البيان والتحصيلصفحات 434-473
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 434-473
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإلى نصف قيمة دية الخطأ من الإبل فتغلظ عليه بقدر ذلك إذا صار ذلك ثلثا على أهل الإبل أو ربعا أو ما كان في القيمة، وصنع بأهل الذهب والورق مثل ذلك في الجراح والنفس، قال ابن القاسم: ليس يكون ذلك في الجراح إلا في الأب، قال سحنون: إلا الجائفة والمأمومة والمنقلة، فإن الأجنبي لا يقاد منه فكذلك الأم والأب والجد لا تغلظ عليهم الدية فيها.
قال محمد بن رشد: الديات على مذهب مالك وأصحابه ثلاث: دية الخطأ، ودية العمد إذا قبلت، ودية التغليظ في مثل ما فعل المذحجي بابنه، وهي دية شبه العمد على مذهب من يراه ويقول به، وهو قول أكثر أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك.
فأما دية الخطأ فإنها على أهل الإبل مائة من الإبل على عاقلة القاتل سنة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في ذلك، وتؤخذ في ثلاث سنين وقيل في أربع بخمسة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون ذكرا وعشرون حقة وعشرون جذعة، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة غير أن أبا حنيفة جعل مكان ابن لبون ابن مخاض، وقد ذهب جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب إلى أن دية الخطأ مربعة واختلفوا في أسنانها اختلافا كبيرا.
وأما دية العمد فليست بموقتة ولا بمعلومة بدليل قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] وشيء نكرة تقع على القليل والكثير، فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإنها تكون حالة في مال القاتل مائة من الإبل على أهل الإبل مربعة: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة وخمس عشرون جذعة، وفي كتاب ابن المواز أنهم إن

اصطلحوا على دية مبهمة أو عفا بعض الأولياء فرجع الأمر إلى الدية فالدية في ذلك مثل دية الخطأ إلا أن العاقلة لا تحمل منها شيئا وهي في مال الجاني منجمة في ثلاث سنين، قال: وإنما تفترق دية الخطأ من دية العمد في أن العاقلة لا تحملها، وأما في الأسنان فلا، والأول هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه، وذهب الشافعي إلى أن دية العمد إذا قبلت كدية شبه العمد مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة.
وأما الدية المغلظة في مثل ما صنع المذحجي بابنه وفي شبه العمد على مذهب من يراه من أهل العلم وهو قول مالك في رواية العراقيين فإنها على أهل الإبل مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، قيل حالة في مال القاتل غير مؤجلة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك، وقد كان ابن القاسم يقول: إنها على العاقلة كهيئة دية الخطأ حكى ذلك عنه ابن حبيب، وقيل: إنها على العاقلة حالة تنجيمها وهو قول ابن الماجشون، قال: ومن تغليظها أن يطرح تنجيمها ويدل على ذلك قول عمر بن الخطاب سراقة بن جعشم المذحجي وهو غير القاتل إلا أنه رأس قومه: اعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة من الإبل، وإلى هذا ذهب أشهب وسحنون، وقيل: إنها في ماله إن كان له مال وعلى العاقلة إن لم يكن له مال، وهو قول مطرف وإياه اختار ابن حبيب.
وأما الدية على أهل الذهب والورق فهي في الخطأ على ما قومها به عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ألف دينار على أهل الذهب واثني عشر ألف درهم على أهل الورق، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه.
واختلف هل تغلظ على أهل الذهب والورق دية العمد المربعة إذا قبلت بفضل ما بين أسنانها وأسنان دية الخطأ أم لا؟ وهل تغلظ أيضا عليهما الدية المثلثة في مثل ما صنع المذحجي بابنه بفضل ما بين أسنانها وأسنان دية الخطأ أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها - أنها لا تغلظ واحدة منهما، حكى هذا القول

عبد الوهاب في المعونة.
والثاني - أنها تغلظ كل واحدة منهما، وهو الذي يأتي على ما في رسم الصبرة من سماع يحيى عن أشهب، لأنه إذا رأى التغليظ في الدية المربعة فأحرى أن يراه في الدية المثلثة.
والثالث - أنه لا يغلظ الدية المربعة وتغلظ الدية المثلثة، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقول ابن نافع في رسم الصبرة المذكور من سماع يحيى وهو أولى الأقوال إذ قد قيل في دية العمد إذا قبلت إنها مخمسة مؤجلة على ما في كتاب محمد.
واختلف في صفة التغليظ على ثلاثة أقوال: أحدها - أنه ينظر إلى قيمة أسنان الدية المخمسة وإلى قيمة أسنان الدية المربعة أو المثلثة في ذلك البلد إن كان البلد بلد إبل، وإن لم يكن بلد إبل ففي أقرب بلدان الإبل إليهم قاله أصبغ في الواضحة، فما كان بين القيمتين سمي من قيمة أسنان الدية المخمسة فما كان من خمس أو ربع أو ثلث أو أقل أو أكثر أخذ ذلك الجزء من الألف المثقال أو الاثني عشر ألف درهم فزيد عليه، وهو قوله في هذه الرواية والمشهور في المذهب.
والثاني - أنه يزاد على الألف مثقال أو الاثني عشر ألف درهم ما كان بين القيمتين من العدد من غير تسمية، وهذا القول في المعنى أظهر، والأول أشهر.
والثالث أن يقوم أسنان الدية المثلثة أو أسنان الدية المربعة فتكون تلك الدية ما كانت إلا أن ينقص من الألف دينار أو اثني عشر ألف درهم فلا ينقص من ذلك شيء، وهذا القول حكاه عبد الوهاب وهو ينحو إلى مذهب الشافعي في أن الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل على أسنانها وقت الحكم في كل زمن نقصت من الألف دينار أو زادت عليه، قال: لأن عمر قوم الدية ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم فالحكم أن يقوم في كل زمن.
ولا حجة له فيما روي عن عمر بن الخطاب في ذلك، إذ قد روي أنه قوم الدية، وأنه جعل الدية، وأنه قضى في الدية، وحكم للجراح في التغليظ في الديتين جميعا المربعة والمثلثة حكم الدية الكاملة يؤخذ ذلك من الاختلاف في التغليظ وفي صفته ما ذكرناه في الدية وفي صفته ما ذكرناه في

الدية الكاملة إلا الجائفة والمنقلة والمأمومة وما أشبهها من الجراح التي هي متألف فلا يقتص منها في الأجنبي فيستوي في حكم تغليظها الأب والأجنبي، فلا يغلظ على الأب إلا على القول بوجوب تغليظ دية العمد المربعة وجراحات العمد، فقول سحنون إلا الجائفة والمنقلة والمأمومة فإن الأجنبي لا يقاد منه.
فكذلك الأب والأم والجد لا تغلظ عليهم فيها الدية هو على ما اختاره وأخذ به من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في أنه لا تغليظ على أهل الذهب والورق في دية العمد وجراحاته، والتغليظ عند ابن القاسم وأشهب وأصحابهما فيما صغر من الجراح أو كبر، وقد ذكر عن ابن القاسم أنه قال: إنما ذلك فيما يبلغ ثلث الدية فأكثر، وقول ابن القاسم ليس يكون ذلك في الجراح إلا في الأب يريد والأم، إذ لا يفرق أحد بين الأب والأم في هذا، فعلى ظاهر قوله هذا لا تغلظ الدية في جد ولا جدة خلاف قوله في المدونة إنما تغلظ في الجد يريد والجدة من قبل الأم ومن قبل الأب - والله أعلم - فلا يغلظ على مذهبه في المدونة في الجد للأم ولا في الجدة أم أب الأم والأم أب الأب، وهو قول أشهب، وذهب ابن الماجشون إلى أن الدية تغلظ في الأجداد والجدات كلهم من قبل الأب ومن قبل الأم وهو قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية إن الدية تكون له في ولده وولد ولده، والتغليظ يلزمه في ولده وولد ولده من الرجال والنساء، وقد روى عن ابن القاسم مثل قول ابن الماجشون، وروى عنه أنه توقف في الجد للأم.
والتغليظ تابع للقصاص فمن تغلظ الدية فيهم كلهم فلا يقتص من واحد منهم ألا أن يعمد لقتله مثل أن يضطجعه فيذبحه أو يأخذ سكينا فيقطع يده أو يفقأ عينه، ومن يرى أن لا تغلظ الدية على الجد للأم أو الجدة أم أب الأب أو أم أب الأم فهو يرى القصاص منهم في العمد الذي يشبه العمد وإن لم يعمد للقتل، إذ لا اختلاف في أنه لا يقتص من واحد منهم فيما هو من شبه العمد مثل أن يضربه بعصا فيموت من ذلك، أو بسوط فيفقأ عينه وما أشبه ذلك.

فالديات عند مالك ثلاث مخمسة ومربعة ومثلثة، وعلى ما في كتاب ابن المواز اثنتان مخمسة في الخطأ وفي العمد إذا قبلت الدية مبهمة، ومثلثة في مثل ما فعل المذحجي، وعند الشافعي اثنان مخمسة في دية الخطأ ومثلثة في العمد إذا قبلت وفي شبه العمد، وعند أبي حنيفة اثنتان مخمسة في دية الخطأ ومربعة في شبه العمد وفي العمد إذا قبلت الدية فيه مبهمة، وهذا كله لا مدخل للرأي والقياس في شيء منه، وكل يدعي التوقيف فيما ذهب إليه من ذلك.
ولا يؤخذ في الدية عند مالك وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير والدراهم.
وقد روى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت؟ على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الإبل مائتي حلة، وهو قول عطاء وقتادة وروى ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.

مسألة: الأب إذا قتل ابنه خطأ مع رجلين معه هل ترى له من الدية شيئا

مسألة وسئل مالك عن الأب إذا قتل ابنه خطأ مع رجلين معه هل ترى له من الدية شيئا؟ وكيف إن كان الابن لم يهلك ساعة أصابوه عاش شيئا من النهار ثم هلك وقامت البينة على ذلك وترك ابنه من الورثة أمه وأختيه وعصبته إن لم يرث الأب.
قال مالك: أرى أن يحلف ورثته خمسين يمينا لمات من ذلك ثم تكون الدية عليهم على عاقلة الأب الثلث وعلى عاقلتي الرجلين

ثلثا الثلث على عاقلة كل واحد منهما ثلث الدية، وأرى للأم السدس من الدية كلها وأرى للعصبة والأختين ما على عاقلة الأب بعد سدس الأم وبعد أن يحلفوا، وأرى من الدية للأب ثلثي الدية التي وقعت على عاقلتي الرجلين اللذين شركاه في القتل بعد سدس الأم، وبعد أن يحلف الأب لمات من ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فأبوه من أهله، وأرى إذا لم يأت أهل الميراث جملة أهل الثلث وأهل الثلثين يحلف أهل الثلث الأختان والعصبة خمسين يمينا وأخذوا، ثم جاء الأب بعد ذلك فأرى أيضا أن يحلف خمسين يمينا فيكون سهمان الدية ستة وثلاثون سهما، للأم من ذلك سدس الثلثين اللذين يصيران للأب وهو أربعة أسهم وسدس الثلث أيضا الذي يصير للأختين والعصبة، وهما سهمان فذلك ستة أسهم من ستة وثلاثين للأختين ثلثا الثلث وهو ثمانية وللعصبة ما بقي وهما سهمان وللأب عشرون سهما وهو ما بقي من الثلثين بعد سدس الأم.
ورأيت أن لا يجمع على الأب أمران: مصيبة ابنه، وحرمان عقل ابنه يكون على عاقلة قومه يخرجونها إلى أهله قال الله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فأبوه وورثته من أهله، ولأن ذلك من الخطأ الذي لا شك فيه.
ولو ولي الأب قتله وحده لم يكن له من ديته شيء، قال ولو أنهم قتلوه عمدا قتلتهم به بثلاثتهم الأب والرجلين إذا عمد الأب للقتل متعمدا لذلك قتل به، وأما إذا كان من الضرب والرمية وأشباه

ذلك فإنه لا يقاد منه، وإذا كان مثل ذلك من الناس يرمي الرجلُ الرجل بحجر أو بعصا أو يضربه بذلك فيموت من ذلك فعليه القود ليس حال الأب في هذا كحال غيره.
وتكون الأيمان عليهم على قدر مواريثهم، فمن كان عليه كسر جبرها، قال مالك: وإن علم أنه هلك منه حين وقعت عليه الخشبة لم يتكلم في غمرته حتى هلك لم يكن في ذلك قسامة، قال ابن القاسم: ويحلف الأب على الرجلين لمات ابنه مما صنعا به، ويحلف العصبة والأختان لمات مما فعل الأب، وتحلف الأم أنه مات من فعلهم كلهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة صحيحة جارية على الأصول إلا أن في سياقتها إشكالا يفتقر إلى بسط وبيان، وهو أن دية الخطأ موروثة عن المقتول يرثها ورثته وبستحقونها على عاقلة القاتل بقسامتهم على قدر مواريثهم مع شاهد على القتل أو شاهدين على الجرح إذا حيي بعد ذلك حياة بينة، فإن كان القاتل من الورثة لم يرث منها ولا أقسم فيها، لأن القاتل الخطأ لا ميراث له من لدية، فإذا قتل الرجل ابنه خطأ مع رجلين سواه فلا ميراث له في ثلث ديته الواجبة على عاقلته بما شاركه في قتله، وله ميراثه في ثلثي الدية الواجبة على عاقلتي الرجلين المشاركين له في قتله، فثلث الدية الواجبة على عاقلة الأب ميراث لأمه ولأخته ولعصبته، لأمه السدس، ولأخته الثلث، ولعصبته النصف بعد أن يقسموا خمسين يمينا لمات من الجرح الذي أصابه به الأب تكون على العصبة منها خمسة وعشرون يمينا لأن لهم نصف الميراث، وعلى الأم ثمانية أيمان، وعلى الأختين ستة عشر يمينا ويجبر اليمين الباقية على أكثرهم حظا منها أو من الأيمان فإن جاءت الأختان والعصبة دون الأم لم يكن لهم أن يأخذوا حظهم من الدية إلا أن يحلفوا خمسين يمينا على ما قاله في الرواية من أن الأختين والعصبة يحلفون خمسين يمينا وثلثا

الدية للذان على عاقلتي الرجلين ميراث لأبيه وأمه لأمه السدس ولأبيه الباقي بعد أن يقسما خمسين يمينا لمات من الجرح الذي أصابه به الرجلان، تكون على الأم منها سدس الأيمان، وعلى الأب الباقي منها، فتحلف الأم ثمانية أيمان ويحلف الأب إحدى وأربعين يمينا، وتجبر عليه اليمين الباقية من الخمسين فسواء جاؤوا مجتمعين أو متفرقين لا بد أن تحلف الأم مع الأب خمسين يمينا لمات مما أصابه به الرجلان، وتحلف الأم مع الأختين والعصبة خمسين يمينا لمات مما أصابه به الأب.
وما في ظاهر أول المسألة من التفرقة بين أن يجيء أهل الثلث وأهل الثلثين جميعا أو مفترقين يقضي عليه ما في آخر المسألة.
وقول ابن القاسم: إن الأب يحلف على خلاف ما يحلف عليه العصبة والأختان وقوله وتحلف الأم أنه مات من فعلهم كلهم معناه أنها تحلف مع العصبة والأختين سدس الخمسين يمينا كما يحلفون، وتحلف مع الأب سدس الخمسين يمينا أيضا كما يحلف، لأنها تحلف سدس الأيمان مرة واحدة أنه مات من فعلهم كلهم.
وقوله من كان عليه كسر جبرها الظاهر منه أن اليمين المنكسرة تجبر على من كان حظه منها أكثر وهو الذي في الديات من المدونة، وفي الموطأ رواية يحيى أنها تجبر على من كان عليه أكثر الأيمان، وفي رواية ابن القاسم وابن بكير مثل ما في المدونة، فإن استوى الورثة في الميراث فانكسرت عليهم يمين أو أيمان مثل أن يكونوا ثلاثين من الإخوة؛ فيجب على كل واحد منهم من الأيمان يمين وثلثا يمين، فقيل إنه يجبر اليمين المنكسرة على كل واحد منهم فيحلفون يمينين يمنين، وهو قول ابن القاسم، وقيل يحلفون يمينا يمينا ويقال لهم: لا بد من أن تأتوا بعشرين رجلا منكم يحلفون يمينا يمينًا، وهو قول أشهب

فإن تشاحوا على قوله فيمن يحلف منهم، فقيل: إنه يقرع بينهم وقيل: إنه يقال لهم لا تعطون شيئا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان، وهو قول ابن كنانة، وإن كان عدد العصبة أكثر من خمسين حلفوا كلهم يمينا يمينا على مذهب ابن القاسم، وعلى مذهب أشهب يقال لهم: لا بد من أن تأتوا بخمسين منكم يحلفون يمينا يمينا فإن تشاحوا في ذلك فعلى ما تقدم من الإسهام بينهم فيمن يحلف منهم، أو من أن يقال لهم لا تعطون شيئا حتى تأتوا منكم بخمسين يحلف كل واحد منهم يمينا يمينا، ولو كان الأخوة ثلاثة لحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا على مذهب ابن القاسم، وعلى مذهب أشهب يحلف كل واحد منهم ستة عشر يمينا، ويقال لهم: لا بد من أن تأتوا برجلين منكم يحلفان يمينا يمينا، فإن كان الورثة زوجات وبنات وأخوات وما أشبه ذلك من أهل السهام فلا يختلف ابن القاسم وأشهب في قسم الأيمان بين الزوجات والبنات والأخوات على سهام الميراث، وإنما يختلفان فيما حصل على كل فريق منهن من الأيمان إذا قسمت عليهن على ما تقدم من الاختلاف في قسمة الأيمان بين الإخوة وبالله التوفيق.

مسألة: عبيد وأحرار وقعت عليهم الدية خطأ

مسألة وسئل مالك عن عبيد وأحرار وقعت عليهم الدية خطأ فكان ما على العبيد من ذلك الثلثين وكان على الأحرار الثلث أو أدنى كيف الأمر في ذلك؟.
فقال: يقال لأرباب العبيد افتدروا عبيدكم بما يقع عليهم من الدية في ثلاث سنين أو أسلموهم فأي ذلك شاءوا فعلوا، قال سحنون: ويكون الثلث الذي وقع على الأحرار على عواقلهم في ثلاث سنين، وإن كان الذي وقع عليهم أقل من ثلث الدية فهو على العاقلة في ثلاث سنين، قال ابن القاسم: وإذا كانوا ثلاثة أو أكثر

فوقع عليهم ثلاثتهم ثلث الدية فيصير على كل إنسان ثلث الثلث من الدية وهو تسع الدية، فذلك تحمله العاقلة، قال: ولم يكن الأحرار إلا واحدا فوقع عليهم أكثر من الثلث أو أقل فهو على العاقلة في ثلاث سنين، وكان على العبيد ما بقي منها، يقال لأربابهم افتدوهم بما يقع عليهم من الدية في ثلاث سنين أو أسلموهم أي ذلك شاءوا فعلوا.
ويقسم ما يقع على العبيد على عددهم ولا يكون ذلك على قيمتهم فمن شاء من أرباب العبيد أن يفدي عبده بما يقع عليه من الدية وإن كانت قيمته أكثر مما وقع عليه فذلك له، ومن شاء منهم أن يسلمه بما وقع عليه وإن كانت قيمته أقل مما يقع عليه فذلك له.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن ما وقع على الأحرار من ثلث الدية فأكثر يكون على عواقلهم وإن كان أقل من الثلث هو خلاف روايته عن مالك مثل رواية أشهب عنه، حكى اختلاف قوله في ذلك ابن المواز، قال إن وقع على الأحرار أقل من ثلث الدية فذلك في أموالهم، قاله مالك مرة وروى عنه أن ذلك على العاقلة في ثلاث سنين، وبه قال سحنون، قال يحيى بن عمر: والأول رواية ابن القاسم والقولة الأخيرة رواها أشهب.
ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه القول بأن ذلك على العاقلة القياس على ما أجمعوا عليه من أن الدية إذا وجبت على جماعة من الأحرار أنها على عواقلهم، وإن كان الذي يجب على كل واحد منهم أقل من ثلثها، ووجه القول بأن ذلك في أموالهم هو أن الأصل كان أن لا يحمل أحد جناية أحد لقوله عز وجل: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] .

وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأبي رمثة في ابنه: «لا تجني عليه ولا يجني عليك» فوجب أن لا يخصص من هذا العموم إلا ما خصصته السنة والإجماع، وهو الثلث من الدية فأكثر إذا وقع على الواحد من الأحرار أو الجماعة منهم لأنهم في معنى الواحد لاستوائهم فيما يجب عليهم في ذلك.
وقوله ما وقع على العبيد منها يكون أربابهم بالخيار بين أن يفتدوهم بذلك في ثلاث سنين أو يسلموهم به هو خلاف روايته عن مالك في المدونة في الحر والعبد يصطدمان فيموتان جميعا إن ثمن العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة العبد، فإن كان في ثمن العبد فضل عن دية الحر كان في مال الحر وإلا لم يكن لسيد العبد شيء، والذي يأتي في الحر والعبد يصطدمان على قول ابن القاسم في هذه الرواية ما قاله أصبغ في أول نوازله بعد هذا من هذا الكتاب أنه يكون في مال الحر قيمة العبد تدفع إلى سيده ثم يقال لسيد العبد افتك قيمته بدية الحر أو أَسْلِمْها، فإن أسلمها لم يكن لولاة الحر غيرها، وإن افتداها افتداها بجميع الدية، معناه في ثلاث سنين، إذ لو لم تكن مؤجلة لوجب أن يكون مقاصة بالقيمة كما قال في المدونة، والأظهر أن يكون مؤجلة على ما قاله في هذه الرواية، لأن ثمن المقتول خطأ دية مؤجلة فوجب أن لا يلزم السيد أكثر مما جنى عبده.

: تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف

ومن كتاب القبلة وقال مالك في الذين تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف.

قال: كل من عرضت عليه اليمين: فأباها فقد أبطل حقه بتركه اليمين إلا أن يكون له في تركها عذر بين، قال سحنون: يريد بالعذر مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا.
قال محمد بن رشد: لما سئل مالك عن الذين تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف أجاب عن ذلك بجواب عام في الحقوق والدماء أن كل من عرضت عليه اليمين فأباها فقد أبطل حقه بترك اليمين إلا أن يكون له في تركها عذر بين ففسر سحنون العذر الذي يكون له في الحقوق فقال: يريد بالعذر مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا، وقول سحنون بين لأنه إذا أبى أن يحلف مع شاهده على حق يدعيه على الميت من أجل أنه قيل له إنه أوصى لغيره بوصايا ثم علم أنه ليس على الميت دين ولا أوصى به بوصايا فمن حقه أن يرجع إلى اليمين، لأنه يقول: إنما نكلت عنها من أجل محاصة الغرماء لي في الدين أو من أجل محاصة أصحاب الوصايا لي في الوصية، وأما العذر الذي يكون لهم في نكولهم عن القسامة فعلى غير هذا لأن الدم إذا كان خطأ فإنما يستوجب الورثة بقسامتهم الدية على العاقلة، وإن كان عمدا فإنما يستوجب الأولياء بقسامتهم الاستقادة من المقتول.
وقوله: إن لهم أن يرجعوا إلى القسامة إن كان لهم عذر يتبين به أن نكولهم عن القسامة لم يكن على وجه العفو في العمد ولا على ترك حقهم من الدية الخطأ؛ ينبغي أن يحمل على التفسير لما في كتاب الديات من المدونة.
ولابن نافع في المدنية ما ظاهره أن من نكل عن اليمين فله أن يرجع إليها ما لم يرد اليمين على المطلوب، ويلزم في القسامة مثل هذا على ظاهر قوله، ولا اختلاف إذا نكل عن اليمين مع شاهده، وردها على المطلوب أو نكل المطلوب عن اليمين إذا لم يكن للطالب شاهد فردها على الطالب أن ليس لواحد منهما أن يرجع إلى اليمين، ومثل هذا يقال في المقاسمة إنهم إذا

نكلوا عنها فردوا الأيمان فيها لم يكن لهم أن يرجعوا إليها باتفاق، وسيأتي في أول رسم من سماع عيسى تحصيل الاختلاف على من ترجع الأيمان في القسامة إذا ردت في العمد والخطأ، وفي أي موضع ترجع باتفاق وعلى اختلاف إن شاء الله تعالى.
ولو نكلوا في القسامة عن الأيمان فردوها على المدعى عليهم فحلفوا فوجد الطالبون بينة تشهد لهم على القتل لجرى ذلك على الاختلاف في الذي ينكل عن اليمين مع شاهده فيرد اليمين على المطلوب فيحلف ثم يجد شاهدا آخر أو شهودا على حقه، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك في أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى من كتاب الشهادات.

مسألة: مات المحبوس في دم العمد

مسألة قال مالك: من حبس في قتل خطأ أو عمد ثم مات قبل أن يقسم عليه إنه يبطل العمد ولا يقام عليه ولا يبطل الخطأ يقسمون ويأخذون الدية، وقد قيل لا يحبس أحد بقتل الخطأ.
قال محمد بن رشد: قوله إذا مات المحبوس في دم العمد إنه يبطل ولا يقام عليه يريد أنه لا يقام عليه حكمه من أخذ الدية من ماله بعد القسامة عليه، وأما القصاص فيستحيل أن يقام عليه بعد موته فلا معنى لقوله إنه لا يقام عليه إلا ما ذكرته، وهذا عندي على القول بأنه ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية من القاتل شاء أو أبى، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأما على القول بأن من حقه أن يأخذ الدية منه شاء أو أبى وهو قول أشهب وأحد قولي مالك على ما ثبت من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودي، وإما أن يقاد» فلا يبطل الدم بموته قبل القسامة ويكون من حق الأولياء أن يقسموا بعد موته فيستحقون الدية في ماله.
وأما الدم الخطأ فلا إشكال ولا اختلاف في أنه لا يبطل بموت القاتل

قبل القسامة عليه، إذ الحق في ذلك إنما هو على عاقلته، وهو كرجل منهم فيما يلزمهم فيؤخذ من ماله بعد موته ما يلزمه من ذلك.
وأما قوله: "وقد قيل إنه لا يحبس أحد في قتل الخطأ" فليس ذلك باختلاف من القول، ومعناه أنه لا يحبس فيه إذا كان مشهور العين فلم يحتج إلى الشهادة على عينه، وأما إذا لم يكن مشهور العين فإنه يحبس حتى يشهد على عينه قال ذلك سحنون، وقوله صحيح ولا يبريه من الحبس هاهنا إلا حميل بوجهه ملي بالدية إن لم يحضره وبالله التوفيق.

: غر الرجل الهابط في البئر بإمساكه أحد الحبلين اللذين تأمر بهما في البئر

ومن كتاب أوله باع سلعة سماها وسئل عن رجل ربط رجلا بحبل ودلاه في بئر وربط حبلا آخر في خشبة فتدلى الرجل في البئر لموضع حمام يطلبه فانقطع الحبل الذي في الخشبة فخر هابطا فخشي الرجل أن يذهب به معه في البئر فخلى سبيل الحبل أترى عليه الدية؟ قال: نعم ولا أراه يشبه السفينة وسئل عن ثلاثة مراكب أصابتهم الريح فأتى أحدهم فربط مركبه بصخرة ثم أتى الآخر فربط بتلك الصخر، ثم أتى الآخر بعده فوضع قلعة قبل أن يبلغهما ثم نزل رجلان منهما بحبلين إلى المركبين فسأل أحدهما أن يربط له مركبه بحبله وأبى وقالوا: إنا نخاف الغرق، ثم سأل الآخر فأبى، ثم كلموهم، فقال صاحب المركب: اللهم إني إنما أربطه لك فجره المركب الذي كان في الغرق حتى كادوا أن يغرقوا فلما رأوا ذلك سرحوا المركب فذهب وغرق كل من كان فيه، أترى على الذين سرحوه شيئا.

قال: ما أرى ذلك، قد أرادوا خيرا حتى خافوا الهلاك فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي ربط الرجل في حبل ودلاه في بئر فلما انقطع الحبل الآخر الذي ربطه في الخشبة فخشي أن يذهب معه فخلى سبيل الحبل فمات؛ إن عليه الدية ولا يشبه السفينة يريد بالسفينة المسألة التي ذكر بعدها، والفرق بينهما بين لأن هذا غر الرجل الهابط في البئر بإمساكه أحد الحبلين اللذين تأمر بهما في البئر، فوجب عليه الضمان بتسريحه الحبل بما زعم من أنه خافه على نفسه والدية في هذا عليه في ماله ليس على العاقلة، لأن فيه شبهة من العمد، وأما صاحب المركب الذي ربط بمركبه المركب الذي كان في الغرق فلم يغره بما فعل، وإنما فعل ما فعل لله تعالى رجاء أن ينجيه من الغرق فلما خشي أن يذهب مركبه سرحه فلم يكن عليه شيء إذ لو لم يربطه بمركبه ابتداء لغرق كما غرق، فلم يضره ربطه بمركبه وبالله التوفيق.

مسألة: يحمل ابنه في المركب ولم يستأذن أمه فيه فغرق

مسألة وسئل عن عبد تزوج حرة فولدت غلاما وكبر حتى بلغ نحوا من عشر سنين أو قريبا منها وكان يسكن القلزم فركب البحر يريد الحجاز، فيحمل ابنه في المركب ولم يستأذن أمه فيه فغرق المركب فغرق الغلام ونجا أبوه فقامت أمه وأولياء أمه يتكلمون في ذلك ويريدون أخذ العبد فيما حمل ابنه في المركب.
فقال مالك: لا أرى عليه في ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إذ لم يمت في البحر بجناية من أبيه عليه في ذلك، لأن الله تعالى قد أباح ركوبه بدليل قوله:

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22] . لأنه يبعد أن لعدد الله من نعمه على عباده ما حظره عليهم، فإنما فعل أبوه ما يجوز له، فوجب أن لا يكون بذلك جانيا عليه، وبالله التوفيق.

: صالح في دم على أن يعطي في كل سنة كذا وكذا وكان شرطه أن يعطاها جملة

ومن كتاب شك في طوافه وسئل مالك عن رجل صالح في دم على أن يعطي في كل سنة كذا وكذا وكان شرطه أن يعطاها جملة، قال الذي عليه الإبل: آتيك بها رسلا رسلا يتبع بعضها بعضا، قال الآخر الذي له الإبل: أنا على شرطي أن لا آخذها إلا جملة واحدة.
قال مالك: ما أرى بأسا يأخذها كما قال رسلا رسلا، فرد عليه فرأى أن يعمل به، قيل له إنما شرط عليه في سنة ولم يسمها في شهر منها، قال: أرى أن يعطيه في وسطها يعني السنة.
قال محمد بن رشد: إنما وقع في الذي صالح في الدم على أن يعطى كذا وكذا من الإبل في كل سنة جملة فأراد الذي عليه الابل أن يأتي بها رسلا رسلا يتبع بعضها بعضا إن ذلك له لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] فرأى أن من الاتباع بالمعروف والأداء بإحسان الذي أمر الله تعالى به ما دعا إليه الذي عليه الإبل أن يأتي بها رسلا رسلا، وإذا كان من حق الذي عليه الحق إذا حل عليه الحق وأعسر به يؤجل فيه بالاجتهاد على ما مضى في أول سماع ابن القاسم من

كتاب المكاتب كان أحرى أن يكون الذي عليه الإبل في هذه المسألة ما دعا إليه من أن يأتي بالإبل رسلا رسلا.
وقوله ما أرى بأسا أن يأخذها كما قال رسلا رسلا معناه لا أرى بأسا بالقضاء بذلك إذ لا إشكال في أنه لا بأس أن يأخذها رسلا رسلا، ولو كان من حقه أن يأخذها جملة واحدة.
وأما قوله: "إنه يعطيه إياها في وسط السنة" إذ لم يسم أولها ولا أخرها ففيه دليل على أن من باع من رجل بيعا على أن يقضيه الثمن في شهر كذا أو في سنة كذا أنه بيع جائز ويحل عليه الثمن في وسط الشهر أو في وسط السنة خلاف ما يروى عن ابن لبابة من أنه قال: البيع على هذا فاسد لأنه أجل مجهول، وقد أجاز في المدونة وغيرها البيع إلى الحصاد والجداد وجعله أجلا معلوما يحل على المشتري في عظم الحصاد والجداد، وكذلك لو باعه على أن يحل عليه الثمن في الحصاد والجداد، فسواء باعه على أن يؤدي إليه في الحصاد والجداد في عظمى الحصاد والجداد إذ ليس لأول الحصاد والجداد من آخره حد معلوم محصور فيحمل في الوجهين جميعا على عظمه، بخلاف الشهر إذا باعه على أن يعطيه الثمن في شهر كذا جاز البيع وحل عليه الثمن في وسطه بدليل هذه الرواية من جهة المعنى أن الشهر لما كان أوله من آخره معلوما كان وسطه معروفا يقضى بحلول الثمن عنده، وإذا باعه إلى شهر كذا وكذا حل عليه الثمن بحلوله لأن إلى غاية وهذا بين والحمد لله.

مسألة: المباشر للقتل خطأ لا يكون الدية عليه

مسألة وسئل عن الرجل يحمل الغلام على دابته ابن اثنتي عشرة سنة إلى الماء يسقيها أو حيازة يخرج إليها وما أشبه ذلك فيصاب.
قال: أرى إن اتبع كان ذلك عليه، قلت له: فالرجل يأمر يتيما عنده أو ابن أخيه يركب دابته؟ قال: أراه مثله إن اتبع كان

ضامنا له، قلت: أتراه على العاقلة؟ قال: نعم، قال مالك: وعندنا قوم يأمرون الغلمان أن يرقوا النخل فيصاب أحدهم فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء أنه خطأ والدية فيه على العاقلة، وهو كما قال، لأنه إذا كان المباشر للقتل خطأ لا يكون الدية عليه وتكون على العاقلة كان هذا أحرى أن تكون الدية فيه على العاقلة، وذلك عندي بخلاف الذي دلى الرجل في البئر بالحبل ثم أرسله لما خشي على نفسه على ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا ولو وطئ الصبي بالدابة على رجل لكانت ديته على عاقلة الصبي قال في المدونة: ولا ترجع عاقلة الصبي على عاقلة الرجل، وقال أشهب إنها ترجع عليه وبالله التوفيق.

: الأم أحق بالقيام بالدم من العصبة

ومن كتاب الشجرة وسئل مالك عن رجل ضربه رجلان فادعى الرجل، وذكر أن فلانا وفلانا ضرباه، وأن أحدهما لم يجرحه والآخر هو الذي جرحه وقتله، فحبسا فصالح أولياء الضارب الذي ادعى عليه بالقتل أولياء المقتول على ثلثي الدية، وكانت له أم فقال أولياء القاتل كيف أصالحكم وتم أمه؟ فقال أولياء المقتول صالحونا ونحن نبريكم من أمه، ففعلوا فأتوا الأم فأبت أن تصالح أو تعفو إلا أن يتموا الدية أو يقوم بالدم.
قال: ذلك لها، قيل له: فلا ينفع صلح الأولياء؟ قال: لا، قيل له: فإن الأم قد ماتت؟ قال: فورثتها يقومون بالذي كان لها من ذلك، إن شاءوا صالحوا وإن شاءوا قاموا بالدم ولا ينفع ما صالح عليه الأولياء.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن صلح الأولياء بما صالحوا عليه به من ثلثي الدية إنما كان بعد أن أقسموا واستحقوا الدم بقسامتهم، ولو كان صلحهم قبل أن يقسموا لم يكن للأم في ذلك كلام بوجه، إذ لا سبيل إلى قتل دون قسامة.
وقوله: "إن الأم أحق بالقيام بالدم من العصبة وإن كان الدم" إنما ثبت بقسامتهم هو مذهبه في المدونة أن الدم سواء ثبت ببينة أو بقسامة إذا كان الأولياء بنات وإخوة وأخوات وعصبة أو أما وعصبة فمن قام بالدم من البنات والإخوة أو الأخوات والعصبة أو الأم والعصبة فهو أحق فمن عفا ولا عفو إلا بالاجتماع منهم على العفو.
وفي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - هذا وهو مذهبه في المدونة.
والثاني - أن هذا إنما يكون إذا ثبت الدم ببينة، وأما إذا ثبت بقسامة العصبة فلا حق للنساء معهم في عفو ولا قيام لأنهم هم الذين استحقوا الدم بقسامتهم، وهو قول ابن القاسم ومذهبه في رسم الجواب من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب.
والثالث - أنه إن ثبت الدم ببينة فالنساء أحق بالعفو والقود من العصبة لأنهن أقرب منهم، فلا حق للعصبة معهن إذا لم يثبت الدم بقسامتهم، ولو ثبت بقسامتهم فمن قام بالدم كان أحق به ولا عفو إلا باجتماعهم والله الموفق.

مسألة: القسامة لا تكون فيمن قتل بين الصفين

مسألة وسئل عن رجل كان بينه وبين رجلين قتال فأتي وبه أثر ضرب وجراح فزعم أن فلانا وفلان قتلاه، وأنه قد أثر فيهما في مواضع سماها، وأنهما اللذان عملا به هذا، فأقام نحوا من يومين حيا ثم مات.
قال مالك: أرى أن يسجنا حتى يكشف أمرهما وإنه ليستحب

في مثل هذا أن يصطلحوا فأما القصاص في مثل هذا فلا أعلمه.
قال محمد بن رشد: إنما استحب في هذا الصلح بعد الكشف فيه والبحث ولم ير القصاص فيه بالقسامة وإن كان مذهبه أن قول المقتول دمي عند فلان لوث يوجب القسامة والقود من أجل ما ذكره من أنه قاتلهما فأثر فيهما فدل ذلك على أنه أراد قتلهما كما أرادا قتله فاتهمه - في تدميته عليهما من أجل ذلك، وقد روي عنه أنه لا قسامة فيمن قتل بين الصفين، فقيل معنى ذلك بالتدمية من أجل أنهم تقاتلوا على زحل وعداوة، فلم يقبل تدمية من دمى من أحد الطائفتين على أحد من الطائفة الأخرى من أجل ما بينهم من الزحل والعداوة، وهذا أحرى لظهور العداوة بين المدمي والمدمى عليهما بأعيانهما، وقيل معنى قوله إنه لا قسامة فيمن قتل بين الصفين بحال إلا بقول المقتول ولا بشاهد على القتل، وهو قول ابن القاسم من رواية سحنون عنه في رسم الجواب من سماع عيسى من هذا الكتاب، وقيل معنى قوله: إنه لا قسامة بينهم بدعوى أولياء المقتول على الطائفة التي نازعت طائفته، وأما إذا دمى المقتول على واحد منهم أو شهد عليه بالقتل شاهد واحد فالقسامة في ذلك واجبة، وهو قول ابن القاسم أيضا من رواية عيسى عنه في رسم الجواب المذكور، وقول مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الواضحة وقول أشهب في المجموعة، قال: لأن كونه بين الصفين لم يزد دعواه إلا قوة، قال ابن المواز: وإلى هذا رجع ابن القاسم بعد أن كان يقول لا قسامة فيمن قتل بين الصفين بدعوى المقتول ولا بشاهد، ويحتمل أن يريد بقوله ولا بشاهد إذا كان الشاهد من طائفة المدمي؛ لأنه لا تجوز شهادة أحد من إحدى الطائفتين على أحد من الطائفة الأخرى، وإذا كان من إحدى الطائفتين على ما حكى ابن حبيب في الواضحة من أنه إذا جرح أحد منهم فعقل جرحه على الطائفة التي نازعته، وليس له أن يقتص من أحد بقوله إلا أن يكون له شاهد على ذلك من غير الطائفتين، فيحلف مع شاهده من غير الطائفتين، وأما مع شاهد من طائفة القاتل فيجري ذلك على الاختلاف في القسامة مع الشاهد الذي ليس بعدل، وأما مع شاهد من طائفة المقتول فلا

إشكال في أن القسامة لا تكون معه، وقد قال ابن المواز في قول ابن القاسم إنه لا قسامة فيمن قتل بين الصفين بقول المقتول ولا بشاهد على القتل أنه خطأ؛ لأنه حمل قوله على ظاهره من أن القسامة لا تكون فيمن قتل بين الصفين بحال وإن كان الشاهد الذي شهد على القتل من غير الطائفتين، وتأويل قوله أولى من تخطئته وبالله التوفيق.

: الدية على العاقلة

ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك عن صبيين رمى أحدهما صاحبه بحجر؛ فنزي في رميته، فمات، فضمن عمه الدية عنه، ثم رفع ذلك إلى السلطان فقال له السلطان: ليس ذلك عليك، وإنما ذلك على العاقلة وإن عمد الصبي خطأ فضمن ذلك العاقلة وكتب بذلك كتابا إلى السلطان الذي في ناحيتهم فضمنهم ذلك وأخذ منهم أول نجم والثاني، ثم إن عاقلة صاحب الغلام لقوا الرجل الذي كان ضمن لهم عم الغلام بعد أخذهم نحوا من ثلثي العقل.
قال مالك: ليس ذلك لهم إذا كانوا قد رضوا واقتضوا فلا أرى شيئا يلزمك وليس عليك شيء.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة ثم إن عاقلة صاحب الغلام لقوا الرجل الذي كان ضمن لهم عم الغلام كلام فيه التباس؛ لأنه عبر عن الورثة بالعاقلة تجاوزا أو أضمر وقدم وأخر، ووجه الكلام أن يقول ثم إن ورثة الغلام المقتول صاحب الغلام القاتل لقوا الرجل عم الغلام القاتل الذي كان ضمن لهم، والمسألة فيها نظر؛ لأن الأمر إذا رفع إلى السلطان فحكم بإسقاط الضمان عن العم وألزم العاقلة الدية وكتب بذلك كتابا إلى السلطان الذي في ناحيتهم فقد لزم الورثة اتباع العاقلة؛ وسقط طلبهم عن العم، لأن الحكم قد

فسخ الضمان عنه وإن لم يرضوا ولا قبضوا لأنه حكم يلزمهم فالمعنى إنما هو أن العم هو الذي رفع الأمر إلى السلطان، وقال له: إني ضمنت الدية عن ابن أخي وأنا أظن أنها لازمة له، فقال له: ليس ذلك عليك لأنها إنما تجب على العاقلة، فضمن العاقلة إياها وكتب بذلك كتابا إلى السلطان الذي من ناحيتهم دون أن يحضر ورثة المقتول وتسمع حجتهم، فإن لم يقروا له بما ادعا من أنه ظن أنها كانت لازمة لابن أخيه استحلفه على ذلك، ونفذ حكمه بإسقاط الطلب عنه وتضمين العاقلة للدية، فلما قصر في ذلك بقي الورثة على حجتهم، وكان لهم اتباع العم بما ضمن لهم إلا أن يبين رضاهم باتباع العاقلة وإسقاط طلبهم للعم بقبض بعض النجوم من العاقلة كما قال في الرواية، ولو لم يرضوا ولا قبضوا من النجوم ما يتبين به رضاهم لكان من حقهم أخذ العم بما ضمن لهم.
إلا أن يقول لم أعلم أن الدية على العاقلة وظننت أنها على ابن أخي فيكون القول قوله في ذلك مع يمينه إذا كان يشبه أن يجهل ذلك، لأنه محمول على غير العلم حتى يثبت عليه العلم، أو يكون ممن لا يجهل مثل هذا على ظاهر الرواية وما في كتاب الصلح من المدونة، وقد قال ابن المواز: يلزمه ما ضمن حتى يعرف أنه جهل وظن أن الدية على ابن أخيه، قال ابن المواز: وأما إذا رد ذلك على العاقلة فقد لزمهم، والذي قاله ابن المواز صحيح إذا ردت الدية على العاقلة بحكم تام صحيح، وأما إذا لم يتم الحكم على وجهه فما قاله في الرواية من أن الورثة لا يلزمهم اتباع العاقلة إلا أن يرضوا بين على ما بيناه وكذلك لو حملت العاقلة شيئا ظنت أنه يلزمها ثم رجعوا فلهم الرجوع ما لم يطل الأمر بعد الدفع السنين الكثيرة التي يرى فيها أن قد علموا ذلك، قاله في كتاب ابن المواز والله الموفق.

: الحدود التي تدرأ بالشبهات لا يسجن المدعي عليه فيها لمجرد الدعوى

ومن كتاب تأخير صلاة العشاء وسئل مالك عن امرأة نزل بها رجل، فمات، فجاءت، فاتهمت به فجاء وليه يسأل مالكا عن ذلك ويتهمها ويقول إني اتهمتها بوجه لا أستطيع بته.
قال مالك: أرى أن يكشف أمرها فإن كانت غير متهمة لم أر أن تحبس يوما واحدا ويخلى سبيلها، فقيل له أتهدد؟ فقال: لا أرى ذلك إذا كانت غير متهمة، قال ابن القاسم: فإن كانت متهمة حبست ولم يعجل تسريحها لعلها لا يعثر عليها بشيء، فإن لم يوجد شيء وطال حبسها استحلفت خمسين يمينا وخلي سبيلها.
قال محمد بن رشد: ذهب بعض أهل النظر إلى أن رواية ابن القاسم عن مالك في هذه الرواية فإن كانت غير متهمة لم أر أن تحبس يوما واحدا مثل قوله في المدونة في الذي يدعي قبل الرجل حدا من الحدود فيقدمه إلى القاضي، ويقول بينتي حاضرة أجيك بها غدا أو العشية إن ذلك إن كان قرينا أوفقه ولم يحبسه إن رأى لذلك وجها وكان أمرا قريبا خلاف قوله في سماع عبد الملك بن الحسن بعد هذا من هذا الكتاب: إن غير المتهم لا يحبس في الدم إلا الأمر القريب اليوم واليومين والثلاثة، والذي أقول به أن ذلك ليس باختلاف من القول، والفرق بين هذه المسألة وبين مسألة سماع عبد الملك أن الطالب في مسألة عبد الملك ذكر أن له بينة على ما ادعاه عليه من القتل وسأل أن يحبس حتى يأتي ببينة، ولم يسأل ذلك الطالب في هذه المسألة، ولو سأل ذلك لكان من حقه أن يحبس اليوم واليومين والثلاثة كما قال ابن القاسم في سماع عبد الملك، لأن الدم شديد يلزم فيه من الشدة والأخذ بالشبهة ما لا يلزم في غيره، وإنما لم ير في مسألة المدونة على المدعي عليه السجن بمجرد الدعوى، وإن قال الطالب: إن له بينة على دعواه لأنه إنما سأله على

الحدود لا على القتل، والحدود بخلاف القتل؛ لأنها تدرأ بالشبهات فالحدود التي تدرأ بالشبهات لا يسجن المدعي عليه فيها لمجرد الدعوى على ما قاله في المدونة، والقتل بخلاف ذلك إذا قال المدعي: إن له بينة على دعواه حبس بمجرد الدعوى اليوم واليومين والثلاثة إن لم يتهم، وإن كان من أهل التهم حبس الشهر ونحوه، وإن قويت عليه التهمة بما أشبه به عليه معالم يتحقق تحققا يوجب القسامة حبس الحبس الطويل، قال ابن حبيب في الواضحة: حتى يتبين براءته أو يأتي عليه السنون الكثيرة، قال مالك: ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والشبهة حتى إن أهله ليتمنون له الموت من طول حبسه، ويحتمل أن يقول: إنه إن كان المدعي عليه القتل ممن لا تقع عليه التهمة للمعرفة بحاله لم يسجن بمجرد الدعوى، وإن ادعى الطالب أن له بينة على ما ادعاه على ما قاله مالك في هذه الرواية، وإن كان المدعي عليه القتل ممن لا تقع عليه التهمة للجهل بحاله سجن بمجرد الدعوى اليوم واليومين والثلاثة إذا ادعى الطالب أن له بينة على دعواه على ما قاله في سماع عبد الملك، فهذا وجه يمكن أن يفرق به بين المسألتين ولا يجعل ذلك اختلافا من القول، ويحتمل أن يفرق بين هذه الرواية وبين ما في سماع عبد الملك أنه لم يحقق الدعوى في هذه الرواية وحققه في سماع عبد الملك.
وفي قوله في الرواية إنها لا تهدد إذا كانت غير متهمة دليل على أنها تهدد إذا كانت متهمة، والوجه في ذلك أنها قد تقر إذا هددت فتتمادى على الإقرار بعد ذلك وهي آمنة فتؤخذ به ما لم ترجع عنه، إذ لا يلزمها الإقرار بالتهديد.
وقوله في المتهمة: إنها تستحلف خمسين يمينا ويخلى سبيلها إذا طال حبسها.
مثله في سماع أبي زيد وهو مبين لما سكت عنه من ذلك في سماع عبد الملك وبالله التوفيق.

: الكفارة على الأم التي سقت ابنها الدواء فشرق به فمات

ومن كتاب البز وسئل مالك عن امرأة يكون لها الصبي فتصيبه القروح في حلقه فتسقيه أمه الدواء فيشرق به فيموت أترى عليها كفارة؟ فقال: لا، ثم قال أما أن أراه واجبا عليها أو قضاء عليها فلا، وكذلك الطبيب مثلها يسقي الدواء الرجل فيموت، فلا أرى عليه شيئا، وإن كانا موسرين، فإذا أرادا أن يفعلا ذلك من غير أن رآه عليهما واجبا فهو حسن.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير الكفارة واجبة على الأم التي سقت ابنها الدواء فشرق به فمات؛ لأنها فعلت ما يجوز لها من سقيها إياه الدواء فلا فرق بين أن يشرق به فيموت أو بالطعام الذي تطعمه إياه أو بالماء تسقيه إياه.
ولو أخطأت عليه فسقته دواء لا يوافقه فمات منه لوجبت عليها الكفارة، وكذلك الطبيب إذا أخطأ على المريض فسقاه ما لا يوافق مرضه فمات لكانت عليه الكفارة، بخلاف إذا سقاه ما يوافق مرضه فمات، لأنه إذا سقاه ما يوافق مرضه فمات لم يخط كما لم تخط المرأة على ولدها في سقيها إياه الدواء الذي شرق به فمات.
والدية تابعة للكفارة تجب على العاقلة في المكان الذي تجب فيه الكفارة وتسقط في المكان الذي تسقط فيه الكفارة، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفيا في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وتأتي المسألة أيضا في رسم المجالس من سماع أصبغ من هذا الكتاب وبالله التوفيق.

: الحمل الذي يسقط على الجارية

ومن كتاب باع غلاما وسئل مالك عن الحمل الذي يسقط على الجارية، قال: أراه ضامنا على الجمال إذا كان حرا فعليه، وإن كان مملوكا كان ذلك في رقبته إلا أن يفديه سيده بقيمتها.
قال محمد بن رشد: يريد مسألة المدونة في الجمال الذي حمل على بعير عدلين فسار بهما وسقط الزقاق فانقطع الحبل فسقط أحد العدلين على جارية فقتلها والحمل لغيره ولكنه أجير حمال.
قال مالك: أراه ضامنا ولا شيء على صاحب البعير فبين هاهنا وجه الضمان الذي أجمله في المدونة، فقال: إن كان حرا فعليه، يريد إن كان الجمال حرا فعليه قيمة الجارية وإن كان مملوكا كان ذلك في رقبته، وذلك بين على ما قاله؛ لأن الجناية على العبد والأمة تستوي فيما يلزم من ضمانها العمد والخطأ، ولو كانت الجارية حرة لكانت الدية في ذلك على عاقلة الجمال إن كان حرا وفي رقبته إن كان عبدا يفديه سيده بها أو يسلمه، وقد مضى في آخر الرسم الأول ذكر الاختلاف هل يفديه بالدية حالة أو مؤجلة فلا معنى لإعادته.

: السن إذا أصيبت فاصفرت

ومن كتاب سن رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ابن القاسم في السن إذا أصيبت فاصفرت فإنها تعقل بقدر شينها وليس فيها العقل كاملا حتى تسود، وكذلك إذا تغيرت فليس فيها العقل حتى تسود.
    قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم يبين مذهبه في

المدونة، إذ لم يعط في المدونة عن هذا جوابا بينا، ورد الأمر فيه إلى النكر فقال: ما سمعنا من مالك إلا إذا اسودت فقد تم عقلها فلا أدري ما الخضرة أو الحمرة أو الصفرة إن كان ذلك مثل السواد؟ فقد تم عقلها وإلا فعلى حساب ما نقص.
وقال أصبغ مثل قول ابن القاسم في هذه الرواية ليس ذلك مثل السواد إنما فيه حكومة باجتهاد الإمام إلا أن له في اخضرارها أكثر مما ناله في احمرارها، وله في احمرارها أكثر مما له في اصفرارها وبالله التوفيق.

: مات تحت الضرب أو بقي بعد الضرب مغمورا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم

ومن كتاب اغتسل من غير نية وسئل عن الرجل يضرب الرجل الرأس فيمكث مغمورا لا يفيق وقد شهد على ضربه ثم يموت، فقال إذا غمر فكان للموت ثم مات فلا قسامة فيه، وليست القسامة إلا فيمن أفاق أو طعم أو فتح عينه وتكلم وما أشبه ذلك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، أنه إذا مات تحت الضرب أو بقي بعد الضرب مغمورا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات، فهذا الذي لا قسامة فيه، وأما من أكل وشرب وعاش ثم مات بعد ذلك ففيه القسامة؛ لأنه لا يؤمن من أن يكون إنما مات من أمر عرض له مرض أو غير ذلك، وهذا ما لم ينفذ له مقتل وأما إذا نفد له مقتل بما أصيب به فلا قسامة فيه، وإن عاش بعد ذلك وتكلم وشرب وأكل كما أن البهيمة إذا أصاب السبع لها مقتلا فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق، وإن كانت الحياة فيها بينة، وإنما اختلف إذا لم يصب لها مقتل إلا أنها قد بلغت من ذلك إلى حد يعلم أنها لا تعيش منه، وقد مضى بيان ذلك والقول فيه وفي المقاتل ما هي مستوفى في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الضحايا وبالله التوفيق لا شريك له.

: الرجل يقتل الرجل بالعصا

ومن سماع أشهب وابن نافع عن مالك قال وسئل مالك عن الرجل يقتل الرجل بالعصا فيمكن منه ولي المقتول أيقتله بالعصا أو بالسيف؟ قال ذلك له، إن شاء قتله بالسيف وإن شاء قتله بالعصا، وقد سمعت ذلك أنه يقتل بالعصا، قيل له: أفله أن يقتله بالعصا؟ قال: نعم إذا ضربه ضربة واحدة يجهز عليه فيها لا يكون شيئا مختلفا يقطع عليه الضرب ولا يجهز عليه، فأما إذا كان هكذا يضرب ضربات فلا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أنه يقتل بمثل ما قتل من عصا أو حجر أو خنق أو تغريق في نهر أو بسم وكذلك النار على قياس قوله في السم خلاف قول أصبغ إنه لا يقاد بالسم ولا بالنار، وسيأتي بيان هذا في سماع عبد الملك، وقال فيها: إنه إن كان ضربه عصوين فضرب القاتل عصوين فلم يمت إنه يضرب بالعصا يريد مع أن يقصد بكل ضربة منها الإجهاز عليه كما قال في هذه الرواية فبعض ذلك يفسر بعضا لا اختلاف في شيء من ذلك، والحجة لمالك فيما ذهب إليه من أن القاتل يقتل بمثل القتلة التي قتل بها اتباع ظاهر قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] لأن القصاص إنما أخذ من قص الأثر وهو اتباعه، فكان المعنى أن يتبع الجارح والقاتل فيفعل به ما فعل بالمجروح والمقتول، وقد جاء في السنة بيان ذلك وهو ما روى قتادة عن أنس «أن يهوديا رض رأس صبي بين حجرين فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرض رأسه بين حجرين» وهو ما روى هشام بن زيد

عن أنس بن مالك قال: «عدا يهودي في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورض رأسها فأتى بها أهلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي في آخر زمن وقد أصمتت فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قتلك أفلان؟ لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا، قيل لرجل آخر غير الذي قتلها فأشارت برأسها أن لا، فقال لفلان لقاتلها فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض رأسه بين حجرين» وما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «لا قود إلا بالسيف» لم يأخذ به مالك إما لأنه لم يبلغه، وإما لأنه لم يصح عنده، فاتبع ظاهر قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] مع ما روي من قضاء من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اليهودي الذي أمر برض رأسه قصاصا مثل ما فعل بالجارية.
وما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «أحسن الناس قتلة أهل الإيمان» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية شداد بن أوس: «إن الله تعالى كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحدد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» لا حجة فيه على مالك؛ لأن المعنى فيه عنده إنما هو فيمن وجب عليه قتل في غير قصاص، وما احتج المخالف من أهل العراق على مالك في هذه المسألة من قوله: أرأيت لو نكح

رجل رجلا فقتله بذلك الجب للوالي أن يفعل بالفاعل ما فعل؟ هو من الاحتجاج المرغوب عنه الذي لا يصدق مثله عمن هو من أهل التحصيل لقوله.
وأما قوله: " أرأيت لو رمى إنسان رجلا بسهم فقتله أكان ينصب ثم يرمى حتى يقتل؟ وقد «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا» ونهى عن المجثتة وهي الشاة ترمى بالنبل حتى تقتل، فلا يلزم مالكا لأنه يقول بذلك، وإنما يقول إنه يجهز عليه بمثل القتلة التي قتل دون أن يقصد إلى تعذيبه فلو رمى رجل رجلا بسهم فقتله لكان الواجب في ذلك على مذهب مالك أن يقتل طعنا بمثل السهم الذي رماه به فقتله لا أن ينصب غرضا للسهام، وقد روى عن سحنون أنه قال إذا كان العصا والحجر يجهز قتل بمثله، وإذا كان غير مجهز لم يقتل به وقتل بالسيف، وكان القتل مما يأتي عليه لأن الحجر إذا لم يكن مجهزا فإنما هو عذاب، أرأيت لو أن رجلا رماه رجل بحجر فقتله برمية واحدة أكنت توقفه فيرمى رمية واحدة؟ فإن لم يمت رجم أبدا بالحجارة حتى يموت، لا يكون هذا ولا يقتل به، ولكن إذا كان الحجر مجهزا قتل به وإلا لم يقتل به، وقتل بالسيف، وكذلك العصا وجميع هذا الأصل فاحمله هكذا، وإنما يقتل على مذهب مالك بمثل القتلة التي قتل بها من حجر أو عصا أو غيره من ثبت عليه القتل بذلك، وأما من قتل بقسامة فلا يقتل إلا بالسيف وبالله التوفيق.

مسألة: اللوث من الشهادة في القسامة أهو الشاهد الواحد العدل

مسألة قال: وسئل عن اللوث من الشهادة في القسامة أهو الشاهد الواحد العدل؟ فقال: لا والله ما هو باللوث، فقيل له: أهو الشاهد إذا لم يكن عدلا؟ فقال: هاه أرجو ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في الشاهد العدل لا والله ما هو باللوث

معناه ما هو باللوث الذي لا تكون القسامة بما دونه، إذ لا اختلاف في أنه لوث تجب القسامة به والقود في مذهب مالك وجميع أصحابه.
وإنما اختلف فيما دونه، فرأى في هذه الرواية الشاهد الذي ليس بعدل لوثا يوجب القسامة، وقد حقق القول بذلك بعد هذا في هذا الرسم، ومعنى ذلك في الشاهد المجهول الحال الذي لا يتوسم فيه جرحة ولا عدالة إذ من أهل العلم من يحمل الشاهد على العدالة حتى تعلم جرحته، وأما الشاهد المعروف بالجرحة أو الذي يتوهم فيه الجرحة فلا يكون على مذهبه في هذه الرواية لوثا، بدليل قوله بعد هذا في العبد إنه لا يكون لوثا يريد وإن كان عدلا، وكذلك الصبي على هذه الرواية لا يكون لوثا، وأما المرأة فقال فيها بعد هذا إنها لوث، وقد روى مطرف عن مالك في الواضحة أن اللوث اللطخ البين مثل اللفيف من النساء والسواد والصبيان قال مطرف: وقد قتل بذلك عندنا بالمدينة، قال مالك: ومثل الرجلين والنفر يشهدون على ذلك وهم غير عدول، قال مالك: والشاهد العدل على اللوث وأحقه، وليست رواية مطرف هذه بخلاف لرواية أشهب، وقد روى ابن وهب عن مالك أن اللوث الشهادة غير القاطعة من شهادة النساء أو شبهها، قال ومثل أن يرى المتهم بحذاء المقتول وقربه وإن لم يكونوا رأوه حين أصابه، وقد حكى الليث عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما قالا: كل ما شهد فيه النساء أو العبيد أو الصبيان أو اليهود أو النصارى أو المجوس من قتل يكون فجأة أو ضرب أو جراح وأشباه ذلك فلا يحضره غير أولئك فإن شهادتهم في مثل هذا لطخ ولوث بين يجب به القتل مع القسامة وبالله التوفيق.

مسألة: الحمل إذا صاح وجب ميراثه

مسألة وسئل عن استهلال الصبي فقال: الصياح فإذا صاح وجب ميراثه وتمت ديته وصلي عليه وليس العطاس باستهلال.

قال محمد بن رشد: عبد العزيز بن أبي سلمة وابن وهب يريان العطاس استهلالا، وأما الرضاع فهو استهلال إذ لا يمكن أن يرضع إلا بعد أن يستهل، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الولاء وبالله التوفيق.

مسألة: أصابها رجل بجرح يكون ثلث ديتها هي أتحمله لها العاقلة

مسألة وقال ابن كنانة لمالك: الذي كنا نعرف من قولك يا أبا عبد الله أن العاقلة تحمل ثلث الدية دية المجروح كائنا من كان رجل أو امرأة إذا بلغ عقل تلك الجراح ثلث عقل المجروح حملته للعاقلة، وإنه قد حمل هاهنا عنك أنك قلت إن المرأة إذا أصابت الرجل بجرح يكون ثلث ديتها وهو سدس دية الرجل المجروح حملته العاقلة، فقال: لا، لقد كذب من قال هذا، ولقد حمل قولي على غير وجهه، قيل له: أرأيت امرأة أصابها رجل بجرح يكون ثلث ديتها هي أتحمله لها العاقلة؟ قال: نعم في رأيي، قال ابن كنانة- ومالك يسمع- من أصيب من رجل أو امرأة بجرح يكون ثلث ديته حملته العاقلة، فأما أن تصيب المرأة رجلا بجرح يكون ثلث ديتها هي فلا تحمله العاقلة هذا الذي كنا نعرف من قول أبي عبد الله - ومالك يسمع-.
قال محمد بن رشد: هذا الذي أنكره مالك في هذه الرواية وقال فيه: إنه من تأوله عليه فقد حمل قوله على غير وجهه من أن العاقلة تحمل الجناية إذا بلغت ثلث دية الجاني كما تحملها إذا بلغت ثلث دية المجني عليه قد رواه عنه ابن القاسم في المدونة، وأنه قال فيه: إنه بين وإن كان الاعتبار بدية المجني عليه في ذلك أبين، وإنما قال إن ذلك أبين لأن الجناية بالمجني عليه أخص منها بالجاني فيما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من مراسل عمرو بن شعيب

وعكرمة أن «الجناية إذا بلغت ثلث الدية حملتها العاقلة» ولو قيل إنه إذا جنى أحدهما على صاحبه جناية خطأ لا تحملها العاقلة إلا أن يبلغ ثلث دية الرجل منهما كان الجاني أو المجني عليه لكان الأظهر، لأن الأصل كان أن لا يحمل أحد جناية أحد دم ولا مال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 164] وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] «وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأبي رمثة في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني عليك» فكان وجه النظر في ذلك أن لا يخص منه شيء إلا بسنة قائمة أو إجماع، والإجماع إنما يصح في ثلث دية الرجل منهما فوجب أن لا تحمل العاقلة دون ذلك، ووجه قوله الثاني الذي أنكره في هذه الرواية اتباع ظاهر الحديث بحمله على عمومه إذ لم يخص فيه دية ذكر من دية أنثى وبالله التوفيق.

مسألة: اللوث الذي تجوز القسامة به من الشهادة

مسألة وسئل مالك ما اللوث الذي تجوز القسامة به من الشهادة؟ فقال: الأمر الذي ليس بقوي ولا قاطع، قيل لمالك: أترى شهادة المرأة من ذلك؟ فقال: نعم أراه من ذلك، قيل له فشهادة الرجل الذي ليس بعدل من ذلك؟ فقال: نعم أراه من ذلك، قيل له أفترى شهادة العبد من ذلك ولا أرى فقال: لا، ليست شهادة العبد من ذلك ولا أرى شهادة العبد لوثا.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة قبل هذا في هذا الرسم فلا وجه لإعادته.

مسألة: إقرار العبد بقتل العبد عمدا

مسألة قال مالك وما اعترف به العبد من قتل فإن سيد المعترف يقول

لسيد المضروب إنما اعترف عبدي ليذهب من يدي فهات على ضربه عبدك البينة، فأرى أن يكشف عن ذلك وينظر فيه، قيل لمالك: أفترى السيد المقتول أن يحلف ويكون ذلك له؟ قال: لا أرى ذلك له إلا أن يأتي بشبهة، قيل له؟ فإن جاء بشاهد يحلف مع شاهده؟ قال: نعم يحلف ويكون ذلك له، قيل له: أرأيت إن أبى أن يحلف ورد اليمين على سيد العبد المشهود عليه بشاهد واحد يكون ذلك عليه؟ فقال: لا أظن ذلك.
قال محمد بن رشد: إقرار العبد بقتل العبد عمدا يجوز عليه إن أراد سيد العبد المقتول أن يستفيد منه كان ذلك له، ولا يجوز على سيده إن لم يرد أن يستفيد مكانه وأراد أن يأخذه بجناية عبده لأن العبد يتهم على أنه أراد الخروج من ملك سيده إلى الذي أقر بقتل عبده، فلا يكون لسيد العبد المقتول أن يحلف مع إقرار العبد ويستحقه كما قال، إذ لا تجوز شهادته على سيده بأن كان له شاهد على أنه قتل عبده كان له أن يحلف مع شاهده ويستحق العبد إلا أن يشاء سيده أن يفتديه بقيمة العبد المقتول فيكون ذلك له وهذا ما لا اختلاف فيه، ولو لم يمت من ذلك الجرح بفور ذلك وحيي بعده لما استحقه بيمينه مع الشاهد إلا بعد أن يحلف أيضا أنه مات منه على ما قاله في رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الجنايات، وكذلك لو ثبت الجرح بشهادة شاهدين أو أقر به سيد العبد القاتل أو القاتل إن كان حرًّا لم يستحقه إلا بعد أن يحلف أنه مات من ذلك الجرح على ما قاله في رسم المجالس من سماع أصبغ بعد هذا، وفي المدنية خلاف هذا.
وروى محمد بن يحيى السبائي أنه سمع مالكا يسأل عن العبد يجرحه الحر فيقر الحر بجرحه أو تقوم عليه بينة ثم يمكث أياما فيموت العبد فيقول سيده إنه مات من تلك الجراح هل عليه في ذلك يمين أنه مات من ذلك، فقال: إذا أقر بذلك على نفسه أو قامت عليه بينة ثم مات العبد في ذلك فهو

ضامن وليس على سيده أن يحلف أنه مات من ذلك الجرح، قال عيسى بن دينار: قال ابن القاسم: قد سمعت هذا عنه، وسمعت أنا منه أنه يحلف وهو أحب قوله إلي.
وأما قوله إن أبى أن يحلف ورد اليمين على سيد العبد القاتل إن ذلك لا يكون له، فمعناه إذا لم يحقق عليه الدعوى إن علم أنه قتله فهي يمين تهمة فالاختلاف في لحوق يمين التهمة مرض وجوبها في هذه المسألة في هذه الرواية، فقال: لا أظن ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يقتل الرجل وله أولياء كثير فعفا أحد الذين يجوز لهم العفو

مسألة وقال في الرجل يقتل الرجل وله أولياء كثير فعفا أحد الذين يجوز لهم العفو فلا يكون إلى القتل سبيل، ويكون في ذلك الدية قيل له: بالقسامة؟ قال: بالقسامة وغيرها إذا عفا أحدهم لم يكن إلى القتل سبيل، وكذلك إن نكل أحدهم على القسامة، قال سحنون: وقال ابن نافع: إذا كان نكول الناكل إنما كان على وجه التورع والتحرج حلف من بقي وقتلوا، وإذا كان نكوله على وجه العفو والترك لحقه حلف من بقي وكانت له الدية وهذا الذي أرى.
قال محمد بن رشد: في قول مالك في رواية أشهب هذه التباس والظاهر عندي من معناه ومراده أن عفو أحد الأولياء إذا كانوا في القعدد سواء يبطل ولا تبطل الدية، فإن كان ذلك العفو ممن عفا منهم بعد القسامة كان لمن بقي حظوظهم من الدية، وإن كان قبل القسامة أقسم من بقي وكان لهم حظوظهم من الدية، وكان الشيوخ يختلفون في قول ابن نافع، فمنهم من كان يحمله على التفسير لقول مالك ويقول لا اختلاف في أن نكول الناكل عن القسامة إذا لم يكن على وجه العفو والترك وكان على وجه التورع والتحرج فلمن بقي من الأولياء أن يقسموا ويقتلوا، ومنهم من كان يحمله على الخلاف

له، ويقول إذا نكل أحد الأولياء عن القسامة فلا سبيل إلى القتل، وكان لمن بقي حظوظهم من الدية، وابن الماجشون يساوي بين أن يكون العفو قبل القسامة أو بعدها في أن الدية تبطل على كل حال، ولا يكون لمن بقي من الأولياء شيء من الدية، والنكول عن القسامة عند جميعهم كالعفو سواء كل على مذهبه، فهي ثلاثة أقوال في المسألة، ومن قول ابن القاسم في المدونة أن رجوع أحد الأولياء بعد القسامة وتكذيبه نفسه يبطل حق من بقي من الأولياء بمنزلة إذا عفا أو نكل قبل القسامة وبالله التوفيق.

: تشرب الدواء وهي حامل فيسقط ولدها

ومن كتاب العقول قال أشهب: وسئل مالك عن المرأة تشرب الدواء وهي حامل فيسقط ولدها أترى عليها شيئا؟ فقال: ما أرى به بأسا إذا كان دواء يشبه السلامة فليس به بأس إن شاء الله، قد يركب الإنسان الدابة فتصرعه، وقد «كوى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سعدا فمات فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بئس الميت ليهود يفتنون به يقولون لم يغن عنه صاحبه» . قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله وهو على قياس ما تقدم في رسم البز من سماع ابن القاسم في الصبي الذي تسقيه أمه الدواء فيشرق به فيموت وبالله التوفيق.

مسألة: قتل جنينا في بطن أمه فطرحت ميتا أعليه عتق رقبة

مسألة وسئل عمن قتل جنينا في بطن أمه فطرحت ميتا أعليه عتق رقبة؟ فقال: ليس ذلك عليه.
محمد بن رشد: زاد في غير هذه الرواية وإن سقط حيا كانت فيه الكفارة، قال أشهب: وعليه الغرة واستحسن مالك في المدونة الكفارة في الجنين إن خرج ميتا وفي الذمي والعبد وفي جنينهما وبالله التوفيق.

مسألة: فجر فتحمل فتضع فتلقيه في بير أتقتل به

مسألة وسئل عن المرأة تفجر فتحمل فتضع فتلقيه في بير أتقتل به؟ فقال: إن لذلك وجوها أن ألقته في مهلك مثل البير الكثير الماء أو البحر أو ما أشبه ذلك فمات فما أحقها من أن تقتل، وإن قتلت كانت لذلك أهلا كأنه ينحو إلى أن تقتل ويراه قال أصبغ مثله هذه متعمدة للقتل كما لو ذبحته ذبحا فالغرق مثله، قال ابن القاسم: وإن كانت مثل البئر اليابسة التي يقدر أن يؤخذ منها أو ما أشبه ذلك فهذه لا تقتل إلا أن يكون البئر مهواة لا تدرك ولا تنزل وإن كانت يابسة فأرى أن تقتل.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين مثل ما في المدونة وغيرها من الأب يقتل بابنه إذا عمد لقتله، وإنما لا يقتل به وتغلظ عليه الدية إذا فعل به مثل ما فعل المدلجي بابنه من حذفه إياه بالسيف إذ قد يذهب الرجل على ابنه بالسيف ولا يريد قتله وبالله التوفيق.

مسألة: النصراني يقتل المسلم خطأ على من ديته

مسألة وسئل مالك عن النصراني يقتل المسلم خطأ على من ديته؟

فقال: على أهل دينه من أهل كورته الذين إذا جرحوا نصرانيا أدوا عنه، فكذلك يؤدون عنه إذا جرح المسلم.
قال: أما إذا لم يحمل أهل هذه المعاقل الدية لم يقو عليها رجل واحد قيل له: ربما كانت القرية ليس فيها إلا الذي جرح وحده أو قلة؟ قال: يضم بعض ذلك إلى بعض يحمل ذلك عنه الذين إذا جرح نصرانيا عقلوا عنه.
قال محمد بن رشد: هذا بين مثل ما في المدونة وغيرها فلا وجه للقول فيه.

مسألة: نامت مع ولد لها من الليل فتمرغت فأصبح ميتا

مسألة وسئل عن امرأة نامت مع ولد لها من الليل فتمرغت فأصبح ميتا، ولم تر به أثرا فخافت أن تكون هي قتلته؟ فقال: تكفر بعتق رقبة، قلت له: فما ترى على عاقلتها الدية؟ قال: ومن يطلب ذلك؟ ومن أين يعلم أنها هي قتله قيل له: أفرأيت إن تبين به خضرة من غمها إياها؟ فقال: إن تبين ذلك فعلم أنها قتلته فديته على عاقلتها.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا إشكال فيه إن علمت أنها هي قتلته كانت عليها الكفارة واجبة، وإن شكت أن تكون قتلته فالكفارة عليها مستحبة لها، وإن صح أنها قتلته بوجه لا يشك فيه كانت الدية على عاقلتها.

مسألة: توحر ولدها أوتسقطه فيموت في يدها أترى له عقلا

مسألة قلت أفرأيت المرأة توحر ولدها أو تسقطه فيموت في يدها أترى له عقلا؟ فقال: لا أرى في هذا عقلا لا على العاقلة ولا على عليها، ولا أرى عليها كفارة والطبيب يداوي الرجل فيموت فلا أرى

على عاقلته دية ولا عليه كفارة، وما ذلك بالبين وإن الطبيب ليداوي فيمات من دوائه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم مثل هذا والقول فيه في رسم البز من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

مسألة: العبد يكون أكثره حرا يصاب كم يغرم قاتله

مسألة وسئل عن العبد يكون أكثره حرا يصاب كم يغرم قاتله؟ قال: قيمة رقيق كله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه لأن الحرية في العبد تبع لما فيه من الرق في جميع الأحكام من الميراث والشهادة والحدود فكذلك إذا قتل يكون على عاقلة قيمته رقيقا كله واختلف قول مالك إذا جنيت عليه جناية فمرة قال جنايته لسيده، ومرة قال تكون لسيده منها بقدر ماله فيه من الرق ويوقف بيده منها قدر ما فيه من الحرية يكون مالا له إن أعتق باقيه كان له، وإن مات قبل أن يعتق باقيه ورث ذلك سيده، والقولان لمالك في المدونة.
وأما إذا جنى هو؛ ففي ماله من الجناية قدر ما فيه من الحرية، وفي رقبته من ذلك قدر ما فيه من الرق يدفعه سيده بذلك أو يفتكه به وبالله التوفيق.

مسألة: المكاتب يصاب كم يغرم قاتله

مسألة قيل له: أرأيت المكاتب يصاب كم يغرم قاتله؟ قال: قيمته بما عليه من الكتابة مكاتب بألف دينار أو مائة درهم، وليس قيمته عبدا لو بيع يوم أصيب على هيئته وعليه ألف درهم أو مائة درهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن يقوم على أنه مكاتب عليه من كتابته بقية كذا وكذا على ما يعرف من قدرته على اكتساب المال وبصره

بذلك دون ما عليه له، لأن ماله يبقى لسيده، هذا معنى قوله في المدونة: إن المكاتب إذا قتل يقوم على هيئة في الحال التي كان عليها، يريد من قدرته على الاكتساب وبصره بجمع المال، لا من كثرة ماله وقلته، إذ لا يقوم بماله، ولا احتمال الحال المال طرح سحنون في المدونة قوله على الحال التي كان عليها فاللفظة صحيحة وتأويلها ما ذكرناه إلا أن في هذه الرواية أنه يغرم قيمته مما عليه من الكتابة خلاف ما في المدونة من قوله: إنه لا ينظر إلى ما أدى من كتابته ولا إلى ما بقي منها، فيقال على هذه الرواية كم قيمة هذا على أنه مكاتب وقوته على أداء كتابته كذا وكذا وعليه من كتابته كذا وكذا، ولا مال له، ويقال على ما في المدونة كم قيمة هذا على أنه مكاتب وقوته على أداء كتابته كذا وكذا ويسكت عن ما عليه من الكتابة ولا مال له أيضا، إنما يقوم المكاتب بماله في العتق إذا أوصى سيده بعتقه فيجعل في الثلث الأقل من قيمته بماله مكاتبا أو الأقل مما عليه من عدد الكتابة أو من قيمتها على الاختلاف الواقع في ذلك في الجنايات من المدونة، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب المكاتب.

مسألة: يكون مع غير قومه في الديوان أيعقل معهم ولا يعقل مع قومه

مسألة وسألته عن الرجل يكون مع غير قومه في الديوان أيعقل معهم ولا يعقل مع قومه؟ فقال: نعم أرى إذا كان الرجل في الديوان مع غير قومه أن يعقل عنهم ويعقلوا عنه إن كان رجل من الأنصار في قريش عقل عنهم وعقلوا عنه، قلت أفترى أن يعينهم قومهم ممن ليس معهم في الديوان؟ فقال: ما يفعلون ذلك، قلت له: أفتراه؟ قال: نعم ولقد انقطع الديوان وقل.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ظاهر ما في المدونة من قول مالك: إنما العقل على القبائل كانوا أهل ديوان أو غير أهل ديوان فجعل على هذه الرواية أهل الديوان الواحد كالقبيلة من القبائل وإن كانوا من قبائل شتى

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: الأب إذا قتل ابنه خطأ مع رجلين معه هل ترى له من الدية شيئامسألة: عبيد وأحرار وقعت عليهم الدية خطأ: تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلفمسألة: مات المحبوس في دم العمد: غر الرجل الهابط في البئر بإمساكه أحد الحبلين اللذين تأمر بهما في البئرمسألة: يحمل ابنه في المركب ولم يستأذن أمه فيه فغرق: صالح في دم على أن يعطي في كل سنة كذا وكذا وكان شرطه أن يعطاها جملةمسألة: المباشر للقتل خطأ لا يكون الدية عليه: الأم أحق بالقيام بالدم من العصبةمسألة: القسامة لا تكون فيمن قتل بين الصفين: الدية على العاقلة: الحدود التي تدرأ بالشبهات لا يسجن المدعي عليه فيها لمجرد الدعوى: الكفارة على الأم التي سقت ابنها الدواء فشرق به فمات: الحمل الذي يسقط على الجارية: السن إذا أصيبت فاصفرت: مات تحت الضرب أو بقي بعد الضرب مغمورا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم: الرجل يقتل الرجل بالعصامسألة: اللوث من الشهادة في القسامة أهو الشاهد الواحد العدلمسألة: الحمل إذا صاح وجب ميراثهمسألة: أصابها رجل بجرح يكون ثلث ديتها هي أتحمله لها العاقلةمسألة: اللوث الذي تجوز القسامة به من الشهادةمسألة: إقرار العبد بقتل العبد عمدامسألة: الرجل يقتل الرجل وله أولياء كثير فعفا أحد الذين يجوز لهم العفو: تشرب الدواء وهي حامل فيسقط ولدهامسألة: قتل جنينا في بطن أمه فطرحت ميتا أعليه عتق رقبةمسألة: فجر فتحمل فتضع فتلقيه في بير أتقتل بهمسألة: النصراني يقتل المسلم خطأ على من ديتهمسألة: نامت مع ولد لها من الليل فتمرغت فأصبح ميتامسألة: توحر ولدها أوتسقطه فيموت في يدها أترى له عقلامسألة: العبد يكون أكثره حرا يصاب كم يغرم قاتلهمسألة: المكاتب يصاب كم يغرم قاتلهمسألة: يكون مع غير قومه في الديوان أيعقل معهم ولا يعقل مع قومه
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل