البيان والتحصيلصفحات 369-36
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 369-36
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فيرجع كل واحد منهم بالمائة التي أدى إلى المتحمل له على المحتمل عنه.
فهذا بيان هذه المسألة وتمامها على هذا القول، وأما على القول بأن الحملا في صفقة واحدة كل واحد منهم حميل على صاحبه، يرجع من أدى منهم شيئا على أصحابه بما يجب عليهم من جميع ما أداه حتى يستوي معهم في الغرم، كان هو الذي ينوبه مما تحملوا به، أو أكثر أو أقل، فلا يحتاج في التراجع إلى هذا التشغيب؛ لأن كل ما وجد واحد منهم واحدا من أصحابه، رجع عليه حتى يساويه فيما غرم.
بيان ذلك في مسألتنا هذه: أن الأول الذي غرم مائتين، يرجع على القادم أولا من الغيب الثلاثة بمائة، ثم إن قدم الثاني رجعا عليه بستة وستين وثلثين، فاستوى ثلاثتهم في الغرم ثم إن قدم الثالث، رجعوا عليه بخمسين ربع المائتين، فاقتسموها بينهم ثلاثتهم، يجب لكل واحد منها ستة عشر وثلثان، فيكون الذي أدى كل واحد منهم، خمسين وخمسين وهذا كله بين.
وبالله التوفيق.

مسألة: يكون عليه دين يحيط بماله أو ببعضه يتحمل بحمالة وهو يعلم أنه سيغرم

مسألة وقال في رجل يكون عليه دين يحيط بماله أو ببعضه، يتحمل بحمالة وهو يعلم أنه سيغرم، إنه لا ينفعه ذلك فيما بينه وبين الله، وهو يعلم أنه سيغرم، والحمالة أيضا عند مالك مفسوخة لا تجوز وراءها من ناحية الصدقة، ولم يرها من ناحية البيع، وذلك أن الحمالة معروف لا شك فيه، وكل معروف صدقة.
محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة بزيادة من قول أصبغ، من كتاب المديان والتفليس.
ومضى القول عليها هناك فلا معنى لإعادته.
وبالله التوفيق.

مسألة: له على رجل مائة إردب قمح فلزمه بها فقال ليس عندي شيء

مسألة وسئل عن رجل كان له على رجل مائة إردب قمح، فلزمه بها، فقال: ليس عندي شيء أعطيك، فجاء رجل فقال: أنا أتحمل لك بوجهه إلى غد، فقال صاحب الحق: إن لي عليه مائة إردب قمح، فقال الحميل لست أضمن لك قمحا، ولكن أنظر إلى ثمنه كم هو؟ فإن لم أجئك به، كان على ثمنه، مائة درهم، فتحمل له إن لم يأت بوجهه غدا، كان عليه مائة درهم، فلم يأت به للغد، قال: عليه مائة درهم، قيل له: كيف يصنع بها؟ قال: يأخذها السلطان، فيبتاع له بها قمحا، فإن فضل شيء رد إلى الحميل، وإن عجز لم يكن عليه شيء، قيل له: فإنها ضاعت قبل أن يشتري بها قمحا، ممن يكون؟ قال من الغريم، ويتبع الحميل الغريم الذي تحمل عنه بمائة درهم، ويطلب صاحب الحق أيضا من غريمه الأول، ولا يكون له على الحميل شيء بعد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن صاحب الحق قنع منه بالحميل بالوجه، إذ كان من حقه أن يأخذ منه حميلا بالقمح، لإقراره له به، والمعنى فيها أيضا، أن الغريم سأل الحميل أن يتحمل عنه، وذلك أن مصيبته المائة درهم إن تلفت منه، ولو كان إنما تطوع له بالحمالة عنه من غير أن يسأله ذلك، لوجب أن يكون ضمان المائة منه وأخذت المائة إردب من الغريم فيبعث في المائة درهم للحميل، ويكون على الذي له الحق ما نقص من المائة درهم، وله ما زاد.
وبالله التوفيق.

مسألة: له عليه ثلثا دينار ولآخر نصف فقال لصاحب النصف خذ من هذا ثلثي دينار

مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل كان لي عليه ثلثا دينار، ولرجل علي نصف دينار، فقلت للذي له علي النصف: خذ من هذا ثلثي

دينار، لي عليه، أحيل به، ويبقى لي عليك سدس دينار، قال: هذا لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز هذا؛ لأنه أحاله بنصف دينار، على أن يسلفه سدس دينار، والحوالة بيع من البيوع، لا يجوز أن يقارنها سلف، ولو أحاله عليه بنصف دينار من ثلثي الدينار الذي له عليه لجاز ذلك؛ لأنه أحاله من ذهب؛ لأن الثابت لكل واحد منهما في ذمة صاحبه ذهب، وإن راعيت ما يوجبه الحكم لكل واحد منهما جاز أيضا؛ لأنه قد أحاله من دراهم في دراهم.
وبالله التوفيق.

باع من ثلاثة نفر سلعة واشترط عليهم أن يأخذ حيهم بميتهم ومليهم بعديمهم

من سماع حسين بن عاصم وسئل ابن القاسم عن رجل باع من ثلاثة نفر سلعة، واشترط عليهم أن يأخذ حيهم بميتهم، ومليهم بعديمهم، وأيهم شاء أن يأخذ بحقه أخذه، ثم سأل أحدهم حميلا بما عليه فأعطاه حميلا بذلك، ولم يشترط على الحميل شيئا، فلما تقاضاهم الحق قال: أتاه آخذ المحمول عليه بجميع الحق، وأراد غريم الحميل الحق كله، وقد فلس المحمول عنه، فقال: إنما تحملت بما ينوب هذا من المال، فعلي ثلث الحق، فقال ابن القاسم: أرى على الحميل ما على صاحبه، وذلك الحق كله، إذا أخذه الغريم بما شرط عليه، فما وجب على المحمول عنه، وجب على الحميل ما وجب على صاحبه المحمول عنه.
قال الفقيه القاضي وهذا كما قال: إن من حقه أن يأخذ الحميل بما كان له أن يأخذ به المتحمل عنه، وقد كان له أن يأخذ المتحمل عنه بجميع حقه بمقتضى شرطه، فإذا علم الحميل بشرطه، لزمه ما كان يلزم المتحمل عنه، ولو لم يعلم بشرطه لما

لزمه إلا ثلث الحق، حظ الذي تحمل به، وهو محمول على غير العلم حتى يثبت عليه العلم، فإن أنكر أن يكون علم بالشرط ولم يقم عليه بذلك البينة، لزمته اليمين، فإن حلف لم يلزمه إلا ثلث الحق، وبالله التوفيق.

مسألة: الحميل إذا اشترط على المتحمل له إذا لقيت صاحبك فتلك براءتي

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الحميل إذا اشترط على المتحمل له، إذا لقيت صاحبك فتلك براءتي، أترى هذا براءة له إن لقيه؟ وكيف إن لقيه بموضع إن تعلق به لم يقدر عليه؟ قال ابن القاسم: أرى له شرطه هذا، وأرى هذا براءة للحميل، بشرط إن لقيه الغريم بموضع يقدر عليه، وإن لقيه بموضع لا يقدر عليه، فلا أرى له ذلك براءة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه شرط لا فساد فيه ولا غرر، فوجب أن يلزم، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا» ويبرأ إذا لقيه بموضع يقدر عليه فيه؛ لأنه المفهوم من قوله: إذا لقيت صاحبك، فتلك براءتي، إذ لا معنى للقيه في موضع لا يقدر عليه فيه، كما لو دفعه إليه في ذلك الموضع لم يبرأ من حمالته بدفعه إليه، ولو لم يشترط ذلك عليه، لم يبرأ بلقيه إياه، وإن لقيه في موضع يقدر عليه حتى يدفعه إليه فيه، وشهد عليه بذلك، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم.
قال: قلت له: فلو تحمل رجل برجل إلى غير أجل، أو إلى أجل، فلقي الطالب صاحبه مساء وصباحا بعد محل الأجل، فتمر به السنتان والثلاث، لا يذكر من أمره شيئا ولا يطلب الحميل بشيء من حمالته، فيغيب المتحمل عنه أو يموت، فيطلب صاحبه من الحميل حمالته، فقال:

هو على حمالته، ولا يبريه لقي صاحب الحق إياه، إلا أن يشهد له بالبراءة من حمالته.
وقعت هذه الرواية في بعض الروايات في هذا الكتاب متصلة بآخر سماع يحيى وفيها بيان لهذه.
وبالله التوفيق.

مسألة: يتحمل بوجه الرجل ويشترط عليه أنه ليس عليه إلا وجهه ولا يكفل بمال

مسألة قال: وسألته عن رجل يتحمل بوجه الرجل، ويشترط عليه أنه ليس عليه إلا وجهه، ولا يكفل بمال إن جاء عليه، وإنما علي وجهه أطلبه حيث كان، فيغيب المحمول عنه، ويؤجل المحيل أجلا بعد أجل فلا يحضر به، قال ابن القاسم: قال مالك: ليس عليه إلا وجهه أبدا، وإن أجله آجالا كثيرة، وشرط الحميل جائز.
قلت له: فإذا كانت غيبة المحمول عنه لا تعرف، أيكلف الحميل طلبه؟ قال لا أرى ذلك، قلت: فإن قال المحمول له: أنا بموضع قد سماه، فأخرج فآتني به.
قال: ينظر في ذلك للحميل، فإن كان المحمول عنه ببلد يقوى مثله على السير إليه، أمر بذلك، قلت لابن القاسم: فإن خرج إليه فقدم، فقال: لم أجده، وقال المتحمل له: من يعلم أنك بلغت الموضع؟ قال: إذا غاب عن موضعه قدر ما يرى أن مثله يبلغ في مثله ذلك الموضع، فأراه مصدقا في قوله، قال ابن القاسم: وإن كان ضعيفا عن الخروج إلى مثل ذلك الموضع الذي ذكره المحمول له، فلا أرى أن يؤمر بذلك، قلت لابن القاسم: فإن تبين أنه ببلد، وأنه لا يطلبه، قال ابن القاسم: وكيف يختبر هذا؟ إلا أن تقوم بينة أنه خرج، فأقام بقرية، فرجع ولم يتوجه إلى المحمول عنه، وما أشبه ذلك، فأرى للسلطان أن

يعاقبه بالحبس في ذلك على قدر ما يرى، أو يأمره بإحضار صاحبه إن قدر عليه، فأما ضمان المال، فلا أراه عليه إلا أن يكون لقيه فتركه، أو غيبه في بيته وأبى أن يظهره، فإذا أثبت ذلك ببينة عدل، رأيته ضامنا لما عليه إن لم يحضره إياه، وإرساله بعد أن أخذه حتى تلف ذلك الحق، فعليه ضمان ذلك في عنقه.
قال أشهب: أراه ضامنا إذا أخذه ثم خلاه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مثل ما في المدونة وغيرها إن الحميل بالوجه، إذا اشترط ألا شيء عليه من المال، فله شرطه، ولا ضمان عليه إلا أن يغيبه أو يفوته عليه، أو يحول بينه وبينه، وما أشبه ذلك، وإنما عليه إذا غاب عن موضعه أن يذهب عنه إن كان قريبا، وليس عليه ذلك إن كان بعيدا، ولا أن يطلبه إن جهل موضعه، وقد اختلف في حد البعد الذي يكلف فيه الذهاب عنه، فقال في هذه الرواية: ينظر في ذلك للحميل، على قدر ما يرى أنه يقدر عليه.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم ذلك في مسيرة الأيام التي تكون من أسفار الناس، واختلاف البلدان غير النائية جدا.
قال ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس كثير.
وحكى عن أصبغ أنه لا يكلف الذهاب عنه إلا مسيرة اليوم واليومين، وما لا مضرة عليه فيه، واختار ابن حبيب القول الأول.
وحكى الفضل عن محمد بن عبد الحكم، أن السلطان يتلوم له، فإن جاء به وإلا حبسه حتى يأتي به.
وفي كتاب ابن المواز إذا قال: لا أضمن إلا

وجهه لم يلزمه ضمان المال، كما لو اشترط أنه لا شيء عليه من المال، وهذا عندي فيه نظر، إذ لا فرق بين أن يقول.: أنا ضامن لوجهه، ولا يزيد على ذلك وبين أن يقول: لا أضمن إلا وجهه، في وجوب ضمان الوجه عليه، وضمان الوجه يلزمه المال إذا لم يأت بالوجه.
والذي يوجبه النظر في ذلك عندي أن ينظر فيه إلى البساط؛ لأن في قوله لا أضمن إلا وجهه، دليل على أنه قصد إلى نفي ما سئل إياه، فإن كان قيل له: تضمن فلانا أو تضمن المال عن فلان، فقال: لا أضمن إلا وجهه، لزمه ضمان المال، ولم يأت بالوجه على حكم ضمان الوجه، وإن كان قيل له: تضمن وجه فلان، فإن لم تأت به، غرمت ما عليه، فقال: لا أضمن إلا وجهه، لم يلزمه ضمان المال بحال.
وبالله التوفيق.

مسألة: وجوه الحمالة

مسألة وسمعت ابن القاسم تكلم في شيء من الحمالة فقال: إنما هي ثلاثة وجوه، وهذا الذي آخذ به لنفسي إذا قال: أنا أتحمل لك بالوجه، ليس أنا من الدين في شيء، فليس عليه إلا وجهه يطلبه أبدا، وإن قال: تحمل لي بوجهه، فإن لم تأتني به غدا فالحق عليك، فإن لم يأت به إلى قدر ما تلوم له السلطان إذ لو رفع إليه، فالحق عليه، ولو رفع إلى السلطان تلوم له اليوم واليومين والثلاثة، يطلبه بعد الأجل، قال: وإن تحمل بالوجه هكذا، ولم يأت به حتى مضى الأجل، وبعد ذلك بشهرين أو ثلاثة، أو أربعة، ثم جاء به، فليس له إلا وجهه، يعني ما لم يخاصمه، فيقضي له عليه.
قال محمد بن رشد: افتراق هذه الوجوه الثلاثة صحيح كما ذكر، غير أن لبعضها تفسيرا وفي بعضها اختلاف، فأما الوجه الأول، وهو أن يتحمل بالوجه، ويشترط ألا شيء عليه من المال، فقد مضى تفسيره في

المسألة التي قبل هذه وأما الوجه الثاني وهو أن يتحمل بوجهه إلى أجل، ويشترط وجوب المال عليه حلول الأجل، ففيه ثلاثة أقوال، قد مضت في أول سماع أبي زيد وأما الوجه الثالث، فلا خلاف فيما ذكره فيه أعلمه.
وبالله التوفيق.


تم كتاب الكفالة والحوالة بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم وعلى آله وصحبه.
وسلم تسليما، يتلوه كتاب الشركة.

: كتاب الشركة

مسألة: دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويخرج مثلها أو يشاركه فيها ويتجران جميعا بها

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الشركة من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال في رجل دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويخرج مثلها أو يشاركه فيها ويتجران جميعا بها في موضعهما أو يسافران في ذلك، قال: إذا كان ذلك على وجه الصلة والمعروف منه إلى أخيه ولا حاجة إليه في شيء إلا الرفق به فلا بأس بذلك، وأما أن يحتاج إليه في بصره بالبيع والاشتراء أو نفاذه في التجارة وتعلمه ونحوه فلا خير فيه، قال ابن القاسم: وقال لي مالك بعد ذلك: لا خير فيه على حال، وتفسيره الأول إذا كان لا يحتاج إليه في بصر ولا مرفق لم أر به بأسا هو أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قوله إذا كان ذلك منه على وجه الصلة والمعروف منه ولا حاجة له في شيء من ذلك إلا الرفق فلا بأس به صحيح؛ لأنه إذا فعل ذلك لارتفاقه بمشاركته إياه في وجه من الوجوه كان سلفا جر منفعة، وقد «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن سلف جر نفعا» ، ولا اختلاف في أنه لا بأس بذلك إذا صحت نيته ولا في أنه لا يجوز ذلك إذا قصد

به منفعة نفسه، فمرة رأى مالك النية في ذلك محتملة فسأله عنها وصدقه فيها، ومرة رآها بعيدة، والأظهر منه أنه قصد منفعة نفسه بدليل سؤاله إياه الشركة فنهاه عن ذلك وقال له: لا خير فيه، ولو كان المشرك هو الذي سأله أن يسلفه ويشاركه لوجب أن يسأل عن نيته في ذلك قولا واحدا، وهذا كله فيما يؤمر به ابتداء أو ينهى عنه، وأما إذا وقع ذلك وادعى أنه قصد بسلفه منفعة نفسه ليأخذ سلفه معجلا إن كان ضرب له أجلا أو قيمته إن كان عرضا فعلى القول بأنه يسأل عن نيته ابتداء وينهى عن الفعل يصدق في ذلك مع يمينه ويأخذ سلفه معجلا، وقد مضت هذه المسألة في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف فأوجزنا الكلام فيها، وأرجأنا تمامه إلى هذا الموضع وبالله التوفيق.
مسألة قال ابن القاسم: وقال مالك في رجلين اشتركا في مال لهما لا يستويان فيه لأحدهما مائة وللآخر خمسون، ثم إن صاحب المائة دعا صاحب الخمسين أن يسلفه نصف الخمسين التي يفضله بها حتى يستويا في الشركة قال: إذا كان ذلك على غير شرط عند المشاركة ولا لحاجة من المسلف الذي أسلفه في بصر ولا على شيء إلا الرفق فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا كان ذلك شرطا في أصل الشركة فلا يجوز؛ من أجل أنه إذا كان ذلك شرطا في أصلها؛ وذلك مثل أن يقول له: لي مائة دينار فأنا أسلفك خمسة وعشرين على أن تشاركني بأن أخرج أنا الخمسة والسبعين الباقية لي، وتخرج أنت مثلها بالخمسة وعشرين التي سلفتك، فقد تبين أن المسلف قصد منفعة نفسه فكان ذلك سلفا جر منفعة؛ وكذلك لو قال ذلك بعد أن عقد الشركة معه على أن يخرج هذا مائة وهذا خمسين

فيشركا فيها على الثلث والثلثين لما جاز أيضا؛ لأن الشركة من العقود الجائزة التي لا تلزم بالعقد، وإنما يفترق أن يقول ذلك له في العقد أو بعده إذا قاله له على غير وجه الشرط مثل أن يقول له: تعال أسلفك خمسة وعشرين فتضيفها إلى الخمسين التي لك فأخرج لنا خمسة وسبعين مثلها فنشترك فيها أو يقول ذلك له بعد أن عقد الشركة معه على أن يخرج هو مائته وهذا خمسينه فيشتركا فيها على الثلث والثلثين؛ لأنه إذا قال ذلك له في العقد ابتداء كان الأظهر منه أنه قصد منفعة نفسه فصدق في ذلك مع يمينه إن ادعاه حسبما مضى في المسألة التي قبلها، وإذا قال ذلك له قبل العقد كان محمولا على أنه لم يقصد منفعة نفسه؛ إذ قد رضي بشركته فأشبه إذا كان المشرك هو الذي سأله ذلك، ولو قال ذلك له بعد أن عقد الشركة فاشتريا بها عروضا للتجارة على الثلث والثلثين مبلغ رؤوس أموالهما لكان ذلك بيعا جائزا، وإن سمياه سلفا؛ لأنه باع منه سدس العروض بالخمسة وعشرين التي سميا سلفا.
وبالله التوفيق.

مسألة: اشتركا في ذهبين مختلفتين في الوزن وصرفهما ونفاقهما في البيع مختلفة

مسألة قال مالك في رجلين اشتركا في ذهبين مختلفتين في الوزن وصرفهما ونفاقهما في البيع مختلفة فاشتريا بها كيف يقتسمان الربح؛ أَعَلى وزنهما أو على نفاقهما؟ قال: بل على وزنهما، يجمع هذه في كفة وهذه في كفة ثم يقتسمان الربح على قدر ما يكون لكل واحد منهما من الوزن.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن الربح بينهما على وزن ما أخرج كل واحد منهما من الذهب، إذا لم يعثر على ذلك إلا بعد الشراء يريد بعد أن يأخذ كل واحد منهما مثل الدنانير التي أخرج، ولو عثر على ذلك قبل

الشراء انفسخت الشركة بينهما، وهذا في الاختلاف الكثير في النَّفَاق مع الاستواء في الطيب، ولو كان الاختلاف في النَّفَاق يسيرا لجازت الشركة على ما قال في المدونة إذا أخرج أحدهما دنانير هاشمية والآخر دمشقية، ولو وقعت الشركة على دنانير مختلفة في الطيب مثل العبادية والنصفية فلم يعثر على ذلك إلا بعد الشراء لاقتسماها بأيدهما على قيمة الدنانير التي أخرجها كل واحد منهما، وبالله التوفيق.

مسألة: الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل واحد منهما لصاحبه

مسألة وقال مالك في رجلين اشتركا على مال مسمى من كل واحد منهما على أن ما باع أحدهما بدين فقد ضمنه معا صاحبه فقال: أكره ذلك؛ لأن كل واحد منهما ما يدري ما يعيب به عنه صاحبه من الخلاف، قال سحنون: قال مالك: لا أرى بذلك بأسا؛ لأن الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل واحد منهما لصاحبه.
قال محمد بن رشد: المعنى عندي في هذه المسألة أن مالكا لم ير الرجلين إذا اشتركا في مال مسمى متفاوضين فيما اشتركا فيه إلا أن يشتركا فيه على المفاوضة بخلاف إذا اشتركا في جميع أموالهما فرأى ما اشترطاه من أن ما باعه أحدهما بدين فقد ضمنه معه صاحبه غررا لأنه ضمن هذا نصفه ما باع هذا على أن ضمن هذا نصف ما باع هذا، ورآهما سحنون متفاوضين فيما اشتركا فيه من المال، وإن لم يشترطا ذلك بمنزلة إذا تشاركا في جميع أموالهما فلم ير ما اشترطاه من أن ما باعه أحدهما بدين فقد ضمنه معه صاحبه غررا؛ لأن الحكم يوجب ذلك عنده وإن لم يشترطاه على حكم المفاوضة.
وبالله التوفيق.

مسألة: عبد بين رجلين أراد أحدهما أن يضربه

مسألة وقال مالك في عبد بين رجلين أراد أحدهما أن يضربه: إن

ذلك ليس له إلا أن يأذن له شريكه فإن فعل ضمن ما أصابه في ذلك أن يكون ضربه ضربا لا يعنت أحد في مثله أو في ذلك أدبه، فإن كان هذا لم يضمن، قال سحنون: أراه ضامنا ضربه ضربا يعنت في مثله أو لا يعنت لو لم يضربه إلا ضربة واحدة لكان ضامنا له؛ لأنه ليس هو له دون شريكه، وهو بمنزلة الرجل يعدو على عبد الرجل فيضربه ضربا لا يعنت في مثله فيموت منه أنه ضامن.
قال محمد بن رشد: رأى مالك شركته في العبد شبهة تسقط الضمان في ضربه إياه الضرب الذي يؤدب بمثله على ما اجترم، خلاف قول سحنون، وهو أظهر؛ لأن أدبه هو صلاح له فهو يقول: لو لم أؤدبه لفسد علي فنقص مالي، وعلى هذا اختلفوا في الأرض بين الرجلين يزرع أحدهما فيها زرعا أو يبني فيها بنيانا هل يكون كالغاصب فيقلع الشريك زرعه وبنيانه أو لا يكون كالغاصب؟ لشبهة الشركة فيكون له الزرع وإن كان الإبان لم يفت، ويكون عليه الكراء في نصيب شريكه ويكون له قيمة بنيانه قائما، وقد مضى القول على هذا في أول سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق ويأتي أيضا في رسم القطعان من سماع عيسى من هذا الكتاب وفي سماع سحنون زيد من كتاب الزراعة، وعلى هذا اختلفوا في الأمة تكون بين الحر والعبد فيولدها العبد هل تكون جناية يلزم سيده أن يفتديه بنصف قيمته أم لا؟ فقال ابن القاسم في أول سماع سحنون من كتاب الجنايات: إنها جناية تلزم سيده أن يفتديه بنصف قيمته أو يسلمه وماله لصاحب الجارية، وقال سحنون في نوازل من كتاب الاستبراء: إنها ليست جناية وتباع الأمة فيما لزمه من نصف قيمتها فإن لم يف بذلك اتبع بالباقي دينا ثابتا في ذمته، ولا اختلاف بينهم في أن الشركة في الأمة شبهة يسقط بها الحد عن الشريك إن وطئها؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ادرءوا الحدود بالشبهات» .

مسألة: أمر رجلا أن يشتري له سلعة بعينها فاشتراها لنفسه

مسألة قال: وسئل مالك عن رجل شارك رجلا في تجارة فجهزه بمتاع فقال له: واشتر سلعة كذا بيني وبينك لشيء له غلة مثل الحانوت وما أشبهه؛ ففعل ثم جحده أن يكون أمَرَه بذلك، وزعم أنه إنما اشتراه لنفسه خالصا من ماله فلما وجد عليه البينة أنه أمره قال: فإني أشركت فيه فلانا وفلانا عند الاشتراء ولا يُعلم ذلك إلا بقوله، قال: أراه بينهما على ما أمره، ولا يصدق في قوله أنه أشرك فيه فلانا وفلانا، قال ابن القاسم: ويدخل اللذان زعم أنه أشركهما بذلك على الذي أقر لهما إن كان أقر لهما بالنصف كان لهما نصف ما في يديه، وإن كان الثلث فلهما الثلث مما في يديه، والذي صار لصاحبه.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة ثم جحده أن يكون أمره بذلك وزعم أنه إنما اشتراه لنفسه خالصا من ماله فلما وجد عليه البينة أنه أمره بذلك قال: إني أشركت فلانا وفلانا دليل هو كالنص؛ إذ لو أقر أنه أمره بذلك وقال: لم أرد أن أشتري لك شيئا فاشتريته لنفسي لم يكن ذلك له وكان معه شريكا شاء أو أبى.
وقد اختلف فيمن أمر رجلا أن يشتري له سلعة بعينها فاشتراها لنفسه على أربعة أقوال: أحدها: أن القول قول المأمور إن دفع إليه الثمن بعد أن يحلف أنه إنما اشتراها لنفسه إن اتهم في ذلك، وهي رواية محمد بن يحيى السبادي عن مالك والثاني أن السلعة للآمر وإن لم يدفع إليه الثمن، وهي روايته عن ابن القاسم في المدنية وقول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في الثمانية قال: وسواء أشهد المأمور أنه إنما يشتريها لنفسه.
القول الرابع الفرق بين أن يكون قد دفع إليه الثمن أو لم يدفعه إليه وإنما أمره أن يشتريها له بماله فوعده بذلك، وفي قوله ولا يصدق في قوله: إنه أشرك فيه فلانا وفلانا دليل على

أنه لو كان لفلان وفلان بينة على أنه أشركهما في ذلك لوجب أن يكونا أحق بالنصف، وفي ذلك اختلاف، قيل: إنه لا يكون لهما إلا نصف النصف؛ لأنه إنما أشركهما في ماله، وقال غيره: يتخرج هذا الاختلاف على اختلافهم في دار بين رجلين باع أحدهما من أجنبي نصفها على الإشاعة، هل يقع بيعه على نصفه الذي له فينفذ عليه أو يقع على نصفه ونصف شريكه فينفذ عليه البيع في نصف نصيبه وينفسخ البيع في نصف شريكه إلا أن يشاء أن يجيزه، وسيأتي الكلام على هذا في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى من كتاب الشفعة إن شاء الله، فإذا قلنا: إن الآمر أحق بنصف الحانوت فيخرج المشركين من النصف؛ لأنه يقول لهما: أنا أشركتكما في حقي وحق غيري فليس لكما إلا نصف ما بقي بيدي، والثاني أنه يكون لهما جميع النصف؛ لأنهما يقولان له: أشركتنا في نصف الحانوت، ولك نصفه فأسلمه إلينا، وإذا قلنا: إن المشركين أحق منه بنصف النصف الذي بيد المأمور، ويصير الحانوت بينهم أرباعا، ربعه للآمر وربعه للمأمور، ونصفه للمشركين.
وبالله التوفيق.

: اشترى سلعة فسأله رجل أن يشركه فقال قد أشركتك فباع السلعة بنقصان

ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسئل عن رجل اشترى سلعة فسأله رجل أن يشركه، فقال: قد أشركتك ولم يسم الذي استشركه، فباع السلعة بنقصان، فقال الذي أشرك: إنما أشركتني بسدس أو ربع، قال: ذلك له، ويحلف إلا أن يأتي بأمر لا يعرف كالدينار ونحوه؛ فإن زادت السلعة فقال الذي أشركه: إنما أشركتك على الربع والسدس، قال: يحلف، وذلك به، قال مالك: إذا كان النقصان فالقول قول الذي أشرك وعليه اليمين؛ وذلك أن الذي أشركه مدعى،

وإذا كانت الزيادة فالقول قول الذي أشركه وعليه اليمين، وذلك أن الذي أشرك مدع، وذلك إذا لم يسميا؛ واليمين عليهما يحلفان على ما ادعيا.
قال ابن القاسم: فإذا قال كل واحد منهما: لم أنو شيئا ولم يدعياه: إن السلعة تكون بينهما نصفين، ولو كانت السلعة قائمة فقال الذي أشركتك بالربع والسدس وذلك الذي أردت، فالقول قوله وعليه اليمين، وإذا قال الذي أشرك: إنما أردت الربع والسدس، فالقول قوله أيضا، وعليه اليمين إذا لم يكونا بينا، قال ابن القاسم: وذلك أن الشركة هاهنا إنما هي بيع من البيوع، ولو أن رجلا أتى إلى رجل فقال: قد بعتني نصف جاريتك، فقال له صاحبه: ما بعتك إلا ربعها حلف، وكان القول قوله مع يمينه ولو أن صاحبها قال لصاحبه: قد بعتك نصف جاريتي وطلب منه الثمن فقال: ما اشتريت منك إلا ربعها كان القول قوله مع يمينه.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية وذلك إذا لم يسميا واليمين عليهما يحلفان على ما ادعيا -نص جلي على أنهما يحلفان على نياتهما إذا لم يدعيا الإفصاح، ومثله في كتاب محمد بن المواز، وله فيها أيضا ما يدل على أن لفظ الشركة يوجب المساواة ولا يلتفت إلى النية بعد أن فرط قوله قد أشركتك، وهو قول سحنون، وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، ولا اختلاف بينهم إذا ادعيا الإفصاح أن القول قول الذي ادعى الأقل منهما مع يمينه ولا في أنهما إذا لم يدعيا إفصاحا ولا نية أن السلعة تكون بينهما بنصفين، وهذا كله حيث لا يجب على المشتري أن يشركه فيها فالقول قول من ادعى النصف منهما إن كانا اثنين أو الثلث إن كانوا ثلاثة أو الربع إن كانوا أربعة؛ وسواء ادعوا الإفصاح بأكثر من الواجب لهما أو قالوا: كان ذلك ضميرنا إلا أنه لا بد أن يحلف المدعى عليه منهم في الإفصاح لصاحبه، وقد مضى في

نوازل أصبغ من كتاب جامع البيوع تحصيل القول فيما يجب الاشتراك فيه من السلع وعلى من يجب وأين يجب فلا معنى لإعادة ذلك، وستأتي المسألة أيضا في سماع أبي زيد من هذا الكتاب إن شاء الله.
وأما قوله: ولو أتى رجل إلى رجل فقال: قد بعتني نصف جاريتك فقال له صاحبه: ما بعتك إلا ربعها حلف، وكان القول قوله مع يمينه ولو أن صاحبها قال لصاحبه: قد بعتك نصف جاريتي فطلب منه الثمن فقال: ما اشتريت منك إلا ربعها كان القول قوله مع يمينه؛ فظاهره أن القول قول من ادعى الأقل منهما مع يمينه كان البائع أو المبتاع، فإن نكل عن اليمين حلف الذي ادعى النصف واستحقه إن كان هو المبتاع واستحق بيعه على المشتري إن كان هو البائع، وقد قال أبو إسحاق التونسي: الصواب أن يتحالفا ويتفاسخا؛ لأنهما وإن لم يختلفا في الثمن فمن حجة المبتاع أن يقول: لم أرض شراء الربع وإنما رغبت في النصف، قال: ولعل ذلك إرادته في الرواية، فيكون إنما قصد إلى أنه لا يصدق مدعي النصف في الربع ولم يتكلم على تمام التحالف، ولم يقل أبو إسحاق التونسي: إنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا ادعى البائع أنه باع النصف وقال المبتاع: لم أشتر إلا الربع سكت عن ذلك، فانظر هل يستويان عنده أو بينهما فرق، والأظهر عندي الفرق بينهما، وأن لا اختلاف في أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كان البائع هو مدعي أنه باع النصف، وإنما الاختلاف هل يتحالفان ويتفاسخان أم لا إذا كان المبتاع هو مدعي النصف؟ لأن الجملة قد يزاد في ثمنها، فمن حجة المشتري أن يقول: لا أرضى أن آخذ الربع بالسوم الذي اشتريت منه النصف والبائع إذا أخذ منه الربع بالسوم الذي رضي أن يبيع به النصف لم تكن له حجة، فعلى هذا لا يجوز لمن اشترى سلعة جملة أن يبيع نصفها مرابحة بنصف الثمن حتى يبين، ولمن اشترى نصف سلعة في صفقة ثم اشترى نصفها الثاني في صفقة أخرى أن يبيعها جملة ولا يبين، وفي نوازل سحنون من كتاب المرابحة فيمن اشترى سلعة بعشرة وصبغها بعشرة ثم باعها مرابحة بعشرين ولم يبين أن يردها في القيام، فإن فاتت مضت بالثمن.

القياس على ما قلناه أن لا يكون له ردها في القيام، وإذا رأى له ردها في القيام أن ترد إلى قيمتها في الفوات إن كانت القيمة أقل من الثمن على حكم مسائل الغش والخديعة في المرابحة وبالله التوفيق.

مسألة: يشترك الرجلان في العمل في الحانوت

مسألة وقال مالك: لا بأس أن يشترك الرجلان في العمل في الحانوت يجلسان فيه جميعا مثل الصواغين والخياطين والحدادين يكونان في حانوت واحد يتعاونان في العمل ولا يفترقان في حانوتين ولا في قريتين لعمل هذا هاهنا وهذا هاهنا فما اكتسبا كان بينهما فلا خير فيه وإنما كره هذا فيما عمل باليد فأما ما لم يعمل باليد فلا بأس بالشركة فيه وإن افترقا في حانوتين مفترقين، قال عيسى: إنما كره ذلك في العمل وإنما كره ذلك إذا افترقا في مجلسين أو حانوتين أو قريتين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن شركة الأبدان لا تكون إلا مع التعاون بأن يكونا في موضع واحد ويكون العمل واحدا فإن افترقا في حانوتين والعمل واحد أو في حانوت والعمل مفترق لم يجز إلا أن يحسنا ذلك جميعا فيعمل كل واحد منهما مع صاحبه وفي رسم البيع والصرف من سماع أصبغ أنهما يجوز لهما أن يفترقا في حانوتين إذا كان العمل واحد وهو شذوذ من القول وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله وبالله التوفيق.

: النفقة بينهما سواء والربح سواء والنقصان سواء

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا.
وسئل عن الرجلين يكونان شريكين وهما في بلدين أحدهما بالمدينة والآخر بمصر فيجهر كل واحد منهما على صاحبه ويبيع ويقتضي في موضعه ونفقة الموضعين مختلفة مثل المدينة ومصر

يشتري بالدينار من القمح بمصر أضعاف ما يشتري به بالمدينة أفترى أن يحسب كل واحد منهما نفقته التي أنفق أم تكون النفقة بينهما بنصفين ولا ينظر إلى ما يفضله به فتفكر فيه، ثم قال: بلى أرى أن تكون النفقة بينهما سواء والربح سواء والنقصان سواء إلا أن يأتي من النفقة ما يتفاحش مثل أن يكون لهذا عيال كثير ولهذا أن يصرف نفسه فلا أرى أن يحمل ذلك عليه، وكأنه قال إذا كان ذلك غير متفاوت فأراه بينهما سواء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة والواضحة فلا أعرف فيه في المذهب اختلافا والعلة فيه أن ذلك عرف قد دخلا عليه وبالله التوفيق.

مسألة: توصية الميت بإسقاط اليمين عنه لا يلزم الورثة

مسألة وسئل عن رجل كان شريكا لرجل فمرض أحدهما فأوصى: إن فلانا عالم بمالي فما دفع إليكم من شيء فهو مصدق ولا يمين عليه في ذلك، فرفع أمره إلى السلطان وأتى بما قبله من المال فقسمه بينه وبين ورثة شريكه ثم أقام يقضي ويقسم أقام بذلك عشرين، وكتب له السلطان براءة من ذلك وبقي بينهما دين وبلغ الورثة فقالوا: نريد أن نستحلفك فيما اقتضيت أفترى ذلك لهم وهذا الأمر منذ عشر سنين قد كتب له السلطان براءة من ذلك؟ قال مالك: أرى أن ينظر السلطان في ذلك ويكشف أمره، فإن رأى أمرا صحيحا لم أر أن يستحلفه، فإن استنكر شيئا رأيت أن يحلفه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله بعد عشر سنين؟ قال: نعم أرى ذلك إن رأى أمرا يستنكره.
قال محمد بن رشد: هذه اليمين في أصلها يمين تهمة، وقد

اختلف في لحوقها، وتوصية الميت بإسقاط اليمين عنه لا يلزم الورثة لأن الحق صار إليهم في المال بموته، فإن اتهموه استحلفوه على القول بلحوق يمين التهمة، فلذلك قال: إن السلطان ينظر في ذلك فإن رأى أمرا صحيحا لم يوجب لهم عليه يمينا، وإن رأى أمرا يستنكره وجب لهم اليمين عليه وبالله التوفيق.

: عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدته

ومن كتاب باع غلاما بعشرين قال: وسألت مالكا عن معاصر الزيت زيت الجلجلان والفجل يأتي هذا بأرادب وهذا بأخرى حتى يجتمعون فيها فيعصرون جميعا.
قال: إنما يكره هذا لأن بعضه يخرج أكثر من بعض، فإذا احتاج الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفا لأن الناس لا بد لهم مما يصلحهم والشيء الذي لا يجدون عنه غنى ولا بد، فأرجو أن يكون لهم في ذلك سعة إن شاء الله ولا أرى به بأسا والزيتون مثل ذلك، قال سحنون: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هو القياس، وقول مالك استحسان دفعه للضرورة إلى ذلك، إذ لا يتأتى عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدته مراعاة لقول من يجيز التفاضل في ذلك من أهل العلم، وهذا نحو إجازتهم للناس خلط أذهابهم في الضرب بعد تصيغتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت من الضرب أخذ كل إنسان منهم على حساب ذهبه وأعطى الضراب أجرته، وقد مضى الكلام في ذلك وبسط ما فيه من الخلاف وتوجيه قول من رخص فيه وأجازه مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف وبالله التوفيق.

: القوم يجتمعون يشترون السلعة فيضع البائع لرجل منهم

ومن كتاب صلى نهارا ثلاث ركعات وسألت مالكا عن القوم يجتمعون يشترون السلعة فيضع البائع لرجل منهم.
قال مالك: إن كان الذي ولي الصفقة هو الذي وضع له فما وضع له من ذلك فهو بينهم.
قال محمد بن رشد: اختلاف في أنه إذا كان الذي ولي الصفقة هو الذي وضع له فما وضع له من ذلك فهو بينهم، ولما سأله عن القوم يجتمعون يشترون السلعة فيضع البائع لرجل منهم فقال: إن كان الذي ولي الصفقة هو الذي وضع له فهو بينهما دل ذلك على أن ما وضع لأحدهم إذا اجتمعوا في شرائها للذي وضع له وحده لا يدخل معه في الوضعية أشراكه، والفقهاء السبعة يقولون: ما وضع لأحدهم فهو بين جميعهم، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يكونوا شركاء عقد ولا في الموضع الذي يجب الحكم بينهم بالشركة، فلا اختلاف بينهم إذا كانوا شركاء عقد فوضع لأحدهم أن الوضعية بينهم، وكذلك إذا اجتمع التجار واشتروا السلعة حيث يجب الحكم بينهم بالشركة فيها.
فوضع لواحد منهم لا اختلاف في أنهم كلهم يدخلون في الوضعية وكذلك لو وضع للذي ولي الصفقة أو الوضعية ما يشبه أن يكون وضيعة من الثمن وبالله التوفيق.

: يدعو جاره المحتاج فيقول له أخرج معي أشتري طعاما بمائة دينار ولك ثلث الربح

ومن كتاب أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن الرجل يدعو جاره المحتاج وهو أخ له يريد صلته وليست له به حاجة إلا صلته فيقول له:

أخرج معي أشتري طعاما بمائة دينار ولك ثلث الربح.
فقال: ما أعرف هذا ولكن لو اشتراه وعرف الربح ثم قال ذلك له لم يكن به بأس، فقيل له: أفتكرهه؟ فقال: ما أعرف هذا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال والمكروه في ذلك بين لأنه لو كان استأجره على الخروج معه بثلث ما يربح في الطعام الذي يشتري فذلك غرر لا خير فيه وبالله التوفيق.

مسألة: اشترى لؤلؤا فاستشركه فيه قوم فأشركهم فيه

مسألة وسئل مالك عن رجل اشترى لؤلؤا فاستشركه فيه قوم فأشركهم فيه وقد قالوا له عند إشراكهم: إياه إذا لا تقتسمه إنما تبيعه لنا، فقال: نعم لا نقتسمه أبيعه لكم، فباع صدرا من ذلك ثم رأى منهم ما كره فأراد مقاسمتهم إياه فأبوا ذلك عليه وقالوا: عليك أن تبيعه لنا.
قال مالك: له أن يقاسمهم فأما البيع فنعم عليه أن يبيع لهم ولكن لو بار اللؤلؤ وذهب الزمان الذي كان يرجى أن يباع إليه فلا أرى ذلك لهم عليه، وأرى له أن يدفع إليهم الذي لهم وليس على هذا أراد أن يبيع لهم، ولعل الرجل أيضا يريد سفرا، فأرى له أن يقاسمهم ويدفع الذي لهم إليهم.
قال محمد بن رشد: رواية أشهب وابن نافع هذه عن مالك في الذي يشرك القوم في اللؤلؤ الذي ابتاعه على أن يبيع لهم نصيبهم الذي أشركهم فيه دون أن يضرب لذلك أجلا خلاف ما في كتاب الجعل والإجارة من المدونة من أنه لا يجوز للرجل أن يبيع من الرجل نصف السلعة على أن يبيع له النصف الآخر إلا أن يضرب لذلك أجلا لأنه إذا لم يضرب لذلك أجلا كان

جعلا، ولا يجوز أن يجتمع الجعل والبيع في صفقة ويجوز أن يجتمع البيع والإجارة في صفقة واحدة، والإجارة لا تجوز إلا بضرب الأجل، فإذا لم يضرب لهما أجلا فسدت وفسد البيع لفسادها لاجتماعه معها في صفقة واحدة.
ووجه رواية أشهب هذه أنه رأى ما يباع إليه اللؤلؤ على ما قد عرف بالعادة كالأجل المضروب، وذلك بين من قوله، ولكن لو بار اللؤلؤ وذهب الزمان الذي يرجى أن يباع إليه فلا أرى ذلك لهم عليه، يريد ويستوجب البائع الثمن كله، ولو باع اللؤلؤ وقد مضى من الأجل بعضه لوجب أن يرجع المبتاعون المشركون عليه بما ناب ذلك من الثمن لأنهم دفعوه إليه ثمنا لما اشتروه من اللؤلؤ وإجارة على بيعه إلى المدة التي قد عرفت بالعرف والعادة، ووجه العمل في ذلك أن يقوم حظهم الذي اشتراه من اللؤلؤ والإجارة على بيعه إلى تلك المدة، وإن كانت في التمثيل قيمة حظهم من اللؤلؤ عشرة وقيمة الإجارة اثنان وباع في نصف المدة رجع المبتاعون عليه بنصف سدس الثمن الذي دفعوه إليه كان أقل من اثني عشر أو أكثر وهذا كله بين والحمد لله وبالله التوفيق.

مسألة: العبد يكون بين الرجلين لأحدهما أن يبيع مصابته منها ولا يبع معه شريكه

مسألة وسئل مالك عن العبد يكون بين الرجلين لأحدهما أن يبيع مصابته منها ولا يبع معه شريكه؟ فقال: نعم، ذلك له، قيل لمالك: لمن مال العبد إذا باع أحد الشريكين مصابته منه ولم يبع شريكه معه، فقال: للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ولكن مال هذا العبد إذا كان بين الشريكين لا يقدر البائع منهما أن يأخذ ماله لأنه لا يجوز في مال العبد قسم إلا بإذن شريكه ورضاه، فلا أرى هذا البيع

يجوز إذا باع أحدهما مصابته من العبد إلا أن يبيعه بماله من المشتري وإلا لم يجز.
وقال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدهما أن البيع فاسد إلا أن يبيعه بماله، وهو نص قول ابن القاسم أيضا في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، والثاني أنه يقال للبائع: إما أن تسلم إلى المبتاع مصابته من المال مع مصابته التي باعها منه من العبد وإلا فخذ حظك منه وينفسخ البيع فيه وهو دليل ما في رسم العارية من سماع عيسى من كتاب العتق والثالث أنه يكون المال للمشتري ويثبت البيع وهذا القول يتخرج على قياس قول ابن دينار في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب البيوع في الرجل يبيع حائطه وثمرته قد أبر نصفها مشاعا إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى والقياس، وفي مسألة الثمرة قول رابع لا يصح في مسألة العبد وهو قول ابن حبيب في الثمرة أنها تكون كلها للبائع لأنها تجعل تبعا لما قد أبر منها وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

: السكوت كالإقرار

ومن كتاب الأقضية الثانية قال: وسئل مالك فقيل له: إني أكريت أنا وشريكي إبلا لنا فتخلف شريكي ينتقد الكراء وذهبت أنا أطلب الكراء فانتقد شريكي الكراء فدفعه إلى غلام له فخرجت أنا وعبد شريكي الذي دفع إليه

الدنانير فقلت: أين سيدي؟ فقال: تخلف وأرسلني، فقلت له: أين دنانيرنا؟ فقال: أعطانيها وها هي ذي معي فسكت عنه حتى قدمنا ثم ذهب العبد ينظر، فقال: أنا أفتقد دينارين.
فقال له مالك: أراهما عليك وعلى شريكك بالحصص لأن العبد قد أخبرك أنها معه فرضيت وسكت، فأراهما عليك وعلى شريكك إنما عليه أيسر ذلك إن كانت الدنانير عشرين دينارا ولك منها خمسة فعليك ربعها وعلى شريكك ثلاثة أرباعها.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة صحيح على القول بأن السكوت كالإقرار، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم فيدخل اختلاف قوله في هذه المسألة ويكون الشريك ضامنا للدينارين اللذين دفع إلى عبده فادعى العبد أنها تلفت عنده بعد يمينه أنه لم يسكت راضيا بكونها عند العبد وأنه إنما سكت لأنه علم أن ذلك لا يلزمه ولا ينفذ عليه وبالله التوفيق.

مسألة: العبد الذي نصفه حر فأراد سيده أن يخرجه إلى بلد غير البلد الذي هما فيه

مسألة وقال مالك في العبد الذي نصفه حر فأراد سيده أن يخرجه إلى بلد غير البلد الذي هما فيه، فقال: أرى ذلك له إن كان مأمونا على ذلك فإن لم يكن مأمونا لم أر له أن يخرجه، فروجع في ذلك فقاله أيضا وما هو بالبين، فقيل له: فعلى من النفقة إذا قضي له بالخروج به والكراء؟ فقال: على السيد وليس على العبد من ذلك شيء حتى يقر قراره بالموضع الذي يكون له عمل فيه، وذلك أنه أخرجه من موضع عمله وكسبه، فإذا نزل قرية له فيها عمل ومكتسب كانت له أيام وللسيد أيام، وإذا كان ذلك في سفرهم في الموضع الذي ليس له فيه مكتسب رأيت النفقة على السيد حتى يقدم به.

قال محمد بن رشد: تفرقة مالك في هذه المسألة بين المأمون وغير المأمون استحسان على غير قياس، والقياس في ذلك ما حكى ابن حبيب وابن المواز عن أشهب أنه قال: ويقع بقلبي أن ذلك ليس للمأمون ولا لغير المأمون، قال غير ابن حبيب: مستعربيا كان أو غير مستعربي قال عنه: فلا يخرج به إلا برضاه لأنه ملك من نفسه ما يملك الشريك، قال ابن حبيب: وأما لو أراد الانتقال به إلى قرية يسكنها فإن كانت من الحواضر فذلك له وإن كره العبد، وفي المسألة قول ثالث أن له أن يسافر به مأمونا كان أو غير مأمون ويكتب له كتابا إن لم يكن مأمونا، وهو قول مالك في رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية وقد مضى القول على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

مسألة: يحملون الطعام من القمح في السفينة الواحدة يختلط بعضه ببعض

مسألة وسئل عن القوم يحملون الطعام من القمح في السفينة الواحدة يختلط بعضه ببعض ثم يريد بعضهم البيع في الطريق، فقال: لا أرى ذلك له إلا أن يرضى أصحابه أن يعطوه؛ لأني أخاف أن يكون أسفل الطعام فاسدا أو يمطروا بعد ذلك فيفسد القمح فلا أرى لأحد منهم أن يأخذوا حتى يبلغوا حده فيقتسمونه الفاسد والجيد إلا أن يرضى أصحابه أن يسلموا له حقه فأرى ذلك له ولا أرى لهم عليه تباعة إذا نزلوا فوجدوا القمح فاسدا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنهم حملوا الطعام في السفينة على أن يمروا به لبلد واحدة لتجارة أو لغير تجارة فلذلك لم ير لواحد منهم أن يأخذ طعامه إذا كان قد اختلط بمنزلة أن لو كانوا خلطوه وحملوه على الشركة لأن اختلاطه يوجب اشتراكهم فيه وذلك بخلاف ما لو حملوه على

أن يمروا به إلى منازلهم فاختلط أو كانوا هم قد خلطوه وحملوه على ذلك لأنهم إذا حملوه على أن يمروا به إلى منازلهم كان من حق من يمر منهم بمنزله أولا أن يأخذ طعامه فيه ولا يكون لأصحابه عليه تبعة إلا أن ينقص الطعام أو يكون قد أصابته آفة على معنى ما قاله في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب حسبما بيناه في ذلك فليست هذه الرواية بمخالفة لها، ومن الناس من حملها على الخلاف لها، وليس ذلك عندي بصحيح، والله أعلم وبه التوفيق.

: يقول لشريكه إني قد جعلت في هذا المال الذي يعمل فيه أنا وأنت مالا من عندي

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك عن الشريك المفوض إليه أو غير المفوض يقول لشريكه: إني قد جعلت في هذا المال الذي يعمل فيه أنا وأنت مالا من عندي عند المحاسبة أو قبل ذلك أيجوز قوله أم لا يصدق إذا أبى شريكه أن يصدقه فقال: أكتب إليه أنه لا يجوز قوله ويحلف شريكه بالله ما جعل فيه شيئا ولا له فيه شيء.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في هذه الرواية أنه يحلف على البت، وروى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أنه يحلف على العلم وهو الصحيح إذ لا يصح القطع على أنه كاذب فيما ادعاه وبالله التوفيق.

: يشتركان في مال بعينه فيقيم أحدهما ويسافر الآخر فيدان المسافر في مال ثم يفلس

ومن كتاب الأقضية وسئل عن الرجلين يشتركان في مال بعينه فيقيم أحدهما ويسافر الآخر فيدان المسافر في مال ثم يفلس فيريد الغرماء أن يتبعوا الشريك المقيم، فقال: ليس ذلك لهم إنما شاركه في مال معروف بعينه.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنهما إذا لم يتفاوضا في جميع أموالهما وإنما تفاوضا في مال مسمى فلا يلزم أحدهما ما داين به الآخر إلا في ذلك المال الذي تفاوضا فيه بعينه وبالله التوفيق.

: اشتركا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم فعملا على ذلك وربحا

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجلين اشتركا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم فعملا على ذلك وربحا كيف يقسمان الربح؟ قال: يقتسمان على الدنانير والدراهم ما وقع من شيء للدنانير من الدنانير وقع للدراهم مثله من الدراهم إن كان للدنانير دينار فللدراهم درهم وإن كان للدنانير نصف دينار فللدراهم نصف درهم، وإن كان ربع فربع على هذا يقتسمان الربح، قلت: أفيصرفان الربح دراهم ثم يقتسمانه على هذا الحال؟ فقال: إن شاءا صرفا وإن شاءا لم يصرفا إذا قسماه على هذه القسمة ويأخذ كل واحد منهما رأس ماله مثل الذي أخرج، يأخذ صاحب الدنانير رأس ماله دنانير ويأخذ صاحب الدراهم رأس ماله دراهم ويقتسمان الربح على ما فسرت لك، وكذلك بلغني عن مالك وهذا إذا فات، ولا تصلح الشركة بالدنانير والدراهم.
قال محمد بن رشد: لا تجوز الشركة بالدنانير من عند أحد الشريكين والدراهم من عند الآخر على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها وهو مذهبه في هذه الرواية؛ لأنه إنما تكلم على الحكم في ذلك إذا وقع ولم يعثر عليه حتى فات بالعمل، فقال: إنه يأخذ صاحب الدنانير رأس ماله دنانير وصاحب الدراهم رأس ماله دراهم ثم يقتسمان الربح على ما

ذكره حسبما يتبين مراده به، إذ ليس على ظاهره، وذلك أنه قال: ما وقع للدنانير من شيء من الدنانير وقع للدراهم مثله من الدراهم فمراده به أن ما وقع ربح الدنانير من الدنانير وقع للدراهم مثل ذلك الجزء من الدراهم لا مثل ذلك العدد على ما يقتضيه لفظه لا سيما بقوله بعد ذلك: إن وقع للدنانير دينار وقع للدراهم درهم وإن وقع للدنانير عشرة دنانير وقع للدراهم عشرة دراهم، إذ لا يصح إذا وقع للدنانير ربح دينار ألا يقع للدراهم إلا ربح درهم وإذا وقع للدنانير ربح عشرة دنانير ألا يقع للدراهم إلا ربح عشرة دراهم فيكون صاحب الدراهم لا يربح من عدد الدراهم إلا ما يربح صاحب الدنانير من عدد الدنانير هذا ما لا يصح أن يريده ابن القاسم أو يقوله، وإنما عبر عن تساوي الجزأين بتساوي العددين ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: وإن وقع للدنانير مثل نصفها من وقع للدراهم مثلها من الدراهم، فكما يكون إذا وقع للدنانير مثلها من الدنانير يقع للدراهم مثلها من الدراهم فكذلك يكون إذا وقع للدنانير مثل نصفها من الدنانير أو مثل ثلثها أو مثل ربعها أو مثل عشرها أو مثل عشر عشرها يقع للدراهم مثل نصفها من الدراهم أو مثل ثلثها أو مثل ربعها أو مثل عشرها أو مثل عشر عشرها، وما كان من الأجزاء وذلك يرجع إذا اعتبرته بما يخرج الحساب إلى أن يقتسما جميع ما بأيديهما على ما كان فيه من ربح أو خسارة على قيمة الدنانير والدراهم يوم الفسخ فهذا أقرب مأخذ في العمل، وقيل: إنهما يقتسمان ذلك على قيمة الدنانير والدراهم يوم اشتركا، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وقد روي عن مالك إجازة الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر وبالطعامين المختلفين وبالعرضين المختلفين، روي عنه أنه قال في الشركة بالعرضين المختلفين: ما هو من عمل الناس، وذلك والله أعلم لما يدخله من بيع وشركة.
فيتحصل في جملة المسألة لمالك ثلاثة أقوال، أحدها أن الشركة جائزة في ذلك كله لأنه إذا أجازها بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر أو بالطعامين بالمختلفين فأحرى أن يجيز ذلك بالعرضين المختلفين إذ

ليس في العرضين المختلفين إلا علة واحدة، وهي اجتماع البيع والشركة، وفي الدنانير والدراهم والطعامين المختلفين علتان وهما عدم التناجز والبيع والشركة في الطعامين المختلفين والصرف والشركة في الدنانير والدراهم، وهو مذهب سحنون أجاز ذلك كله إذ لا يراعي في الشركة عدم التناجز ولا الصرف والشركة ولا البيع والشركة إذا كانا داخلين في الشركة، والثاني أن الشركة لا تجوز عنده في شيء من ذلك كله؛ لأنه إذا لم يجزها في العرضين المختلفين فأحرى ألا يجيزها في الطعامين المختلفين وفي الدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، والثالث أن الشركة جائزة بالعرضين المختلفين ولا يجوز بالطعامين المختلفين ولا بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر وهو مذهب ابن القاسم لاجتماع علتين في الطعامين المختلفين في الدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر وانفراد علة واحدة في العرضين المختلفين وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز إجازة الشركة بالدنانير من عند أحد الشريكين والدراهم من عند الآخر ابتداء مثل قول سحنون وأحد قولي مالك وبالله التوفيق.

: الرجل يشتري السلعة وتجب له فيقول أشركني فيها

ومن كتاب أوله استأذن سيده قال: وسألته عن الرجل يشتري السلعة وتجب له، فيقول: أشركني فيها، قال: هذا حرام لا خير فيه لأنه بيع وسلف، قيل له: فلو كان صاحب الصفقة هو المسلف قال لرجل: تعال أشركك فيها وأنقد عنك ثمنها وأؤخرك؟ قال: إن كانت السلعة حاضرة بعينها فلا بأس به، قال ابن القاسم: إن كانت سلعة مضمونة فلا خير فيه لأنه الدين بالدين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الشركة إذا وقعت على أن ينقد المشرك عن الذي أشركه ثمن الحظ الذي بقي بيده ولم يشركه

به فهو بيع وسلف لأن المشرك يؤدي عن المشرك ثمن الحظ الذي بقي بيده ثم يطلبه به دينا ثابتا في ذمته، فهو سلف لا يجوز أن يشترطه أحدهما على صاحبه في أصل الإشراك، لا يجوز أن يقول المشتري: أنا أشركك على أن تنقد عني ولا أن يقول المشرك: أشركني وأنا أنقد عنك وأما ثمن الحظ الذي وقعت فيه الشركة فجائز أن يشترط كل واحد منهما على صاحبه نقده لأنه إن اشترط ذلك المشتري على المشرك فهو الواجب وهي شركة جائزة على وجهها وإن اشترط ذلك المشرك الذي أشركه فهو بيع صحيح لأنه باعه ذلك الحظ على أن يؤخره بثمنه وينقده هو عن نفسه فلا إشكال في جوازه إلا أن تكون السلعة مضمونة على ما قال فيكون الدين بالدين الذي لا يجوز وبالله التوفيق.

مسألة: يمين التهمة وفي وجوب ردها والاختلاف في ذلك

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن رجل كان له شريك بدمياط وهو بالفسطاط فأتته ثياب من عند شريكه من دمياط فوجد في بعض الثياب بطاقتين أحدهما أكثر ثمنا من صاحبتها ما سمى له، هل ترى عليه يمينا أنه ليس بهذا الرسم للأدنى؟ قال: نعم أرى عليه اليمين، قلت: فإن أبى اليمين أيحلف الآخر؟ قال: نعم إن أبى أن يحلف قيل للآخر: احلف، قلت كيف يحلف؟ قال: يحلف على البتات أن هذه الثياب بهذا الرسم للأدنى.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في آخر رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع في لحوق يمين التهمة وفي وجوب ردها والاختلاف في ذلك مشهور معلوم في المذهب قيل: إنه لا يحكم بها ولا يردها وقيل: إنه يحكم بها ويردها وقيل: إنه لا يحكم بها ولا يحكم بردها إلا أنه لا يسوغ لمن مكن منها بوجه الحكم أن يحلف إن لم يكن على يقين مما حلف عليه لأنه إنما مكن منها على أن يحلف إن كان يدعي معرفة ما يحلف عليه،

والأصل في هذا «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لما قال للجاريتين في صاحبهم الذي قتل بخيبر إذ بدأهم باليمين: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا: يا رسول الله، كيف نحلف ولم نشهد ولم نحضر؟ فلم يرد ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَدَاهُ من عنده» ، وقد تأول بعض الناس على ما وقع في رسم البراءة من سماع أنه يجوز للرجل أن يحلف مع شاهده وإن لم يعلم صحة ما شهد له به وذلك بعيد، وقد مضى الكلام عليه في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من الكتاب المذكور وبالله التوفيق.

: اشتركوا في سلعة اشتروها فتولى أحدهم بيعها فباعها وأمسك الدنانير

ومن كتاب أوصى لمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسئل عن قوم اشتركوا في سلعة اشتروها فتولى أحدهم بيعها فباعها وأمسك الدنانير، فقال له شركاؤه: أبعت السلعة؟ فقال: نعم بعتها قيل له: فأين الثمن؟ قال: هو ذا في كيسي مع دنانيري قيل له: فأعطنا حقنا، قال: نعم أتسوق ثم أعطيكم الذي لكم، فذهب عنهم ثم أتاهم فزعم أنها قرضت من كمه.
قال: هو ضامن إذا سألوه حقهم فلم يعطهم وجهه عنهم، قيل له: إنا لما أردنا أن نخاصمه قال: أسلفوني دينارين أتجر فيها، فما صار فيها من ربح قضيتكم، ووخرني عشرة أشهر وأنا أقولكم وأكتب علي بذلك ذكر حق ففعلنا فأردنا أن نخاصمه الآن فهل تقضي لنا بذلك الإقرار؟ قال: فعلتم ما لا يحل فلا يقضي عليه بذلك إلا قرار لأنه يقول: إنما أقررت لكم على أن تسلفوني ولكن إن كانت لكم بينة

حين سألتموه حقكم حبسه عنكم ثم جاء يزعم أنه تسوق فهو ضامن.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا أقر أنه باع السلعة وقبض الثمن فلا يصدق فيما ادعى من أنه قرض من كمه إذا كانوا قد سألوه حقهم فحبسه عنهم، ولو أدى ذلك قبل أن يسألوه إياه لوجب أن يصدق في ذلك على ما دل من قوله، وهذا إذا كان توليه لبيع السلعة بإذنهم وأما لو تولى ذلك بغير إذنهم لما صدق فيما ادعى من أن الثمن قرض من كمه كان ذلك من دعواه قبل أن يسألوه الثمن أو بعد أن سألوه إياه، ولا إشكال فيما ذكره من الإقرار إذا كان منكرا ألا يلزمه إذا كان على الوصف الذي وصفه؛ لأنه إنما أقر على شرط، فإذا لم يتم له الشرط لم يلزمه الإقرار ولو أسلفوه الدينارين ووخروه إلى المدة ثم قاموا عليه عنها انقضائها للزمه الإقرار وإن كان وقع عليه سبب فاسد وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.

: يكون له مائة شاة فيبيع منها عشرة يختارها ثم يبيع بقيتها من رجل آخر

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل عن رجلين اشتركا في شراء صفقة فاشترياها بعشرة دنانير اشترى أحدهما منه خمسة أراديب بخمسة دنانير، والآخر ما بقي بخمسة دنانير.
قال: لا بأس به، وهو حلال إذا كان باسما من الكيل الذي استثناه لأحدهما يجوز للبائع أن يستثنيه الثلث فأدنى، قيل له: أيهما على ذلك اشترياه فكأنه أشركه، قال: ليست بشركة وليس

بذلك بأس، وإنما باعه البائع من الأرادب ما كان يجوز له أن يستثنيه، أرأيت لو باعه من صبرة وفيها ألف إردب عشرة أرادب بخمسة دنانير ثم باع بعد ذلك ما بقي من رجل آخر قبل أن يكيل العشرة أنه لا بأس به قال: وليس هذا مثل الضأن أن يكون له مائة شاة فيبيع منها عشرة يختارها ثم يبيع بقيتها من رجل آخر قبل أن يختار الأول فلا خير فيه وهو لا بأس أن يبيع عشرة من خيارها أبدا ولا خير في أن يبيع بقيتها قبل أن يختار العشرة حتى يختار، وفرق بين ذلك لأنه يجوز أن يبيع بقية الصبرة بعد الأرادب جزافا قبل أن يكتال الأرادب، ولا يبيع الضأن لأنه لا يدري ما بقي منها، ولأن الطعام هو صنف واحد ليس للكيل الذي يؤخذ منه فضل على ما بقي من الجزاف.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أعرفه في المذهب أنه إذا باع من الصبرة كيلا معلوما يجوز له أن يستثنيه منها وهو الثلث فأدنى جائز له أن يبيع بقية الصبرة من غيره أن المكيلة التي اشترى الأول منها كان البائع استثناها لنفسه، وأما إذا باع من غنمه عشرة يختارها المشتري فاختلف هل يجوز له أن يبيع بقيتها من غيره قبل أن يختار الأول عشرته، والمشهور قوله هاهنا: إن ذلك لا يجوز، وقد مضى القول على ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع فلا معنى لإعادته ولو باع من غنمه أكثر من ثلثها على الخيار لما جاز له أن يبيع بقيتها من غيره قبل أن يختار الأول ما ابتاع قولا واحدا والله أعلم.

: اشترى الرجل سلعة وأشرك فيها ناسا فاستوضع صاحب الصفقة البائع فوضع له

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك قال: إذا اشترى الرجل سلعة وأشرك فيها ناسا فاستوضع صاحب الصفقة البائع فوضع له فأشراكه يدخلون في الوضعية معه وكذلك قال مالك وإذا استوضعه أحد الذين أشرك فوضع كانت الوضعية له دون شركائه ودون صاحب الصفقة، وإذا اشتراها نفر صفقة واحدة فوضع لواحد منهم فالوضعية له دون شركائه وهو قول مالك.
قلت: فإن كان الذي اشتروها شركاء عقد فوضع لواحد منهم أيكون لأصحابه في ذلك شيء أم لا؟ وهل يفترق إذا كانوا شركاء عقد أو غير ذلك، قال: الوضيعة لهم جميعا إذا كانوا شركاء عقد فوضع الواحد منهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته.

: سأل أمانة فأنكرها ثم ادعى الرد أو الضياع

ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول وسئل عن شريكين كانا عند القاضي فسأل أحدهما صاحبه عن ماله فقال: ضاع مني، فقال القاضي: اكتبوا أيضا إقراره، فقال حينئذ: إنما دفعت إليك من مالي بعد أن ضاع مني قال: لا يقبل قوله وأراه ضامنا.

قال محمد بن رشد: لم يصدقه فيما ادعاه من دعوى القضاء لما تقدم من دعوى الضياع، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك وأقوال أصحابه اختلافا كثيرا فيمن سأل أمانة فأنكرها ثم ادعى الرد أو الضياع فقيل: إنه يصدق في كل واحد من الوجهين، وقيل: إنه لا يصدق في واحد منهما لما تقدم من إنكاره، وقيل: إنه يصدق في دعوى الضياع ولا يصدق في دعوى الرد، والثلاثة الأقوال كلها لمالك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب القراض، وفيمن ادعيت عليه أيضا دعوى فأنكرها فلما قامت عليه البينة بها جاء بما يخرج منها من بينة على البراءة منها أو ما أشبه ذلك، فقيل: إن ذلك لا يقبل منه إلا في اللعان إذا ادعى الرؤية بعد إنكار القذف وأراد أن يلاعن وهو قول محمد بن المواز، وقيل: إنه لا يقبل منه إلا في اللعان والأصول ولا يقبل منه في الحقوق، وهو قول ابن كنانة وابن القاسم في المدنية وبالله التوفيق.

: شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وسئل عن صيادين اجتمعوا على غدير ومعهم شباك فقال بعضهم لبعض: تعالوا نشترك ويضرب كل واحد منا بشبكته، فأخرج صيدا فأبى أن يعطي للآخرين منه شيئا وقال لهم: ليس لكم فيما أصبت شيئا، فقال: ذلك له، وليس لهم فيما أصاب شيء لأنها شركة لا تحل.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون، ولأنهم متى اشتركوا على أن يعمل كل واحد منهم على حدة لأن ذلك من الضرر البين فاشتراك الصيادين فيما يخرجونه بشباكهم من الغدير على أن يضرب كل واحد منهم بشبكته على حدة

من الغرر البين الذي لا خفاء به، فوجب ألا تنفذ الشركة بينهم وأن يكون كل واحد منهم أحق بما أخرج بشبكته، ولو كان الغدير صغيرا لا يحمل إلا شبكة واحدة فأراد كل واحد منهم أن يضرب بشبكته أولا وترافعوا على ذلك لوجب أن يقضي بينهم بالاشتراك في ذلك على ما تصح به الشركة في ذلك بأن يستأجروا أحدهم على أن يضرب بشبكته بينهم خوفا من أن يقتتلوا على ذلك ولو بدأ واحدهم فضرب بشبكته قبل ذلك لكان له ما أخرجت له شبكته وهذا كل على قياس ما قاله سحنون في نوازله من كتاب الصيد في القوم يجدون العش فيريد كل واحد منهم أخذه ويتدافعون عليه وهو أصل لما يختلف فيه من القوم المتيممين يجدون من الماء قدر ما يتوضأ به واحد منهم هل ينتقض تيمم جميعهم أو تيمم الذي أسلم إليه وحده، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في سماع سحنون ونوازله من كتاب الوضوء وإن شاء ترك هو المشهور في المذهب على ما في رسم أوله أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى من كتاب الشفعة، وعلى قياس ما وقع في كتاب المرابحة من المدونة من الرجل إذا اشترى نصف سلعة وورث نصفها لا يجوز له أن يبيع نصفها مرابحة حتى يبين؛ لأنه إن باع ولم يبين وقع بيعه على ما ورثه وعلى ما اشترى، وقد قيل: إن للمشرك جميع حظ الذي أشركه وهو دليل قوله في كتاب العتق الأول من المدونة وفي آخر المسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب وقد مضى القول على ذلك هنالك وبالله التوفيق.

مسألة: قال له اشتر سلعة كذا وكذا علي وأنا فيها شريكك فاشتراها رجل غيره فأشركه فيها

مسألة قلت له: فلو كان قال له: اشتر سلعة كذا وكذا علي وأنا فيها شريكك فاشتراها رجل غيره فأشركه فيها، قال: يكون الذي قال له اشتر علي وأنا شريكك مخيرا بين أن يأخذ نصف ما اشترك به صاحبه وبين أن يدع ولا يلزمه شيء.

قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي قبلها يدخل فيها من الاختلاف ما دخل فيها إذ لا فرق بين أن يشتري نصف السلعة أو يشرك فيها بنصفها وبالله التوفيق.

: الربح تابع للضمان إذا عملا بما تداينا به

ومن كتاب القطعان وسئل ابن القاسم عن الرجل يشرك الرجل فيقول أحدهما لصاحبه: اقعد في هذا الحانوت تبيع فيه، وأنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علي وعليك، فيفعلان ذلك، قال: الربح بينهما على ما تعاملا عليه ويأخذ أحدهما من صاحبه أجرة ما يفضله به في العمل.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الربح تابع للضمان إذا عملا بما تداينا به كما هو بائع المال إذا عملا بما أخرجه كل واحد منهما من المال وبالله التوفيق.

مسألة: قال له اقعد في هذا الحانوت وأنا آخذ لك متاعا تبيعه ولك نصف ما ربحت

مسألة قال: ولو قال رجل لرجل: اقعد في هذا الحانوت وأنا آخذ لك متاعا تبيعه ولك نصف ما ربحت أو ثلثه لم يصلح ذلك، وإن عملا عليه كان للذي في الحانوت أجرة مثله فيما عمل ويكون الربح كله للذي أجلسه في الحانوت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأنها إجارة فاسدة من أجل أن الربح تابع للضمان، فإذا كان الذي أجلسه في الحانوت هو الذي يأخذ السلع ويكون ضمانها عليه وجب أن يكون الربح له ويكون للعامل أجرة مثله لأنه عمل على نصف ما ربح فيما باع وهو غرر وبالله التوفيق.

مسألة: اشترى أرضا فأشرك فيها رجلا فتعدى الشريك فزرع الأرض كلها

مسألة وسئل عمن اشترى أرضا فأشرك فيها رجلا فتعدى الشريك فزرع الأرض كلها، فقال: الزرع للذي زرعه وعليه نصف كراء الأرض، قال عيسى: حاضرا كان شريكه أو غائبا، غير أن شريكه إن كان حاضرا يحلف بالله أنه ما كان تركه إياه رضا منه بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: إن الشريك إذا تعدى فزرع الأرض كلها يكون الزرع له ويكون نصف كراء الأرض ظاهره وإن كان إبان الحرث لم يفت فهو خلاف قوله في نوازل سحنون من كتاب المزارعة أن البذر إذا لم يفت أخذ نصيبه من الأرض فبذرها، وخلاف قول ابن القاسم أيضا في أول سماعه من كتاب الاستحقاق أنه يكون له فيما بنى في أرض شريكه قيمة بنيابة منقوضا إن صار في حظ شريكه فمرة رأى الشركة بينهما في الأرض شبهة يوجب أن يكون الزرع لزارعه فإن لم يفت إبان البذر ومرة لم ير ذلك شبهه ورأى أن من حق الشريك أن يأخذ نصيبه من الأرض بزرعها إذا لم يكن للذي بذره فيه منفعة إن قلعه، فإن كانت له فيه منفعة إن قلعه كان من حقه أن يقلعه إلا أن يشاء الشريك المتعدي عليه أن يأخذه بقيمته مقلوعا فيكون ذلك له، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وقول عيسى بن دينار: إن لشريكه الكراء حاضرا كان أو غائبا بعد يمينه إن كان حاضرا خلاف روايته عن ابن القاسم في أول سماع من كتاب الاستحقاق، وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى وبالله التوفيق.

: يشتركا إذا أخرج أحدهما ذهبا وأخرج الآخر ورقا

من سماع يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة قال يحيى: قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: لا ينبغي

للرجلين أن يشتركا إذا أخرج أحدهما ذهبا وأخرج الآخر ورقا وهو عندي من المكروه البين، فإن وقع ذلك ولم ينظر فيه حتى يشتريان ويبيعان أخذ كل واحد منهما مثل ما كان أخرج، صاحب الذهب مثل ذهبه وصاحب الورق مثل ورقه، ثم يقتسمان الربح على قدر أموالهما، وتفسير قسمتها إن كان ربحا للعشرة خمسة عشر فكان لصاحب الذهب مائة دينار ولصاحب الورق ألف درهم جعل لصاحب المائة دينار فضل خمسين دينارا ولصاحب الألف درهم خمسمائة درهم وإن كان الربح للعشرة أحد عشر أو اثني عشر أو نحو ذلك فعلى هذا الحساب يقتسمان الربح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تقدم القول فيها مستوفى في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادة ذلك وبالله التوفيق.

: الشريكين العقيدين يغيب أحدهما ثم يقدم فيجد أموالا بيد شريكه

ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر وسألته عن الشريكين العقيدين يغيب أحدهما ثم يقدم فيجد أموالا بيد شريكه [فإذا أراد قبضها ليرى فيها] في تجارتهما منعه الشريك وقال: هي أموال الناس أستودعها وإن كانت عروضا قال: [قد دفعت إلى أهلها] فيقول له شريكه: فمن أهلها أو لمن هذا المال الذي تزعم أنه ودائع الناس؟ فيقول: لا أحب أن أخبر بأهله وليس لك ذلك علي، أيقبل قوله أم لا؟ قال: إن سمى لها أهلها فادعاها للذي سماها لهم لم أر أن تدفع إليهم حتى يحلفوا مع إقراره لهم، فيكونون بمنزلة من يستحق حقه باليمين مع الشاهد فإن نكلوا دفعت

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: يكون عليه دين يحيط بماله أو ببعضه يتحمل بحمالة وهو يعلم أنه سيغرممسألة: له على رجل مائة إردب قمح فلزمه بها فقال ليس عندي شيءمسألة: له عليه ثلثا دينار ولآخر نصف فقال لصاحب النصف خذ من هذا ثلثي دينارباع من ثلاثة نفر سلعة واشترط عليهم أن يأخذ حيهم بميتهم ومليهم بعديمهممسألة: الحميل إذا اشترط على المتحمل له إذا لقيت صاحبك فتلك براءتيمسألة: يتحمل بوجه الرجل ويشترط عليه أنه ليس عليه إلا وجهه ولا يكفل بمالمسألة: وجوه الحمالة: كتاب الشركةمسألة: دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويخرج مثلها أو يشاركه فيها ويتجران جميعا بهامسألة: اشتركا في ذهبين مختلفتين في الوزن وصرفهما ونفاقهما في البيع مختلفةمسألة: الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل واحد منهما لصاحبهمسألة: عبد بين رجلين أراد أحدهما أن يضربهمسألة: أمر رجلا أن يشتري له سلعة بعينها فاشتراها لنفسه: اشترى سلعة فسأله رجل أن يشركه فقال قد أشركتك فباع السلعة بنقصانمسألة: يشترك الرجلان في العمل في الحانوت: النفقة بينهما سواء والربح سواء والنقصان سواءمسألة: توصية الميت بإسقاط اليمين عنه لا يلزم الورثة: عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدته: القوم يجتمعون يشترون السلعة فيضع البائع لرجل منهم: يدعو جاره المحتاج فيقول له أخرج معي أشتري طعاما بمائة دينار ولك ثلث الربحمسألة: اشترى لؤلؤا فاستشركه فيه قوم فأشركهم فيهمسألة: العبد يكون بين الرجلين لأحدهما أن يبيع مصابته منها ولا يبع معه شريكه: السكوت كالإقرارمسألة: العبد الذي نصفه حر فأراد سيده أن يخرجه إلى بلد غير البلد الذي هما فيهمسألة: يحملون الطعام من القمح في السفينة الواحدة يختلط بعضه ببعض: يقول لشريكه إني قد جعلت في هذا المال الذي يعمل فيه أنا وأنت مالا من عندي: يشتركان في مال بعينه فيقيم أحدهما ويسافر الآخر فيدان المسافر في مال ثم يفلس: اشتركا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم فعملا على ذلك وربحا: الرجل يشتري السلعة وتجب له فيقول أشركني فيهامسألة: يمين التهمة وفي وجوب ردها والاختلاف في ذلك: اشتركوا في سلعة اشتروها فتولى أحدهم بيعها فباعها وأمسك الدنانير: يكون له مائة شاة فيبيع منها عشرة يختارها ثم يبيع بقيتها من رجل آخر: اشترى الرجل سلعة وأشرك فيها ناسا فاستوضع صاحب الصفقة البائع فوضع له: سأل أمانة فأنكرها ثم ادعى الرد أو الضياع: شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاونمسألة: قال له اشتر سلعة كذا وكذا علي وأنا فيها شريكك فاشتراها رجل غيره فأشركه فيها: الربح تابع للضمان إذا عملا بما تداينا بهمسألة: قال له اقعد في هذا الحانوت وأنا آخذ لك متاعا تبيعه ولك نصف ما ربحتمسألة: اشترى أرضا فأشرك فيها رجلا فتعدى الشريك فزرع الأرض كلها: يشتركا إذا أخرج أحدهما ذهبا وأخرج الآخر ورقا: الشريكين العقيدين يغيب أحدهما ثم يقدم فيجد أموالا بيد شريكه
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل