كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يعقل بعضهم ما جنى بعض فإن لم يكن فيهم من يحمل العقل ضم إليهم قومهم من أهل الديوان الأقرب حتى يجتمع منهم من العدد ما يحمل العقل دون مشقة ولا كبر مؤنة لأن طريقها المواساة لحياطة الدماء فهي على ما لا يضر بالمواسي ولا يقع فيه المشاحاة في الغالب، وقد روى عن سحنون أنه إذا كانت العاقلة خمسمائة أو ألفا فهم قليل ويضم إليهم أقرب القبائل إليهم، وقال بعض الشافعين إن الحد في ذلك على وجه النظر باعتبار الحد فيما سواه بما قرره الشرع ربع دينار على المعسر؛ لأنه أول حدود الشيء الخطير؛ لأن اليد لا يقطع فيها، دونه ونصف دينار على الموسر لأنا وجدناه يجب في النصاب من الذهب زكاة، ولا يرى مالك هذا الحد في الدية، وإنما يرى أن يفرض بالاجتهاد على العاقلة على الموسر بقدره وعلى المعسر بقدره في ثلاث سنين، قال في كتاب ابن سحنون: وإذا وقعت الدية على أهل إبل فرضت على جميعهم ولا يقدحون حتى يشترك النفر في النفر، وأنكر قول الشافعي لا يزاد فيها على نصف دينار ولا ينقص من ربع دينار، وبالله التوفيق.
مسألة: أتقام الحدود في الحرم
مسألة وسألته أتقام الحدود في الحرم؟ قال: نعم ويقتل بقتل النفس في الحرم؟ قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه بين فقهاء الأمصار، لأن حرم الله أحق ما أقيمت فيه حدود الله، وكذلك قال في سماع أبي زيد، وسنذكر هناك ما يؤثر فيه من الخلاف عن السلف وبالله التوفيق.
: ستحق دمه بقسامة فقدم ليقتل فقال رجل أنا قتلته
ومن سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
قال عيسى وسئل ابن القاسم عن رجل استحق دمه بقسامة فقدم ليقتل، فقال رجل: أنا قتلته، قال: بلغني عن ربيعة أنه قال: يقتل هذا بالقسامة وهذا بالإقرار، ولست آخذ به، قال ابن القاسم لم يقتله اثنان، وإنما قتله واحد، فيقال لهم: اقتلوا أيهما وخلوا سبيل الآخر.
قال محمد بن رشد: قد روى عن مالك وابن عبد الحكم وأصبغ؟ مثل قول ربيعة، حكى ابن المواز عنهم في كتابه أن القسامة إذا وجبت في نفر فأقر غيرهم بالقتل أن المقر يقتل بإقراره، ويقسمون على واحد من هؤلاء ويقتل، وحكي عن ابن القاسم مثل قوله هاهنا أنه لا يقتل إلا واحد إما المقر وإما أحد هؤلاء بقسامة، قال ابن المواز: وإذا قتل المقر فقال ابن القاسم مرة بقسامة ومره بغير قسامة، وأنكر ابن المواز وأصبغ قوله بقسامة، وقد قيل إن ذلك ليس باختلاف من قوله، وإنما معناه أنه يقتل بغير قسامة إن لم يكن للمقتول حياة، وإنما وجبت القسامة على غير المقر بشاهد على القتل وبقسامة إن كانت له حياة، وإنما وجبت القسامة على غير المقر بشاهدين على الجرح أو بقول المقتول دمي عند فلان بدليل ما وقع من قوله في رسم العتق بعد هذا من هذا السماع أنهم يقسمون على ذلك إن كانت حياة، وفي رسم الصبرة من سماع يحيى بعد هذا في النفر يجرحون الرجل فيحمل مجروحا فيموت فتجب القسامة عليهم إنهم لو أقروا بقتله أجمعون لم يكن لهم أن يقتلوا منهم أحدا حتى يقسموا على أيهم أحبوا فقط فيقتلونه، ولا يكون لهم أن يقتلوا واحدا بالقسامة وسائرهم بالإقرار، قال وكذلك إذا لم يقر إلا واحد قال أنا قتلته لم يكن لهم أن يقتلوه حتى يقسموا عليه، ولا أن يقسموا على غيره ويقتلوا المقر بإقراره، ليس لهم أن يقسموا إلا على واحد منهم فيقتلونه كما لو لم يقروا ولم
يقر واحد منهم فسواء على مذهب ابن القاسم كان المقر بالقتل من الذين وجبت عليهم القسامة أو من غيرهم ليس للأولياء أن يقتلوا المقر بإقراره ويقسموا على أحد ممن بقي، وسواء أيضا على مذهب ربيعة وما حكى ابن المواز عن مالك، وابن عبد الحكم، وأصبغ كان المقر بالقتل، ممن وجبت عليهم القسامة أو من غيرهم لهم أن يقتلوا المقر بإقراره ويقسموا على واحد ممن بقي فيقتلوه، وهو قول المغيرة في المجموعة، وفرق سحنون بين أن يكون المقر بالقتل من الذين وجبت عليهم القسامة أو من غيرهم فاختار قول ابن القاسم إذا كان المقر بالقتل من غير الذين وجبت عليهم القسامة واختار قول المغيرة، ومن قال بقوله إذا كان المقر بالقتل ممن وجبت عليه القسامة وقال: ليس قول ابن القاسم هاهنا شيئا وقد كان من مضى يقتلون بالقسامة النفر جميعا حتى كان معاوية ابن أبي سفيان أو عبد الملك فحكم أن لا يقتل بالقسامة إلا واحدا فرأى مالك وأصحابه ذلك واستحسنوه.
فإذا أقروا بالقتل جميعا قتلوا جميعا كما قال المغيرة، وإن أقر واحد منهم قتل المقر، وأقسموا على واحد من الباقين وقتلوه، وكذلك إن أقروا جميعا إلا واحد منهم قتلوا جميعا بالإقرار وأقسموا على المنكر وقتلوه إن شاءوا، والذي قال مالك في موطئه: إنه لم يعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد، وإذا حملنا ما حكى ابن المواز عن ابن القاسم في المقر على نفسه بالقتل إنه يقتل قال مرة بقسامة ومرة بغير قسامة على ظاهره من أنه اختلاف من قوله فالاختلاف من قوله إنما يصح ويشبه إذا كانت للمقتول حياة فأقر القاتل أنه قتله ومن جرحه مات كان المقر بالقتل من وجبت عليه القسامة بقول المقتول أو بشاهدين على الجرح أو لم يكن منهم وكان من غيرهم، وأما إذا لم يكن للمقتول حياة، فأقر القاتل أنه قتله قتلا مجهزا؛ فإنه يقتل بغير قسامة قولا واحدا لا يصح في ذلك اختلاف، كان المقر بالقتل ممن وجبت عليه القسامة بشاهد على القتل أو من غيرهم والفرق بين الموضعين بين، ألا ترى أنه من أقر أنه قتل رجلا قتلا مجهزا لا يقبل رجوعه ومن أقر أنه جرح فلانا ومات من جرحه ثم رجع عن
إقراره يقبل رجوعه لأنه يقول كنت ظننت أنه مات من جرحي ثم تحققت أنه لم يمت منه، وهذا الذي ذكرناه من أنه يقبل.
رجوع المقر بالقتل في هذا الموضع منصوص عليه لمالك في كتاب ابن المواز، وبالله التوفيق.
مسألة: النصراني يقتل النصراني ثم يسلم
مسألة وقال في النصراني يقتل النصراني ثم يسلم: إنه يقتل وأخبرنا يحيى بن يحيى قال: سألت ابن القاسم عن النصراني يقتل النصراني ولا ولي له إلا المسلمون ثم يسلم القاتل أترى أن يقتل به؟ فقال: العفو عن قتل هذا أحب إلي من قتله، وذلك أن حرمته إذا أسلم أعظم من حرمة الكافر الذي قتل، فلو كان للمقتول أولياء كان لهم القود لأنهما كانا على دين واحد يوم قتله.
فإذا كان أمره إلى الإمام فالعفو عنه أعجب إلي وإن كان القود قد لزمه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في النصراني يقتل النصراني ثم يسلم: إنه يقتل، وإن لم يكن للنصراني المقتول أولياء إلا المسلمون، وهو قول مالك في رواية ابن نافع عنه: إن إسلامه لا يمنعه من القتل ولا يبريه منه، ويقتل مكانه؛ فعلى هذا لا يجوز للإمام إذا لم يكن له أولياء إلا المسلمون أن يعفو عنه إذا كان له مال على غير شيء، وهو القياس لوجوب القود، ويجوز له أن يصالحه على مال يأخذه منه للمسلمين، وإن كان أقل من الدية على القول بأن القاتل لا يجبر على غرم الدية، وأما على القول بأنه يجبر على غرم الدية فليس له أن يعفو عنه على أقل من الدية إذا كان بها مليا، وأمَّا على قوله في رواية يحيى عنه؛ فيجوز له أن يعفو عنه على غير شيء يأخذه منه، وإن كان له مال؛ لأنه استحب العفو عنه لحرمة إسلامه بخلاف المسلم يقتل المسلم الذي لا ولي له إلا المسلمون، هذا لا يجوز للإمام أن يعفو عنه إلا على شيء يأخذه منه نظرا للمسلمين كالوصي على الصغير لا يجوز له أن يعفو عن دم أبيه، ويجوز أن يعفو عنه نظرا ليتيمه على
الدية أو على أقل منها على الاختلاف الذي ذكرناه في القاتل هل يجبر على غرم الدية أم ولا؟ وسيأتي هذا في رسم أبي زيد وبالله التوفيق.
مسألة: قال عند موته فلان قتلني وناس معه
مسألة قال: وسئل عن رجل قال عند موته فلان قتلني وناس معه، قال: يقسمون على الذي سمى ويقتلونه إن شاءوا.
وأما قوله وناس معه فإن عرفوا وأثبتتهم البينة أنهم ضربوه معه أقسموا على أيهم شاءوا منهم.
قال محمد بن رشد: القسامة في العمد تجب بأحد ثلاثة أشياء على اتفاق، وبأحد وجهين على اختلاف.
فأما الثلاثة الأشياء التي تجب القسامة بكل واحد منها باتفاق فهي أن يقول الميت دمي عند فلان أو يشهد على قتله رجل واحد أو على جرحه رجلان.
وأما الشيئان المختلف في وجوب القسامة بكل واحد منهما أن يشهد رجل واحد على الجرح أو شاهد واحد على إقرار القاتل بالقتل فإذا وجبت القسامة على الجماعة بأحد هذه الأشياء التي تجب القسامة بها أو باختلاف على القول بوجوب القسامة به فلا اختلاف في المذهب في أنه لا يقتل بها إلا واحد منهم، واختلف هل لأولياء المقتول أن يقسموا على جميعهم أو على من شاءوا منهم، ثم يقتلون واحدا ممن أقسموا عليه أو ليس لهم أن يقسموا إلا على الذي يقتلونه، وهو مذهب ابن القاسم ونص قوله في هذه الرواية وغيرها، وقول مالك في موطئه: ولم نعلم قسامة قط كانت إلا على رجل واحد.
وإذا أقسموا عليه قالوا في قسامتهم عليه لمات من ضربه ولا يقولوا من ضربهم، وروى ذلك ابن القاسم عن مالك في المجموعة والواضحة، قال
عبد الملك إذ لا يدرى هل مات من فعلهم كلهم أومن فعل واحد منهم فلا بد لهم لأن يقسموا على الذي يريدون أن يقتلوه؛ لأنه مات من فعله، هذا معنى قوله: وقيل: لهم أن يقسموا عليهم كلهم أنه مات من فعله ثم يقتلون ما شاءوا منهم وهذا الاختلاف إنما هو إذا احتمل أن يكون مات من فعل بعضهم دون بعض، فإذا لم يحتمل ذلك مثل أن يصبوا عليه صخرة وهم جماعة تعاونوا على رفعها إذ لا يقدر بعضهم على ذلك فلا اختلاف عندي في أنهم يقسموا عليهم كلهم ثم يقتلون ما شاءوا، وإن كان ظاهر ما في المدونة أنهم لا يقسمون إلا على واحد منهم، فلا ينبغي أن يحمل على ظاهره لأنه بعيد.
وقد قيل إنهم يقتلون كلهم بالقسامة إذا كان القتل على هذا الوجه، وهو قول سحنون، وقد كان من مضى يقتلون بالقسامة النفر جميعا حتى كان معاوية بن أبي سفيان أو عبد الملك، فحكم أن لا يقتل بالقسامة إلا واحد فرأى ذلك مالك وأصحابه، وقع ذلك في كتاب سحنون وفي الموطأ ما يرد ذلك، وهو قول مالك: ولم يعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد وبالله التوفيق.
مسألة: توبة القاتل
مسألة وسئل عمن كتب إليه والٍ في قتل رجل فقتله ثم أراد التنصل والتوبة فعرض نفسه على أولياء المقتول وأخبرهم، فقالوا له لسنا بقاتليك، إنا نخاف إن قتلتاك عاقبة ذلك ممن وراءك يعنون الموالي فعرض عليهم الدية فأبوا أن يقبلوها.
قال: أحب إلي أن يؤدي ديته إليهم وأن يعتق الرقاب وأن يبكي وأن يتقرب إلى الله بالدعاء والرغبة إليه ويلحق بهذه الثغور، ويحج ويكثر من العمل الصالح ما استطاع، فإن لم يقبل الدية فليعتق وليصنع هذا، ويمكن من نفسه ويتصدق بما استطاع ويكثر الحج والغزو وإن استطاع أن يلحق بهذه الثغور ويكون فيها أبدا حتى يموت
بها فهو أحب إلي وما الدية عندي بالقوي.
قال محمد بن رشد: اختلف السلف ومن بعدهم من الخلف في قبول توبة القاتل، وإنفاذ الوعيد عليه على قولين، فمنهم من ذهب إلى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق به، فممن روي ذلك عنه ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة أنهم قالوا لمن سألهم عن ذلك هل يستطيع أن يحييه؟ هل يستطيع أن يبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء؟ وإن ابن عمر سئل عن ذلك فقال: ليستكثر من شرب الماء البارد، وإن ابن عباس سئل عن ذلك فقال للسائل كالمتعجب من ذلك: ماذا تقول؟ فأعاد عليه قوله، فقال ماذا تقول مرة أو ثلاثا، ثم قال: ويحك وأنى له بالتوبة؟.
وإلى هذا ذهب مالك فيما روي عنه من أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب، ويؤيد هذا المذهب ما روى من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا من مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا» وذلك - والله أعلم - لأن القتل يجتمع فيه حق الله تعالى وحق للمقتول المظلوم، ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم ورد التباعات إليهم، وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يدرك المقتول قبل موته فيعفو عنه، ويحلله من قتله إياه طيب بذلك نفسه، ومنهم من ذهب إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة، ومن روي ذلك عنه ابن عباس وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب ومجاهد وغيرهم من السلف، وخص مالك في هذه الرواية للقاتل أن يعتق الرقاب ويبكي ويتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة ويلزم الثغور والجهاد دليلا على الرجاء عنده في قبول توبة القاتل خلاف ما روي عنه من أن إمامته لا تجوز وإن تاب، ولكلا المذهبين وجه من النظر، وكفى باختلاف الصحابة في ذلك، فقل ما تجدهم يختلفون إلا فيما يتعارض فيه
الحج وتتكافأ فيه الأدلة، فينبغي لمن لم يواقع هذا الذنب العظيم أن ينتهي عنه ويستعيذ بالله منه مخافة أن لا يصح له متاب إن واقعه فيحق عليه سوء العذاب ويناله شديد العقاب، ولمن واقعة أن يتوب إلى الله ويستغفره ولا يأس من رحمته فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقد كان ابن شهاب إذا سئل هل للقاتل توبة يتعرف من السائل هل قتل أم لا ويطاوله في ذلك، فإن تبين له منه أنه لم يقتل قال له لا توبة له، وإن تبين له من أنه قد قتل قال له توبة، وإن هذا لحسن من الفتوى، وأما من قال إن القاتل مخلد في النار أبدا فقد أخطأ وخالف السنة لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من صالح أعماله؛ لأن السيئات لا تبطل الحسنات، ومن مات على الإسلام فلا بد أن يجازيه الله على حسناته، فإنه يقول وقوله الحق ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: 94] وقال: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47] ومن مثل هذا في القرآن كثير.
واختلف أهل العلم أيضا في القصاص من القاتل هل يكفر عنه إثم القتل أم لا.
على قولين، فمنهم من ذهب إلى أنه يكفر عنه بدليل قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الحدود كفارات لأهلها» فعم ولم يخص قتلا من غيره، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكفره عنه؛ لأن المقتول مظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هو منفعة للأحياء عن القتل، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] فيكون القصاص في القتل على هذا القول مخصصا من
حديث عبادة: «الحدود كفارات لأهلها» ويبقى الحديث مخصصا فيما هو حق الله تعالى لا يتعلق فيه حق المخلوق وفي قول مالك في هذه الرواية دليل على القولين جميعا قوله في أولها أحب إلي أن يؤدي ديته إليهم يدل على أن القتل يكون كفارة له لأنه رآه حقا لأولياء المقتول تنوب عنه الدية إذا رضوا بها، وقوله في آخر المسألة وما الدية عندي بالقوي يدل على أنها لا تنوب مناب القصاص منه في الانتفاع به في الآخرة وبالله التوفيق.
مسألة: نكل أحد من أولياء الدم عن القسامة في دم الخطأ
مسألة قال سحنون وعيسى: قال ابن القاسم: إذا نكل المدعى عليهم في الخطأ غرموا الدية والقاتل كرجل منهم، ولا يستحلف هو، وفي سماع عيسى فإن نكل أحد من أولياء الدم عن القسامة في دم الخطأ فهو حق قد وجب على عاقلة المدعي عليهم فليس يبريهم إلا اليمين لو كانوا عشرة آلاف، فمن حلف منهم سقط عنه بقدر ما يصيبه، ومن نكل غرم ما يقع عليه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في رواية سحنون وعيسى عنه إذا نكل المدعي عليهم في الخطأ غرموا الدية والقاتل كرجل منهم يريد بالمدعي عليهم العاقلة كلها.
وقوله ولا يستحلف هو معناه ولا يستحلف هو وحده بل يحلف مع جميع العاقلة فيما يجب عليه من الدية، كما يحلف كل واحد منهم فيما يجب عليه منها.
وقوله في رواية عيسى عنه وحده فإن نكل أحد من أولياء الدم عن القسامة في دم الخطأ فهو حق قد وجب على عاقلة المدعي عليهم يريد أن حظ من نكل عن اليمين من الورثة من الدية قد وجب على جميع العاقلة ولو كانوا عشرة آلاف والقاتل كرجل منهم، فمن حلف منهم سقط عنه ما يصيبه من ذلك،
ومن نكل غرم ما يصيبه منه، ومن حلف من أولياء الدم وهم الورثة فقد استحق ما يجب له من الدية على جميع العاقلة والمدعي عليه كرجل منهم، وإنما يستحق منهم ما يجب له من الدية بعد أن يستكملوا جميع الأيمان، لأن من نكل من الورثة عن اليمين فهو بمنزلة من غاب لا يستحق من حضر حظه من الدية حتى يحلف جميع الأيمان، فإذا جاء من غاب حلف ما يجب عليه من الأيمان واستحق حظه من الدية، وإن نكل عن اليمين فكما قال في الرواية يكون حظه من الدية على جميع العاقلة، ولو كانوا عشرة آلاف والمدعي عليهم كرجل منهم فمن حلف منهم سقط عنه ما يجب عليه من ذلك، ومن نكل غرم ما يجب عليه منه، فليس قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه بخلاف لما قبله من رواية سحنون وعيسى عنه، وإنما تكلم أولا على نكول الورثة، وتكلم آخرا على نكول العاقلة أيضا بعد نكول الورثة فقال إن جميع العاقلة والمدعى عليه الدم يحلفون في جميع الدية، ولو كانوا عشرة آلاف إذا نكل جميع الورثة وفيما بقي من الدية، ولو كانوا عشرة آلاف أيضا إذا نكل بعض الورثة وحلف بعضهم.
وفي سماع سحنون خلاف هذا القول أنه لا يحلف من العاقلة في الوجهين جميعا إلا خمسون رجلا يمينا لأنها جميع أيمان القسامة، فإن حلف منهم خمسون رجلا برئوا وسقطت الدية، وإن حلف بعضهم برئ من حلف معهم من الدية ووجبت الدية كلها على من بقي منهم إلا أن يأتوا بمن يحلف ما بقي من الخمسين يمينا، ولو حلف منهم تسعة وأربعون رجلا يمينا وبقيت يمين واحدة من الخمسين يمينا كانت الدية كلها على من لم يحلف حتى يأتوا منهم بمن يحلف اليمين الباقية من الخمسين، هذا معنى قوله في سماع سحنون مفسرا، وله فيه قول آخر مثل ما في هذه الرواية أن جميع العاقلة والمدعي عليه الدم يحلفون كلهم إذا نكل الورثة عن اليمين، وفي المسألة قول ثالث أنهم إن نكلوا لم يكن لهم شيء، وإن نكل بعضهم وحلف بعض لم يكن لمن نكل منهم شيء، ولا ترجع الأيمان على العاقلة
لأن الدية لم تجب عليهم بعد، وإنما تجب بالفرض وهو قول ابن الماجشون، وفي المسألة قول رابع " أنهم إن نكلوا حلف المدعي عليه الدم وحده، فإن حلف سقطت الدية عنه وعن جميع العاقلة، وإن نكل لزمه ما يلزم واحدا من العاقلة ولم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن نكوله كالإقرار والعاقلة لا تحمل الإقرار، لأنه بنكوله شاهد على العاقلة، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، وفي المسألة قول خامس أن الأيمان ترد على العاقلة، فإن حلفت برئت وإن نكلت عن اليمين غرمت نصف الدية قاله ربيعة، وهو قول على ما روى عن عمر بن الخطاب في قضائه على السعدين وبالله التوفيق.
مسألة: نكل ولاة الدم في العمد
مسألة وفي سماع سحنون قال ابن القاسم: إذا نكل ولاة الدم في العمد ردت الأيمان على أولياء القاتل، فإن حلف منهم خمسون رجلا خمسين يمينا برئ، ولم يكن على المدعي عليه أن يحلف معهم، ولا يجبر هؤلاء على الأيمان إلا أن يتطوعوا، فإن لم يجدوا خمسين رجلا ووجدوا أقل من ذلك العدد حلفوا خمسين يمينا إذا أطاعوا بحملها كلها وردت عليهم حتى يستتموا، فإن أبوا أن يحملوها كلها، وقالوا نحن نحمل بعضها واحمل أنت بقيتها، فليس ذلك لهم إما حملوها كلها ولا يكون على المدعي عليه منها شيء، وإما أن تسقط عنهم ويحملها المدعى عليه كلها وحده ويبرأ، فإن أبى سجن حتى يحلف، قال ابن القاسم ولا يحلف عنه أقل من رجلين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال:
أحدها - هذا وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
والثاني - أن الأيمان ترد على المدعى عليهم فيحلف منهم رجلان أو أكثر خمسين يمينا تردد الأيمان عليهم ويحلف
فيهم المتهم، فإن نكلوا أو لم يوجد غير المتهم لم يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا وحده، وهو قول ابن القاسم في المجموعة.
والثالث - أن المدعى عليه يحلف وحده ولا يكون له أن يستعين بأحد من ولاته في الأيمان كما يكون ذلك لولاة المقتول، وهذا قول مطرف في الواضحة وظاهر ما في رسم أول عبد من سماع يحيى وما في المدونة من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، وهذا القول أظهر الأقوال من جهة القياس، لأن المدعي عليه حقيقة هو الذي يدعى عليه القتل ويطلب منه القصاص ويتعلق به حكم بالنكول، فوجب أن يكون هو الذي يحلف وحده لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» .
وللقولين الآخرين حظ وافر من النظر، وهو أنه لما كانت الدماء تقع فيها الحمية والعصبة صار عصبة المقتول هم الطالبون بدم المقتول بحق التعصيب لا بحق الوراثة، وصار عصبة القاتل هم المطلوبون معه لتعصبهم له ودفاعهم عنه، ووجب أن ترجع الأيمان إذا نكل عنها عصبة المقتول على عصبة القاتل إذ هم المطلوبون بما فعل وليهم، بدليل «قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - للحارثيين في قتيلهم الذي قتل بخيبر أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فلما قالوا له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كيف نحلف ولم نشهد ولم نحضر؟ قال فتبريكم يهود بخمسين يمينا» فعمهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بالأيمان لما كانوا هم المدعى عليهم بأن صاحبهم قتل، فرأى ابن القاسم في الرواية الواحدة من حق القاتل أن يستعين في الأيمان بعصبة الذابين عنه المتعصين له المناصبين دونه كما كان من حق القريب من عصبة المقتول أن يستعين في الأيمان بالبعيد منهم.
ورأى في الرواية الأخرى من حق عصبة القاتل إذا ردت عليه الأيمان أن يتحملوها عنه ويحلفوها دونه إن دعوا إلى ذلك لجدهم في الدفاع عنه لما يزعمون من صحة يعنيهم ببراءته من قتله، فإن أبوا أن يحملون عنه جميعا وأرادوا أن يعينوه فيها بأن يحملوا عنه بعضا لم يمكنهم من ذلك لما تبين بمشاحتهم في ذلك من ضعف يقينهم في أنه بريء مما ادعى عليه وبالله التوفيق.
مسألة: كان بعض عاقلة القاتل في غير الإقليم الذي هو به
مسألة وعن الذي يقتل خطأ وبعض العاقلة بأطرابلس وبها قتل وبعضهم بأفريقية وهم كثير والذين بأطرابلس نفر يسير فهل يضم الذين بأطرابلس إلى الذين بإفريقية أو حتى يستوعب الدية بأفريقية، قال: أرى أن يضم بعضهم إلى بعض.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة لأن أفريقية وطرابلس إقليم واحد، فوجب أن يضم من بأفريقية من عاقلة القاتل إلى من بطرابلس منهم، ولو كان بعض عاقلة القاتل في غير الإقليم الذي هو به، مثل أن يكون قتل القاتل في غير الإقليم الذي هو به، مثل أن يكون قتل بمصر وقومه بالشام أو بالشام وقومه بالعراق فعقل عنه أقرب القبائل إليه من الإقليم الذي هو من أهله، ولا يضم إليه أحد من عاقلته إذا كانوا في إقليم آخر، هذا قوله في المدونة وهو معنى قوله في هذه الرواية والله الموفق.
مسألة: عفا أحد الأولياء عن الدم بعد وجوبه بالبينة أو بالقسامة
مسألة قال ابن القاسم في رجل قتل وله ابنان وترك خمسمائة دينار ناضة وعليه دين خمسمائة دينار وعفا أحد الابنين عن القاتل بلا شيء فقضى على القاتل للذي لم يعف بنصف الدية.
قال ابن القاسم يقسم الخمسمائة الدين على الخمسمائة الناضة والخمسمائة الدية فيكون نصفها في الخمسمائة التي أخذ، هذا وهو مائتان وخمسون ويكون بقيتها له خاصة، فلا يدخل عليه فيها أخوه لأنه عفا، وتكون المائتان والخمسون الباقية تمام الدية في الخمسمائة الناضة، ويكون بقية الخمسمائة الناضة ميراثا بين الابنين، قال: وإن كانت الثلث والثلثين فعلى هذا الحساب، قال: وقد بلغني
ما فسرت لك في هذه المسألة عن مالك إلا في القود.
قال محمد بن رشد: قوله: فقضى على القاتل للذي لم يعف بنصف الدية صحيح على مذهبه وروايته عن مالك إنه إذا عفا أحد الأولياء عن الدم بعد وجوبه بالبينة أو بالقسامة فلمن لم يعف حظه من الدية، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك في أول رسم من سماع أشهب قبل هذا.
وقوله: إن الخمسمائة الدين تقسم على الخمسمائة الناضة والخمسمائة الدية فيكون نصفها في الخمسمائة الدية، ويكون بقيتها له خاصة لا يدخل عليه فيها أخوه الذي عفا ويكون نصفها في الخمسمائة الناضة، ويكون الباقي منها ميراثا بين الابنين صحيح على ما قاله، لأنه يجب على كل واحد منهما من الدين بقدر ما صار له من المال، فالذي عفا لم يصر له إلا مائتان وخمسون نصف الخمسمائة الناضة والذي لم يعف صار له مائتان وخمسون نصف الخمسمائة الناضة وخمسمائة حظه من الدية، فذلك سبعمائة وخمسون ثلاثة أمثال ما صار للذي عفا فيجب عليه من الدية ثلاثة أرباعه ثلاثمائة وخمسة وسبعون فتبقى له ثلاثمائة وخمسة وسبعون، ويجب من الدين على الذي عفا ربعه مائة وخمسة وعشرون فيبقى له مائة وخمسة وعشرون، فهذا بيان ما قاله، وبالله التوفيق.
: جرحه رجل ثم ضربته دابته فلم يدر من أي الأمرين كان حتفه
ومن كتاب العرية وسئل عن رجل جرحه رجل ثم ضربته دابته فلم يدر من أي الأمرين كان حتفه.
قال: أرى نصف الدية على عاقلة الجارح، قلت بقسامة أم بغير قسامة؟ قال أرأيت قسامة في نصف دية؟
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن جرح الرجل له وضرب الدابة إياه كان في فور واحد ومات لحينه، فحمل أمره على أنه مات من الأمرين جميعا لاحتمال موته من كل واحد منهما احتمالا واحدا، لا يمكن أن يغلب أحدهما على صاحبه، ولابن القاسم في المجموعة أن في ذلك القسامة، قال: وهو كمرض المجروح بعد الجرح، يريد أن أولياء الميت يقسمون لمات من جرح الرجل إياه ويستوجبون جميع ديته على العاقلة إن كان الجرح خطأ أو الاستفادة منه إن كان الجرح عمدا، فإن لم يقسموا على هذا القول لم يكن لهم شيء.
قال: ومن شج موضحة فتراخى به برؤه حمى سقط عليه جدار فقتله أو قتل إن له نصف عقل الموضحة وذلك عندي من أجل أنه لا يدري لعله إنما مات من الموضحة ولو جرحه أولا ثم ضربته ذلك فلم يدر من أي الأمرين مات لكانت في ذلك القسامة والدية في الخطأ أو القصاص في العمد قولا واحدا؛ لأن الظاهر أنه مات من الأمر الآخر بمنزلة إذا جرح ثم مرض فمات وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يجرح ثم يمرض فيموت
مسألة قال وفي كتاب الصلح في الرجل يجرح ثم يمرض فيموت إن فيه القسامة.
قال محمد بن رشد: الدية على العاقلة في الخطأ، والقصاص في العمد، وهذا ما لا اختلاف فيه، لأنه لوحيي بعد الجرح حياة بينة ثم مات من غير أن يمرض لكان هذا هو الحكم فيه فكيف إذا مرض؟ وهذا إذا أثبت الجرح بشهادة شاهدين، وصفة اليمين في هذا أن يحلفوا لمات من الجرح الذي أصابه به لا من المرض الذي دخل عليه بعد ذلك، وسيأتي في أول نوازل سحنون الاختلاف ما إذا لم يشهد على الجرح إلا شاهد واحد ونتكلم على معناه - إن شاء الله -.
مسألة: رجل قتل عمدا فأوصى أن تقبل ديته وأوصى بوصايا
مسألة وقال في رجل قتل عمدا فأوصى أن تقبل ديته وأوصى بوصايا.
قال: ذلك جائز وتكون وصاياه فيمن يؤخذ من ديته وتكون الدية كغيرها من ماله.
قلت: أرأيت إن أوصى بالدية كلها لقوم بعد أن تقبض وليس له مال غيرها أتجوز وصيته فيها كلها كما كان يجوز له أن يعفو عن القتل والدية؟ فقال: لا يجوز له إلا في الثلث.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أوصى أن تقبل ديته وأوصى بوصايا إن وصاياه تكون فيما يؤخذ من ديته، وهو مثل ما قاله في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الوصايا، وإنما يصح ذلك على قياس القول بأنه إذا عفا عنه على الدية أو أوصى أن يعفا عنه على الدية إن ذلك يلزمه، وأما على القول بأن ذلك لا يلزمه إلا برضاه وهو المشهور من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فلا يدخل فيها الوصايا، وإن أوصى أن تقبل، إذ ليس على يقين من أنه يرضى بذلك، كما لو قال: إن قبل ولاتي ديتي فوصيتي فيها، إذ ليس على يقين من قبول ولاته لديته.
وإنما لم تجز وصيته بالدية كلها إذا لم يمكن له مال غيرها، وإن كان يجوز له أن يعفو عن القتل والدية من أجل أن الدية ليس بمال للميت، غير أن السنة قد أحكمت أن يحكم لها بحكم مال الميت إذا قبلت، فلما لم تكن مالا للميت قبل أن تقبل كان للميت أن يعفو عنها، ولما صار حكمها إذا قبلت حكم مال الميت وجب أن لا تجوز وصيته، إذا أوصى بها لقوم إلا أن يحملها ثلثه، فإن لم يحملها ثلثه جاز لهم منها ما حمله الثلث وبالله التوفيق.
مسألة: اتبعه الناس وهو قاتل فاقتحم بيتا فيه ثلاثة نفر لا يدري أيهم هو
مسألة وعن رجل قتل إنسانا في وسط الناس، فاتبعه الناس وهو هارب فاقتحم بيتا، ودخلوا البيت بإثره فإذا فيه ثلاثة نفر لا يدري أيهم هو.
قال إن حلف كل واحد منهم خمسين يمينا أنه لم يقتله كان العقل عليهم ثلاثتهم، وإن نكل أحدهم كان العقل على من نكل.
قلت له: فإن حلفوا ثلاثتهم أنهم براء من قتله كيف تستحق عليهم الدية بقسامة أم بغير قسامة أو نكل أحدهم عن اليمين أيقسم عليه أم لا؟ قال بل تكون عليهم الدية بغير قسامة.
قال محمد بن رشد: قوله في آخر المسألة قال بل تكون عليهم الدية بغير قسامة، إنما هو جواب قلت له فإن حلفوا ثلاثتهم أنهم براء من قتله كيف تستحق عليهم الدية بقسامة أم غير قسامة لا جواب لقوله أو نكل أحدهم عن اليمين أيقسم عليه أم لا؟ لأنه لم يقع على ذلك جواب.
والجواب على ذلك إنما هو أنه لا يقسم على من نكل لأن اليمين في هذا لا ترجع في النكول على أولياء المقتول؛ لأن القتل قد ثبت على أحدهم من غير تعيين، فإن حلفوا كلهم أو نكلوا كلهم كانت الدية عليهم جميعا، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم عن اليمين كانت الدية على من نكل منهم واحدا كان أو اثنين، ولا يمين في شيء من ذلك كله على أولياء القتيل، وإيجاب القسامة على كل منهم هو على ما تقدم في تأخير العشاء من سماع ابن القاسم في أن المتهم بالدم يستحلف خمسين يمينا، لأن كل واحد منهم متهم بالدم إذ لم يعلم من هو القاتل منهم، هذا مذهب ابن القاسم في هذه المسألة، وسحنون يقول: إنه لا شيء عليهم، وشهادة البينة أنهم رأوه دخل فيهم ولا يعرفونه بعينه باطل.
مسألة: قال أحد عبدي حر وهو صحيح مسلم فقتل أحدهما
مسألة وسألته عن رجل قال أحد عبدي حر وهو صحيح مسلم فقتل أحدهما أو قتلا جميعا أو مات أحدهما وبقي الآخر وكان الذي قتلهما رجل واحد أو رجلان قتل كل واحد منهما رجل قبل أن يعلم بعتق واحد منهما، فقال السيد حين قتل الواحد، وبقي الآخر: إن المقتول هو الذي كنت أعتقته، وقال القاتل: أنت كاذب ومدعي الدية ومدرئ عن نفسك عتق هذا الباقي فلا يقبل قولك.
قال ابن القاسم القول قول السيد ويكون على القاتل قيمته عبدا ويصدق فيما زعم أنه كان أعتقه ولا يصدق في الدية، ويسترق الباقي منهما إذا ادعى السيد أن المقتول هو الذي أراد بالعتق، قال سحنون في العتق مثله إن القول قوله بعد أن يحلف بالله ما أردت إلا الميت ثم لا يكون للآخر من العتق شيء، وإن قال أردت الباقي حلف وعتق أيضا من جميع المال، وقال سحنون: ولو كان هذا القول منه في الصحة مثبتا بالبينة ثم قال في مرضه لم أكن أردت واحدا منهما بعينه عتق هذا الباقي من رأس المال وفيه تنازع، وهذا أصح ما نعلمه وبالله التوفيق.
قال عيسى: وقال لي: فقس ذلك بالرجل يقول إحدى امرأتي طالق فتموت إحداهما فيدعي الزوج أن الميتة هي التي أراد بالطلاق أن القول قوله ويمسك الباقية.
قال: ولو قال أيضا في العبدين لم أكن أعتقت بعد واحدا منهما حتى قتل إن الباقي من العبدين يعتق عليه، وتكون دية المقتول قيمة عبد.
قلت فلو قتلهما جميعا رجل واحد؟ فقال: إن السيد قد كنت أعتقت أحدهما كان على القاتل قيمتهما أيضا عبدين، ولو قال السيد: لم أكن أعتقت واحدا حتى قتلا لم يكن على قاتلهما إلا قيمتهما عبيدا أيضا؛ لأنهما عبيد حتى يعتق أحدهما بعد قوله أحدكما حر، قال: وسواء قتلهما واحد أو قتل كل واحد منهما رجل إن قال: لم أكن أعتقت منهما أحدا حتى قتلا لم يكن على قاتلهما إلا قيمتهما عبدين وقال قد كنت أعتقت أحدهما كان أيضا على ذلك لم يكن على قاتلهما إلا قيمتهما عبدين.
قلت أرأيت إن كان قال ذلك في وصية قال أحد عبيدي حر فقتل أحدهما أو جميعا قتلهما رجل واحد، وقتل كل واحد منهما واحد قيل أن يقوما ويعتقا.
قال ديتهما أبدا دية عبيد حتى يحكم فيهما بالعتق لأنهما لا يعتقان حتى يقوما، وإن قتل أحدهما أو مات وبقي الآخر فإنه يعتق في ثلث ما بقي، ويكون الذي مات منهما أو قتل كمن لم تكن فيه وصية، وهو بمنزلة الذي يقول عبد من رقيقي حر ثم يموتوا كلهم إلا واحدا أو مات منهم يكون كمن لم تكن فيه وصية ويعتق هذا الباقي في ثلث ما بقي من مال الميت.
قال محمد بن رشد: تلخيص هذه المسألة أنه إن قتل أحدهما فقال أردت بالعتق الذي قتل أو الذي بقي صدق في الوجهين جميعا مع يمينه، لأنه إن قال: أردت الميت؛ اتهم على أنه أراد إرقاق الباقي، وإن قال: أردت الباقي اتهم على أنه أراد أن يجر إليه ميراث الميت بالملك، إن كان له ورثة أحرار، وإن قال لم أرد واحدا منهما لم يكن له أن يجعل العتق لمن مات أو أعتق الباقي على كل حال، هذا هو قوله في هذه الرواية وفي رسم الصبرة من سماع يحيى من
كتاب العتق، وسواء قال: لم أرد واحدا منهما في صحته أو في مرضه على ما قاله سحنون، وقد حكى أن في ذلك اختلافا إذا قاله في مرضه، ويحتمل أن يكون الاختلاف الذي أشار إليه أن يعتق هذا الباقي، ويكون ما زادت قيمته على قيمة الميت في ثلثه.
وأما إن قتلا جميعا قتلهما رجل واحد أو رجلان فلا يصدق في أنه أراد واحدا منهما، ويكون على عاقلتهما قيمتهما عبدين، وإن كان قال ذلك في وصيته فقتلا جميعا كان على قاتلهما قيمتهما عبدين لأنهما عبدين حتى يقوما في الثلث، وإن قتل أحدهما أو مات فعتق الباقي منهما في الثلث وهو مما لا اختلاف فيه وبالله التوفيق.
مسألة: جنين النصرانية من العبد النصراني
مسألة وسئل عن جنين النصرانية من العبد النصراني.
قال: هو حر ديته دية جنين الحر.
قلت فما دية جنين الحر المسلم من النصرانية إذا طرح أو العبد المسلم من النصرانية قال دية جنين الحرة من الحر المسلم نصف عشر دية أبيه المسلم، ودية جنين النصرانية الحرة من العبد المسلم نصف عشر دية المسلم الحر، وهو بمنزلة أن لو كان أبوه حرا؛ لأنه على دين أبيه.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله؛ لأن الولد تبع لأبيه في الدين ولأمه في الحرية وبالله التوفيق.
: شج موضحة فاستؤنى به البرء فسقط عليه جدار فقتله
ومن كتاب أوصى
أن ينفق على أمهات أولاده قال: ومن شج موضحة فاستؤنى به البرء فسقط عليه جدار فقتله أو قتل: إن له عقل الموضحة.
قال محمد بن رشد: في المجموعة أن له نصف عقل الموضحة وقد ذكرنا ذلك في رسم العرية، وما في هذه الرواية من أن له عقل الموضحة أظهر، لأن الظاهر أنه مات من الأمر الآخر، ووجه ما في المجموعة أنه لما سقط عليه الجدار أو قتل قبل أن يبرأ من الموضحة لم يدر من أي الأمرين مات، وإن كان من الموضحة فلا يجب فيها شيء لأن الموت يأتي عليها، وإن كان من الأمر الآخر فالعقل فيها لازم فيجعل فيها النصف من أجل الشك، وهو ضعيف وبالله التوفيق.
: يجرح فيعتقه سيده وهو مجروح ثم ينزى في جرحه فيموت
ومن كتاب بع ولا نقصان عليك وسئل عن العبد يجرح فيعتقه سيده وهو مجروح ثم ينزى في جرحه فيموت، قال: قال مالك: عقله عقل حر الدية كاملة قلت: كان عمدا أو خطأ؟ قال: نعم كان عمدا أو خطأ، قلت بقسامة أم بغير قسامة؟ قال: بل بقسامة، وكيف يستحق دم من قد عاش صاحبه إلا بقسامة، قلت له: فما باله لا يقتل به في العمد؟ قال: القتل عظيم للشبهة التي دخلته، ولو قال قائل ديته دية عبد لكان له مطعن فلا أرى له في العمد والخطأ إلا الدية، فلو كان الجارح أنفذ مقاتله فأعتقه سيده على تلك الحال قال أليس يورث بالحرية قلت: بلى.
قال فسواء أنفذ مقاتله أم لا أرى فيه الدية كاملة.
قال محمد بن رشد: لأشهب في كتاب ابن سحنون أن ديته دية عبد لسيده وهو القياس، لأنه وإن كان مات وهو حر فإنما مات من الجرح الذي أصيب به وهو عبد، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذا استحسان لأنه هو راعي حاله يوم الجرح فيوجب القيمة لسيده، ولا يوم الموت فيوجب القصاص على قاتله وأوجب الدية كاملة في ماله مع القسامة إذا ثبت الجرح أو بقول المقتول بعد عتقه أو بعد إسلامه على ما قاله في سماع سحنون يريد في العمد والخطأ لأن أصل الجناية في حال الرق والعاقلة لا تحمل الجناية على العبد، فكما لا يقتص من الجاني من أجل أن الجناية بحال الرق، فكذلك لا تكون الدية في الخطأ على العاقلة من أجل أن أصل الجناية في حال الرق، ولو لم يمت العبد بعد العتق من ذلك الجرح إلا أنه تراقى إلى مأمومة أو إلى شيء آخر فأما إذا تراقى إلى شيء آخر مثل أن يجرحه موضحة أو يقطع أنفه وهو عبد فيذهب من ذلك بعد عتقه عينه أو ما أشبه ذلك فللسيد في الموضحة نصف عشر قيمته، وفي قطع أنفه ما نقص من قيمته، وللعبد في ذهاب عينه دية عين حر خمسمائة في مال الحر أيضا إن كان الجاني حرا وفي رقبة العبد إن كان الجاني عبدا يخير سيده بين أن يفتكه بذلك أو يسلمه إلا أن يشاء السيد القصاص إن كانت الجناية عمدا والجاني عليه عبد فلا يكون له إلا ذلك وليس له هو قصاص فيما تراقى إليه جرحه بعد العتق للشبهة في ذلك بكون الجرح في حال الرق، كما لا يقتص منه في العمد إذا آل الجرح بعد العتق إلى النفس للشبهة التي دخلته، وأما إذا تراقى إلى زيادة في الجرح لا إلى شيء آخر مثل أن يجرحه وهو عبد موضحة فتصير بعد عتقه منقلة أو مأمومة أو منقلة فتصير مأمومة وما أشبه ذلك ففيه اختلاف قيل: إنه يكون عليه لسيده عقل موضحة العبد نصف عشر ثمنه، ويكون له هو ما بين الموضحة والمنقلة أو المأمومة من دية الحر بمنزلة إذا تراقى إلى شيء آخر، وهو قول سحنون في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجنايات، والذي يأتي على مذهب ابن القاسم وأحد قولي مالك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجنايات في أن من
جرح موضحة فصارت منقلة يقتص له من الموضحة، ويكون له عقل ما بين الموضحة والمنقلة، ويأتي على قياس القول بأنه ليس له إلا عقل المأمومة أن يكون للسيد إذا اعتق عبيده بعد أن جرح موضحة فصارت منقلة عقل منقلة، وقال ابن الماجشون على جارحه دية منقلة حر يريد للعبد المعتق فحكم للمجروح بمال آل إليه المجروح من المنقلة، وهذا القول الثالث أبعد الأقوال، لأنه جعل تراقي الجرح بعد إلى العتق إلى مأمومة كتراقيه إلى الموت على مذهب ابن القاسم الذي يرى في ذلك الدية دية الحر كاملة.
وأما قوله إذا أنفذت مقاتله وهو عبد ثم أعتق إن فيه الدية كاملة؛ لأنه يورث بالحرية ففيه نظر، والقياس أن تكون قيمته لسيده وميراثه له بالرق، وقد روى عن سحنون فيمن انفذت مقاتله أن وصيته لا تجوز وقع ذلك من قوله في الجهاد من النوادر، فعلى قوله لا يرث ولا يورث، وقال غيره إن وصية جائزة وقد أوصى عمر حين طعن فجازت وصيته فقول ابن القاسم في هذا يأتي على قياس رواية أبي زيد فيمن أنفذ مقاتل رجل ثم أجهز عليه آخر إن الآخر يقتل به ويعاقب الأول.
فيتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال بالتفرقة بين أن يعتق العبد أو يسلم النصراني قبل أن تنفذ مقاتله أو بعد أن أنفذت مقاتله وبالله التوفيق.
: حبس الرجل في القتل فعفي عنه بعد التثبت
ومن كتاب لم يدرك وقال إذا حبس الرجل في القتل فعفي عنه بعد التثبت بالبينة أو بالقسامة جلد مائة واستقبل به حبس سنة من يوم يجلد ولا يحسب في السنة ما حبس قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الحبس الذي حبس قبل
العفو حق للولي والحبس الذي بعد العفو حق لله فلا يدخل أحدهما في الآخر وبالله التوفيق.
مسألة: الثور العقور إذا عرف بالعداء على الناس
مسألة وقال في الثور العقور والجمل الضول والكلب العقور أو شيء من العجماء إذا عرف بالعداء على الناس أمر صاحبه بذبحه وتقدم إليه، فإن عقر أحدا بعد التقدم فهو ضامن له في ماله.
قلت فلو كان الثور قد قتل رجلا بعد التقدم إلى سيده ولم يشهد على قتله إلا شاهد واحد هل يحلف ورثة الميت مع شاهدهم ويستحقون الدم؟ قال: نعم يحلفون يمينا واحدة كما يحلف في الحقوق، ويستحقون الدم مع شهادة شاهدهم، وقال لا يكون شيء مما عدوا به على الناس على العاقلة، وإنما ذلك في ماله خاصة وإن بلغ الدية كاملة.
قال محمد بن رشد: قوله إن عدا بعد التقدم إليه فهو ضامن يريد وإن كان التقدم إليه بالجيران دون السلطان، وهو مثل ما في المدونة خلاف ما في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب السلطان أنه لا يضمن إلا أن يتقدم إليه في ذلك بالسلطان، وقد قيل إنه ضامن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، قاله أشهب وسحنون في الحائط إذا بلغ مبلغا يجب عليه هدمه فتركه، وكذلك يلزم على قياس قولهما في الكلب العقور والجمل الصؤول أنه لا ضمان على صاحبهما بحال، وإن تقدم إليه، فهو قول رابع في المسألة، وقد مضى هذا في سماع يحيى وعبد الملك من كتاب السلطان.
وقوله إنه لا يكون على العاقلة من ذلك شيء وإن كان المعقور حرا خلاف قول ابن وهب في سماع زونان من كتاب السلطان إن ذلك على العاقلة إن بلغ الثلث فصاعدا، وقول ابن القاسم أظهر أن لا يكون على العاقلة من ذلك شيء لأن العاقلة لا تحمل العمد وهذا فيه شبه من العمد؛ لأنه متعد في حبس هذا الحيوان المؤذي حيث لا يجوز له.
وقوله: إنه يستحق ذلك باليمين مع الشاهد الواحد كالحقوق صحيح على قوله في أنه لا يكون على العاقلة من ذلك شيء، ولا يحلف على قياس قوله مع قول العقور، وحكى ابن مزين عن أصبغ أن ذلك لا يثبت إلا بشهادة شاهدين وأنكر رواية عيسى هذه، ويأتي على قياس قول ابن وهب أن يستحق ذلك بما يستحق به دم الخطأ من القسامة وغير ذلك، روى عيسى عن ابن القاسم أنه إن قتل رجل الجمل الصؤول بعد التقدم إلى صاحبه فذكر أنه أراده وصال عليه فلا غرم عليه فيه، ويقبل قوله في ذلك، يريد مع يمينه بغير بينة إذا كان بموضع ليس يحضره الناس، وهذا على ما مضى تحصيل القول فيه في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع في الذي يدعي ضياع ما أؤتمن عليه مما لا يغاب عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: قوما أقسموا على رجل فقال أنا قتلته
مسألة وسألته عن الرجل يقتل فيدعي دمه قبل رجل صالح فيصالح عليه ورثته على شيء يدفعه إليهم، ثم يقوم رجل فيقول أنا قتلته.
قال: إن شاء ولاة الدم تماسكوا بصلحهم وأمضوه وإن شاءوا قتل الذي أقر لهم وفسخ الصلح، قلت: وكيف يكون الصلح أبعد أن تثبت لهم القسامة؟ قال: وإن لم تثبت لهم القسامة إذا قال لهم المدعي عليه ما تصنعون بالبينة وطلبها؟ صالحوني فإذا صالحهم جاز الصلح فهم مخيرون في أن يمضوا الصلح وفي أن يقتلوا الذي أقر لهم.
قلت بقسامة أو بغير قسامة؟ قال: بغير قسامة قلت: فلو أن قوما أقسموا على رجل، فقال أنا قتلته؟ قال: ما أخذت الأول إلا من هذا، هم مخيرون إن شاءوا قتلوا الذي أقسموا عليه، وإن شاءوا الذي أقر لهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في أول سماع عيسى، إذ لا فرق بين أن يقر الرجل بقتل الرجل بعد أن صالحوا غيره، أو أقسموا عليه أو وجبت لهم القسامة عليه، فلا معنى لإعادة شيء منه.
مسألة: أصاب الكلب العقور في الموضع الذي لا يجوز اتخاذه قبل التقدم إليه
مسألة قال ابن القاسم: وما أصاب الكلب العقور في الموضع الذي لا يجوز اتخاذه قبل التقدم إليه فصاحبه ضامن.
قال محمد بن رشد: هذا بين أن الاختلاف الذي ذكرناه فيما تقدم في هذا الرسم إنما هو إذا اتخذه في الموضع الذي يجوز له فيه اتخاذه والله الموفق.
: نصراني حر قتل عبدا مسلما عمدا
ومن كتاب سلف دينارا وقال في نصراني حر قتل عبدا مسلما عمدا، قال فيه اختلاف، ورأى أن يقتل به، قال سحنون أرى عليه قيمته وهو سلعة من السلع.
قال محمد بن رشد: قوله وأرى أن يقتل به معناه إذا أراد سيد العبد المقتول أن يستفيد منه، وأما إن أراد أن يضمنه قيمة عبده ولا يقتله به فلا اختلاف في أن ذلك له، وإنما الاختلاف إذا أراد أن يقتله، فقيل: إن ذلك ليس له وهو الأظهر من جهة اتباع ظاهر ما في القرآن، وذلك أن الله تعالى قال
في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] فعم ولم يخص مسلما من كافر، والمعنى في قوله كتب عليكم القصاص أن كتب عليكم الحكم به، فوجب أن يحمل على عمومه في الكافر والمسلم، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] والولي المختص بالرجل هو العاصب والذي له الميراث والعبد لا عاصب له يرثه؛ لأن ميراثه لسيده الذي يملك رقبته وهو ماله، وقيل إن ذلك له، وهو الأظهر من جهة المعنى، وذلك أن القصاص إنما يكون في الموضع الذي تتكافأ فيه الدماء بالحرية والإسلام أو يكون دم المقتول أعظم حرمة من دم القاتل بحرية أو إسلام؛ لأنه إذا كان المسلم يقتل بالمسلم لتكافئ دمائهما بالحرية فالنصراني أحق أن يقتل به لنقصان مرتبته عن مرتبة المسلم، وإذا كان الحر يقتل بالحر لتكافئ دمائهما بالحرية، فالعبد أحرى أن يقتل به لنقصان مرتبته عن مرتبة الحر، فإذا قتل النصراني الحر العبد المسلم فللنصراني مزية على العبد بالحرية، وللعبد عليه مزية بالإسلام، وحرمة الإسلام أعظم من حرمة الحرية، فوجب أن يقتل به ويجعل الآية في قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] مخصوصة على المسلمين المخاطبين بها، بدليل قوله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: 178] . وقوله: في آخر الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] يحتمل أن يدخل فيه السيد؛ لأنه أحق بعيده، وهو يرثه فيكون له بمنزلة العاصب للحر، وهذا القول أظهر وهو قول ابن القاسم أيضا بعد هذا في هذا الرسم، وقول أشهب في سماع عبد الملك والله أعلم.
مسألة: القصاص من حق أولياء المقتول
مسألة وقال ابن القاسم إذا تساوق النصراني إلى حكم المسلمين في قتل وقع بينهم، فقال النصراني القاتل: ليس في ديننا قتل ولا قود.
قال: لا يقبل منه في ذلك لأنه من الفساد وعلى حكم المسلمين أن ينظر في ذلك، فإن شهد عنده على القتل شهيدا عدل من المسلمين مثل من شهد عليه قال عيسى: يسلم إلى أولياء النصراني فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا استحيوه، فإن عفوا رأيت الإمام أن يضربه مائة ويسجنه سنة.
قال محمد بن رشد: قول عيسى مفسر لقول ابن القاسم، لأن القصاص من حق أولياء المقتول، وضرب مائة وسجن سنة حق لله تعالى لا يجوز العفو عنه، والمسألة بينة صحيحة لا اختلاف فيها؛ لأن القتل العمد من التظالم الذي يجب على الإمام الحكم فيه بين أهل الذمة، وإنما اختلف فيما لم يكن من التظالم كالربا وشبهه من طلاقهم وحدودهم هل يجب على الإمام الحكم بينهم فيه إذا ارتفعوا إليه وحكموه، فقيل إن ذلك يجب عليه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقيل إن ذلك لا يجب عليه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] وقد مضى الكلام في الاختلاف في تأويل الآيات في هذا واختلاف العلماء في الحكم في ذلك لاختلافهم في تأويلها مستوفى في رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب فلا معنى لإعادته.
مسألة: إذا قتل اليهودي الحر أو النصراني عبدا مسلما
مسألة وقال ابن القاسم: إذا قتل اليهودي الحر أو النصراني عبدا مسلما قتلا به، وإن قتل العبد المسلم النصراني الحر أو اليهودي الحر لم يقتل به وخُيِّرَ صاحبه في أن يفتكه بديته أو يسلمه فيباع له، وقال غيره: لا يقتل واحد منهما؛ لأن العبد مال من الأموال ولكن يضرب ويغرم قيمة العبد.
قال محمد بن رشد: غير ابن القاسم هو قول سحنون الذي تقدم في أول الرسم، وقد مضى الكلام فوق هذا في قتل النصراني الحر العبد المسلم وتوجيه الاختلاف فيه فلا وجه لإعادته.
وأما إذا قتل العبد المسلم النصراني الحر فلا اختلاف في أنه لا يقتل به إذ لا تتكافأ دماؤهما؛ لأن حرمة الإسلام أعظم من حرمة الحرية، فهي جناية من العبد يخير سيده في إسلامه فيها فيباع له إذ لا يمكن النصراني من ملك العبد المسلم أو افتكاكه بها كما قال، وكذلك إذا جرحه يخير السيد في افتكاكه بالجناية أو إسلامه بها إلا أنه يختلف إن أسلمه بها فكان ثمنه أكثر من الجناية فقيل إنه يكون له ثمنه كله، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المدنية، قال وكذلك قال مالك، وروى محمد بن صدقة عن مالك مثل ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون في ثمانية أبي زيد إذا أبى سيده أن يفتديه بيع وأعطي النصراني من ثمنه دية جرحه فإن فضل فضلٌ فهو لسيده، قال أصبغ بن الفرج: وقد كان مالك يقول هذا في موطئه، ثم رجع عنه وقال يعطى ثمنه كله للنصراني، وهو أصوب القولين عندنا وبالله التوفيق.
مسألة: المدبر يقتل سيده عمدا أو خطأ
مسألة وسئل عن المدبر يقتل سيده عمدا أو خطأ.
قال: إن كان قتله خطأ عتق في ماله ولم يعتق في ديته، وكانت الدية عليه دينا، وليس على عاقلته منها شيء لأنه إنما صنع ما صنع وهو مملوك قال أصبغ، وهذا إذا حمله الثلث، وإن لم يخرج من الثلث عتق منه مبلغ الثلث، وكان عليه من الدية بقدر ما عتق منه، ويؤخذ من ماله إن كان له مال أو يتبع به دينا إن لم يكن له مال ولا يدخل فيما يؤخذ منه من الدية ولا يعتق فيها منه شيء، قال عيسى: قال ابن القاسم: وإن كان قتله عمدا قتل به، فإن كان استحياه الورثة بطل تدبيره وكان عبدا مملوكا قلت لسحنون: فلو فعلت ذلك أم الولد لسيدها خطأ؟ قال: تعتق في ماله، وتكون الدية عليه دينا تتبع به في ذمتها، ولا يكون على عاقلتها منها شيء، وإن كانت قتلته عمدا قتلت به إلا أن يستحييها الورثة على أمر يصطلحون به.
قال محمد بن رشد: أما مسألة المدبر يقتل سيده عمدا أو خطأ فكما قال: لا اختلاف فيه، وقول أصبغ تفسير له، وقد مضت المسألة في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب المدبر.
وأما قول سحنون في أم الولد تقتل سيدها خطأ إنها تعتق في رأس ماله، وتكون الدية عليها دينا تتبع به في ذمتها، ولا يكون على عاقلتها منه شيء ففيه اختلاف، حكى ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم أنها تعتق، ولا تتبع هي ولا عاقلتها بشيء بخلاف المدبر، وقال أصبغ من رأيه: إنها تتبع مثل قول سحنون، فغلب ابن القاسم في حقها حكم الحرية فلم يلزمها الدية لأن ما جنى الحر خطأ فهو على العاقلة لا عليه، ولم يوجب على عاقلتها شيئا إذ لا تحمل العاقلة إلا جناية من قد بتلت حريته، ويلزم على قياس قوله أن يلزمها من الدية ما يجب عليها منها مع العاقلة، وأما أصبغ وسحنون فغلبا في أمرها حكم الرق على حكم الحرية لأن أحكامها أحكام أمة حتى يموت سيدها، والجناية منها عليه متقدمة على موته منها، فأشبهت عندهما المدبر يجني على
سيده ثم يعتق في الثلث أن الورثة يتبعونه بما بقي عليه من جنايته بعد خدمته ولا يشتبهان؛ لأن أم الولد لا تتبع بما جنت على سيدها، وقد قال غير ابن القاسم في المدونة: إن المدبر لا يختدمه سيده بالجناية ولا يتبع بعد عتقه بها، فكيف بأم الولد.
واختلف أيضا في المكاتب يقتل سيده فيستحيى، فقال ابن القاسم إنه لا يتبع إلا بالكتابة، وقال عبد الملك جنايته على سيده كجنايته على أجنبي إما ودي الدية معجلة وإلا عجز.
وأما جناية المعتق إلى أجل ثم يخرج حرا ويتبع بما بقي، وقال عبد الملك: يتبع بجميع الدية ولا يحتسب على الورثة بخدمته وبالله التوفيق.
: إذا وقع الذباب على الدابة فنفخت إنسانا
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وقال ابن القاسم إذا وقع الذباب على الدابة فنفخت إنسانا لم يكن على راكبها شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مثل ما في المدونة وغيرها، لأن ما لم يكن له فيه سبب فهو هدر لأن جرح العجماء جبار بالسنة الثابتة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
مسألة: أصاب رجلا بجراح فأراد أن يصالحه في الجراحات بشيء
مسألة وسئل عن رجل أصاب رجلا بجراح فأراد أن يصالحه في الجراحات بشيء يعطيه عن الجراح والموت إن كان.
فقال لا يصلح الصلح على وضع الموت، ولكنه يصالحه على شيء معلوم ولا يدفع إليه شيئا فإن برئ كان له ما صولح عليه، وإن مات كانت فيه القسامة والدية إن كان خطأ بعد أن يقسموا أو القتل إن كان عمدا.
قال محمد بن رشد: لم يجز ابن القاسم في هذه الرواية الصلح في جراحات العمد، والخطأ عليها وعلى ما تراقت إليه من موت أو غيره جملة من غير تفصيل.
وفي ذلك تفصيل.
أما جرح الخطأ فيما دون الثلث كالموضحة وشبهها فلا اختلاف في أن الصلح فيها على ما تراقت إليه من موت وغيره لا يجوز، لأنه إن مات كانت الدية على العاقلة فهو لا يدري يوم صالح ما يجب عليه مما لا يجب، فإن وقع الصلح على ذلك فسخ متى ما عثر عليه، فإن برئ كانت عليه دية للموضحة، وإن مات كانت الدية فيه على العاقلة بقسامة.
وأما جرح الخطأ فيما فوق الثلث فيتخرج جواز الصلح فيه على ما يتراقى إليه من موت أو غيره على قولين أحدهما أن ذلك لا يجوز، وهو قوله في هذه الرواية وظاهر ما حكى ابن حبيب في الواضحة إذ لم يفرق في جرح الخطأ بين أن يكون أقل من الثلث أو أكثر منه، والثاني أن ذلك جائز إذ لا غرر فيه؛ لأن دية الجراح إنما تجب على العاقلة كما يجب عليه دية النفس، فكأنه إنما صالح عن العاقلة.
وأما جرح العمد فيما فيه القصاص فالمصالحة فيه على وضع الموت جائزة على ظاهر ما في الصلح من المدونة، وما نص عليه ابن حبيب في الواضحة خلاف قوله في هذه الرواية، والجواز فيها أظهر لأنه إذا كان للمقتول أن يعفو عن دمه قبل موته جاز أن يصالح عنه بما شاء.
وأما جرح العمد الذي لا قصاص فيه فلا يجوز الصلح فيه على وضع الموت، حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة ولا أعرف فيه نص خلاف.
وأما الصلح فيه على الجرح دون وضع الموت فأجازه ابن حبيب فيما له دية مسماة كالمأمومة والمنقلة والجائفة، قال في موضع واحد: إن الصلح فيه جائز على ما تراقى إليه مما دون النفس، وقال في موضع آخر لا يجوز إلا فيه بعينه على ما تراقى إليه من زيادة ولم يجزه فيما لا دية له مسماة إلا بعد البرء، فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة.
واختلف إذا صالحه على الجرح الخطأ أو العمد خاصة فنزي في جرحه فمات على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن أولياء المجروح بالخيار بين أن يتمسكوا بصلحهم وبين أن يردوا ما وقع به الصلح فيقسموا ويقتلوا في العمد ويأخذوا الدية في الخطأ من العاقلة، وهو قول أصبغ في الواضحة.
والثاني: أنه ليس لهم أن يتمسكوا بالصلح لا في العمد ولا في الخطأ إلا برضى القاتل، لأن من حقه أن يقول في العمد قد عادت الجناية فليس لكم أن تتمسكوا بالصلح، لأنه إنما لهم القسامة والقود، هو قول أشهب على أصله في أن من قطعت يده فنزي فيها فمات أن أولياء القتيل إنما لهم أن يقسموا ويقتلوا، وليس لهم القود في الجرح إن أبوا من القسامة، لأن الدم آل إلى النفس كما أن من حقه أن يقول في الخطأ قد عادت الجناية إلى النفس، ووجبت الدية على العاقلة بقسامتكم فردوا عليَّ مالي.
والثالث: الفرق بين العمد والخطأ وهو مذهب ابن القاسم وظاهر قوله في المدونة وفي رسم المكاتب من سماع يحيى بعد هذا فيخير ورثة المقتول في العمد بين أن يتمسكوا بالصلح وبين أن يردوه ويقسموا
فيقتلوا على أصله في أن من قطعت يده فنزي فيها فمات أن الورثة بالخيار بين أن يقسموا ويقتلوا وبين أن يقطعوا يده ولا يقسموا ولا يخيروا في الخطأ، فيردون على الجارح ما أخذ منه في الصلح ويقسمون فيستحقون الدية على العاقلة، وبالله التوفيق.
: قتل عمدا وله مائة دينار وعليه مائة دينار وقد أوصى بوصايا
وفي كتاب جاع فباع امرأته قلت: فلو قتل عمدا وله مائة دينار وعليه مائة دينار، وقد أوصى بوصايا فعفا عن القاتل فأخذت الدية.
قال: يقضي المائة الدين من المائة التي علم، وتكون الدية خالصة لورثة المقتول وتسقط الوصايا.
قلت: فلو كان ترك مائة دينار وخمسة وأربعين دينارا وعليه مائة دينار دين وأوصى بوصايا ثم طرأ له مال بعد الموت؟ قال يقضي المائة من هذا المال الذي علم به، وينظر إلى ما فضل وذلك خمسة وأربعون دينارا فتكون لأهل الوصايا خمسة عشر دينارا يتحاصون فيها على قدر وصاياهم، إلا أن يكون في الوصية عتق فيبدأ به في الخمسة عشر دينارا على أهل الوصايا، ويكون لورثة الميت ثلاثون دينارا، ويكون المال الطارئ لأهل ميراثه لا يدخل فيها شيء من وصاياه إلا أن يكون تدبيرا فإن كان مدبر ووصايا فإن المدبر يعتق بعد إخراج الدين فيما علم وفيما لم يعلم.
وتفسير ذلك أنه لا ينظر في ثلث هذا المال الذي علم به بعد إخراج الدين منه، فإن كان ثلثه مائة دينار وثلث المال الطارئ مائتان قسمت قيمة المدبر على الثلث والثلثين فعتق ثلثاه في ثلث الطارئ
وثلثه في ثلث المال الذي علم به، فإن فضل من ثلث المال الذي علم به بعد عتق ثلث المدبر فيه شيء كان ما فضل لأهل الوصايا، وإن لم يفضل شيء فلا شيء لهم، وإن أحاط الذين بجميع المال الذي علم به سقطت الوصايا، ورجع المدبر فعتق به في ثلث المال الطارئ أو ما حمل منه الثلث.
قال ولو كان الدين أكثر من المال الذي علم به الميت قضى صاحب الدين المال الذي علم به الميت، ورجع فتقاضى بقية حقه من المال الطارئ، ثم كان المدبر في ثلث ما بقي من المال الطارئ وسقطت الوصايا.
قال محمد بن رشد: لم يفرق في هذه الرواية بين تدبير الصحة والمرض، وقال إنه يدخل فيما علم الميت من المال، وفيما لم يعلم بظاهر قوله: إن المدبر في المرض يدخل فيما لم يعلم به الميت من المال، وهو نص قوله في رسم المدبر من سماع أصبغ من كتاب المدبر، ونص قوله أيضا في المدنية من رواية عيسى عنه خلاف مذهبه في المدونة من أنه لا يدخل فيما لم يعلم به الميت من المال إلا المدبر في الصحة.
واختلف في المبتل في المرض هل يدخل فيما لم يعلم به الميت من المال أم لا؟ فالمنصوص عليه لابن القاسم في رسم المدبر من سماع أصبغ من كتاب المدبر أنه لا يدخل فيما لم يعلم به من المال بخلاف المدبر في المرض، وقد مضى هناك الكلام إذا اجتمعا جميعا على هذا القول وللميت مال قد علم به ومال لم يعلم به، فلا معنى لإعادته.
وسائر ما ذكره في هذه الرواية من أن الوصايا لا تدخل فيما يطرأ
للميت من مال لم يعلم به صحيح لا اختلاف فيه.
وما ذكره من أنه إذا كان على الميت من الدين مثل ما ترك من المال وطرأ له مال لم يعلم به أن الدين يخرج من المال الذي علم به، ولا يكون لأهل الوصايا شيء من المال الذي لم يعلم به، بين لا إشكال فيه والحمد لله.
مسألة: قتل عبدا وله وليان وترك مائة دينار وعليه مائة دينار دينا
مسألة قلت: فلو أن رجلا قتل عبدا وله وليان وترك مائة دينار وعليه مائة دينار دينا، فعفا أحد الوليين عن الدم والدية وأخذ الذي لم يعف منها من الدية خمسمائة دينار؟
قال: تفض المائة الدين على المائة التي مات عنها الميت وعلى الخمسمائة التي أخذت من الدية، فيصيب كل مائة من الدين ما أصابها عنده، ثم يرجع الذي لم يعف فيقاسم صاحبه ما بقي من المائة التي مات عنها الميت بعد إخراج سدس المائة الدين منها.
وتفسير ذلك أن حسابها يقوم من اثني عشر سهما، ألا ترى لو أن الميت لم يكن عليه دين، وقد مات عن مائة دينار لكان لهذا الخمسمائة دينار من الدية خالصا، وكان له نصف المائة التي مات عنها، فصار له إذا ضمت الخمسمائة إلى المائة، ثم قسمت صار للذي لم يعف أحد عشر جزءا من اثني عشر جزءا، وللذي عفا جزء من اثني عشر جزءا، وذلك خمسون دينارا، فأحببنا أن نفرق بهذا ما يرجع به هذا الذي عفا على الذي كان لم يعف في الخمسمائة التي أخذ من الدية إذا قضيت هذه المائة الدينار التي مات عنها هذا
الغريم، فقلنا تقسم الخمسمائة على اثني عشر جزءا، فيكون للذي لم يعف أحد عشر جزءا، ويصير للذي عفا جزء، فيصير له في الجزء من الخمسمائة دينار من الاثني عشر جزءا أحد وأربعون دينارا وثلثا دينار.
قال محمد بن رشد: في قوله في هذه المسألة: فيصير له في الجزء من الخمسمائة دينار من الاثني عشر جزءا تقديم وتأخير يحصل منه بعض إشكال، وصوابه فيصير له من الخمسمائة في الجزء من الاثني عشر.
وهي مسألة صحيحة مثل التي تقدمت في آخر أول رسم من هذا السماع، ومضى بيانها هناك على ما نزلها فيه من الدين كان خمسمائة، والذي ترك الميت من الناض خمسمائة، وهذه ذكر فيها أن الدين مائة، والذي ترك الميت من الناض مائة، فهي على قياس تلك سواء، لأن الواجب فيها أن يكون على كل واحد منهما من المائة الدين بقدر ما يجب له من المال، والذي يجب للذي عفا من الابنين خمسون دينارا لا أكثر نصف المائة الناضة التي ترك المتوفى، ويجب للذي لم يعف خمسمائة، وخمسون نصف المائة الناضة التي تركها المتوفى، والخمسمائة التي صارت له من الدية إذا لم يعف كما عفا أخوه، فيجب على الذي عفا من الدين بقدر ما صار له من المال، وذلك نصف سدسه: ثمانية وثلث، يبقى له من الخمسين أحد وأربعون وثلثان؛ ويجب على الذي لم يعف من الدين بقدر ما صار له أيضا من المال، وذلك خمسة أسداسه ونصف سدسه: أحد وتسعون وثلثان، يبقى له من الخمسمائة وخمسين أربعمائة وثمانية وخمسون وثلث، فإن قبض صاحب الدين المائة الناضة في دينه وبقيت بين الابن الذي لم يعف الخمسمائة التي صارت له من الدية، رجع عليه الذي عفا بالواجب له من الخمسمائة إذ قد أخذ صاحب الدين المائة الناضة، وذلك أحد وأربعون وثلثان كما قال في الرواية، ويبقى للأخ الآخر من الخمسمائة أربعمائة وثمانية وخمسون وثلث، وبالله التوفيق.
مسألة: الدين يخرج من رأس المال والمدبر لا يخرج إلا من الثلث
مسألة قلت: فلو قتل وله وليان وله مدبر، فعفا أحد الوليين عن الدم والدية، وأخذ الآخر الدية خمسمائة دينار، ولم يترك إلا المدبر وحده.
قال: (كذا) مخالف للدين، لأن الدين يخرج من رأس المال، والمدبر لا يخرج إلا من الثلث.
ويقال للذي عفا كم كان يكون لك من هذا المدبر لو لم يكن دية ولا غيره ولم يترك مالا سواه؟ قلنا له: ثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، لأن قيمة المدبر مائة دينار، قلنا: فالمدبر سيتم عتقه في الخمسمائة دينار، فيعتق المدبر ويرجع هذا على صاحبه الذي لم يعف وأخذ الخمسمائة دينار بثلاثة وثلاثين وثلث دينار، ولا يكون سبيله هاهنا سبيل الذي مر كما قال من قال بفض قيمة المدبر على الخمسمائة دينار، وهذا خطأ، لا يكون الذي عفا أحسن حالا إذا لم يعف صاحبه وأخذ الدية منه لو قتلاه جميعا، ولم يأخذا دية، ألا ترى أنهما لو قتلاه لم يكن له إلا ثلاثة وثلاثون وثلث، ولصاحبه ثلاثة وثلاثون وثلث، ويعتق منه ثلاثة وثلاثون وثلث؟ فهذا أبين من ذلك، وهو الصواب - إن شاء الله -.
وهذا كله إذا كان القتل عمدا، لأن العمد لم يعف الذي عفا عن مال وإنما عفا عن دم، فلذلك جاز عفوه ولم يضمن الدين.
وأما إذا كان خطأ فليس لأحد عفو حتى يخرج الدين ويخرج ثلث ما
بقي بعد الدين للمدبرين ولأهل الوصايا وإن أحاطت وصاياهم بذلك أو بما أحاطت منه، ويكون ما بقي ميراثا لورثته يجوز عفوهم وقضاؤهم فيه، وأما إذا كان القتل عمدا فعفوا عن جميع الدم والدية فليس لأهل الدين ولا للمدبرين ولا لأهل الوصايا قليل ولا كثير، لأنهم إنما عفوا عن دم ولم يعفوا عن مال.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: هذا مخالف للدين؛ لأن الدين يخرج من رأس المال والمدبر لا يخرج إلا من الثلث، صحيح في أنهما يفترقان في أن أحدهما من الثلث والآخر من رأس المال، إلا أنهما وإن افترقا في هذا فهما يجتمعان في أنهما جميعا مفضوضان على ما علم به الميت من المال وعلى ما لم يعلم به مما أخذه أحد الوليين من الدية، فالقياس في المدبر أن يكون سبيله سبيل الدين، كما قاله بعض من قاله، فيفض قيمة المدبر على الخمسمائة دينار يريد وعلى قيمته، فإن كانت قيمته في التمثيل مائة عتق منه سدسه في قيمته وخمسة أسداسه في الخمسمائة، فيرجع الذي عفا على الذي لم يعف وأخذ الخمسمائة بخمسة أسداس قيمة المدبر، ولا يمتنع أن يكون الذي عفا في هذا أحسن حالا إذا لم يعف صاحبه وأخذ الدية منه أو قتلاه جميعا، ولم يأخذا دية ولو عفيا جميعا ولم يأخذ واحد منهما دية كما لم يمتنع أن يكون في الدين أحسن حالا إذا أخذ أحدهما دية منه إذا قتلا جميعا، ولم يأخذا دية ألا ترى أنه لو ترك مائة وعليه دين مائة إن قتلاه جميعا لم يحصل له من المائة شيء؛ لأن الدين يكون أولى بها وأن أخذ أحدهما دية كان الدين مفضوضا على المالين فيحصل له نصف ما بقي منهما بعد ما نابهما من الدين، فقول المخالف هذا القياس، وقول ابن القاسم استحسان.
وقوله: وهذا كله إذا كان القتل عمدا إلى آخر المسألة صحيح بين لا إشكال فيه ولا موضع للقول، لأن الدية في الخطأ واجبة.
فعفو المقتول خطأ عن دمه وصية منه بالدية يكون في ثلثه، وعفو من عفا من الورثة هبة لما وجب له منها بالميراث، وكذلك إن عفوا كلهم فلا يصح عفوهم إلا بعد أداء الدين وتنفيذ الوصايا.
وأما دية العمد فليست بواجبة فعفو الميت عن دمه جائز، وكذلك عفو الأولياء وعفو من عفا منهم.
فإن أوصى الميت بقبول الدية ورثت عنه على سبيل الميراث وأخرجت منها الديون وجرت فيها الوصايا، وإن عفا الأولياء فيها أو أحدهم على حظه منها دون من سواه كان حكمها أو حكم ما أخذ منها حكم مال طرأ للميت تؤدي منه الديون، ولا يدخل فيها من الوصايا إلا المدبر حسبما تقدم في المسألة التي قبل هذه وبالله التوفيق.
: الأب والبنات إذا اجتمعوا في دم العمد
ومن كتاب الجواب وسألته عن الأب والبنات إذا اجتمعوا في دم العمد فكان ما تقدم في المسألة التي قبل هذه بقسامة أو بينة من أولى بأخذ القود أو بالعفو؟ عن الجدود والأخوات على مثل ذلك؟ قال ابن القاسم: قال مالك: إذا اجتمع البنون والبنات في دم العمد وإن كان ببينة فلا كلام مع البنين فيه في عفو ولا قيام بالدم، والبنون أولى بذلك كله، وكذلك الإخوة والأخوات سواء يجرون إذا اجتمعوا مجرى البنين والبنات في ذلك كله لا اعتراض للأخوات مع الأخوة إذا كانوا كلهم في القعدد سواء في عفو ولا قيام، قال ابن القاسم: وإذا اجتمع الأب والبنات فلا عفو للبنات إلا به، ولا له إلا بهن، وأي الفريقين قام بالدم فهو أولى به الأب كان أو البنات، وإن كان الأب والأم فقط فلا حق للأم معه ولا كلام في عفو