كتاب السلم والآجال الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
على أحد قولي مالك في إجازة جمل في جمل مثله نقدا، وجمل مثله إلى أجل، والمشهور من قوله أن ذلك لا يجوز وهو الصحيح، وبالله التوفيق.
مسألة: كبار الحمير في صغار البغال على حال من الأحوال إلى أجل كذلك
مسألة ولا خير في كبار الحمير في صغار البغال على حال من الأحوال إلى أجل كذلك، قال لي مالك: ولا بأس بكبار البغال بصغار الحمير على ما وصفت لك اثنان بواحد إلى أجل؛ قلت: ولم كرهت كبار الحمير بصغار البغال؛ قال: لا أجد فيه إلا الإتباع؛ لأن مالكا قاله؛ قلت: فمن أي وجه أخذ؟ قال: كأنه من وجه أن الحمير تنتج البغال؛ قلت: فلو كان إلى أجل قريب ليس فيه تهمة؟ قال: لو كان مثل الخمسة الأيام وما أشبهها، لم أر به بأسا.
قال محمد بن رشد: الظاهر من هذه المسألة أن مالكا لم يجز أن يسلم كبار الحمير في صغار البغال، وأن ابن القاسم كره ذلك اتباعا لمالك، وتأول عليه أنه إنما لم يجز ذلك من أجل أن الحمير تنتج البغال، فأجاز ذلك إلى الأجل القريب الذي لا تهمة فيه الخمسة الأيام وشبهها، وأجاز أن يسلم كبار البغال في صغار الحمير، إذ لا ينتج البغال الحمير؛ وعلى هذا كان الشيوخ يحملون المسألة ويعترضونها، واعتراضهم لها على ما كانوا يحملونها عليه صحيح؛ لأن الكراهة لتسليم كبار الحمير في صغار البغال ضعيفة، وحجة ابن القاسم باتباع مالك عليها غير صحيحة؛ إذ لا يصح للعالم اتباع العالم في قول يرى أنه لا وجه له في الصحة، وتأويله عليه أنه قال ذلك من وجه أن الحمير تنتج البغال بعيد، لبعد المزابنة في ذلك؛ وإذ تأول هذا عليه واتبعه على قوله، فكان يلزمه أن يقول إن ذلك جائز إلى الأجل البعيد الذي لا يمكن أن يكون فيه من الحمير بغال،
ولا يقول إن ذلك لا يجوز إلا إلى الخمسة الأيام ونحوها، وفي قوله إلا إلى الخمسة الأيام ونحوها إجازة السلم إلى الخمسة الأيام وهو خلاف المشهور من قوله في أن السلم لا يجوز إلا إلى الأجل الذي ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، العشرة الأيام والخمسة عشر، ونحو ذلك؛ وكيف يصح أن يكون مراد مالك ما تأوله عليه وهو يجيز في المدونة وغيرها سلم كبار الخيل في صغارها، وكبار الإبل في صغارها، فلما كان يجيز كبار الخيل في صغارها، وكبار الإبل في صغارها؛ وكبار الحمير في صغارها على هذا القياس، وإن كانت الخيل تنتج الخيل، والإبل تنتج الإبل، والحمير تنتج الحمير، علم أنه لم يكره كبار الحمير في صغار البغال، من أجل أن الحمير تنتج البغال؛ كما تأول عليه، فلعل معنى قول مالك في هذه الرواية على هذا التأويل، أنه رأى الصغار والكبار من كل جنس من الحيوان صنفا واحدا كالصغار والكبار من بني آدم، ومن الضأن والمعز وهو قول ابن دينار في المدنية؛ فكره على طرد قوله هذا كبار الحمير بصغار البغال؛ لأن البغال والحمير عنده صنف واحد، ولو سئل على هذا القول عن كبار البغال بصغار الحمير، لكرهها أيضا، ولم يفرق بين ذلك كما فعل ابن القاسم؛ والذي أقول به في هذه المسألة، أن معنى قوله: ولا خير في كبار الحمير بصغار البغال على حال، أي لا خير في ذلك واحد بواحد، قدم الصغير في الكبير، أو الكبير في الصغير، كما قال في المسألة التي فوقها؛ وذلك صحيح على أصله في أن البغال والحمير صنف واحد.
وقوله بعد ذلك ولا بأس بكبار البغال بصغار الحمير على ما وصفت لك: اثنان بواحد، يدل على هذا التأويل؛ لأنه أراد أنه لا بأس بذلك: اثنان بواحد على ما وصفت لك من أنه يجوز من الصغار بالكبار من
جنس واحد: اثنان بواحد، ولا يجوز من ذلك واحد من واحد؛ فقال عيسى لابن القاسم: ولم كرهت كبار الحمير بصغار البغال؟ أي ولم كرهت كبار الحمير بصغار البغال واحد بواحد إلى أجل مع ما بينهما من البعد، لاختلافهما في الصغر والكبر، وفي الأجناس؟ فقال: ما أجد في ذلك إلا الاتباع؛ لأن مالكا قاله، يريد لأن مالكا قال: إن البغال والحمير جنس واحد؛ وقال: إن الجنس الواحد من البهائم لا يجوز الصغير منه بالكبير واحد بواحد إلى أجل، فقال له: فمن أي وجه أخذه؟ أي من أي وجه أخذ أن الحمير والبغال جنس واحد؟ فقال له: من وجه أن الحمير تنتج البغال، فقال له: فلو كان إلي أجل قريب، أي فلو سلم حمارا كبيرا في بغل صغير، وبغلا كبيرا في حمار صغير إلى أجل قريب ليس فيه تهمة، أي ليس يتهم فيه على الضمان أنه أراد أن يضمن له الكبير على أن يأخذ منه الصغير؛ فقال: لو كان إلى أجل قريب الخمسة الأيام ونحوها لم أر به بأسا.
فعلى هذا التأويل تستقيم المسألة كلها، ويرتفع الالتباس منها؛ وقد تكلم ابن لبابة عليها في المنتخب فأطال القول فيها وخلطه، ومن جملة ما قال: إن ابن القاسم لم يفهم معنى ما قال مالك؛ لأنه قال قولا دقيقا، فتأول عليه ما لا يصح أن يكون أراده، وساق قوله على معنى ما تأوله عليه فزاد في لفظه ونقص، وقدم وأخر، ليفهم السامع معنى قول مالك الذي ظن أنه أراده فلبس المسألة.
قال: والذي ذهب إليه مالك في قوله إنه إذا سلم كبار البغال في صغار الحمير، جاز من ذلك العدد في العدد، والواحد في الواحد، كالخيل في الحمير، إذ لا تخرج الحمير من البغال، كما لا تخرج من الخيل، وإذا سلم كبار الحمير في صغار البغال، جاز في ذلك العدد في العدد، ولم يجز فيه الواحد في الواحد، ككبار الحمير في صغار الحمير، إذ تخرج صغار البغال من الحمير، كما تخرج صغار الحمير من
الحمير؛ هذا معنى قوله، وهو تعسف في التأويل، بعيد من اللفظ، غير بين في المعنى.
مسألة: العصفر بالثوب المعصفر إلى أجل
مسألة قال ابن القاسم: ولا خير في العصفر بالثوب المعصفر إلى أجل، إذا كان العصفر نقدا والثوب إلى أجل؛ لأنه غرر؛ ولا بأس بالثوب المعصفر بالعصفر إلى أجل؛ لأنه لا يخرج من الثوب المعصفر عصفر، ولا خير في البطيخ بزريعة البطيخ إلى أجل؛ يكون في مثل ذلك الأجل من الزريعة بطيخ، ولا زريعة البطيخ بالبطيخ إلى أجل، ولا تبالي أيهما أخرت أو قدمت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى، وقد مضى القول في المزابنة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
تم الجزء الأول من كتاب السلم والآجال