كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثمانية أقوال، وأما البكر التي لا أب لها فإذا دخلت بيتها وأقامت مع زوجها سنة واحدة، حكم لها بحكم الرشد، وملكت أمرها، ما لم يعرف سفهها.
وبالله التوفيق.
مسألة: اشترى مالا فسئل أن يقيل البائع منه فقال قد تصدقت به على النبي
مسألة وسئل مالك: عمن اشترى مالا، فسئل: أن يقيل البائع منه، فقال: قد تصدقت به على النبي، ثم هلك الرجل، ولم يوجد إلا قوله ذلك.
قال: ما أرى هذا يقطع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم البز، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: نحل ولده نحلا من غنمه ووسمها لهم بأسمائهم
ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل: عمن نحل ولده نحلا من غنمه، ووسمها لهم بأسمائهم، وليست لهم بينة إلا الرسم، وأنه ذكر ذلك عند موته، فقال: ليس ذلك بشيء إن لم يكن عليه البينة؛ أشهدهم في حياته وصحته، فأرى أن يجعل ميراثا.
وقد قال في الكتاب الذي فيه الوصايا والحج، في رجل نحل ابنه خيلا ووسمها بوسمه، ثم تركها في خيل أبيه يركبها: إنه ليس له في ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: نحلة الرجل ولده عددا من غنمه إذا وسمها ولم يشهد عليها في صحته حتى ذكر ذلك عند موته: إنها لا تصح له، وتكون ميراثا - بَيِّنٌ لا إشكال فيه؛ لأن الوسم يميزها من جملة غنمه، ولا يحقق النحل بها إلا إشهاده عليها.
فإن وسمها وأشهد على نحلها في صحته جازت له باتفاق.
واختلف إن أشهد على أنه نحله عددا منها دون أن
يعينها باسم أو سمة أو نحلة جزءا مشاعا منها، هل تصح حيازتها له؟ فقيل: إنها تصح في الوجهين، وقيل: إنها لا تصح في واحد منهما، وقيل: إنها لا تصح في الجزء المشاع، ولا تصح في العدد المسمى دون أن يعين باسم أو سمة، ولا اختلاف في ذلك من قول مالك.
وقد مضى ذكر ذلك وتحصيله في رسم طلق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب.
هو في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس فلا معنى لإعادته.
وقوله: إن وسمها بوسمة، يريد: وشهد عليها ثم تركها في جملة خيله يركبها، إنه ليس له ذلك في شيء - يبين أن مذهبه فيما عدا الملبوس والمسكون كالملبوس والمسكون، إن انتفع الأب بشيء من ذلك كله بعد الصدقة أو الهبة، كما كان ينتفع به قبل أن يهب أو يتصدق، وبطلت الهبة والصدقة، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، أن مساعدا المسكون والملبوس من الأشياء كلها بحيازة الأب إياها للصغير بالإشهاد عليها والإعلان بها كما جاء عن عثمان بن عفان.
قالوا: وسواء كانت أرضا فأحدثها أو أكراها أو منحها، أو كانت جنانا فأكل ثمرتها، أو أطعمها أو باعها باسمه، أو اسم ولده، أو كان غلاما فخارجه لولده ولنفسه، أو اختدمه، أو كانت دابة فركبها، أو حمل عليها، أو كانت ماشية فاحتلبها، أو أكل رأسها فاحترث بها أو درس عليها، أو مصحفا فقرأ فيه، أو قويا فرمى عنها.
هذا كله جائز، والصدقة ماضية.
قال ابن الماجشون: وهذا الذي سمعناه من علمائنا وجميع أصحابنا، والذي مضت به أحكام حكامنا، وقول أصبغ في نوازله بعد هذا من هذا الكتاب.
وأما ما أردت من اختلاف الغنم واحتراث البقر، وخدمة العبيد إذا كانت الصدقة فيهم بأعيانهم، فإذا كان من ذلك الأمر الخفيف والأمر المخرج مرة للابن، ومرة للأب، ومرة ينتفع هذا، ومرة ينتفع هذا، ومرة بعض لهذا، فهذا جائز، وتكون حيازة وصدقة تامة.
قول ثالث في المسألة فتدبر ذلك.
وقد تأول فضل عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه مثل قول مطرف وابن الماجشون، فقال: رأيت في كتاب ابن حبيب بخط يده في سماعه من رواية
أصبغ عن ابن القاسم في صدقة البتل والحبس على ولده الصغار، أن حيازته لهم حيازة، وإن كان هو القائم بأمرهم، والناظر لهم في الكراء، أو أجنبي، ثمرة أو اغتلال، غلة.
أو ما تحتاج إليه الصدقة من مرض أو إصلاح حين يبلغوا الحور، قال فضل: فقوله: أو جني ثمرة أو اغتلال غلة، أو ما يحتاج إليه، قريب مما في داخل الكتاب، وتأويل فضل عن ابن القاسم هذا، تأويل بعيد، كأن الظاهر من قوله: إنه جنى الثمرة واغتل الغلة، لولده لا لنفسه، بدليل قوله: وإن كان القائم بأمرهم، والناظر لهم في كراء أو جني أو اغتلال.
فقف على ذلك وتدبره، وإنما أجاز ابن القاسم للواهب والمتصدق الانتفاع بما وهب أو تصدق، ولم يزد لك قدحا في حيازة الموهوب له أو المتصدق عليه في مثل الزوجين يهب أحدهما صاحبه الخادم التي يكون معها في المنزل، إذ لا يعذر الواهب على الانفكاك من الانتفاع بما وهب أو تصدق، لكونه معه في منزل واحد بيد الموهوب له حسبما يأتي من قوله في رسم سلف في سماع عيسى.
وقد مضى ذلك من قول مالك عليها مستوفى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، ومضت المسألة أيضا في سماع أشهب، وبالله التوفيق.
مسألة: ينحل ولدا دون أولاد وله مال سوى ما نحل
مسألة وسئل: عن حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الذي نحل ابنا له عبدا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، فقال: أرجعه» فقال مالك: وذلك رأيي؛ لأنه لم يكن له مال غيره، قلت له: فإن لم يكن له مال غيره رده، فقال: إن ذلك ليقال، ولقد قضى به في المدينة، فأما الذي ينحل ولدا دون أولاد وله مال سوى ما نحل، فذلك جائز فلا بأس به.
قد
نحل أبو بكر الصديق عائشة، وقال فيه عمر وعثمان ما قالا، فلو كان هذا الحديث ما جهله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ولكن في رأي - لم يكن له مال عنده.
محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة على رسم الشجرة من سماع ابن القاسم قبل هذا، وفي رسم نذر سنة، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: نحل ولدا له نخلا فلم يحزها أحد منهم حتى مات أبوهم
ومن كتاب الوصية الذي فيه الزكاة والحج وسمعته: يسأل: عمن نحل ولدا له نخلا فلم يحزها أحد منهم حتى مات أبوهم، فقال: إن كان أشهد على ذلك وعرف النخل بعينه، فمن كان منهم صغيرا فذلك له، ومن كان منهم كبيرا قد بلغ الحيازة فلم يحز فلا شيء له، إلا أن يكون ضعيفا لا يلي نفسه فذلك له، وما كان من جارية قد بلغت في حجر أبيها لم تبين فذلك أيضا لها.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا: إن من كان منهم صغيرا فذلك له، ومن كان منهم كبيرا فلا شيء له، هو مثل قوله في رواية علي بن زياد وابن نافع عنه في المدونة ومثل قول ابن وهب في سماع عبد الملك بعد هذا خلاف قول ابن القاسم في المدونة وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس.
قد مضى هناك ذكر هذا الاختلاف وتوجيهه مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على امرأته أو ابنه بالعبد وهو مسافر
مسألة وسمعته: يسأل: عن رجل تصدق على امرأته أو ابنه بالعبد وهو مسافر، والعبد في يد الذي تصدق به عليه على وجه الاختدام، فتصدق به عليه، ويشهد على ذلك شهودا وهو مسافر، ثم يموت المعطي أو المعطى قبل أن يعلم المعطى الذي تصدق به عليه، فقال: إن كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونها ذلك، أو يبلغون ابنه، فإن ذلك جائز، فأما أن يشهد بكذا من لا يعرف المرأة ولا الولد، ولا يكتب إليهما فمتى شاء، قال هذا لي، قد رجعت فيه، لا هي تعلم أن ذلك لها، ولا الشهود يعلمونها، فلا أدري ما هذا.
قال محمد بن رشد: وأما إذا مات المعطى المتصدق عليه قبل المعطي المتصدق، فورثته يقومون مقامه، وينزلون منزلته في القول أو الرد إذا علموا قبل موت المعطي المتصدق، وأما إن مات المعطي المتصدق، قبل موت المعطى المتصدق عليه، وقد علم، فلم يقل: قد قبلت حتى مات المتصدق، فقول ابن القاسم في المدونة: إنه لا شيء له؛ لأنه لم يرى سكوته مع كون الهبة بيد رضا منه بها، وقبولا لها، وقول أشهب فيها: إنها له ندي أسكوته مع كون الهبة بيده رضا منه بها وقبولا لها؟ فقال: إن كونها في يديه أحوز، وأما إن مات المتصدق قبل أن يعلم المتصدق عليه، فقول مالك في هذه الرواية: إن ذلك جائز له إذا كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونه ذلك، فهو شذوذ؛ لأن ذلك يقتضي أن هبة الأموال لا تفتقر إلى القبول، وأنها تجب للموهوب له بنفس الهبة حتى لو مات الموهوب له قبل أن يعلم لورثت عنه، ولم يكن لورثته أن يردوها لا على وجه الهبة إن قبل ذلك الواهب، وهو بعيد، إنما يصح ذلك في الحرية إذا قال الرجل لعبده قد وهبتك
نفسك، أو قد وهبت لك عتقك، فهو حق قبل أو لم يقبل، قاله في العتق من المدونة لأن الواهب في مثل هذا لم يهب لأن ينظر قبول من وهب له، كالأموال التي توهب، فإن قبلها الموهوب له، وإلا رجعت إلى الواهب، ولا اختلاف أحفظه في هذا سواء قول مالك الشاذ في هذه الرواية، ولو علم بالهبة ولم يعلم منه قبول لها حتى مات الواهب لجرى ذلك على ما ذكراه من اختلاف قول ابن القاسم وأشهب ويقول أشهب أخذ سحنون فقال لو وهب رجل لغريمه الغائب ماله عليه، وأشهد له، ثم مات الواهب قبل أن يعلم قبول الغائب أن الهبة جائزة، يريد وقد علم أنه قد علم بالهبة قبل موت الواهب.
فتحصيل القول في هذه المسألة: أن الرجل إذا وهب شيئا هو في يده أو دينا هو عليه، فإن علم في حياة الواهب وقبل، جازت له الهبة باتفاق، وإن علم ولم يقبل حتى مات الواهب، جازت الهبة على قول أشهب، وبطلت على قول ابن القاسم.
وإن لم يعلم بالهبة حتى مات الواهب، بطلت الهبة باتفاق، لافتقار الهبات إلى القبول، إلا على هذه الرواية الشاذة، ولو وهب رجل شيئا هو بيده لرجل غائب، فأخرجه من يده، وجعله على يدي من يجوز له الصلح له، وإن يعلم حتى مات الواهب، بخلاف إذا كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له الغائب؛ لأنه إذا كان بيده بإذن الواهب، فكأنه في يد الواهب، حتى يعلم بالهبة، فيكون بعلمه بها جائزا لنفسه، وإنما اختلف على قولين في الوصية، فقيل: إنها تجب للموصى له بموت الموصي مع القبول بعد الموت، وهو المشهور المعلوم.
وقيل: إنها تجب له بموت الموصي دون القبول، وهو أحد قولي الشافعي.
فعلى قوله: إن مات الموصي له قبل أن يعلم وجبت الوصية لورثته، ولم يكن لهم أن يردوها إلا على وجه الهبة لورثة الموصي إن قبلوا.
وبالله التوفيق.
مسألة: نحلت ابنا لها صغيرا غلاما وابنها معها وللابن أب ومال
مسألة وسمعته: يسأل عن امرأة نحلت ابنا لها صغيرا غلاما، وابنها
معها وللابن أب ومال، فلم يجزه الأب ولا الولي حتى ماتت الأم، أترى ذلك حوزا؟ فقال: ذلك يختلف، أما الغلام الذي هو للخراج، فإني لا أرى ذلك للصبي حوزا، وأما الغلام الذي إنما هو للخدمة يخدمه ويختلف معه، ويقوم في حوائجه، وهو في ذلك مع أمه، فإني أراه حوزا وأراه له جائزا، وإنما ذلك عندي بمنزلة الرجل نحل ولده الغلام، يكون معه يخدمه ويختلف معه إلى الكتاب، وهو في ذلك مع أبيه، فيكون له حوز وله حائزا، فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: وللابن أب وله مال فلم يجزه الأب ولا أخ ولا الولي، كلام ناقص، وكماله: وللابن أب أو لا أب له، وله مال في يد وليه، أي: وصيه، فلم يجزه الأب إن كان له أب، ولا الولي إن لم يكن له أب.
وفي كتاب ابن المواز بإثر هذه المسألة: قال ابن القاسم وأشهب: إن لم تكن الأم وصية فليست حيازتها حيازة على مال، ويحوز لهم السلطان، أو يولي عليهم أو بتخرجه الأم من يدها إلى غيرها، فتحوز لهم، فتكلم مالك في الرواية على الوجهين جميعا، على أن الصبي المنحول، له أب غير ساكن مع أم الصبي الناحلة، وعلى أنه لا أب له.
وتكلم ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز على أن الصبي لا أب له.
والمعنى في المسألتين سواء فلم يراع في الرواية كون العبد مع الأم الناحلة في منزل واحد، ورأى الصبي هو الحائز له باختدامه إياه وراعى ذلك ابن القاسم وأشهب، وغلباه على اختدام الصبي إياه فرأياها هي الحائزة له دونه، فلم يجيزا حيازتها له، إلا أن تكون وصية، وهو الأظهر؛ لأنه إنما يخدمه ويتصرف له بالأمر وتحت نظره لصغره، فهي الحائزة له، ولو كان كبيرا سفيها، لكان قول مالك في الرواية أظهر.
والله أعلم؛ لأن كون يدها مع العبد ومع السفيه الكبير، أضعف منها مع الابن الصغير، ولو كان صغيرا لا يعقل ابن سنة ونحوها لما جازت حيازة الأم له باتفاق، والله أعلم.
ولو كان الصبي منفردا بالسكنى وحده دون الأم، لكان
حائزا له باختدامه إياه، وكونه معه قولا واحدا.
وكذلك لو كان كبيرا سفيها منفردا بالسكنى وحده دون أمه الناحلة، ولو كان الأب ساكنا مع الأم، لكان هو الحائز باتفاق.
وأما العبد الذي هو للخراج، فلا إشكال في أنه لا يحوزه له عن أمه إلا الأب.
: يهب هبته ثم يأتي يطلب ثوابها فيقول قد أثبتك
ومن كتاب الأقضية الأول قيل لمالك: أرأيت الذي يهب هبته، ثم يأتي يطلب ثوابها، فيقول: قد أثبتك؟ قال: عليه البينة أنه قد أثابه وإلا حلف الواهب ما أثابه، قال: إنه لم يشهد على الهبة، فقال: هو مثل البيع، يقول: بعتك هذا الثوب، فيقول: نعم، ولكني وفيتك ثمنه، فعليه البينة أنه قد وفاه، وإن لم يكن لصاحب الحق على أصله بينة.
قال: وقد سألت اليوم عمن وهب شاتين منذ أربعة أشهر، ثم جاء اليوم يطلب الثواب، فيقول: قد أثبتك، ولا بينة بينهما.
فقلت: يحلف صاحب الشاتين على المنبر ما أثابه هو، مثل البيع.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب في هذه الرواية: عند المنبر، وفي بعضها: على المنبر.
فأما ما في منبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يحلف عليه؛ لأن أحدا ... وقد قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من حلف على منبري إثما تَبَوَّأَ مقعده من النار» فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه: على، ولم يقل: عندي.
وأما سائر المنابر في جوامع الأمصار فإنما يحلف الحالف عندها، لا عليها؛ لأن
الحرمة إنما هي لموضعها لا لها، بدليل أنه لو دار المنبر عن موضعه لإصلاح شيء فيه، لما حلف الحالف إلا في موضعه، لا عنده، بخلاف منبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في هذا، وسائر المسألة يبين، لا يفتقر إلى كلام؛ لأن الهبة للثواب بيع من البيوع، وقد أحكمت السنة في التداعي فيها أن البينة على من ادعاها، واليمين على من أنكر؛ لأن الهبة للثواب، إذا طالت مدتها حتى يرى أن الواهب قد ترك الثواب، لم يكن له ثواب، بخلاف البيع؛ لأن طريقها المكارمة لا المكايسة.
وقد مضى ذلك في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها.
وبالله التوفيق.
: امرأة دعتنا فأشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها
ومن كتاب الأقضية الرابع وسئل مالك: فقيل له: إن امرأة دعتنا فأشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها، وكتبنا شهادتنا على أنه أمانة عندنا بأمانة الله، لا نشهد بها أبدا ما دامت حية حتى تموت، فشهدنا على ذلك، وكتبناها، فاحتاجت إلى تلك الشهادة ابنتها التي كانت الصدقة عليها، أترى لنا أن نقوم بها؟ قال: أراها قد قالت لكم: لا تشهدوا بها حتى أموت، وهذه الشهادة لا تنفع ابنتها، فقيل له: لا تنفع ابنتها.
قال: نعم، لا تنتفع ابنتها.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الشهادات، وبالله الموفق.
مسألة: تصدق بدار له على مواليه وأولادهم
مسألة وسئل: عمن تصدق بدار له على مواليه وأولادهم، وأولاد
أولادهم ما بقي منهم أحد، فإذا انقرضوا فمرجعها إلى ولده، فلم تزل كذلك حتى لم يبق منها إلا رجل واحد، فعمد إليه بعض الذين إذا مات الموالي رجعت إليهم من ورثة المتصدق، فتكاراها منه عشرين سنة، فقام ورثة المتصدق، فقالوا: لا نجيز هذا نخاف أن يموت هذا المولى في عشرين سنة، فتقوم علينا بحيازتك، فقال مالك: إن هذا المولى إذا مات في السنتين وانفسخ الكراء، ولقد أكثر هذا في السنين، فقيل: أجل، إنه إذا مات في السنين انفسخ الكراء، ولكنه شاب وهم يخافون طول حياته وطول حيازة هذه الدار، إذا تكاراها عشرين سنة، قال: فليكتبوا عليه بذلك كتابا ويتوثقوا عليه فيه.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه المسألة اكتراء الدار عشرين سنة، من الذين صارت إليه بالتحبيس من عقب الموالي، والكراء ينتقض بموته؛ لأنها حبس عليه لا حق له فيها إلا ما دام حيا.
ومعنى ذلك: ما لم ينفذ؛ لأنه إن نفذ فمات انتقض الكراء، فرجع إلى المكتري كراء ما بقي من المدة، فكان سلفا منه، وقيل: إن الكراء لا يجوز إلى مثل هذه المدة الطويلة، وإن لم ينفذ، وهو ظاهر ما في كتاب الوصايا الثاني من المدونة فيمن أوصى له خدمة عبد حياته، إنه لا يجوز له أن يكريه إلا الأمد القريب: السنة والسنتين والأمر المأمون الذي ليس ببعيد، ولم يفرق بين النقد وغيره، ففي القريب يجوز الكراء بالنقد وبغير النقد، على ظاهر ما في المدونة لابن المواز، ويحتمل أن يحمل ما في المدونة من إجازة الكراء على الأمد القريب على ألا ينفذ، فالكراء في القريب يجوز بغير نقد باتفاق، وفي البعيد لا يجوز بالنقد.
ويختلف هل يجوز بغير النقد في البعيد، وبالنقد في القريب؟ على قولين.
وقد نص على ذلك في كتاب ابن المواز.
وقع فيه بإثر هذه المسألة، قال مالك: لا يدفع في كرائها، ولكن يكريها قليلا قليلا، وكذلك قال عبد
الملك، إلا أنه قال: السنة والسنتين.
ونحن لا نرى بأسا ما لم يقع النقد إلا في مثل السنة والسنتين.
فإن وقع الكراء في السنين الكثيرة، على القول بأنه لا يجوز ذلك، فعثر على ذلك، وقد مضى بعضها، فإن كان الذي بقي يسيرا لم يفسخ، وإن كان كثيرا فسخ له.
قاله في كتاب محمد، ولم ير في الرواية حجة للقائم من الورثة على المكتري فيما ذكره، من طول الحيازة؛ لأنها غلة ترتفع بالإشهاد كما ذكره.
وذلك معارض لما في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الأقضية في الذي يكون له الممر في حائط الرجل، إنه ليس له أم يحظره، وإن لم يجعل عليه بابا فلا يطول الأمر فينسى حقه.
وبالله التوفيق.
: يهب الجارية لامرأته فيدفعها إليها
ومن كتاب الوصايا الذي فيه الحج والزكاة وسئل: عمن يهب الجارية لامرأته فيدفعها إليها، ويشهد لها عليها، فتكون عندها على حالها تخدمها وتخدمه على نحو ما تخدم الخادم زوج سيدتها.
أترى ذلك منها حوزا؟ فقال: إن هذا لإلى الضعف ما هو.
قيل له: قد أشهد لها عليها ودفعها إليها وإنما تخدمها وتخدمه، على نحو ما تخدم الخادم زوج سيدتها.
قال: أرأيت لو وهبت هي لزوجها خادما وأشهد له عليها، أو متاع بيتها ثم أقام على حاله بأيديهما تنتفع به على نحو مما تنتفع به بخادم زوجها وبمتاعه الذي هو في بيتها، أيكون له ذلك إذا ماتت؟ ما هذا بمستقيم، ولكن لو خير ذلك وأخرج من ماله التي هو عليها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم اغتسل من آخر سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
وبالله التوفيق.
: بيع الحائط مساقاة والعامل فيه
ومن كتاب مسائل بيوع من كراء قال: وسئل: عن الذي يهب ثمن حائط هذه السنة ثم يريد أن يبيع أصل الحائط من رجل آخر، فقال: لا يصلح أن يبيعه ما لم تؤبر الثمرة، ولو باعه بعد أن توبر لم يكن له بأس.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في رسم الصلاة من سماع يحيى بعد هذا: إن ذلك لا يجوز، إلا أن يبيع الأصل في دين رهنه إذا ألجئ إلى ذلك من فلس، وهو مثل قوله في المدونة: إن الغرماء إذا أقاموا على صاحب الحائط البينة فلهم أن يبيعوا الحائط.
والمساقاة كما هي، إذ لا فرق بين أن يكون ثمر الحائط أو بعضه قد وجب قبل بيع الحائط لغير رب الحائط بهبة أو بمساقاة.
وقد روى أشهب عن مالك إجازة بيع الحائط مساقاة والعامل فيه لم يذكر تفليسا ولا غيره، فهي مسألة فيها ثلاثة أحوال:
أحدها: إن ذلك لا يجوز في فلس ولا غيره؛ لأن ذلك بمنزلة ما لو باع حائطه واستثنى ثمره قبل الإبار أو قبل الطلوع وهو نص قول غير ابن القاسم في مسألة المساقاة في المدونة إن لم يجز ذلك في الفلس فأحرى لا يجيزه في غير الفلس.
والثاني: إن ذلك جائز في الفلس وغيره؛ لأن البائع لم يستثن الثمرة لنفسه، فيكون باستثنائها كأنه اشتراها، وإنما علم بوجوبها لغيره، فهو عيب تبرأ منه في بيعه.
والثالث: الفرق بين الفلس وغيره، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى في مسألة الهبة، وقوله في المدونة في مسألة المساقاة، وكان سحنون فيما حكى عنه ابن عبدوس يستحسن قول غير ابن القاسم، في أن ذلك لا يجوز، في فلس ولا غيره؛ لأنه من بيع الأصل، واستثناء ثمرته، ثم رجع إلى قول ابن القاسم ورآه من جنس الضرورة؛ لأن أصحابنا يجوزون عند الضرورة من البيع ما لا يجوزونه عند غير الضرورة، والذي أقول به: إن ذلك جائز في الفلس وغيره؛ لأن بيع
الحائط واستثناء ثمرته قبل أن تؤبر إنما لم يجز على قياس القول بأن المستثني بمنزلة المشتري؛ لأنه يصير كأن رب الحائط قد باع حائطه بما سمى من الثمن وبالثمرة التي استثناها، وهذا لا يتصور إذا كانت الثمرة قد وجبت قبل بيع الحائط لغير رب الحائط، وعدم علة المنع، توجب الجواز، وبالله التوفيق.
: مولى عليه موسع عليه تصدق على أمه بإذن وليه
ومن كتاب الأقضية الثاني قال أشهب: وسمعت مالكا، وسئل: عن مولى عليه موسع عليه تصدق على أمه بإذن وليه بدار له حياتها، ثم مرجعها إليه وإلى ولده، قال: ما أرى ذلك له، فقيل له: فكيف الأمر في ذلك؟ وقد شهدنا عليه بإذن وليه، هو أتانا بذلك، وسألنا، فقال: سلوهم أن يمحوا شهادتكم، فإن أبوا، فارفعوا ذلك إلى الناظر حتى يجيزه أو ينقضه، كيف تشهدون على مثل هذا وأنتم قوم تطلبون العلم وتنظرون فيه؟
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة؛ لأن الوصي لم يقدم على اليتيم إلا ليحوز عليه ماله، ويمنعه من إبذاره وإتلافه بالهبات والصدقات، وشبه ذلك.
وقوله: فإن أبوا فارفعوا ذلك إلى السلطان حتى يجيزه، معناه: حتى ينظر في أمره، فإن بان له رشده أمضاه، وكفى من الدليل على بيان المسألة توبيخ مالك لمن قصر فهمه عن إدراك معناها، وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على أخ له بعبد صدقة
مسألة وسئل: عمن تصدق على أخ له بعبد صدقة بتلا على أمه إن مات فالعبد إليه رد، وإن مات المتصدق قبل فالعبد لك بتلا.
قال مالك: فأيهما مات قبل؟ فقيل: المعطي.
فقال: ما أراه إلا راجعا إلى المعطي؛ لأنه كأنه أعطاه ذلك حياته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن أول قوله مرتبط بآخره، فليست بصدقة مبتلة، بما شرط عليه فيه، من أنه إن مات قبله فهي عليه رد؛ لأن ذلك يقتضي ألا يكون له فيها تفويت ببيع ولا بغيره، ما دام المتصدق حيا حتى يموت، فآل أمرها إلى أنه أوصى له بها بعد موته، وعجل له الانتفاع بها طول حياته، فوجب إن مات المتصدق عليه، فله أن يرجع إليه كما شرط، وإن مات المتصدق قبله بثلث له من ثلثه، على معنى الوصية إن كان غير وارث كذلك، قال ابن نافع فيها: إنه إن مات المعطى قبل نظر، فإن كان الأخ وارثا لم يجز له ما صنع، وكان مردودا، يريد: إلا أن يجيز ذلك الورثة، وإن كان الأخ غير وارث جاز ذلك في الثلث.
وبالله التوفيق.
: تصدق بدار له أو حائط على ولده وولد ولده صدقة
ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل: عن رجل تصدق بدار له أو حائط على ولده وولد ولده صدقة بتلا لا مثوبة فيها ولعقبهم فمات ولده كلهم، ولم يتركوا إلا بنتا لبعض ولده الذكور، فأرادت أن تبيع، فقال: ماذا لها؟ فقيل له: إنه لم يجعل حبسا، إنما قال: صدقة بتلا لا مثوبة فيها، فقال: هذه أراها لهم يبيعونها في دينهم، فقيل له: إنه جعلها لهم ولأعقابهم، قال: ليس لهم أن يبيعوها، فقيل له: فقد ماتوا كلهم، حتى لم يبق منهم إلا امرأة واحدة، فأرادت أن تبيع، ولم يجعل ذلك حبسا، أترى لها ذلك؟ قال: نعم، في رأيي أرى ذلك لها.
هذا إنما جعلها لهم، ولم يحبسها فالبنت تبيع؛ لأن ولدها
ليس بعقب، وليس لها في هذا حق.
والولد الذكر ليس له أن يبيع لأن ولده عقب.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنها ترجع بمرجع الأحباس، ولا يكون لآخر العقب ملكا.
قال ابن عبدوس: وهو قول أكثر أصحابنا، ومثله في المدونة لبعض رجال مالك، إلا أن يقول: وهو لآخر العقب ملكا، فيكون ذلك كما قال.
وتخرج المسألة من الاختلاف، وهي في كتاب ابن المواز، قال: إذا قال: داري محبسة على ولدي وعقبهم وهي الآخر منهم بتلا.
قال: تكون كذلك للآخر منهم بتلا، وهي قبل ذلك محبسة، إلا أن يمضي للآخر، وسواء قال: هي للآخر، أو قال: هي الآخر، فإن كان أحدهم امرأة باعت إن شاءت، أو صنعت ما شاءت قد صارت مالها، وإن كان رجلا ممن يرجى له عقب حبست ولم تبع، فإن مات قبل أن يولد له ولد، كانت ميراثا للورثة؛ لأنه حين مات تبين أنها كانت له.
وبالله التوفيق.
: كتاب الصدقات والهبات الثاني
رجل صالح مالك لأمره تصدق على آخر مثله بميراثه من أبيه إذا مات والأب باق
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم: عن رجل صالح مالك لأمره، تصدق على آخر مثله بميراثه من أبيه إذا مات، والأب باق، أيجوز له؟ فقال: لا أرى أن يجوز هذا، قال ابن القاسم: ولا أقضي به عليه، وهو أعلم؛ لأنه أمر لا يدري قدره، ولا يعلمه، لا يدري كم يكون ألف دينار؟ فلا أدري ما هو؟ وهو أعلم.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى أن يجوز هذا، معناه: لا أرى أن يجوز هذا عليه، أي: لا يلزمه، إذ ليس بأمر يجب رده وفسخه لفساده، يبين ذلك قوله بعد ذلك: ولا أقضي به عليه، وهو أعلم؛ لأنه أمر لا يدري قدره، ولا كم يكون؟ فإنما قال: إن ذلك لا يلزمه، من أجل أنه لم يدر قدره ما وهب، إلا من أجل أنه وهب مالك يملك، إذ لم يهبه اليوم، فيكون قد وهب ما لم يملكه بعد، وإنما أوجب ذلك على نفسه يوم يموت أبوه، فيجب له ميراثه، كمن قال: إن ورثت فلانا واشتريته فهو حر، يلزمه ذلك، بخلاف قوله: هو اليوم حر، وقوله في هذه الرواية: إن ذلك لا يلزمه خلاف ما يأتي من قوله في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ: إن ذلك يلزمه، إلا أن يقول: كنت ظننت أنه يسير، ولو علمت أنه بهذا القدر ما وهبته، ويشبه ذلك من قوله: فيحلف على ذلك، ولا يلزمه، فاتفقت الروايتان جميعا على أن
الواهب لميراثه في مرض الميت، ليس بواهب لما لم يملكه بعد، وإنه إنما هو واهب له إذا ملكه بقوله المتقدم قبل أن يملكه، واختلفا في هل يلزمه إذا مات قوله بقوله المتقدم قبل أن يملكه، واختلفا في هل يلزمه إذا مات قوله المتقدم قبل أن يموت؟ فقال في هذه الرواية: إنه لا يلزمه إذا لم يدر يوم أوجبه على نفسه، كم يكون يوم الموت؟ وقال في رواية أصبغ: إن ذلك يلزمه، إلا أن يقول: لمن أظن أنه يكون هذا المقدار؟ فيحلف على ذلك، ولا يلزمه ومن أهل النظر من ذهب إلى معنى رواية أصبغ أن الصدقة كانت بعد موت الأب، ولذلك ألزمه الصدقة، إلا أن يقول: لم أظن أن ميراثي منه مبلغ هذا المقدار، فيحلف على ذلك ولا يلزمه، خلاف الرواية التي قال فيها: إنه يصدق والأب باق، وقال: إن الصدقة إذا كانت والأب باق، فهي غير جائزة على ما قال في هذه الرواية.
قال: وهو الذي يأتي على مذهبه في آخر الوصايا الثاني من المدونة؛ لأن الوارث لا يملك ميراثه في مرض الموت، فيجوز عليه فيه هبته، وإنما الذي له في مرضه التحجير عليه في أن يوصي بأكثر من ثلثه، أو يوصي لبعض ورثته.
فهذا الذي إذا أذن له فيه لزمه على ما قاله في المدونة، وأما أن يهبه هو لأحد فلا.
قال: وفي الموطأ ما يدل على أنه لا يجوز للوارث أن يهب ميراثه في مرض مورثه، وليس ذلك عندي بصحيح، بل الذي في الموطأ أن هبة الوارث بميراثه في مرض الموروث جائز لازم، وليس في المدونة عندي ما يخالف ذلك، ولا في هذه الرواية؛ لأن حمل بعضها على التفسير أيضا نص على خلاف ذلك لاحتمال أن يريد أن الصدقة وقعت في صحة الموروث قبل مرضه، وهذا أولى ما حملت عليه حتى تتفق الروايات؛ لأن حمل بعضها أولى من حملها على الخلاف، فقوله على هذا: إنه إذا وهب ميراثه في صحة الموروث، لم يجز عليه، وإن كان له أن يرجع عنه على معنى هذه الرواية، ولا نص خلاف في ذلك، وإنما يدخل فيه الخلاف بالمعنى، إذ لا فرق في حقيقة القياس في ذلك بين الصحة والمرض.
وإذا وهب ميراثه في مرض الموروث الذي مات منه لزمه، ولم
يكن له أن يرجع عنه، إلا أن يتصدق به، وهو بظنه يسيرا فينكشف له أنه كثير، فيحلف على ذلك، ولا يلزمه على ما قاله في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ، ولا نص خلاف في ذلك، أن جوازه بين في الموطأ ويدخل في ذلك الخلاف على ما حكيته عن بعض أهل النظر، فيتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال: الجواز في الصحة والمرض، وعدم الجواز فيهما، والفرق بينهما.
وقد مضى هذا في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الشهادات.
وأما إذا وهب ميراثه من أبيه بعد أن مات أبوه، فذلك جائز باتفاق، وإن كان لا يعرف قدره؛ لأن هبة المجهول جائز، قال في المدونة: وإن لم يدرك كنه مورثه إن كان سدسا أو ربعا أو خمسا.
ومثله لأشهب في كتاب ابن المواز.
وقال محمد بن عبد الحكم: تجوز هبة المجهول، وإن ظهر له أنها كثيرة بعد ذلك.
وقول محمد بن عبد الحكم خلاف قول ابن القاسم في رسم الأقضية، والحبس من سماع أصبغ، إذ لا فرق في الصحيح من التأويل بين أن يهبه في مرض أبيه أو بعد موته، وقد قال بعض المتأخرين على معنى ما في المدونة: إنه إذا عرف قدر الميراث فالهبة جائزة، عرف نصيبه من ذلك أو جهله، وإذا جهل قدر الميراث فالهبة باطل، عرف نصيبه من ذلك أو جهله، وإذا جهل قدر الميراث، فالهبة باطل، عرف نصيبه من ذلك أو جهله، وهذا غير صحيح، لا فرق في حقيقة القياس، بين أن يجهل قدر المال أو قدر نصيبه منه، إذا جهله جملة ينبغي أن يجوز في الوجهين جميعا، إلا أن يكون ظن أن ذلك أقل مما انكشف في الوجهين، فيحلف على ذلك، ولا يلزمه على قول ابن القاسم، ويلزمه على قول محمد بن عبد الحكم.
وأما إن شك فيها بين الجزأين، مثل أن يكون الزوج لا يدري إن كان يرث النصف أو الربع، فيكون للتفرقة بين ذلك وبين الذي يجعل قدر المال وجه، وهو أن الذي يشك فيما بين الجزأين، قد رضي بهبة أكثرهما، فوجب أن يلزمه، وبالله التوفيق.
: تصدق على ولده بناض دنانير أو دراهم
ومن كتاب أوله أول عبد استأذن سيده في تدبير جاريته قال: وسئل مالك: عن امرأة هلكت وتركت أباها وابنها وابنتها وزوجها وهو أبوهما، وتركت متاعا وحليا وصداقا، فأراد أن يتصدق أبوها على الصبيين، فقال لأبيهما: إن تصدقت بمصابك من امرأتك، فيما لها عليك من الصداق، وفي حليها وفي متاعها، وجميع ما تركت على ولدك منه، فمصابي منها في جميع ما تركت صدقة عليهما، فقال أبوهما: نعم، قد تصدقت بجميع مصابي منها عليهما وأشهد لهما بذلك، فمات الجد والأب، والصبيان طفلان، والمتاع والحلي وجميع ما تركت في أيد أبيهما، والصداق عليه كما هو.
قال ابن القاسم: أما المتاع والحلي وما تركت هو الصداق الذي عليه، فهو لهما؛ لأن حوز أبيهما لهما حوز، وأما الصداق فليس لهما منه شيء، لا من مصابة جدهما، ولا من مصابة أبيهما؛ لأن الجد إنما تصدق عليهما، على أن يتصدق أبوهما عليهما، فإنه لم يتصدق أبوهما عليهما، فليس لهما من صدقة جدهما شيء؛ لأن أباهما لم يفرز لهما من صدقة الصداق، إذ لم يفرز لهما ذلك، ويجعله لهما على يد غيره؛ لأن الأب إذا تصدق على ولده بناض دنانير أو دراهم لم تجز صدقته إلا أن يجعل ذلك على يدي غيره، فإذا لم يجعل ما عليه من الصداق بيد غيره، فلم يتصدق عليهما منه بشيء، ولم يقدر لهما شيئا، فلا شيء لهما من الصداق، لا من مصابة أبيهما، ولا من مصابة جدهما.
قال ابن القاسم: ولو كان الصداق الذي عليه عرض موصوف، لم يجز لهما منه أيضا شيء لو تصدق عليهما بعبد موصوف أو سلعة موصوفة،
ليست بعينها ثم مات قبل أن يحوزها لهما لم يجز لهما منه شيء، إذا كان الموصوف عليه نفسه، مثل أن يقول: قد تصدقت على ابني بعبد من صفته كذا وكذا، فلا يجوز.
ولو كان لأبيه على رجل أجنبي عبد موصوف، فتصدق على ابنه، جازت صدقته، قبضها الأب أو لم يمض حتى مات.
قلت: أرأيت إذا تصدق عليه بدنانير له على رجل فقبضها الأب قبل أن يموت، ثم مات وهي في يديه؟ فقال مالك: الصدقة له جائزة، وتؤخذ من ماله، إذ لأنها قد خرجت مرة حين كانت على الغريم.
قلت: وكذلك لو تصدقت على ابن بمائة دينار، فوضعتها له على يدي رجل، ثم أراد الرجل سفرا لو مات فأخذتها منه ثم مات.
وهي في يده أكانت له؟ قال: نعم، هي له تؤخذ له من مالها إذا حيزت له مرة واحدة، فقد حيزت، لا يبالي قبضها الأب بعد ذلك أم لم يقبضها وهي بمنزلة الدار، يتصدق بها على ولده، فيحوزها عنه السنتين أو الثلاثة، ثم يسكن بعد ذلك فيها بكراء أو غيره، ثم يموت، فالصدقة جائزة للذكر، وكل صدقة حيزت مرة فهي جائزة.
قال محمد بن رشد: أما إذا تصدق على ولده بحظه الذي يجب له بالميراث من الصداق الذي عليه لزوجه، عينا كان أو عرضا، فلا اختلاف في أنه يجوز للابن إذا مات الأب وهو عليه كما هو، إذ لا يكون جائزا لابنه ما هو في ذمته، لو قال: أشهدكم أني قد وهبت لابني كذا وكذا دينارا أوجبتها له في ذمتي لم يجز ذلك، وكانت باطلا إذا مات وهي عليه قبل أن يحضرها.
وأما قوله: إن ذلك لا يجوز للابن حتى يحوز ذلك ويجعله لهما على يد غيره؛ لأن الأب إذا تصدق على ولده بناض دنانير أو دراهم، لم تجز صدقته، إلا أن يجعل ذلك على
يدي غيره، فهو مثل ما تقدم من قوله في رسم طلق من سماع ابن القاسم، ومثل أحد قولي مالك فيه، ومثل قوله في أول رسم من السماع المذكور، خلاف قول مالك في الموطأ، وخلاف ما ذهب إليه أصحابنا المدنيون، من أنها جائزة للابن إذا عزلها وطبع عليها، وإن لم يضعها له على يدي غيره، وقد مضى بيان ذلك في الرسمين المذكورين من سماع ابن القاسم.
ولا اختلاف فيما ذكره من أنه إذا تصدق على ابنه الصغير بالدين يكون له على رجل فقبضه، أو بالدنانير فوضعها على يد غيره، ثم قبضها منه عند سفره، أو من ورثته بعد موته، إنها جائزة للابن تؤخذ له من ماله بعد وفاته، كالدار إذا تصدق بها على من يحوز لنفسه، يحوزه إياها ثم رجع بعد مدة أقلها العام إلى سكناها.
كذا قال في رسم أوصى بعد هذا: إن حد ذلك السنة وما أشبهها، فوقع في بعض الكتب أيضا في هذه الرواية: فيحوزها عنها السنتين أو السنة، وهو مثل ما في رسم أوصى، ولا يشترط في الدين الذي يتصدق به على ابنه ثم يقبضه أن يبقى على الذي هو عليه بعد الصدقة حولا كاملا؛ لأنه لم يزل محوزا عنه.
وأما الدنانير التي كانت بيده فتصدق بها على ابنه، ووضعها له على يدي غيره ثم قبضها منه، فذلك عندي كالدار، إن قبضها منه باختياره لغير عذر من سفر أو موت قبل الحول، بطلت الحيازة، وكذلك الدار، لو رجع الأب إلى سكناها قبل الحول لعذر، مثل أن ينتقل الابن عن البلد قبل الحول، أو يكون غائبا حين تصدق عليه، فيضعها له على يدي غيره، فيموت أو يسافر قبل الحول.
وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يتصدق بعبد لابنه أو يهبه أو يعتقه أو يتزوج به ولا مال له
مسألة قال: وسألته عن الرجل يتصدق بعبد لابنه، أو يهبه أو يعتقه أو يتزوج به ولا مال له.
قال مالك: أما الهبة والصدقة فلا تجوز، إن كان له مال، وأما العتق فإن كان له مال وكان في ولايته فالعتق جائز، وللولد قيمته في مال أبيه، فإن كان ولد قد
حاز نفسه، وبان منه، فلا يجوز عتقه، وأما التزويج فإنه جائز للمرأة، دخل بها أو لم يدخل، إن كان ولد يليه، وكذلك سمعنا مالكا يقول: ذلك جائز، ولم يقل دخل بها أو لم يدخل، ووجدناه في مسائل عبد الرحيم، فإن لم يكن الأب فقال حين أعتقه، لم يجز عتقه إلا أن يتطاول ذلك.
قال محمد بن رشد: فرق ابن القاسم بين أن يعتق الرجل عبد ابنه الصغير، أو يتزوج أو يتصدق به، فقال: إن العتق ينفذ إن كان موسرا ويغرم القيمة لابنه، ويرد إن كان معدما إلا أن يطول الأمر فلا ترد القيمة، قال أصبغ: لاحتمال أن يكون حدث له في خلال ذلك يسر لم يعلم به.
وأما إن علم أنه لم يزل عديما في ذلك الطول، فإنه يرد، وقال: إن الصدقة ترد، موسرا كان أو معدما، فإن تلفت الصدقة بيده المتصدق عليه بأمر من السماء، لم يلزمه شيء، وغرم الأب القيمة وإن فاتت بيده باستهلاك أو أكل، والأب عديم، لزمه غرم قيمتها، ولم يكن له على الأب رجوع، فإن كان عبدا فأعتقه مضى عتقه، وغرم الأب قيمته، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، رد عتقه، إلا أن يتطاول ذلك، بمنزلة إن أعتقه الأب، وإن كانت جارية فاتخذها المتصدق عليه أم ولده، لزمته إن لم يكن للأب مال، بمنزلة ما فوت باستهلاك أو أكل، هذا الذي يأتي في هذا على مذهب ابن القاسم في القسمة من المدونة.
ولا أحفظ له فيه نصا.
وقال مطرف وابن الماجشون: إن كان تصدق الأب بمال ولده، وهو موسر، أو معسر ثم أيسر، غرم القيمة، ومضت الصدقة للمتصدق عليه، فإن أعسر بعد ذلك ولم يوجد له مال، وكان المتصدق عليه نقد أفات الصدقة بعتق أو اتخاذ أو أكل أو استهلاك، غرم القيمة واتبع بها الأب، وإن كانت قد فاتت عنده بأمر من السماء، لم يكن عليه شيء، وإن كان الأب تصدق به وهو معسر فاتصل عدمه، وقد أفات المتصدق عليه الصدقة غرم قيمتها، ولم يكن له على الأب رجوع؛ لأنه فعل
ما لا يجوز.
وقال في التزويج: إن المرأة أحق به، دخل بها أو لم يدخل، موسرا كان الأب أو معسرا، ويتبع الابن أباه بقيمته.
قال في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح: يوم أخذه وأصدقه وامرأته تريد يوم تزوج عليه، لا يوم دفعه؛ لأنه بيع من البيوع، كذا قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب.
فظاهره: وإن لم تقبضه المرأة.
وروى أصبغ عن مالك وابن القاسم أن الابن أحق به من المرأة ما لم تقبضه المرأة، ما لم يطل في يديها بعد القبض، وأما إن قام بعد القبض، باليوم واليومين، والأمر القريب، فهو أحق به، ويكون كالاستحقاق، وتتبع المرأة الأب بقيمته، وسواء على ما ذهب ابن القاسم الذي نص عليه في هذه الرواية، دخل الأب بالمرأة أو لم يدخل بها، وفرق مطرف بين أن يدخل بها أو لا يدخل، ورواه عن مالك.
وقال ابن الماجشون: الابن أحق، دخل الأب أو لم يدخل، قبضت الزوجة أو لم تقبض، طال الأمر أو لم يطل، وهذا الاختلاف إنما هو إذا كان الأب معسرا، وأما إن كان موسرا، فالزوجة أحق قولا واحدا.
وحكم ما باعه الأب من مال ولده الصغير في مصلحة نفسه، أو حابى فيه - حكم ما وهبه أو تصدق، يفسخ في القيام، ويكون الحكم فيه في الفوات على ما ذكرته في الهبة والصدقة، غير أنه إذا عدم يرجع على الأب بالثمن، وأجاز أصبغ فعل الأب كله في مال ابنه من الهبة والصدقة والعتق والإصداق في القيام والفوات، في العسر واليسر، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت ومالك لأبيك» فعلى ظاهر الحديث لا فرق بين الصغير والكبير، وهو قول أشهب في رواية ابن أبي جعفر عنه، سئل: عن الرجل يتزوج بمال ابنه أو يعتق أو يهب أو بيع؟ قال: إن كان موسرا يوم فَعَلَ فذلك جائز، وإن كان معسرا لم يجز، ورد وأخذ الابن ماله، كان الابن صغيرا أو كبيرا، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنت ومالك لأبيك»
: يتصدق بثلثي غنمه على ابنه
ومن كتاب العرية في الذي يتصدق بثلثي غنمه على ابنه.
قال: ولا يسأل ابن القاسم، وسئل: عن رجل قال: غنمي ثلثاها لابني صدقة عليه، وثلثها صدقة في سبيل الله.
فأقامت في يديه زمانا، ثم عدا عليها فباعها، ثم مات، وابنه صغير في حجره.
قال: صدقة الابن ثابتة، يأخذها من ماله، وأما الثلث الذي سمي في سبيل له، فهو لا شيء، ولا شيء في ذلك من مال الميت؛ لأنه لم يخرجه حتى مات.
وأما صدقة الابن فهي جائزة له؛ لأنه هو الحائز له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس، فاكتفيت بذلك عن إعادته هاهنا وستأتي المسألة أيضا في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا من هذا الكتاب.
مسألة: تصدق على رجل بثمن حائطه سنة
المسألة وقال في رجل تصدق على رجل بثمن حائطه سنة، فيموت المتصدق عليه قبل السنة، هل يكون لورثته؟ أو يكون تصدق على رجلين فيموت أحدهما قبل أن تؤبر النخل، أو بعدما أبرت، هل ترى الموروثة شيئا؟
قال ابن القاسم: ذلك لورثتهما جائز للرجلين جميعا، الذي سألت عنه، وأما الذي لا يكون لورثتهما شيء إنما ذلك فهي إذا مات أحدهما قبل أن تطيب، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: أما الثمرة المتصدق بها صدقة مبتولة، فلا اختلاف في أنها ثورت عن المتصدق، وإن مات قبل أن تؤبر الثمرة، أو قبل أن
تطلع وأما الثمرة المحبسة على قوم بأعيانهم، فقد اختلف في الحد الذي تجب الثمرة لهم، وتورث عنهم على ثلاثة أقوال، قد ذكرناها وبينا ما يتعلق بمعناها بيانا شافيا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس فغنينا بذلك عن إعادته.
مسألة: قال الغلام كله لفلان صدقة وليس له إلا نصفه
مسألة وسئل: عن الرجل تكون له الدار، وغلام بينه وبين رجل، فحضرته الوفاة، فقال: الغلام كله لفلان صدقة، وليس له إلا نصفه.
وقال: الدار التي بيني وبين فلان على فلان صدقة كلها، ما ترى فيه؟ قال: أرى إن كان إنما تصدق بالدار أو بالعبد على شريكه منهما، وقال هذه المقالة التي ذكرت، فليس للشريك إلا حصة المتصدق، وإن كان تصدق بذلك على أجنبي، وقال هذه المقالة، كانت الدار كلها أو العبد كله له، إن رضي شريكه أن يسلم ذلك بقيمته، رجع ابن القاسم وقال: لا أرى للشريك ولا للأجنبي إلا نصيبه من ذلك، إلا أن يقول: اشتروا له نصيب صاحبي، وَبَيَّنَ.
قال محمد بن رشد: وكذلك حكم الصدقة الباقية إذا لم يكن في وصيته، سواء تصدق بالعبد كله، أو الدار كلها على شريكه في ذلك، لم يكن له إلا نصيبه المتصدق، وإن تصدق بذلك على أجنبي فمرة رأى ابن القاسم أن للمتصدق عليه العبد كله، أو الدار كلها، ويلزمه لشريكه قيمة حظه من ذلك، إن رضي شريكه أن يسلمه إليه بقيمته، ومرة قال: إنه لا يلزمه الصدقة إلا بنصيبه من ذلك، إلا أن يقول: قد تصدقت عليه بجميعه إن رضي شريكي أن يأخذ مني في نصيبه قيمة وجه القول الأول أنه لما تصدق بجميعه لم يحمل على ظاهره من العداء بصدقة ما ليس دون عوض يدفعه
فيه، وحمله على أنه إن أراد، إن رضي شريكه بأخذ قيمة نصيبه منه.
ووجه القول الثاني أنه حمل فعله على ظاهره من العداء بصدقة ما ليس له، كما لو تصدق رجل على رجل بعبد لا حظ له فيه، لم يلزمه أن يؤدي إلى صاحبه قيمته، وإن رضي بذلك، إلا أن يرضى هو بذلك.
والقول الأول أظهر؛ لأن البر وإرادة الخير والثواب قد ظهر منه في الصدقة بنصيبه، فالأولى أن يحمل فعله كله على ذلك، ولا يحمل بعضه على التعدي، وأما نصيبه فلا اختلاف في أن الصدقة تلزمه فيه، إلا يكون له مع شريكه فيه شركة مع غيره مما يقسم معها قسما واحدا، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقسم، فإن صار ذلك للمتصدق في سهمه، كان ذلك للمتصدق عليه، وإن صار لشريكه له شيء، وهو قول ابن القاسم، على أن القسمة تمييز حق.
والثاني: أنه لا يكون للمتصدق عليه إلا حصة المتصدق من ذلك، فإن صارت لشريكه، كان له من حق المتصدق من غيرها قدر ذلك، وهو قول ابن الماجشون، على قياس القول بأن القسمة بيع من البيوع.
والثالث: أنه إن صار ذلك للمتصدق كان للمتصدق عليه، وإن صار لشريكه، كان له من حظ المتصدق، من خيرها قدر ذلك، وهو قول مطرف.
واختلف إن كان العبد الذي تصدق بجميعه من مال قراض بيده فيه ربح، فقيل: إنه تلزمه الصدقة بما يصيبه منه، وقيل: إنه لا يلزمه ذلك إذ لا يتقرر له فيه حق إلا بعد نضوض رأس المال إلى صاحبه، لجواز أن يخسر فيما يستقبل، فيكون عليه أن يجيز رأس المال ما يجب له من ربح هذه السلعة، والقولان قائمان من كتاب القراض من المدونة.
وبالله التوفيق.
مسألة: تصدقت عليه بالمهر وهو عليه فقبل الصدقة
مسألة وسئل: عن رجل سأل امرأته أن تتصدق عليه بمهرها، فتصدقت عليه به، وكان لها به كتاب، ثم إنه سخط فرد عليها الكتاب بعد ذلك بأيام، فقبلته بشهود، ثم توفى الرجل، فهل ترى
لها شيئا؟ قال: لا شيء لها في ذلك الصداق، وهو بمنزلة ما تصدق عليها به من ماله فلم يقبضه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه؛ لأنه لما تصدقت عليه بالمهر وهو عليه، فقبل الصدقة منها بقبضه الكتاب، سقط عنه المهر، وصار رده الكتاب إليها ابتداء صدقة على غير عوض، فوجب أن يبطل إذا مات وهو عليه قبل أن يقبضه منه.
وبالله التوفيق.
: وكل آخر في التصدق بمائة دينار فمات المتصدق قبل قبضها
ومن كتاب يوصي لمكاتبه قال: وسئل ابن القاسم: عن رجل تصدق على رجل بمائة دينار، وكتب إلى وكيل له ليدفعها إليه، فقدم على الوكيل بالكتاب، فدفع إليه الوكيل خمسين، وقال له: اذهب، سأدفع إليك الخمسين الباقية، اليوم أو غدا، فمات المتصدق قبل أن يقبض المتصدق عليه الخمسين الباقية من الوكيل، قال: لا شيء له منها إذا لم يقبضها حتى مات المتصدق بها، وليس أكثر من الخمسين التي قبض؛ لأن الوكيل بمنزلته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن يد الوكيل كيد موكله، فلا فرق بين أن يعده بدفع بقية ما تصدق عليه هو أو الوكيل إذا مات قبل أن يدفع ذلك إليه.
وبالله التوفيق.
مسألة: يتصدق على الرجل بالأمة فلا يقبضها المتصدق عليه حتى تلد أولادا
مسألة قال: وسألته عن الرجل يتصدق على الرجل بالأمة فلا يقبضها المتصدق عليه حتى تلد أولادا، هل يأخذها هي وولدها؟ قال: نعم، يأخذها وولدها؛ قلت: فإن قتل بعض ولدها فأخذ السيد له
أرشا أو أصيبت هي بقطع يد أو رجل أو غير ذلك، فأخذ السيد بذلك أرشا، هل يأخذها ويأخذ أرش ولدها وجسدها؟ قال: نعم، يأخذها وأرش ولدها ويدها ورجلها وما أصيبت به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو بين لا اختلاف فيه؛ لأن الأمة قد وجبت له بالصدقة، وولدها الذي ولدته بعد الصدقة بمنزلتها، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» ، فلما يأخذها وولدها، فكذلك يأخذ قيمة ولدها إذا قتل، وأرش ما أصيبت به في جسدها إذا جني عليها، وإنما وقع السؤال على هذا القول، من يقول: إن الهبة والصدقة لا تلزم الواهب والمتصدق، وله أن يرجع عنها ما لم يدفعها، ولا يحكم عليه بها إلا بعد قبضها، وهو ما لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه عامة.
وبالله التوفيق.
مسألة: الحج والغزو أيهما أحب
مسألة وسئل: عن الحج والغزو، أيهما أحب إليك؟ قال: الحج، إلا أن يكون خوف، قيل له: فالحج والصدقة؟ قال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، قيل له: فالصدقة والعتق؟ قال: الصدقة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الحج أحب إليه من الغزو، إلا أن يكون خوفا - معناه: في حج التطوع لمن قد حج الفريضة.
وإنما قال ذلك؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ؛ لأن الجهاد وإن كان فيه أجر عظيم، إذا لم يكن خوف، قد لا يفي أجره فيه بما عليه من السيئات عند الموازية فلا يستوجب به
الجنة كالحج، وأما الغزو مع الخوف، فلا شك في أنه أفضل من الحج التطوع والله أعلم؛ لأن الغازي مع الخوف قد باع نفسه من الله عز وجل، فاستوجب له الجنة والبشرى من الله عز وجل بالفوز العظيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] وإنما قال: إن الحج أحب إليه من الصدقة، إلا أن تكون سنة مجاعة؛ لأنه إذا كانت سنة مجاعة، كانت عليه المواساة، فالصدقة واجبة، فإذا لم يواس الرجل في سنة المجاعة من ماله بالقدر الذي يجب عليه المواساة في الجملة، فقد أثم، وقدر ذلك لا يعلمه حقيقة بالتوفي من الإثم بالإكثار من الصدقة، أولى من التطوع بالحج الذي لا يأتم بتركه، وإنما قال: إن الصدقة أفضل من العتق، لما جاء في الحديث الصحيح من: «أن ميمونة بنت الحارث أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي، قال: "أَوَفَعَلْتِ؟ " قالت: نعم، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك".» وهذا نص من النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك، قَوَّتْهُ الاستدلالُ عليه بالظواهر، وبالله التوفيق.
: تصدق على ولده وهم صغار
ومن كتاب أوصى معه أن ينفق على أمهات أولاده قال: وسئل: عمن تصدق على ولده وهم صغار يليهم بدار، وأشهد لهم، وكان يكريها لهم، فلما بلغوا الحوز قبضوها وأكروها
منه، فمات فيها، فقال: لا أراها إلا جائزة، إذا كانوا قد قبضوها وحازوها وانقطعوا بالحيازة، وانتقل منها، قيل له: وكم حد ذلك؟ قال: السنة والسنتان.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم استأذن من أن رجوع المتصدق إلى سكنى الدار التي تصدق بها بعد أن حيزت عنه حيازة بينة، حدها العام، على ما نص عليه في هذه الرواية، لا تبطل الصدقة ومثله في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من كتاب الرهون، خلاف الرهن، لا اختلاف في أن الرهن يبطل برجوعه إلى الرهن وإن طالت مدة حيازة المرتهن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] وفي هذه المسألة بيان واضح، إن الأب لو رجع إلى سكنى الدار وبنوه صغار، لبطلت الهبة، وإن كان قد أخلاها ورهنها وحازها لهم بالكراء المدة الطويلة، فتفتقر في هذا حيازة الأب للصغار.
وقد نص على ذلك محمد بن المواز في كتابه.
وبالله التوفيق.
مسألة: تصدق على ابنه بدار وعمل له فيها ومات وهي في يديه
مسألة وقال فيمن تصدق على ابنه بدار، وعمل له فيها، ومات وهي في يديه: إن الصدقة له باطل، قيل له: فإن أنفذها له الورثة، ثم أرادوا الرجوع فيها، قال: الناس في هذا مختلفون.
أما أنا فأرى أن يحلفوا إن كانوا ممن يعرفون بالجهالة، إنهم إنما أنفذوها له وهم يرون أن ذلك عليهم قد لزمهم، ويرجون فيها فيأخذونها.
قال محمد بن رشد: قوله: الناس في هذا مختلفون، في مثل
يريد: المخاصمين في مثل هذا وشبهه مختلفون، منهم من يجهل فيصدق إذا ادعى الجهالة، ومنهم من لا يجهل فلا يصدق إذا ادعى الجهالة.
إذا كانوا ممن يعرف بالجهالة أن يحلفوا أنهم إنما أنفذوها، وهم يرون أن ذلك عليهم قد لزمهم، وهي يمين تهمة، فيختلف فيها، إلا أن تحقق عليهم الدعوى بأنهم إنما أنفذوها بعد أن علموا أن ذلك لا يلزمهم، فيجب عليهم اليمين قولا واحدا.
ولسحنون في أول نوازله في نظير هذه المسألة أنهم لا يصدقون في دعوى الجهل، وقال: أنت تدفع إليه ماله، وتبيحه له بعدما قد حزته وملكته، ثم قمت الآن تدعي الجهالة، ما أرى لك فيما دفعت إليه حقا، فقال له السائل: أنا أقيم البينة أنه قد قال: إن هذه الصدقة، لا يجوز لك منها إلا الثلث.
وقد سألت عن ذلك الفقهاء وأخبروني بذلك.
فقال له: أما إن أقمت البينة على هذا، فأرى لك أن ترجع عليه بما أخذ منك، فلم يصدقه سحنون في دعوى الجهالة، ما أرى لك فيما دفعت، وهو إقامة البينة على ما زعم من أنهم غروه به، وقالوا له.
ويأتي على قول أشهب في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب: في الذي يزوج ابنته على أنها بكر، فزعم الزوج أنه وجدها ثيبا لا عذرة لها - أنها تلزمه، ولا شيء له، إن الجاهل في مثل هذا لا يعذر بالجهل، حسبما بيناه هناك.
ومثله قول سحنون في نوازله من كتاب العيوب في الذي يشتري العبد، فيقول للتاجر: هل فيه من عيب؟ فيقول: هو قائم العيبين، فيسأل عن القائم العيبين، فيقال له: هو الذي لا يبصر - إن البيع له لازم، وليس له أن يرده، ففي المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: إنه ليس له أن يرجع فيما أنفذ بحال، وإن علم أنه جهل، إذ لا عذر له في الجهل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في آخر كتاب الوصايا من المدونة، في الابن الذي في عيال الرجل يأذن له في مرضه في الوصية بأكثر من ثلث ماله، ثم ينفذ ذلك بعد موته، إنه ليس له أن يرجع في ذلك، ظاهره: وإن كان
جاهلا يظن أن إذنه له في ذلك في مرضه جائز عليه.
والثاني: إن له أن يرجع في ذلك إن ادعى الجهل، وكان يشبه ما ادعاه مع يمينه على ذلك وهو قوله في هذه الرواية، وقيل بغير يمين على ما ذكرناه، من أن اليمين في ذلك تهمة.
والثالث: إنه ليس له أن يرجع في ذلك، إلا أن يعلم أنه جهل، بدليل يقيمه على ذلك، وهو قول سحنون في نوازله من هذا الكتاب، وأخصر من هذا أن يقول: إن في المسألة قولين: أحدهما: إنه يعذر بالجهل، والثاني: إنه لا يعذر، فإذا قلنا: إنه يعذر به، ففي تصديقه فيه قولان، قيل: إنه يصدق، وقيل: إنه لا يصدق، فقيل: يمين، وقيل: بغير يمين.
وبالله التوفيق.
مسألة: الصفائح والحلي المكسور والنقر أفيه ثواب
مسألة وسئل: عن الصفائح والحلي المكسور والنقر، أفيه ثواب؟ قال: ليس في ذلك كله ثواب.
قال محمد بن رشد: أما الحلي والنقر فإنه بين أنه لا ثواب في ذلك، بمنزلة الدنانير والدراهم، فلا يصدق من وهب شيئا من ذلك، فإن كان فقيرا والموهوب له غنيا أراد بذلك الثواب له، إلا أن يشترطه.
هذا قوله في المدونة؛ لأنه إنما وهب للثواب، ما يتحقق به الموهوب له، مثل الفرس الرائع، والعبد النبيل التاجر، والثوب الحسن، ويشبه ذلك مما يستحسن، فالحلي المصنوع على هذا فيه الثواب، وهو نص قوله في المدونة، وأما قوله في الصفائح: إنه لا ثواب فيها، فإن كان أراد به الصفائح المصنوعة من الحديد لتنعيل الدواب، فالمعنى في ذلك: أنها كثيرة الحديد، لا يتحف بها من أهديت إليه، ولو أهداها إليه في الغزو عند عدمها والحاجة إليها لوجب أن تكون فيها للثواب، فإن كان أراد بها صفائح الذهب، أي: سبائكه، فإنه لا ثواب فيها؛ لأن سبائك الذهب بمنزلة نقر الفضة، لا ثواب لمن زعم أنه أراد بذلك الثواب؛ لأنها بمنزلة الدنانير والدراهم.
وبالله التوفيق.
: تصدقت على زوجها بالصداق فمنت عليه فكتب لها صداقا إلى موته أو حالا
ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك وسئل: عن امرأة تصدقت على زوجها بصداقها، فمنت عليه بعد ذلك، فقال: أنا أكتب لك صداقا فكتب لها صداقا إلى موته، أو حالا، قال: إن لم تقبض الذي كتب لها فلا شيء لها؛ لأنها عطية لم تقبض.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إنه إذا لم تقبض ذلك في حياته، فلا شيء لها؛ لأنه إن كتب لها ذلك إلى موته، فهي وصية لوارث، وإن كتبه لها حالا فهو كما قال عطية تقبض وقد مضى ذلك في آخر رسم العرية، فلا معنى لإعادته.
: الرجل يتصدق على امرأته بالمسكن وهو ساكن فيه
ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب إلى أجل
قال ابن القاسم، في رجل تصدق على امرأته بالمسكن، والمرأة تتصدق على زوجها بالمسكن، وهما ساكنان فيه.
قال: أما ما تصدقت المرأة على زوجها مسكنا كانت تسكنه، فيسكن بها فيه كما هو، فإن سكناه بما فيه حوز له؛ لأن السكنى عليه أن يسكنها، وأما ما تصدق هو به عليها، من مسكن فسكن هو وهي، فلا أرى حوزها حوزا حتى تخرج منه، وتحوزها بما تحاز به الصدقات؛ لأنه كانت السكنى عليه، فلم يحزه بشيء يعرف، وأما الخادم يتصدق بها عليه، أو يتصدق هو بها عليها، فإنه إن كان كل واحد منهما يستخدمها ويرسلها في حوائجه، فإن ذلك حوز لكل واحد منهما، وإن انتفع به الذي تصدق به، وذلك أني سألت مالكا عن الرجل
يتصدق عن المرأة بالخادم فيخدمها وتخدمه، هل تراه حِوَازًا؟ قال: نعم، والخدمة عند مالك إنما تكون على الزوج إذا لم يكن للمرأة خادم دخلت بها من صداقها، وقاله أصبغ كله، وكذلك الأمتعة، والوطء وفرش البيت وآنية المنزل، في ذلك كله، أي ذلك تصدق به عليها فهو حوز، وإن أقروه في المنزل معها وكانا يتواطيانه جميعا وينتفعان، إذا أعلن الصدقة بشهادة وبتل وأشهد لها وبالتخلي.
قال محمد بن رشد: أما المسكن الذي يسكنان فيه، فالفرق بين أن تكون هي الواهبة له، أو هو لها - بَيِّنٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَحْفَظُهُ؛ لأن السكنى عليه، فالأشياء سكن معها في ذلك المسكن، وإن شاء أخرجها منه إلى غيره.
وأما الخادم فقد اختلف في حيازة كل واحد منهما إياها إذا وهبها له صاحبه، وبقيت على حالها يخدمهما جميعا؛ حسبما مضى تحصيله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، ومضت أيضا في رسم الوصايا الذي فيه الحج والزكاة من سماع أشهب وحكم الوطء والثياب وحكم الخادم في مذهب ابن القاسم على ما قاله أصبغ، لا يرهن حيازة المرأة له انتفاع زوجها الواهب له به إذ لا يقدر على الانكفاف من ذلك.
وقوله: إنه يكتفي بالإشهاد على صفة من الإشهاد على عينة - صحيح؛ لأنه إذا وجد بيدها على الصفة الموصوفة في كتاب الصدقة والهبة حمل على أنه هو، فإن ادعى الورثة عليها أنه أَنَّ المتصدق به عليها غيره، وقد غيبته، كان القول قولها مع يمينها، وبالله التوفيق.
: تصدق الرجل بصدقة على ألا يبيع ولا يهب
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال: وقال مالك: إذا تصدق الرجل بصدقة أو وهب له الهبة، على ألا يبيع ولا يهب.
قال: لا يجوز هذا، ويقال للمتصدق: إما أن يغتلها وإلا فخذ صدقتك، قال مالك: إلا أن يكون صغيرا أو سفيها، فيشترط عليه ذلك، إلا أن يحسن حال السفيه، ويكبر الصغير، فيكون لهما بتلا، فذلك جائز.
قال عيسى: أكره أن تقع الصدقة على هذا، فإن وقع مضى، ولم يرد وكان على شرطه.
قال سحنون: إذا تصدق عليه بصدقة أو وهب له هبة، على ألا يبيع ولا يهب، فهي له حبس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها خمسة أقوال:
أحدها: إن الهبة والصدقة لا تجوز، إلا أن يشاء الواهب أو المتصدق أن يبطل الشرط ويمضي الصدقة أو الهبة، فإن مات الواهب أو الموهوب له أو المتصدق، أو المتصدق عليه، بطلت الصدقة أو الهبة، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية.
ومثله قول ابن القاسم في رواية سحنون هذا من هذا الكتاب في الذي يتصدق على الرجل بالشيء، على أنه إن باعه فهو أحق به، يريد: بالثمن وبغير الثمن، قال: ليست هذه بشيء، ومثله أيضا قول ابن القاسم في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ بعد هذا في الذي يتصدق على رجل بعبد له، ويشترط عليه أن له منه خدمة يومين من كل جمعة، إنها ليست بصدقة إن مات المتصدق، خلاف قول أصبغ فيه من رأيه، فالهبة على هذا القول على الرد، ما لم يجزها الواهب ويمضيه بترك الشرط، فإن استرد هبته من يد الموهوب له، وكان قد سقى وعالج، رجع عليه بما سمى وعالج، قياسا على ما قاله في المدونة في مسألة الفرس.
والقول الثاني: إن الواهب مخير بين أن يسترد
هبته، أو ترك شرطه وورثته بعده، ما لم ينقض أمده بموت الموهوب له، فيكون ميراثا عنه، وهذا القول يأتي على ما في المدونة من قوله في مسألة الفرس وإن فات الأجل، لم أر أن يرد، وكان للذي بتل له بعد السنة بغير قيمة على تأويل من رأى أن الفرس ملكا لا حبسا عليه فالهبة والصدقة على هذا القول على الإجازة ما لم يردها الواهب أو ورثته بعده قبل فواتها كانقضاء أمد الشرط، وهو موت الموهوب له؛ لأنه حجر عليه الهبة والبيع طول حياته، وهو قول أصبغ من روايته في رسم الكراء والأقضية من سماعه بعد هذا.
والقول الثالث: إن الشرط باطل، والهبة جائزة، وهذا القول يأتي على ما في المدونة من أن الرجل إذا حبس الدار على رجل وولده، وشرط أن ما احتاجت الدار إليه من مرمة رمها المحبس عليهم أن الدار تكون حبسا على ما جعلها عليه، ولا يلزمهم ما شرط عليهم من مرمتها وتكون رمتها من غلتها، وقد قال محمد بن المواز: إنما ذلك إذا حيز المحبس، ومات بموت المحبس، وأما قبل ذلك فترد، إلا أن يسقط الذي حبسها شرطه، وتأويله بعبد في اللفظ غير صحيح في المعنى؛ لأنه إذا جعل للمحبس حقا في شرطه، وجب أن ينزل ورثته منزلته فيه.
وعلى قول غير ابن القاسم في المدونة في مسألة الفرس: إن شرطه ليس مما يبطل عطية له، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون.
والقول الرابع: إن الشرط عامل، والهبة ماضية لازمة، فتكون الصدقة بيد المتصدق عليه، بمنزلة الحبس، لا يبيع ولا يهب حتى يموت، وإذا مات ورث عنه على سبيل الميراث، وهو قول عيسى بن دينار في هذه الرواية، وقول مطرف في الواضحة.
وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب؛ لأن الرجل له أن يفعل في ماله ما شاء، إن شاء بتله للموهوب له والمتصدق عليه من الآن، وإن شاء أعطاه المنافع خاصة طول حياته، وجعل المرجع بعد موته ليقضي من دينه ويرثه عنه ورثته بما له في ذلك من الغرض أن يستديم الانتفاع بما وهبه، وبدا إثر هبته عليه.
والقول الخامس: قال سحنون: إن ذلك يكون حبسا على الموهوب له أو المتصدق عليه بما شرط عليه من ألا
يبيع ولا يهب، فإذا مات المتصدق عليه على هذا القول، رجع إلى المتصدق إلى ورثته إن كان قد مات، أو إلى أقرب الناس بالمحبس، على اختلاف قول مالك في المدونة فيمن حبس على معين، وقول سحنون في هذه المسألة معارض لقوله في نوازله في الذي يتصدق على رجل بعبد على ألا يبيعه ولا يهبه سنة، وهذه الأقوال كلها تدخل في مسألة سماع سحنون، في الذي يتصدق على الرجل بالشيء على أنه أحق به إن باعه بثمن أو بغير ثمن إلا قول سحنون، وسيأتي في رسم الجواب بعد هذا من هذا المعنى مسألة الذي يهب الجارية للرجل على أن يتخذها أم ولد، ونتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله.
مسألة: تصدقت على زوجها بمهرها أو بشيء من مالها ثم طلبت المثوبة
مسألة قال ابن القاسم: إذا تصدقت المرأة على زوجها بمهرها أو بشيء من مالها، ثم طلبت المثوبة، وقالت: إنما تصدقت عليك للثواب، وأنكر الزوج، قال: يحلف الزوج بالله ما اشترطت عليه مثوبة ولا قبلت على الثواب، ويكون القول قوله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة لا إشكال فيها؛ لأن الثواب إنما يكون في الهبات، لا في الصدقات، إلا بشرط، فإذا ادعت عليه شرط المثوبة حلف على تكذيب دعواها على ما قال في الرواية ولو وهبته مهرها أو شيئا من مالهما، وقالت: أردت بذلك الثواب، لم يكن لها في الصداق ثواب باتفاق؛ لأن الثواب لا يكون في الدنانير والدراهم وكذلك إن كان المهر عرضا أو أصلا لم يكن لها في هبته ثواب، إن ادعت أنها أرادت بذلك الثواب؛ لأن أصله من نقله نحلة من الله فرضها الله فإذا تركته لم يكن لها فيه مثوبة؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] ،
وأما إن وهبته شيئا من مالها سوى المهر، فادعت أنها أرادت بذلك للثواب، فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: إنها لا تصدق، إلا أن يظهر من صورة الحال ما يدل على صدقها، وهذا نص قوله في المدونة.
والثاني: إنها لا تصدق ولا يكون لها الثواب، إلا أن تشترطه، ووجه هذا أن هبة كل واحد من الزوجين لصاحبه محمولة على أنه إنما وهبته ليتأكد ما بينهما من المودة والمحبة.
والقول الثالث: إنها تصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقها كالأجنبيين.
حكى هذا القول عبد الوهاب في المقدمات.
وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل يتصدق على ابنه بأم ولده
مسألة وسئل: عن الرجل يتصدق على ابنه بأم ولده، لا تكون تلك الصدقات شيئا ولا تكون بذلك حرة؛ لأنها قد ثبت لها ولاء لا يزول، فلا يحرمها ذلك على أبيها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن أم الولد لا تباع ولا توهب، إذ ليس لسيدها فيها سوى الاستمتاع بالوطء، طول حياته، ولو تزوج أمة فولدت منه ثم اشتراها فوهبها لابنه بعد أن أعتق لعتقت عليه بالملك.
مسألة: تضع عن زوجها مهرها على أن يحجها
مسألة وسئل ابن القاسم: عن رجل سأل امرأته أن تضع عنه مهرها، فقالت له: إن حملتي إلى أهلي فهو عليك صدقة، فتصدقت به عليه على أن يحملها إلى أختها وكانت مريضة، ثم بدا له أن يحملها بعدما وضعت عليه الصداق، فخرجت هي من غير إذنه، فصارت إلى أختها، هل ترى الصداق له؟ قال: إن كانت خرجت مبادرة إليها لتقطع بذلك ما جعلت لزوجها فلا شيء عليه، وإن كان بدا له في حملها وأبى أن يسير بها وعلم ذلك، رجعت عليه بما وضعت عنه.
قال محمد بن رشد: وقعت في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب أسلم مسألة معارضة لهذه في الظاهر، كان الشيوخ يحملونها على الخلاف لها، وهي قوله في المرأة تضع عن زوجها مهرها على أن يحجها: إن هذا حرام لا يحل؛ لأنه الدين بالدين.
وقاله أصبغ، والصواب: أنها ليست بخلاف لها، إذ لا يصح أن يختلف في الذي وضعته عن زوجها صداقها على أن يحجها من ماله، إذن ذلك لا يجوز؛ لأنه الدين بالدين، وكذلك هذه المسألة، إن كانت تصدقت عليه بمهرها إلى أن يحملها إلى أختها من ماله اشتراء أو كراء، فيقول: إن المعنى في هذه المسألة إنه إذا وضعت عنه الصداق، على أن يخرج معها، ولا تمضي مفردة دونه، لا على أن يحملها من ماله وينفق عليها في شيء من سفرها سوى النفقة التي تجب عليه لها في مقامها، فإذا حملت المسألة على هذا، صحت وكانت موافقة للأصول، ولعلها لم يكن لها ذو محرم، يخرج معها، فكانت إنما بدلت الصداق له، على رفع الخرج عنها لخروجه معها، لا على أن ينفق عليها في ذلك.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة بغير محرم إلا مع ذي محرم منها» ، وقد مضى في سماع عيسى من كتاب الحج القول في وضعها الصداق عنه على أن يأذن لها في الخروج إلى الحج.
وبالله التوفيق.
مسألة: أعمر رجلا دارا وجعلها لولده من بعده هل يجوز له أن يشتريها
مسألة وسئل: عمن أعمر رجلا دارا وجعلها لولده من بعده، هل يجوز له أن يشتريها من المعمر، وهي لولده من بعده؟ وهل يجوز له أن يشتري العمرى من ربها حتى يكون له أصلها كما يجوز للمعمر؟
قال ابن القاسم: أما إذا جعلت لولده من بعده، فلا يجوز لصاحبها أن يشتريها؛ لأن الأب ليس يبيع لقوم بأعيانهم، ولا يعرف عددهم، وأما المعمر فهو يجوز له أن يشتريها من صاحبها حتى يكون له أصلها إذا لم يكن لولده من بعده.
قال محمد بن رشد: أما إذا جعلها لولده من بعده، فلا يجوز للمعمر شراء الخدمة من المعمر؛ لأنه لا يملك بذلك الأصل، ولا للعمر شراء المرجع من المعمر، إذ لا يرجع إليه، وأما إذا لم يكن لولده من بعده، فيجوز للمعمر شراء الخدمة من المعمر باتفاق، ويجوز للمعمر شراء المرجع من المعمر على اختلاف.
وقد مضى بيان ذلك مستوفى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، ومضى ذكر الاختلاف في شراء المعمر المرجع في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب منه، وثاني المسألة مكررة في سماع أصبغ في هذا الكتاب.
والله الموفق.
: تصدقت بصدقة عبد أو وليدة في حياتها وصحتها ثم ذهب عقلها
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار قال: وسئل: عبد الرحمن بن القاسم عن امرأة تصدقت بصدقة عبد أو وليدة، أو دنانير في حياتها وصحتها، ثم ذهب عقلها من قبل أن تقبض الصدقة منها، هل يكون ذهاب عقلها مثل الموت؟ أم يأخذ المتصدق عليه صدقته؟ قال: لا أرى لأهل الصدقة فيها حقا، وذهاب العقل حتى يحاز عنها مالها بمنزلة الموت، فلا حق لهم فيها.
قال محمد بن رشد: ذهاب العقل كالعرض، فإذا مرض المتصدق أو