كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذهب عقله قبل أن تحاز الصدقة عنه بطلت، يريد: إلا أن يرجع إليه عقله أو يصح من مرضه قبل أن يموت فتنفذ الصدقة.
وتؤخذ منه، فإن لم يرجع إليه عقله، ولا صح من مرضه حتى مات، بطلت الصدقة، وإن حوزه إياها في مرضه، وهو قول ابن القاسم في رسم القضاء المحض، من سماع أصبغ بعد هذا.
قال: وكل من تصدق بصدقة على من بلغ الحوز، فلم يحز لنفسه، حتى مرض المتصدق، فأجازه في مرضه، فلا صدقة له وهو بمنزلة من أوصى لوارث حين منعه في صحته، وأسلمه في مرضه، فلا يجوز ذلك له، وقال: ذلك يمنع، إلا أنه لا يحاص بها أهل الوصايا، كما يحاص بوصية الوارث، ولكنها تطرح من رأس المال كشيء لم يكن، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، وترجع ميراثا كالإقرار بدين لوارث في المرض لما فيه من التوليج للتهمة.
وقوله: إلا أنه لا يحاص بها الورثة... إلى آخر الكلام - هو من قول ابن القاسم متصل به، فلا يجوز ذلك، وأدخل العتبي قول أصبغ في أثناء كلامه.
وكان حقه أن يكون بعد تمام كلام ابن القاسم في المسألة، وإنما قال: إن الصدقة تبطل، وإن حوزه إياها في المرض، ولم يجعل تحويزه إياها كابتداع صدقة في المرض، فتكون في الثلث؛ لأنه لم يتبدئها في مرضه، وإنما ذهب إلى إمضاء ما فعله في الصحة، فوجب أن بطل.
وقوله: إنه لا يحاص بها أهل الوصايا كما يحاص بوصية الوارث - صحيح؛ لأنه إذا أوصى لوارث، فقد أراد إدخاله على الموصى لهم، وهذا لم يرد إدخال صاحب الصدقة عليهم، وإنما أراد إخراجها من رأس ماله بعد موته.
وأما قوله: إنها تطرح من رأس ماله كشيء لم يكن، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، فهو خلاف قوله في رسم أمهات الأولاد من سماع عيسى من كتاب الوصايا: إن الوصايات دخل في ذلك، مثل ما في الموصلي لمالك رواية يحيى، ومثل ما روى ابن وهب عنه من رواية الحارث: إن الوصايا لا تدخل في ذلك.
وجه رواية أصبغ وقول مالك في الموطأ وفي رواية ابن وهب عنه: أن الوصايا لا تدخل فيه - هو أن الميت أراد إنفاذ الصدقة من رأس ماله، وإنما ردت بالحكم لما
أغفل عن تحويزها حتى مات، فوجب ألا تدخل فيه الوصايا.
ووجه رواية عيسى في كتاب الوصايا: أن الوصايا لا تدخل في ذلك - هو أن المتصدق في صحته، لما لم يجز الصدقة حتى مات، دل ذلك من فعله على أنه ذهب إلى إبطالها، فوجب أن تدخل فيه الوصايا.
وبالله التوفيق.
###: تصدق بذكر حق له على رجل ودفع إليه الذكر الحق وأشهد له
ومن كتاب العشور قال ابن القاسم، في رجل تصدق بذكر حق له على رجل ودفع إليه الذكر الحق، وأشهد له، ثم خالفه إلى الغريم، فقبض منه ما عليه؟ قال ابن القاسم: إن كان الذي عليه الحق قد علم أنه تصدق به على المتصدق عليه، ودفعه إليه، فعليه غرمه للمتصدق عليه، ولا يرجع المتصدق عليه على المتصدق بأخذه منه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الذي عليه الحق إن كان قد علم أنه تصدق به على المتصدق عليه، ودفع إليه، فعليه غرمه للمتصدق عليه - صحيح بَيِّنٌ، لا إشكال فيه؛ لأن صاحب الحق لما تصدق به على المتصدق عليه، قد دفع كتاب الحق، فقد وجب الحق له؛ لأن قبضه لذكر الحق الذي وهب إياه حيازة صحيحة، علم الذي عليه الحق بذلك أو لم يعلم، فإذا دفعه إليه بعد علمه بأنه قد تصدق به ولم يقبض كتاب ذكر الحق، فدفع الذي عليه الحق، الحق إلى المتصدق عليه بعد علمه بالصدقة لوجب عليه غرمها للمتصدق عليه؛ لأنه يصير بقبول الصدقة عليه قابضا له ما عليه، فوجب أن يغرم ذلك له، إن دفعه إلى المتصدق بعد علمه بالصدقة، ولو لم يعلم منه قبول الصدقة، ولم يقبض، لما كان الذي عليه الحق قابضا له إذا كان حاضرا، ولا وجب عليه أن يغرم له إن دفع ذلك إلى المتصدق، وإنما يكون قابضا له، وإن لم يقبل، ويلزمه عشرته إن دفعه إلى المتصدق بعد علمه بالصدقة إذا كان
المتصدق عليه غائبا والصدقة بالدين، بخلاف الصدقة بالوديعة في الحيازة، إذ قد قيل: إن المودع يكون حائزا له على علم أو لم يعلم، وهو مذهبه في المدونة، وقيل: لا يكون حائزا له إلا أن يعلم وهو قول ابن القاسم في نوازل سحنون من هذا الكتاب وفي سماعه من كتاب الوديعة عليه، وجب عليه أن... ويرجع به على المتصدق الذي دفعه إليه، وكذلك لو كان المتصدق عليه قد قبل الصدقة، وقيل: إنه لا يكون جائزا له، إلا أن يعلم ويرضى بالحيازة له، حسبما مضى القول فيه في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، من كتاب الرهون، وفي سماع سحنون، من كتاب الوديعة، ولا خلاف في أن الذي عليه الدين حائز لما تصدق به عليه، وإن لم يعلم، إن كان المتصدق عليه غائبا أو حاضرا، فقبل.
وبالله التوفيق.
###: الرجل يتصدق على الرجل ببيت في داره ولم يسم له مخرجا ولا مدخلا
ومن كتاب شهد على شهادة ميت قال: وسألت ابن القاسم، عن الرجل يتصدق على الرجل ببيت في داره، ولم يسم له مخرجا ولا مدخلا ولا مرفقا، ثم أراد المتصدق أن لا يمير في داره، وأن يفتح باب بيته الذي تصدق به عليه حيث شاء، فقال: لا يمنع من الممر في بيته إلى دار المتصدق، ولا شيء من مرافقه، لا شرب في بئر، ولا مخرج كنيف، سمى له عند الصدقة شيئا أو لم يسمه.
قال محمد بن رشد: اختلف إذا وقعت الصدقة ببيت من الدار، دون بيان في مرافق الدار، من المدخل والمخرج والاستسقاء من البئر والاختلاف إلى الكنيف وما أشبه ذلك، هل يكون للمتصدق عليه بالبيت من مرافق الدار
بقدر البيت منها، أم لا؟ فقيل: إنه يكون له منها بقدر البيت من الدار، إلا أن يستثني ذلك المتصدق لنفسه في صدقته، وهو قول ابن القاسم في هذا الرواية، على قياس قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع، في البيع المبهم، وقيل: إنه ليس له من ذلك شيء، إلا ببيان من المتصدق في صدقته، ويفتح المتصدق عليه لبيته بابا حيث شاء، ولا يدخل عليه على دار المتصدق، ولا يكون له شيء من مرافقه، إلا أن لا يكون له حيث يفتح بابا، فيكون له المدخل إليه على دار المتصدق، وسائر مرافقه، وهو دليل قول أشهب في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع.
واختلف إذا وقعت الصدقة مبهمة دون بيان، على القول بأنه يكون للمتصدق عليه من المرافق بقدر صدقته، إلا أن يستثني من ذلك المتصدق لنفسه، وهو قوله في هذه الرواية، إن ادعى أنه إنما أراد يتصدق عليه بالبيت دون المرافق، فقيل: إنه لا يصدق في ذلك، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية ومعنى ذلك، إذا لم يكن له دليل من يشاهد الحال، مثل أن يتصدق عليه ببيت من داره، يلاصق داره، فيعلم أنه إنما تصدق عليه بالبيت، على أن يصرفه إلى داره.
وقيل: إنه يصدق في ذلك مع يمينه، إلا أن يكون له انتفاع بالبيت إلا بالدخول إليه على دار المتصدق.
وهذا يأتي على ما وقع في رسم الكراء والأقضية من سماع صبغ بعد هذا من هذا الكتاب لمالك ولأصبغ من قوله، مبينا لروايته عن ابن القاسم في الذي يتصدق على رجل بناحية من أرضه سماها في غير تلك الناحية الذي تصدق بها من أرضه.
وسيأتي القول على ذلك هناك إن شاء الله.
مسألة: تصدق على ابن له صغير واشترط أقساطا لمسجد كل عام
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن رجل تصدق على ابن له صغير لم يبلغ الحوز، برقيق ودور وقرى وما فيها من زيتون أو فاكهة أو نوع من أنواع الشجر، وهو صحيح سَوِيٌّ وعمل في جميع الزيتون أن
يخرج منه أقساطا مسماة لمسجد له في كل عام، وما بقي فهو صدقة على ابنه ذلك، وكان قد تصدق عليه بداره كلها، الداخلة والخارجة وما فيها من المساكين، إلا أنه جعل لابنة له صغيرة السكنى مع ابنه المتصدق عليه فيها ما لم تنكح، فإذا أنكحت فلا سكنى لها معه، وجعل لأمهات ولده ومواليه من الرجال والنساء الساكنين فيها أن يسكنوا مع ابنه ذلك حياته، فإن تزوج من العوليات أحد فلا سكنى لمن تزوج منهن فيها بعد تزويجها، وتصدق عليه أيضا بقرية فيها أرحى وأرض وزيتون وغير ذلك من الشجر، وجعل لمواليه الساكنين فيها ما كان تحت أيديهم من الأرض والشجر والمساكن، يرتفقون فيها ما قاموا لابنه ذلك المتصدق عليه بمرمة أرحيته، وعلاج سدها ومرمتها، وجلب ما يحتاج إليه من المطاحين، وغير ذلك من مرة الأرحى.
فإن ترك الموالي ذلك فلا سكنى لهم في القرية، ولا مرفق لهم فيها، وما كان تحت أيديهم منها هو صدقة على ابنه ذلك، وكان تصدق عليه بهذه الصدقة صحيحا مسلما صدقة بَتًّا لله وعلى أن على ابنه في الزيتون الذي تصدق بها عليه خمسة أقساط من زيت، وهي عشرون ربعا في كل عام للمسجد الذي بنى لله عز وجل وجعل الأقساط المسماة للمسجد حراما محرما عليه وعلى الوارث بعده، حبس ذلك حبسا ذلك على مسجد في كل عام أو كان كل ما تصدق به على هذا الغلام في يدي أبيه حتى توفي وكان الغلام يوم توفي أبوه صغيرا لم يبلغ الحلم.
قال ابن القاسم: من تصدق على ابن له صغير لم يبلغ الحلم، بما ذكرت من العقار والأرضين والزيتون والفاكهة والرقيق والأرحى والدور، واشترط في جميع
الزيتون أقساطا معدودة لمسجد في كل عام، من زيت، فإن ذلك كله جائز لابنه، ما دام صغيرا إذا هلك الأب على تلك الحال، وإن كان أبوه يلي تلك الصدقات، وكانت في يديه إلى أن مات؛ لأن الأب يحوز على ابنه الصغير حتى يبلغ الحلم.
قال: ولقد سألت مالكا عن الرجل يتصدق على ابنه الصغير في حجره بالعبد، وهو مع ابنه في بيت واحد، فيكون العبد يخدم الأب، ويخدم الغلام، أتراها صدقة جائزة؟ قال: نعم، أراها صدقة جائزة ثابتة للغلام، وإن استخدمه الأب حتى مات.
قال مالك: أراها صدقة ثابتة للابن، إذا كان في حجره يليه.
قال ابن القاسم: فالعقار والشجر أبين من العبد.
قال ابن القاسم: وإن كان مما تصدق به على الغلام حوانيت لها كراء، ومساكين أو حمام أو أشياء لها كذا وغلات ولم يعلم كان يكريها للابن باسمه، أم لا وجهل ذلك من أمرها، ولم يكن أشهد على ذلك أحدا، فإنها للابن جائزة، إذا كان الأب لا يسكنها كلها أو جلها، فإن سكن الشيء اليسير منها التافه، فإن ذلك كله للابن، ما سكن منها وما لم يسكن.
قال ابن القاسم: سألت مالكا عن الرجل يتصدق على ابنه بالعبد والجارية، فيقيم العبد في يد الأب ما شاء الله، ثم يبيعه بذهب، ويشهد الأب عليه أنه قبله لابنه، ويتسلفها، أتراها للابن؟ قال: نعم إذا صح ذلك، والذي يتصدق بالقرى والأرضين والشجر، وأرحى والدور، أثبت عندي في الحوز مما وصفت لك في الرقيق، والأب يحوز لابنه الصغير، إلا أنه يعلم أن صدقته لم تخرج من يديه، مثل أن يتصدق عليه بالدار التي لا فضل في سكناها، فيسكنها كلها حتى يموت، وهو فيها، فلا يجوز هذا وما أشبهه، ولو كانت الدارات منازل فسكن في بعضها جازت كلها.
قال: سألت مالكا عن الرجل يتصدق على ابنه
وأخبرني أن عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، صاحبي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حبسا دارا لهما، وكان يسكنان فيها حتى ماتا وكان الذي سكنا منها، ليس جلها، فمحازاها سكنا من الدار، وما لم يسكنا للابن منها، على ما قال ابن القاسم.
قال مالك: وذلك رأيي.
قال ابن القاسم: قال مالك: ولو أن رجلا حبس أو تصدق بدور لها عدد، وسكن دارا منها كلها، لم تكن تلك الدار التي سكن جل الدور، وهي تبع لما تصدق به، جاز ما سكن من ذلك وما لم يسكن، إذا كان تصدق على ابن له صغير يليه، أو كبير فحاز ما لم يسكن فيه، فهذا دليل على هذا أنها جائزة.
قال ابن القاسم: وأما ما استثنى من أقساط الزيت من الزيتون، فإن ذلك لا يفسد صدقته، وهي شيء تافه في صدقته، والذي يسكن المنزل من داره أشد من هذه الأقساط اليسيرة.
قال: وقد قال مالك في غير مسألة، في الرجل يحبس نخله أو دوره على قوم بأعيانهم، ويشترط من النخل كيلا مسمى لقوم يسميها بأعيانهم غير الذين حبس عليهم، فإذا انقرضوا فترجعها إلى الذين حبس عليهم، أو من غلة الدور، الدنانير فمسمى عددها في الشيء يجريه على مثل المسجد والفقراء، أو الرجل بعينه: إن ذلك جائز، إذا حازه الذي حبس عليه، أو كان صغيرا يليه الذي حبس عليه، وكان ينفذ ذلك في وجهه، جاز ذلك كله، وهذا مما لا اختلاف فيه.
قال ابن القاسم: وأما الدور والأرحى التي جعل لمواليه، واشترط عليهم القيام بأمر الأرحى لولده، فذلك جائز، إنما أعطاهم شيئا من منزل قد عرفوه وعرف وجه العمل فيه، فذلك جائز لا خطر فيه ولا غرر، وهو مما قَوَّى صدقة الابن، وحيازة الموالي مع حيازة الأب له حيازة، فإن ذلك قد ثبت له في رأيي فيما سمعت من مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة أبي عثمان من أهل قرطبة، كتب بها محمد بن بشير القاضي، إلى ابن القاسم يسأله عنها، والسؤال عنها في ثلاثة مواضع: أحدها: اشتراطه في صدقته على ابنه الصغير بداره أن يسكن معه ابنته الصغيرة حتى تنكح، وأمهات أولاده، ومواليه من الرجال والنساء، الساكنين فيها أن يسكنوا مع ابنه ذلك، فيها حياتهم، فإن تزوج من الموليات أحد، فلا سكنى لمن تزوج منهن بعد تزويجها، فأجاز ذلك، ولم يره مما تضعف به الحيازة في الدار، إذ لم يسكنها هو بنفسه، وإن سكنها أمهات أولاده؛ لأنه إنما أبقاهن في الدار لمكان ابنه المتصدق عليه، ليقمن بأمره فيما يحتاج إليه، ولم يفردهن أيضا بالسكنى معه فيها، إذا ترك معهن في ذلك مواليه من الرجال والنساء، الذين كانوا سكانا فيها أيضا، وسكناتهم فيها مع ابنه المتصدق عليه أو دونه حيازة، إذ ليس عليه إسكانهم؛ لأنهم أحرار، ومن أسكن رجلا مسكنا ثم تصدق به على غيره، فيكون المسكن فيه حيازة للمتصدق عليه به، على مذهبه في المدونة في أن قبض الخدم قبضا للموهوب له، ولو أفرد على أمهات أولاده بالسكنى في الدار مع ابنه المتصدق عليه، لكان ذلك حيازة، على ما حكى ابن حبيب عن المدنيين والمصريين، من غير أن يختلفوا عليه من أن سكنى أمهات المتصدق عليه معهم في المسكن الذي تصدق به عليهم آباؤهم، حيازة لهم، وإن كان تحته بتزويج أو شراء، ما لم يكن ذلك مسكنا له خاصا يستوطنه، فكيف إذا لم يفردهن بذلك، وشرك معهن فيه مواليه من الرجال والنساء، فهذا وجه قول ابن القاسم في إجازة هذه الحيازة، ويدخل فيها من الاختلاف ما في قبض المخدم للموهوب له على ما يأتي في سماع سحنون، إذ لا فرق في هذا بين الإسكان والإخدام، ويبين ذلك ما يأتي في رسم الكبش من سماع يحيى لابن القاسم، في أن من تصدق على والده الذي يحوز له بدار قد أسكن فيها بعض ولده، إنه لم يخرج منها الولد، كان يسكنها حتى مات الأب، لم يكن للمتصدق عليه شيء.
فقول ابن القاسم في رواية يحيى هذه، مخالفة لقوله في هذه الرواية، على هذا كان الشيوخ يحملون ذلك، ويحتمل أن يفرق بين المسألتين بسكنى الابن المتصدق عليه في هذه الرواية في الدار الذي تصدق بها عليه أبوه مع أمهات أولاده ومواليه.
والموضع الثاني: اشتراطه في الزيتون الذي تصدق به على ابنه الأقساط من الزيت في كل عام للمسجد الذي بناه، إذا لم يحزها وأبقاها بيده، فأجاز ذلك قياسا على ما قاله مالك من أن الأب إذا تصدق، على ابنه الذي في حجره بالعبد وهو معه في بيت واحد، فيخدمها جميعا: إنه لا يوهن ذلك حيازة له، وقياسا على ما قاله أيضا في أنه إذا تصدق على ابنه الذي في حجره بالمسكن، فسكن اليسير منه، إن حيازته له صحيحة تامة.
وقياسه في ذلك كله صحيح بين؛ إذ لا فرق بين أن يستثنى الأقساط لنفسه طول حياته، ثم يلحقها بالحبس بعد وفاته أو يستثنيها ليجعلها هو في المسجد طول حياته، ثم يكون حبسا بعد وفاته.
والموضع الثالث: جعله لمواليه الساكنين في القرية التي تصدق بها على ابنه الارتفاق بما كان تحت أيديهم من أرض القرية وشجرها ومساكنها ما داموا يقومون لابنه المتصدق عليه بمرمة أو حيته، وما يحتاج إليه من المطاحين، وغير ذلك، فإن تركوا القيام بذلك لم يكن لهم سكنى في القرية والارتفاق بشيء منها، فأجاز ذلك ابن القاسم، ولم ير فيه غررا ولا مخاطرة؛ لأنه رأى قدر ذلك معلوما بالعرف والعادة، لا توهينا للحيازة، بل رأى ذلك قوة فيها وتثبيتا لها لأن حيازة الوالد لابنه معه تقوية لحيازته.
وحكى الفضل عن يحيى بن عمر أنه قال: في الأرحية نظر؛ لأنه إنما جعل لهم ما جعل على أن يقوموا لابنه بمرمة الأرحية ومرمة سدها، وجلب ما يحتاج إليه من المطاحن وغير ذلك من مرمة الأرحية، فإن ترك الموالي ذلك فلا حق لهم في القرية، ولا مرفق فيها، فهذا عندي خطر وغرر، وربما كثر علاج الأرحية، وربما قل، فأعطاهم الذي أعطاهم على شيء مجهول، لا يعلمون ما يلزمهم فيه، فلا يحقه هذا، ولا يكون للموالي شيء مما أوصى
لهم به على هذا الشرط، وتكون الأرحية وجميع ما جعل لمواليه لولده، وتكون مرمة الأرحية على الحبس.
وقول يحيى بن عمر ظاهر في أن ذلك غرر، إلا أن ذلك لا يؤثر في صحة الحيازة كما قال، فإن لم يعثر على ذلك حتى فاته الأمر بسكناهم فيها، وقيامهم بما تحتاج إليه الأرحى كان عليهم الكراء في السكنى، كراء المثل، وكانت لهم قيمة عليهم في قيامهم بالأرحى ورجع من كان له الفضل منهم في ذلك على صاحبه بالفضل.
وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على ابن له صغير في حجره بالنخل أيأكل منها
مسألة قال ابن القاسم: وسألنا مالكا عن الرجل يتصدق على ابن له صغير في حجره بالنخل، وبالضأن، وبالمزرعة، أيأكل منها؟ قال مالك: ما أرى بأسا أن يأكل من ثمر النخل ويشرب من ألبان الضأن، ويكتسي من أصوافها إذا كان ذلك على ابنه.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، ومضى الكلام عليها مستوفى في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها.
وساقها ابن القاسم هاهنا حجة لما أجاب به في مسألة أبي عثمان، وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ابنه بصدقة ثم احتاج
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لو أن رجلا تصدق على ابنه بصدقة من عرض أو حيوان أو دينار، فحاز له ذلك، ثم احتاج، يريد: أن يكون يلي هو تلك العروض، فيحوزها له، ويضع الدنانير على يدي غيره، فاحتاج الأب - رأيت أن ينفق عليه ما يصلحه مما تصدق على ابنه، ورأى أن ذلك للأب جائز.
قال: فقلت لمالك: فالدنانير، كيف تحاز؟ قال: بعضها على يدي غيره، فقلنا: وإن وضعها على يديه وطبعها، قال: في الدنانير والدراهم خاصة،
لا أراها جائزة، حتى يخرجها من يديه إلى يدي غيره، ولم يرها مثل العروض والنخل والحيوان.
قال محمد بن رشد: لفظة "ثم احتاج" زيادة في المسألة وقعت على غير تحصيل، فبإسقاطها يتبين معنى المسألة؛ لأن قوله "يريد" إنما فسر به الحيازة، لا الحاجة، والاختلاف فيه في أن الأب إذا احتاج، جاز أن يستنفق مما يتصدق به على ابنه، وإن تمنع من ذلك حكم له به عليه.
وقد مضى ذلك في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، تحصيل القول فيما يجوز للأب أو الأجنبي أن يأكله أو يشربه مما تصدق به من علته - مستوفى، فلا معنى لإعادته.
وقوله في الدنانير والدراهم خاصة: لا أراها جائزة حتى يخرجها من يده إلى غيره، يريد: وكذلك ما كان في معنى الدنانير والدراهم من تبر الذهب والفضة، وكل ما لا يعرف بعينه، إذا غيب عليه من المكيل كله والموزون.
وقد مضى ذكر ذلك واختلاف قول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم طلق بن حبيب منه، وهذه المسألة أيضا ساقها ابن القاسم حجة؛ لما أجاب به في مسألة أبي عثمان المذكور، وبالله التوفيق.
مسألة: يحبس على الرجل الدار أو العبد حياته
مسألة قال: وأما ما سكن من الموليات في داره ولابنته وأمانته، واشترط أن مرجع ذلك إلى ابنه المتصدق عليه بعد فوتهن وخسر وجهن إلى أزواجهن، فذلك أثبت لصدقة الابن، وهي جائزة له، لا في مسألة مالك عن الرجل يحبس على الرجل الدار أو العبد حياته، ويقول فيها: إذا مات الذي حبست عليه حياته، فهي لفلان صدقة بتلا، فيموت الذي حبسها، قبل أن يموت الذي حبسها عليه، وقبل أن يقبض الذي بتلها له، ثم يموت الذي حبس عليه،
فقال: قال مالك: إذا حازها الذي حبست عليه حياته، جازت الصدقة للذي تصدق بها عليه بتلا، وإن لم يقبضها حتى يموت صاحبها الذي حبسها عليه، وحوز الذي أخدمها حياته، حوز للذي تصدق عليه بتلا، فكذلك المواليات والابن إذا سكن في حياته، وخدمها، فهي جائزة، وكل ما سألتني عنه من أمرها فأراها للابن جائزة.
والله أعلم.
قال محمد بن رشد: هذا هو أحد المواضع الذي وقع السؤال من أجله، في مسألة أبي عثمان.
وقد مضى الكلام عليه، وكلام ابن القاسم هذا كله بين وتنظيره لما نظر به سكنى المواليات والابنة في الدار المحبسة على ابنه بما نظر به من قول مالك صحيح، إلا أن في مسألة أبي عثمان المسئول عنها، زيادة شرط سكنى أمهات أولاده في الدار مع الموالي والموليات والابنة، وأنهم كانوا سكانا في الدار قبل التحبيس، ففي ذلك تضعيف للحيازة.
ووجه يوجب الاختلاف فيها.
وقد مضى الكلام على ذلك في أول مسألة، ولم يلتفت ابن القاسم إلى شيء من ذلك، فأجاب بجواز الحيازة على القول بأن قبض الخدم والمسكن قبض للموهوب له، وذلك بخلاف قوله في رسم الكبش من سماع يحيى على ما ذكرناه في أول المسألة.
وبالله التوفيق.
مسألة: ما تصدق به عليه أبوه شيئا كان بكراء
مسألة وإن كان ما تصدق به عليه أبوه شيئا كان بكراء، مثل الدور والحمامات والحوانيت، فكراء أبيه له كراء، وإن لم يقل اكتريت لابني، وإن لم يخرج ذلك إلى أحد يحوزه عن ابنه ذلك فحوز أبيه حوز، وكراؤه له كراء، إذا كان ما تصدق به عليه في صحة منه ما لم يبلغ الغلام وترضى حاله.
قال محمد بن رشد: هذا الفصل من بقية جواب ابن القاسم في مسألة أبي عثمان وهو بيّن صحيح لا اختلاف فيه، ومثله من قوله في سماع أصبغ بعد هذا، وأنكر قول من خالف في ذلك، وقال: إنه قد أخطأ وصحف، وخالف سنة المسلمين، فلا يقوله من هو من أهل العلم ونصه الملاك بعد هذا في رسم يريد ماله.
وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ابن له صغير بصدقة فكان يحوز له حتى بلغ ورضي حاله
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: ولو أن رجلا تصدق على ابن له صغير بصدقة، فكان أبوه يحوز له حتى بلغ ورضي حاله، فإذا بلغ ورضيت حاله، فلم يدفع إليه الصدقة، ولم يحزها، فلا صدقة له.
وقد فهمت كل ما سألتني عنه، وفسرت لك كل ما سمعت.
قال محمد بن رشد: هذا آخر جواب ابن القاسم في مسألة أبي عثمان، وهو فصل بين لا اختلاف فيه ولا إشكال.
وبالله التوفيق.
###: تصدق على ولد له بدنانير أو دراهم وقال لشريك له حزها له
ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته وسئل: عمن تصدق على ولد له بدنانير أو دراهم، وقال لشريك له: حزها له، فقال شريكه: اشهدوا أنها له عندي قد حزتها ثم مات أبو الصبي، فطلب الصبي صدقته، فزعم الشريك أنه قد دفع ذلك إلى أبيه وإنما كانت في شركته في يدي، قال: لا ينفعه ذلك، ويلزمه غرمها له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه لما حاز لابن شريكه ما تصدق به من مال الشركة، وجب ذلك للابن، وخرج من الشركة، ووجب أن يكون
ضامنا له إن دفعه إلى شريكه بعد أن حازه، وأشهدوا على نفسه بذلك، وذلك بمنزلة الرجل تكون له الوديعة عند رجل، فيتصدق بها على رجل ويأمره أن يحوزها له، فلا اختلاف في أنها حيازة تامة إذا رضي المودع بحيازتها له، حسبما مضى القول فيه في رسم العشور، فكيف إذا أشهد على نفسه بأنه قد حازها له.
وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ابنه الصغير بدار ثم باعها
مسألة ومن كتاب أوله يدير ماله قال: وقال مالك، في الذي يتصدق على ولده الصغير، الذي يحوز له، بالغلة ويكريها لهم: إن ذلك جائز، إذا أشهد، وإن لم يكتب الكراء بأسمائهم، ومن يكري للصغير، ومن يشتري له، ومن يبيع له، إلا أبوه، وأنكر قول من يقول: لا يجوز إذا كتب الكراء باسم نفسه، وعليه، وكرهه كراهية شديدة، وقال: قد صحف، وقال: هذا خلاف لسنة المسلمين، ولا أعلم أحدا من الناس قال هذا.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك، مثل ما تقدم من قول ابن القاسم في آخر رسم شهد، ونص قوله في أول رسم سماع أصبغ بعد هذا، فكراؤه ما تصدق به على ابنه محمول على أنه إنما يكريه له، حتى ينص أنه إنما باعه لنفسه، استرجاعا بصدقته، وذلك منصوص عليه في الواضحة لأصبغ.
قال فيمن تصدق على ابنه الصغير بدار، ثم باعها: فإنه إن باعها باسم ولده، أو سكت، أو باع منها، فالبيع جائز، والثمن للابن على الأب في حياته وبعد وفاته؛ لأنه محمول على أنه باع له، إلا أن يشهد عليه أنه باع لنفسه نصا استرجاعا لصدقته وانحلالها فيرد البيع ويصرف الدار إلى الولد،
حيا كان الولد أو ميتا، إن كان بيعه للدار بعد أن حازها مما يحوز به الأب صدقته على ابنه، وأما إن كان باعها قبل أن ينتقل عنها لنفسه، فيفسخ البيع إن عثر عليه في حياته، وترد الدار لولده وتمضي الصدقة له بها، وإن لم يعثر على ذلك حتى مات الأب، فلا صدقة له ولا حق في الدار، إلا في الثمن، والبيع ماض للمشتري، وسواء مات الأب فيها، أو كان قد أبانها إلى المشتري؛ لأنه لم يزل ساكنا فيها حتى باعها لنفسه، استرجاعا لها.
وذكر أصحاب الوثائق: أن الأب إذا تصدق على ابنه الصغير بما له غلة فاستغل الغلة وأدخلها في مصالح نفسه، وقامت بذلك بينة، ولم تزل كذلك إلى أن مات الأب، فالصدقة باطل، وهو عندهم بمنزلة السكنى إذا لم يخل الدار من نفسه وماله حتى مات فيها، فهي باطل.
وفي المدنية لابن كنانة مثل ذلك، ودليل قول مالك في هذه الرواية، وقول ابن القاسم فيما تقدم في آخر رسم شهد في أول سماع أصبغ فيما يأتي: إن الصدقة جائزة، وإن استنفق الأب الغلة؛ لأن الكراء إذا كان محمولا على أنه لابنه فإنما استنفق من مال ابنه بعد أن وجب له، يأخذه منه في حياته وبعد وفاته، وهو نص قول أصبغ، في ثمن الدار إذا باعها بعد أن حازها لابنه باسم ولده، أو جهل فلم يعلم إن كان باعها بنفسه أو لولده: إن الثمن يكون له في مال أبيه حيا أو ميتا.
وبالله التوفيق.
###: يتصدق على ابن له كبير حائز لأمره
ومن كتاب الجواب قال: سألت ابن القاسم: عن الرجل يتصدق على ابن له كبير حائز لأمره، أو على أجنبي، بمدبر له يتصدق عليه برقبته، فيحوزه المتصدق عليه، ثم يموت الذي دبره، ولا مال له غيره، قال ابن القاسم: يعتق ثلثه ويكون ثلثاه رقيقا للمتصدق به عليه، وهو أولى به، وليس لورثته فيه قليل ولا كثير، وإنما هو بمنزلة الخدمة أن لو أخذه أجنبيا أو ابنا له كبيرا مالك أمره إلى أجل، فحازه وكان في
يديه، ثم مات السيد ولا مال له غيره، فإنه يعتق ثلثه، ويكون المخدم أحق بثلثي الخدمة يختدم ثلثي المدبر، حتى ينقضي أجل الخدمة، والصدقة والخدمة في ذلك سواء، وإن تصدق على ابن له صغير في حجره، فمات ولا مال له غيره، أعتق ثلثه، وكان ثلثاه رقيقا للورثة، ولم يكن ابنه الصغير أحق به، ولم يكن له منه بالصدقة قليل ولا كثير، وفرق ما بين الصغير والكبير والأجنبي في ذلك؛ لأن أولئك قد حازوا وأخذوا من يد السيد إليهم، وأنه في الولد الصغير، هو في يد الأب، ولم يخرج، وليس حوزه للصغير في هذا يجوز؛ لأن المدبر من الأشياء التي لا يجوز له فعله هذا فيه، ولا إخراجه من يديه، فكأنه في يديه لم يخرج منه يفعل، ولم يحز عنه كما حاز الكبير والأجنبي.
ومما يدلك على ذلك أن لو تصدق رجل على ابن له كبير، مالك لأمره، أو على أجنبي بصدقة، فحازاها وقبضاها ثم قام على المتصدق غرماؤه بدين، ولم يدر الصدقة، كانت قبل الدين - كانت الصدقة أولى حتى يقيم أهل الدين البينة أنها بعد الدين.
ولو تصدق على ابن له صغير في حجره، يجوز لمثله صدقته، وقام عليه غرماؤه، فلم يدر الدين قبل أم الصدقة، كان الدين أولى بها، حتى يعلم أنها قبل الدين، وكذلك قال مالك، وإلا بطلت الصدقة، ولم تكن تلك حيازة.
قال ابن القاسم: وإن علم علي بمكروه الصدقة، فالمدبر في مسألتك في حيازة المتصدق، ردت الصدقة، كانت على كبير أو على صغير، وكان على تدبيره وماله، وإن قبضه الأجنبي والكبير وباعه، ثم مات السيد فعثر على ذلك بعد موت السيد رد وعتق في ثلث السيد إن حمله الثلث، ورجع المشتري بالثمن على بائعه إن كان له مال، ولا اتبعه به دينا، فإن لم يترك السيد مالا غيره عتق ثلثه، وكان المتصدق عليه
أولى ببقيته عما فسرت لك.
قال أصبغ بن الفرج: وأنا أخالف ابن القاسم في صدقة الصغير بغير المدبر، وأرى حيازة الأب حيازة وأراها أولى حتى يعرف أن الدين كان قبلها، وهي كحيازة الكبير في ذلك، فلا يفترق حيازة الكبير لنفسه ولا حيازة الأب الصغير، إذا كان تخلى منها، فأما في المدبر، فرأي على قوله، وليس من قبل الفرق في حيازة الكبير والصغير، ولكن من قبل أنه لم تحل إن كانت مما لا تخرج من يديه بعطية جائزة.
وبالله التوفيق.
قال محمد بن رشد: وقوله في الذي يتصدق بالمدبر على من يجوز لنفسه، فيحوزه المتصدق، ثم يموت الذي دبره، ولا مال له: إنه يعتق ثلثه، ويكون ثلثاه رقيقا للمتصدق عليه، معناه: إذا لم يعثر على ذلك حتى مات المتصدق، وأما لو عثر على ذلك في حياته، لفسخت الصدقة، ورد المدبر إلى الذي دبره؛ لأن المدبر لا يجوز بيعه ولا هبته ولا صدقته، أو هبة ما رق منه إن لم يحمله الثلث، وخدمته من الآن فقبضه وحازه من الآن، يحاز ذلك ولم يرد، وكان للمتصدق عليه بعد موته ما رق منه؛ لأن هبة المجهول جائز، كما يجوز رهنه، لجواز رهن الغرر، ويكون المرتهن إذا حازه أحق به من الغرماء بعد الموت، يباع له دونهم على ما قال في المدبر من المدونة، ولما لم يجز هبة المدبر، ووجب أن يرد وتبطل الحيازة فيه، إن عثر عليها قبل موت المتصدق، ويرد المدبر إليه، وجب إذا كانت الصدقة به على صغير ولده، أن يحكم ببطلان حيازته إياه له، فلا تعتبر بها.
اتفق ابن القاسم وأصبغ على ذلك.
واختلفا إذا تصدق على صغير ولده، ثم قام عليه الغرماء، فلم يعلم، الصدقة قبل أم الدين؟ فقال ابن القاسم: الدين أولى، حتى يعلم أن الصدقة كانت قبله.
وقال أصبغ، وهو قول مطرف وابن الماجشون: الصدقة أولى حتى يعلم أن الدين كان قبلها.
ووجه ذلك: أن الأب لما أشهد أنه قد تصدق على ابنه بهذه الصدقة، وحازها له، وجب قبول قوله، وإعمال
حيازته، وإمضاء صدقته، ولا ترد إلا بيقين أن الدين الذي ظهر، كان قبلها، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن حيازة الأب للصغير لا تعلم إلا من قبله، فإذا قال: قد حزت لابني قبل قوله مع السلامة من الدين، فإذا لم يتحقق أن كان يوم أشهد أنه قد حاز لابنه ما تصدق به عليه، سالما من الدين الذي ظهر عليه بعد ذلك، أو غير سالم منه، وجب أن ألا يقبل قوله، وأن يقضي للغرماء بهذا المال، الذي يعلم ماله له، حتى يعلم خروجه عن ملكه قبل ديونهم، فلا تبطل ديونهم إلا بيقين، إلا أن استدلاله على صحة قوله في إبطال حيازة الأب على ابنه الصغير، صدقة عليه بالدين، بطلان حيازته لما تصدق به، إذا لم يعلم إن كان الدين الذي ظهر قبلها أو بعدها لا يصح؛ لأنه من الاستدلال بالفرع على أصله، والحكم بثبوت الأصل قبل تسليمه.
فمسألة المدبر المتفق عليها هي الأصل، وهذه المسألة المختلف فيها هي الفرع، وحق الفرع أن يرد إلى الأصل بالعلة الجامعة بينهما، ولا اختلاف بينهما في أن الكبير إذا حاز ما تصدق به عليه لا يخرج صدقته من يديه، لا يتحقق أنه قبلها، فإن تحقق أن الدين قبلها، ردت الصدقة باتفاق.
واختلف في العتق، فقيل: إنه يرد، وقيل: إنه لا يرد، وقيل: إنه يرد إلا أن يطول، وقد تأول أن ذلك ليس باختلاف من القول، وأن ذلك يرجع إلى أنه يرد، إلا أن يطول.
وقد مضى ذكر هذا في رسم الأقضية الأول، من سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس.
ولا يعبر عند ابن القاسم بتاريخ أحدهما، إذا جهل الأول منهما، ويعتبر به على ما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مالك وأصحابه، حاشا المغيرة، فتخرج على هذا في الصدقة على الصغار، أربعة أقوال: أحدها: إن الصدقة أولى من الدين، وإن كان الدين مؤرخا.
والثاني: إن الصدقة أولى من الدين، إلا أن يكون الدين مؤرخا، فيكون أولى من الصدقة.
والثالث: إن الدين أولى من الصدقة، وإن كانت الصدقة مؤرخة.
والرابع: إن الدين أولى من الصدقة، إلا أن تكون الصدقة مؤرخة، فتكون
أولى من الدين.
وتخرج في الصدقة على الكبار قولان: أحدهما: إن الصدقة أولى من الدين وإن كان الدين مؤرخا.
والثاني: إن الصدقة أولى من الدين، إلا أن يكون الدين مؤرخا فيكون أولى من الصدقة.
ومن باع دارا ثم وهبها، أو تصدق بها، أو حبسها ولم يعلم، كان البيع أولى أو الهبة أو الصدقة أو الحبس، فالبيع أولى.
وقع ذلك في كتاب الهبات من الصدقة، وتخرج في ذلك على القول باعتبار التاريخ قول آخر، وهو أن البيع أولى إلا أن تكون الهبة أو الصدقة أو الحبس مؤرخا، فيكون أولى من البيع، وهذا إذا لم يقبض.
وبالله التوفيق.
مسألة: يسأل امرأته في مرضه أن تضع عنه مهرها
مسألة قال: وسألت: عن الرجل يسأل امرأته في مرضه أن تضع عنه مهرها، أو تصدق عليه بشيء من مالها، فتفعل ذلك، ثم أرادت بعد موته، أو بعد أن صح من مرضه، أن تصدق عليه بشيء من مالها، فتفعل، ثم أرادت بعد موته، أو بعد الرجوع فيه، هل ترى ذلك لها بمنزلة الميراث؟ قال ابن القاسم: لا، ليس لها ولا يعجبني ذلك لها، صح أو مات، قضي فيه بشيء أو لم يقض، صرفه إلى موضع أو لم يصرفه، وليست الديون ولا الصدقات في هذا بمنزلة المواريث.
وهذا وجه الشأن فيه وهو قول مالك، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن ما وهبت المرأة لزوجها من مالها أو من صداقها عليه في مرضه، أو في صحته، لازم لها، وجائز عليها، ليس لها أن ترجع في شيء منه في حياته، ولا بعد وفاته، إلا أن يكون أكرهها على ذلك بالإحافة والتهديد، أن يسألها ذلك، فتأبى، فيقول: والله لئن لم تفعلي ذلك لأضيقن عليك، ولا أدعك تأتي أهلك، ولا أدع أهلك يأتونك،
على ما قاله في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم، من كتاب الدعوى والصلح، وما أشبه ذلك، فلا يلزمها؛ لأن إكراه الرجل امرأته إكراه على ما قاله في المدونة.
وقوله: ولا يعجبني ذلك لها، لفظ تجوز، والحقيقة فيه، ولا يسوغ ذلك لها، وقد يكنون بالمكروه عن الحرام، وأما إذا سألها في مرضه، أن تهب له ميراثها مما تخلفه، من بعضه فلا يلزمها ذلك، ولا أن ترجع فيه إذا مات، قضي فيه بشيء أو لم يقض، بخلاف الابن البائن عن أبيه، يسأله أبوه في مرضه أن يهب له ميراثه مما يخلفه، أو من بعضه، فهذا إن قضي فيه بشيء لزمه، ولم يكن له أن يرجع عنه على ما قاله في المدونة في الذي يستأذن ورثته أن يوصي بأكثر من ثلثه، فيأذنون له في ذلك، فيفعل، ثم يريدون أن يرجعوا فيما أذنوا له فيه بعد موته، أن ذلك لامرأته، وليس كان في عياله من ورثته، وإن كان مالكا أمر نفسه، دون ما لم يكن في عياله، وكان بائنا عنه، ولا يلزم الوارث على حال ما أذن لموروثه فيه، في صحته من الوصية لبعض ورثته أو بأكثر من ثلثه.
وقد مضى في رسم نقدها من سماع عيسى تحصيل القول في الوارث يهب في مرض موروثه أو في صحته، أو بعد موته ميراثه منه لبعض الورثة والأجنبي، فلا معنى لإعادته.
مسألة: يتصدق على الرجل بالجارية على أن يتخذها أم ولد
مسألة قال: وسألته: عن الرجل يتصدق على الرجل بالجارية على أن يتخذها أم ولد، هل يحل له وطؤها؟
قال ابن القاسم: لا يجوز له وطؤها على هذا الشرط، وإن وطئها فحملت أم ولد له، ولا قيمة عليه؛ لأنه قد اتخذها كما اشترط عليه، وليس بمنزلة التحليل في القيمة؛ لأن التحليل إنما حل له فرجها، ولم يعط رقبتها، وهذا قد أعطي رقبتها كلها.
وإن وطئها فلم تحمل، رأيتها له أيضا، ورأيتها مالا من ماله، يلحقها
الديون إن لحقته، ويبيع ويصنع بها... ولا يفسخ عنه الصدقة ولا ترد؛ لأنه إنما أعطيها على الوطء، وعلى طلب الولد، فقد وطئ، فإذا وطئ فقد طلب الولد، فأرى وطأه إياها فوتا، حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه، حملت أو لم تحمل.
قال محمد بن رشد: قوله: لا يجوز له وطؤها على هذا الشرط - معناه: إن ذلك لا يجوزه حتى يوقف المتصدق، فإما أن يسقط الشرط، وإما أن يسترد الجارية، فإن مات المتصدق قبل أن يوقف على ذلك يخرج الحكم في ذلك على قولين:
أحدهما: إن ورثته ينزلون منزلته في ذلك، فيخيرون بين إسقاط الشرط أو استرجاع الجارية ما لم تفت بوطء على مذهب، أو يحمل على مذهب أصبغ.
والثاني: إن الصدقة تبطل إن مات قبل أن تفوت الجارية عند المتصدق عليه بوطء أو بحمل، على اختلاف قول ابن القاسم وأصبغ، فالصدقة على القول الأول على الإجازة حتى ترد، وفي القول الثاني على الرد حتى تجاز، فلا اختلاف في أنها تفوت بالحمل إذا أحبلها قبل أن يوقف المتصدق على إسقاط الشرط، أو استرجاع الجارية، فتجب له دون قيمته.
واختلف هل تفوت بالوطء؟ فأفاتها ابن القاسم في هذه الرواية، ولم يفتها له أصبغ على ما حكى ابن حبيب في الواضحة وأراد عنه أنه أفاتها بالبيع وبالعتق أو التدبير، أو ما أشبه ذلك، قبل أن يعلم بفساد الصدقة، لزمته القيمة؛ لأنها فاتت في غير ما أعطيت له، واستحسن ابن حبيب قول أصبغ، وأخذ به.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: وهو أن تجوز الصدقة ويبطل الشرط، على ما قاله في المدونة في الذي يحبس الدار على رجل وولده، ويشترط أن ما احتاجت إليه من مرمة، رم المحبس عليهم، إن الدار تكون حبسا على ما جعلها عليه، ولا يلزمهم ما شرط عليهم من مرمتها، وتكون مرمتها من غلتها.
وقد مضى في رسم إن خرجت الكلام مستوفى في الذي يهب للرجل الهبة، على أن لا يبيع ولا يهب، وهو معنى هذه المسألة، فقف على ما مضى من الكلام في ذلك، وتدبره، ومن تصدق على ولده الكبير بصدقة على أن لا ميراث له منه، فالصدقة باطلة، إن كان الشرط في أصل الصدقة، وإن كان أنشد إذ ذلك عليه بعد الصدقة وإن قرب، فالصدقة قول مطرف وابن الماجشون، وأصبغ.
واختلفوا إن كانت الصدقة على صغير، فقال أصبغ: إن ذلك بمنزلة إذا كانت على كبير، واختاره ابن حبيب، وقال ابن الماجشون: الصدقة ماضية، والشرط باطل، كان الشرط مع الصدقة أو بعدها.
وقال مطرف: إن كان الشرط مع الصدقة، أو في قربها، باليوم واليومين، فالصدقة باطل، وإن تباعدت السواء بعد الصدقة فالصدقة ماضية، والسواء باطل وهذا أضعف الأقوال.
وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته خمسون دينارا من مالي صدقة عليك إلى عشر سنين
مسألة قال: وسألت: عن الرجل يقول لامرأته خمسون دينارا من مالي صدقة عليك إلى عشر سنين، إلا أن تموتي قبل ذلك، فلا شيء لك، وهي لولدي.
قال ابن القاسم: فهو على ما قال، إن بقيت المرأة إلى عشر سنين، أخذتها، إن كان الزوج حيا صحيحا، وإن ماتت المرأة قبل ذلك، فلا شيء لورثتها، وهي للولد كما جعل، إذا جاءت العشر سنين، وهو حي صحيح، وإن مات الرجل قبل العشر سنين، فلا شيء لا للمرأة ولا لغيرها، وإن أوفت العشر سنين، والرجل مريض، والمرأة باقية، ثم مات من مرضه، فلا شيء لها، في ثلث ولا رأس مال؛ لأنها بمنزلة من تصدق عليها بصدقة
فلم تقبضها حتى مات المتصدق، فلا شيء للمتصدق عليه حينئذ في ثلث ولا غيره.
فإن قلت: إن هذا أنني الأجل عليه وهو مريض، فساعتئذ وجبت، فكأنها صدقة في العرض، فصدقت، ولكن الأصل كان في الصحة، وبه يتم، فمن هناك بطلت، وما يدل على ذلك، الرجل يعتق عبده، بعد عشر سنين، وهو صحيح، فتأتي العشر سنين، والسيد مريض، فلا يضر ذلك العبد، ويكون حرا من رأس المال؛ لأن الأصل كان في الصحة يجوز له القضاء في ماله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها؛ لأنها صدقة تصدق فيها في صحته، أوجبها على نفسه في ذمته كامرأته إن بقيت إلى عشر سنين، أو لولده إن ماتت قبل العشر سنين، فإن أتت العشر سنين، وهو حي صحيح، وجب الخمسون لها إن كانت حية، مريضة كانت أو صحيحة، وإن كانت قد ماتت قبل ذلك، كانت الخمسون لولده إن كان حيا صحيحا كان أو مريضا ولورثته إن قد مات، وإن أتت العشر سنين، وهو مريض أو مات قبل ذلك، لم يكن لواحد منها شيء ولا لورثته؛ لأنها صدقة تحز على المتصدق حتى مرض أو مات.
وبالله التوفيق.
مسألة: يقول وهو صحيح ثلاثون دينارا من مالي صدقة على فلان عشت أو مت
مسألة قال: وسألت: عن الرجل يقول وهو صحيح: ثلاثون دينارا من مالي صدقة على فلان، عشت أو مت، أو يقول: ثلاثون دينارا من مالي صدقة على فلان، إلى عشر سنين، أو عبدي على مثل ذلك؟ قال ابن القاسم: أما الذي قال ثلاثون دينارا من مالي صدقة عليه عشت أو مت، فهو إن قام عليه في حياته، أخذها منه متى قام
عليه، وإن مات الواهب قبل أن تؤخذ منه، كانت في الثلث، وأخذها من ثلثه، وإن مات المتصدق عليه قبل أخذها فورثته في متابه لهم ما كان في حيازة المتصدق، وبعد مماته، وكذلك هو في العبد، لو قال ذلك فيه، وجعل له فيه، مثل ما جعل في الدنانير، هما سواء؛ لأن هذا بتل قد بتله له عاش أو مات، وأما الذي قال: بعد عشر سنين، فلا شيء له، إلا العشر سنين، فإن أتت العشر السنون والمصدق حي أخذها، دنانير كانت أو عبدا، وإن مات المتصدق عليه بها بعد العشر سنين، فورثته في مثابته بعد عشر سنين، وإن مات المتصدق بها قبل العشر سنين، فلا شيء للمتصدق عليه ولا لورثته، عاجلا ولا إلى عشر سنين، لا في ثلث ولا في رأس مال، ولا غير ذلك؛ لأنها بمنزلة صدقة لم تقبض، حتى مات، فهي باطل، ليست بشيء في ثلث ولا غيره، وإن استحدث المتصدق بها دينا قبل العشر سنين، بيعت هذه الصدقة في دينه، إن كان شيء بعينه، وبطلت الصدقة، ولكن إن أراد المتصدق بها بيعها من غير دين يلحقه، منع من ذلك، ولم يكن له ذلك، وإن كانت جارية لم يطأها، وروى أصبغ عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في الذي قال في صحته: ثلاثون دينارا من مالي صدقة على فلان، عشت أو مت، وقال ذلك في عبده، إنه إن قام عليه بصدقته في حياته، أخذها منه متى ما قام عليه - بَيِّنٌ صحيح، لا اختلاف فيه بين مالك وجميع أصحابه؛ لأنها صدقة بتلها في صحته وبعد موته، فيحكم عليه بها في صحته من رأس ماله، وبعد موته من ثلثه كما قال، إلا أنه يختلف إن لم يقم عليه بها في صحته حتى مات، فوجب أن يكون في ثلث ماله، هل يكون حكمها حكم الوصية في جميع أحوالها؟
فيكون للمتصدق أن يرجع فيها، ويدخل إلا فيما علم به من ماله، ويبطل بموت المتصدق عليه قبله، فلا يكون لورثته، ويحاص بها المتصدق عليه أهل الوصايا، ولا يحكم بها للمتصدق عليه في مرض المتصدق إن كان له أموال مأمونة، أو لا يكون حكمها حكم الوصية في شيء من ذلك، فلا يكون للمتصدق أن يرجع فيها، ويدخل فيما علم به من ماله، وفيما لم يعلم، ولا تبطل بموت المتصدق عليه قبله، فينزل ورثته فيها منزلته، وتبدأ على الوصايا ويحكم للمتصدق عليه بها على المتصدق في مرضه إن كانت له أموال مأمونة، فيأتي على قياس مقول ابن القاسم في هذه الرواية: إنه إن مات المتصدق عليه بها قبل أخذها في مثابته، لهم ما كان له في حياة المتصدق، وبعد مماته، وهو قوله في سماع سحنون بعد هذا: إنه لم يقم بصدقته حتى مات المتصدق حكم له فيها بثلثه، ويدعي بها على الوصايا، وأما إن قام عليه بها في مرضه؟ وله أموال مأمونة، حكم له بها، وأنه لا يكون للمتصدق الرجوع فيها فيختلف من هذه المسألة في هذه الخمسة مواضع، إذا لم يقم بصدقته حتى مرض أو مات، هل يحكم له بحكم الوصية فيها أم لا؟ وحكم لها محمد بن دينار في المدنية بحكم الوصية، في أنها تبطل بموته قبل موت المتصدق دون سائر أحكامها التي ذكرناها، فيقال: إنه إن قام في صحته، أخذ من رأس ماله، وإن مرض قبل أن يأخذها، أو مات، كانت له من ثلثه، مبدأة على الوصايا؛ لأنه لم يقدر على الرجوع فيها، ولو كانت له أموال مأمونة، حكمت بها للمتصدق عليه بها في مرضه قبل موته من ثلثه، فأما إن مات المتصدق عليه بها في مرضه قبل موته من ثلثه، فأما إن مات المتصدق عليه في حياة المتصدق في صحته، كانت لورثته، وإن لم يقبضها ورثته حتى مات، لم يكن لهم شيء.
قلت: فإذا مات المتصدق عليه بها قبل المتصدق، فورثته في مثابته ما دام المتصدق حيا، فإذا مات المتصدق بعد موت المتصدق عليه، لم يكن لورثة المتصدق عليه فيها حق، قال: نعم؛ لأني لم أقدر أعطيهم بصدقة الصحة، إن صدقة الصحة لا تثبت إلا بالحيازة،
فبطلت صدقة الصحة، حين لم تحز في الصحة بما تحاز به الصدقات، فبطلت صدقة الصحة، وبقيت له الوصية، وإن كانت مؤكدة، فقد مات الوصي له بها قبل أن تجب له الوصية، ولا شيء لمن مات من أهل الوصايا قبل موت الموصي.
هذا نص قول ابن دينار، وليس بقياس.
قال محمد: فاستحب للكاتب أن يكتب في الصدقة عاش أو مات، فإنه إن مات قبل أن يحوز، كان في الثلث، وليس ذلك بصحيح، وإنما الذي يستحب له أن يعلمه بالحكم في ذلك، فيكتب ما يختار أن يعلمه على نفسه.
وقد مضى الكلام في المسألة التي قبل هذه، في الذي قال: ثلاثون دينارا من مالي صدقة، على فلان إلى عشر سنين.
وبالله التوفيق.
###: الرجل ينحل ابنته نحلة فتتزوج ثم يموت زوجها فيريد أبوها اعتصار تلك النحلة
ومن كتاب أوله باع شاة واستثنى جلدها قال عيسى: وسألته عن الرجل ينحل ابنته نحلة، فيتزوجها رجل على تلك النحلة، ثم يموت عنها أو يطلقها، فيريد أبوها اعتصار تلك النحلة، هل يكون ذلك، وقد دخل زوجها بها فمات عنها، أو طلقها، والصدقة في يدها، أو لم يدخل بها حتى مات عنها زوجها أو طلقها؟ قال ابن القاسم: ليس له أن يعتصرها، دخل بها أو لم يدخل؛ لأنها إنما أنكحت عليها، فهو شيء بمنزلة ما قد فات وقد يمنع الأب ما دون هذا، أن يهب الجارية لابنه، فيطؤها الابن، فلا يكون له أن يعتصرها، وكل من وهب لابنه هبة أو نحله نحلا من ذكر أو أنثى حتى تنكح عليها، أو يداين بها، فيرهقه دين، ثم يطلق الابن المرأة أو يطلق الزوج الجارية أو
يستحدث الابن ما لا يؤديه في دينه، فلا اعتصار للأب في شيء من ذلك كله وهو وجه ما كنت أسمع.
قال ابن القاسم: والمرض مخالف لهذا؛ لأن المرض أمر لم يعامله الناس عليه، فلو مرض أحدهما، لم يكن للأب أن يعتصر في مرض واحد منهما، ولو صحا بعد ذلك، كان الأب أن يعتصر.
قال سحنون: إذا مرض هو نفسه، فأراد أن يعتصر، فليس ذلك له، قيل له: فإن أفاق فأراد أن يعتصر، قال: ذلك له، وليس يشبه المعتصر المعتصر منه.
قال أصبغ: إذا صح المريض منهما أو طلق الابن، أو طلق الابنة زوجها أو ودى ذو الدين منهما دينه، فليس للأب أن يعتصرها بعد ذلك؛ لأن الأب قد امتنعت عصرته منه لما أحدث بها العصرة، فإذا انقطعت العصرة بشيء من هذه الأشياء التي انقطع من هذه الأشياء يوما واحدا لم تعد أبدا ولم يكن له أن يعتصرها، وأما من وهب لابنه وهو متزوج، أو لابنته وهي متزوجة، أو هو مريض، أو مريضة، أو مديان، فإن له أن يعتصر منهما إذا وهب لهما في هذه الحالات، فله العصرة فيها حتى يحول حاله إلى غير ذلك.
قال محمد بن رشد: الأصل في الاعتصار قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد» وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ للبشير بن سعد، في الغلام الذي كان نحله ابنه النعمان: "ارتجعه" إذا لم ينحل سائر ولده مثل الذي نحله، فالرجل يعتصر ما
وهب لولده، ما لم يداين، أو ينكح، أو يمرض، أو يموت، أو يمرض الأب أيضا أو يداين، فليس له أن يعتصر لغرمائه ولا لهم ذلك.
قال ابن المواز: فإذا ابن الأب دينا لا يفي به ماله سوى الهبة، أو نكح على الهبة، أو بسببها، ارتفعت العصرة، ولا حجة للغرماء، إذ استدان دينا يفي ماله سوى الهبة، ألا ترى أنه لو وهبها لغير الأب، لم يكن للغرماء في ذلك حجة، إذا اعتصرها الأب؟ واختلف إذا نكح وداين بغير سبب الهبة، مثل أن يكون الابن موسرا فيهب له أبوه الشيء اليسير الذي يعلم أنه لم يزوج ولا دوين من أجل الهبة.
فقال ابن القاسم: إن ذلك لا يقطع العصرة، وهو قول مطرف، وروايته عن مالك، وقول أصبغ، وابن الماجشون: إن ذلك يقطع العصرة والذكر والأنثى في ذلك سواء.
وذهب ابن دينار إلى أن نكاح الابن الذكر على الهبة، لا يقطع الاعتصار فيها، بخلاف الابنة، وهو دليل قول عمر بن الخطاب في المدونة من أنه قضى أن الولد يعتصر، ما دام يرى ماله، ما لم يمت صاحبها فيقع فيها المواريث، أو تكون امرأة تنكح، خلاف مذهب ابن القاسم في هذه الرواية، ومن سواه، وإذا مرض المعتصر أو المعتصر منه، فالمشهور أن ذلك يقطع العصرة.
وروى أشهب عن مالك في كتاب ابن المواز: أن يعتصر.
وإن كان مريضا، قال: ولو كان الابن هو المريض، فلا أدري.
وقال ابن نافع: للسيد أن يعتصر مال مدبره وأم ولده في مرضه، وإن كان الانتزاع حينئذ لغيره، فعلى هذا يكون الأب أن يعتصر في مرضه.
واختلف على القول بأنه يقطعها، هل يعود بزوال المرض؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: إن العصرة تزول بزوال المرض، كان المريض منهما هو المعتصر أو المعتصر منه، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، قال: لأن المرض أمر لم يعامله الناس عليه، فهو بخلاف النكاح والمداينة، وهو قول مطرف والمغيرة وابن دينار.
والثاني: إنها لا تعود بزوال المرض، وهو قول أصبغ في هذه الرواية وقول ابن الماجشون، وروايته عن مالك، والقول الأول أظهر؛ لأن الاعتصار إنما امتنع في المرض، مخافة الموت، فإذا زال المرض،
ارتفعت العلة بزواله، ولو اعتصر في المرض، فلم يعثر على ذلك حتى صح، لوجب أن يمضي.
ولو قيل: إن الاعتصار في المرض يكون موقوفا حتى ينظر، هل يصح أو يموت؟ لكان هو وجه القياس والنظرة.
والثالث: قول سحنون في تفرقته بين مرض المعتصر والمعتصر منه، ولا يقطع العصرة في الهبة فواتها، بحوالة الأسواق، ويختلف فواتها بتقريرها في الزيادة والنقصان، فقال مطرف وابن الماجشون: إن ذلك لا يقطع العصرة.
وذهب أصبغ إلى أن ذلك يقطعها، وسيأتي في سماع سحنون بقية القول في هذا المعنى إن شاء الله.
وكذلك اختلفوا في وطء الابن الجارية الموهوبة، هل يقطع العصرة فيها أم لا؟ فذهب أصبغ إلى أن ذلك يقطعها، ورواه عن ابن القاسم، وهو قوله في المدونة وفي هذه الرواية، وذهب مطرف وابن الماجشون: إلى أنه لا يقطعها؛ لأن ذلك لا يمنعه من بيعها، وما يريد من الانتفاع بثمنها، إلا أنها توقف بعد العصرة، فإن صح رحمها، تمت العصرة، وإن ظهر الحمل امتنعت العصرة، فلا اختلاف في أن بموت الموهوب له يقطع الاعتصار.
واختلف إذا وقعت الهبة في الحال الذي إذا حدث بعد الهبة، قطع الاعتصار، مثل أن يهب له وهو مريض أو مديان، أو يتزوج، فقال ابن الماجشون: لا عصرة في ذلك، وإياه اختار ابن حبيب.
وقال أصبغ: له أن يعتصر، ما كانت الحال واحدة، مثل يوم وهب، والأم فيها تهب لابنها الكبير المالك لأمر نفسه، في الاعتصار، بمنزلة الأب، يعتصر ذلك منه، ما لم يداين أو ينكح أو يمرض أو يموت.
وكذلك تعتصر ما وهبت لابنها الصغير، إذا كان له أب، وإن حاز الهبة عنها، ولا يعتصر ما وهب له إذا كان يتيما يوم الهبة، وأصابه اليتم بعد ذلك، هذا مذهب ابن القاسم ومطرف وروايتهما عن مالك.
وذهب ابن الماجشون: إلى أنها لا تتعصر ما وهبت لابنها إذا حاز الهبة عنها أبوه، أو وصيه أو هو كان يلي نفسه، وإنما تعتصر ما وهبت له إذا كانت هي التي تليه، فلم تخرج الهبة عن يدها.
واختلف في الجد والجدة، والمشهور أنه لا عصرة لهما وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وروى
أشهب عنه في كتاب محمد أن للجد الاعتصار، قال: لأنه يقع عليه اسم أب.
ووجه القول الأول أن الهبة قد انتقلت إلى ملك الموهوب له، فلا تخرج عن ملكه بيقين، وهو الأب الذي ورد فيه النص، والاعتصار لا يكون في الصدقات إلا بشرط، وإنما يكون في العطايا، من النحل، والهبات، وشبهها.
واختلف إذا وهب، فقال في هبته: لله، أو لوجه الله، أو لطلب الأجر والثواب من الله، فقيل: إنه ليس له أن يعتصر ذلك إلا بشرط، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: له أن يعتصر وإن لم يشترط العصرة ما لم يسمها صدقة، وهو قول مطرف.
وسيأتي ذلك في نوازل سحنون، وبالله التوفيق.
مسألة: نحله أبوه نحلة فتزوج هل لأبيه أن يعتصر تلك العطية
مسألة وعن الرجل البائن من أبيه الذي له المال، الناقد التاجر، الذي ليس بمولى عليه في شيء من أموره نحله أبوه نحلة، ثم تزوج بعد ذلك، وهو ممن لا يزوج لتلك النحلة فيما يرى الناس، هل لأبيه أن يعتصر تلك العطية؟
قال ابن القاسم: نعم، له أن يعتصرها ما لم يأت من ذلك ما يكون عليه زيادة كبيرة، ويعلم أنه إنما زوج بذلك، فأما الرجل صاحب ألف دينار، ينحله أبوه العبد، أو يهبه له ثمن العشرين دينارا أو الثلاثين، وما أشبهه من الأشياء ثم يتزوج، فيريد أن يعتصره أبوه، فهذا لأي منح منه؛ لأنه يعلم أنه لم يزوج لمكان هذا العبد، وإنما لغناه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم ذكر الاختلاف في أثناء هذه المسألة التي قبلها، وهذا القول أظهر؛ لأن الأصل وجوب العصرة للأب إلا أن يمنع من ذلك مانع، من حق زوج، أو غريم، أو وارث، وما أشبه ذلك من المعاني القاطعة للاعتصار.
وبالله التوفيق.
###: وهب لرجل عبدين هبة ثواب أو وهب له ثوبين
ومن كتاب العتق قال عيسى: قلت لابن القاسم: لو أن رجلا وهب لرجل عبدين هبة ثواب، أو وهب له ثوبين، فأقاما في يديه أياما ثم ارتفعت لهما قيمة، وسوق، فأعطاه الموهوب له أحد العبدين، أو أحد الثوبين مثوبة له، قال عيسى: ليس له أن يعطيه أحد عبديه ثوابا أو أحد ثوبه ثوابا.
قلت: وإن ارتفعت قيمة أحدهما حتى يكون مثل قيمتهما يوم وهبهما، قال: نعم، إلا أن يرضى الواهب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لو أراد أن يرد أحدهما ويعوضه من الآخر، كان الأدنى، أو الأرفع، لم يكن له ذلك على مذهبه في المدونة، وهو الصحيح في القياس والنظر، خلاف قول أصبغ في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب؛ لأنه قادر على أن يأخذهما أو يردهما جميعا، فليس له أن يأخذ أحدهما ويرد الأخرى كما لو بيعا على الخيار، أو كما لو استحق بين يدي المشتري فأراد المستحق أن يأخذ بعضها ويجيز البيع في بعضها، بخلاف استحقاق أحد الثوبين أو العبدين، أو الباقي لازم للمشتري، إذ لا قدرة للمستحق إلا ما استحق خاصة، فإذا لم يكن له أن يشبه من أحدهما، ويرد إليه الآخر، فأحرى ألا يكون له أن يرد أحدهما ولا يشبه من الآخر؛ لأنه إنما ملك في أن يردهما جميعا أو يعوضه منهما جميعا، فليس له سوى ذلك.
وبالله التوفيق.
مسألة: الهبة ومكثها عند الذي وهبت له حتى يجب عليه ثوابها
مسألة قلت لابن القاسم: ما أمر الهبة ومكثها عند الذي وهبت له حتى يجب عليه ثوابها؟ قال: قال مالك: إذا تغيرت بنماء أو نقصان، قلت لابن القاسم: وإن طال مكثها، قال: نعم.
قال
ابن القاسم: إلا أن يريد فيأبى أن يثيبه، فلا يلزم الموهوب له ثواب، والواهب على هبته، يأخذها إن شاء ولا يلزم الموهوب له ثواب، إذا كانت على حالها، وفضل حال، وكذلك بلغني عن مالك.
قال ابن القاسم: فإن كانت جارية فوطئها الموهوب له، لزمه قيمة الثواب، وتعجيله، فإن فلس الموهوب له، كان للواهب ما وهب، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها يوم وهبها ويأخذوها.
قال ابن القاسم: النماء والنقصان فوت، ويجبر الموهوب له على الثواب.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم في الهبة للثواب، أن الواهب إذا دفعها للموهوب له، فقد ملكه إياها بقيمتها، وانقطع خياره فيها، فكان الموهوب له هو المخير، بين أن يردها أو يثيبه فيها بقيمتها، ما لم تفت عند الموهوب له.
قال مرة بالنماء والنقصان، وهو قوله في المدونة وأحد قوليه في هذه الرواية، ويلزمه القيمة فيها وينقطع خياره.
وأما طول الزمان، وحوالة الأسواق، فليس يفوت ولم يختلف في ذلك قوله، ووقع في كتاب الشفعة من المدونة ما يبدل أن الواهب أحق بهبته، وهو بالخيار فيها ما لم يرض منها حتى تفوت عند الموهوب له بزيادة أو نقصان، وهو قوله فيه؛ لأن الناس إنما يهبون الهبات للثواب، رجاء أن يأخذوا أكثر من قيمة ما أعطوا، وإنما رجعوا إلى القيمة حين تشاحوا بعد تغير السلعة، ومثله في المدونة من رواية عيسى عن ابن القاسم، خلاف رواية محمد بن يحيى السيابي عن مالك فيما قال.
وحدثني محمد بن يحيى السيابي أنه سمع مالكا يسأل عن الرجل يهب الهبة لرجل رجاء ثوابها، فيثبته بقيمتها أو بأكثر من ذلك، فيقول الواهب: لا أرضى بهذا ثوابا، ولم يبلغ فيه رضاي، كيف الأمر فيه؟ قال: لا ينظر في هذا إلى قول الواهب، ويسأل عن تلك الهبة أهل البصر، فيعطي قيمتها، وليس له غير ذلك، وليس له على الموهوب له في هبته قيمتهما خمسون
دينارا، إلا أن يشاء، وليس للواهب على الموهوب له أكثر من قيمته.
قال عيسى: قال ابن القاسم: إنما هذا إذا فاتت أو نقصت، فأما إذا لم تفت، وكانت قائمة بعينها، وهي على حال ما وهبها أو أفضل، فهو مخير بين أن يأخذ ما أشبه، وبين أن يأخذ هبته، وليس النمل في الهبة فوتا، وإنما الفوت فيها النقصان.
وذهب مطرف إلى أن الواهب أحق بهبته، وهو بالخيار فيها ما لم يرض، وإن فاتت حتى يفوت موضع الرد فيها بموت وما أشبه ذلك، فحينئذ تلزمه القيمة، ولا يكون لواحد منهما في ذلك خيار، وروي ذلك عن مالك، وهو معنى حديث عمر.
وروى ابن الماجشون، عن مالك: أن الهبة للثواب إذا قبضت، لزم الموهوب له فيها القيمة بالقبض، ولم يكن فيها رد ولا استرداد، إلا عن تراض من الواهب والموهوب له، زادت أو نقصت، أو كانت على حالها، وهو قول رابع في المسألة.
وقوله: إن الهبة للثواب إذا كانت جارية فوطئها الموهوب له، إِنَّ وَطْأَهُ إياها فَوْتٌ يُلْزِمُهُ قِيمَتَهَا -صحيح، لا اختلاف فيه؛ لأن وطأه إياها على مذهب ابن القاسم رِضًا منه بالقيمة، فليس له أن يردها، ولا للواهب أن يستردها، إذ قد كان يلزمه أخذ القيمة فيها قبل أن يطأها الموهوب له.
وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: إن الغيبة عليها فوت فيها، وإن لم يطأ، تلزمه بها القيمة فيها، ولا يصح الرد فيها وإن لم تحمل؛ لأن ذلك ذريعة إلى إحلال الفرج بغير ثمن.
وأما قوله في التفليس: إن الواهب أحق بهبته، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها يوم الهبة، فقد مضى الكلام على ذلك وتوجيه الاختلاف فيه في أول سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادته.
مسألة: وهب لرجل مريض هبة ولا مال له غيرها
مسألة قال: وسألته عن رجل مريض، وهب لرجل مريض هبة ولا مال له غيرها، فقبضها الموهوب له وهو مريض، فوهبها للواهب،
ولا مال له أيضا، قال: يحوز للموهوب له الأول، ثلثه من تسعة، من مال الواهب، ويحوز الواهب الأول من هذه الثلاثة واحدا وهو ثلث مال الموهوب له الأول، فيصير في يد الأول سبعة، وفي يد الواهب الآخر اثنان، وأصل الذي يستدل به أن ينظر إلى مال له ثلث، ولثلثه ثلث، وذلك تسعة، فعلمت أنه يحوز للموهوب له ثلثه، وللواهب ستة، وأنه يرجع إلى الواهب الأول سبعة، ولورثة الواهب الآخر اثنان.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة عن القول بأن هبة البتل في المرض وإن كانت من الثلث، فهي بخلاف الوصية يدخل فيما علم في الواهب من ماله، وفيما لم يعلم، ولا تبطل بموت الموهوب له قبل الواهب، على حكم الوصية في بطلانها بموت الموصي لوجب إذا مات الأول قبل الثاني أن يبطل ما وهبه الثاني، وإذا مات الثاني قبل الأول، أن يبطل ما وهبه الأول.
والمعنى فيه: أن كل واحد منهما مات من مرضه ذلك، إذ لو صحا جميعا، وكانت التسعة التي هي جميع المال للواهب الأول لرجوعها إليه بالخمسة الثانية، ولو صح الواهب الأول، ومات الواهب الثاني من مرضه، لنفذت للموهوب منهما من مرضه ذلك، كان الحكم فيما ذكره على قياس القول الذي ذكرته، سواء مات الواهب الأول قبل الثاني أو بعده، يصير لورثة الموهوب له الأول ثلث المال، وهو ثلثه من تسعة، ويصير لورثة الواهب من هذه الثلاثة واحد فيبقى في الذي ورثه الموهوب له الأول، اثنان، يحصل في الذي ورثه الواهب الأول سبعة، ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول على...... وهو الواهب الأول في هذا الواحد، فيأخذون منه ثلثه، ثم يرجع لورثة الموهوب له الثاني، وهو الواجب عليه في ثلثه ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول، وهو الواجب الثاني عليهم في ثلث هذا الثلث، فيأخذون
منه ثلثه هكذا أبدا يدور هذا السهم بينهم حتى ينقطع، وسواء علم الهبة أو لم يعلم على ما يأتي عليه جوابه، من أن هبة البتل في المرض لا تبطل بموت الموهوب له قبل الواهب، وتدخل فيما علم الواهب وما لم يعلم، وكذلك قال ابن عبدوس في كتابه للرد، وأن التسعة الأسهم ثلثها ثلاثة، لورثته الواهب الثاني، ثم يؤخذ منها سهم، وهو ثلث ماله، قال: فاعلم أن هذا السهم دائر؛ لأنك إن أعطيه لورثة الأول، قام عليهم ورثة الثاني في ثلثه، كما صار؛ لأن هبته البتل تدخل فيما علم به الميت وما لم يعلم، ثم يقوم عليهم ورثة الأول في ثلث ثلثه فيدور هكذا بينهم حتى ينقطع، فلما كان هذا هكذا، وجب أن يسقط السهم الدائر، ويقسم ذلك السهم بين الوارثين، على ما استقر بأيديهم، فيصير المال بينهم على ثمانية أسهم، ستة لورثة الواهب الأول، واثنان لورثة الواهب الثاني.
وقد قال أبو محمد: هذا الذي ذكر عيسى عن ابن القاسم - هي مسألة دور، ولم يجعل فيها دورا، وهذا الذي قال أبو محمد عن ابن القاسم، لم يجعل فيها دورا لا يصح، على ما جرى جوابه من أن هبة البتل تدخل فيما علم الواهب وفيما لم يعلم، وإنما يصح إسقاط الدور فيها إن لم يعلم الواهب بالهبة على القول بأن هبة البتل لا تدخل إلا فيما علم الواهب، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المدنية وقوله أيضا في رواية أصبغ عنه في بعض روايات العتبية في سماعه من كتاب المدبر، فحكم في هذه الهبة في المرض بحكم الوصية، ولم يحكم لها بحكم الوصية فيما تقدم له في رسم الجواب إذا قال فيه: إن هبة البتل يحل ورثة الموهوب له فيها محل موروثهم إذا مات قبل الواهب، وهذا على قياس مطرد؛ لأنه إذا لم يحكم للهبة في المرض بحكم الوصية في سقوطها بموت الموهوب له قبل الواهب، وجب ألا يحكم له بحكمها في أنها لا تدخل إلا فيما علم، فالذي ينبغي أن يتأول عليه، أن ذلك إنما هو اختلاف من قوله، مرة حكم للهبة في المرض بحكم الوصية في كل حال، ومرة رآها أقوى من الوصية، فلم يحكم لها بحكمها في حال.
وبالله التوفيق.
###: يتصدق في مرضه على رجل بثلث دار له
ومن كتاب الثمرة وسألت: عن الرجل يتصدق في مرضه على رجل بثلث دار له، وفي الدار طوب وخشب، أراد أن يبني بها، فقال المتصدق عليه: لي ثلث الطوب والخشب، وأبى الورثة أن يكون ذلك له، قال: ليس له في الطوب والخشب شيء.
قال محمد بن رشد: هذا بَيِّنٌ عَلَى ما قاله؛ لأنه يكون تبعا للدار في الوصية بها أو الصدقة في الصحة أو المرض، إلا ما يكون تبعا لها في البيع، وهو ما كان مبنيا فيها، لا ما كان موضوعا فيها من خشب أو حجر، أو ما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.
###: كتاب الصدقات والهبات الثالث
أعطى أخاه منزلا في صحته وكتب له بذلك كتابا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم.
كتاب الصدقات والهبات الثالث من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أعطى أخاه منزلا في صحته، وكتب له بذلك كتابا، وكتب في كتاب العطية إن مات أخوه الذي أعطي تلك العطية في حياة المعطي فالمنزل مردود على المعطي، ولا حق فيه لورثة المعطى ولا يورث؛ على هذا الشرط أعطاه، فحاز المعطى عطيته في حياة المعطي أو لم يحز، ثم مات المعطَى قبل المعطي، فقال: أرى هذا مثل الوصية تكون للمعطى من الثلث، ألا ترى أنه أنفذ له العطية إن مات قبل المعطي، فكأنه إنما أوصى له بها، وعجل له قبضها، قلت: وهي وصية على كل حال، حازها في صحة المعطي أو لم يحز، فقال: نعم، وقد قال مالك ما يشبه هذا، قال أصبغ: ليس للمعطي فيها بيع، ولا تحويل عن حال؟ فإن مات المعطى رجعت إلى المعطي بمنزلة العمرى، وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في
الرجوع فيها، فكذلك مسألتك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن أول قوله مرتبط بآخره، فليست بعطية مبتلة بما شرط عليه فيها من أنه إن مات قبله، فهي عليه رد؛ لأن ذلك يقتضي ألا يكون له فيها تفويت ببيع ولا غيره، ما دام المتصدق حيا حتى يموت، فآل أمرها إلى أنه أوصى له بها بعد موته، وعجل له الانتفاع بها طول حياته، فوجب إن مات المتصدق عليه قبله أن ترجع إليه كما شرط، وإن مات المتصدق قبله بتلت له من ثلثه على معنى الوصية، إن كان غير وارث، وقد مضى هذا في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، وتأتي المسألة متكررة في سماع ابن الحسن بعد هذا، وقول أصبغ في هذه الرواية: وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها؛ يريد أنه ليس للمعطي أن يرجع في عطيته هذه، وإن كانت إنما تنفذ من ثلثه بما شرط فيها من رجوعها إليه إن مات المعطى قبله، ووجه ذلك أن العطية، وإن لم تكن مبتولة بما شرط فيها، فليست كالوصية بها التي له الرجوع فيها؛ لأنه قد بتلها في حياته على الشرط الذي اقتضى ألا تنفذ بعد موته إلا من ثلثه، فأشبه المدبر الذي يخرج بعد الموت من الثلث، ولا يجوز لسيده الذي دبره الرجوع في تدبيره، وقد اختلف قول مالك في الهبة البتل في المرض: هل للواهب أن يرجع فيها في مرضه فلا تنفذ، إن مات منه أم لا على قولين حسبما مضى القول فيه في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، من كتاب الحبس، وهذا بيّن ألا يكون له فيها رجوع؛ وقد قال بعض أهل النظر ليس بحسن قول أصبغ في معنى الرجوع، إلا في انتفاع المعطى
بالمنزل حياة المعطي، وأما بعد موت المعطى، فمنذ يجب للمعطى بتلا، فله الرجوع فيه؛ لأنه من يومئذ يصير وصية، وكل ما كان وصية، أو على معنى الوصية، فله الرجوع فيه، وليس قوله عندي بصحيح؛ لأن الظاهر من قول أصبغ أنه إنما تكلم على الرجوع في عطية الرقبة بعد الموت؛ فهذا هو الذي قال: إنه لا يرجع فيه، وأما انتفاع المعطى بالمنزل حياة المعطي، فبين أنه ليس للمعطي أن يرجع فيه؛ لأنه شيء بتله في صحته، فنفذ عليه، وإن لم يكن له مال سوى المنزل، فلو قصد إلى بيان هذا، لكان عيا منه؛ وإذا لم يكن للمعطي أن يرجع في عطيته هذه بعد الموت، كما يرجع في وصيته، فيبدأ على الوصايا، ويدخل فيما علم به المعطي، وفيما لم يعلم، وقد مضى هذا المعنى في رسم الجواب، وفي آخر رسم العتق، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: أم الولد يتصدق عليها سيدها
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أم الولد يتصدق عليها سيدها، أيلزمها الحوز؟ فقال: حالها في ذلك كحال الزوجة فيما يتصدق به عليها؛ أما الخادم تكون معها في البيت، أو الابنة، أو ما أشبه ذلك مما لا يزايلها حيث انتقل بها سيدها، فالإشهاد وإعلان الصدقة حوز لها؛ وذلك أنه لا تقدر على حوزها بأكثر من ذلك.
وأما العبد بخارج، أو الدار تسكن، أو المزرعة، أو ما أشبه هذا مما
هو بائن منها، وقبضه يمكن، فعليها أن تحوزه بقبض الخراج من العبد، وإخراج السيد من الدار، وعمران المزرعة أو كرائها لها، وجني الشجر، وما أشبه هذا مما يحاز به العبيد والعقار؛ قال: وأما الحلي والثياب، فالقبض اللبس والعارية، وما أشبه ذلك مما تصنعه المرأة بمتاعها، إذا عرفت تصنع بما تصدق عليها من الحلي والثياب، مثل هذا فهو لها حوز، وإلا فلا شيء لها؛ قال أصبغ: وإشهاد لها حوز أيضا، وإن لم يُعرف لبس ولا عارية إذا كان في يديها، وليس في يد سيدها قد خرج منه إليها.
قال محمد بن رشد: حكم لأم الولد بحكم الزوجة في حيازة ما يتصدق به عليها سيدها، فقال في الخادم تكون معها في البيت أو الابنة وما أشبه ذلك؛ أن الإشهاد وإعلان الصدقة حوز فيها؛ إذ لا يقدر في حوزها على أكثر من ذلك، وفي ذلك اختلاف في الحرة الزوجة، وقد مضى تحصيله في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وفي رسم سلف دينارا في ثوب إلى أجل، من سماع عيسى، فهو يدخل في أمر الولد على هذه الرواية؛ وأما المنزل وما عدا ما هو من متاع البيت، فلا اختلاف في أن الزوجة في حيازته عن زوجها كالأجنبي فيما يلزمه في ذلك، وكذلك أم الولد على هذه الرواية.
وفي المدونة ما يدل ظاهره على أن السيد يحوز لأم ولده ولعبده الكبير ما وهبه لهما، أو تصدق به عليهما، كما يحوز ذلك لابنه، إذا وهبه إياه، أو تصدق به عليه، وهو قوله فيها؛ لأن من تصدق بصدقة على غيره، أو وهب هبة، لا يكون هو الواهب وهو الحائز، إلا أن يكون والدا أو وصيا، أو من يجوز له أمره عليه في قول مالك؛ إذ لا أحد أحوز أمرا على أحد من السيد