البيان والتحصيلصفحات 73-112
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 73-112
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الاسم يوم قال المجروح مثل ما قال، ويوم ادعى أنه جرحه ولا يلتفت إلى ما قبل ذلك من دعوى السيد ولا الغلام إلا بأمر يعرف سببه فإن عرف السبب أنه قد كان يوم الجراح له مثل ذلك أشكل ذلك حينئذ وكف عنه حتى يقع على واحد معروف، وإلا فهو هو إذا لم يكن غيره من السبب ومعرفة الناس ولا بشبهة يذكر غير ذكر السيد والعبد، وكذلك أمر الحر في الحقوق وغيره يقع ذلك على المنسوب المعروف في موضعه وفي صفاته إذا لم يكن في الحارة أو في البلدة غير ذلك، فإن كان وأشكل ترك حتى يعرف ويستثبت، وهذا يجزيك من جميع مسألتك التي طولت فيها وأكثر.
قال محمد بن رشد: لم يأت أصبغ في هذه المسألة بجواب بين عما يسأله عنه إذا وجد في ملك الرجل الذي ذكر أنه قتله غلامه عبد يسمى بذلك الاسم فأنكر السيد أن يكون هو المدعى عليه وزعم أنه قد كان له عبيد يسمون بذلك الاسم أو وجد بالبلد الذي ادعى أن فيه الحر الذي دمى عليه رجل يسمى بذلك الاسم وينتسب بتلك النسبة فأنكر أن يكون هو المدعى عليه أو وجد بالبلد الذي ادعى أن فيه غريمه رجل يسمى بذلك الاسم فأنكر أن يكون هو غريمه على من يكون طلب أنه ليس بهذا الموضع أحد غير هذا يسمى بهذا الاسم أعلى المدعي أم على المدعى عليه لأنه قال: إن التدمية تلزم للغلام الذي يعرف في ملكه بذلك الاسم يوم دمى عليه، ولا يلتفت إلى قول السيد إلا بأمر يعرف سببه فيشكل الأمر حينئذ ويكف عنه حتى يعرف بعينه، قال وكذلك أمر الحر في الحقوق وغيره يقع ذلك على المنسوب المعروف في موضعه إذا لم يكن فيه غيره فإن كان فيه غيره أشكل الأمر وترك حتى يستثبت فيه، هذا معنى قوله وفيه دليل على أن على المدعى عليه أن يثبت أن في البلد سواه من يتسمى بذلك الاسم وينتسب إلى ذلك النسب، فإن لم يثبت ذلك لزمته التدمية إن كان مدعى عليه، أو الحق إن كان مطلوبا بحق، وهو

مذهب أشهب وقول ابن القاسم في المدنية، وقيل: إن على الطالب أن يثبت أنه ليس بالبلد سواه من يتسمى بذلك الاسم وينتسب إلى ذلك النسب يريد على العلم، فإن لم يثبت ذلك لم يلزم هذا شيء، وهو الذي يدل عليه قول ابن وهب في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب الأقضية، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى هناك وفي رسم العتق من سماع عيسى من الكتاب المذكور فلا معنى لإعادته.

مسألة: العبد يسلم للقتل ثم يستحيى

مسألة قال أصبغ: اختلف قول ابن القاسم في العبد يسلم للقتل ثم يستحيى فمرة قال: لا يكون ماله تبعا له لأن إسلامه للقتل وإن استحيي كقتله، ومرة قال: يكون ماله تبعا له إذا استحيي، قال أصبغ: والقول الأول أحب إلي ألا يكون ماله تبعا له إذا استحيي، ثم رجع أصبغ وقال: إنه يسلم بماله؛ لأنه لما عفا عنه كان بمنزلة الخطأ وسواء قتل عبدا أو حرا أو كان جرحا أو نفسا قال أشهب: يؤخذ بماله في العمد والخطأ إلا أن يستقاد منه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم الأول الذي رجع عنه أصبغ أظهر من القول الثاني الذي رجع إليه؛ لأنه لما أخذه ليقتله وقد علم أنه إذا قتله يبقى ماله لسيده فإذا استحياه بعد أن أخذه ليقتله فقد رضي أن يأخذه في جنايته دون ماله، إلا أن يفتديه منه سيده بجنايته فعلى القول الأول يكون سيده مخيرا بين أن يسلمه دون ماله أو يفتكه بجنايته، وعلى القول الثاني يكون مخيرا بين أن يسلمه بماله كما لو استحياه قبل أن يأخذه ليقتله، وبين أن يفتكه وماله بجنايته، والحكم في مال العبد الجاني أن يكون معه في الجناية وكذلك ما أفاد بعد هذا أو كسب، قال ذلك ابن القاسم في المجموعة، قال سحنون: وقال غيره إن كان ماله عينا لم يخير سيده ووديت من ماله إن حملها وأما إذا لم

يحملها أو كان عينا غائبا أو عرضا فيخير سيده، ومذهب ابن القاسم أن يخير سيده على كل حال وإن كان ماله عينا يفي بالجناية والله أعلم.

: الذي يطرح جنين الأمة ما عليه

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد بن أبي الغمر سئل ابن القاسم عن الذي يطرح جنين الأمة ما عليه؟ قال: عشر ثمن أمه، قيل له أرأيت إن استهل صارخا حين طرح؟ قال: يغرم ثمنه على قدر الرجاء فيه والخوف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا خرج ميتا ففيه عشر ثمن أمه لا اختلاف في ذلك في المذهب، قال ابن نافع عن مالك: زادت عشر قيمتها على الغرة أو نقصت، وسواء كان أبوه حرا أو عبدا لأنه تبع لأمه، قال ذلك مالك في المجموعة وابن القاسم وأشهب، ومذهب الشافعي في ذلك كمذهب مالك، وقال أبو حنيفة إن كان ذكرا ففيه نصف قيمته لو كان حيا، وإن كان أنثى ففيها عشر قيمتها لو كانت حية، وذكر عن أبي يوسف أن فيه ما نقص من أمه كما يكون في جنين البهائم، وقال حماد: فيه حكومة وهو نحو قول أبي يوسف وقال سعيد بن المسيب فيه عشرة دنانير، وأما قوله إذا استهل صارخا أن فيه قيمته على الرجاء والخوف ففيه نظر، إذ لا يقوم على أنه يعيش أو يموت وقد خرج مطروحا بالجناية على أمه وإنما يقوم فيقال كم كانت تكون قيمته اليوم لو وضعته أمه من غير جناية عليه؟ فتكون عليه قيمته بالغة ما بلغت وبالله التوفيق.
مسألة وسئل عن رجل كان له ابن يجري الخيل فأتاه رجل فسأله إياه أن يجري فرسه فأذن له فوقع من الفرس فمات الصبي، قال: لا

نرى على الذي حمله شيئا إلا عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لأنه من الخطأ، وأما الدية فلا أرى عليه دية لأنه بمنزلة رجل عفا عن ديته فهو إذا أذن له أن يحمله على فرس فهلك فهو من الخطأ، وهو بمنزلة ما لو عفا عن ديته لأن الدية إنما تصير إليه وحده.
[قال محمد بن رشد: معناه إذا لم يكن له أم وذلك بيّن من قوله: لأن الدية إنما تصير إليه وحده] ولو كانت له أم لكان على عاقلته ثلث ديته لأمه وبالله التوفيق.

مسألة: جرح رجلا جرحا فترامى جرحه فمات

مسألة وعن رجل جرح رجلا جرحا فترامى جرحه فمات فاستحق وليه الدم فعفا عنه على أن يخرج من ذلك البلد فإن وجده فيه قتله فخرج ثم إنه وجده فيها قال: أرى أن يقتل به.
قال محمد بن رشد: زاد ابن حبيب فإن شرطوا إن لم يفعل أو فعل ثم عاد فله الدية، فإن كان الذي قد ثبت حين الصلح فذلك جائز في القود والدية، وإن كان لم يثبت لم يجز إلا أن يقولوا فإن لم يفعل أو فعل فعاد فنحن على حجتنا في الدم وكذلك الجراحات مثله وبالله التوفيق.

مسألة: طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الموت فسرحه

مسألة وقال ابن القاسم في رجل طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الموت فسرحه، قال: لا شيء عليه، ولو أنه ذهب يعلمه العوم فلما خشي على نفسه سرحه قال: فذلك عليه، يريد الدية.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله في الوجهين جميعا؛ لأن الذي ذهب يعلمه العوم غره بما فعل، فوجب عليه الضمان بتسريحه إياه حين خشي على نفسه الموت، وهو من الخطأ، فقوله فذلك عليه يريد الدية على العاقلة والله أعلم، وأما الذي طلب الغريق لينجيه فلما خشي على نفسه سرحه فلم يغره بشيء، وإنما أراد الخير فيما فعل فلم يكن في تسريحه شيء، إذ لو لم يطلبه ولا أخذه لغرق أيضا، فلم يضره فيما فعل وبالله التوفيق.

مسألة: يقتل فيوجد بمكة فيقوم أولياؤه أترى أن يقتل في الحرم

مسألة وعن الرجل يقتل فيوجد بمكة فيقوم أولياؤه أترى أن يقتل في الحرم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] قال: نعم يقتل ولا ينتظر به الفراغ من حجه والحرم أحق ما أقيم فيه حدود الله.
قال محمد بن رشد: مثل هذا ما تقدم من قول مالك في آخر سماع أشهب، ولا أحفظ فيه اختلافا بين أحد من فقهاء الأمصار، وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] إنما هو إخبار عما كان في جاهليتهم على ما قاله أهل التفسير، لو أن رجلا جرح حرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب ولم يتناول، فأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من حد، من قتل قتل ومن أصاب حدا أقيم عليه، قال الحسن: أصابه فيه أو في غيره، وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل الحد في الحرم أقيم عليه، وإن أصابه في غيره ثم لجأ إليه فإنه لا يكلم ولا يجالس ولا يؤوى حتى يخرج منه فيؤخذ فيقام عليه الحد، وقيل إنه إذا لجأ إليه أخرج منه فأقيم عليه وبالله التوفيق.

مسألة: يقتل ولا يترك إلا ولدا أصاغر أو لا ولي له إلا السلطان

مسألة وقال في الذي يقتل ولا يترك إلا ولدا أصاغر أو لا ولي له إلا السلطان قال: يقيم لولده وليا فيجعله خليفة عليهم بعد أبيهم فيكون من ولاة السلطان ذلك من أمرهم بمنزلة الوصي الولي فإن رأى أن يأخذ للأيتام العقل أخذه وإن رأى أن يقتل قتل، ويمضي الذي رأى في ذلك إلا أنه إن عفا عن القاتل بغير شيء يأخذه للأيتام فرأى أن لهم فيه خطأ لم يجز ذلك؛ لأن ذلك ليس فيه نظر للأيتام أن يترك حقهم بغير شيء أخذه لهم، فلا عقل أخذه ولا قود فلا يجوز ذلك، وإن رأى أن يصالح بالدية كاملة صالح، ولا يكون له أن يصالح بدون الدية إن كان مليا بها، فإن لم يكن مليا بها جاز صلحه على ما يرى إذا كان على وجه النظر لهم، وإذا صالح بدونها والقاتل مليء بها لم يجز ذلك، ورجع على القاتل ولم يرجع القاتل على الولي بشيء.
قال محمد بن رشد: أجاز أشهب أن يصالح بأقل من الدية على وجه النظر ما لم يكن يسيرا جدا فتبين فيه المحاباة، وقول أشهب أصح على مذهب ابن القاسم، وقول ابن القاسم أصح على مذهب أشهب، أصل ذلك اختلافهم في القاتل هل هو مجبور على غرم الدية؟ فمن جبره على غرم الدية وهو المعلوم على مذهب أشهب فيلزمه ألا يجيز للوصي أن يصالح بأقل من الدية إذا كان مليا، ومن لم يجبره على غرم الدية وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم أجاز صلح الولي بأقل منها لا على وجه النظر لأنه مال لم يملك أخذه وبالله التوفيق.

مسألة: شق جوف رجل حتى بلغ إلى مقاتله ثم جاء رجل آخر فقتل الذي شق جوفه

مسألة وقال في رجل شق جوف رجل حتى بلغ إلى مقاتله ثم جاء رجل آخر فقتل الذي شق جوفه وكان حينئذ حيا قبل أن يقتل القاتل الآخر، ولا يكون على الذي شق جوفه إلا الأدب فقط، قيل له فإنه لو لم يقتله لم يحيا، قال: وإن.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى فلا معنى لإعادته.

مسألة: استحقت عليها القسامة فجاء رجل آخر فقال أنا والله قتلته

مسألة وقال في جماعة أربعة أو خمسة شهد عليهم شاهد أنهم قتلوا رجلا فاستحقت عليها القسامة فجاء رجل آخر فقال: أنا والله قتلته إنه لا يقتل واحد منهم إلا بقسامة لا الذي أقر ولا الآخرون إلا بقسامة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة عندي أن المقتول كانت له حياة بعد الجرح، وإنما وجبت لهم القسامة مع الشاهد الواحد على الجرح، ولذلك قال: إنه لا يقتل واحد منهم إلا بقسامة لا الذي أقر ولا الآخر، ولو لم تكن له حياة فقال المقر أنا قتلته قتلا مجهزا لكان لهم أن يقتلوه بلا قسامة، وقد مضى بيان القول في هذا في آخر سماع سحنون وفي أول سماع عيسى وبالله التوفيق.

مسألة: ضرب رجلا خطأ وجاء آخرفضربه عمدا

مسألة وعن رجل ضرب رجلا خطأ وجاء آخر فضربه عمدا إن مات مكانه قتل به الذي ضربه عمدا، وكان على الذي ضربه خطأ نصف

الدية، وإن عفا عن القاتل عمدا سجن عاما بعد مائة سوط، وإن عاش بعد ضربهما جميعا ثم مات "أقسم ولاته على أيهم شاءوا، فإن أقسموا على الذي ضربه عمدا قتل به ولا شيء على الآخر، وإن أقسموا على الذي ضربه خطأ كانت عليه الدية كاملة وبرئ الآخر، إلا أن يعلم أنه ضربه ضربة لا يموت من مثلها، فإن كان كذلك فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهم إن أقسموا على الذي ضربه عمدا قتل به ولا شيء على الآخر وإن أقسموا على الذي ضربه خطأ كانت عليه الدية كاملة وبرئ الآخر خلاف ما تقدم في رسم المكاتب من سماع يحيى، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى، وذكرنا هناك أن رواية أبي زيد هذه تأتي على أصل أشهب حسبما بيَّناه فلا معنى لإعادته.
وأما قوله إذا مات من الضرب مكانه إنه يقتل به الذي ضربه عمدا ويكون على الذي ضربه خطأ نصف الدية يريد على العاقلة، فهو بيّن لأنهما قد اشتركا جميعا في قتله، ودم الخطأ يتبعض ودم العمد لا يتبعض فإذا قتل الجماعة رجلا قتلوا به جميعا، وإذا قتلوه خطأ لم يكن فيه إلا دية واحدة على عواقلهم أجمعين وبالله التوفيق.

مسألة: قال والله ما زلت من يوم ركضني فلان منها بشر وما قتلتني إلا ركضته

مسألة وعن رجل ركض رجلا برجله البطن فمكث أياما فزعم أنه يجد من الركضة على فؤاده أمرا شديدا فمات، قال: ينبغي لمثل هذا أن يخوف ويذكر الله، فإن أصر وقال والله ما زلت من يوم ركضني فلان منها بشر، وما قتلتني إلا ركضته رأيت أن يقسموا معه ويستحقوا دمه إذا كان مضطجعا من يوم ركضه حتى مات، وإن لم يضطجع إذا رئي به ضرر ذلك وشينه كان بمنزلة الاضطجاع.

قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما تقدم من قول ابن كنانة في آخر رسم العتق من سماع عيسى، ومثل ما تقدم بالدليل من مسألة رسم أول عبد من سماع يحيى وقد مضى الكلام على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته.

مسألة: الذي يدعي الدم قبله إذا نكل ولاة المقتول عن القسامة

مسألة وقال في الذي يدعي الدم قبله إذا نكل ولاة المقتول عن القسامة وردوها على أولياء القاتل فحلفوا وبرأوا صاحبهم لم يكن بد من أن يجلد مائة ويحبس عاما.
قال محمد بن رشد: قوله وردوها على أولياء القاتل فحلفوا وبرأوا صاحبهم هو مثل ما في أول رسم من سماع عيسى، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك وذكر ما فيه من الاختلاف وتوجيهه فلا وجه لإعادته

مسألة: قال عند موته فلان قتلني وناس معه

مسألة وقال في رجل قال عند موته فلان قتلني وناس معه، قال يقسمون على الذي سمى ويقتلونه، وأما قوله وأناس معه فإن عرفوا وأثبتتهم البينة أنهم ضربوه معه أقسموا على أيهم شاءوا منهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم من المعلوم من مذهب مالك في غير ما موضع من أنه لا يقتل بالقسامة إلا رجل واحد والله الموفق.

مسألة: ليس الشهر للمتهم المريب بكثير

مسألة وقال في رجل اتهم بقتل رجل عمدا فحبس ولا بينة لهم على ذلك فأقر على نفسه أنه قتله خطأ أعليه البينة أنه قتله خطأ أم لولاة المقتول من الدية شيء أم يطال حبسه؟ قال: قال مالك: يطال حبسه لعله يأتي عليه بلطخ، فإن لم يأت عليه بشيء من ذلك أقسم

خمسين يمينا وخلي سبيله، ولو أنه أتى بشاهد من أول وهو ممن لا يتهم أنه يريد غنى ولده أقسم ولاة المقتول مع قوله: إني قتلت فلانا خطأ واستحقت الدية كاملة كذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يطال حبسه يريد الثلاثين يوما ونحوها على ما قاله في سماع عبد الملك من أنه ليس الشهر للمتهم المريب بكثير، وقوله لعله يأتي بلطخ يريد بلطخ يكون لوثا فيقسمون معه ويقتلونه أو لا يبلغ أن يكون لوثا فتستحق المرأة الطويلة حتى يتبين براءته وتأتي عليه السنون الكثيرة على ما قاله في الواضحة حسبما بيناه، وقال إنه إن لم يأت عليه بشيء يستحلف خمسين يمينا ويخلى سبيله يريد ولا يكون لهم عليه بإقراره على نفسه بالخطأ دية، ولا شيء؛ لأنهم لما ادعوا العمد فقد أقروا أن حقهم إنما هو في دمه لا في ماله ولا على عاقلته، وقوله ولو أنه أتى بشاهد من أول معناه ولو أن الولاة ادعوا الخطأ من أول ولم يدعوا العمد واستظهروا بشهادته على نفسه بأنه قتله خطأ وهو ممن لا يتهم بأنه أراد غنى ولد المقتول مثل أن يكون صديقا له ملاطفا على ما قاله في المدونة أقسموا مع قوله: إني قتلت فلانا خطأ واستحقوا الدية كاملة ولم يبين هل تكون في ماله أو على العاقلة فقيل: إنها تكون في ماله لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، وقيل إنها تكون على العاقلة، والقولان في كتاب الصلح من المدونة وبالله التوفيق.
تم كتاب الديات بحمد الله تعالى وحمد عونه.

: كتاب الجناية الأول

مسألة: شج رجلا موضحة فصارت منقلة فأراد أن يقتص له من الموضحة

من سماع عبد الرحمن ابن القاسم من مالك من كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سئل مالك عن رجل شج رجلا موضحة فصارت منقلة فأراد أن يقتص له من الموضحة

ويأخذ فضل المنقلة فوقف فيها، ثم قال: أكتب إليه إن أراد أن يأخذ عقل المنقلة فذلك له، وذلك أنها إنما صارت منقلة لأن الضربة هشمت العظم والبط لا يأتي منه منقلة، وسكت عن القصاص، قال ابن القاسم: قد كان يقول قبل ذلك يقاد له من الموضحة فإن صارت منقلة فلا شيء له، وإن برأت موضحة ولم تصر منقلة عقل له ما بين عقل الموضحة والمنقلة ورأى أن يعجل فيها كما يعجل في الجراح إذا قطع كفه أو أصبعه فتآكلت أكثر مما قطع منها أقيد مما أصاب منه ثم استؤني به فإن برأت على حالها عقل له ما بينهما، وإن تآكلت أقل مما أكلت يد الأول عقل له على قدر ذلك وإن أكلت مثل أو أكثر من يد الأول لم يكن على الأول شيء، قال ابن القاسم: لم يزل مالك يقول يأخذ عقل منقلة ولا شيء له في القصاص، قال سحنون: وأنا أقول كل من جرح رجلا جرحا مما مثله يفرغ في بعض، مثل أن يجرحه ملطاة فتصير موضحة، أو يجرحه موضحة فتصير منقلة أو يجرحه منقلة فتصير مأمومة، فهذه الجراح كلها مما يفرغ بعضها في بعض، فإذا جرح رجل رجلا بعض ما وصفت لك

من هذه الجراح ثم ترامت إلى نحو ما وصفت لك مما يفرغ بعضه في بعض فاحكم له بالجرح الذي ترامى إليه كأن الجارح جرحه إياه، ولا يلتفت إلى الأول، وإذا ترامى الجرح إلى غير ما وصفت له مما لا يفرغ بعضه في بعض مثل أن يجرحه موضحة فيذهب منها عينه أو تشل منها يده فأحكم له بالجرح الأول موضحة كان أو غيره وبعقل اليد والعين جميعا كأن الجارح جرحه إياهما.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة في السؤال فأراد أن يقتص له من الموضحة ويأخذ فضل المنقلة معناه فأراد أن يقتص له من الموضحة ويأخذ فضل المنقلة إن برئ المقتص منه من الموضحة دون أن تصير منقلة، وقول مالك: أكتب إليه إن أراد أن يأخذ عقل المنقلة فذلك له، وذلك أنها إنما صارت منقلة؛ لأن الضربة هشمت العظم يدل دلالة ظاهرة أنه خيره بين أن يأخذ عقل المنقلة وبين أن يقتص من الموضحة ويأخذ عقل فضل ما بينهما وبين المنقلة إن لم تصر موضحة المقتص منه منقلة فهو خلاف قوله الثاني الذي حكى ابن القاسم عنه أنه رجع إليه من أنه يأخذ عقل المنقلة، ولا شيء له في القصاص، وهذا القول أقيس على تعليله بأن الضربة هشمت العظم والبط لا تأتي منه منقلة والتخيير بين أن يأخذ عقل المنقلة وبين القصاص استحسان.
وأما قول مالك الأول وما حكى سحنون أنه مذهب ابن القاسم من أن يقتص من الموضحة ويأخذ عقل فضل ما بين الموضحة والمنقلة إن برئ المقتص منه دون أن يترامى أمره إلى منقلة فهو القياس على ما أجمعوا عليه في الذي يترامى جرحه إلى شيء آخر مثل أن يجرحه موضحة فتذهب منها عينه، وكذلك لو جرحه ملطاة فصارت موضحة لكان بالخيار بين أن يقتص من الملطاة وبين أن يأخذ عقل الموضحة على أحد قولي مالك، وعلى قوله الآخر ليس له إلا عقل الموضحة لا القصاص منها، إذ لا يصح القصاص مما آل إليه

الجرح وإنما فيه الدية، وعلى قول مالك الأول ومذهب ابن القاسم يقتص له من الملطاة، بأن صارت موضحة وإلا عقل له ما بين الملطاة والموضحة وبالله التوفيق.

مسألة: لو جرح عبد موضحة فأعتقه سيده بعد الجرح ثم ترامت بعد عتقه إلى منقلة

مسألة قلت لسحنون: فلو جرح عبد موضحة فأعتقه سيده بعد الجرح، ثم ترامت بعد عتقه إلى منقلة، قال: يكون عليه عقل موضحة عبد وعقل ما بين الموضحة والمنقلة من دية الحر.
قال محمد بن رشد: قوله يكون عليه عقل موضحة عبد يريد لسيده، وقوله وعقل ما بين الموضحة والمنقلة من دية الحر يريد العبد المعتق، وقول سحنون في هذه المسألة هو على قياس قول ابن القاسم وقول مالك الأول في الذي يجرح رجلا موضحة فتصير منقلة أنه يقاد له من الموضحة ويعقل له ما بين الموضحة والمنقلة إن برئ المقتص منه دون أن يصير جرحه بالقصاص منه منقلة خلاف ما اختاره وأخذ به في ذلك من أنه يحكم له بالجرح الذي ترامى إليه كان الجارح جرحه إياه، والذي يأتي في الذي تصير موضحته منقلة بعد العتق على قياس قوله في هذه المسألة أن يكون على الجارح دية منقلة حر لسيد العبد المجروح، فقول سحنون في هذه المسألة معترض لقوله في المسألة المتقدمة وعلى خلاف أصله فيها، وقال ابن الماجشون: على جارحه دية منقلة حر للعبد المعتق يحكم للمجروح بما آل إليه الجرح من المنقلة، وهو أبعد الأقوال؛ لأنه جعل تراقي الجرح بعد العتق إلى ما فوقه كتراقيه إلى الموت على مذهب ابن القاسم الذي يرى في ذلك دية الحر كاملة وقد مضى الكلام على هذا في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من كتاب الديات.

مسألة: من حق الجارح أن يقتص ممن جرحه

مسألة وقال مالك: إذا اقتص الرجل من الجراح فإني أرى أن يقتص له طبيب وأرى جعله على الذي يقتص له، ومثل ذلك بالدين، قال ابن القاسم وتفسير الدين أن يكون على الرجل الدين فيرسل إليه من يقبضه فعلى صاحب الدين جعله، وليس على الذي عليه الدين شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله لأن من حق الجارح أن يقتص ممن جرحه، ولم يمكن من أن يأخذ ذلك بيده مخافة أن يتعدى في القصاص، فوجب أن يكون الجعل في ذلك على الذي كانت عنه النيابة، وقد قيل إن الجعل في ذلك على المقتص منه؛ لأن القصاص حق عليه يجب أن يوفيه لصاحبه فيكون عليه أجرة الذي يقتص منه، كما يكون على المطلوب بمكيل أو موزون أجرة الكيل والوزن، وهو مذهب الشافعي، وفيه بُعد إذ لا يجب على الجارح أن يقتص من نفسه للمجروح، وإنما الذي يجب عليه القصاص أن يمكن من نفسه للقصاص منه فذلك بخلاف توفية الحقوق المكيلة والموزونة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: 88] وبالله التوفيق.

: ركب ورمحه في يده فأصاب به فرس رجل وهو لا يتعمده

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن رجل كان في أرض العدو وأنه دخل وجماعة من المسلمين مضيقا فخاف على نفسه وعلى ميت معه فنزل وأمر أصحابه بالنزول فقالوا له: لا نفعل، فإنا نخشى أن يقطع بنا العدو، فاركب فركب ورمحه في يده فأصاب به فرس رجل وهو لا يتعمده

وصاحبه لا يعلم فلم يسيروا إلا يسيرا حتى سقط الفرس وصاحبه يظن أن العدو هم الذين أصابوه أفترى عليه شيئا؟ قال: ما أرى عليه شيئا، وما الدابة عندي بمنزلة الإنسان يصيبه ما لا يستطيع أن يدع سلاحه لموضع خوفه، فلا أرى عليه شيئا في ذلك، قال ابن القاسم: وإن كان أصاب إنسانا فعليه، ولو كان أصاب دابّة في حضر فعليه، قال سحنون: السفر والحضر واحد وعليه الغرم.
قال محمد بن رشد: تفرقة مالك في هذا بين الدابة والإنسان استحسان، والقياس على أصولهم في أن أموال الناس تضمن بالعمد والخطأ قول سحنون، ووجه ما ذهب إليه مالك أنه رآه مغلوبا عليه في هذه الحال، فلم يكن جناية فيها بقصد، فأشبه جناية المجنون فقوله في هذه الرواية على قياس القول بأن ما أصاب المجنون من الأموال هدر، وما أصاب من الدماء يكون حكمه فيها حكم الخطأ، تحمل العاقلة منه ما بلغ الثلث فصاعدا وهو قول ابن القاسم في رسم العشور من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، وقد قيل: إن حكمه حكم الخطأ في الأموال والديات، وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب بعد هذا، وقيل إنه فيما جنى في الأموال والدماء كالبهيمة وبالله التوفيق.

: العبد يعدى عليه فيخصى فينقص منه أو لا ينقص أولا أو يزيد فيه

ومن كتاب القبلة وقال مالك في العبد يعدى عليه فيخصى فينقص منه أو لا ينقص أولا أو يزيد فيه، قال: إن نقصه ذلك فله ما بين القيمتين كجراحه، وإن لم ينقصه وزاد فيه فإني أرى أن ينظر إلى ما ينقص الخطأ من مثله إذا خصي من أوسط صنفه فيحمله عليه، وإنما يكون ذلك أن ينظر إلى ما نقص الذي زيد فأجعله جزءا من ثمنه، فإن كان

عشرا كان له عشر ثمنه ثم على نحو هذا يكون في الأجزاء.
قال محمد بن رشد: أما إذا نقص الخصا من قيمته فلا إشكال ولا اختلاف في أنه يلزم الجاني عليه ما نقص ذلك من قيمته، وأما إذا زاد فيه فقوله إنه ينظر إلى ما نقص الخصا من مثله إلى آخر قوله ففيه إشكال، لقوله إنه ينظر إلى ما نقص الذي زيد فيجعل ذلك جزءا من ثمنه، فإن كان عشرا كان له عشر ثمنه، فقد تأول بعض الناس أن معنى ذلك أنه إن كان زاد الخصا في ثمنه الثلث كان على الجاني ثلث قيمته، وإن كان زاد فيه الربع أو النصف كان عليه ربع قيمته أو نصفها، وإن زاد فيه الخصا مثل ثمنه أو أكثر كان عليه غرم جميع قيمته وهو بعيد في المعنى فلا ينبغي أن يحمل الكلام على ذلك، وإن ساعده اللفظ، وإنما معنى قوله ينظر إلى ما نقص الذي زاد أن ينظر إلى ما نقص منه الخصا الذي زاد في قيمته كمن كان ينقص منه لو لم يرغب فيه من أجل خصائه إذ لا شك في أن الخصا ينقص بعض منافعه فتنقص قيمته من أجل ذلك ويرغب فيه الملوك أيضا فتزيد قيمته لذلك، فقد نفى الزيادة بالنقصان فتكون قيمته مخصيا وغير مخص سواء وقد يكون ما يزيد فيه الرغبة لخصائه أكثر مما ينقص منه الخصا، فتكون قيمته مخصيا أكثر، وقد يكون ما تزيد فيه الرغبة لخصائه أقل مما ينقص منه الخصا، فيكون قيمته مخصيا أقل من قيمته غير مخص فأراد في الرواية أنه ينظر إلى ما نقص منه الخصا لو لم يرغب فيه من أجل خصائه وقد قال سحنون: إنه إن أراد الخصا فإنه ينظر إلى عبد دني، وعبد ممن ينقص مثله الخصا فيقال ما ينقصه المخصي؟ فيقال خمسه فيغرم الجاني خمس قيمة العبد الذي جنى عليه، وفي قوله نظر؛ لأن الخصا ينقص من قيمة العبد النبيل الرائع أكثر مما ينقص من قيمة الوخش، فقول مالك على ما تأولناه عليه هو أصح في النظر، وقد قال ابن عبدوس: إذا لم ينقصه الخصا فلا غرم على الجاني، والذي أقول به في هذا أنه إذا لم ينقصه الخصا فيكون على الجاني جميع قيمته لأن الخصا

يقطع النسل وفي ذلك في الحر الدية كاملة، فيكون فيه في العبد قيمته كاملة قياسا على موضحته ومنقلته ومأمومته وبالله التوفيق.

مسألة: إذا شهد لرجل شاهد واحد على جرح خطأ

مسألة وقال ابن القاسم: إذا شهد لرجل شاهد واحد على جرح خطأ حلف مع شاهده واستحق دية جرحه إن كان مما فيه دية، وإن نكل عن اليمين فردها على الجارح حلف وإلا أدى إليه دية الجرح بمنزلة المال الدين، قال عيسى وسحنون: وذلك إذا كان جرحه أدنى من الثلث، فإن كان جرحه الثلث فأكثر فلا شيء عليه ولا يمين عليه، قال سحنون: وإنما أبطل ذلك عنه لأن الدية قد صارت على غيره.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يحلف مع شاهده على جرح الخطأ ويستحق ديته صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه مال من الأموال، وقد قال في الشهادات من المدونة وكل جرح لا قصاص فيه فإنما هو مال، ولذلك جازت فيه اليمين مع الشاهد.
وقوله إن نكل عن اليمين فردها على الجارح حلف وإلا أدى إليه دية الجرح لا اختلاف فيه إذا كان الجرح له دية وهو أقل من الثلث، وأما إذا كان الثلث فما عدا فقول سحنون إنه لا شيء عليه ولا يمين إذا نكل المجروح عن اليمين مع شاهده؛ لأن الدية قد صارت عليه هو على قياس قول ابن الماجشون في أن الأولياء إذا نكلوا عن القسامة في دم الخطأ لم ترجع الأيمان على العاقلة، والذي يأتي على مذهب ابن القاسم إذا نكل المجروح عن اليمين مع شاهده أن ترجع اليمين على الجارح وجميع عاقلته، فمن حلف منهم برئ مما يقع عليه من دية الجروح، ومن نكل غرم ما يجب عليه منها، وعلى قول مالك في رواية ابن وهب أن يحلف الجارح وحده، فإن حلف سقطت دية الجرح عنه وعن العاقلة، وإن نكل عن اليمين لزمه ما يلزم واحدا

من العاقلة، وقد مضى في أول سماع عيسى من كتاب الديات تحصيل القول في نكول الولاة عن القسامة في دم الخطأ وهو أصل لهذه المسألة وبالله التوفيق.

مسألة: إذا جرحت أم الولد خطأ فتوفي سيدها

مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: إذا جرحت أم الولد خطأ فتوفي سيدها أخذ عقلها وكانت مالا للورثة، قال ابن القاسم: ثم قال بعد ذلك أراه لها؛ لأن أم الولد ليست كغيرها لها حرمة وليست بمنزلة العبد، ولذلك إذا لم يقبضه سيدها حتى مات قال ابن القاسم: وقد رأيت مالكا كأنه يعجبه هذا القول ويستحسنه، قال ابن القاسم: وأنا استحسن قول مالك الذي رجع إليه.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في كتاب ابن المواز إن قوله الأول هو القياس، ونحن نستحسن ما رجع إليه، وكذلك لو أعتقها قبل أن تؤخذ دية الجناية كانت لها، وقال أشهب: بل ذلك للسيد، وقال سحنون في المبسوطة بالقول الأول أقول وهو الفقه فيها، وكذلك يختلف على هذا أيضا إذا جنت هي فتوفي سيدها قبل أن يحكم عليه بالجناية هل تؤخذ من ماله أو تكون عليها، فقال ابن القاسم في المدونة ورواه عن مالك إن ذلك يؤخذ من ماله ولا يكون عليها، وقال غيره فيها إذا لم يقم على السيد بالجناية حتى مات فهي عليها، فاختلاف قول مالك في المسألة الأولى يدخل في هذه، إذ لا فرق بينهما في القياس، ولا اختلاف في أنها إذا ماتت هي قبل أن يحكم على سيدها بما جنت فلا شيء عليه من جنايتها.

: جراح الخطأ التي دون الثلث

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال ابن القاسم: كل ما كان من جراح الخطأ التي دون الثلث التي يستأنى بصاحبها خوفا أن يأتي فيها أكثر من الثلث مثل اليد يقطع منها الأصبع وما أشبه ذلك فما كان مما يصاب به مما هو دون الثلث أخذ عقله فوضع فإن برئ دفع إليه، وإن نزي فيها حتى يكون ذلك أكثر من الثلث رد إليه وحملته العاقلة وكان الجارح كرجل منهم يعقل معهم كما يعقلون، وما كان مما تحمله العاقلة استؤني به ولم يؤخذ له عقل حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمره، ولأن العاقلة أمر مأمون ولأن الرجل في خاصته يخاف أن يذهب ماله وتلحقه الديون وبرئ فيكون أقل من الثلث فلا تحمل العاقلة شيئا ولا يوجد له مال، وإنما هو بمنزلة سن الصبي التي تنزع قبل أن يثغر، قال سحنون إذا كان الجرح مما تحمله العاقلة فإنه يفرض له ولا يستأنى به في الجرح ويكون منجما على العاقلة فإن آل الجرح إلى غير ما هو عليه زيد ذلك على العاقلة.
قال محمد بن رشد: قوله في جرح الخطأ إذا كان دون الثلث إن عقله يوضع حتى ينظر إلى ما يصير إليه، بخلاف إذا كان أكثر من الثلث لأن العاقلة أمر مأمون صحيح على معنى ما في المدونة؛ لأنه قال فيها في سن الصغير: إنه يوضع على يدي عدل حتى ينظر إلى ما يصير إليه، وأما قول سحنون إن الجرح إذا كان مما تحمله العاقلة إنه يفرض ولا يستأنى به برء الجراح ويكون منجما على العاقلة فإن آل الجرح إلى غير ما هو عليه زيد ذلك على العاقلة فهو خلاف نص ما في المدونة أن دية المأمومة لا تفرض على العاقلة حتى تعرف ما تصير إليه المأمومة لأنها ربما آلت إلى النفس فلم تجب الدية على العاقلة إلا بقسامة ولما سأله فيها عن المعنى في تأخير فرض

المأمومة على العاقلة وهي لا بد أن تفرض عليها عاش أو مات قال هذا الذي سمعنا، وإنما هو الاتباع ومع الاتباع قله وجوه صحاح في النظر، منها أن الجرح ربما آل إلى النفس فوجب فرض الدية على العاقلة في ثلاث سنين فإن فرض على العاقلة دية الجرح منجما كما قال قد يحل قبل موته فيؤول ذلك إلى قبض دية النفس من العاقلة قبل وجوبها؛ لأن الحكم فيها أن تفرض بعد الموت بالقسامة في ثلاث سنين فهي تجب لورثته فلا يصح أن تفرض له دية الجرح لا يدري أهل يعيش فتجب له؟ أو يموت فتجب لورثته، وهذه علة بينة صحيحة، وقد أجمع أهل العلم أنه لا يقتص من الجرح إلا بعد البرء فوجب على قياس ذلك ألا يعقل الجرح إلا بعد البرء، وقول سحنون في هذه المسألة بعيد وبالله التوفيق.

: من قتل كلبا معلما أو كلب ماشية أو حرث

ومن كتاب الرطب باليابس قال ابن القاسم: قال مالك: من قتل كلبا معلما أو كلب ماشية أو حرث غرم ثمنه، قيل لسحنون أيأكل ثمنه؟ قال: نعم، ويحج به إن شاء، قال أصبغ: لا يجوز بيع الكلب وإن احتاج صاحبه إلى ثمنه؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد نهى عن ذلك والناس كانوا يومئذ أحوج إلى إجازته من اليوم فلم يؤذن لهم.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم عن مالك في هذه الرواية إن من قتل كلبا معلما أو كلب ماشية أو حرث يغرم ثمنه أي قيمته هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك من قتله كان عليه قيمتها ولا يحل بيعها مثل قول أصبغ خلاف قول سحنون إن بيعها وأكل ثمنها جائز وأجاز ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع شراءها من أجل الحاجة إليها ولم يعجبه بيعها، وذلك نحو قول أشهب في المدونة في الزبل إن المشتري أعذر في

شرائه من البائع؛ لأن الحاجة تدعوه إلى شراء الكلب للصيد وشبهه مما جوز له اتخاذه له، وكذلك الزبل إذا لم يجد من يعطيه ذلك دون ثمن ولا حاجة بأحد إلى بيع ذلك؛ لأنه إذا لم يحتج إليه تركه لمن يحتاج إليه، فحمل مالك نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على عمومه في جميع الكلاب الضارية وغير الضارية التي لم يؤذن في اتخاذها، وجعل سحنون نهيه عليه السلام مخصصا في الكلاب المنهي عن اتخاذها، وهو قول ابن نافع وابن كنانة وأكثر أهل العلم، بدليل قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «من اقتنى كلبا لا يغني عنه ضرعا ولا زرعا نقص من عمله كل يوم قيراط» والاقتناء يكون بالاشتراء وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع زيادات في هذه المسألة وبالله التوفيق.

: الذي يقتص منه هل ترى عليه مع ذلك عقوبة

ومن كتاب سلعة سماها وسئل مالك عن الذي يقتص منه هل ترى عليه مع ذلك عقوبة قال نعم أرى أن يعاقب.
قال محمد بن رشد: قد قيل إنه لا عقوبة عليه مع القصاص لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] فلم يذكر معه زيادة عليه وقوله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وهو الأظهر، ووجه قول مالك هذا في إيجاب الأدب عليه مع القصاص هو الزجر والردع ليتناهى الناس عن الجناية،

إذ منها ما لا يجب فيه القصاص، والأول أظهر؛ لأن في حسبه إن برئ الجرح فيقتص منه، إذ لا يقتص منه إلا بعد البرء وقد لا يبرأ إلا في المدة الطويلة ما فيه زجر له ولمن سواه وردع، وأما الجرح الذي لا قصاص فيه مثل المنقلة والمأمومة فيعاقب مع الغرم على ما قاله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود، ولا اختلاف في ذلك.

مسألة: الرجل يدفع المرأة فتسقط عذرتها ماذا ترى عليه

مسألة وقال ابن القاسم في الرجل يدفع المرأة فتسقط عذرتها ماذا ترى عليه؟ قال: أرى عليه قدر ما شانها به، قلت له: أفرأيت إن صنع بها ذلك بأصبعه؟ فقال: ذلك سواء ليس عليه إلا قدر ما شانها به، وسواء فعل ذلك بها غلام أو رجل أو امرأة ليس لها في ذلك إلا قدر ما شانها به.
قال محمد بن رشد: يريد مع الأدب في ذلك كله، والأدب في الذي فعل ذلك بها بأصبعه أكثر من الذي فعله بالدفعة، ومعنى ما شانها به أي ما نقصها من صداقها بذلك عند الأزواج، ولا اختلاف في هذا، وإنما يختلف إذا فعل الزوج بامرأته ذلك بأصبعه، فقيل إنه يجب عليه بذلك الصداق، وقيل لا يجب به عليه الصداق وإنما يجب عليه ما شانها عند غيره من الأزواج إن طلقها ولم يمسكها على ما مضى من اختلاف قول ابن القاسم في ذلك بين رواية سحنون وأصبغ عنه من كتاب النكاح، وأما إن فعل ذلك الزوج بزوجته بالدفعة فلا يجب عليه بذلك الصداق، وإنما يجب عليه به ما شانها عند غيره إن فارقها ولم يمسكها وبالله التوفيق.
من سماع أشهب وابن نافع من كتاب القراض قال أشهب وابن نافع، قيل لمالك أليس النصراني بمنزلة

العبد يجرح الحر المسلم فلا يكون بينهما قود؟ فقال: إن العبد يؤخذ في ذلك أحيانا عبدا وإن النصراني لا يؤخذ في ذلك عبدا، ففي هذا تسليط للنصراني على المسلمين أن يعمدوا النصراني إلى المسلم فيفقأ عينه ثم يعطيه دراهم يعينه فيها أهل دينه ويحوطونه في ذلك، فأرى أن يجتهد في مثل هذا السلطان الرأي، وقد كان ربيعة وغيره يقولون في مثل هذا النصراني يزني بالمسلمة وما أشبه هذا.
هذا نقض لعهدهم، فقيل لمالك يا أبا عبد الله: أفترى أن يقاد منه؟ فقال: لا أدري الآن، وما هو بمنزلة العبد يؤخذ في ذلك أحيانا رقيقا، والنصراني لا يؤخذ في ذلك رقيقا، وقد يحتمي له أهل دينه فيفقأ عين مسلم فيعطيه دراهم وهو أيسرهما عليه، قال سحنون، قال ابن نافع: المسلم بالخيار إن شاء استقاد وإن شاء أخذ العقل.
قال محمد بن رشد: من شروط صحة القصاص في الجراح استواء الجارح والمجروح في المرتبة بالإسلام أو الكفر وبالحرية أو الرق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] يوجب ألا يقتص في الجراح من العبد للحر ولا من الحر للعبد وألا يقتص فيها من النصراني للمسلم ولا من المسلم للنصراني إلا أن مالكا وقف إذا جرح النصراني المسلم فأراد المسلم أن يقتص منه للعلة التي ذكرها وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام إن رأى يمكنه من القصاص منه أمكنه من ذلك، أو يحكم له بدية جرحه فعل، وصرف مالك الحكم في ذلك إلى اجتهاد الإمام يدل من مذهبه على القول بتصويب المجتهدين، وقال ابن نافع: إن من حق المسلم المجروح أن يقتص من جارحه النصراني إن شاء، ومثله لابن عبد الحكم في المختصر، وقد قال له الدية ولا قود بينهما، فالاختلاف إنما هو إذا أراد المسلم أن يقتص، هل له

ذلك أم لا، فمن جعل ارتفاع القصاص بينهما في الجراح عبادة لا لعلة اتباعا لما يدل عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ولم يوجب للمسلم أن يقتص من النصراني كما لا يوجب للنصراني أن يقتص من المسلم، ومن جعل ارتفاع القصاص بينهما لعلة الحرمة رأى ذلك حقا للمسلم في ألا يقتص منه النصراني لحرمته وفي أن يقتص هو منه إن شاء، إذ لا حرمة له عليه بل له هو الحرمة عليه بإسلامه قياسا على القصاص منه في القتل، وهو قول ابن نافع، ويأتي على مذهبه أن للحر أن يقتص من العبد في الجراح كما يقتص له منه في القتل، وسيأتي في سماع سحنون وعبد الملك من كتاب القذف القول فيما ينتقض به عهد المعاهد مما لا ينتقض به إن شاء الله وبالله التوفيق.

مسألة: المجنون يكسر أمتعة الناس أعليه غرم

مسألة قال سحنون أخبرني أشهب وابن نافع قال: سئل مالك عن المجنون المغلوب على عقله يخرج إلى السوق فيكسر أمتعة الناس ويفسد، أترى عليه لذلك غرما في ماله؟ قال: نعم، فقلت له: أفتراه شبيها بجراحه؟ فيكون ذلك خطأ يغرم لمن أصاب بذلك الجرح؟ قال: نعم أراه شبيها به، قيل له وتراه إذا أفاق يتوضأ؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في رسم مرض من سماعه من كتاب طلاق السنة مثل قول مالك هذا، وله في رسم العشور من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب خلافه أن ما أصابه المجنون المطبق والصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها من الأموال أنه هدر بخلاف الدماء، وفي كتاب ابن المواز، قول ثالث في المسألة أن ما أصابه في الدماء والأموال هدر كالبهيمة التي جرحها جبار، ولكل قول من الأقوال الثلاثة وجه، وقد مضى بيانه في رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة، ولا اختلاف في أن

عليه الوضوء إذا أفاق، وإنما الاختلاف هل عليه الغسل؟ فقال في المدونة إنه لا غسل عليه، وقال ابن حبيب إذا أجنب في جنونه فلا بد من أن يغتسل، وعلى هذا يختلف فيمن لسعته عقرب أو ضرب بسيف فأمنى هل عليه غسل أم لا؟ وبالله التوفيق.

مسألة: يستوفي المجروح من مال المدبر

مسألة وسألت مالكا عن المدبر يجرح رجلا جرحا فيه عقل فيسلمه سيده إلى المجروح فيختدمه بجراحه ثم يموت المدبر ويترك مالا ولم يستوف المجروح دية جرحه كلها من يرث مال المدبر؟ فقال: يستوفي المجروح من مال المدبر بما بقي من عقل جرحه، ثم يكون ما فضل من مال المدبر لسيده.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه كما يسلم العبد في الجناية بماله فكذلك يكون ما مات المدبر عنه من مال لصاحب الجناية حتى يستوفي جنايته.

مسألة: يتنازعان فيجرح كل واحد منهما صاحبه ثم يطلبا القود

مسألة قال: وسألت مالكا عن الرجلين يتنازعان فيجرح كل واحد منهما صاحبه ثم يأتيان يطلب كل واحد منهما من صاحبه القود بجراحه كلها أو يطلب ذلك أحدهما أن يقاد منه أو يقاد له، فقال لي: كيف قلت؟ فقلت: يتنازعان فيجرح هذا هذا موضحة، وهذا هذا موضحة، أو يجرح كل واحد منهما صاحبه في جسده فيقولان أو يقول أحدهما أقيدوا مني وأقيدوا منه، فقال لي: يفقأ هذا عين هذا وهذا عين هذا ثم يأتي يطلب فيقول: افقئوا عين الآخر أو عين صاحبي الآخر أفليس ذلك له؟ فقيل لمالك أفيكون في ذلك الدية؟

فقال: لا، ولكن قد أخذ لنفسه قوده بيده، فليس بينهما قود فيما قد أخذه لنفسه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أوضح كل واحد منهما صاحبه في الموضع الذي أوضحه فيه من رأسه أو جسده أو فقأ كل واحد منهما عين صاحبه اليمنى أو فقأ كل واحد منهما عين صاحبه اليسرى أو ما أشبه ذلك فلا إشكال في أنه لا قصاص بينهما إذ قد أخذ قوده بيده، وأما إذا أوضح أحدهما صاحبه في غير الموضح الذي أوضحه فيه، مثل أن يوضع أحدهما صاحبه في رأسه فوضحه هو في جسده، فلكل واحد منهما أن يقتص من صاحبه إن طلبا ذلك، ولمن طلبه منهما إن طلب ذلك أحدهما، وكذلك إن فقأ أحدهما عين صاحبه اليمنى فقأ هو عينه اليسرى إذ لا يقتص يمنى بيسرى ولا يسرى بيمنى، ويجري ذلك على الاختلاف في الأعور يفقأ عين الصحيح وفي الصحيح يفقأ عين الأعور، فيكون لكل واحد منهما أن يقتص من عين صاحبه الآخر في قول، ويكون مخيرا بين أن يقتص من عين صاحبه وبين أن يأخذ دية عينه التي بقيت، وذلك خمسمائة دينار في قول، ويكون مخيرا بين أن يقتص من عين صاحبه وبين أن يأخذ دية العين التي يترك، وذلك ألف دينار في قول حسبما يأتي من الاختلاف في ذلك في رسم القطعان من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

مسألة: يجرح ملطا عمدا فتصير موضحة أيقاد له من موضحته أو من ملطا

مسألة وسئل مالك عن الرجل يجرح ملطا عمدا فتصير موضحة أيقاد له من موضحته أو من ملطا؟ قال: بل يقاد له من ملطا، فإن صارت موضحة كان ذلك، وإن لم تستوضح عقلت الموضحة؟ فقيل لمالك أيعقل له الموضحة كلها أم ما بين الموضحة والمطا؟

قال: لا أدري، قال سحنون: قال عبد الله بن نافع وأرى له عقل الموضحة كلها لأنه ليس دون الموضحة عقل.
قال محمد بن رشد: يدخل هذه المسألة من الاختلاف الثلاثة الأقوال التي تقدمت في أول سماع ابن القاسم في الذي يجرح رجلا موضحة فتصير منقلة، فقوله إنه يقاد له من ملطا فإن صارت موضحة كان ذلك، وإن لم تستوضح عقلت له الموضحة، هو على القول في الذي يجرح موضحة فتصير منقلة إنه يقاد له من الموضحة ويعقل له ما بين الموضحة والمنقلة إن لم تصر موضحة المقتص منه منقلة.
وقوله: إن له عقل الموضحة كلها بعيد خارج عن القياس إذ لا يصح أن يأخذ جميع عقل الموضحة إذ قد اقتص من بعضها، وإن لم يكن للمطاء دية مسماة عند مالك فيجب أن ينظر إلى قدر جرح الملطا ما هو من جرح الموضحة؟ فإن كان ثلثه أو ربعه حط من عقل الموضحة ثلثه أو ربعه إذ قد أخذه في القصاص، وقد روي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان أنهما قضيا في الملطا وهي السمحاق بنصف دية الموضحة، فعلى هذا إذا اقتصر من الملطا ولم تصر موضحة كان له نصف عقل الموضحة، وقد روي عن زيد بن ثابت أنه قال في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة إذا كانت في الرأس، فعلى هذا يكون له إذا اقتص من الملطا ولم تصر موضحة بعير واحد، إلا أن مالكا لم ير هذا وقال في موطئه: ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث عندنا فيما دون الموضحة بعقل، فيحمل ما روي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت في ذلك على وجه الحكومة بالاجتهاد لا على وجه التوفية ويأتي في هذه المسألة على القول الآخر أنه ليس له إلا عقل الموضحة، وعلى القول الثالث أنه مخير بين أن يقتصر من الملطا ويأخذ عقل الموضحة أو بقية عقلها

على ما بيناه من أنه هو القياس وبين أن يأخذ عقل الموضحة ولا شيء له في القصاص.

مسألة: مملوك أيتام شج رجلا ثلاث مواضح وملطاوين

مسألة قال: وسئل مالك عن مملوك أيتام شج رجلا ثلاث مواضح وملطاوين فوجب عليه في ذلك خمسون ومائة دينار، فأخذ ولي الأيتام العبد وأعطى المجروح الخمسين والمائة الدينار عقل الجراح، فقال: أخذه لنفسه أو للأيتام؟ فقال: بل لنفسه، قال بئس ولي الأيتام هذا، ولم غرر وليس هذا له ولا نعمة عين، قيل له: أفترده على الأيتام؟ قال: يرفع ذلك إلى السلطان حتى ينظر فيه.
قال محمد بن رشد: قوله فوجب عليه في ذلك خمسون ومائة دينار هو على مذهبه في أنه ليس فيما دون الموضحة عقل، وقد مضى في المسألة التي قبلها ما في ذلك من الاختلاف بين السلف وقوله: إن ذلك ليس للأيتام ولا نعمة عين، صحيح إذ لا يجوز لولي الأيتام أن يشتري شيئا من متاع أيتامه، فإن فعل نظر السلطان في ذلك كما قال، فإن رآه نظرا للأيتام أمضاه، وإن لم يكن نظرا يوم ابتاعه ولم يره نظرا للأيتام رده وإن كان نظرا يوم ابتاعه وبالله التوفيق.

: عض رجل إصبع رجل فجبذ إصبعه فطرح ثنية العاض

ومن كتاب الأقضية الثالث قال: وقال مالك: إذا عضّ رجل إصبع رجل فجبذ إصبعه فطرح ثنية العاض: إن على المعضوض عقل السن، وهذا من الخطأ، وروى يحيى بن يحيى عن الليث أنه قال: ليس على

المعضوض في ثنيتي الذي عضه عقل لأنه كان أظلم وأسوأ.
قال محمد بن رشد: رواية يحيى عن الليث بن سعد لم تثبت في جميع الروايات وهي مطابقة لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية عمران بن الحصين «أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعض العجل لا دية لك» فيحتمل أن يكون الحديث لم يبلغ مالكا ويحتمل أن يكون بلغه فرأى القياس المعارض له مقدما عليه على ما حكى ابن القصار من أن مذهب مالك أنه إذا اجتمع خبر الواحد مع القياس ولم يمكن استعمالهما جميعا قدم القياس، والحجة فيه أن خبر الواحد لما جاز عليه النسخ والغلط والسهو والكذب والتخصيص ولم يجز على القياس من الفساد إلا وجه واحد وهو هل الأصل معلول بهذه العلة أم لا فصار أقوى من خبر الواحد فوجب أن يقدم عليه، وجه القياس في ذلك أن هذه جناية من عاقل حديث بفعله ما يجوز له فعله فوجب أن يكون خطأ ولا يكون هدرا، أصله إذا رمى طائرا فأصاب إنسانا، وأولى ما يقال في هذا عندي أنه حديث لا حجة فيه على مالك، إذ ليس هو لأمره من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بإسقاط الدية في مثل هذا الفعل فيجب امتثال أمره على من بلغه إياه، وإنما هو حكاية قضية منه في عين يحتمل أن يكون بمعنى، فلا يصح أن يعدى الحكم إلى غير تلك العين إلا أن يكون المعنى موجودا فيها، ويحتمل أن يكون النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنما حرم العاض دية ثنيته وإن كانت واجبة له على المعضوض عقوبة له لعضه إياه حين كانت العقوبات على الجنايات في الأموال ثم نسخ ذلك فعادت العقوبات على الجنايات في الأجسام فيعاقب العاض بالأدب على ما يؤدي إليه اجتهاد للحاكم ويكون له دية ثنيته على مذهب مالك وبالله التوفيق.

: اقتتلا فعض أحدهما لسان الآخر فقطع منه ما منع الكلام شهرين

ومن كتاب العقول والجبائر وسئل عن رجلين اقتتلا فعض أحدهما لسان الآخر فقطع منه ما منع الكلام شهرين ثم تكلم وقد نقص من كلامه، أترى فيه قودا؟ فقال: أحب إلي ألا يقاد منه، ولم أسمع أنه أقيد منه، فلا أرى أن يقاد منه؛ لأنه ليس له قدر يعرف في القصاص أخاف أن تسرع الحديدة فيذهب كلامه ويستحسف فأحب إلي ألا يقاد منه وأن يعقل.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يقاد منه إذ ليس له قدر يعرف في القصاص مخافة أن تسرع الحديدة فيذهب كلامه يريد أو يذهب منه أكثر مما ذهب من المجني عليه أو أقل يبين مذهبه في المدونة أنه قال فيها: إنه يقاد منه إن كان يستطاع قود ذلك ولا يخاف منه، فبين هاهنا أن ذلك لا يستطاع عليه، وقال أشهب فيه إنه مخوف فلا يقاد منه وقوله: إنه يعقل يريد بقدر ما ذهب من كلامه؛ لأن الدية إنما هي في الكلام، فإن ذهب كلامه كله وجبت له الدية كلها، وإن بقي بعض جارحة لسانه وإن ذهب من كلامه بعضه كان له من الدية بقدر ما نقص من كلامه بعد أن يجرب صدقه فيما يدعي أنه ذهب من كلامه من كذبه ويحلف على ذلك على ما قاله بعد هذا في هذا الرسم، وإنما يقدر نقصان كلامه بالاجتهاد بعد الاختبار والتجربة، ولا ينظر في هذا إلى الأحرف على ما قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم الكبش من سماع يحيى، وقد قيل: إنه يكون له من الدية بقدر ما لم ينطق به من حروف المعجم، وهو بعيد؛ إذ بعض الحروف أخف على اللسان من بعض؛ ولأن فيها أيضا ما لا حظ للسان فيه وبالله التوفيق.

مسألة: تعلق أحدهما بالآخر وأصبعه مجروحة تدمي يزعم أنه عضها

مسألة وعلى رجلين كان بينهما كلام ثم اصطلحا، ثم تعلق أحدهما

بالآخر وأصبعه مجروحة تدمي يزعم أنه عضها، فقال: إن لكل شيء سببا فليأت بشيء وإلا فيمين المدعي، وأرى إن كان من أهل التهمة أن يضرب.
قال محمد بن رشد: قوله: وأرى إن كان من أهل التهمة أن يضرب معناه إذا أتى على دعواه بسبب لا يبلغ أن يكون شاهدا عدلا على دعواه مثل أن يشهد له أنه مشهور بمثل ما ادعى عليه به وما أشبه ذلك، وتحصيل القول في هذه المسألة أنه إن لم يأت على دعواه بسبب ولا شيء فقيل إنه يحلف على تكذيب ما ادعى عليه به، وهو قوله في هذه الرواية، وقيل إنه لا يمين عليه وهو الذي يأتي على ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود في دعوى الفرية، فإن أتى على دعواه بسبب فقيل إنه يضرب وهو معنى قوله في هذه الرواية، وقيل إنه يحلف فإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف، قاله ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا، قال أصبغ فإن طال سجنه وأبى أن يحلف أدب وخلي إلا أن يكون مبرزا في ذلك فيخلد في حبسه، وأما إن أتى على دعواه بشاهدي عدل فقيل إنه يحلف مع شاهده ويقتص، وقيل لا يحلف مع شاهده ويحلف المدعى عليه فإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف، والقولان في المدونة، وفرق ابن الماجشون وسحنون في هذا بين الجرح الصغير والكبير، فقالا: إنه لا يقتص باليمين مع شاهده في الجرح الصغير دون الكبير، وقد مضى التكلم على هذا المعنى في رسم القضاء من سماع أشهب من كتاب الشهادات.

مسألة: ضربت يده بسيف فقطعت إحدى قصبتي يده

مسألة وسئل عمن ضربت يده بسيف فقطعت إحدى قصبتي يده أترى فيه قودا؟ قال: نعم إن استُطيع ذلك وأرى الأطباء ومن يعرف ذلك يكون هو الذي يلي ذلك.

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن كل جرح لم يكن متلفا فيقاد منه إلا ألا يستطاع على القود منه.

مسألة: الكبير تصاب سنه فيأخذ ديتها ثم تثبت

مسألة وسئل عن الكبير تصاب سنه فيأخذ ديتها ثم تثبت هل يتبع الدية قبله؟ فقال: لا أرى ذلك، إذا يقع في ذلك اتباع وتخليط، وإنما أخذ ذلك حين أخذه بوجه الحق، ولعلها تثبت ليس على مثل حالها.
قال محمد بن رشد: اعتلاله في أنه لا يرد ما حكم له به من دية السن إذا ردها صاحبها فثبتت بقوله ولعلها تثبت ليس على حالها يدل على أن هذه المسألة بخلاف الذي يضرب فتبيض عينه أو ينزل الماء فيه فيأخذ الدية ثم يبرأ بعد ذلك أنه يرد الدية على ما قاله في المدونة؛ لأن بصره قد رجع إليه على ما كان والذي يدل على الفرق بين المسألتين أيضا أن الذي ضرب فابيضت عينه أو نزل الماء فيها لو رجع إليه بصره قبل أن يحكم له بالدية لم يكن له شيء باتفاق، لا من دية ولا من قصاص، والذي قلعت سنه إذا ردها فثبتت يقتص منه في العمد باتفاق، وتكون له الدية في الخطأ على اختلاف، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في سماع أصبغ من كتاب الديات وبالله التوفيق.

مسألة: جرح موضحة فصارت منقلة

مسألة وسئل عمن جرح موضحة فصارت منقلة، قال: أرى أن يعطى عقل المنقلة فقط، قلت: أرأيت لو أصيبت من ذلك عينه فقال أرى أن يعطى عقل موضحة وعقل العين، قال: وقد كان أصيب بالمدينة رجل بمأمومة فسقطت من ذلك يده ورجله، فقضي له بعقل ذلك كله، عقل المأمومة واليد والرجل، قلت له: أرأيت

ذلك؟ قال: نعم رأيت ذلك، قلت له: وأعجبك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: أما الذي أصيب بمأمومة فذهب منها يده ورجله فلا اختلاف في أن يقضى له بدية ذلك كله وكذلك الذي أصيب بموضحة فذهبت منها عينه لا اختلاف أيضا في أنه يقاد له من الموضحة فإن برأت ولم تذهب من ذلك يمينه كان له عقل العين، وأما الذي أصيب بموضحة فصارت منقلة فقد مضت والقول عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

مسألة: أصاب يد رجل فقطع وهي سومة سليمة فأراد الاستقادة من يده

مسألة وسئل عمن أصاب يد رجل فقطع وهي سومة سليمة فأراد الاستقادة من يده فأصابوا بها عيبا أو نقصا عثلا أو شلا وفيها استمتاع ومنفعة، فقال الذي أصيبت يده أنا أرضى أن أستقيد من يده هذه الناقصة فقال: أما الذي كان فيها استمتاع ومنفعة فإني أرى ذلك له وأما إذا لم يكن فيها استمتاع ولا منفعة فإني لا أرى ذلك له وأخاف أن يكون من العبث تكون العين بها النقص والضعف فيقول أنا أرضى أن استقيد منها فيكون ذلك له فإذا كانت ذاهبة قائمة فقال أنا أرضى أن استقيد بأبخسها منها لم أر له ذلك؛ لأن ذلك من العبث.
قال محمد بن رشد: أما إذا كانت جل منفعة عين الجاني أو يده باقية فلا اختلاف في أن المجروح بالخيار بين أن يستقيد منها بنقصانها وبين أن يأخذ عقل يده أو عينه.
وأما إذا كانت منفعتها كلها قد ذهبت أو جلها فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال أحدها أن له أن يقتص إن شاء وإن كانت منفعتها كلها قد ذهبت، وهو قوله في رسم المكاتب من سماع يحيى أنه إن شاء اقتص وقطع الشلاء التي فيها حقه، وإن شاء تركها وأخذ العقل، والثاني قول أشهب في

المجموعة وكتاب ابن المواز أنه ليس له أن يقتص منها وإن بقي فيها منفعة إذا كانت جل منفعتها قد ذهبت، والثالث قوله في هذه الرواية وهو مذهبه في المدونة أنه إن كانت قد ذهبت منفعتها كلها فليس له أن يقتص، وإن كان بقي فيها منفعة وإن قلت فهو بالخيار بين أن يأخذ العقل أو يقتص.

مسألة: كل أمر لا يقدر على القود منه

مسألة قال: وقال مالك: كل أمر لا يقدر على القود منه فليس فيه قود واللسان لا قود فيه فليس فيه قود، ويعقل له ذلك بقدر ما نقص من الكلام، فإذا قطع طرف اللسان فذهب منه الكلام كله ففيه الدية كاملة لا شك فيه، والعين تصاب فتكون قائمة قد ذهب بصرها ففيها الدية كاملة لا شك فيه، والذي قطع لسانه لا يقدر على القود منه وذلك مختلف، أخاف أن يؤخذ من لسانه مثل الذي قطع من لسان هذا فيمنعه ذلك الكلام، قال ويحلف الذي قطع طرف لسانه على ما ذهب من كلامه بعد تجربة ذلك، قال وسئل عن حد ما يعرف به ما ذهب من السمع والبصر إذا ادعى أن قد ذهب كذا وكذا فقال في الذي ادعى أن قد ذهب من بصره كذا وكذا، قال ينصب له شيء ويخلى عن عينه فإذا انتهى بصره ربطت عينه الصحيحة وقيل له انظر بعينك التي أصيبت فينصب له ذلك في موضع، فإذا انتهى ذلك حول ذلك إلى موضع آخر حتى يستوي ذلك، فإن اختلف ذلك لم يصدق، وإن استوى ذلك وثبت أعطي من الدية بقدر ما نقص بصره من الغاية الأولى إلى حيث انتهى بصره حين ربط على عينه الصحيحة فأعطى ذلك وأحلف عليه، وقال في الذي يقول: ذهب من سمعي كذا وكذا قال يتباعد منه إنسان فيصيح به حتى إذا قال قد سمعته تحول له في ناحية أخرى يجرب بذلك سمعه، فإذا اتفق

ذلك كان له العقل، وإن اختلف ذلك لم يكن له شيء، وإذا اتفق أعطي من ذلك بقدر ما نقص من سمعه ويستحلف على ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يقاد من اللسان إذ لا يستطاع على القصاص منه مخافة أن يزيد أو أن ينقص هو مثل ما تقدم من قوله قبل هذا، وقوله إنه يحلف على ما ذهب من كلامه بعد تجربة ذلك يبين ما تقدم أيضا، والتجربة في ذلك إنما معناه اختبار دعواه ليعلم صدقه فيه من كذبه، فإن لم يتبين كذبه فيما يدعي حلف مع ذلك لاحتمال أن يكون كذب فلم يتبين كذبه للمختبرين له، وسيأتي في سماع يحيى وجه تقدير ما نقص من كلامه كيف يكون وما يكون له إن شك الشهود في قدر ما نقص من كلامه إن كان الثلث أو الربع.

مسألة: الصبي المدبر الذي لم يبلغ الخدمة يجرح إنسانا

مسألة قال وسألته عن الصبي المدبر الذي لم يبلغ الخدمة يجرح إنسانا أيؤخر حتى يكبر ويبلغ العمل؟ فقال: نعم يؤخر حتى يكبر ويبلغ العمل، قيل أرأيت إن مات قبل أن يبلغ العمل أيذهب عقل جرح هذا المجروح؟ فقال: نعم، وكذلك الأمة التي لا عمل عندها إذا كانت مدبرة فجرحت تؤخر حتى تبلغ العمل وتكبر الجارية كيف تؤخر وما ينتظر بها؟ فقال: حتى يموت سيدها فتصيب مالا أو يكون شيء لها ألا ترى عثمان - رَحِمَهُ اللَّهُ - كيف جمعهما فقال: لا يكلف الصغير ولا المرأة غير ذات الصنعة الكسب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة لا إشكال فيها ولا وجه للقول وبالله التوفيق.
وسئل فقيل له جاءني صبي قد أثغرت أسنانه كلها إلا سنا واحدة فإنها

تتحرك فقلت له أنزعها لك؟ فقال: نعم، فجعلت فيها خيطا ثم نزعتها فأقام ثلاثة أيام وقد كانت برجله قرحة؟ فقال له: أعتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين وما أدري أذلك عليك أم لا؟ إلا أنه إن كان أديته وإلا أجرت.
قال محمد بن رشد: إن علم أنه مات من قلعه لضرسه فالكفارة عليه واجبة، وإن علم أنه لم يمت من ذلك، وأنه إنما مات من القرحة التي كانت برجله أو من شيء عرض له فلا شيء عليه، وإن خشي أن يكون مات من قلعه لضرسه فهو الذي قاله في الرواية من استحباب الكفارة له، فإن كانت عليه وإلا أجر فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: قاس أصبع المقطوعة أصبعه وأخذ قياس ما قطع منه

مسألة وسئل عن طبيب استقاد من أصبع رجل لرجل قطعت أصبعه فقاس أصبع المقطوعة أصبعه وأخذ قياس ما قطع منه فقطع من أصبع القاطع بقدر ذلك القياس، فنقص من أصبع المستقاد منه أكثر من الذي قطع من أصبع المستقيد لطول أصابع المستقيد وقصر أصابع المستقاد منه، فقال: أخطأ وبئس ما صنع، فقلت له فكيف يصنع بمثل هذا؟ فقال: بعض الناس أطول أصابع من بعض فليقس الأنملة التي قطع بعضها، فإن كان ما قطع منها ثلثها أو ربعها قطع من أنملة هذا الثلث أو الربع، فعلى هذا الحساب يكون هذا، كانت أنملة قصيرة أو طويلة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه لأنه كما قطع الأنملة بالأنملة كانت أطول منها أو أقصر فكذلك إذا قطع جزءا منها يقطع من أنملة القاطع مثل ذلك الجزء كان أطول أو أقصر وإنما اختلف في الجرح في الرأس وفي عضو من الأعضاء كالذراع أو العضد ونحوه هل ينظر إلى قدر ذلك الجرح من رأس المجروح وذراعه، فإن كان الثلث أو الربع شيء في

رأس الجارح أو ذراعه ثلثه أو ربعه أو ينظر إلى قدر الجرح فيؤخذ في رأس الجارح أو ذراعه ذلك القدر وإن أتى ذلك على رأسه كله أو ذراعه فقال أشهب الحكم في ذلك كالحكم في الأنامل إنما ينظر إلى ما يقع الجرح من رأس المجروح فيؤخذ من رأس الجارح مثل ذلك الجزء، واختلف في ذلك قول ابن القاسم، قال ابن المواز والأمر عندنا كما قال أشهب وقول ابن القاسم قديما إنه يقاس الشق حتى يؤخذ في رأس الجارح بطول الشق وإن استوعب رأس المستقاد منه يريد ولم يف بالقياس، قال فليس عليه غير ذلك وكذلك الجبهة والذراع يريد بطول ذلك ما لم يضق عنه العضو فلا يزاد من غيره، والصحيح عندي قول ابن القاسم هذا لا قول أشهب الذي اختاره ابن المواز؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] فوجب أن يقتص من الجارح بمثل الجرح الذي جرحه في طوله وقصره؛ لأن الألم في الجرح إنما هو بقدر عظمه وطوله وقصره لا بقدره من رأس المجروح؛ لأنه إذا شق من رأس الجارح بطول ما شقه من رأس المجروح فقد استويا في الألم وإن كان الجرح من رأس أحدهما ربعه ومن رأس الآخر نصفه، ألا ترى أن الكافر يعظم خلقه في النار ليتضاعف عليه العذاب وبالله التوفيق.

مسألة: تضرب فتطرح جنينين لم يستهلا

مسألة وسئل عن المرأة تضرب فتطرح جنينين لم يستهلا، فقال: فيهما غرتان ولو استهلا لكان عليه ديتان.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وتستحق الغرتان في مال الضارب بشهادة شاهدين على الضرب أو بشهادة شاهد واحد مع يمين كل واحد من الورثة ويستوي فيه العمد والخطأ؛ لأنه أقل من الثلث فلا تحمله العاقلة، وأما الديتان إذا استهلا فتستحقا في الخطأ على العاقلة بالقسامة مع

شاهدين على الضرب باتفاق أو مع شاهد واحد على اختلاف، ويجب في العمد القصاص مع القسامة إن كان الضرب في البطن باتفاق، وإن كان في غير البطن على اختلاف، وقد مضى الكلام على هذا كله مستوفى في رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى من كتاب الديات وبالله التوفيق.

مسألة: ضربوه وشهود ينظرون فتفرقوا وقد شجوه أربع مواضح

مسألة وسئل مالك عن نفر ثلاثة شرعوا جميعا في ضرب رجل واحد فضربوه وشهود ينظرون فتفرقوا وقد شجوه أربع مواضح، فقال مالك: إن أحب أن يحلف على أيهم شاء أنه شجه تلك الشجاج ثم أقيد منه، وقال ابن القاسم قال مالك: يحلف عليهم كلهم إن شاء ويقتص أو على من أحب منهم، فإن لم يحلف ونكل كانت عقول تلك الشجاج عليهم كلهم فإن كانت الشجاج ملاطي أو يقاد منه مما يكون دون الموضحة فله أن يحلف على أيهم شاء ويستقيد منه، فإن أبى أن يحلف بطل ذلك كله، وإنما يعطى اليمين إذا شهد الشهود أنهم شرعوا فيه، وكذلك لو شرعوا فيه فلم يشج إلا شجة واحدة وشهدوا عليهم بذلك حلف المشجوج على أيهم شاء واستقاد منه إذا لم يثبت الشهود أيهم شجه تلك الموضحة، فإن أبى أن يحلف عقلاه جميعا، قال ابن نافع: كل شيء لا يعقل فليس للمجروح إلا أن يثبت من جرحه فيستقيد، وإن لم يثبت وأبى أن يحلف حلف الجارح، وبرئ.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية إن أحب أن يحلف على أيهم شاء أنه شجه تلك الشجاج ثم يقاد منه هو مثل قول ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا في الفئتين يقران بأصل النايرة بينهما أو يقوم بذلك

بينة ولا يشهد على جراحات بعضها بعضا أنه يحلف كل واحد منهما على صاحبه إذا عرف أنه به وأنه الذي جرحه ثم يستقيد منه، وهو الاستحسان على غير حقيقة القياس؛ لأنه مدع على الذي يدعي عليه منهم أنه جرحه، فالقياس ألا يكون له أن يحلف ويستقيد ممن يدعي عليه منهم أنه جرحه إلا بشاهد عدل على أنه هو الذي جرحه، فإن لم يكن عليه شاهد بجرحه إياه حلف المدعى عليه وبرئ ولم يكن على الأخر شيء لأنه لما ادعى على أحدهم أنه هو الذي جرحه فقد برأ الآخر، وكذلك إن نكل عن اليمين على قياس قوله إنه يحلف ويستقيد، يحلف المدعى عليه ويبرأ ولا يكون على الآخرين شيء إذ قد أبرأهما- بدعواه على الثالث وهو قول مالك في رواية ابن القاسم عنه، فإن لم يحلف ونكل كانت عقول تلك الشجاج عليهم كلهم، لا يصح إذا ادعى على واحد منهم أنه هو الذي جرحه، وإنما يصح ذلك إذا قال لا أحلف لأني لا أدري من جرحني منهم، ولا يكون عقل تلك الجراح عليهم إذا قال لا أدري من جرحني منهم إذا حلف كل واحد منهم أنه ما جرحه أو نكلوا كلهم عن اليمين، وأما إن حلف بعضهم ونكل بعضهم عن اليمين فيبرأ من حلف منهم، وتكون عقول تلك الشجاج على من نكل منهم عن اليمين، وقول ابن نافع في الملاطي التي لا عقل فيها في آخر المسألة وإن لم يثبت وأبى أن يحلف حلف الجارح وبرئ يبين ما قلناه من أنه إذا نكل عن اليمين في المواضح يحلف المدعى عليه ويبرأ ولا يكون على الآخر شيء، وبالله التوفيق.

: العبد يكون بين الرجلين فيشج العبد أحدهما موضحة

ومن سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله استأذن سيده قال عيسى بن دينار وسألت ابن القاسم عن العبد يكون بين الرجلين فيشج العبد أحدهما موضحة أو يشج أحدهما ورجلا آخر

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: العبد يسلم للقتل ثم يستحيى: الذي يطرح جنين الأمة ما عليهمسألة: جرح رجلا جرحا فترامى جرحه فماتمسألة: طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الموت فسرحهمسألة: يقتل فيوجد بمكة فيقوم أولياؤه أترى أن يقتل في الحرممسألة: يقتل ولا يترك إلا ولدا أصاغر أو لا ولي له إلا السلطانمسألة: شق جوف رجل حتى بلغ إلى مقاتله ثم جاء رجل آخر فقتل الذي شق جوفهمسألة: استحقت عليها القسامة فجاء رجل آخر فقال أنا والله قتلتهمسألة: ضرب رجلا خطأ وجاء آخرفضربه عمدامسألة: قال والله ما زلت من يوم ركضني فلان منها بشر وما قتلتني إلا ركضتهمسألة: الذي يدعي الدم قبله إذا نكل ولاة المقتول عن القسامةمسألة: قال عند موته فلان قتلني وناس معهمسألة: ليس الشهر للمتهم المريب بكثير: كتاب الجناية الأولمسألة: شج رجلا موضحة فصارت منقلة فأراد أن يقتص له من الموضحةمسألة: لو جرح عبد موضحة فأعتقه سيده بعد الجرح ثم ترامت بعد عتقه إلى منقلةمسألة: من حق الجارح أن يقتص ممن جرحه: ركب ورمحه في يده فأصاب به فرس رجل وهو لا يتعمده: العبد يعدى عليه فيخصى فينقص منه أو لا ينقص أولا أو يزيد فيهمسألة: إذا شهد لرجل شاهد واحد على جرح خطأمسألة: إذا جرحت أم الولد خطأ فتوفي سيدها: جراح الخطأ التي دون الثلث: من قتل كلبا معلما أو كلب ماشية أو حرث: الذي يقتص منه هل ترى عليه مع ذلك عقوبةمسألة: الرجل يدفع المرأة فتسقط عذرتها ماذا ترى عليهمسألة: المجنون يكسر أمتعة الناس أعليه غرممسألة: يستوفي المجروح من مال المدبرمسألة: يتنازعان فيجرح كل واحد منهما صاحبه ثم يطلبا القودمسألة: يجرح ملطا عمدا فتصير موضحة أيقاد له من موضحته أو من ملطامسألة: مملوك أيتام شج رجلا ثلاث مواضح وملطاوين: عض رجل إصبع رجل فجبذ إصبعه فطرح ثنية العاض: اقتتلا فعض أحدهما لسان الآخر فقطع منه ما منع الكلام شهرينمسألة: تعلق أحدهما بالآخر وأصبعه مجروحة تدمي يزعم أنه عضهامسألة: ضربت يده بسيف فقطعت إحدى قصبتي يدهمسألة: الكبير تصاب سنه فيأخذ ديتها ثم تثبتمسألة: جرح موضحة فصارت منقلةمسألة: أصاب يد رجل فقطع وهي سومة سليمة فأراد الاستقادة من يدهمسألة: كل أمر لا يقدر على القود منهمسألة: الصبي المدبر الذي لم يبلغ الخدمة يجرح إنسانامسألة: قاس أصبع المقطوعة أصبعه وأخذ قياس ما قطع منهمسألة: تضرب فتطرح جنينين لم يستهلامسألة: ضربوه وشهود ينظرون فتفرقوا وقد شجوه أربع مواضح: العبد يكون بين الرجلين فيشج العبد أحدهما موضحة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل