البيان والتحصيلصفحات 219-258
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الأول

صفحات 219-258
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

معنى الخشوع في الصلاة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الصلاة الأول من سماع ابن القاسم من كتاب القبلة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول في تفسير ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] قال الإقبال عليها والخشوع فيها.
قال محمد بن رشد: الخشوع في الصلاة هو التذلل لله فيها، والاستكانة والخضوع بالخوف الحاصل في قلب المصلي باستشعاره الوقوف بين يدي خالقه في صلاته ومناجاته إياه فيها، فمن قدر الأمر حق قدره، ولم يفارق الخوف قلبه، خشع في صلاته، وأقبل عليها، ولم يشغل سره بسواها، وسكنت جوارحه فيها، ولم يعبث بيده ولا التفت إلى شيء من الأشياء بعينه، وتوجهت المدحة من الله تعالى إليه على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] . وقد روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبصر رجلا يصلي وهو يعبث بلحيته في صلاته، فقال: «لم يخشع هذا في صلاته، ولو خشع لخشعت جوارحه» ، ثم قال: «تفقهوا واسكنوا في صلاتكم» . وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من عمل النبوءة الاستكانة في الصلاة» وكان عبد الله بن

مسعود إذا قام في صلاته كأنه ثوب ملقى.
فقليل من الصلاة مع الإقبال عليها، والفكرة فيها خير من الكثير مع اشتغال القلب عنها.
وروي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا وقف في صلاته رفع بصره نحو السماء، فلما نزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] جعل بصره موضع سجوده» بتواضع واستشعار خوف.
وليس جعل المصلي بصره في موضع سجوده بواجب عليه، والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يكون بصره أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء، أو ينكس بصره، وهو إذا فعل ذلك خشع بصره، ووقع في موضع سجوده على ما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وليس بضيق عليه أن يلحظ ببصره الشيء من غير التفات إليه، فقد جاء ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.

مسألة: الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمت

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا، وسئل عن الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمت، قال: لا أرى بذلك بأسا، ما لم يسع أو يخب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة» الحديث.
فإذا خاف الرجل أن تفوته الصلاة أو شيء منها، فلا بأس أن يزيد في مشيه ويسرع فيه ما لم يخرج بذلك عن حد السكينة والوقار المأمور به في ذهابه إلى الصلاة، وقد فعل ذلك عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سمع الإقامة

وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد.
وكذلك إن كان الرجل راكبا لا بأس أن يحرك دابته ليدرك الصلاة، قاله في آخر رسم "يسلف بعد هذا"، ومعناه ما لم يخرج بذلك عن حد السكينة والوقار كالماشي سواء، وبالله التوفيق.

مسألة: دخل مع قوم في صلاتهم وهو يظن أنها ظهر فتبين له أنه العصر

مسألة وسئل مالك عن رجل دخل مع قوم في صلاتهم، وهو يظن أنها ظهر، فلما ركع ركعة أو ركعتين سلم إمامهم، فتبين له أنه العصر، قال: يقطع صلاته بتسليم، ثم يستأنف الظهر ثم يصلي العصر؛ لأنه لا ينبغي أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة.
وإن كان الإمام سلم وقد صلى معه ركعة أو ثلاثا، فليشفع بأخرى، ثم يسلم، ثم يبتدئ صلاتيه كلتيهما.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المذهب أنه لا يجوز للرجل أن يأتم في صلاته بمن يصلي غير تلك الصلاة؛ لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، وإنما الاختلاف فيمن ائتم به من يصلي تلك الصلاة بعينها على غير الصفة التي يصليها هو كالسفر والحضر، أو الظهر والجمعة، على ما سيأتي بعد هذا في هذا الرسم، وفي رسم "استأذن"، من سماع عيسى، وفي أول سماع سحنون.
ولهذا قال في هذه المسألة في الذي دخل مع القوم، وهو يظن أنها ظهر ركع ركعتين، وسلم إمامهم تبين له أنها العصر، إنه يقطع صلاته بتسليم ثم يستأنف الصلاتين؛ لأنه لو أتم الصلاة معه لم تجده باتفاق، ولوجب عليه إعادتها أبدا.
وقوله في آخر المسألة: وإن كان الإمام سلم، وقد صلى معه ركعة أو ثلاثا، فليشفع بأخرى خلاف قوله في أولها: إنه يقطع من الركعة والركعتين؛ لأنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة، فهما قولان قالهما مالك في وقتين، فأخطأ المؤلف بأن جمع بينهما، فنسق القول الثاني على الأول كأنه تفسير له، فالقول الأول على ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه من ذكر

صلاة الظهر وهو يصلي العصر، أو صلاة المغرب وهو يصلي العشاء وحده أو مع إمام أنه يقطع متى ما ذكر، كان على شفع أو على وتر، ويصلي الصلاة التي ذكر؛ لأنه في خناق من وقتها، ثم يستأنف التي كان فيها، بخلاف من ذكر صلاة قد خرج وقتها، وهو في صلاة أنه يتمها إن كان مع الإمام، ويشفع بركعة إن كان وحده، وذكر وهو في وتر.
والقول الثاني على ما في المدونة في الذي يذكر الظهر، وهو مع الإمام يصلي العصر: إنه يتمادى معه ثم يعيد.
وعلى ما في رسم "الصلاة" الثاني، من سماع أشهب، في الذي يذكر الظهر وهو يصلي العصر لنفسه أنه يتم ركعتين.
وسيأتي الكلام عليهما في موضعها إن شاء الله.
ولو علم ساعة دخل مع القوم في صلاتهم أنها العصر لتمادى مع الإمام إلى تمام ركعتين على القول الثاني، ولم يتمم معه الصلاة، إذ لا تجزيه باتفاق لاختلاف نيته ونية إمامه، بخلاف الذي يذكر الظهر وهو في العصر مع الإمام، ويقطع متى ما ذكر على القول الأول.
ويحتمل على بعد في التأويل أن يريد بقوله: ثم يستأنف الظهر ثم يصلي العصر، أي يستأنفهما، ولا يتنفل قبلها نافلة يبتدئها بعد سلامه من الصلاة التي كان فيها مع الإمام، فيعود قوله لأنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة على نافلة يبتدئها بعد سلامه من الصلاة التي كان فيها مع الإمام، وإن كان لم يتقدم لذلك ذكر، ذلك مثل قوله في المدونة: إن من ذكر صلاة نسيها فلا يتطوع قبلها، ويكون آخر المسألة مفسرا لأولها، لا اختلافا من القول، وبالله التوفيق.

مسألة: أقيمت صلاة الجماعة وهو في مكتوبة يصليها لنفسه في المسجد

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: وسئل عمن قامت عليه صلاة الجماعة وهو في مكتوبة يصليها لنفسه في المسجد، قال: إن طمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام أتمها، ثم سلم ودخل مع الإمام، وإن أيس من ذلك قطعها، ثم دخل مع الإمام فصلى، فإذا

فرغ رجع فاستأنف الصلاتين كلتيهما: التي كانت قبلها، ثم التي كانت بعدها التي كان مع الإمام فيها.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يتمم ركعتين إن كان قد ركع ركعة ولا يطمع أن يدرك.
قال أصبغ: إلا أن يخاف الفوات من ركعة الإمام، فيقطع من ركعته بسلام.
قال محمد بن رشد: قوله: إن طمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام أتمها، يريد إن طمع أن يفرغ منها قبل أن يركع الإمام الركعة الأولى من صلاته، فيدرك الصلاة كلها مع الإمام، وسواء أقيمت عليه الصلاة قبل أن يركع، أو بعد أن يركع.
وهذا ما لا اختلاف فيه لوجوب الصلاة التي كان فيها عليه قبل الصلاة التي قامت عليه، بخلاف من قامت عليه الصلاة، وهو يصلي تلك الصلاة بعينها لنفسه، هذا قد قال فيه في المدونة: إنه إن لم يركع قطع، وإن كان يدرك أن يصلي ركعتين قبل أن يركع الإمام.
وقوله: وإن يئس من ذلك قطعها، ظاهره إن يئس من إتمام صلاته قبل أن يركع الإمام قطع، كان قد ركع أو لم يركع، وإن كان يدرك أن يتمم ركعتين قبل أن يركع الإمام خلاف ما استحب ابن القاسم.
وفي قوله: ثم دخل مع الإمام فصلى، فإذا فرغ استأنف الصلاتين نظر؛ لأنه إنما يصلي مع الإمام على أنها نافلة، إذ لا يجوز له أن يصلي العصر قبل الظهر، وقد قال في المسألة التي قبل هذه: إنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة.
ومثله في المدونة، فإنما استحب ذلك في هذه المسألة لما عليه في الخروج من المسجد بعد إقامة الصلاة من أن يعرض نفسه لسوء الظن، ولم يلتفت إلى هذا المعنى في المدونة.
وقال في سماع سحنون: إنه يضع يده على أنفه ويخرج.
وإذا جاز له أن يصلي مع الإمام وتكون صلاته معه نافلة، فالقياس على هذا إذا كان قد ركع أن لا يقطع إن كان يدرك أن يشفع ركعة بركعة أخرى قبل أن يركع الإمام؛ لأنه قد حصل معه ركن من عمل الصلاة، فلا ينبغي له أن يبطله؛ لقول الله عز وجل:

﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] إلا في موضع لا يجوز له التنفل فيه على ما استحب ابن القاسم، فلم يجز مالك في هذه المسألة على قياس، وبالله التوفيق.

مسألة: صلى وفي ثوبه نجاسة علم به ثم نسيه حتى فرغ من صلاته

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال فيمن صلى وفي ثوبه دم من دم الحيضة، قد علم به قبل أن يدخل في الصلاة، ثم نسيه حتى فرغ من صلاته أو لم يكن رآه، قال مالك: إن كان يسيرا لم أر عليه إعادة، وإن كان كثيرا رأيت أن يعيد الصلاة ما كان في وقتها.
قال ابن القاسم: قال لي مالك: دم الحيضة وغيره سواء.
قال سحنون: وروى علي بن زياد، وابن نافع، وابن الأبرش، والتونسي، عن مالك: أن دم الحيضة كالبول والرجيع والاحتلام يرجع من الصلاة من قليله وكثيره، وتعاد الصلاة من قليله وكثيره في الوقت.
قال محمد بن رشد: وجه رواية ابن القاسم عن مالك في مساواته بين دم الحيضة وغيره من الدماء، أن الدم اليسير لما خفف وسومح فيه للمشقة الداخلة على الناس في التوقي منه؛ لأنه غالب، كدم البراغيث، وإذ لا ينفك الإنسان في غالب الأحوال من بثرة تكون في جسمه، وجب أن يخفف ذلك للحائض؛ لأنها لا تنفك في الغالب من أن يصيب ثوبها ذلك، وأن يخفف للرجل أيضا لحاجته أن يصلي في ثوب امرأته، ولأنه لما استخف له الدم اليسير كان حكم ما لم يخرج من بدنه حكم ما خرج من بدنه، وكذلك

دم الميتة على هذه الرواية، إذ لا تأثير للذكاة في تطهير الدم، فلا فرق بين دم ما ذكي ودم الميتة، كما لا فرق بينه وبين دم الحي، وبالله التوفيق.

مسألة: دخول الكنائس والصلاة فيها

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: حدثني نافع أن عمر بن الخطاب كره دخول الكنائس والصلاة فيها.
قال مالك وغيره: أحب إلي لموضع وطء أقدامهم ونجسهم.
قال سحنون: أحب إلي أن يعيد من صلى في كنيسة كان لضرورة أو لغير ضرورة ما كان في الوقت، وإنما هي عندي بمنزلة من صلى بثوب النصراني أنه يعيد الصلاة كان لضرورة أو غير ضرورة.
قال محمد بن رشد: الظاهر من مذهب عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على ما وقع له هاهنا، وفي المدونة وفي رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب أنه كره دخول الكنائس والصلاة فيها لكونها بيوتا متخذة للشرك بالله والكفر به، فلا ينبغي الصلاة فيها على مذهبه، وإن بسط ثوبا طاهرا لصلاته.
وأما مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - فإنما كره الصلاة فيها لما يتقى من نجاستها، فإن صلى فيها على مذهبه دون حائل طاهر أعاد في الوقت، إلا أن يكون اضطر إلى النزول فيها، فلا يعيد صلاته إذا لم تتحقق عنده نجاستها.
يبين هذا من مذهبه ما وقع في المدونة، وفي رسم "الصلاة" الثاني، من سماع أشهب.
وأما سحنون فحملها على النجاسة، وحكم للمصلي فيها بحكم من صلى بثوب النصراني، فاستوت في ذلك عنده الضرورة وغير الضرورة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، إلا أنه قال: يعيد أبدا إن صلى فيها دون حائل طاهر على أصله فيمن صلى على موضع نجس، أو بثوب نجس عامدا أو جاهلا أنه يعيد أبدا.
وقول سحنون أظهر أنه لا إعادة عليه إلا في الوقت؛ إذ لم يوقن بنجاسة

الموضع الذي صلى عليه.
وهذا في الكنائس العامرة، وأما الدارسة العافية من آثار أهلها، فلا بأس بالصلاة فيها، قال ابن حبيب: ولا اختلاف أحفظه في ذلك إذا اضطر إلى النزول فيها، وأما إذا لم يضطر إلى النزول فيها، فالصلاة فيها مكروهة على ظاهر مذهب عمر بن الخطاب، ولا تجب إعادتها في وقت ولا غيره.
وقد قال في هذا الحديث في رسم "اغتسل" من هذا السماع من كتاب الجامع: إنه كان يكره الصلاة في الكنائس التي فيها الصور، وفي ذلك دليل على أنه إنما كره الصلاة في الكنائس العامرة؛ لأن العامرة هي التي تكون فيها الصور، وفي أول رسم "البز" مسألة فيها معنى من هذه، سنتكلم عليه إذا مررنا به إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.

مسألة: لا ينبغي للمسافر أن يقدم مقيما يتم به الصلاة

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: لا ينبغي لقوم سفر أن يقدموا مقيما يتم بهم الصلاة لكي يتموا الصلاة، فإن صلى بهم فصلاتهم تامة، ولكن إن قدموه لسنه أو لفضله، أو لأنه صاحب المنزل، فليصلوا بصلاته صلاة المقيم.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما يأتي في رسم "شك في طوافه"، وفي رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، ومذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه الذي تأتي عليه مسائله ومسائلهم أن قصر الصلاة في السفر سنة من السنن التي الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غير خطيئة، فلذلك قال: إنه لا ينبغي أن يقدموا مقيما يتم بهم الصلاة؛ لأن فضيلة السنة في القصر آكد من فضيلة الجماعة، واستحب أن يقدموا ذا السن والفضل، لما في الصلاة خلفه من الرغبة، أو صاحب المنزل لما في ترك اهتمامهم به من بخسه حقه، إذ هو أحق بالإمامة في منزله منهم، وبالله التوفيق.

مسألة: مسافر مر بقوم فصلى معهم فتبين له أنهم مقيمون

مسألة قال مالك: فيمن مر بقوم فصلى معهم، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فتبين له أنهم مقيمون وسبقوه بركعتين، وكان يظن أنهم قوم سفر، قال: يعيد أحب إلي.
قال سحنون: وذلك إذا كان الداخل مسافرا.
قال محمد بن رشد: قول سحنون مفسر لقول مالك؛ لأنه لو كان مقيما لأتم صلاته، ولم يضره وجوده القوم على خلاف ما حسبهم عليه من القصر والإتمام؛ لأن الإتمام واجب عليه في الوجهين، فلا تأثير لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك، وقول مالك: يعيد أحب إلي، يريد في الوقت وبعده، أتم صلاته بعد صلاة الإمام أو سلم معه من الركعتين على ما اختاره ابن المواز، وقاله ابن القاسم في رسم "استأذن" من سماع عيسى.
وقال ابن حبيب: إنه يتم صلاته ويعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب في أول سماع سحنون.
ووجه قول مالك في إيجاب الإعادة عليه أبدا مخالفة نيته لنية إمامه؛ لأنه إن سلم معه من الركعتين، فقد خالفه في النية والفعل، ففسدت صلاته عنده بذلك، وإن أتم صلاته فقد خالفه في النية خاصة، وأتم صلاته على خلاف ما أحرم به.
ولم يراع ابن حبيب شيئا من ذلك فقال: إنه يعيد في الوقت على أصله في المسافر إذا أتم صلاته أنه يعيد في الوقت، وإن كان صلى في جماعة ما لم تكن الجماعة في المساجد الثلاث أو جوامع الأمصار، ولا راعى أشهب شيئا من ذلك فقال: إنه لا إعادة عليه.
وأما إذا دخل المسافر مع القوم وهو يظنهم حضريين، فألفاهم مسافرين سلموا من ركعتين، فقال مالك: فيما يأتي بعد هذا في هذا الرسم: إن صلاته تجزيه، وذلك خلاف أصله في هذا المسألة في مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه، وخلاف مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها في المسافر إذا أحرم بنية أربع ركعات، ثم بدا له فسلم من ركعتين: إنها لا تجزيه.
وقال ابن حبيب وأشهب: إن صلاته جائزة على

أصله في ترك مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه في الحضر والسفر، وإتمامه على خلاف ما أحرم به من ذلك.
ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن صلاته لا تجزيه على أصل مالك في هذه المسألة، وهو اختيار ابن المواز، أن صلاته لا تجزئه في الوجهين جميعا لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك.
وقال سحنون في هذا الرسم: إنه يعيد في الوقت.
ولو دخل المسافر خلف القوم يظنهم مقيمين، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فلم يدر إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأتم صلاة مقيمين أربعا، ثم أعاد صلاة مسافر، قاله في رسم "استأذن" من سماع عيسى، لاحتمال أن يكون الإمام مسافرا.
ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهولا يعلم إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأجزأته صلاته قولا واحدا.
والحجة في ذلك ما جاء من «أن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري قدما على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع محرمين، فسألهما - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: بم أحرمتما؟ فكلاهما قال: قلت: لبيك إهلالا كإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصوب فعلهما وأمرهما بما يعملان في بقية إحرامهما» . ومما يتعلق بهذه المسألة ويختلف هل يوافقها في المعنى والقياس أم لا، مسألة الرجل يأتي المسجد يوم الجمعة وهو يظنه يوم الخميس، أو يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة، فقيل: إنهما متفقان في المعنى، وإن الذي يأتي يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة بمنزلة المسافر يدخل خلف القوم، وهو يظنهم مسافرين فيجدهم مقيمين؛ لأنهما دخلا مع الإمام جميعا بنية ركعتين، فصليا معه أربعا، وإن الذي يأتي يوم الجمعة ويظنه يوم الخميس منزلة المسافر يدخل مع القوم، وهو يظنهم مقيمين فيجدهم مسافرين؛ لأنهما جميعا دخلا مع الإمام بنية أربع فصليا معه ركعتين، فعلى هذا يدخل في كل مسألة منهما ما في صاحبتها من الأقوال، فيتحصل في كل واحدة منهما أربعة

أقوال: أحدها: أن الصلاة جائزة في الوجهين جميعا.
والثاني: أنها لا تجوز في الوجهين جميعا.
والثالث: الفرق بين الوجهين، فتجوز إذا دخل بنية أربع ركعات فصلى اثنتين، ولا تجوز إذا دخل بنية ركعتين فصلى أربعا، وهو الذي يأتي على قول مالك في هذا الرسم، في مسألة الحضر والسفر.
والرابع: الفرق بين الوجهين أيضا بعكس هذه التفرقة، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، في مسألة الخميس والجمعة.
وقيل: إنهما مفترقان في المعنى، وإلى هذا ذهب أشهب وابن المواز، فقال كل واحد منهما في مسألة الخميس والجمعة خلاف قوله في مسألة الحضر والسفر.
رأى أشهب الصلاة جائزة في مسألة الحضر والسفر، وغير جائزة في مسألة الخميس والجمعة، ووجه الفرق بينهما في المعنى عندهما أن صلاة الجمعة والخميس لا تنتقل واحدة منهما عما هي عليه في حق الرجل بدخوله مع الإمام فيها وهو يظنه غير ذلك اليوم، فإذا صلاهما معه رأى ابن المواز أنهما تجزئانه؛ لأنه صلاهما كما وجبتا عليه، ولم يضره عنده أن يحرم بنية الجمعة ويصلي ظهرا، ولا أن يحرم بنية الظهر ويصلي جمعة، قياسا على ما قال مالك في الرجل يدخل خلف الإمام يوم الجمعة بعد أن رفع رأسه من الركوع، وهو يظنه في الركعة الأولى، فإذا هو في الثانية: إنه يقوم إذا سلم الإمام فيصلي أربعا بذلك الإحرام، ورأى أشهب أنهما لا تجزئان لإحرامه بهما على غير الصفة التي وجبت عليه.
ورأى ابن القاسم في المدونة أن تجزئه نية الجمعة عن نية الظهر، ولا تجزئه نية الظهر عن نية الجمعة، قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بنية، ووجه قوله أن الأصل هو الظهر والجمعة طارئة عليه، فلا تؤثر نية الفرع في الأصل، وتؤثر نية الأصل في الفرع؛ لأن المسافر تنتقل صلاته من القصر إلى الإتمام بدخوله خلف الإمام المقيم، علم أنه مقيم أو لم يعلم، فرأى ابن المواز أنه إذا دخل خلف المقيم وهو يظنه مسافرا فوجده مقيما، أو وهو يظنه مقيما فوجده مسافرا، فلا تجزئه صلاته مراعاة لقول من يرى أن القصر عليه واجب، وأنه إن أتم وحده أو في جماعة أعاد أبدا.

ورأى أشهب أن صلاته جائزة مراعاة لقول من يرى أنه مخير بين القصر والإتمام، فهذا وجه القول في هذه المسألة موعبا، وبالله التوفيق.

مسألة: أوتر فظن أنه لم يوتر فأوتر مرة أخرى ثم تبين له أنه قد أوتر مرتين

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في من أوتر فظن أنه لم يوتر فأوتر مرة أخرى، ثم تبين له أنه قد أوتر مرتين، قال: أن يشفع وتره الآخر ويجتزئ بالأول.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لا يكون وتران في ليلة واحدة، فيشفع وتره الآخر يريد إذا كان بقرب ذلك، ويكون نافلة له، إذ يجوز لمن أحرم بوتر أن يجعله شفعا، كما يجوز لمن صلى صلاة الفريضة ركعة، ثم علم أنه قد كان صلاها أن يضيف إليها أخرى وتكون له نافلة، ولا يجوز لمن صلى ركعة من شفع أن يجعلها وترا، ولا أن يبني عليها فرضا؛ لأن نية السنة أو الفرض مقتضية لنية النفل، ولا تقتضي نية النفل نية السنة ولا الفرض، وهذا كله بين، وبالله التوفيق.

مسألة: حكم إمامة الأغلف والمعتوه

مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن يؤم الأغلف والمعتوه الناس.
قلت لسحنون: فإن أم الأغلف والمعتوه أترى على القوم إعادة؟ قال: أما إذا أمهم أغلف فلا إعادة عليهم، وأما المعتوه فإنهم يعيدون.
قال محمد بن رشد: الأغلف هو الذي لم يختن، والمعتوه الذاهب العقل.
فقول سحنون مبين لقول مالك؛ لأن المعتوه لا تصح منه نية، فوجب أن يعيد أبدا من ائتم به، وأما الأغلف فلا يخرجه ترك الاختتان عن الإسلام، ولا يبلغ به مبلغ التفسيق كشارب الخمرة وقاتل النفس الذي يعيد من ائتم بهما

على ما في سماع عبد الملك، إلا أن ذلك نقصان في دينه وحلمه؛ لأن الختان طهرة الإسلام وشعاره.
روي عن المسيب بن رافع قال: أوحى الله إلى إبراهيم أن تطهر فتوضأ، فأوحى إليه أن تطهر فاغتسل، فأوحى إليه أن تطهر فاختتن، فصار ذلك من ملته التي أمر الله باتباعها، فلا تجوز إمامته ابتداء؛ لأن الإمامة أرفع مراتب الإسلام، فلا ينبغي أن يؤم إلا أهل الكمال، فإن لم تجب الإعادة على من ائتم به؛ لأن صلاته إذا جازت لنفسه فهي تجوز لغيره، وإنما قرن مالك بينه وبين المعتوه في ألا يؤتم بهما ابتداء، ولم يتكلم على الحكم في ذلك إذا وقع.
وهذا الذي قلنا هو الذي يأتي على مذهبه.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الأغلف لا توكل ذبيحته، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز له شهادة، وذلك تشديد ليس على ظاهره.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الأغلف لا يحج حتى يختتن» ، ومعناه أنه ينبغي له أن يقدم الاختتان عن الحج، فيحج وهو كامل المرتبة، لا أن الحج قبل الاختتان لا يجزيه عن حجة الإسلام والله أعلم.
وقد روي عن الحسن أنه رخص للشيخ يسلم أن لا يختتن، ولم ير بإمامته ولا شهادته ولا ذبيحته ولا حجه بأسا.
وروي عن الليث بن سعد أنه قال: لا يتم إسلامه حتى يختتن، وإن بلغ ثمانين سنة، وبالله التوفيق.

مسألة: يدخل مع قوم مسافرين وهو يظن أنهم مقيمون يتمون الصلاة وهو في سفر

مسألة قال مالك فيمن يدخل مع قوم مسافرين، وهو يظن أنهم مقيمون يتمون الصلاة وهو في سفر، فيدخل يريد الإتمام معهم، فسلموا من ركعتين أجزأتا عنه.
قال سحنون: لا تجزي عنه وعليه الإعادة في الوقت؛ لأن نيته كانت على الإتمام، وهذه خطأ لا أعرفها.

قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة قبل هذا، والقول فيها موعبا، فلا معنى لرده، وبالله التوفيق.

مسألة: صلى بقوم صلاة السفر وهو في الحضر ناسيا

مسألة قال مالك فيمن صلى بقوم صلاة السفر، وهو في الحضر ناسيا، استأنف الصلاة هو ومن خلفه.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: ناسيا، أي ناسيا لكونه في حضر يرى أنه في سفر، فلذلك قال: إنه يستأنف الصلاة وهو من خلفه؛ لأنه لما أحرم بنية صلاة السفر لم يجز له أن يبني على صلاته تمام صلاة الحضر، وإذا لم يجز ذلك له وفسدت صلاته لم يجز لمن خلفه البناء أيضا على ما صلوا معه، وإن كانوا أحرموا خلفه بنية الإقامة.
ولو كان أحرم بنية الإقامة، ثم نسي أنه مقيم، وظن أنه مسافر، فسلم من ركعتين لجاز له البناء ما كان قريبا، فإن سلم ومضى ولم يرجع أتموا هم صلاتهم إن كانوا أحرموا بنية الإقامة، وبالله التوفيق.

مسألة: صلى صلاة الحضر وهو في السفر ناسيا

مسألة قال: وسمعت مالكا قال: من صلى صلاة الحضر وهو في السفر ناسيا استأنف الصلاة وهو من خلفه في الوقت.
قال سحنون: وبعد الوقت أبدا، وإن أتم الصلاة عامدا أو جاهلا، فلا إعادة عليه إلا في الوقت من قبل أنه متأول، فأما الناسي فإن عليه الإعادة أبدا من قبل أن ابن القاسم قال لي غير مرة: من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيا أعاد الصلاة أبدا.
قال سحنون: ولو صلى وهو ناس لسفره يرى أنه في حضر أربعا لم تكن عليه إعادة إلا في الوقت، ولا يكون أسوأ حالا من الذي يتم جاهلا أو متعمدا.
قال: وجميع ما أخبرتك من جميع هذه المسألة من الجاهل والمتعمد والناسي

لسفره؛ لا إعادة عليه إلا في الوقت، فأما الذي يقوم لصلاته وهو مسافر فيسهو فيتم ساهيا، فهذا يعيد أبدا.
قال محمد بن رشد: قصر الصلاة في السفر على مذهب مالك سنة، فإذا أتم المسافر الصلاة في السفر جاهلا، أو متعمدا، أو متأولا، أو ناسيا لسفره يرى أنه في حضر؛ فلا إعادة عليه إلا في الوقت على طريق الاستحباب؛ ليدرك فضل السنة.
واختلف إن أحرم بنية صلاة السفر ركعتين، ثم أتم صلاته متعمدا أربعا على قولين: أحدهما: أنه يعيد في الوقت وبعده، ووجه ذلك أنه لما أحرم بنية القصر فكأنه قد التزم قول من يوجب القصر، فلم يصح له الإتمام على ذلك الإحرام، وقيل: إنه يعيد في الوقت.
ووجه ذلك أن القصر لما لم يكن عليه واجبا لم يوجبه عليه التشبث بالصلاة، فعلى القول الأول: المسافر مخير بين القصر والإتمام ما لم يتشبث بالصلاة، فإذا تشبث بها لم يكن له أن يتم على خلاف ما أحرم عليه من القصر أو الإتمام، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، وعلى القول الآخر المسافر مخير بين القصر والإتمام مطلقا، فإذا أتم صلاته، وإن كان قد أحرم بنية القصر أعاد في الوقت استحبابا ليدرك فضل السنة.
وأما إن أحرم بنية صلاة السفر، ثم أتم ساهيا؛ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد في الوقت؛ لأن سهوه صادف فعلا صحيحا بمنزلة من صلى خامسة ساهيا، ثم ذكر سجدة من أول ركعة من صلاته، والقول الثاني: أنه يعيد أبدا، وهو قول سحنون هاهنا قياسا على ما روي عن ابن القاسم أن من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيا فعليه الإعادة أبدا.
والقول الثالث: أنه يسجد سجدتين بعد السلام وتجزئه صلاته، وهو الذي يأتي على ما في رسم "إن أمكنتني" من سماع عيسى، في الذي يصلي المغرب خمس ركعات ساهيا، وعلى ما في سماع أبي زيد في الذي صلى ركعتي الفجر أربعا ساهيا، وعلى ما في المدونة في الذي سها فأضاف إلى الوتر ركعة أخرى، أنه يجزئه ويسجد لسهوه، وبالله التوفيق.

مسألة: إمام سها فلم يسجد

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في إمام سها فلم يسجد، قال: أرى أن يسجد من كان خلفه إن كان سهوه يسجد له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السجود قد وجب عليهم، فلا يسقط عنهم بسهوه، فإن كان السجود مما تبطل الصلاة بتركه، ولم يرجع الإمام إلى السجود بالقرب بطلت صلاته وصحت صلاتهم؛ لأن كل ما لا يحمله الإمام عمن خلفه، فلا يكون سهوه عنه سهوا لهم إذا هم فعلوه، وهذا أصل، وبالله التوفيق.

مسألة: شك في صلاته فبنى على اليقين فلم يرد عليه من خلفه حتى سلم

مسألة قال مالك فيمن شك في صلاته فبنى على اليقين، فلم يرد عليه من خلفه حتى سلم، فسألهم فقالوا: قد تمت صلاتك، قال مالك: إن أيقنوا ذلك له، فلا سجود عليه، وإن لم يوقنوا سجد وسجدوا.
قال مالك: وقد أصاب حين سألهم.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي، ولا يجوز هذا إلا فيمن كان معه في الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح، والأصل في ذلك «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سلم من ركعتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ أقبل على الناس فسألهم ورجع إلى قولهم لما دخله من الشك بقول ذي اليدين» . وقوله: إنه لا يجوز ذلك إلا فيمن كان معه في الصلاة، هو مثل ما في المدونة.
ووجه ذلك أن السنة قد أحكمت إذا شك الرجل في صلاته أن يرجع إلى يقينه؛ فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا، فليصل ركعة» الحديث، فكان الأصل بهذا الحديث إذا شك الرجل في صلاته أن يرجع إلى يقينه، لا إلى يقين من سواه، فذا كان أو إماما، فخرج من ذلك رجوع الإمام إلى يقين من خلفه بحديث ذي اليدين، وبقي ما عداه على الأصل في أن الصلاة واجبة عليه بيقين، فلا يخرج منها إلا بيقين، ولا يحصل معه يقين بقول من ليس معه في صلاة؛ لاحتمال أن يكون أخطأ فيما قاله، إذ لم يلزمه من حفظها ورعايتها ما يلزم من معه في الصلاة.
وكذلك لو شك هل صلى أم لا، فأخبرته زوجته وهي ثقة أو رجل عدل أنه قد صلى، لم يرجع إلى قول واحد منهما إلا أن يكون يعتريه ذلك كثيرا، روى ذلك ابن نافع عن مالك في المجموعة، وفي التفريع لأشهب: إن شهد رجلان عدلان أنه قد أتم صلاته أجزأه، وقد خفف ذلك مالك أيضا في الطواف في رسم "شك في طوافه" من كتاب الحج، والطواف بالبيت صلاة.
ووجه ذلك القياس على الحقوق، وذلك بعيد؛ لأنهما أصلان مفترقان في المعنى، وبالله التوفيق.

مسألة: مسافر حضر الجمعة فأصاب الإمام حدث فقدمه

مسألة قال ابن القاسم: في مسافر حضر الجمعة، فأصاب الإمام حدث فقدمه، قال: لا أرى أن يصلي بهم؛ لأن الجمعة ليست عليه، فإن فعل فأحب إلي أن يعيدوا الخطبة والصلاة في الوقت، فإن فات الوقت أعادوا ظهرا أربعا.
قال سحنون: إذا جاء لها فأراه

من أهلها، وأراها لهم تامة، وقال أشهب مثل قول سحنون، وكذلك العبد أيضا.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات، وكذلك العيد أيضا، أي أنه يجوز للمسافر أن يؤم القوم في صلاة العيد كما يجوز له أن يؤمهم في صلاة الجمعة، وفي بعضها، وكذلك العبد أيضا، أي أن إمامة العبد تجوز في الجمعة كما تجوز فيها إمامة المسافر، والروايتان جميعا صحيحتان في المعنى؛ لأنه يجوز عند أشهب وسحنون للمسافر والعبد أن يؤما في الجمعة والعيد.
وأما ابن القاسم فلا يجوز على مذهبه وروايته عن مالك في المدونة أن يؤم المسافر ولا العبد في الجمعة ولا في العيد، ولا أن يستخلفهما الإمام فيهما بعد إحرامهما معه؛ لأن صلاة العيد لا تجب عليهما كما لا تجب عليهما الجمعة.
وقد نص على ذلك في المدونة في العبد، والمسافر مقيس عليه عنده.
ويجوز على مذهب ابن حبيب للعبد والمسافر أن يؤما في صلاة العيد؛ لأنها تجب عليهما عنده، ولم يجز للمسافر أن يؤم في الجمعة، وأجاز للإمام أن يستخلفه فيها بعد الإحرام، وحكى ذلك عن مطرف، وابن الماجشون.
فإن أم المسافر أو العبد في الجمعة على مذهب من لا يجيز إمامتهما فيها، أعاد القوم صلاة الجمعة في الوقت، وقد اختلف فيه فقيل ما لم يدخل وقت العصر.
قال أبو بكر الأبهري: فإن أدرك ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر أتمها جمعة، وإن لم يدرك ذلك أتمها ظهرا أربعا، وقيل: ما لم تصفر الشمس، وقيل: ما بقي للعصر ركعة إلى الغروب، وهو قول ابن القاسم في رسم "استأذن" من سماع عيسى.
وظاهر قوله في المدونة وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وقيل: ما لم تغرب الشمس، وهي رواية مطرف عن مالك، وما في بعض روايات المدونة من قوله: وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وأعاد ظهرا أربعا بعد الوقت، وأعاد المسافر الصلاة

أيضا، قيل في الوقت وبعده، وقيل في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه.
وهذا على اختلافهم في من جهر في صلاته متعمدا.
وأما العبد فقيل: إنه لا إعادة عليه، وقيل: إنه يعيد أبدا، وبالله التوفيق.

المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان

ومن كتاب أوله سلعة سماها وسئل عما يتخذ الناس في المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان، يبيتون فيها ويأكلون فيها، قال: أرجو أن يكون خفيفا، وكره الطعام في المساجد مثل ما يصنع الناس في رمضان.
ولقد أدركت ناسا في مسجدنا، وأن الرجل ليوتى بالشربة السويق، وما أكره ذلك، كأنه يعني الشربة، إلا لموضع المضمضة، ولو خرج إلى باب المسجد فشرب عليه وأكل لكان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: المساجد إنما اتخذت لعبادة الله عز وجل بالصلاة والذكر والدعاء، فينبغي أن تنزه عما سوى ذلك ما أمكن، قال الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] أي أمر بذلك، فمن ترفيعها أن تخلص لأعمال الآخرة، فلا يباع فيها ولا يشترى ولا تعمل فيها الصناعات، ولا توكل فيها الألوان ولا يلغط فيها، ولا ينشد فيها شعر، ولا تنشد فيها ضالة، ولا توقد فيها نار، ولا يغسل فيها شيء، ولا يرفع فيها صوت.
فقد كره أهل العلم ذلك حتى في العلم.
وبنى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة.
وخفف مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذه الرواية للضيفان المبيت والأكل في مساجد القرى، وأن تتخذ لذلك للضرورة إلى ذلك، بمعنى أن الباني لها للصلاة فيها يعلم أن الضيفان سيبيتون فيها لضرورتهم إلى ذلك، فصار كأنه قد بناها لذلك، وإن كان أصل

بنائه لها إنما هو للصلاة فيها، لا لما سوى ذلك من مبيت الضيفان.
وكذلك يجوز لمن لم يكن له منزل أن يبيت في المسجد، وكره الطعام فيه والشربة من السويق لموضع المضمضة، وأجاز شرب الماء فيه.
وهذه المعاني مذكورة في مواضع من هذا الكتاب بألفاظ مختلفة، ومعان متفقة، منها ما وقع عند آخر رسم "شك بعد هذا"، وفي رسم "اغتسل على غير نية"، وفي رسم "الشجرة "، وسماع عبد المالك زونان، في كتاب السلطان، في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، عقب كتاب ذكر الحق في المسجد ما لم يطل، وفي رسم "تأخير صلاة العشاء" منه إجازة قضاء الحق فيه ما لم يكن على وجه التجارة والصرف، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد أيركعهما

مسألة وسئل عن الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله، ثم يأتي المسجد، أترى أن يركعهما؟ قال مالك: كل ذلك قد رأيت من يفعله، فأما أنا فأحب إلي أن يقعد ولا يركع.
قال لي ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك أحب إلي أن يركع، وكأني رأيته وجه الشأن عنده.
قال سحنون: إذا ركعهما في بيته فلا يعيدهما في المسجد.
قال محمد بن رشد: هذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الاختيار، وفي أي الأمرين أفضل، وإنما وقر من أجل أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر» وقال أيضا: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» فتعارض الحديثان في الظاهر، وكل واحد منهما يحتمل أن يكون مخصصا لعموم صاحبه، احتمالا واحدا.
ألا ترى أنه لو قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا صلاة بعد الفجر سوى ركعتي الفجر، إلا لمن دخل المسجد

لكان كلاما مستقيما، ولو قال أيضا: من دخل المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، إلا أن يكون بعد الفجر، وقد ركع ركعتي الفجر لكان أيضا كلاما مستقيما، فلما لم يتحقق أي المعنيين أراد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقع الاختلاف المذكور.
ووجه القول بأن الركوع أفضل هو أن الصلاة فعل بر، فلا يقال: إن تركها في هذا الوقت أفضل إلا أن يتحقق النهي عن ذلك؛ ووجه القول بأن ترك الركوع أفضل هو أن النهي أقوى من الأمر؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وأيضا فإن قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أولى بالتخصيص في هذا الموضع، إذ قد خصص في غيره من المواضع وهي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فيحمل هذا الموضع عليها.
وهذا القول أظهر.
واستحب من رأى الركوع أفضل؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أن يركعهما بنية الإعادة لركعتي الفجر، رغبة فيما جاء فيهما من الثواب، والله أعلم.

مسألة: قراء يجتمع الناس إليهم يقرئونهم فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم

مسألة وسئل عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم يقرئونهم، فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم.
قال: ذلك حسن.
قال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: كان مالك يكره هذا، ولا يراه صوابا، ثم رجع فخففه، ولم ير به بأسا، وقع اختلاف قوله بعد هذا في رسم "حلف" من هذا السماع، وقال هاهنا: ذلك حسن.
ووجه الكراهة فيه بين، وذلك إذا قرأ عليه

جماعة في كرة واحدة، لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم، ما دام يصغي إلى غيرهم، ويشتغل بالرد على الذي يصغي إليه، فقد يخطئ في ذلك الحين، ويظن أنه قد سمعه، وأجاز قراءته فيحمل عنه الخطأ، ويظنه مذهبا له.
ووجه تخفيفه ذلك للمشقة الداخلة على المقرئ بإفراد كل واحد من القراء عليه إذا كثروا.
ووجه تحسينه لذلك في هذه الرواية إنما معناه، والله أعلم، إذا كثر القراء عليه حتى لم يقدر أن يعم جميعهم مع الإفراد، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم، فهذا تأويل ما ذهب إليه عندي، والله أعلم.

مسألة: عشور المصحف وتزيينه بالخواتم

مسألة وسئل عن عشور المصحف، فقال: يعشر بالسواد، وأكره الحمرة، وذكر تزيين المصاحف بالخواتم فكرهه كراهية شديدة، فقيل له: فالفضة؟ قال: الفضة من ورائه، ولم ير به بأسا، ثم قال: إني لأكره لأمهات المصاحف أن تشكل، وإنما أرخص فيما يتعلم فيه الغلمان، فأما الأمهات فإني أكرهه.
قال محمد بن رشد: قوله: من ورائه، أي من خارجه، يريد أنه لا بأس أن تحلى أغشيته بالفضة، ويروى من روائه أي من زينته، يريد زينة أعلاه وخارجه.
وقد اختلف قوله في إجازة تحليته بالذهب، فأجاز ذلك في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر ما في كتاب البيوع من موطاه، وكرهه في كتاب ابن عبد الحكم.
ووجه كراهيته لتزيين داخله بالخواتم وتعشيره بالحمرة بين، وذلك أن القارئ فيه ينظر إلى ذلك، فيلهيه ويشغله عن اعتباره وتدبر آياته.
«وقد جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نعليه شراكين جديدين، ثم نزعهما ورد فيهما الخلقين، وقال: "إني نظرت إليهما في الصلاة» ، «وصلى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في خميصة شامية، لها علم، فلما انصرف من الصلاد ردها إلى مهديها إليه أبي جهم، وقال: "إني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني» . وإذا كان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خشي على نفسه الفتنة في صلاته، فهي على من سواه متيقنة غير مأمونة، وفي هذا بيان، ولهذا المعنى كره تزويق المسجد.
وأما كراهيته لشكل أمهات المصاحف، فالمعنى في ذلك أن الشكل مما قد اختلف القراء في كثير منه، إذ لم يجئ مجيئا متواترا، فلا يحصل العلم بأي الشكلين أنزل، وقد يختلف المعنى باختلافه، فكره أن يثبت في أمهات المصاحف ما فيه اختلاف.
وبالله التوفيق.

مسألة: الصلاة يقرأ فيها في الركعة الأولى بالشمس وفي الثانية بالبلد

مسألة وسئل عن الصلاة يقرأ فيها في الركعة الأولى بـ (الشمس وضحاها) ، ويقرأ بعد ذلك في الركعة الثانية: بـ (لا أقسم بهذا البلد) ، قال: لا بأس بذلك، لم يزل هذا من عمل الناس، قيل له: أفلا يقرأ على تأليفه أحب إليك؟ قال: هذا كله سواء.
قال محمد بن رشد: ذهب ابن حبيب إلى أن القراءة على تأليفه أفضل، وحكى ذلك عن مالك من رواية مطرف عنه، وقال ابن الحكم، قال ابن حبيب: وأما أن يقرأ في الركعة الثانية سورة أخرى ليست بإثرها إلا أنها تحتها، فلا بأس به، وهو أجوز من أن يقرأ سورة فوقها.
ولعمري إن القراءة في الركعة الثانية بما بعد السورة التي قرأ في الركعة الأولى أحسن من أن يقرأ فيها بما قبلها؛ لأنه جل أعمال الناس الذي مضوا عليه، والأمر في ذلك واسع؛ لقوله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] ، وبالله التوفيق.

مسألة: الصلاة في السفينة قائما أو قاعدا

مسألة وسئل عن الصلاة في السفينة قائما أو قاعدا؟ قال: بل قائما، فإن لم يستطيعوا فقعودا.
قيل: ويؤمهم قعودا؟ قال: نعم إذا لم يستطيعوا أن يقوموا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القيام في الصلاة من فروضها؛ قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] ، فلا يجوز أن يصلي جالسا من يستطيع الصلاة قائما، فإذا لم يستطيعوا الصلاة في السفينة قياما، كانوا كالمرضى، وجاز أن يؤمهم الإمام قعودا وهو قاعد.

مسألة: القراءة في المسجد

مسألة وسئل عن القراءة في المسجد، فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن.
قال محمد بن رشد: يريد أن التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات، أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح، فرأى ذلك بدعة.
وأما القراءة على غير هذا الوجه، فلا بأس بها في المسجد، ولا وجه لكراهيتها.
وقد قال في آخر رسم "المحرم" بعد هذا، من هذا السماع: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في الأسواق والطرق.
وفي هذا بيان ما قلناه، والله أعلم،

وسيأتي ما يشبه هذا المعنى في أول رسم "سُنّ" من هذا السماع، وفي رسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

مسألة: القرى لا يكون فيها إمام إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة أيخطب بهم

مسألة وسئل عن القرى التي لا يكون فيها إمام، إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة، أيخطب بهم؟ قال: نعم، لا تكون الجمعة إلا بخطبة.
قيل له: أيؤذن قدامه؟ قال: لا، وعندنا هاهنا - يعني المدينة - إذا لم يكن إمامنا حاضرا، فصلى بنا القاضي أو القاص الجمعة، فإنما يؤذن فوق المنارة.
قال محمد بن رشد: القاص الواعظ الذي يحض الناس على الصلاة ويعلمهم الخير، والأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه؛ لأنه محدث، ولذلك نهى عنه مالك، وكان لا يفعله القاضي ولا القاص، إذا غاب الإمام.
وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك.
وإنما كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا زالت الشمس وخرج، رقى المنبر، فإذا رآه المؤذنون، وكانوا ثلاثة قاموا فأذنوا في المدينة واحدا بعد واحد كما يؤذنون في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خطبته، ثم تلاه على ذلك أبو بكر وعمر، وزاد عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما كثر الناس أذانا بالزوراء عند زوال الشمس، يؤذن الناس بذلك أن الصلاة قد حضرت، وترك الأذان في المدينة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام بن عبد الملك، فنقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المدينة، ونقل الأذان الذي في المدينة بين يديه، وأمرهم أن يؤذنوا معا، وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا وهو بدعة.
والذي كان يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء الراشدون بعده هو السنة، وبالله التوفيق.

مسألة: لخطيب الجمعة والعيدين والاستسقاء أن يتوكأ على عصى

مسألة قال ابن القاسم: واستحب لكل من خطب في جمعة أو عيدين أو استسقاء أن يتوكأ على عصى.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها، ولا يكتفى بعمود المنبر كان ممن يرقى عليه أو يخطب إلى جانبه، وهي السنة من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خطب توكأ على عصى أو قوس، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون بعده، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» ، وفي آخر رسم "البز" بعد هذا ما يدل أن ذلك مباح، وهو الصحيح، وبالله التوفيق.

ترك العمل يوم الجمعة

ومن كتاب أوله شك في طوافه قال مالك: كان بعض أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكرهون أن يترك يوم الجمعة العمل؛ لئلا يصنعوا فيه كما فعلت اليهود والنصارى في السبت والأحد.
قال محمد بن رشد: وهذا لما روي: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب، وينهى عن التشبه بهم، وروي عنه أنه قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ، وأنه قال: «ألحدوا ولا تشقوا، فإن اللحد لنا، والشق لأهل الكتاب» ، وأنه قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» ، ومثل هذا كثير.

مسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيحصي الآي بيده

مسألة وسئل مالك عن الرجل يتنفل في الصلاة أيحصي الآي بيده؟ قال: لا بأس بذلك، ولعله يريد أن يحصي بذلك.
قال محمد بن رشد: لا وجه لإحصائه ما يقرأ به في نافلته من الآيات، إلا أن يكون أوجب على نفسه قدرا ما من القراءة فيها، فيحتمل أن يكون ذلك وجه الرواية، ويدل على ذلك قوله في آخرها، ولعله يريد أن يحصي بذلك، أي يحصي ما أوجب على نفسه من ذلك، إما بنذور، وإما بالنية مع الدخول في الصلاة على مذهب أشهب، في أن من افتتح الصلاة قائما وجب عليه تمامها قائما؛ لأنه رأى أن ذلك يجب عليه بالنية مع الدخول في الصلاة، خلاف ما في سماع موسى، عن ابن القاسم أنه من أحرم بالصلاة، ونوى سورة طويلة، ثم أدركه كسل وملل أنه ليس عليه أن يتمها، وإجازته إحصاء الآي بيديه لهذا المعنى هو نحو ما يأتي في رسم طلق من إجازته، تحويل الخاتم في أصابعه عند ركوعه لسهوه، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يكون في الصلاة فيقعد للتشهد فيضيق به الصف أيتقدم عنه

مسألة وسئل عن الرجل يكون في الصلاة، فيقعد للتشهد، فيضيق به الصف أيتقدم عنه؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت بعض أهل العلم يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: الخروج عن الصف في الصلاة منهي عنه، فإنما أجاز ذلك للضرورة، ولو فعله من غير عذر؛ لكان قد أساء، ولم تكن عليه

إعادة، قاله ابن حبيب.
وروى ابن وهب عن مالك: أن عليه الإعادة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي بكرة لما أتى وقد حفزه النفس فركع دون الصف: «زادك الله حرصا، ولا تعد» ؛ لأنه حمل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ولا تعد، أي لا تعد إلى الركوع دون الصف.
وقد قيل: إن المعنى في ذلك لا تعد إلى التأخير عن الصلاة حتى تأتي، وقد حفزك النفس، وهو الأظهر إذ لم يأمره بإعادة تلك الصلاة لذلك.
وقد روي عن وابصة بن معبد: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلا في الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة» ، وهذا لا دليل فيه، إذ قد يحتمل أن يكون إنما أمره أن يعيد لمعنى كان منه في الصلاة، لا لأنه صلى في الصف وحده.
وكذلك ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا صلاة لفرد خلف الصف» ، لا دليل فيه أيضا؛ لاحتمال أن يريد لا صلاة له متكاملة، كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ، وقوله: «لا وضوء لمن لم يسم الله» ، وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: القارئ إذا أخطأ في الصلاة أيتعوذ وهو يلقن ولا يفقه

مسألة وسئل مالك عن القارئ إذا أخطأ في الصلاة أيتعوذ وهو يلقن ولا يفقه، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
فقيل له: يا أبا عبد الله، فإذا

لم يستطع أن ينفذ فيها أيركع أم يقرأ سورة غيرها؟ قال: ذلك واسع.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يبتدئ سورة أخرى.
قال محمد بن رشد: خفف مالك التعوذ للقارئ في الصلاة إذا أخطأ في قراءته؛ لأن ذلك من الشيطان، لما روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عرض له الشيطان في صلاته فقال: أعوذ بالله منك» ، ووسع له إذا لم ينفذ فيها أن يركع، واستحب ابن القاسم أن يبتدئ سورة أخرى.
ووجه استحبابه أنه لما افتتح بسورة، فقد نوى إتمامها، فاستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدر ما كان نوى قراءته، وبالله التوفيق.

مسألة: رعف بعدما سلم الإمام

مسألة وسئل مالك عمن رعف بعدما سلم الإمام، أترى أن يسلم ويجزئ ذلك عنه؟ قال: نعم، إذا أصابه بعد سلام الإمام، فإني أرى ذلك مجزيا عنه أن يسلم، فإن رعف قبل أن يسلم الإمام خرج فغسل الدم عنه، ثم رجع بغير تكبير، فيجلس ثم يتشهد ويسلم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصله؛ لأن الرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة على مذهبه، فإذا رعف بعد سلام الإمام جاز له أن يسلم، وتجزئه صلاته؛ لأنه على طهارة، وإن رعف قبل سلامه جاز له البناء عنده بعد غسل الدم، وقال: إنه يرجع بغير تكبير؛ لأنه لم يخرج من صلاته بالرعاف، وإنما يرجع إلى تمام صلاته بتكبير من خرج منها بسلام، وبالله التوفيق.

مسألة: المسافر إذا زالت الشمس أترى أن يصلي الظهر

مسألة وسئل مالك عن المسافر إذا زالت الشمس، أترى أن يصلي الظهر؟ قال: أحب إلي أن يؤخر ذلك قليلا.

قال محمد بن رشد: استحب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يؤخر ذلك قليلا لوجهين: أحدهما: أن المبادرة في أول الوقت من فعل الخوارج الذين يعتقدون أن تأخير الصلاة عن أول وقتها لا يحل، والثاني: أن يستبين دخول الوقت ويتمكن؛ لأن أول الزوال خفي لا يتبين إلا بظهور زيادة الظل، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه أيكبر حين يقعد

مسألة وسئل مالك عن الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه، أترى أن يكبر حين يقعد، أم ينتظر حتى يفرغ فيركع ركعتي الفجر ثم يصلي؟ قال: أما إذا قعد معه فأرى أن يكبر.
قال ابن القاسم: ويركع ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس.
قال محمد بن رشد: لابن حبيب في الواضحة أنه لا يكبر ويقعد معه، فإذا سلم قام هذا فركع ركعتي الفجر.
وقول مالك أولى وأحسن؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» وإن فاتته ركعتا الفجر في وقتها، فقد أدرك فضل الجماعة بدخوله مع الإمام في آخر صلاته على ما جاء من أن من أدرك القوم جلوسا، فقد أدرك فضل الجماعة، وبالله التوفيق.

مسألة: الصلاة في البرنس

مسألة وسئل مالك عن الصلاة في البرنس، قال: هي من لباس المصلين، وكانت من لباس الناس القديم، وما أرى بها بأسا، واستحسن لباسها، وقال: هي من لباس المسافر للبرد والمطر.
قال: ولقد سمعت عبد الله بن أبي بكر، وكان من عباد الناس وأهل الفضل

وهو يقول: ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان، برنس يغدو به، وخميصة يروح بها، ولقد رأيت ناسا يلبسون البرانس، فقيل له: ما كان ألوانها؟ قال: صفر.
قال محمد بن رشد: البرانس ثياب متان في شكل الغفائر عندنا، مفتوحة من أمام، تلبس على الثياب في البرد والمطر مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو إزار وسراويل؛ لأن العورة تبدو من أمامه.
وهذا في البرانس العربية، وأما البرانس الأعجمية فلا خير في لباسها في الصلاة ولا في غير الصلاة؛ لأنها من زي العجم وشكلهم.
أما الخمائص فهي أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف بها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب، فقوله: برنس يغدو به، يريد يلبسه على ما تحته من الثياب، وخميصة يروح بها، يعني يلتحفها على ما عليه من الثياب، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: الرجل يقوم عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه

مسألة قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر، وهو يدعو ويرفع يديه، فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود.
فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
قال محمد بن رشد: إنما كره رفع الصوت بالدعاء؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارفقوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ، وقد روي أن قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] نزلت في الدعاء.
وأما رفع اليدين عند الدعاء، فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت؛ لأنه

من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى الله عز وجل عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب، فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن تكون ظهورهما إلى الوجه، وبطونهما إلى الأرض، وقيل في قول الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90] إن الرغب بكون بطون الأكف إلى السماء، والرهب بكونها إلى الأرض، وقد وقع لمالك بعد هذا في رسم "المحرم" من هذا السماع: أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء، حتى لا يختلف قوله، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: السدل في الصلاة

مسألة وسئل عن السدل في الصلاة، وليس عليه قميص سوى إلا أن يرخيه وبطنه مكشوف، قال: لا بأس بذلك، إذا كان عليه غير ذلك.
قال محمد بن رشد: صفة السدل أن يسدل طرفي ردائه بين يديه، فيكون صدره وبطنه مكشوفا، فأجاز ذلك إذا كان عليه غير ذلك، يريد - والله أعلم - إن كان عليه مع الإزار غير ذلك من ثوب يستر سائر جسده.
وأجازه في المدونة وإن لم يكن عليه إلا إزار أو سراويل تستر عورته، وحكى أنه رأى عبد الله بن الحسن وغيره يفعل ذلك، ومعنى ذلك إذا غلبه الحر، إذ ليس من الاختيار أن يصلي الرجل مكشوف الصدر والبطن من غير عذر، وقد «روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة وأبي حجيفة: أنه نهى عن السدل في الصلاة» ، فكره لذلك بعض أهل العلم أن يسدل الرجل في صلاته، وإن كان عليه مع الإزار قميص، وقال: ذلك فعل اليهود، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: فضل صلاة العشاء

مسألة وسئل مالك: هل بلغك عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا ذكر له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء؟ قال: نعم، قد بلغني أن سعيد بن المسيب كان إذا ذكر له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء.
قال محمد بن رشد: إنما كان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول ذلك إشفاقا على فوات الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخص بالذكر صلاة العشاء لما جاء من الفضل في شهودها، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونها» أو نحو هذا.
وقال عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة، وذلك لا يكون إلا عن توقيف، إذ لا مدخل في ذلك للقياس، ولا يقال مثله بالرأي، ولعله أراد أن أهل البادية لا يصلون العشاء والصبح في جماعة، ولا يرى لنفسه اختيارا أن يأتم بأئمتهم لجهلهم بالسنة، وبالله التوفيق.

مسألة: المراوح أيكره أن يروح بها في المساجد

مسألة وسئل مالك عن المراوح، أيكره أن يروح بها في المساجد؟ قال: نعم، إني لأكره ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن المراوح إنما اتخذها أهل الطول للترفيه والتنعم، وليس ذلك من شأن المساجد، فالإتيان إليها بالمراوح من المكروه البين.
وستأتي هذه المسألة مكررة في سماع أشهب في أول رسم منه، وبالله التوفيق.

الرجل يقعد مع الإمام في الركعتين فينعس فلا ينتبه إلا لقيام الناس أيقوم أم يتشهد

مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد مع الإمام في الركعتين، فينعس فلا ينتبه إلا لقيام الناس، أيقوم أم يتشهد؟ قال: بل يقوم، ولا يقعد للتشهد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن التشهد قد فاته بنعاسه وذهب موضعه، ووجب عليه أن يقوم إذا قام الإمام؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا» الحديث، ولا شيء عليه في التشهد؛ لأنه مما يحمله عنه الإمام، ولا ينتقض وضوؤه بهذا المقدار من النوم؛ لأنه يسير، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يتشهد وهو ملتف بساجه فيشير من تحت الساج بأصبعه

مسألة وسئل مالك عن الرجل يتشهد وهو ملتف بساجه، فيشير من تحت الساج بأصبعه، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما الإشارة بالأصبع في التشهد فقد استحسنه في رسم "المحرم" بعد هذا، وخير فيه في رسم "نذر سنة".
وقوله هاهنا: لا بأس بذلك يدل على التخفيف، وأن ما سواه أحسن، فلا يعود ذلك إلا إلى الإشارة من تحت الساج، لا إلى نفس الإشارة؛ لأنها السنة من فعل الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على ما في الموطأ من رواية ابن عمر.
ولابن القاسم في تفسير ابن مزين: أنه كان لا يحركهما، وفي سماع أبي زيد عنه أنه قال: رأيت مالكا إذا

صلى الصبح، يدعو ويحرك أصبعه التي تلي الإبهام ملحا.
ووجه تحريكها استشعار كونه مقبلا على صلاته؛ لئلا يشتغل باله بما سواها.
وقد قيل فيها لهذا المعنى: إنها مدية الشيطان، ومقمعة له.
ووجه مدها دون تحريك أن يتأول فاعل ذلك بها أن الله وحده لا شريك له، وبالله التوفيق.

مسألة: صلاة رسول الله في منى إلى غير سترة

مسألة قال مالك: صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منى إلى غير سترة، ولقد كرهت بنيان مسجد عرفة، وذلك أن الرجل يأتي يمسك بعيره وما أشبه ذلك، وليس لكل الناس من يمسك إبلهم.
ولقد أدركت عرفة وما بها مسجد حتى بني بعد، فقيل له: ما اتخذ الناس من البنيان بمنى، فكره ذلك وقال: ذلك مما يضيق على الناس، ولم يعجبه البنيان بها.
قال محمد بن رشد: قوله: صلى رسول الله في منى إلى غير سترة، أي إلى غير سترة مبنية مسجد ولا غيره، لا أنه صلى إلى غير سترة أصلا، فإنه كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلى في الصحراء تركز له الحربة، أو توضع بين يديه العنزة، فيصلي إليها.
وقد بين العلة في كراهيته للبنيان بمنى، ولبنيان مسجد عرفة، ومثل ذلك كله في الحج الأول من المدونة، وقال فيها: إنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين.

مسألة: الأقناء التي تعلق في مسجد النبي

مسألة وسئل مالك عن الأقناء التي تعلق في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أكان ذلك من الأمر القديم؟ قال: نعم، قد كان على عهد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وإنما كان لمكان من كان يأتي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان لموضع ضيافتهم يأكلون منه وأراه حسنا أن يعلق فيه، فقيل له:

أفترى لو عمل ذلك في مساجد الأمصار؟ فقال: أما كل بلد فيه تمر فلا أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: ولم ير مالك بأسا بأكل الرطب التي تجعل في المسجد، مثل رطب ابن عمير، وقد جعل صدقة.
قال محمد بن رشد: الأقناء: العراجين من التمر، وواحدها قنو، ويجمع على أقناء وقنوان.
قال الله عز وجل: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] ، وفي هذا ما يدل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المساجد، ويبيتوا فيها، ويأكلوا فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف كله، وقد تقدم هذا المعنى في أول الرسم الذي قبل هذا، ويأتي في غير ما موضع، وبالله التوفيق.

مسألة: المرأة التي ليس لها الزوج الشابة تضع الخضاب ولبس القلادة

مسألة وسئل مالك عن المرأة التي ليس لها الزوج الشابة، تضع الخضاب ولبس القلادة ولبس القرطين، قال: لا بأس بذلك.
فقيل لمالك: أتصلي بغير قلادة ولا قرطين، قال: نعم، لا بأس بذلك، وإنما يفتيهن بهذا العجائز.
قال محمد بن رشد: إنما وقع السؤال عن المرأة التي ليس لها الزوج الشابة، تضع الخضاب ولبس القلادة ولبس القرطين، من أجل ما روي: «أن امرأة جاءت إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تبايعه فقال لها: "ما لك لا تختضبين، ألك زوج.
قالت: نعم، قال: فاختضبي؛ فإن المرأة تختضب لأمرين، إن كان لها زوج فلتختضب لزوجها، وإن لم يكن لها زوج فلتختضب لخطبها"، ثم قال: "لعن الله المذكرات من النساء، والمؤنثين من الرجال» ، فلم يكره مالك للمرأة الشابة إذا لم يكن لها زوج أن تدع الخضاب ولبس القلادة والقرطين، وقال: لا بأس بذلك، ومعناه إذا لم تفعل ذلك قصدا منها للتشبه بالرجال.
وأما إن كان لها زوج فالخضاب ولبس القلادة والقرطين مما يستحب لها بدليل الحديث، فهو مستحب في حال، ومباح في حال، ومحظور في حال.
والخضاب المأمور به هو أن تخضب المرأة يديها إلى موضع السوار من ذراعيها.
وروي: أن عمر بن الخطاب خطب فقال: يا معشر النساء، إذا اختضبتن فإياكن والنقش والتطريف، ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا، وأشار إلى موضع السوار.
وأما صلاتها بغير قلادة ولا قرطين، فأجاز ذلك مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولم ير فيه كراهة، وقال: لا بأس بذلك، وإنما يفتيهن بذلك العجائز، وقوله بَيِّن لا إشكال فيه؛ لأن هذه الأشياء من المعاني التي أبيح للمرأة أن تتزين بها، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] فليست مما يجب عليها في صلاة ولا غير صلاة، وأرى من كان أصل الفتوى بوجوب ذلك عليهن في الصلاة، تأول قول الله عز وجل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] ، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الآية إنما نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فلا يحتج منها على الوجوب إلا في ستر العورة خاصة، وأما حسن الهيئة في اللباس، وما كان في معناه، فإنما يستدل من الآية على استحبابه.
وإنما نزع بها مالك في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية، وقد كره جماعة السلف للمرأة أن تصلي بغير قلادة، روي ذلك عن ابن سيرين قال: قلت: لم؟ قال: لأنه تشبه بالرجال.
وروى أن أم الفضل ابنة غيلان كتبت إلى أنس بن مالك: أتصلي المرأة وليس في عنقها قلادة؟ فكتب إليها: لا تصلي

المرأة إلا وفي عنقها قلادة، وإن لم تجد إلا سيرا.
ولم يكره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن تصلي بغير قلادة ولا قرطين، وإن كانت القلادة والقرطان للمرأة من زينتها وحسن هيئتها، كما كره للرجل أن يصلي بغير رداء من أجل أن الرداء من زينته وحسن هيئته، والفرق بينهما عنده، والله أعلم أن القلادة والقرطين من الزينة التي أمر الله تعالى أن لا تبديها إلا لزوجها، أو لذي المحرم منها، وبالله التوفيق.

مسألة: القوم يخرجون إلى السفر فيقدمون الرجل الصالح لفضله ولحاله ويجلونه

مسألة وحدثنا مالك، عن عبد الرحمن بن المحبر أنه كان مع سالم بن عبد الله في بعض المناهل، فأقيمت الصلاة في المسجد، قال: فقلت له: الصلاة قد أقيمت، قال: نصلي مكاننا، ولا نصلي صلاتين صلاة السفر، وصلاة الحضر.
وسئل مالك عن القوم يخرجون إلى السفر، فيشيعهم الرجل الذي له الفضل والسن، فيقدمونه لفضله ولحاله فيجلونه، فقال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: رأى سالم بن عبد الله أن القصر أفضل من الصلاة في الجماعة، وهو مذهب مالك؛ لأنه يرى القصر أفضل من الإتمام في جماعة، فإن أتم في جماعة لا يعيد؛ لأن معه فضل الجماعة مكان ما فاته من فضل القصر، وإن أتم وحده أعاد في الوقت ليدرك فضيلة القصر.
وإن قدم المسافرون مقيما لفضله لم يكن بذلك بأس عنده.
وقد تقدم هذا المعنى في رسم "القبلة"، وسيأتي في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجوع على صدور القدمين في الصلاة

مسألة وقال مالك: ما رأيت أحدا ممن كنت أقتدي به يرجع على صدور قدميه في الصلاة.
قال محمد بن رشد: يريد بين السجدتين، وهذا كما قاله؛ لأن سنة الصلاة أن يكون جلوسه بين السجدتين كهيئة جلوسه في التشهد، وقد رأى المغيرة بن حكم عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك لي، فقال: إنها ليست سنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي.
وقال في حديث آخر إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى.
والسنة إذا أطلقت فهي سنة النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حتى تضاف إلى غيره، كما قيل سنة العُمَرَيْن - والرجوع على العقبين بين السجدتين هو الإقعاء المنهي عنه عند أهل الحديث، وعند أهل اللغة جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وبالله التوفيق.

البدار بالصلاة في أول الوقت

مسألة ولقد بلغني أن ابن عمر كان يروح بعد الزوال ثم يسير أميالا قبل أن يصلي الظهر، فقيل له: فأي ذلك أحب إليك؟ قال مالك: مثل الذي فعل ابن عمر يؤخر ذلك، فقيل له: فالجمع بين الصلاتين في السفر؟ قال: إني لأكره ذلك.
قيل له: فالنساء؟ قال: ذلك أخف عندي؛ لأن المرأة تستر وخففه فيها.
وقال ما مالك: «بلغني أن عبد الله بن رواحة أقبل إلى المسجد يوم الجمعة فسمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول وهو على المنبر للناس اجلسوا قال: فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في الطريق فجلس مكانه في الطريق لموضع ما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . فقيل له: فأحب إليك إذا جمع في أي وقت؟ قال: في وسط ذلك بين الصلاتين.
قال محمد بن رشد: رواح عبد الله بن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر يدل على أنه كان يتحرى أن لا يصلي في أول الوقت حتى يتمكن ويمضي منه بعضه، وهو الذي استحب مالك هنا وفي صدر هذا الرسم؛ لأن البدار بالصلاة في أول الوقت من فعل الخوارج، وأن الذي يتحرى أول الوقت لا يأمن أن يخطئ في تحريه فيصلي قبل أول الوقت.
وكراهية مالك جمع الصلاتين في السفر معناه إذا لم يجد في السير، وهو مثل قوله في المدونة، وخففه في المرأة لمشقة النزول عليها لكل صلاة مع حاجتها إلى الاستتار، مع أنه قد أجيز للرجل أيضا وإن لم يَجِدَّ به السير، وإليه ذهب ابن حبيب، وقد روي ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو الذي يدل عليه حديث معاذ بن جبل في الموطأ قوله فيه: «فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا» ؛ لأن قوله ثم خرج ثم دخل يدل على أنه كان نازلا غير ماش في سفره.
وقول مالك: إنه يجمع في وسط ذلك بين الصلاتين يريد في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، وهو مثل قوله في المدونة، وحديث عبد الله بن رواحة وقع في أثناء المسألة، ولا تعلق له بشيء منها، وفيه دليل على أنه يستحب لمن أتى الجمعة أن يترك الكلام في طريقه إذا علم أن الإمام في الخطبة وكان بموضع يمكن عنه أن يسمع كلام الإمام.
وقد قيل: إن الإنصات لا يجب عليه حتى يدخل المسجد، وهو قول ابن الماجشون ومطرف، وقيل

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
معنى الخشوع في الصلاةمسألة: الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمتمسألة: دخل مع قوم في صلاتهم وهو يظن أنها ظهر فتبين له أنه العصرمسألة: أقيمت صلاة الجماعة وهو في مكتوبة يصليها لنفسه في المسجدمسألة: صلى وفي ثوبه نجاسة علم به ثم نسيه حتى فرغ من صلاتهمسألة: دخول الكنائس والصلاة فيهامسألة: لا ينبغي للمسافر أن يقدم مقيما يتم به الصلاةمسألة: مسافر مر بقوم فصلى معهم فتبين له أنهم مقيمونمسألة: أوتر فظن أنه لم يوتر فأوتر مرة أخرى ثم تبين له أنه قد أوتر مرتينمسألة: حكم إمامة الأغلف والمعتوهمسألة: يدخل مع قوم مسافرين وهو يظن أنهم مقيمون يتمون الصلاة وهو في سفرمسألة: صلى بقوم صلاة السفر وهو في الحضر ناسيامسألة: صلى صلاة الحضر وهو في السفر ناسيامسألة: إمام سها فلم يسجدمسألة: شك في صلاته فبنى على اليقين فلم يرد عليه من خلفه حتى سلممسألة: مسافر حضر الجمعة فأصاب الإمام حدث فقدمهالمساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفانمسألة: الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد أيركعهمامسألة: قراء يجتمع الناس إليهم يقرئونهم فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهممسألة: عشور المصحف وتزيينه بالخواتممسألة: الصلاة يقرأ فيها في الركعة الأولى بالشمس وفي الثانية بالبلدمسألة: الصلاة في السفينة قائما أو قاعدامسألة: القراءة في المسجدمسألة: القرى لا يكون فيها إمام إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة أيخطب بهممسألة: لخطيب الجمعة والعيدين والاستسقاء أن يتوكأ على عصىترك العمل يوم الجمعةمسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيحصي الآي بيدهمسألة: الرجل يكون في الصلاة فيقعد للتشهد فيضيق به الصف أيتقدم عنهمسألة: القارئ إذا أخطأ في الصلاة أيتعوذ وهو يلقن ولا يفقهمسألة: رعف بعدما سلم الإماممسألة: المسافر إذا زالت الشمس أترى أن يصلي الظهرمسألة: الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه أيكبر حين يقعدمسألة: الصلاة في البرنسمسألة: الرجل يقوم عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديهمسألة: السدل في الصلاةمسألة: فضل صلاة العشاءمسألة: المراوح أيكره أن يروح بها في المساجدالرجل يقعد مع الإمام في الركعتين فينعس فلا ينتبه إلا لقيام الناس أيقوم أم يتشهدمسألة: الرجل يتشهد وهو ملتف بساجه فيشير من تحت الساج بأصبعهمسألة: صلاة رسول الله في منى إلى غير سترةمسألة: الأقناء التي تعلق في مسجد النبيمسألة: المرأة التي ليس لها الزوج الشابة تضع الخضاب ولبس القلادةمسألة: القوم يخرجون إلى السفر فيقدمون الرجل الصالح لفضله ولحاله ويجلونهمسألة: الرجوع على صدور القدمين في الصلاةالبدار بالصلاة في أول الوقت
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل