كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
: كتاب القراض
مسألة: اصطراف صاحب المال من المقارض قبل أن يعمل بالمال
كتاب القراض من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون
من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك: لا ينبغي أن يصطرف صاحب المال من صاحبه الذي قارضه قبل أن يعمل.
ولا بأس أن يشتري منه الثوب والثوبين أو يوليه إذا صح.
قال محمد بن رشد: أما اصطراف صاحب المال من المقارض قبل أن يعمل بالمال فالمكروه فيه بين، والذي يدخله الصرف المتأخر؛ لأنه إذا كان رأس مال القراض ورقا فصرفه بذهب، وذهبا فصرفه منه بورق كان قد رجع إليه رأس ماله وصار قد أعطاه ذهبا على أن يرد إليه عند المفاصلة ورقا أو ورقا على أن يرد إليه عند المفاصلة ذهبا.
فيتهمان على القصد إلى ذلك والعمل به فإن وقع ذلك في اليسير من رأس المال صدقا على أنهما لم يعملا على ذلك وجاز القراض.
وإن وقعت المصارفة في جميع رأس المال أو في جله لم يصدقا ووجب أن يفسخ القراض إلا أن يفوت بالعمل فيردان فيه إلى إجارة المثل على أصل ابن القاسم وروايته عن مالك في هذا النوع من الفساد في القراض، وسواء صارفه فيما دفع إليه من الدنانير أو الدراهم قبل أن يغيب
عليها أو بعد أن غاب عليها، إلا أن المكروه فيها قبل أن يغيب عليها أبين.
وقوله لا بأس أن يشتري منه الثوب والثوبين، معناه: لا بأس أن يشتري العامل من رب الثوب والثوبين لنفسه خاصة لا للتجارة، أو يولي من رب المال العامل الثوب والثوبين لنفسه خاصة أيضا لا للتجارة، وفي كتاب محمد بيان هذا.
وأما إن باع رب المال من العامل سلعة أو ولاه إياها للتجارة فهذا الذي قال فيه في المدونة لا يعجبني أن يعمل به لأني أخاف إن صح هذا من هذين لا يصح من غيرهما.
ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن قول مالك اختلف في ذلك؛ لأنه وجد في كتاب عبد الرحمن أن مالكا خففه، وقال: لا بأس به إذا صح الأمر بينهما فالخلاف في هذا عندي إنما يرجع إلى التصديق في وقوع الأمر بينهما على الصحة، فلم يصدقهما في المدونة وصدقهما في رواية عبد الرحمن عنه.
هذا عندي إذا وقع الشراء في المال الذي دفع إليه قبل أن يصرفه كان قد غاب عليه أولم يغب عليه.
وأما إن وقع الشراء بما نض بيد العامل مما باعه من السلع التي اشترى للقراض، فيصدقان على أنهما لم يعملا على ذلك قولا واحدا والله أعلم، والذي أراه في هذه المسألة أن يصدقا إذا اشترى باليسير من مال القراض، وألا يصدقا إذا اشترى بجميعه أو بجله؛ لأنهما يتهمان على القصد إلى القراض بالعروض.
فهذا الذي أراه قول ثالث في المسألة.
وأما شراء العامل من رب المال جميع سلع القراض أو ما بقي بعد المفاصلة منها بثمن إلى أجل ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز.
وهو قول الليث بن سعيد ويحيى بن سعيد.
وروى مثله ابن وهب عن مالك، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصحاب مالك حاشى ابن القاسم في شراء ما بقي من السلع بعد المفاصلة، ولا فرق بين شراء جميعها وبين شراء ما بقي منها بعد المفاضلة.
والثاني: أن ذلك لا يجوز ويفسخ وإن فات كانت فيه القيمة.
وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
ومعنى ذلك إذا اشتراها
بأكثر من رأس المال واشترى بقيتها بأكثر مما بقي من رأس المال.
وأما إن اشتراها بمثل رأس المال فأقل واشترى بقيتها بمثل ما بقي من رأس المال فأقل فلا اختلاف في أن ذلك جائز.
وذلك بين مما وقع في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم بعد هذا، ومما وقع في رسم القطعان من سماع عيسى أيضا.
والقول الثالث: الفرق بين أن تكون السلع حاضرة أو غائبة، فإن كانت حاضرة لم يفسخ البيع إذا فات، وإن كانت غائبة فسخ البيع في القيام ورد إلى القيمة في الفوات.
وكذلك إذا اشترى العامل بعض سلع القراض بأكثر من قيمتها إلى أجل يدخل في ذلك الثلاثة الأقوال المذكورة.
مثال ذلك: أن يدفع الرجل إلى الرجل مائة دينار قراضا يشتري بها سلعا فيعرض إحداها للبيع وشراؤها عشرة فلا يعطى فيها إلا ثمانية، فيقول العامل أنا أبتاعها منه بعشرة إلى أجل، فلا يجوز ذلك لأنه يؤخره لئلا يخسر من رأس ماله شيئا.
وجه القول الأول بأن ذلك جائز - هو أنه كأنه قد التزم السلع برأس ماله فيتفاضلا في القراض ثم باعها من العامل.
ووجه القول الثاني بأن ذلك لا يجوز - هو أنه لو طلبه برأس ماله لم ينض له منه إلا ثمانون فأخره بها على أن يأخذ منه مائة.
ووجه القول الثالث في الفرق بين أن تكون السلع حاضرة أو غائبة - هو أنه إذا كانت حاضرة ارتفعت التهمة؛ لأنه باع ما رأى بعد أن رضيه والتزمه، وإذا كانت غائبة لعلها لم تكن ثم سلع أصلا، والمال قد خسر فيه فرجع ثمانين فأخره به على أن يأخذ منه مائة بشراء العامل من رب المال سلعة من غير سلع القراض قبل أن يعمل فالقراض لا يجوز بالنقد، ويجوز إلى أجل، وشراؤه سلعة من سلع القراض لا تجوز إلى أجل ويجوز بالنقد، وأما شراء رب المال من العامل سلعة من القراض أو من غير القراض فيجوز بالنقد وإلى أجل، وبالله التوفيق.
مسألة: يأخذالمقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما
مسألة قال مالك: لا بأس أن يأخذ المقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما، قال: يدفع إليه ربحه من ماله ثم يأخذه من مال القراض.
وسئل عنها سحنون، فقال: لا يجوز أن يعطيه ربحا من غير ربح القراض إلا أن يكون حاضرا فيكون يدا بيد وزنا بوزن.
قال محمد بن رشد: رأيت لبعض أهل النظر في هذه المسألة أنه قال فيها: قول سحنون جيد؛ لأن ربحه ليس في ذمة العامل في المال وإنما هو في المال نفسه، فلا يجوز أن يعطيه من غيره إلا أن يكون مال القراض حاضرا لأنه إذا لم يكن حاضرا دخله دراهم حاضرة بدراهم غائبة أو ذهب حاضرة بذهب غائبة.
وهو تعليل جيد لقول سحنون إذا كان إنما أعطاه الربح من ماله على سبيل الاشتراء منه للربح الذي في يده من مال القراض.
وقول مالك جيد أيضا إذا كان إنما أعطاه الربح من ماله على سبيل السلف له حتى يقتضيه من الربح الذي في يده من مال القراض.
ولو نص في ذلك على السلف فقال أنا أسلفك الربح الذي يجب لك من مالي حتى أقبضه من مال القراض لما قال سحنون في ذلك إنه لا يجوز، ولو نص في ذلك أيضا على الشراء فقال أنا اشتري منك الربح الذي لك في المال القراض هذا الذهب الذي أدفعه إليك من مالي لما قال مالك إن ذلك لا بأس به.
فحصل الاختلاف بين مالك وسحنون، إنما هو ما يحمل عليه على الأمر عند الإبهام، فحمله مالك على السلف فأجازه، وحمله سحنون على البيع فلم يجره، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
مسألة: مقارض باع بدين أو سلف في طعام ثم كره التقاضي
مسألة قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في مقارض باع بدين أو
سلف في طعام ثم كره التقاضي فأسلم ذلك برضا صاحب المال، قال: لا بأس بذلك، وهو مثل الموت إذا أسلمه الورثة.
أنكرها سحنون.
قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك مثل ما يأتي في رسم الشجرة بعد هذا، وإنكار سحنون لجواز هذه المسألة صحيح؛ لأن الورثة لا يلزمهم تقاضي دين القراض ولا تنضيضه، وهو حق لهم إن طلبوه فكان من حقهم أن يسلموه فيكونون بإسلامهم إياه قد وهبوا لرب المال ما عمل موروثهم في المال.
فلا معنى في جواز ذلك.
وأما المقارض فتقاضى دين القراض وتنضيضه واجب عليه، لرب المال أن يأخذه به، ويلزمه الاستئجار عليه من ماله إن أبى أن يليه بنفسه كما لا يجوز أن يستأجر على ذلك بنصيبه من الربح.
فكذلك لا يجوز له أن يسلمه إلى رب المال؛ لأنه إذا أسلمه إليه فكأنه قد استأجره على تقاضي الدين وتنضيض المال بالجزء الواجب له من الربح، فالأظهر أنه لا يجوز.
ووجه القول بجوازه أنه إذا أسلمه إليه فقد وهب ما تقدم من عمله فيه، ولم يكن كأنه استأجره عليه بجزء من الربح، إذ لا يلزمه إذا أسلمه تقاضي الدين ولا تنضيض المال؛ لأنه ماله يفعل فيه ما شاء إن شاء تقاضاه وباع الطعام حتى يصير عينا، وإن شاء وهب الدين أو أكل الطعام إذا قبضه ولم يصيره عينا كما دفعه إلى المقارض الذي أسلمه إليه.
فعلى هذا أجازه مالك بقوله: وهو مثل الموت إذا أسلمه الورثة.
معناه: هو مثله في أن ذلك جائز وإن كان وجه الجواز في ذلك مختلفا، يجوز في الورثة من أجل أن تنضيض المال لا يلزمهم ويجوز في المقارض من أجل أن رب المال لا يلزمه تنضيض ماله، وبالله التوفيق.
: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره
ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة وسئل مالك: عن الرجل يدفع إلى الرجل المال القراض فيقيم
في يديه أياما ويتجهز بذلك يريد سفرا فيلقاه صاحب المال فيقول له: هل لك أن أخرج معك؟ فأخرج ذهبا آخر مثل الذي أعطيتك ونشترك جميعا.
قال مالك: ما أرى أمرا بينا وما يحضرني فيه مكروه، وكأنه خففه من غير تحقيق.
وقال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا إذا صح على غير موعد ولا رأي ولا عادة.
قال أصبغ: لا خير فيه، قال سحنون: هو الربا بعينه.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم مفسر لقول مالك؛ لأن مالكا إنما خفف ذلك على السلامة على التواطي على ذلك من قبل أن يتجهز بالمال، إذ لو أتاه قبل أن يتجهز بالمال لما جاز؛ لأنه يصير كأنه استأجره على أن يعمل معه في ماله على أن له نصيبا من ربحه، وكرهه أصبغ وقال لا خير فيه مخافة أن يكون تواطأ معه على ذلك قبل أن يتجهز بالمال.
فإن وقع ذلك مضى ولم يفسخ على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وفسخ على مذهب أصبغ ما لم يفت بالعمل، فإن فات مضى وكان العامل في عمله على شرطه من الربح.
وأما على مذهب سحنون الذي قال فيه: إنه هو الربا بعينه فينفسخ متى ما عثر عليه، ويكون الربح كله لرب المال ويكون للعامل أجرة مثله، وإنما قال فيه إنه الربا بعينه على سبيل التجوز في اللفظ إرادة التغليظ في المنع منه، إذ ليس بربا بعينه كما قال، وإنما هو على مذهبه استئجار للعامل على عمله معه بجزء من ربح المال، وذلك ما لا يحل ولا يجوز.
لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» ، ولقوله: «من استأجر أجيرا فليواجر بأجر معلوم إلى أجل معلوم» ، وكنهيه عن بيع الغرر، والإجارة بيع
من البيوع لا يجوز فيها الغرر والمجهول، فلما كان ذلك لا يحل كما لا يحل الربا قال فيه إنه ربا، وبالله التوفيق.
مسألة: إذا خرج في حاجة نفسه فضت نفقته على نفقة مثله وعلى مال القراض
مسألة وسئل مالك عن رجل تجهز يريد اليمن فجاءه رجل ليلة يخرج فقال له: خذ مني هذا المال قراضا فأخذه الرجل فخرج به فاشترى به رقيقا نحوا من ستين رأسا، فأصيب منهم بضعة وأربعون، فقدم الرجل فطلب أن يعطى نفقته من مال الرجل، قال مالك: أرى أن تحسب نفقته كم تكون إلى اليمن في ذهابه ورجعته، كم هو؟ فإن كانت قيمة ذلك مائة دينار والذي دفع إليه الرجل سبعمائة دينار رأيت أن يحمل على صاحب المال سبعة أجزاء من ثمانية، وعلى العامل جزء من ذلك.
فعلى هذا يحتسب قل المال أو كثر أو كثرت النفقة أو قلت.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه تجهز في السفر في حاجة نفسه لا للتجارة بماله.
ولو كان إنما تجهز للتجارة بماله لوجب أن نكون النفقة مفضوضة على المالين، ماله الذي خرج للتجارة به، ومال الرجل الذي دفعه إليه.
ومثل هذا في المدونة أنه إذا خرج في حاجة نفسه فضت نفقته على نفقة مثله وعلى مال القراض، وفي كتاب محمد أنه ينظر إلى قضاء حاجته فيجعل ذلك رأس مال تفض عليه وعلى مال القراض.
قال محمد: وهو استحسان.
فالقياس أن تكون النفقة عليه كما إذا خرج حاجا أو غازيا فأعطاه رجل مالا قراضا فخرج به، وهو قول ابن عبد الحكم.
وسحنون بأنه لا شيء من النفقة على مال القراض إذا خرج في حاجة نفسه عما إذا خرج حاجا أو غازيا.
قال أبو إسحاق التونسي: ولعل ابن القاسم أراد أنه خرج لإصلاح ضيعته، فتكون نفقته مقدرة بإصلاح ماله، فجعل ذلك رأس مال
تفض عليه النفقة مع مال القراض، وأما لو خرج لزيارة أهله أو لغير إصلاح ماله لا نبغي ألا يكون على المال القراض شيء من نفقته كما لو خرج حاجا أو غازيا.
هذا معنى قوله دون لفظه، وبالله التوفيق.
: المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة، قال: لا بأس بذلك، وكذلك الثمرات والماء يسقيه السائل فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه من الشيء اليسير الذي لا يتشاح في مثله.
والأصل في ذلك قول الله عز وجل ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61] إلى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: 61] فإذا لم يكن على الوكيل حرج في الأكل من مال موكله الذي اؤتمن عليه وجعلت مفاتحه في يديه دون علم موكله.
بنص القرآن ما جرت به العادة من الشيء اليسير الذي لا يتشاح في مثله جاز ذلك للمقارض في المال الذي بيده؛ لأنه مؤتمن عليه ولذلك قال الليث في المقارض المقيم الذي لا نفقة له في المال إنه لا بأس أن يتغدى منه بالأفلس إذا اشتغل بالتجارة في السوق، فإذا جاز له أن يأكل هذا القدر وإن لم يجب له فيه نفقة كان أحرى أن يجوز له التصدق به، فيكون له في ذلك من الأجر إن شاء الله بقدر ما له فيه من الربح.
وكذلك الوصي أيضا يعطي السائل من مال يتيمه يرجو بركة ذلك لليتيم.
وليس قول مالك في هذه الرواية عندي بخلاف قوله في موطئه إنه لا يهب منه شيئا ولا يعطي منه سائلا ولا غيره؛ لأن المعنى
في ذلك إنما هو فيما كثر وخرج عن حد ما لا يتشاح في مثله، وبالله التوفيق.
مسألة: يعطيه قراضا فيشتري به طعاما فيقول له رب المال بع جملة
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يعطي الرجل المال القراض فيشتري به طعاما ثم يأتي به إلى السوق ويريد بيعه، فيقول صاحب المال بع جملة واقبض الثمن، ويقول المقارض البيع على يدي أكثر للربح، وأنا أريد أن أبيع على يدي، قال: ينظر في ذلك إلى الذي يرى أنه وجه الشأن فيه، فيحملان عليه ولا ينظر في قول واحد منهما.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن لكل واحد منهما حقا في المال، فوجب ألا يغلب قول واحد منهما على صاحبه وأن يسأل عن ذلك أهل المعرفة به، فمن رئي الصواب في رأيه منهما حملا عليه، وبالله التوفيق.
مسألة: أخذ العامل في القراض ربحه بإذن رب المال وترك هو ربحه في المال
مسألة وسئل مالك: عن العامل في القراض يأذن له صاحبه أن يأخذ ربحه، فقال: لا يأخذ شيئا حتى يقتسما وإن أذن له فيه صاحبه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أخذ العامل في المال ربحه بإذن رب المال وترك رب المال ربحه في المال، فالمكروه في ذلك بين؛ لأن رب المال إذا ترك حظه من الربح في المال بعد أن أخذ العامل حظه منه بإذن رب المال فكأنه أعطاه حظه من الربح قراضا على أن يخلطه بالقراض الأول وهو لم ينض بعد إذ لم يتحقق نضوضه.
فهذا على هذا التأويل مثل ما في المدونة من أنه لا يجوز إذا دفع الرجل إلى الرجل مالا قراضا فشغله في سلع أن يدفع إليه مالا آخر قراضا على أن يخلطه به؛ لأنه غرر إن نقص فيه وربح في الأول صيره من ربح الأول وإن ربح فيه وخسر في المال الأول صيره من ربحه.
وقال الفضل
فيه: إنه إن وقع كان في القراض الأول على حاله، ورد في الثاني إلى إجارة مثله، ولو تحقق نضوض المال في هذه المسألة لجاز؛ لأنه كان يكون بمنزلة من دفع إلى رجل مالا قراضا ثم دفع إليه بعد ذلك مالا آخر قراضا على أن يخلطه به.
وإنما كره هذه المسألة مخافة ألا ينض رأس المال بعد أو لعله قد نض إلا أن فيه خسارة فكذبه فيما زعم أن فيه من الربح ليقره بيده ولا ينزعه منه، ولهذه العلة لم يجز مالك في موطئه أن يقتسم المتقارضان الربح دون حضور رأس المال ونضوضه، فقال في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل به ثم جاءه بمال فقال هذا حصتك من الربح وقد أخذت لنفسي مثله ورأس مالك وافر عندي فأقره، قال: لا أحب ذلك حتى يحضر المال كله ويحاسبه ويعلم أنه وافر ويصير إليه، ثم إن شاء رده إليه على قراضه وإن شاء أمسكه، وإنما يجب حضور المال مخافة أن يكون نقص فيه فهو يحب ألا ينتزع منه وإن نقص عنده.
هذا نص قول مالك في موطئه، وظاهر ما في الواضحة أن اقتسامهما الربح على غير محاسبة ولا اعتماد مفاصلة جائز؛ لأنه قال: إذا كانا يفعلان ذلك وجاء في المال نقصان جبر من الربح الذي اقتسماه، وبالله التوفيق.
مسألة: دفع إلى رجل مالا قراضا فشارك رجلا بمال له فعملا جميعا
مسألة وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فشارك رجلا بمال له فعملا جميعا، قال: أراه ضامنا حين أدخل في مال الرجل غيره؛ لأن الرجل قد يقارض الرجل بثلاثة أرباع ويقارض بالنصف لموضع أمانته، فقيل له: أفتراه ضامنا؟ قال: نعم، أراه ضامنا إن تلف أو نقص غرم، وإن كان ربحا كان على قسمة قراضه.
قال محمد بن رشد: هذا مفسر لما في المدونة أنه إن شارك المقارض بمال القراض فهو ضامن إذا لم ينض فيها أنه إن كان فيه ربح كان على قسمة قراضهما.
وزاد في المدونة أن الرجل إذا قارض رجلين كل واحد
منهما على حدة فلا يجوز أن يشتركا وإن كان المال لواحد.
وهذا كله بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
: يعطي الرجل المال القراض فيخرج به إلى الريف فيبتاع به القمح الكثير
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن الرجل يعطي الرجل المال القراض فيخرج به إلى الريف فيبتاع به القمح الكثير والشعير فيكثر عليه ذلك فيتكارى سفنا ويستأجر أجراء فيحملها ويبعث فيها الأجراء ويكتب إلى صاحب المال أن يقوم معهم في خزنه ويقسم إن أحب ذلك من غير شرط يكون في أصل ذلك.
قال: لا يعجبني هذا ولو كان الشيء الخفيف ما رأيت به بأسا، قيل له: قدر المائة الدينار أو مائة وخمسين؟ قال: إن كان الشيء الخفيف وإلا فلا خير فيه، هذا يكثر فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: كره ذلك في الكثير مخافة الذريعة إلى استجازة ذلك على شرط، أو رأي، أو عادة، فإن وقع ذلك على غير شرط ولا رأي ولا عادة نفذ ذلك ومضى، ولم يحولا عن شرطهما فيه، والله الموفق.
مسألة: دفع إلى رجل مالا قراضا فلما أراد السفر قال إني أريد أن أخرج بمالي
مسألة وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فلما أراد أن يخرج إلى سفره، قال لصاحبه: إني أريد أن أخرج بمالي معي أتجر فيه، وإني لست أحمل على مالك نفقة، وأنا أنفق من مالي فإنه لا يحمل ذلك.
قال: لا يعجبني ذلك وإنما ذلك بمنزلة ما لو قال له ذلك عند دفعه إياه، ولكن ليعمل فيهما والنفقة على المالين،
وسواء قال ذلك عند خروجه أو عندما يدفعه إليه وفيه تفسير.
قال عيسى: وتفسيره إن كان قال ذلك في حين يجوز له منعه من الخروج لم يكن فيه خير، وإن كان ذلك في حين لا يجوز له منعه وذلك بعد أن يتجهز ويشتري فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الروايات فإنه يحمل ذلك ولا يغير ذلك من حكم المسألة شيئا.
وتفسير عيسى صحيح مبين لقول مالك، فمعنى قوله: وسواء قال ذلك عند خروجه أو عندما يدفعه إليه، يريد: إذا كان خروجه بالمال وهو ناض قبل أن يشتري به ويتجهز.
وأما لو قال ذلك بعد أن اشترى بالمال وتجهز لجاز ذلك ولزم على القول بلزوم العدة لأنها عدة، وإذا قال ذلك له عندما دفع إليه المال أو عند خروجه والمال بحاله فهو مكروه ولا يلزم ولا يبلغ به الفسخ إلا أن يكون ذلك القول عندهما كالشرط، وبالله التوفيق.
مسألة: يأخذ المال قراضا على أنه يدفعه إلى غيره يعمل به
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يأخذ المال قراضا على أنه يدفعه إلى غيره يعمل به، فكره ذلك، وقال: ما يعجبني، ثم ردد فيه الكراهية، فقيل له: أفرأيت إن قال له إني أبعث فيه غلامي ومولاي إلى بعض إخواني يشترون به ويبيعون؟ فقال: إني لأرجو أن يكون خفيفا، وما هو من عمل الناس.
قال محمد بن رشد: لا فرق بين أن يأخذ منه المال قراضا على أن يعطيه لغيره يعمل به قراضا، أو على أن يرسل فيه غلامه أو مولاه إلى من يشتري به ويبيع من إخوانه كما أنه لا فرق بين أن يأخذ منه المال قراضا فيقول إني أدفعه إلى غيري يعمل به قراضا أو إني أبعثه مع غلامي أو مولاي إلى من يشتري به ويبيع من إخواني، فإذا كان على الشرط في المسألتين
جميعا لم يجز، وإذا كان على غير الشرط في المسألتين جميعا جاز.
وإنما افترقت المسألتان عنده لأن الأولى بشرط، والثانية بغير شرط.
والمكروه فيهما جميعا إذا كان ذلك على وجه الشرط بين؛ لأنه كأنه استأجره على أن يدفع ماله إلى غيره قراضا أو على أن يبعثه مع ولاه أو غلامه إلى من يشتري به ويبيع من إخوانه على سبيل القراض بالجزء الفاضل من الربح إن دفعه بأكثر مما أخذه، وقد يدفعه بأقل فيخسر، وبمثل الجزء فلا يربح، فذلك غرر بين وإجارة فاسدة.
فقوله في ذلك إنه مكروه تجاوز في اللفظ، فإن وقع ذلك كانت له أجرة مثله في دفعه المال إلى غيره قراضا وفي بعثه به إلى من يعمل به من إخوانه قراضا، وكان العامل فيه على الجزء الذي اشترطه من القراض.
وأما إذا قال له حين أخذه المال منه إني أدفعه إلى من يعمل فيه قراضا أو أبعثه إلى من يعمل به قراضا ولم يشترط ذلك، فذلك إذن منه له في أن يقارض به، فإن قارض فيه بأكثر من الجزء الذي اشترطه كان الفاضل لرب المال لا له.
وهو نص قول مالك في كتاب ابن المواز، بخلاف المساقاة والفرق في هذا بين القراض والمساقاة أن المساقاة يلزم بالعقد فكان له أن يأخذ الفضل، والقراض لا يلزم بالعقد فلم يكن له الفضل.
وإن قارض فيه بأقل من الجزء الذي اشترطه مثل أن يقارض رب المال على النصف فيقارض هو غيره على أن يكون له الثلث وللعامل الثلثان فرب المال أحق بالنصف ويرجع العامل الثاني على المقارض الأول بمثل سدس الربح الذي استحق صاحب المال من يده.
وهذا إذا لم يعلم رب المال أن المقارض الأول قارض المقارض الثاني على أكثر مما قارضه هو عليه.
وأما إذا علم ورضي فلا يكون له إلا ما رضي به واختلف إذا علم أو حضر فسكت.
فقيل: سكوته كالإذن، ولا يكون له من الربح إلا ما اشترط منه المقارض الأول على المقارض الثاني.
وقيل: لا يكون كالإذن ويكون أحق بالجزء الذي قارض عليه هو
المقارض الأول.
وقد مضى هذا المعنى في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب المساقاة.
وفرق في كتاب محمد في الذي يأخذ المال قراضا بين أن يقول أبعثه مع مولاي إلى بلد آخر إلى من يكفيني أمره أو إلى قوم يشترون ويبيعون.
فقال في الأول: إنه لا يصلح، وفي الثاني: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد: ما لم يشترط.
وجه الفرق بينهما أنه إذا قال: أبعثه إلى من يكفيني أمره فإنما معناه أبعثه إلى من ينزل منزلتي في العمل فيه بالجزء الذي أخذته به، وقد يجد ذلك وقد لا يجده.
فلذلك كرهه، وقال: إنه لا يصح، وإذا قال: أبعثه إلى قوم يشترون ويبيعون، فإنما معناه إلى قوم يشترون به ويبيعون على ما أواجبهم عليه من الربح على سبيل القراض أو من الأجرة على سبيل الاستئجار على الوجه الذي تصح عليه الإجارة.
وذلك لا يتعذر وجوده.
فلذلك أجازه ورآه خفيفا.
وأما إذا كان ذلك بشرط فقد مضى وجه فساده، وبالله التوفيق.
مسألة: دفع إلى رجل مالا قراضا وأذن له في مداينة الناس فداين وعمل
مسألة وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا وأذن له في مداينة الناس فداين وعمل، ثم إنه وقع بينهما كلام، فقال له العامل: هذا ما اشتريت بمالك حاضرا، وما كان منه غائبا فهذه ذكور حقوقك فخذ ذلك كله وأخرجني منه واقبض لنفسك وبع لها.
قال: لا بأس بذلك.
فقلت: له: أفلا ترى فيه غررا؟
قال: لا، إنما هو مثل الذي يموت فيأبى الورثة أن يعملوا فيكون له، أو الرجل يأخذ المال قراضا فيشتري فيصيبه مرض أو يضعف عن القيام فيه فيسلم ذلك إلى صاحب المال فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما مرض أو ضعف عن القيام في المال فالأمر في جواز ذلك ظاهر؛ لأنه يشبه الموت.
وأما إذا أسلم المال إلى رب المال
وتخلى عن القراض إليه برضاه وهو قد أنشب المال في سلع وديون فالأظهر أنه لا يجوز على ما قاله سحنون في أول رسم من السماع.
وقد مضى الكلام على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: السنة في القراض لا يقسم الربح إلا عند المفاصلة
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يأخذ المال قراضا فيشتري متاعا ويداين فإذا كان على رأس حول دعا صاحبه إلى أن يحاسبه فيقول عندي كذا وكذا من النقد، وكذا وكذا من العروض، والدين كذا وكذا، ويقول له صاحب المال: أنا أعطيك ربحك من النقد وأبريك من الدين وهو رأس مالي والعرض إن دخل فيه نقضان إلا أن العامل يعمل فيه كما هو، قال: لا خير فيه حتى يحصل المال.
قال محمد بن رشد: قوله إلا أن العامل يعمل فيه كما هو، أي: حتى ينض المال بقبض الدين وبيع العروض وقبض أثمانها، وإنما لم يجز ذلك، وقال: إنه لا خير فيه لأن السنة في القراض لا يقسم الربح إلا عند المفاصلة إما بعد نضوض المال وإما بأن يرضي رب المال أن يخرج في رأس ماله إلى دين أو يأخذ فيه عرضا.
فقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك أنه قال: وإذا تفاصل رب المال مع العامل في القراض واقتسما الربح فلا بأس أن يأخذ رب المال رأس المال عينا ثم يقاسمه ما بقي من سلع أو غيرها، أو يأخذ رب المال في رأس ماله سلعة ثم يقاسمه فيما بقي من عين أو عرض.
فإذا لم يكن للعامل أن يقبض حصته من الربح حتى ينض رأس المال إلا برضا رب المال بالمفاصلة قبل نضوضه كان رب المال إنما فاصله قبل نضوضه وعجل له حصته من الربح قبل أن ينض رأس المال على أن يعمل في المال حتى ينض باطلا بغير شيء يكون له، فيدخله سلف جر منفعة، وبالله التوفيق.
: المقارض يحاسب صاحبه ثم يأتي بعد ذلك يذكر أنه نسي الزكاة
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: سئل مالك: عن المقارض يحاسب صاحبه ويقول قد تهضمت لك وحملت على نفسي، ثم يأتي بعد ذلك يذكر أنه نسي الزكاة وغير ذلك.
قال: لا يقبل قوله إلا أن يأتي على ذلك ببينة أو أمر لا يستنكر فيه قوله، وأمر يعرف به وجه ثبات ما رفع من ذلك.
قال ابن القاسم: وسمعته وسألناه عن مقارض عمل ودفع إلى صاحبه رأس ماله وربحه ثم جاء بعد ذلك يطلب نفقته ويقول أنفقت من مالي ونسيت حتى دفعت إليك.
قال: لا يحلف ويكون القول قوله.
قال محمد بن رشد: أما المسألة الأولى فلا اختلاف فيها أنه لا يصدق فيما ادعى أنه نسيه عند المحاسبة لقوله قد تهضمت لك وحملت على نفسي لاحتمال أن يكون هذا الذي ادعى أنه نسيه هو الذي تهضم فيه وحمل فيه على نفسه، إلا أن يأتي بدليل على صحة دعواه.
وأما المسألة الثانية ففي المسألة خلافها أنه لا يقبل قوله فيما ادعى أن له في المال بعد أن حاسب صاحبه وقاسمه ودفع إليه ماله وهو الأظهر؛ لأن دفع ماله إليه كالإقرار أنه لا حق له فيه، فهو مدعى عليه فما يريد أن يخرجه من يده بعد أن دفعه إليه.
ووجه القول الثاني: أن الغلط والنسيان ليس أحد بمعصوم منه، فوجب أن يصدق بعد كما كان يصدق قبل، وهذا يشبه اختلافهم فيمن باع مساومة ثم ادعى الغلط، وبالله التوفيق.
: أقام في الحضر في تجارة القراض مشتغلا بها نهاره كله
ومن كتاب أوله سلف في المتاع وقال مالك فيمن أقام في الحضر في تجارة القراض مشتغلا بها نهاره كله: لا أرى أن ينفق من مال القراض شيئا على نفسه في غداء ولا غيره.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف قول الليث بن سعد في المدونة أنه لا بأس إذا اشتغل في السوق أن يتغدى بالأفلس، وقوله أظهر.
وقد مضى من قول مالك في أول رسم شك ما يضاهي قوله على ما بيناه هناك، وبالله تعالى التوفيق.
: يقارضه بمال فيشتري متاعا فيريد أن يبيع المتاع فلا يعجبه الثمن
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس وسئل مالك: عن الرجل يقارض الرجل بمال فيشتري متاعا فيريد المقارض أن يبيع المتاع فلا يجد به ما يعجبه من الثمن، فيقول لصاحب المال: بعنيه وأنا أنقدك من ثمنه كذا وكذا، ثم أنظرني ببقية الثمن شهرا أو شهرين، قال: لا خير في ذلك، قال ابن القاسم: وقد سمعته غير مرة يكرهه وكأنه ينحو إلى وجه كأنه أعطاه مائة بخمسين ومائة إلى أجل.
قال محمد بن رشد: في النوادر متصل بهذه المسألة.
قال ابن القاسم في رواية يحيى: إن ابتاعه بنقد فجائز، وإن كان بتأخير بمثل الثمن فأقل فجائز، وإن كان بأكثر فلا يجوز، وإن أراد رب المال أن يشتريها بنقد أو إلى أجل فلا بأس به، ومثله في رسم القطعان من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب وهو صحيح لهذه الرواية وغيرها.
وقد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول مسألة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: دفع إلى رجل مالا قراضا فتجهز منه بطعام وكسوة ثم هلك الرجل
ومن كلاب باع غلاما وسئل مالك: عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فتجهز منه
بطعام وكسوة ثم هلك الرجل فأراد الوصي أن يأخذ ذلك المال.
قال: أرى ذلك له، وأرى أن يأخذ منه ذلك الطعام والكسوة التي اشترى من مال الميت.
قال سحنون: ليس ذلك للوصي؛ لأنه هو لو كان حيا لم يكن له أن يأخذ ذلك منه، إلا أن يكون لم يحرك من المال إلا في كسوة نفسه وطعامه، فهو كما ذكر في المسألة.
قال محمد بن رشد: معنى ما تكلم عليه مالك أن العامل لم يتجهز من المال إلا في كسوة نفسه وطعامه، وذلك بين من قوله: وأرى أن يأخذ منه ذلك الطعام والكسوة التي اشتريت من مال الميت، يريد: ولا يترك له من أجل أنه اشتراها لنفسه، وإن كان قدر ذلك يسيرا إذا لم يعمل بالمال فيترك له الشيء اليسير كما قال في المسألة التي بعدها، ويحتمل أن يريد وهو الأظهر أنه يؤخذ منه ذلك الطعام وتلك الكسوة، ولا يضمن الثمن التي اشتراها به من أجل أنه اشتراها لنفسه، إذ لو رأى إذا تجهز من المال بطعام وكسوة للتجارة لا لنفسه أن يؤخذ المال منه لما كان إشكال في أنه يؤخذ منه ما كان تجهز به حتى يحتاج إلى بيانه، فقول سحنون صحيح في أنه لا فرق في ذلك بين الوصي وبينه هو لو كان حيا، وتأويله على مالك أنه فرق بين الوجهين غير صحيح.
وينبغي إذا أخذت منه الكسوة أنه اشتراها لنفسه والطعام وأخرج من القراض أن يعطى أجرة مثله في ابتياعه الكسوة والطعام، وبالله التوفيق.
مسألة: ما يفضل عند المقارض إذا قدم من سفره مثل الجبة وأشباه ذلك
مسألة وقال مالك فيما يفضل عند المقارض إذا قدم من سفره مثل الجبة وأشباه ذلك، فقال: ما علمت أنه يؤخذ منه مثل هذا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في نوازل سحنون أن رب المال إذا أخذ ماله من العامل لا يؤخذ منه الثياب التي كان اشتراها لسفره من مال القراض إلا أن يكون لها قدر وبال.
ومثله لمالك في موطئه.
وهو استحسان
على غير حقيقة القياس ليسارة ذلك مع العرف الجاري فيه على أصله في كتاب الحدود في القذف من المدونة في الرجل يكسو امرأته كسوة السنة بفريضة من السلطان أو بغير فريضة ثم يموت أحدهما قبل انقضاء السنة أنه استحسن ألا يتبع المرأة بشيء من ذلك لما بقي من السنة بخلاف النفقة، وبالله التوفيق.
: تجار حبوب لا تحمل أموالهم ما يشترون فيأتون إلى أقوام يسألونهم قراضا
ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك: عن القوم يشترون التجارات من الحبوب والصوف وأشباه ذلك فلا تحمل أموالهم ما يشترون، فيأتون إلى أقوام يسألونهم أن يعطوهم أموالا قراضا ولا يعلمونهم بما كانوا اشتروا ويجعلونها قراضا فيما بينهم وبين الذين قارضوهم، أترى ذلك يصلح؟ قال: لو صح ذلك لم أر به بأسا، قيل له: فما الذي تخاف ألا يصح؟ قال: يشتري سلعة غائبة فيندم فيها فيأخذ هذا المال فينقده فيها.
قال ابن القاسم: لا يعجبني العمل بهذا وإن صح، قال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: كراهية مالك لهذا العمل مخافة ألا يصح، وإجازته له إذا صح هو مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: إني أخاف أن يكون قد استغلاها فيدخل مال الرجل فيه فلا أحب هذا.
وزاد في أصل الأسدية تتميما لقوله ولو أعلم أن ذلك صحيح لم يكن لغلا وقع فيه وما أشبهه لم يكن به بأس وقول ابن القاسم لا يعجبني العمل بهذا وإن صح أصح والله أعلم؛ لأن الذي نواه أخذ المال من أن ينفذ ماله فيما قد اشتراه لو علم به رب المال لما جاز باتفاق.
وإن صح أن ذلك لم يفعله لغلاء وقع فيه لأنه بمنزلة رجل سلف رجلا مالا على أن ينفذه في سلعة اشتراها على أن له نصف ما يربح فيها
وعليه جميع ما كان فيها من وضيعة، وذلك أنه يحمل أمرهما على أنه لما اشترى السلعة فقصر ما عنده عن ثمنها وعلم أنه إن سأل الرجل أن يسلفه ما نقصه من ثمنها يأبى ذلك عليه، وإن قال له: أعطني ما نقصني من ثمنها ويكون لك نصف ربحها كان ذلك حراما لا يجوز أخذه منه باسم القراض ونيته فيه ما تقدم، فوجب ألا يجوز.
ولذلك تابعه عليه سحنون فقال لا خير فيه.
ففرق مالك بين أن يعلمه بذلك أو لا يعلمه به في المدونة، وساوى بينهما ابن القاسم على ما وقع له هاهنا، وسحنون أيضا.
ولذلك قال فيما رأيت له في بعض حواشي كتب المدونة على المسألة الثانية إذا أعلمه: هذه جيدة أصح من الأولى، يريد: إذا لم يعلمه، فإذا وقع ذلك كان الحكم فيه على مذهب مالك أن يكون لرب المال أن يأخذ ماله كاملا إن بيعت السلعة بوضعية إلا أن يبين العامل أنه لم يفعل ذلك إلا على وجه الصحة لا لغلاء وقع فيه، وإن عجز عن تبيين ذلك ودعا إلى تحليف رب المال على أنه قد أعلمه كان ذلك له إن حقق عليه الدعوى باتفاق، وإن لم يحققها عليه على اختلاف، وأما إن باع العامل السلعة بربح فادعى أنه كان استغلاها ولذلك أخذ المال لينقده فيها ليرد إلى رب المال رأس ماله ويستبد هو بالربح لم يصدق في ذلك إلا أن يقيم عليه بينة.
وأما على مذهب ابن القاسم وسحنون فليس لرب المال إلا رأس ماله بيعت السلعة بربح أو وضيعة، وإن تلفت فالعامل ضامن للمال بمنزلة إذا أعلمه أنه ينقده ماله في السلعة التي اشترى لأنه إذا أخذه لينقده في ثمن السلعة التي اشترى فكأنه استسلفه منه على أن له نصف ما يربح في السلعة، فإذا لم يعلم رب المال بذلك كان هو المنفرد بالإثم دونه، ووجب عليه أن يرد إليه رأس ماله، وإذا أعلمه بذلك اشتركا في الإثم، فهذا وجه القول في هذه المسألة.
وأما إذا أتاه قبل أن يشتري فقال له إني وجدت سلعة رخيصة فادفع إلي مالا أشتريها به على سبيل القراض فذلك جائز، وقد فعله عثمان بن عفان إذا لم يسم السلعة ولا صاحبها البائع لها، فإن سمى السلعة أو الرجل لم تجز وكان العامل في ذلك أجيرا، وبالله التوفيق.
مسألة: قراض النقدين الذهب والفضة
مسألة وسئل مالك: عن قراض النقرين الذهب والفضة؟ فقال: لا.
قال ابن القاسم: إذا وقع لم أفسخه وأنفذت بينهما شرطهما من الربح.
قال ابن القاسم: عمل أو لم يعمل، ربح أو لم يربح، هو قراض ما هو واجب لهما متاركته إذا لم يعمل.
قال أصبغ: قلت لابن القاسم: فالفلوس أيقارض بها؟ قال: لا، أنا أكرهه وكره القراض بها، قلت: فإن وقع وجاء فيه ربح أو وضيعة فوقف ولم يجب فيه بشيء، قال أصبغ: هو عندي كالنقر أرى أن يمضي.
وقد جرى مجرى العين من كتاب البيع والصرف.
قال محمد بن رشد: أما القراض بنقر الذهب والفضة في البلد الذي يدار فيه نقر الفضة والذهب وأتبارهما ويتبايع فيه فذلك جائز على ما وقع في سماع يحيى بعد هذا من هذا الكتاب ولا اختلاف في هذا.
وأما القراض بها في البلد الذي لا تدار فيه وإنما يبتاع الناس فيه بالدنانير والدراهم المضروبة، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز.
وهو ظاهر قول مالك في رواية ابن القاسم هذه عنه.
وقد روي عنه مثل هذا الظاهر نصا أن ذلك لا يجوز.
والعلة في ذلك: أنه لما كان البلد لا يبتاع بها فيه فكأنه قال له بعها أو استضربها واعمل قراضا بالثمن الذي تبيعها به أو بالعدد الذي يخرج في الضرب منها، فأشبه القراض بالعروض إذا قال له بعها واعمل بثمنها قراضا، فإن وقع ذلك كان له أجر مثلها في بيعها أو استضرابها، ويكون رأس المال الذي يرد إذا نص القراض الثمن الذي باعها به أو العدد الذي خرج منها، ويكون في ذلك على قراض مثله.
والقول الثاني: يكره ابتداء فإن وقع
نفذ ومضى على شرطهما من الربح عمل أو لم يعمل ربح أو لم يربح.
وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وفي سماع يحمى بعد هذا وقول أصبغ في كتاب محمد وقول ابن حبيب في الواضحة، ويكون رأس المال الذي يرد العامل إذا نض المال مثل النقد الذي أخذ في طيبها وزنتها، فإن لم يعرفا لها زنة فرأس ماله فيه الثمن الذي باعها به أو العدد الذي خرج فيها إن كان استضربها ولم يبعها، وان كان باعها بعروض ولم يعرفا لها وزنا فرأس المال فيه قيمتها من الذهب إن كانت نقر فضة أو قيمتها من الفضة إن كانت نقر ذهب.
قال ابن حبيب في الواضحة: إلا أن يكون يوم قارضه قال له بعها أو استضربها فيكون رأس ماله ما باعها به أو ما خرج في استضرابها عرفا وزن التبر والنقر التي أعطاه أو جهلاه، ويكون له أجرة مثله في بيعه إياها بالدنانير أو استضرابه لها إن كان في ذلك مؤنة وفي مثله كراء، ثم يكون فيما نض في لديه من ذلك على قراض مثله.
هذا قول ابن حبيب في الواضحة، ففرق بين أن يشترط عليه بيعها أو استضرابها وبين أن لا يشترط ذلك عليه.
وقد علم أنه لا بد له من بيعها أو استضرابها وإن لم يشترط ذلك عليه إذا كان البلد لا يبتاع فيه بها، والمعنى في ذلك: أنه إذا اشترط عليه ذلك فقد شرط أن القراض إنما يكون من بعد بيعها أو استضرابها وإذا لم يشترط ذلك عليه فقد جعلها قراضا من يوم دفعها إليه، وقد يبيعها بعروض وإن كان البلد لا يبتاع فيه بها، فيكون بيعه لها بالعروض من التجارة، ويرد مثل ما دفع إليه إذا نض القراض؛ لأنها لا تتغير ولا تختلف أسواقها، بخلاف العروض، فلذلك جاز القراض بها عند من أجازه.
والقول الثالث: أن القراض بها جائز ابتداء.
وهو قول مالك في رواية أشهب عنه بعد هذا في رسم مسائل بيوع.
وقد سئل: عن القراض في نقر الذهب والفضة أيصلح؟ قال: نعم في رأيي قد قارض الناس قبل أن يضرب الذهب والفضة، قلت: ويرد نقرا مثلها؟ قال: نعم، وقول ابن وهب وروايته عن مالك.
وأما القراض بالفلوس فهو أشد عند ابن القاسم من القراض بنقر الفضة
والذهب؛ لأنها تشبه العروض في أنها تحول بالنفاق والكساد والفساد فلذلك وقف فيه، إذا لم يعثر عليه حين وقع حتى جاء فيه ربح أو وضيعة.
وفيها أيضا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها كالعروض في أن القراض لا يجوز بها من أجل أنها تحول إلى النفاق والكساد والفساد، وهو قول ابن القاسم في أول كتاب القراض من المدونة.
واحتج بأنها تشبه العروض ولا تشبه العين برواية عبد الرحمن عن مالك في إجازة شرائها بالدنانير والدراهم نظرة، فإن وقع القراض بها على هذا القول رد العامل فيها إلى قراض مثله، وكان رأس المال الذي يرده إذا نض المال قيمة الفلوس من الدنانير والدراهم يوم دفعها إليه.
والقول الثاني: أن القراض بها مكروه فإذا وقع مضى على شرطهما من الربح ولم يرد، وكان رأس المال الذي يرده العامل إذا نض المال مثل الفلوس الذي دفع إليه رب المال.
والقول الثالث: أن القراض بها جائز ابتداء وهو قول أشهب في ديوانه، قال: لأنها كالعين في أنه لا يجوز بيعها بالدنانير والدراهم نظرة وليس الاعتبار بالصرف في جواز القراض بها ولا منعه ببين.
إذ قد اختلف في ذلك قول مالك، وإنما العلة الصحيحة التي يجب الاعتبار بها في ذلك حوالتها إلى النفاق والكساد والفساد، فإن كان يؤمن ذلك في الغالب عليها وكان يتبايع بها في البلد لم يجز القراض بها، إنما يجوز القراض بها عند من أجازه في الشيء اليسير الذي يتبايع فيه بالفلوس كالبقول والفواكه وشبه ذلك، مع أنه رأى باجتهاده أنها لا تحول عن حالها من النفاق والكساد في أغلب الأحوال، والله أعلم.
واختلف قول مالك أيضا في جواز القراض بالحلي، فحكى ابن الجلاب عنه الروايتين في ذلك، ولم يجزه في كتاب ابن المواز ولا في سماع أشهب بعد هذا، وهو الصحيح المعروف.
قال في الموضعين: وقد سئل أيصلح أن يقارض من الذهب والفضة فيما كان مصوغا؟ ليس هكذا يقارض الناس.
فقيل له: ذلك أحب إليك؟ قال: بل هو الشأن متى يأتي هذا المقارض بمثل الخلخال والسوار حتى يرد مثله.
وقال بعض المتأخرين:
القراض بالمصوغ على ثلاثة أوجه: جائز إذا كانوا يتبايعون به مثل ما بالمغرب بأرض المصامدة، ومكروه: إذا كانوا لا يتبايعون به ولا يتعذر عندهم المثل، وممنوع إذا كان المثل يتعذر، كما قال مالك: فمن أين يأتي بهذا الخلخال؟ وبالله التوفيق.
: اشترى سلعة بألف دينار على أن ينقده مائة فنقد المائة التي عنده قراضا
ومن كتاب القبلة قال مالك: من كانت عنده مائة دينار قراضا فاشترى سلعة بألف دينار على أن ينقده مائة، فنقد المائة التي عنده قراضا.
قال: هما شريكان في الزكاة بالحصص، وتقوم السلعة بالنقد فإن كانت قيمتها تسعمائة كان للقراض التسع من تلك القيمة.
قال ابن القاسم: وكذا الربح والوضيعة فيما بلغني عن مالك.
قال محمد بن رشد: قوله على أن ينقده مائة، يريد: والتسعمائة قبله وفي ذمته إلى أجل معلوم، والشراء له وللمال القراض، ولو كان اشتراها على أن تكون السلعة كلها للقراض ويؤدي رب المال التسعمائة عنده إذا حل الأجل لكان بالخيار بين أن يجيز ذلك ويؤدي التسعمائة إذا حل الأجل وتكون السلعة كلها على القراض، وبين ألا يجيز ذلك فلا يكون منها على القراض إلا بقدر المائة التي دفع إليه من قيمة السلعة يوم اشتراها، ويكون للمقارض منها قدر ما زادت قيمتها على المائة التي دفع إليه، هذا قوله في هذه الرواية أن السلعة تقوم بالنقد يريد يوم اشتراها، فإن كانت قيمتها تسعمائة كان للقراض التسع، ومثله في المجموعة وفي كتاب ابن المواز في القراض من المدونة.
وقال محمد بن المواز: ليس هذا بشيء؛ لأنه إن استرخص لم ينتفع القراض بذلك، وإن استغلى لم يلحقه الغلاء، إذ لو كانت قيمتها بالنقد ألفا أو ألفا وخمسمائة لم يقع للقراض من ذلك إلا مائة.
والصواب من ذلك أن يقوم
الدين.
وقد روى عن مالك وعن ابن القاسم وأشهب أن ينظر إلى قيمته التسعمائة أن لو نقد بعرض، وينظر إلى قيمة العرض، فإن سوى ستمائة كان للقراض سبع السلعة فيما يقع لذلك من ربح أو وضيعة، وهو القياس؛ لأن الدين حكمه حكم العرض فكأنه قد اشترى السلعة بالمائة القراض وبعرض.
فالواجب في ذلك بلا خلاف أن ينظر إلى قيمة العرض.
فإن كانت قيمته ستمائة كان للقراض السبع وإن كانت قيمته سبعمائة كان للقراض الثمن، وكذلك على هذا المثال ما زادت قيمته أو نقصت، وعلى هذا أصلح سحنون مسألة المدونة أن يقوم الثمن المؤجل لا السلعة، ووجه ما وقع في المدونة من تقويم السلعة هو أن الديون لما لم تجر العادة بتقويمها كانت قيمتها غير معروفة.
والغالب أن السلعة إنما تشترى بقيمتها دون غبن يجري في ذلك على البائع وعلى المبتاع.
فالأحسن في هذا من أجل أن العادة لم تجر بتقويم الديون وأن السلع قد يتغابن في شرائها وإن كان الأغلب أنها إنما تشترى بالقيمة دون تغابن أن تقوم السلعة بالنقد وعلى أن يتأخر من الثمن تسعمائة إلى الأجل، فإن كانت قيمتها بالنقد ألف دينار وإن يتأخر من الثمن تسعمائة إلى ذلك الأجل ألف ومائتان، علمنا أنه قد زاد على قيمة السلعة بالنقد من أجل التأخير سدس الثمن؛ لأن المائتين التي بين الألف وبين الألف والمائتين سدس الألف والمائتين، فيحط من الألف التي اشترى بها السلعة سدسها وهو مائة وستة وستون وثلثان، فيكون الباقي هو ثمن السلعة وذلك ثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، يكون القراض منها مائة، وذلك عشرها وخمسة أسباع عشر عشرها.
وكذلك ما زاد أو نقص على هذا الحساب.
وكذلك لو اشترى سلعة بالنقد بأكثر من رأس مال القراض لكان شريكا للقراض بالزائد، وفي ذلك تفصيل وقع تفسيره في الدمياطية.
قال ابن القاسم فيها: في القراض وجهان لا يأبه كثير من الناس إليها، رجل أخذ مائة دينار قراضا وله مائة دينار لنفسه فخلطها بها ثم اشترى سلعة، قال: فهما شريكان وليس صاحب المال هنا مخيرا.
قال: وإن كان إنما أخذ مائة دينار قراضا ثم اشترى سلعة فيسلف فيها
مائة دينار فصاحب المال بالخيار، إن شاء أن يؤدي ما سلف عليه أداه، وإن شاء كان شريكا في السلعة كذا وقع في الدمياطية، ولا فرق في القياس والنظر أن يخلط مائة بمائة القراض قبل الشراء، أو لا يخلطها بها إن قال في الوجهين جميعا إنما زدت المائة من مالي على أن أكون شريكا في السلعة بها، صدق في ذلك، ولم يكن لرب المال عليه في ذلك خيار.
وإن قال إنما زدت المائة من مالي على سبيل السلف لرب المال كان رب المال بالخيار إن شاء أن يؤدي المائة وتكون السلعة كلها على القراض كان ذلك له، وإن شاء كان شريكا في السلعة معه بها وللعامل في القراض إذا كان مديرا أن يشتري على القراض بالدين إلى أن يبيع ويقضي.
وأما إذا كان غير مدير فاشترى سلعة بجميع مال القراض فليس له أن يشتري غيرها بالدين على القراض، فإن فعل لم يكن على القراض وكان له ربحها وعليه وضيعتها، وإن أذن له رب المال في ذلك إلا أن يأذن له في أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان ضامنا لذلك في ذمته، فيجوز وتكون السلعة على القراض وسيأتي هذا المعنى في سماع أبي زيد.
وكذلك لو اشترى بالمال القراض سلعة فلم ينقده حتى اشترى سلعة أخرى على القراض كان ربحها له ووضعيتها عليه؛ لأن صاحب السلعة الأولى أحق بمال القراض إلا أن يأذن له رب المال في شرائها على القراض أنه ضامن للثمن إن تلف مال القراض، ولم يعط في المدونة في هذه المسألة جوابا بينا.
وإذا باع العامل السلعة التي اشترى للقراض بربح قبل إن ينقد ثمنها فالربح بينهما بمنزلة أن لو باعها بعد أن نقد.
وكذلك إن اشترى السلعة للقراض والمال غائب في بيته بمال من عنده أو بسلف من رب المال أو من غيره، فالربح بينهما على القراض وإن كان بيعه إياها قبل أن يقضي الثمن الذي تسلفه من المال الذي في البيت، وإن اشترى سلعة ثانية بالمال الذي في البيت بعد أن باع السلعة الأولى كانت على القراض أيضا، فإن خسر فيها جبره من ربح السلعة الأولى.
قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم إن خرجت من سماع عيسى، ولو اشترى السلعة الثانية بالمال الذي في البيت قبل أن يبيع
السلعة الأولى لم يكن على القراض وكان النقصان منه إن بيعت بنقصان لأنه متعد إذا اشترى به، وبائع السلعة الأولى أحق به، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: يأخذ المال قراضا فيعمل فيه ثم يشتري جارية فيطأها فتحمل منه ثم نقص المال
ومن كتاب أوله لا قسامة في العبيد وقال مالك، في الرجل يأخذ المال قراضا فيعمل فيه ثم يشتري من ربح المال أو من جملته جارية فيطأها فتحمل منه ثم نقص المال.
قال مالك: إن كان له مال أخذت قيمة الجارية من ماله فيجبر به القراض، ثم ما كان من ربح بعد وفاء المال فهو بينهما، قال ابن القاسم: وإن لم يكن له مال اتبع بقيمتها دينا ولم تبع.
قال سحنون: قول ابن القاسم يكون دينا يتبع به - غير معتدل عندي وتباع إلا أن يكون فيها فضل فيباع منها بقدر رأس مال رب المال وربحه ويبقى ما بقي منها بحال أم الولد.
قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة هو نص قول مالك في الموطأ، وزاد فيه: فإن لم يكن له مال بيعت الجارية حتى يجبر المال من ثمنها.
وهذا هو الحكم فيها إذا اشتراها ثم وطئها فحملت، والقيمة في ذلك إذا كان له يوم حملت.
فلم يفرق مالك على قوله هذا وهو قوله في موطئه بين أن يشتريها من مال القراض فيطأها وبين أن يطأها بعد أن اشتراها للقراض، وفرق ابن القاسم بين المسألتين، فقال: إنه إذا اشتراها من مال القراض ليطأها فوطئها أنها لا تباع إن لم يكن له مال، قال مرة: وتؤخذ منه قيمتها إن كان له مال فيجبر به القراض، ويتبع بها إن لم يكن له مال ولا تباع وهو قوله في هذه الرواية.
ومعناه عندي: إن كانت القيمة أكثر من الثمن فإرادته أنه يتبع بالأكثر من الثمن أو القيمة، وقال مرة: إنه يؤخذ منه الثمن فيجبر به القراض إن كان له
مال، ولا تباع، وهو قوله في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى بعد هذا.
وإذا أخذ منه الثمن الذي اشتراها به أو الأكثر من القيمة أو الثمن على ما تأولنا عليه قوله في هذه الرواية واتبع بذلك دينا ثابتا في ذمته كانت له أم ولد ولم يتبع بقيمة الولد على ما قاله عيسى بن دينار في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى؛ لأنه لم يقل إنه يتبع بقيمة الولد إلا إذا اشتراها للقراض ثم وطئها، وسنذكر هناك وجه قوله إن شاء الله.
وعاب سحنون قول ابن القاسم واختار قول مالك أنها تباع إن لم يكن لها مال وتباع على مذهبه، وما اختاره من قول مالك فيما لزمه من قيمتها يوم حملت فإن لم يف ثمنها الذي بيعت به بقيمتها يوم حملت اتبع بما نقص من قيمتها يوم حملت وإذا أخذت منه قيمتها يوم حملت أو بيعت في ذلك إن لم يكن له مال على هذا القول يخرج اتباعه أيضا مع هذا بقيمة الولد على قولين قد ذكرنا وجههما في نوازل سحنون من كتاب الاستبراء.
وهذا إذا لم يكن فيها فضل.
وأما إن كان فيها فضل، فقيل: إنه يباع منها على العامل إن لم يكن له مال لرب المال بقدر رأس ماله وربحه ويبقى ما بقي منها بحال أم ولد.
وهو قول سحنون هاهنا.
وقيل: يكون حكمها حكم الأمة بين الشريكين يطأها أحدهما فتحمل ولا مال له، وهو قول عيسى بن دينار في رسم جاع من سماعه.
هذا تحصيل القول في هذه المسألة على ما حملها عليه بعض أهل النظر باتباع ظواهر الروايات، والذي أقول به في هذه المسألة: إن الاختلاف في بيعها إذا حملت وهو عديم إنما هو إذا اشترى ووطئ ولم يعلم إن كان اشترى للقراض أو لنفسه بمال استسلفه من القراض إلا بقوله.
فحمله مالك على أنه اشتراها للقراض ولم يصدقه أنه اشتراها لنفسه بمال استسلفه من القراض.
ولذلك قال: إنها تباع إن لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من القراض بل لم يصدقه أنه اشتراها للقراض إن زعم ذلك على ما روى عنه أبو زيد في سماعه.
ولذلك
قال: إنها لا تباع.
وأما إن علم أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من القراض فلا تباع ويتبع بالثمن الذي اشتراها به قي ذمته قولا دون اختلاف، كما لا يختلف إذا اشتراها للقراض ببينة تقوم على ذلك ثم وطئها فحملت ولا مال له في أنها تباع فيما لزمه من قيمتها، وبالله التوفيق.
: رجل قارض رجلا ثم إنه أشركه بعد ذلك في سلعة اشتراها
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت قال: وسئل مالك: عن رجل قارض رجلا ثم إنه أشركه بعد ذلك في سلعة اشتراها.
قال: إن كان صح ذلك فلا أرى بأسا.
قال عيسى: لا بأس من اشترى منهما سلعة من صاحبه فأشرك صاحبه فيها، المقارض كان المقارض، كان من مال القراض أو من مال نفسه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أشرك العامل لرب المال القراض في سلعة اشتراها لنفسه من ماله أو للقراض من مال القراض فلا إشكال في جواز ذلك.
إذ لا اختلاف في أنه يجوز أن يبيع العامل من رب المال سلعة إلا أن يكون ذلك والمال ناض عنده وقيمة السلعة أكثر من الثمن الذي باعها به منه فيكره ذلك مخافة أن يكون إنما حاباه بها ليقر القراض بيده ولا يأخذه منه.
وأما إذا أشرك رب المال العامل في سلعة اشتراها فإن كان ذلك بعد أن نقد الثمن فذلك بمنزلة إذا باع منه في سلعة سواء.
ولذلك قال مالك: إن كان صح ذلك فلا أرى به بأسا.
وقد مضى تحصيل القول في ذلك في أول سماع ابن القاسم.
ورأى عيسى التهمة في ذلك مرتفعة من أجل أن الشركة على وجه المعروف.
وأما إن كان أشركه فيها قبل أن ينقد الثمن بحضرة البيع فلا إشكال في أن ذلك جائز إذ لا تهمة فيه من أجل أنه إنما يدفع الثمن إلى البائع والعهدة عليه فكأنه إنما اشترى منه.
ويحتمل أن يكون تكلم مالك على أنه قد نقد وعيسى على أنه لم ينقد وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
: يدفع إلى رجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة ربح المال في حصتك من الربح
من سماع أشهب وابن نافع من مالك
رواية سحنون من كتاب أوله قراض قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك: عن الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة ربح المال في حصتك من الربح، قال: لا خير فيه، ثم سئل عنها من الغد أيضا، فقيل له: الرجل يقارض الرجل ويشترط عليه أن عليك زكاة ربح المال في حصتك من الربح؟ فقال: ما هذا بحسن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في أصل الأسدية من أنه لا يجوز لواحد منهما أن يشترط زكاة الربح على صاحبه.
خلاف قوله في المدونة أنه يجوز أن يشترط ذلك واحد على صاحبه.
وقد مضى في آخر سماع أشهب من كتاب المساقاة وجه الاختلاف في ذلك إذا اشترط أحد المتساقيين على صاحبه زكاة الثمرة فأغنانا ذلك عن إعادته هنا.
إذ لا فرق بين اشتراط أحد المتساقيين على صاحبه جميع زكاة الثمرة في المساقاة وبين أن يشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه في القراض.
وأما زكاة رأس المال فهو على صاحب المال لا يجوز له أن يشترطه على العامل باتفاق، وبالله التوفيق.
مسألة: يأخذ من الرجل مائة دينار قراضا ويقول له إن احتجت زدتك
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يأخذ من الرجل مائة دينار قراضا، ويقول له: إن احتجت زدتك فيشتري العكم البز بمائة دينار وعشرة دنانير ثم يأتي فيأخذ منه العشرة بعد اشترائه العكم.
فقال: ما أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قاله؛ لأنه اشترى ذلك
العكم بالزيادة التي زاده على ما دفع إليه أولا في صفقة واحدة، ولو اشترى العكم البز بمائة دينار ثم أراد أن يشتري سلعة أخرى بزيادة يأخذها منه لم تجز إلا على أن يكون قراضا على حدة لا يخلطها، ولو زاده زيادة بعد أن باع العكم الذي اشتراه أولا بالمائة بربح أو وضيعة لما جاز ذلك على أن تخلطه بالمال الأول ولا على ألا يخلطه به إذا كان على خلاف الجزء الأول.
واختلف إن كان زاده الزيادة على مثل الجزء الأول.
فقيل: إن ذلك لا يجوز أيضا بحال.
وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وقال غيره فيها: إن ذلك جائز على ألا يخلطه بالمال الأول، وبالله التوفيق.
: رجل أخذ من رجلين مالا قراضا فأراد أن يخلطه بغير إذنهما
ومن كتاب أوله مسائل بيوع وسئل مالك: عن رجل أخذ من رجلين مالا قراضا فأراد أن يخلطه بغير إذنهما، فقال: يستأذنهما أحسن وأحب إلي، فإن لم يستأذنهم فلا أرى عليه سبيلا، قيل له: فإنه استأذن أحدهما فأذن له ولم يأذن له الآخر فخلطهما، قال: يستغفر الله ولا يعد.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء في المعنى في الرجل يأخذ مالا قراضا وله مال يتجر فيه أن له أن يخلطه فيتجر بهما جميعا معا والصواب أن يفعل ذلك تحريا للعدل فيما بينه وبينه إن خشي إن قدم ماله وقع الرخص فيه وإن قدم مال الرجل أن يقع الرخص في الآخر، فكذلك هذان المالان له أن يخلطهما بعد إذن صاحبيهما تحريا للعدل فيما بينهما ولما يرجو من استغزار الربح بخلطهما، واستئذانهما أحسن إذ قد يكره كل واحد منهما ذلك لما يعتقد من أن ماله أطيب من مال الآخر، فإن خلطه بغير اختيار
صاحبيهما لم يلزمه في ذلك ضمان إذ لا ضرر في خلطتهما على واحد منهما ولا وجه من وجوه التضييع، وبالله التوفيق.
مسألة: القراض في نقر الذهب والفضة
مسألة وسألته: عن القراض في نقر الذهب والفضة أيصح؟ فقال: نعم في رأيي قد قارض الناس قبل أن يضرب الذهب والفضة.
قلت له: ويرد نقرا مثلها؟ قال: نعم.
قلت له: ولا يصح أن يقارض من الذهب والفضة فيما كان مصوغا؟ فقال: ليس هكذا يقارض الناس، يبيع ذلك الخلخال والسوار ويعطيه دنانير.
قلت له: ذلك أحب إليك؟ قال: لا بل هو الشأن متى يأتي هذا المقارض بمثل هذا الخلخال وهذا السوار ويرد عليه مثله.
قال محمد بن رشد: مضى القول في القراض بالنقر من الذهب والفضة في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
ومضى فيه أيضا ذكر الاختلاف في القراض بالحلي المصوغ.
ولمالك في كتاب ابن المواز: أن ذلك لا يجوز، مثل قوله هنا، وزاد: أنه إن وقع القراض بالحلي المصوغ من الذهب أو الفضة فهو أجير في بيعه وعلى قراض مثله في الثمن، وهو مفسر لقوله في هذه الرواية؛ لأن الصياغة كالعروض، وبالله التوفيق.
مسألة: المقارض أيشرب الدواء ويحتجم ويدخل الحمام من القراض
مسألة وسئل مالك: عن المقارض أيشرب الدواء ويحتجم ويدخل الحمام من القراض، فقال: ما كانت هذه الأشياء يوم كان القراض إن قلم ظفرا أو أخذ من شعره كان من القراض!!! ما كانت هذه الأشياء حين كان القراض، وأما في الحجامة والحمام فأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله ما كانت هذه الأشياء يوم كان القراض، يريد: أنه لم يكن يؤخذ عليها في الزمن الأول أعواض.
والواجب أن يرجع في هذه الأشياء كلها إلى العرف والعادة في كل زمن وكل بلد، فما لم تجر العادة أن يؤخذ عليه عوض من ذلك لم يصح له أن يعطي عليه عوضا من القراض، وما جرت العادة أن يؤخذ عليه عوض من ذلك وقدره يسير يتكرر جاز له أن يعطيه من مال القراض؛ لأن رب المال قد علم بذلك ودخل عليه لتكرره، بخلاف الدواء الذي إنما يؤخذ عند المرض فلا يصح له أن يعطيه من القراض إذ لم يدخل على ذلك رب المال معه، وبالله التوفيق.
مسألة: زكاة القراض
مسألة وسألته عن زكاة القراض، فقال: زكاة رأس المال على رب المال، وزكاة الربح من بينهما على قراضهما، وذلك أن يكون رأس المال ألف دينار فيرفع فيها خمسة وعشرين دينارا فيؤدي من الألف رأس المال زكاتها خمسة وعشرين دينارا على رب المال، ثم يؤخذ من الخمسة وعشرين دينارا زكاتهما ربع العشر ثم يقتسمان ما بقي بينهما على قراضهما.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن ربح القراض يزكى كما يزكى رأس المال، قيل: إذا كان في رأس المال وحصة رب المال من الربح ما تجب فيه الزكاة وهو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وقيل: إذا كان في جميع المال بربحه ما تجب فيه الزكاة وهو قول أشهب وروايته عن مالك ومذهب سحنون واختيار محمد بن المواز.
وقيل: إنه لا يجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون ما تجب فيه الزكاة فرأس المال وحصة رب المال من الربح مزكاة على ملكه باتفاق، لا يجب في ذلك زكاة إلا أن يكون حرا مسلما لا دين عليه ويكون قد حال عليه الحول وفيه ما تجب فيه الزكاة وفيه مال سواه إن كان له مال سواه قد حال عليه الحول ما تجب فيه الزكاة.
واختلف في زكاة حصة العامل من الربح.
فقيل: إنها مزكاة على ملك رب المال لا يراعى شروط وجوب الزكاة المذكورة إلا فيه لا في العامل.
وقيل: إنها مزكاة على ملك رب المال لا تراعى شروط وجوب الزكاة المذكورة إلا فيه لا في رب المال.
وقيل: إنها مزكاة على ملكهما جميعا، فتراعى الشروط المذكورة فيهما جميعا.
ولم يجر ابن القاسم في ذلك على قياس؛ لأنه راعى الإسلام والحرية وعدم الدين في كل واحد منهما.
واضطرب قوله في النصاب والحول، فله في النصاب ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو المشهور من قوله أنه لا يجب على العامل في حظه الزكاة حتى يكون في رأس المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة.
والثاني: وهو قوله في رواية أصبغ عنه أنه لا تجب على العامل في حظه الزكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وجميع الربح ما تجب فيه الزكاة.
والثالث: أنه لا يجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه ويكون أيضا في حظه من الربح ما يجب فيه.
وهذا القول تأوله محمد بن المواز على ابن القاسم ولا يوجد له نصا.
والثلاثة الأقوال كلها استحسان ليست بجارية على أصل ولا قياس، إذ لم يعتبر في ذلك ملك أحدهما دون صاحبه على انفراد ولا ملكهما كما فعل في الحرية والإسلام وعدم الدين إذ اقتصر في النصاب على رأس المال وحصة رب المال من الربح دون أن يضيف إلى ذلك ما لرب المال من مال غير مال القراض، وعلى حصة العامل من الربح دون أن يضيف إلى ذلك أيضا ماله من مال حال عليه الحول فيتم به النصاب، وله في الحول قولان: أحدهما: أن العامل لا تجب عليه في حظه من الربح الزكاة حتى يقيم المال بيده حولا من يوم أخذه وإن لم يعمل به إلا قبل أن يحول عليه الحول بيسير.
قاله في الزكاة في المدونة، وله في القراض منها دليل على أن الزكاة تجب عليه في حظه من الربح وإن لم يقم المال بيده حولا إذا كان في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وحال عليه الحول، وإلى هذا ذهب ابن المواز وعليه حمل قول مالك، وهو الأقيس ألا يراعى في حقه
الحول كما لا يراعى فيه النصاب.
والقول الأول هو أجرى على أصله وأظهر من مذهبه، وقد فرغنا من تحصيل القول في هذه المسألة في غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
: يدفع إلى الرجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة الربح في حصتك من الربح
ومن كتاب الزكاة قال: وسئل مالك: عن الرجل يدفع إلى الرجل مالا قراضا ويشترط عليه أن زكاة الربح في حصتك من الربح.
فقال: ليست فيه خير حتى تكون الزكاة على المال كله، ثم قيل له بعد ذلك: إنما اشترط عليه أن زكاة ربح المال عليه في حصته، فقال: لا خير فيه وليس هذا بحسن.
قال أشهب: لا أرى بذلك بأسا لأنه جزء من الربح.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا على ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وفي كتاب ابن المواز وغيره من رواية ابن القاسم وغيره خلاف روايته هذه عن مالك، وخلاف ما في أصل الأسدية.
وقد تقدم ذلك في أول السماع، وبالله التوفيق.
مسألة: دفع إليه تسعة عشر دينارا قراضا فربح فيها دينارا أعليه الزكاة
مسألة قال: وسئل مالك: عمن دفع إليه تسعة عشر دينارا قراضا فربح فيها دينارا، أترى عليه الزكاة؟
قال: نعم عليهما الزكاة، وإنما ذلك كهيئة أن يدفع إليه تسعة وثلاثين دينارا قراضا يربح فيها دينارا فتصير أربعين دينارا، فزكاتها دينار يزكى كل واحد منهما ماله.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في رواية أشهب عنه إنه يزكي التسعة عشر دينارا إذا ربح المقارض فيها دينارا وحال عليها هو مثل قول أشهب وابن القاسم وأصبغ، في سماع أصبغ خلاف قول ابن القاسم في سماع سحنون
بعد هذا وخلاف ما في المدونة من أنه لا تجب على العامل في حظه من الربح زكاة حتى يكون في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما يجب فيه الزكاة.
وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
: أخذ من رجل مالا قراضا على أن يدفعه إلى رجل آخر سماه
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم: عن رجل أخذ من رجل مالا قراضا على أن يدفعه إلى رجل آخر سماه قراضا ويكون على الآخر الضمان.
قال ابن القاسم: يردان إلى قراض مثلهما، وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان، فإنه يرد إلى قراض مثله، وليس على الآخر من الضمان شيء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة عندي أنه أخذ منه المال قراضا بالضمان على أن يدفعه قراضا إلى رجل سمى إن شاء، فصار كأنه دفع إليه قراضا على أن يكون له ضامنا وأذن له أن يقارض به رجلا سماه، فوجب أن يكون حكمه حكم القراض بالضمان يرد فيه إلى قراض مثله إذا فات بالعمل وعمل هو به أو دفعه إلى الرجل المسمى، وإن لم يعمل هو به ودفعه إلى الرجل المسمى قراضا فللرجل المسمى الجزء الذي اشترطه إذ لا فساد فيما بينه وبينه ولمالك في كتاب ابن المواز أن للعامل في القراض على الضمان الأقل من قراض مثله أو المسمى.
وهذا على الاختلاف في البيع والسلف إذا وقع وفات هل تكون فيه القيمة بالغة ما بلغت أو الأقل من القيمة أو الثمن إذا كان المبتاع هو الذي أسلف، فإن كان في مسألتا هذه قد أخذ القراض على النصف بالضمان فدفعه إلى الرجل المسمى على النصف أيضا
فرد إلى قراض مثله على ألا ضمان عليه وهو الثلث، كان السدس الفاضل من الربح لرب المال لأنه أحق بالربح بمنزلة إذا أخذه على أن يكون له الثلث ودفعه إلى غيره على النصف، ولو كان قراض مثله الثلثين فرد إليه على القول بأنه يرد إلى قراض مثله بالغا ما بلغ لكان رب المال أحق بثلثي الربح ويرجع المقارض الثاني على المقارض الأول بمثل سدس الربح لاستحقاق رب المال ذلك من يديه.
فمعنى قوله على ما حملنا عليه المسألة، وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان، أي: وهو بمنزلة ما لو دفعه إليه نفسه على الضمان ولم يقل له شيئا ووقع في بعض الكتب على الآخر على الآخذ بالذال، في الموضعين جميعا بالذال، وفي بعضها على الآخر بالراء في الموضعين جميعا وفي بعضها في الأول بالذال وفي الثاني بالراء، وفي بعضها بعكس ذلك من غير تقييد رواية بشيء من ذلك يلزم الرجوع إليه.
والصواب ما حملنا عليه المسألة أن يقرأ الأول بالذال والثاني بالراء، ولو كان إنما دفع إليه المال قراضا على أنه ضامن له بشرط ألا يعمل هو به وأن يدفعه إلى الرجل المسمى قراضا لوجب أن يكون الثاني على قراضه، ويكون للأول أجرة مثله في دفعه المال إلى الثاني، إن كان ذلك شيء له أجرة.
وقد مضى بيان هذا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم.
وقد تأول بعض أهل النظر المسألة على أن المعنى فيها أنه دفع إليه المال قراضا على أن يدفعه إلى رجل سماه قراضا ويشترط عليه الضمان، فعلى هذا يرد الثاني إلى قراض مثله، فعلى هذا يكون الأول من اللفظين على الآخر بالراء، والثاني على الآخذ بالذال.
وقد اختلف في القراض الفاسد إذا لم يعثر عليه حتى فات بالعمل على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يرد فيه كله إلى إجارة مثله، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يرد فيه كله إلى قراض المثل وهو قول أشهب وقول ابن الماجشون وروايته عن مالك.
والثالث:
أنه يرد إلى قراض مثله إلا أن يكون قراض مثله أكثر من المسمى فلا يزاد على المسمى إذا كان الفساد بما اشترطه رب المال على العامل أو أقل من المسمى فلا ينقص من المسمى إذا كان الفساد بما اشترطه العامل على رب المال، وهو يأتي على ما حكاه ابن المواز عن مالك في القراض بالضمان أن له الأقل من قراض مثله أو المسمى.
والرابع: أنه يرد إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال ليست بخارجة عنه ولا منفصلة منه ولا خالصة لمشترطها، وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه خارجة عن القراض ومنفصلة عنه وخالصة لمشترطها وفي كل غرر وحرام خرجا به عن سنة القراض.
وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وقول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وإياه اختار ابن حبيب، وبالله التوفيق.
: قارض رجلا بمال فسار به إلى الحجاز فاشترى به تمرا واكترى مركبا
ومن كتاب استأذن سيده وسئل ابن القاسم: عن رجل من أهل القلزم قارض رجلا بمال فسار المقارض بالمال إلى الحجاز فاشترى به تمرا واكترى مركبا بأحد وعشرين دينارا، فلما قدم القلزم، قال صاحب المركب: لمن هذا التمر؟ قيل له: لفلان صاحب المال، فقال: والله ما كنت لآخذ منه شيئا قد أولاني من نفسه خيرا وعارفة.
فأراد صاحب المال أن يكون له الأحد وعشرون وحده، قال: إن لم يكن علم صاحب المركب أن المال كان قراضا فالأحد وعشرون لصاحب المال، وإن كان علم أن المال قراض، وقال: والله ما تركتها إلا له وحده - كان القول قوله في ذلك أيضا، وإن قال: قد علمت أنها قراض فتركتها على وجه المكافأة ولم أذكر له وحده كانت بينهما على قراضهما.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا لم يعلم صاحب المركب أن المال قراض فالأحد والعشرون دينارا لصاحب المال؛ لأنه لم يرد بعطيته سواه، وأما إذا علم أن المال قراض فالعطية بينهما على قراضهما؛ لأنه لما ترك كراء مركبه ووهبه وهو يعلم أنه قراض حصل التمر محمولا بغير كراء، فحصلت العطية لهما إلا أن يقول صاحب المركب: إنما أردت أن يختص صاحب المال بجميع الكراء إذ قد كان وجب لي، فيكون ذلك له، وبالله التوفيق.
: أيجوز لرب المال أن يأخذ الدنانير القائمة ويعطي العمل قدر ربحه تبرا
ومن كتاب العارية وقال، في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا عشرة دنانير تنقص خروبة فاشترى به سلعة فباعها بعشرة دنانير قائمة فأراد الذي له الدنانير أن يأخذها ويعطيه قيمة ربحه ورقا أو تبرا أو يأخذها ويعطيه قدر ما ينوبه دنانير.
قال ابن القاسم: لا يصلح ذلك من قبل الذهب بالذهب متفاضلا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه لا يجوز لرب المال أن يأخذ الدنانير القائمة ويعطيه قدر ربحه منها تبرا ذهبا أو دنانير؛ لأن ربحه لم يتعين في الدنانير القائمة التي باع بها السلعة ولا حصل شريكا مع رب المال فيها بقدر ربحه، إذ لا يجوز له الربح إلا بعد أن ينض رأس المال لصاحبه دنانير ناقصة خروبة على ما دفعه إليه، وذلك لا يكون إلا بعد بيع الدنانير القائمة بدراهم وبيع الدراهم بدنانير ناقصة خروبة كما دفعها إليها هو، وهو الآن لا يدري إذا فعل ذلك كم ينض له من الربح أو هل يكون له ربح أم لا، إذ لعله سيستلف من الدنانير أو الدراهم شيئا في حال تصريفه إياها، فدخل ذلك الغرر مع ما ذكره ابن القاسم في الرواية من بيع الذهب بالذهب متفاضلا، ولم يجب ابن القاسم في الرواية إذا أعطاه قيمة ربحه ورقا.
ويظهر
من تعليله في الذهب أنه يدخله الذهب بالذهب متفاضلا أن ذلك يجوز في الورق، ولا يجوز ذلك على ما بيناه؛ لأنه يبقى فيه علة الغرر حسبما وصفناه.
ولو كان باع السلعة بدنانير من صفة الدنانير التي دفع إليه في رأس مال القراض أكثر من الدنانير التي دفع إليه فوجب له ربحه فيها بعض دينار لجاز أن يعطيه في حظه منه تبرا ذهبا مراطلة بأن يزن جميع المثقال فيعطيه قدر الجزء الذي له فيه تبرا ذهبا أو مثقالا صغيرا بوزنه إذ لا ينقسم المثقال على ما قالوا في الحلي من الذهب يكون بين الشريكين: إنه يجوز أن يزناه فيعطي أحدهما صاحبه وزن حظه ذهبا.
ولا اختلاف في هذا، بخلاف النقرة تكون بين الشريكين فأجاز ذلك ابن القاسم فيها ورواه عن مالك لما في قسمتها من المؤنة، ولم يجز ذلك مالك في رواية أشهب عنه، إذ لا مضرة في قسمتها بخلاف الحلي.
وأما بيع نصيبه من شريكه بدنانير إن كانت فضة أو بدراهم إن كانت ذهبا فلا اختلاف في جوازه.
وقد عارض الفضل قول ابن القاسم في هذه المسألة بقول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم أنه لا بأس أن يأخذ المقارض من شريكه ربحا ذهبا من غير الذهب التي هي بينهما.
وليست بمعارضة صحيحة لما بيناه من أن الربح في هذه المسألة لم يتعين بعد للمقارضة في الدنانير القائمة.
وقد مضى القول على مسألة سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: يشتري بمال القراض قمحا فيقول له رب المال إني احتجت القمح لعيالي
ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه قال: وقال مالك، في رجل يقارض الرجل بمائة دينار فيذهب فيشتري بها قمحا فيأتيه رب المال، فيقول: إني احتجت إلى قمح لعيالي فقاسمني هذا، أعطني نصفه واحبس نصفه فتبيعه ولك ربحه خالصا، قال مالك: لا خير فيه، قلت لابن القاسم: لم؟ قال: لمخاطرة الربح