتوتة في المسجد

مسألة وسئل عن البيتوتة في المسجد، فقال: أما من كان له منزل؛ فإني أكره له ذلك، وأما من ليس له منزل والضيفان فلا أرى بذلك بأسا.

قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى في هذا الرسم وفي أول الرسم الذي قبله فلا معنى لإعادة القول فيه.

مسألة: المرأة إذا كان عليها الخضاب وهي طاهرة أتصلي به

مسألة وسئل عن المرأة إذا كان عليها الخضاب وهي طاهرة أتصلي به؟ قال: غيره أحسن منه.
قال ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك لا بأس به وأنا لا أرى به بأسا إذا كانت على وضوء.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الخضاب على يديها أو على رجليها وقد ربطت عليه بالخرق، فلذلك لم ير به بأسا، ثم رأى غيره أحسن منه، واختيار ابن القاسم أنه لا بأس به إذا كانت على وضوء، يريد أنها لو لم تكن على وضوء لم يجز لها أن تمسح على خضابها وتصلي.
واختلف إذا لبست على خضابها خفين؛ وهي غير طاهرة لتقيه بذلك، فروى مطرف عن مالك أنه لا يجوز لها أن تمسح عليهما، وقد قيل: إنه يجوز المسح، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي.
وقال مالك في المدونة: لا يعجبني، فهي ثلاثة أقوال: المنع والإباحة والكراهة.
وأما إذا كان الخضاب على يديها وقد ربطت عليه فلا ينبغي لها أن تصلي به حتى تنزعه قولا واحدا، يبين هذا ما يأتي في رسم "البز" أن الرجل إذا حضرته الصلاة وعليه الأصابع والمضرية؛ وهو يرمي أنه ينتعهما، وكذلك يصلي إلا أن يكون في حرب ويخاف أن يطول ذلك به لأن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، وبالله التوفيق.

مسألة: صلاة أهل مكة ووقوفهم في السقائف للظل لموضع الحر

مسألة وسئل مالك عن صلاة أهل مكة ووقوفهم في السقائف للظل لموضع الحر، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
فقيل له: فأهل المدينة ووقوفهم في الشق الأيمن من مسجدهم وتنقطع صفوفهم في الشق

الأيسر، قال أرجو أن يكون واسعا لموضع الشمس.
ثم قال: كان رجل يحمل بطحاء ليسجد عليها، فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم.
ويسجد على ثوبه أحب إلي من أن يحمل بطحاء يضعها يسجد عليها.
قال محمد بن رشد: خفف انقطاع الصفوف لضرورة الشمس؛ لأن التراص في صفوف الصلاة مستحب.
وهذا نحو قوله في المدونة: إنه لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد، وهو بين أن قوله فيها لا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام في الصف ولا تلصق بالطائفة التي عن يمين الإمام، معناه لا بأس بالفعل إذا وقع لا أن ذلك يجوز ابتداء من غير كراهة، والله أعلم.
والبطحاء التراب، فكره وضعها في المسجد وحملها من موضع منه إلى غيره لما في ذلك من حفر المساجد وتغيير سطوحها، ورأى السجود على ثوبه أخف من ذلك، وهو كما قاله: وسيأتي في رسم "المحرم" التكلم على المصلي وحده في السقائف أو مع غيره إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.

مسألة: حكم أبوال الأنعام

مسألة وسئل مالك عن أبوال الأنعام، قال: أبوالها خفيف قيل له: فالظبي من الأنعام؟ قال: لا، إنما الأنعام الإبل والبقر والغنم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: 143] ، قال الظبي ليس من الأنعام ولا أرى أن يتقرب إلى الله عز وجل بشيء منها، يريد في الضحايا والعقائق وما أشبه ذلك من سنن الإسلام.
قال محمد بن رشد: أما أبوال الأنعام فلم يختلف قول مالك أنها طاهرة، ووقع في سماع أشهب من كتاب الجامع أنه فرق بين أبوال الأنعام

وبين أبوال ما يؤكل لحمه من غيرها.
وتأول ابن لبابة أنه إنما فرق بين ذلك في إجازة التداوي بشربها لا في نجاستها، للحديث الذي جاء في إجازة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشرب أبوال الإبل للرهط الغربيين الذين قدموا على النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فاستوخموا المدينة.
والمشهور من قول مالك في المدونة وغيرها المساواة بين أبوال الأنعام وبين أبوال ما يؤكل لحمه من غيرها، والذي في هذه الرواية محتمل، ودليلها إجازة الضحايا والعقائق بجميع الأنعام، وهو ظاهر ما في سماع أشهب من كتاب الضحايا خلاف ما في سماع يحيى من كتاب العقيقة لمالك أن العقيقة لا يجزئ فيها إلا الغنم.

مسألة: الرجل يسلم التسليمة الأولى قبل تسليمة الإمام الثانية

مسألة وسئل مالك عن الرجل يسمع تسليم الإمام فيسلم تسليمة واحدة ثم يسلم الرجل ثم يسمعه يسلم الأخرى، قال: أرى أن يسلم أخرى.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في سلام المأموم والفذ، فكان يقول: إنهما يسلمان تسليمتين ثم يرد المأموم منهما على الإمام، ثم رجع إلى أنهما يسلمان تسليمة واحدة ثم يرد المأموم منهما على الإمام، والقولان قائمان في المدونة.
وفي رسم "المحرم" بعد هذا أن المنفرد لا بأس أن يسلم تسليمتين، وأما الإمام فقال فيه: ما أدركت الأئمة إلا على تسليمة واحدة، زاد في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وإنما أحدث تسليمتين منذ كانت بنو هاشم.
وقوله في هذه الرواية يأتي على قول مالك الثاني؛ لأنه لم ير أن يسلم تسليمة أخرى اتباعا للإمام، وهو نحو ما في رسم "نذر سنة" من أنه إذا فاته من صلاة الإمام شيء لا يقوم إلى قضائه حتى يفرغ الإمام من سلامه كله.

مسألة: السيجان الإبريسمية وقياسها حرير والملاحف التي يكون لها العلم الحرير

مسألة وسئل عن السيجان الابريسمية وقياسها حرير، والملاحف التي يكون لها العلم الحرير قدر الأصبعين، أيلبس ذلك؟ قال: ما أحب ذلك وما يعجبني لنفسي ولا أراه حراما.
قال محمد بن رشد: المحرم على الرجل لباسه هو الثوب المصمت الخالص من الحرير، وأما ما كان من ثياب الحرير مشوبا بغيره من قطن أو كتان أو صوف فليس بحرام، أجازه ابن عباس، وكرهه ابن عمر، وبكراهية لباسه أخذ مالك هذا قوله هنا وفي الحج الثاني من المدونة وفي غير ما موضع.
وأجاز ابن حبيب الخز من ذلك خاصة، وكره ما سواه، اتباعا لمن استجاز لباس الخز من السلف، وليس قوله بقياس.
وأما العلم الحرير فكرهه مالك أيضا وأجازه جماعة من السلف وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه.
على قدر الإصبع والإصبعين والثلاثة والأربعة، وقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وبالله التوفيق.

: طول السجود في النافلة في المسجد

ومن كتاب قطع الشجر مسألة قال ابن القاسم: سئل مالك عن طول السجود في النافلة في المسجد، قال أكره ذلك وأكره الشهرة.
قال محمد بن رشد: وجه كراهيته لذلك ما يخشى أن يدخل على فاعل ذلك مما تفسد به نيته.
وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن الزيت تقع فيه الفارة فيطبخ صابونا، أترى أن يباع

وأن يغسل بذلك الصابون؟ فقال إني أكره ذلك وما يعجبني.
قال: وينتصح على الناس عند غسلهم [فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: كره في هذه الرواية بيعه ثم قال] : وينتصح على الناس عند غسلهم، فكأنه علل الكراهة بذلك.
فعلى تعليله لو بين لجاز البيع.
والذي يأتي على المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن البيع لا يجوز، وهو قول جميع أصحاب مالك حاشا ابن وهب.
وأما غسل الثوب به فجائز على مذهبه، وهو قول سحنون نصا في سماعه من كتاب الوضوء، وقول جميع أصحاب مالك حاشا ابن الماجشون.

مسألة: الأكل في المسجد

مسألة وسئل عن الأكل في المسجد فقال: أما الشيء الخفيف مثل السويق والطعام اليسير فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام مثل الألوان واللحم فما يعجبني ذلك، فمن الناس من يشتد عليه الصيام، ليس كل الناس في الصيام سواء.
أما الرجل الضعيف وما أشبهه فأرجو إذا كان الشيء الخفيف فلا بأس به.
فقيل له: فرحاب المسجد؟ قال لا الرحاب من المسجد للطعام الكثير فلا يعجبني، وكره أكل الإمام الطعام في المسجد.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في رسم "شك" وفي أول رسم "سلعة سماها " فلا معنى لإعادته.

مسألة: يضع يده في الأرض عند سجوده لمكان عنان فرسه

مسألة وسئل عن الخيل الحصن ينزل أهلها للصلاة فلا يستطيعون

أن ينضموا لموضع تحصن خيلهم فيصلون أفرادا وإمامهم أمامهم، قال: لا بأس بذلك.
فقيل له: فإن الرجل ربما فزع إلى فرسه ونسي رسنه فلا يجد بدا من أن يمسك عنان فرسه ولا يستطيع أن يضع يده على الأرض، قال أرجوه أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: أما إجازته لصلاتهم متفرقين مأتمين بإمامهم من أجل تحصن خيلهم فصحيح، وأما تخفيفه ألا يضع يده في الأرض عند سجوده لمكان عنان فرسه فوجه ذلك الضرورة الداعية إليه إذا لم يجد بدا من ذلك كما قال، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السجود على سبعة آراب» ، وهذا مثل ما في آخر سماع موسى، وهو أحسن مما يأتي في رسم " اغتسل "؛ لأنه قال فيه أرجو أن يكون في سعة ولا أحب له أن يتعمد ذلك.

مسألة: أهل أدنة وما أشبهها من المسالح أترى أن يصلوا الجمعة

مسألة وسئل مالك عن أهل أدنة وما أشبهها من المسالح، أترى أن يصلوا الجمعة؟ قال: إن كانوا في قرى فأرى أن يصلوا، فإنما الجمعة على أهل القرى، فإن كانوا في قرية ولهم عدد فأرى أن يصلوا.

قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم "أوله صلى نهارا ثلاث ركعات"، وهو معلوم من مذهب مالك أن الجمعة تجب على أهل القرى المتصلة البنيان إذا كان لهم العدد، أعني لأهل القرية دون المقيمين للرباط، ولم يحد في ذلك حدا على مذهبه في كراهية الحد في الأشياء، وحد ابن حبيب في ذلك الثلاثين، كما تجب على أهل الأمصار خلاف ما يذهب إليه أهل العراق أن الجمعة لا تجب إلا في مصر جامع.

مسألة: حكم تزويق المساجد

مسألة وحدثنا سحنون عن ابن القاسم عن مالك «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل في نعليه شراكين جددين فأمر أن ينزعا وأن يرد فيهما الخلقتين اللتين كانتا فيهما فقيل له: لم يا رسول الله فقال إني نظرت إليهما في الصلاة» قال مالك: ولقد كره الناس تزويق المسجد حين جعل بالذهب والفسيفساء، وأول ذلك مما يشغل الناس في صلاتهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في كراهية تزويق المسجد.
ومن هذا المعنى كره تزيين المصاحف بالخواتم، وقد مضى ذلك في رسم "سلعة سماها "، وكره في أول سماع موسى أن يكتب في قبلة المسجد بالصبغ آية الكرسي أو غير ذلك من القرآن لهذه العلة.
ولابن نافع وابن وهب في المبسوطة إجازة تزيين المساجد وتزويقها بالشيء الخفيف ومثل الكتاب في قبلتها، ما لم يكثر ذلك حتى يكون مما نهي عنه من زخرفة المساجد.

مسألة: كيفية صلاة الجالس

مسألة وسئل عن صلاة الجالس، فقال متربعا فإذا أراد أن يسجد

ثنى رجليه، قيل له: فالمحمل؟ قال متربع مثل الجالس، فقيل له يثني رجليه عند السجود؟ قال إن صاحب المحمل يشق عليه أن يثني رجليه، فإن لم يشق عليه فليفعل ذلك، ولكن أخشى أن يشق عليه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وهو أمر لا اختلاف فيه، في المذهب أن الاختيار للمصلي جالسا في النافلة أن يكون متربعا، وأن الذي لا يقدر على القيام في صلاته يصلي متربعا.
وقد روي عن عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنها قالت: «رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى متربعا» ، وما روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، يحتمل أن يكون معناه على التربع في موضع الجلوس.
ومن أهل العلم من ذهب إلى العاجز عن القيام في صلاته يجلس بدلا من قيامه كجلوسه في تشهده، وهو قول زفر وما ذهب إليه الجمهور، وهو القياس، أن يفرق بين القعود الذي هو بدل من القيام، وبين القعود الذي هو للتشهد.
وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع» وهذا يدل على نقصان صلاة القاعد في النافلة متربعا عن صلاته غير متربع، إلا أنه حديث ليس بالصحيح.

الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في النوافل

ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النوافل،

أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ قال مالك: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "شك" فلا فائدة في تكريره.

مسألة: الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل ينظر ما يكون من شأن الميت

مسألة وقال مالك في الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل من إخوانه ينظر في أمره مما يكون من شأن الميت، قال مالك: ما أرى بذلك بأسا أن يتخلف في أمره، ورآه سهلا.
قال محمد بن رشد: شهود الجمعة فرض واجب على الرجال الأحرار البالغين، فلا يحل لأحد منهم التخلف عنها إلا من عذر أو علة، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه» . فمن العذر عند مالك ما ذكره من الاشتغال بشأن الميت، ومعناه إذا لم يكن له من يكفيه أمره وخاف عليه التغيير، وكذلك إذا كان في الموت يجود بنفسه يجوز له التخلف عنها بسببه قاله مالك بعد هذا.
وقد روي أن عبد الله بن عمر استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة وهو على الخروج إليها، فتركها وخرج إليه بالعقيق.

مسألة: النداء الذي يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة

مسألة وسئل مالك عن أي النداء يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة؟ قال النداء الذي ينادى به والإمام جالس على المنبر، فإذا أذن تلك الساعة رفعت الأسواق فلم يبع فيه عبد ولا غيره.

قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة متكررة في رسم "نذر سنة" وفي رسم "العارية" من سماع عيسى، وهي مثل ما في المدونة وغيرها، لقول الله عز وجل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] . قوله فلم يبع فيها عبد ولا غيره، يريد أن الأسواق يمنع أن يتبايع فيها العبيد أو غيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة، كما يمنع من ذلك من تجب عليه للذريعة، فإن باع فيها من لا تجب عليه الجمعة لم يفسخ بيعه.
وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد والنساء والمسافرين وأهل السجون والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم، فإن باع منهم من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه فسخ بيعه، كما يفسخ بيع من تجب عليه ممن لا تجب عليه ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن، وقيل إنها ترد إلى القيمة وقت البيع، وقيل بعد أن تحل الصلاة، وقيل إن البيع لا يفسخ وإن كانت السلعة قائمة وقد باء المتبايعان بالإثم ويتصدق البائع بالربح، وقيل ليس ذلك عليه.

مسألة: التكبير أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات

مسألة وسئل مالك عن التكبير، أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات؟ قال نعم.
فقيل له: أفرأيت الناس في الآفاق، أترى أن يكبروا كذلك؟ قال إن كبروا لم أر بذلك بأسا، فأما الذين أدركت والذين أقتدي بهم فلم أرهم يكبرون إلا خلف الصلوات.
علي بن زياد عن مالك في التكبير بعد الصلوات في أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولم يحد فيها مالك ثلاثا إلا أنا نستحسن ثلاثا، ولو زاد أحد أو نقص من ثلاثة لم أر به بأسا.

قال محمد بن رشد: مثل هذا كله في المدونة، إلا أن التحديد في رواية علي بن زياد وقع فيها من قول مالك، وهنا من قول علي بن زياد.
واستحب ابن حبيب التهليل والتحميد مع التكبير، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، وذلك كله واسع.

مسألة: الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء

مسألة وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء، فكره ذلك، فقيل له فإن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع إليه الناس ويكبرون، قال ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: كره مالك هذا وإن كان الدعاء حسنا وأفضله يوم عرفة؛ لأن الاجتماع لذلك بدعة.
وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» ، وسيأتي هذا المعنى متكررا في رسم "صلى نهارا ".

مسألة: الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع

مسألة وسئل مالك عن الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع، فقنت معهم ثم صلى، قال: هذا لم يدرك من الصلاة شيئا وعليه القنوت، ولم يره مثل من أدرك معهم ركعة فقنت، ذلك القنوت مجزئ عنه ولا يقنت في الأخرى.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح؛ لأنه إذا لم يدرك الركوع من الركعة الثانية فلا يعتد بالقنوت كما لا يعتد بما أدرك من السجود.
وأما إذا

ركع الركوع من الركعة الثانية فلا يقنت في الركعة التي يقضي، كان الإمام ممن يقنت بعد الركوع فقنت معه أو ممن يقنت قبل الركوع فلم يدركه معه، وهذا على القول بأن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، وأما على القول بأن ذلك أول صلاته وعلى مذهب أشهب الذي يقول إنه بان في القراءة وصفة القيام والجلوس، فعليه أن يقضي القنوت أدركه مع الإمام أو لم يدركه، والله أعلم.

مسألة: النفر يكونون في المسجد يقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا

مسألة وسئل مالك عن النفر يكونون في المسجد فيخف أهل المسجد فيقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال إنما هذا يشبه الغناء.
فقيل له: أفرأيت الذي قال عمر لأبي موسى: ذكرنا ربنا، قال من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، ووالله ما سمعت هذا قط قبل هذا المجلس، وكره القراءة بالألحان وقال هذا عندي يشبه الغناء، ولا أحب أن يعمل بذلك، وقال إنما اتخذوها يأكلون بها ويكسبون عليها.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - للقوم أن يقولوا للحسن الصوت: اقرأ علينا إذا أرادوا بذلك حسن صوته كما قال، لا إذا قالوا ذلك له استدعاء لرقة قلوبهم بسماع قراءته الحسنة، فقد روي أن رسول الله، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» ، أي ما استمع لشيء مما استمع لنبي يحسن صوته بالقرآن طلبا لرقة قلبه بذلك.
وقد كان عمر بن الخطاب إذا رأى أبا موسى الأشعري قال: ذكرنا ربنا فيقرأ

عنده، وكان حسن الصوت، فلم يكن عمر ليقصد الالتذاذ بسماع صوته، وإنما استدعى رقة قلبه بسماع قراءته القرآن، وهذا لا بأس به إن صح من فاعله على هذا الوجه.
وقول مالك: إن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، إنما اتقى أن يكون التحدث بما روي عن عمر بن الخطاب من هذا ذريعة لاستجازة القرآن بالألحان ابتغاء سماع الأصوات الحسان والالتذاذ بذلك حتى يقصد أن يقدم الرجل للإمامة لحسن صوته لا لما سوى ذلك مما يرغب في إمامته من أجله.
فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «بادروا بالموت ستا» فذكرها أحدها بشر يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها، فالتحذير إنما وقع في الحديث لإيثارهم تقديم الحسن الصوت على الكثير الفقه، فلو كان رجلان مستويين في الفضل والفقه وأحدهما أحسن صوتا بالقراءة لما كان مكروها أن يقدم الأحسن صوتا بالقرآن؛ لأنها مزية زائدة محمودة خصه الله بها.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي موسى الأشعري تغبيطا له بما وهبه الله من حسن الصوت: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» . وأما ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، فقيل معناه من لم يستغن به، أي من لم ير أنه به أفضل حالا من الغني بغناه، وقيل معناه من لم يحسن صوته بالقرآن استدعاء لرقة قلبه بذلك.
وقد قيل لابن أبي مليكة أحد رواة الحديث فمن لم يكن له حلق يحسنه، قال يحسنه ما استطاع.
والتأويل الأول أولى؛ لأن

قوله في الحديث «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» يدل على أن من لم يفعل ذلك فهو مذموم، وليس من قرأ القرآن ابتغاء ثواب الله عز وجل من غير أن يحسن صوته به مذموما على فعله، وبالله التوفيق.

مسألة: الغلمان في الكتاب أيصلي بهم بعضهم ولم يحتلم

مسألة وسئل مالك عن الغلمان في الكتاب، أيصلي بهم بعضهم ولم يحتلم؟ فقال: ما زال ذلك من فعل الصبيان وخففه، فقيل له: فالنساء في قيام رمضان؟ فقال: إن النساء ليفعلن ذلك، وغير ذلك أعجب إلي أن يقدموا المحتلم أو العبد.
قال محمد بن رشد: إنما خفف للغلمان أن يأتموا بالغلام، وكره ذلك للنساء في النافلة وإن كانت الصلاة للغلمان نافلة؛ لأن الغلمان غير مكلفين فلم يلزمهم انتقاء من يأتمون به، وإن كان ائتمامهم بالبالغ الذي تلزمه المحافظة على الطهارة والنية أولى بهم، والنساء مكلفات داخلات في عموم قول النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون» ، فمن النظر لهن أن لا يأتممن في صلاتهن النافلة بمن لم يحتلم إذ لا يأمن أن يصلي بهن بغير طهارة، إذ لا حرج عليه في ذلك.
ألا ترى إلى شهادته إذا ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور إذ لا حرج عليه في ذلك.

مسألة: اشتمال الصماء في الصلاة

مسألة وسئل مالك عن الصماء كيف هي؟ قال: يشتمل الرجل ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار، فقيل له: أفرأيت إن لبس هكذا وعليه إزار؟ قال لا بأس بذلك.
قال ابن القاسم: ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار.
قال

ابن القاسم: وتركه أحب إلى للحديث، ولست أراه ضيقا إن كان عليه إزار.
قال محمد بن رشد: القول الأول هو القياس؛ لأن الحكم إذا ثبت لعلة وجب أن يزول الحكم بزوال العلة.
ووجه القول الثاني مخافة الذرائع ولئلا يرى الجاهل الذي لا يعلم علة نهي النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، عن اشتمال الصماء ما هي، فيرى العالم يشتمل الصماء على ثوب فيشتملها على غير ثوب.

مسألة: الرجل يقرأ للناس في المسجد فيمر بسجدة فيسجد أترى أن يسجدوا

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد إليه النفر إبان الصلاة فيقرأ لهم فيمر بسجدة فيسجد، أترى أن يسجدوا؟ قال لا أحب له أن يسجد ولا يسجدوا معه، وأرى أن ينهى عن ذلك، فإن أبى أن ينتهي وإلا لم يقعد إليه.
فقيل له فإنهم جلسوا إليه وشأنهم القرآن فلا يسجدون إذا مروا بسجدة إذا سجد؟ فقال أما أنا فلم أكن أفعل ذلك ولا أحب لأحد أن يفعله.
قال محمد بن رشد: قوله في إبان الصلاة، أي في وقت تحل فيه الصلاة.
وجلوس القوم إلى الرجل الذي يقرأ القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يجلسوا إليه للتعليم، فهذا جائز أن يجلسوا إليه وواجب أن يسجدوا بسجوده إذا مر بسجدة فسجد فيها، واختلف إن لم يسجد فيها، فقيل إنهم يسجدون وإن لم يسجد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل إنه لا سجود عليهم إذا لم يسجد، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، ومثله في الأثر الواقع في المدونة.
وقد اختلف في المقرئ الذي يقرأ عليه القرآن، فقيل إنه يسجد بسجود القارئ إذا كان بالغا في أول ما يمر بسجدة، وليس عليه السجود فيما بعد ذلك، وقيل ليس ذلك عليه بحال.
والثاني أن يجلسوا

إليه ليستمعوا قراءته ابتغاء الثواب في استماع القرآن، فهذا جائز أن يجلسوا إليه، ويختلف أن يجب عليهم أن يسجدوا بسجوده إذا مر بسجدة فسجد، فقال في آخر هذه الرواية إنهم لا يسجدون بسجوده، وقال ابن حبيب إنهم يسجدون بسجوده إلا أن يكون من لا يصح أن يأتم به من امرأة أو صبي.
والذي في المدونة محتمل للتأويل، والأظهر منها أنهم لا يسجدون بسجوده مثل هذه الرواية.
والثالث أن يجلسوا إليه ليقرأ ويسجد بهم، فهذا يكره أن يجلسوا إليه وأن يسجدوا بسجوده، وهو معنى قوله في أول هذه الرواية ونص قوله في المدونة.

مسألة: الرجل يدخل في رمضان وقد صلى الناس ركعة من الركعتين الأوليين

مسألة قال: وسئل عن الرجل يدخل في رمضان وقد صلى الناس ركعة من الركعتين الأوليين من التسليمة، كيف يصنع إذا سلم الإمام من الركعة الثانية؟ قال: لا يسلم وليدخل معهم في الركعة الثالثة بإحرامهم فإذا فرغوا من الركعة قعد فتشهد ثم سلم ثم قام معهم فأدركهم في صلاتهم، فإذا فرغ الإمام قام فصلى الركعة الأخرى وهي الرابعة.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه يدخل معهم لركعته الثانية التي فاتته في ركعتهم الثالثة التي ابتدءوا بها مؤتما بهم فيها، وقد نص على ذلك ابن حبيب عن ابن القاسم، وهو بعيد؛ لأنه يصير مؤتما بهم في الثالثة التي يدخل فيها معهم وهو قد أحرم قبلهم ثم يسلم من صلاته أيضا قبلهم، وهذا خلاف سنة الائتمام بالإمام في الصلاة، إلا أنه نحو ما كان من فعل أبي بكر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إذا صلى بالناس في مرض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي، استأخر فجلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر

إذا قلنا إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان الإمام في تلك الصلاة على ما يدل عليه ما وقع في البخاري من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان عن يسار أبي بكر؛ لأن أبا بكر قد عاد مؤتما به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بقية الصلاة وقد أحرم قبله فيها، فهذا نحو ظاهر هذه الرواية وما حكى ابن حبيب عن ابن القاسم.
وقد قيل إن أبا بكر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لم يخرج عن إمامته في هذه الصلاة وإنه كان الإمام فيها بالنبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وهو الصحيح في النظر.
ويصح أن يتأول عليه ما في الأثر والذي في سماع أشهب مخالف لظاهر هذه الرواية، وذلك أنه قال فيها: يقضي لنفسه الركعة التي فاتته ويتوخى أن يكون قيامه موافقا لقيامهم وركوعه موافقا لركوعهم وسجوده موافقا لسجودهم من غير أن يأتم بهم فيها، وهو أحسن وأصح في المعنى والنظر.
وسحنون وابن عبد الحكم يقولان: إنه يقضي لنفسه الركعة التي فاتته ويخفف فيها ثم يدخل مع الإمام، وهذا أولى ما قيل في هذه المسألة، والله أعلم.

مسألة: الرجل يكون مع صاحبه فيمرض مرضا شديدا أيدع الجمعة

مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون مع صاحبه فيمرض مرضا، شديدا، أيدع الجمعة؟ قال لا إلا أن يكون في الموت.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في أول هذا الرسم فلا وجه لإعادته.

مسألة: الذي يكون في المسجد فتقام الصلاة أيقيم الصلاة في نفسه

مسألة قال: وسئل عن الذي يكون في المسجد فتقام الصلاة، أيقيم الصلاة في نفسه، قال لا، قيل له: ففعل؟ قال: هذا مخالف.
قال محمد بن رشد: قوله هذا مخالف، أي مخالف للسنة؛ لأن السنة أن يقيم المؤذن الصلاة دون الإمام والناس، بدليل ما روي أن رسول

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وحانت الصلاة جاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم.
وإنما الذي يجب للناس في حال الإقامة أن يدعوا لأنها ساعة الدعاء، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء والصف في سبيل الله عز وجل» .

مسألة: حكم صلاة من يمر تحت السقائف فيقع عليه ماء

مسألة قال: وسئل مالك عن الذي يمر تحت السقائف فيقع عليه ماء، قال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب الوضوء، وزاد فيها من سماع عيسى منه زيادة فيها تفسير.

مسألة: يصلي في السقائف وبينه وبين الإمام والصفوف فضاء

مسألة وسئل عن الذي يصلي في السقائف وبينه وبين الإمام والصفوف فضاء مثل ما يصيب الناس في مكة من الحر، قال: أما من خاف حر الشمس ولم يقو عليه فلا أرى به بأسا، والفضل في التقدم.
قال محمد بن رشد: استخف ترك تقدمه إلى الصفوف لضرورة حر الشمس، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لجازت صلاته إن كان معه غيره باتفاق، وإن لم يكن معه غيره على اختلاف، وقد مضت العلة في ذلك في أول رسم "شك في طوافه ".

مسألة: الرجل يبطن خفيه بدم الطحال

مسألة وسئل مالك عن الرجل يبطن خفيه بدم الطحال، قال لا أحبه، وكره أن يبطن به الخف.
قال سحنون: فإن صلى بها لم تكن عليه إعادة.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح؛ لأن الطحال قد خرج عن أن يكون دما بقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحلت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والحوت والجراد» ، فإنما الطحال طعام يكره أن يبطن به الخف لحرمته، كما يكره غسل اليد بشيء من الطعام.

مسألة: الرجل يكون في أرض خوف من اللصوص هل يجوز له أن يخفف صلاته

مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في أرض خوف من اللصوص، هل يجوز له أن يخفف صلاته؟ قال رب تخفيف لا ينقص من الصلاة، فأما أن ينقص من صلاته فلا.
قال محمد بن رشد: الذي يباح له من التخفيف أن ينقص من طول القيام والركوع والسجود والجلوس، وأقل ما يجزئه من القيام قدر ما يقرأ فيه أم القرآن، ومن الركوع والسجود أن يتمكن راكعا وساجدا، ومن الجلوس مثل ذلك، فإن نقص من شيء من ذلك بطلت صلاته، وإن لم يزد على هذا القدر فترك التشهد وما سوى أم القرآن من القراءة كان قد أساء ولم تجب عليه إعادة الصلاة إن كان قد اعتدل في القيام من الركوع والرفع من السجود، وإن كان لم يعتدل في ذلك أعاد، وقيل يستغفر الله ولا يعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه

مسألة وقال مالك: لا أحب لأحد أن يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه.
قال محمد بن رشد: معناه عندي إذا خشي إن ظفر به غرماؤه أن يبيعوا عليه ماله بالغا ما بلغ وينتصفوا منه ولا يؤخروه، وهو يرجو لتغيبه أن يتسع في بيع ماله إلى القدر الذي يجوز تأخيره إليه عند بعض العلماء.
وأما إن خشي أن يسجنه غرماؤه وهو عديم، فقال سحنون في كتاب ابنه: إنه لا عذر له في التخلف، وفي ذلك نظر؛ لأنه يعلم من باطن حاله ما لو تحقق لم يجب عليه سجن، لقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ، فهو مظلوم في الباطن محكوم عليه بحق في الظاهر.
وأما إن خشي أن يعتدي عليه الحاكم فيسجنه في غير موضع سجن أو يضربه أو يخشى أن يقتل فله أن يصلي في بيته ظهرا أربعا ولا يخرج.

مسألة: الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثة

مسألة وسئل عن الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثة، فكره ذلك وقال: لا أحب لباسها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدمت والقول فيها في آخر رسم "شك"، فلا فائدة في إعادة ذلك.

مسألة: الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد أيستحب ذلك

مسألة وسئل مالك عن الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد، أيستحب ذلك؟ قال إن كان قد بلغ موضع الأدب وعرف ذلك ولا يعبث في

المسجد فلا أرى بأسا، وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة مكشوف لا يفتقر إلى بيان، إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المساجد، قال الله عز وجل: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: 37] . وفي الحديث: «أن الناس كانوا إذا رأوا أول التمر جاؤوا به إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإذا أخذه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا بالبركة في التمر وللعام ثم يدعو أصغر ولد يراه فيعطيه إياه» . ومحمل أمره أنه كان في المسجد.
وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسمع بكاء الصبي في الصلاة فيتجوز في الصلاة مخافة أن تفتن أمه، وإلا فالكراهة في إدخالهم فيه إذا كانوا لا يقرون فيه ويعبثون؛ لأن المسجد ليس بموضع العبث واللعب، وبالله التوفيق.

مسألة: القراء الذين يقرؤون للناس

مسألة وسئل عن القراء الذين يقرؤون للناس عندنا، فكرهه وعابه وقال: ما كان يعمل هذا على عهد عمر بن الخطاب، ولا أرى هذا صوابا، ولو كان يقرأ واحد ويثبت من قرأ عليه ويفتي لم أر به بأسا، فأما أن يقرأ ذا ويقرأ ذا فلا يعجبني.
قال لي ابن القاسم: ثم خففه بعد ذلك وقال: لا بأس فيه، قال ابن القاسم: وهذا رأيي.

قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "سلعة سماها " موفى فليس لإعادة ذلك معنى.

مسألة: الإمام يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه حشمه ثم يسير أيقصر الصلاة

مسألة وسئل مالك عن أمير المدينة وخرج على مسيرة ثلاثة أميال من المدينة وهو يريد الإقامة به حتى يتكامل ظهره فيه ويأتي أكرياؤه بإبلهم ويجتمع إليه حشمه، أترى أن يقصر الصلاة؟ قال لا؛ لأن هذا لم يخرج يريد المسير، وإنما خرج ليقيم حتى تتكامل له حوائجه، فلا يقصر إلا من أجمع على المسير.
قال محمد بن رشد: قال مالك في هذه المسألة إن الإمام يتم، وقال في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات " بعد هذا في الذي يخرج من الفسطاط إلى بير عميرة وهو يقيم ثم اليوم واليومين مثل ما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس ويفرغوا إنه يقصر الصلاة.
والفرق عندي بين المسألتين أن الأمير إنما خرج ليقيم حتى يجمع حشمه ويأتي أكرياؤه قرب ذلك أو بعد، وحينئذ يسير، فوجب أن لا يقصر، إذ لم يعزم على المسير قبل أربعة أيام.
ولو خرج على أن يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه حشمه ويأتي أكرياؤه ثم يسير لوجب أن يقصر كما قال في مسألة جب عميرة، إذ قد عزم على أن يسير قبل أربعة أيام.
وقد كان بعض الشيوخ يفرق بينهما بأن الأمير لما كان لا يمكنه السفر إلا مع حشمه وقد لا يجتمع إليه حشمه، وجب أن يتم، ولما كان الخارج إلى جب عميرة يمكنه السفر وإن لم يجتمع الناس وجب أن يقصر، وليس هذا بصحيح، إذ المنفرد لا يمكنه السفر أيضا.
ومنهم من كان يحمل المسألتين على التعارض ويرى ذلك اختلافا من القول، ويقول الأمير كان أحق بالقصر من المسافر لأنه قادر على أن يجبر حشمه على الخروج معه، ولا يقدر المسافر على إخراج الناس معه، وليس ذلك أيضا بصحيح، إذ المعنى إنما

هو في عزمه على التحرك من المكان الذي تقدم إليه قبل أربعة أيام، لا على قدرته على جبر من يخرجه معه، بدليل أنه لو كان قادرا على أن يجبر من يخرج معه على الخروج بعد أربعة أيام من خروجه لوجب أن يتم ولم يصح له القصر، وإنما وجب أن يقصر إذا خرج على أن يتحرك من المكان الذي تقدم إليه مع من يجتمع من الأكرياء وإن كان لا يتأتى له السفر دونهم؛ لأن الغالب من أمرهم أنهم يخرجون إلى الميعاد الذي جرت عادتهم بالخروج إليه ولا يتأخرون عنه، وكون غلبة الظن كاليقين أصل في الشرع، وبالله التوفيق.

مسألة: أيحصب الرجل أحدا يوم الجمعة إذا تكلم والإمام يخطب

مسألة قال: وقيل لمالك أيحصب الرجل أحدا يوم الجمعة إذا تكلم والإمام يخطب؟ قال لا، وليقبل على شأنه.
قال محمد بن رشد: قد روى مالك في موطاه عن نافع أن عبد الله بن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة، فحصبهما أن اصمتا، فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله تعالى.

مسألة: التكبير في العيدين قرب الصلاة أيكبر بالطريق وفي قعوده

مسألة وسئل مالك عن التكبير في العيدين يغدو الرجل قبل الفجر أو بالغلس قرب الصلاة، أيكبر بالطريق وفي قعوده؟ قال مالك ليس يكون التكبير إلا قرب طلوع الشمس في الإسفار البين الذي يكون عند طلوعها، فيكبر الرجل تلك الساعة وفي المصلى حتى يخرج الإمام، فقيل له: التكبير في العيدين جميعا؟ قال: نعم.
قال سحنون: أخبرني علي بن زياد أنه لا تكبير إلا على من غدا بعد طلوع الشمس، وهي السنة، وقاله سعيد بن المسيب.

قال محمد بن رشد: الأصل في التكبير في الغدو إلى صلاة عيد الأضحى تكبير الحاج عند رمي جمرة العقبة، فهو الذي يتحرى، ولذلك قال مالك في رواية علي بن زياد عنه إنه لا تكبير إلا على من غدا بعد طلوع الشمس؛ لأنه وقت الاختيار في الرمي.
ومن أهل العلم من يرى أن الرمي لا يجزئ قبل طلوع الشمس، ورأى في رواية ابن القاسم عنه التكبير إذا غدا قرب طلوع الشمس أولى من تركه، لقرب ما بين الوقتين، ولجواز الرمي في ذلك الوقت عنده، وإن كان الاختيار أن يكون بعد طلوع الشمس.
والتكبير عند الغدو إلى صلاة عيد الفطر محمول على ذلك عند جميع من يرى التكبير من العلماء، وهم الجمهور، لقوله عز وجل: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] فيكبر عند مالك في العيدين إذا غدا إلى المصلى، وفي المصلى حتى يخرج الإمام.
فيكبر بتكبيره وقد قيل إنه يكبر في الطريق ولا يكبر في المصلى، وإلى هذا ذهب الطحاوي لأنه حكى عن ابن عمر وأبي قتادة أنهما كانا يكبران في غدوهما إلى المصلى حتى يأتيا المصلى، وحكي عن شعبة مولى ابن عباس قال.
كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون فيقول: ما.
شأن الناس أكبر الإمام؟ فأقول لا، فيقول أمجانين الناس؟ قال فيحمل إنكار ابن عباس التكبير على التكبير في المصلى حتى لا يختلف ما روي في ذلك عن الصحابة.
قال: وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه أنكر التكبير يوم الفطر وقال إنما يفعله الحواكون، قال وما رويناه عن سواه أولى.

الرجل يكون في الصلاة فيحول خاتمه في أصابعه أصبع أصبع للركوع في سهوه

ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل عن الرجل يكون في الصلاة فيحول خاتمه في أصابعه أصبع أصبع للركوع في سهوه، قال لا بأس بذلك وليس عليه فيه سهو، وإنما ذلك بمنزلة الذي يحسب بأصابعه لركوعه.

قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم له في أول رسم "شك " في الذي يحصي الآي بيديه في صلاته، فأجاز ذلك وإن كان الشغل اليسير مكروها في الصلاة؛ لأنه إنما قصد به إصلاح صلاته.
وقوله إنه ليس عليه فيه سهو، يريد أنه لا سجود عليه فيه صحيح لأنه لم يفعل ذلك ساهيا، ولو فعله ساهيا مثل أن ينسى أنه في صلاة، لتخرج إيجاب السجود عليه لذلك على قولين.

مسألة: الإمام يطيل القعود في اثنتين فسبح به أصحابه فقام أترى عليه سجود سهو

مسألة وسئل مالك عن الإمام إذا طول القعود في اثنتين فسبح به أصحابه فقام، أترى عليه سجود سهو؟ قال لا.
قال سحنون: إن طول القعود جدا حتى يخرجها عن حدها ينبغي أن يسجد.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هو الصواب؛ لأن تقصير الجلسة الوسطى من مستحبات الصلاة لا من سننها، ولا يجب السجود إلا في نقصان السنن لا في نقصان الاستحباب.
وكذلك يقول ابن القاسم أيضا: إنه لا سجود عليه إذا أطال القيام بعد الركوع أو الجلوس بين السجدتين، مثل أن يشك في شيء من صلاته فيثبت على حاله متفكرا فيما شك فيه حتى يذكر، قاله في سماع موسى، وأشعب يرى عليه في هذا السجود، بخلاف إذا كان ثبوته للتذكر في موضع شرع تطويله في الصلاة، فهو قول ثالث في المسألة أصح من قول ابن القاسم ومن قول سحنون؛ لأن ترك تطويل القيام بعد الركوع وفيما بين السجدتين من السنن لا من الاستحباب.

مسألة: الرجل يتنفل ويقول أخاف أن أكون ضيعت في حداثتي

مسألة وسئل مالك عن الرجل يتنفل ويقول: أخاف أن أكون ضيعت

في حداثتي فأنا أجعل هذا قضاء لتلك إن كنت فرطت، قال ما سمعت أحدا من أهل الفضل فعل هذا، وما هو من عمل الناس.
قال محمد بن رشد: وجه هذا السؤال ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن أتمها وإلا قيل أنظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» ، وهذا معناه والله أعلم فيمن سها عن فريضة ثم ذكرها فكان عليه أن يصليها ثم نسيها ولم يذكرها إلى أن مات، وأما من نسيها ولم يذكرها أصلا إلى أن توفي فلا يحاسب بها لقول النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ» الحديث، وأما من تركها عمدا أو نسيها ثم ذكرها فلم يصلها فلا تجزئه النافلة عنها؛ لأن الأعمال بالنيات، ولا تجزئ نافلة عن فريضة.
وكذلك إذا شك في أن يكون ضيع شيئا من صلواته لا تجعل نافلته قضاء مما شك فيه، بل ينبغي له أن يصلي بنية القضاء حتي يوقن أنه قد صلى أكثر مما ضيع، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يصلي فيما بين الأسطوانتين وبينه وبين سترته قدر مصلى صفين

مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيما بين الأسطوانتين، فيكون مقعده مستقبل القبلة، فيصلي في مجلسه وبينه وبين سترته قدر مصلى صفين، قال ليس ذلك بصواب أن يصلي كذلك.
قال والعلماء مختلفون، فمنهم من يقوى على أن يعظ الناس ومنهم من

لا يقوى على ذلك، وذكر ذلك في موعظة الذين يصلون إلى غير سترة أواجب هو؟ قال لا أدري ما واجب، ولكنه حسن.
قال محمد بن رشد: زيادته في الجواب قال: والعلماء مختلفون إلى آخر قوله، يدل على أنه سقط من السؤال ما تفتقر إليه هذه الزيادة، وأراه قال في سؤاله كما يفعل الناس فلا ينكر العلماء عليهم.
وقوله إن موعظة الذي يصلي إلى غير سترة حسن وليس بواجب صحيح؛ لأن وعظ من ترك الواجب واجب، ووعظ من ترك المستحب حسن، والصلاة إلى السترة من مستحبات الصلاة ليس من واجباتها.

مسألة: الرجل يصلي مع الإمام في رمضان الوتر فيوتر معه ثم يريد أن يصلي

مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي مع الإمام في رمضان الوتر فيوتر معه، فيريد أن يصلي وتره بركعة أخرى ويوتر هو بعد ذلك، قال لا، ولكن يسلم معه ويقوم فيصلي بعد ذلك لنفسه ما أحب، قال: قال لي مالك قبل ذلك: ويتأنى قليلا أعجب إلي.
قال محمد بن رشد.: وجه كراهيته للداخل مع الإمام في الوتر أن يشفع وتره، يريد وقد صلى بعد العتمة أشفاعا يوترها له هذا الوتر، قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» . وإذا لم يسلم بسلامه وشفع وتره فقد خالفه في أن ائتم به في شفع وهو في وتر.
وأما لو أوتر مع الإمام بعد أن صلى العتمة قبل أن يصلي نافلة لشفع وتره كما قال في المدونة: إذا أوتر معه قبل أن يصلي العتمة.
ومن أهل العلم من يقول: إن الوتر لا يكون إلا في آخر ما يصلى من النوافل، وأن من صلى نافلة بعد أن أوتر انتقض وتره وأوتر مرة أخرى، ومنهم من يقول: إذا أوتر أول الليل بعد أن صلى نافلة ثم أراد أن يصلي آخر الليل يشفع وتره بركعة ثم يصلي ما شاء

ويوتره مرة أخرى، وهذا القول مشهور في السلف ويسمونه مسألة نقض الوتر، ولهذا الاختلاف وقع هذا السؤال هاهنا.
وأما استحبابه إذا سلم معه أن يتأنى قليلا قبل أن يصلي فهو مثل ماله في المدونة، ووجهه مراعاة ما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر من صلى أن لا يتنفل حتى يتقدم أو يتكلم» ، وبالله التوفيق.

مسألة: الرقيق العجم يريدون أن يطعموا ويعلموا الإسلام والصلاة

مسألة وسئل مالك عن الرقيق العجم يشترون في رمضان وهم مقيمون في بلد فيريدون أن يطعموا ويعلموا الإسلام والصلاة، فيجيبوا إلى أن يصلوا كما يعلمون ويريدون الأكل فيخبرون بذلك ولا يفقهون ما يراد به منهم، أترى أن يجبروا على ذلك أم يطعموا؟ قال أرى أن يطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفق بهم حتى يعلموا ويعرفوا الإسلام.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأنهم إذا لم يفقهوا معنى ما يراد منهم فلا معنى لتجويعهم، إذ لا فائدة لصيامهم بغير نية، ولا تصح النية إلا ممن يفقه معناها.

مسألة: حكم جعل المقصورة في المسجد

مسألة قال مالك: إن أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، قال فجعل مقصورة من طين وجعل فيها تشبيكا.

قال محمد بن رشد: وجه قوله الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي ولا عهد الخلفاء بعده، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم، فاتخاذها في الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانا وتغلق أحيانا فالصف الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصف الأول هو اللاصق بجدار القبلة في داخلها.
روي عن مالك ذلك.
وقوله جعل فيها تشبيكا يريد تخريما يرى منه ركوع الناس فيها وسجودهم للاقتداء بهم.

مسألة: الرجل لا يدرك من الجمعة إلا التشهد أيركع ركعتين نافلة

مسألة وسئل مالك عن الرجل لا يدرك من الجمعة إلا التشهد فيقعد مع الإمام بتكبيرة فيتشهد ثم يسلم الإمام، أيركع ركعتين نافلة؟ أو يقوم يصلي أربعا؟ قال لم يتنفل استنكارا لذلك، ثم قال بل يصلي أربعا كما هو إذا سلم الإمام.
قال مالك: وأحب إلي أن يبتدئ بتكبيرة أخرى، ولو صلى بذلك التكبير أجزأ عنه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها؛ لأنه إذا أدرك الإمام في التشهد فإنه يحرم على أن يصلي أربعا؛ لأنه قد علم أن الجمعة قد فاتته، واستحبابه أن يبتدئ بتكبيرة أخرى هو مثل استحبابه في المدونة لمن دخل مع الإمام في التشهد الأخير أن يقوم بتكبير، وخلاف أصله فيمن أدرك من صلاة الإمام ركعة أو فاتته منها ركعة في غير المغرب أنه يقوم بغير تكبير.
ومن الناس من ذهب إلى أن يفرق بين الموضعين، وليس بصحيح.
وأما مسألة الاختلاف لو أدرك الإمام وقد رفع رأسه من الركوع فأحرم معه وهو يظن أنه في الركعة الأولى فإذا هو في الركعة الثانية، فقال مالك في كتاب ابن المواز: إنه يبني على إحرامه مع الإمام أربعا، واستحب أن يجدد إحراما آخر بعد سلام الإمام من غير أن يقطع.
ويأتي على قول

أشهب في أول سماع سحنون على رواية ابن وهب عن مالك في الذي يرعف يوم الجمعة قبل عقد ركعة أنه لا يبني على الإحرام، بخلاف من رعف في غير الجمعة قبل عقد ركعة أنه لا يبني على إحرامه في هذه المسألة؛ لأنه أحرم بنية الجمعة ركعتين.

مسألة: الرجل يدعو في الصلاة فيقول يا لله يا رحمان

مسألة وسئل عن الرجل يدعو في الصلاة فيقول: يا لله يا رحمان، قال: يقول يا رحمان، ثم قال واللهم أبين عندي.
فقيل له: يدعو بما دعت به الأنبياء؟ قال نعم، في كتاب الله تبارك وتعالى اللهم.
قال محمد بن رشد: قوله واللهم أبين عندي أي أحب إلي، لا أن إجازة الدعاء بيا رحمان غير بين، إذ لا اختلاف بين المسلمين أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى المختصة به.

مسألة: الفرجة يراها الرجل وأمامه صف أيشقه إليها

مسألة وسئل مالك عن الفرجة يراها الرجل وأمامه صف، أيشقه إليها؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا جائز لا بأس به كما قال، لما جاء من الترغيب في سد الفرج.

مسألة: الرجل يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة أيصلي قبل أن يغسل يديه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة، أترى أن يصلي قبل أن يغسل يديه؟ قال ليغسل يديه قبل أن يصلي أحب إلي.

قال محمد بن رشد: ما استحب مالك من غسل يديه قبل الصلاة من اللحم النيء كما استحبه لأن المروة - والنظافة مما شرع في الدين، وقد استحب في المدونة أن يتمضمض من اللبن [واللحم] ، ويغسل الغمد إذا أراد الصلاة، فكيف باللحم النيء.

مسألة: أفيقرأ المسافر في الظهر بسبح والمطففين

مسألة قال مالك: وقد كان ابن حزم يطيل القراءة في الظهر، فقيل له قدر كم؟ فقال: الكهف وما أشبهها، فقيل أفيقرأ المسافر بسبح وويل للمطففين، فإن الأكرياء يسرعون بهم؟ قال: لا بأس بذلك، فقيل له فإذا زلزلت وما أشبهها؟ قال هذه قصار جدا، كأنه يقول: لا.
فقال أصبغ: سألت ابن القاسم عن إمام مسجد عشيرة وما أشبهه يقرأ بقل هو الله أحد وما أشبهها في صلاة الصبح، قال الصلاة تامة.
قال سحنون: وقد أخبرني ابن وهب «عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما من القرآن شيء إلا وقد سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يؤم بالناس به» ، فلذلك رأيت أن يجزئ.
قال محمد بن رشد: التطويل في قراءة الصبح والظهر مستحب غير واجب، وهما سيان فيما يستحب فيهما من التطويل.
ألا ترى أنه استخف في المدونة للمسافر في الصبح من التخفيف القدر الذي استخفه له هاهنا في الظهر.
ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول قراءة من الثانية في الصبح والظهر، لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطيل أول ركعة من الظهر وأول ركعة من الغداة» ، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى الاختيار في الظهر دون

الصبح أن تكون الركعتان الأوليان متساويتين في القراءة، كما أن الركعتين الآخرتين متساويتان في القراءة.
ويستحب أن لا يقرأ في الصبح والظهر في مساجد الجماعات بدون طوال سور المفصل، ويقرأ في المغرب بقصارها، وفي العشاء الآخرة بوسطها.
واختلف في العصر فقيل هي والمغرب سيان في قدر القراءة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل إنها والعشاء الآخرة سيان فيما يستحب فيهما من قدر القراءة.
واختلف في حد المفصل فقيل إنه من الحجرات، وقيل إنه من سورة ق، وقيل إنه من سورة الرحمن، روي ذلك عن ابن مسعود، والصحيح قول من قال إنه من سورة ق؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصل مكي.
روي عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله على رسوله المفصل بمكة فكنا حججا نقرأ ولا ينزل غيره.
ومن الدليل على ذلك ما روي عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كيف كنتم تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة، وفي بعض الآثار كيف كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحزب القرآن فذكر نحوه؛ لأن القرآن يأتي على هذا سبعة أحزاب بعدد الأيام، المفصل منها حزب من أول سورة ق؛ ولأن الستة الأحزاب تتم إذا عدت السور بسورة الحجرات، ويحتمل أن تكون سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود بعد سورة الحجرات، فلذلك قال فيها إنها أول المفصل والله أعلم.
وأما جواز صلاة من لم يقرأ في الصبح إلا بقل هو الله أحد فهو إجماع.
ومن الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] . وقول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خراج» . وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي استدل به فلا دليل فيه، إذ ليس فيه أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يؤم الناس في الصبح بقل هو الله أحد، فالذي يحمل عليه أنه إنما سمعه يؤم الناس بها في المغرب، والله أعلم.

مسألة: الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه

مسألة وسمعت مالكا يقول: إن أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره، وقد كان مسمتا، فقيل له: أفعيب ذلك عليه؟ قال: قد قال سحنون: عيب ذلك عليه، وهذا مكروه من الفعل.
قال محمد بن رشد: قال سحنون: الرجل المسمت هو عباد بن كثير، ويروى مسبئا أي يسبأ الثناء عليه، فجائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في المدونة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على أحدهما دون الآخر؛ لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين الكرام، وكان من محدثات الأمور.
وأما الاعتماد على اليدين عند القيام من الجلسة الوسطى فمرة استحبه مالك وكره تركه، ومرة استحبه وخفف تركه، ومرة خير فيه، وسيأتي القول على هذا في رسم "باع غلاما "، وبالله التوفيق.

مسألة: الذي يقوم الليل أو جله فيأتي إلى صلاة الصبح وهو ناعس

مسألة وسئل مالك عن الذي يقوم الليل أو جله فيأتي إلى صلاة الصبح وهو ناعس، أفيستحب ذلك له؟ فقال: أما الذي يغلبه النوم

في صلاته فلا أحبه، فقيل له: إنه يصيبه النوم والنعاس، قال: أما النعاس والكسل والتكسير فلا بأس به ما لم يصبه نوم يغلبه في ذلك.
قال محمد بن رشد: أما قيام جل الليل إذا لم يوجب ذلك عليه أن يغلبه النوم في صلاة الصبح فذلك من المستحب المندوب إليه، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: 3] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 4] . واختلف قول مالك في قيام جميعه مع أن لا يوجب ذلك عليه أن يغلبه النوم في صلاة الصبح، فمرة أجازه لأن قيام الليل فعل بر فاستيفاء جميعه نهاية في ذلك، ومرة كرهه مخافة السآمة عليه والملل، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . ولما قيل له في الحولاء بنت تويت إنها لا تنام الليل كره ذلك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى عرفت الكراهية في وجهه وقال: «إن الله لا يمل حتى تملوا اكفلوا من العمل ما لكم به طاقة» . وقال، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، في الذي صام الدهر «لا صام ولا أفطر» . وقع اختلاف قوله في رسم "باع غلاما " بعد هذا.
وأما إذا كان إذا قام الليل لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب عليه فذلك مكروه له، قام الليل أو جله قولا واحدا، لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» . فيحصل بين أمرين: إما أن يصلي على هذه الحال التي قد نهي عن الصلاة فيها، أو يرقد فتفوته صلاة الصبح في جماعة.
وقد قال عثمان بن عفان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة، وذلك لا يقوله إلا عن توقيف، وبالله التوفيق.

القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة

ومن كتاب سن رسول الله قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس.
قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف؛ ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بين والله أعلم.
وقد مضى من هذا المعنى في رسم "سلعة سماها "، وتأتي المسألة متكررة في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى.

مسألة: علم الإمام أنه لا يستطيع أن يصلي قائما

مسألة وقال مالك: إذا علم الإمام أنه لا يستطيع أن يصلي قائما فليأمر غيره يصل بالناس، وليقعد، وليس من هيئة الناس اليوم أن يصلوا جلوسا.
قال مالك: لم يفعل ذلك أبو بكر ولا عمر بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما بلغنا، ولعل هذا شيء نسخ، والعمل على حديث ربيعة أن أبا بكر كان يصلي والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بصلاته.
وقال مالك عن ربيعة: ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
مسألة: الجمع بين المغرب والعشاء إذا جمعتا في المطرمسألة: ينصرف من منى إلى مكة وهو من أهلها فتدركه الصلاة قبل وصوله مكةمسألة: صلاة النوافل في البيوتمسألة: البيتوتة في المسجدمسألة: المرأة إذا كان عليها الخضاب وهي طاهرة أتصلي بهمسألة: صلاة أهل مكة ووقوفهم في السقائف للظل لموضع الحرمسألة: حكم أبوال الأنعاممسألة: الرجل يسلم التسليمة الأولى قبل تسليمة الإمام الثانيةمسألة: السيجان الإبريسمية وقياسها حرير والملاحف التي يكون لها العلم الحرير: طول السجود في النافلة في المسجدمسألة: الأكل في المسجدمسألة: يضع يده في الأرض عند سجوده لمكان عنان فرسهمسألة: أهل أدنة وما أشبهها من المسالح أترى أن يصلوا الجمعةمسألة: حكم تزويق المساجدمسألة: كيفية صلاة الجالسالصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في النوافلمسألة: الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل ينظر ما يكون من شأن الميتمسألة: النداء الذي يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعةمسألة: التكبير أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلواتمسألة: الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاءمسألة: الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوعمسألة: النفر يكونون في المسجد يقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينامسألة: الغلمان في الكتاب أيصلي بهم بعضهم ولم يحتلممسألة: اشتمال الصماء في الصلاةمسألة: الرجل يقرأ للناس في المسجد فيمر بسجدة فيسجد أترى أن يسجدوامسألة: الرجل يدخل في رمضان وقد صلى الناس ركعة من الركعتين الأوليينمسألة: الرجل يكون مع صاحبه فيمرض مرضا شديدا أيدع الجمعةمسألة: الذي يكون في المسجد فتقام الصلاة أيقيم الصلاة في نفسهمسألة: حكم صلاة من يمر تحت السقائف فيقع عليه ماءمسألة: يصلي في السقائف وبينه وبين الإمام والصفوف فضاءمسألة: الرجل يبطن خفيه بدم الطحالمسألة: الرجل يكون في أرض خوف من اللصوص هل يجوز له أن يخفف صلاتهمسألة: يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءهمسألة: الملاحف يكون فيها العلم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين والثلاثةمسألة: الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد أيستحب ذلكمسألة: القراء الذين يقرؤون للناسمسألة: الإمام يقيم اليوم واليومين حتى يجتمع إليه حشمه ثم يسير أيقصر الصلاةمسألة: أيحصب الرجل أحدا يوم الجمعة إذا تكلم والإمام يخطبمسألة: التكبير في العيدين قرب الصلاة أيكبر بالطريق وفي قعودهالرجل يكون في الصلاة فيحول خاتمه في أصابعه أصبع أصبع للركوع في سهوهمسألة: الإمام يطيل القعود في اثنتين فسبح به أصحابه فقام أترى عليه سجود سهومسألة: الرجل يتنفل ويقول أخاف أن أكون ضيعت في حداثتيمسألة: الرجل يصلي فيما بين الأسطوانتين وبينه وبين سترته قدر مصلى صفينمسألة: الرجل يصلي مع الإمام في رمضان الوتر فيوتر معه ثم يريد أن يصليمسألة: الرقيق العجم يريدون أن يطعموا ويعلموا الإسلام والصلاةمسألة: حكم جعل المقصورة في المسجدمسألة: الرجل لا يدرك من الجمعة إلا التشهد أيركع ركعتين نافلةمسألة: الرجل يدعو في الصلاة فيقول يا لله يا رحمانمسألة: الفرجة يراها الرجل وأمامه صف أيشقه إليهامسألة: الرجل يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة أيصلي قبل أن يغسل يديهمسألة: أفيقرأ المسافر في الظهر بسبح والمطففينمسألة: الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليهمسألة: الذي يقوم الليل أو جله فيأتي إلى صلاة الصبح وهو ناعسالقوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدةمسألة: علم الإمام أنه لا يستطيع أن يصلي قائما
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل