كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يوم تعدى عليه ابنه أقل لم يصدق، وإن ادعى أنها أكثر كان مقرا على نفسه، وهذا أبين وأصح، والله اعلم.
: استودع وديعة فطلب صاحب الوديعة وديعته فقال المستودع ما أدري
من نوازل سئل عنها أصبغ وقال أصبغ، في رجل استودع وديعة فطلب صاحب الوديعة وديعته من المستودع، فقال المستودع: والله ما أدري دفعتها إليك أم ضاعت مني؟ قال: لا أرى عليه ضمانا؛ لأنه إن كان دفعها فقد برئ وإن كانت ضاعت منه فهو فيها مؤتمن، فلا ضمان عليه إلا أن يكون المستودع إنما استودعها إياه ببينة فلا يبرأ منها بقوله: قد دفعتها إليك؛ حتى يقيم البينة بدفعها إليه وإلا غرم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا دفعها إليه بغير بينة فلا ضمان عليه، يريد: بعد أن يحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت؛ لأن القول قوله في كل واحد من الوجهين لو ادعاه بعينه، فكذلك إذا ادعى أحدهما بغير عينه، وأما إذا دفعها إليه ببينة، فبين أنه لا يبرأ منها بقوله: لا أدري إن كنت دفعتها إليك أو تلفت؛ لأنه لو ادعى أنه دفعها إليه لم يصدق، فكيف إذا قال: لا أدري إن كنت دفعتها إليك أو تلفت، ولو دفعها إليه ببينة، فقال المودع لربها: إن كنت دفعت إلي شيئا فقد ضاع؛ لبرئ منها بيمينه، قال ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وهو على قياس قول أصبغ المذكور، وبالله التوفيق.
مسألة: استودع وديعة فدفنها في بيته
مسألة قلت له: فرجل استودع وديعة فدفنها في بيته أو بموضع فلما طلبها صاحبها، قال له المستودع: والله ما أدري ما فعلت، دفنتها حين دفعتها إلي، فطلبتها فلم أقدر على موضعها ولم أصبه.
قال: أراه ضامنا، هذا مضيع لا يدري حيث دفنها إلا أن يقول: دفنتها في بيتي أو حيث يجوز لي دفنها من المواضع التي يرى أنه أحرزها فيها كما كان يحرز متاعه، فيزعم أنه طلبها في ذلك الموضع فلم يجدها، وقد اتفق أنه دفنها فيه فلا ضمان عليه فيها؛ لأنه هاهنا بمنزلة ما لو سقطت منه أو جاء عليها تلف من غير صنعه؛ لأنه فعل في دفنه ما يجوز له إذا كان يحفظ الموضع الذي دفنها فيه، وأما إذا قال: دفنتها ولا أدري حيث، فهذا متلف لها مضيع فهو ضامن.
قال محمد بن رشد: لم يعذره في هذه المسألة بنسيان الموضع الذي دفن فيه الوديعة ويدخل في هذا اختلاف بالمعنى قد ذكرته في أول رسم من سماع أصبغ قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
: لا يقضى بالصرة لمن وجد عليها اسمه إذا لم يكن بخط يده
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم: عن رجل هلك وترك ودائع ولم يوص فتوجد صرر فيها مكتوب وديعة فلان بن فلان وفيها كذا وكذا دينارا، أتراها لفلان الرجل الذي اسمه على الصرة إذا لم تكن بينة على أنه استودعها إياه إلا بقول وقد وجدوها عند الهالك كما ادعى؟
قال: ليس له فيها شيء لعله دفعه إلى أهل البيت دراهم حتى كتبوا له فوق هذه الصرر ما يريد.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أنه لا يقضى بالصرة لمن وجد عليها اسمه إذا لم يكن بخط يده ولا بخط يد المودع، وقد مضى
تحصيل القول في ذلك في رسم أسلم من سماع عيسى قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
مسألة: رد الرهن إذا قبضه بغيربينة
مسألة وقال ابن القاسم، في رجل دفع إلى رجل وديعة أو رهنه رهنا ثم جاء يطلب وديعته أو جاء بافتكاك الرهن فأبى الذي في يديه الوديعة أو الرهن أن يدفع ذلك إلى أهله حتى يأتي السلطان فيعدي عليه بالدفع، فضاع ذلك الرهن أو الوديعة قبل أن يقضي عليه السلطان وبعد طلب المستودع وديعته وبعد طلب الراهن رهنه.
قال: إن كان دفع ذلك إليه بغير بينة في الرهن والوديعة فأراه ضامنا.
قال محمد بن رشد: في مساواته في هذه المسألة بين الرهن والوديعة بقوله: إن كان دفع ذلك إليه بغير بينة في الرهن فأراه ضامنا - دليل على أن القول قوله في رد الرهن إذا قبضه بغير بينة كالوديعة سواء، وذلك بعيد؛ لأن الرهن قبضه لمنفعة نفسه فلا يصدق في ضياعه ولا في رده بأن قبضه بغير بينة، والوديعة قبضها لمنفعة صاحبها ويصدق في ضياعها وفي ردها إلا أن يكون دفعت إليه ببينة، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الرواحل والدواب، فلعله إنما تكلم في هذه الرواية على الرهن الذي لا يغيب عليه فتصح المسألة؛ لأن الرهن الذي لا يغاب عليه يصدق المرتهن في رده إذا قبضه بغير بينة كما يصدق في تلفه كالوديعة.
وقد اختلف إذا أبى المودع أن يدفع الوديعة إلى الذي أودعه إياها إلا بالسلطان، فترافعا إليه، فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ضمان عليه وإن كان قبضها منه بغير بينة؛ لأن له في ذلك
عذرا، يقول: خفت شغبه وأذاه، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والثاني: أنه ضامن وإن كان قبضها منه ببينة؛ لأنه متعد، إذا منعه إلا بالسلطان وكان يقدر على أن يشهد عليه بالرد كما أشهد هو عليه بالقبض، وإلى هذا ذهب ابن دحون، فالرهن والوديعة على مذهبه سواء في هذا.
والثالث: ما ذهب إليه في هذه الرواية من تفرقته بين ما يصدق فيه في الرد وبين ما لا يصدق، وبالله التوفيق.
تم كتاب الوديعة والحمد لله
: استعار دابة إلى بلد فاختلفا
كتاب العارية
من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم: عن مالك فيمن استعار دابة إلى بلد فاختلفا، فقال: أعرتنيها إلى بلد كذا وكذا، وقال المعير: بل أعرتك إلى بلد كذا وكذا، فإن كان يشبه ما قال المستعير فعليه اليمين.
قال ابن القاسم: وذلك إذا ركب المستعير ورجع فالقول قوله، ولعل الدابة تعتل ويطلب منه كراء ما زاد، فإذا كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله مع يمينه، وإذا لم يركبها فالقول قول صاحب الدابة، وإنما ذلك بمنزلة رجل أخدم رجلا خادما أو أسكنه منزلا فسكن الرجل الدار واختدم العبد سنة، فقال المخدم: أخدمتني سنة وأسكنتني سنة وقد انقضت السنة، فالقول قول المخدم إذا جاء بما يشبه، إن قال الآخر: أخدمتك أو أسكنتك ستة أشهر لم يقبل قوله، وهو مدعٍ إلا أن يأتي المخدم أو المسكن بما لا يشبه، ولو كان لم يقبض المسكن أو المخدم ما أُعْطِيَ كان القول قول صاحب العبد أو المسكن، هذا يبين لك العارية.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بينهم في أن القول قول المعير إذا اختلفا في العارية إلى أي بلد أعاره إياها قبل الركوب أو بعد وصوله إلى البلد
الذي أَقَرَّ بِهِ المعير، فتفسير ابن القاسم لقول مالك في قوله: إن القول قول المستعير إذا كان يشبه وعليه اليمين بقوله، وذلك إذا ركب المستعير ورجع - صحيح.
ومثله في المدونة من رواية عبد الرحمن عن مالك، وفي الدمياطية لابن القاسم خلافه: أن القول قول المعير إذا اختلفا بعد الرجوع، بخلاف إذا كان معه في سفره فاختلفا بعد الرجوع.
ونص الرواية، قال: وسئل ابن القاسم: عن رجل استعار ثوبا فحبسه عن صاحبه شهرا أو شهرين فجاء به وقد تغير، وقال صاحبه: إنما أعرتك اليوم واليومين، وقال المستعير: إنما استعرته منك إلى أن أقدم من سفري وأتجمل به حتى أكتسي، قال: أرى إن كان حاضرا وهو معه لا يسأله عنه، فالقول قول المستعير ويحلف.
وأما السفر فإني أراه متعديا إذا حلف صاحب الثوب إلا أن يكون للمستعير بينة على ما قال، فالخلاف في المسألة إنما هو إذا غاب المستعير عن المعير بالدابة أو الثوب، فلما رجع قال له المعير: قد تعديت في وصولك بالدابة إلى حيث وصلت بها، أو في إمساكك الثوب عني طول هذه المدة إذ لم أعرك الدابة إلا إلى بلد كذا أو الثوب إلا إلى مدة كذا.
فوجه قول مالك: أن المعير لما أسلم الدابة أو الثوب إلى المستعير فقد ائتمنه وصار مدعيا عليه في تضمينه الدابة إن كانت تغيرت أو تلفت في المسافة التي يدعي أنه لم يأذن له فيها أو في تضمينه الكراء فيها إن كانت على حالها، وهو الذي اعتل به ابن القاسم بقوله في الرواية: وذلك لعل الدابة تعتل، يريد: فيكون مدعيا عليه في تضمين قيمتها أو لا تعتل، فيكون مدعيا في طلب كراء ما زاد، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فوجب أن يكون القول قول المستعير إذا أشبه ما ادعاه.
ووجه قول ابن القاسم في الدمياطية: أن الأصل قد حصل في أنه لا يؤاخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه، والمستعير مدع على المعير في المسافة التي لم يقر أنه أعاره إليها، ولا دليل له على دعواه لكونه غائبا عنه، بخلاف إذا كان حاضرا معه؛ لأن في سكوته على طلب دابته منه عند انقضاء المسافة الأولى - دليل على أنه أعاره إياها إلى الثانية، وكذلك الثوب، فقوله
في الرواية: وإنما ذلك بمنزلة رجل أخدم رجلا خادما أو أسكنه منزلا ... إلى آخر قوله: لا يلزم المخالف.
وهو قول ابن القاسم في رواية الدمياطي عنه؛ لأن الذي يأتي على قياس قوله في الرواية: أن يكون القول في الإخدام والإسكان قول رب الخادم ورب المسكن في المدة التي أخدمه إليها وأسكنه إليها إذا كان غائبا عنه ولم يكن حاضرا معه، فيكون سكوته عن طلب خادمه ومسكنه عند انقضاء المدة التي أقر أنه أخدمه وأسكنه إليها دليلا على دعوى المخدم أو المسكن، فوجب أن يكون القول قوله، إذا ادعى من ذلك لما يشبه، وبالله التوفيق.
: يسأل الرجل أن يهبه الذهب فيقول نعم فيبدو له أن لا يفعل
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل: عن الرجل يسأل الرجل أن يهبه الذهب، فيقول: نعم، فيبدو له أن لا يفعل، أفترى ذلك يلزمه؟ قال: أما إن قال: أنا أفعل أو أنا فاعل، فما أرى ذلك يلزمه، ومن ذلك وجوه لو كان في قضاء دين فسأله، فقال: نعم، ورجال شهود عليه، فما أحراه أن يلزمه، والشهادة في ذلك أبين وما أحق إيجابه.
قال ابن القاسم: إذا اقتعد الغرماء على موعد منه أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه أن يقول أشهدكم أني قد فعلت، فهذا الذي يلزمه، فأما أن يقول له نعم أنا أفعل ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: اختلف في العدة هل يلزم القضاء بها أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يلزم القضاء بها وإن لم يكن على سبب، رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه قضي بها على ما وقع في كتاب العدة، على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وأي المؤمن واجب» ، وهذا لا حجة فيه؛ لأن
الحديث ليس على ظاهره في الوجوب؛ لأن معناه واجب في مكارم الأخلاق ومحاسنها، بدليل تخصيصه المؤمن؛ لأنه لما لم يعم، فيقول: الوأي واجب؛ علم أنه أراد بعض المؤمنين، وهم الممدوح إيمانهم، فدل ذلك على الندب إذا لم يعلم به جميع المؤمنين؛ كقول الله تعالى في المتعة: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] .
والثاني: أنه يقضي به إن كان على سبب وإن لم يدخل بسبب عدته في السبب، وهو قول أصبغ في كتاب العدة، وقول مالك في هذه الرواية نحوه؛ لأنه قال فيها: ولو كان في قضاء دين فسأله فقال نعم ورجال شهود عليه، فما أحراه أن يلزمه ولم يحقق إيجابه؛ لأن قوله: أنا أقضي عنك دينك، وأنا أسلفك لتقضي دينك، أو أهبك لتقضي دينك عدة بسبب، فهي كالعدة على سبب، إذ لا فرق بين أن يسأله أن يسلفه أو يهبه ليقضي دينه فيقول له: نعم أنا أفعل، وبين أن يقول له ابتداء من غير أن يسأله: أنا أسلفك أو أهبك لتقضي دينك، أو أنا أقضي عنك دينك، وقوله: أنا أسلفك أو أنا أسلفك عدة على غير سبب، ففرق مالك بين الوجهين.
ومعنى قوله: ورجال شهود عليه، أي: ورجال حضور شهدوا عليه قوله من غير أن يشهدهم على نفسه.
وقوله: والشهادة في ذلك أبين وما أحقق إيجابه، معناه: إذا قال نعم أشهدكم أني أفعل أو أني فاعل، وأما لو قال: أشهدكم أني قد فعلت لما وقف عن التحقيق في إيجابه عليه، ولزم القضاء به عليه كما قال ابن القاسم.
والثالث: أنه لا يقضي بها وإن كانت على سبب إلا أن يدخل من أجل عدته في السبب، وهو معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية: إنما اقتعد الغرماء منه على موعد
أن ذلك يلزمه بمنزلة إشهاده بإيجاب ذلك على نفسه؛ لأنهم تركوا بوعده إياهم التوثق من غريمهم فأضرت بهم عدته إن أخلفهم فيها، وهو قول سحنون في كتاب العدة: إن العدة لا تلزم إلا أن يكون على سبب فيدخل من أجل عدته في السبب، مثل أن يقول الرجل للرجل: افعل كذا وكذا وأنا أسلفك، فيفعله، فقول الرجل للذي عليه الدين أنا أقضي عنك الدين الذي عليك يفترق عند ابن القاسم من قوله للذي عليه الدين: أنا أقضيك الدين الذي لك، لا يلزمه في الأول ويلزمه في الثاني على ما بيناه.
والرابع: أن العدة لا تلزم ولا يقضي بها وإن كانت على سبب ودخل في السبب، وهو الذي يأتي على ما روى ابن نافع عن أشهب عن مالك في أول سماع أشهب بعد هذا؛ لأنه غره بما وعده فترك أن يحتال لنفسه بما يبريه من سلف أو غيره، فكان بمنزلة من قال لرجل: تزوج وأنا أنفق عنك، أو تزوج وأنا أسلفك، فتزوج فأبى أن يسلفه، فقول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف قول مالك فيها على ما تأولناه؛ لأنه لم ير العدة تلزم بالسبب حتى يدخل فيه، ورآها مالك لازمة بالسبب، وإن لم تدخل فيه، ولم يرها في رواية أشهب لازمة بحال، وإن دخل بالسبب، وبالله التوفيق.
: أمة أتت إلى جارة لها بقلادة استعارتها لها فأنكرت حين جاءتها بها
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال مالك، في أمة أتت إلى جارة لها بقلادة استعارتها لها، فأنكرت حين جاءتها بها، فقالت: ما حملك على أن استعرتها لي؟ وأنكرت ذلك وشهد عليها ناس فقبلتها منها لتردها على التي استعارتها منها، فاغتلت القلادة عندها قبل أن تردها، قال مالك: أرى أن تغرمها حين قبلتها، فلو شاءت لم تقبلها، قيل له: إن التي هي لها تزعم أنها ثمن خمسة عشر دينارا، وقالت التي قبلتها: ما ثمنها إلا ستة دنانير، قال: أرى أن تصفها التي قبلتها ثم تحلف على صفتها ثم تقوم على ذلك، ثم يلزمها غرم ما قومت به.
قال محمد بن رشد: إنما وجب أن تغرمها إذا قبلتها فاغتلت منها قبل أن تردها؛ لأنها لما قبلتها فقد صدقتها في أنها استعارتها لها، ولو أقرت المستعيرة أنها لم تأذن لها في استعارتها لها لوجب أن يكون الضمان منها؛ لأنها كانت تكون كالرسول لها على ردها.
وقوله: إن الغارمة لها هي التي يكون القول قولها في قيمتها وتحلف على صفتها - صحيح؛ لأنها هي المدعى عليها، وبالله التوفيق.
مسألة: خرج إلى مسكين بشيء فلم يقبله
مسألة وقال، في الرجل يسأله الرجل الشيء يعطيه إياه ويذكر له حاجته، ويقول: ائتني غدا، فيأتي بشيء يعطيه إياه ولا يجده، فقال مالك: ما أراد بذلك؟ فقيل: أراده لله، قال: فلينفذ ذلك لله على غيره، قيل له: فإن لقيه بعض إخوانه وأقاربه فسأله أن يوصله فوعده فذهب فلم يلقه؟ فقال: إن أحب أن ينفذه على مثل ذلك، فإن أبى فلست أراه عليه بواجب.
قال مالك، في السائل يقف عند الباب، فيأمر الرجل جاريته تعطيه شيئا فتجده قد ذهب، فقال مالك: أرى أن تعطيه غيره من المساكين، وما أراه عليه بواجب.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن أبي زيد مسألة السائل يقف بالباب هذه - في النوادر، ووصل بها، قال: ومن خرج إلى مسكين بشيء فلم يقبله فليعطه غيره، وهو أشد من الأول وليس بينهما فرق بين.
والمعنى الذي ذهب إليه ابن أبي زيد في الفرق بينهما، والله أعلم: هو أنه لما وجده فأبى أن يقبلها وقد كان له أن يقبلها فردها أشبه عنده بردها إليه بعد قبوله إياها، ولعله إنما ردها إليه ليعطيها لغيره، مثل أن يقول له: أنا لا حاجة لي بها فادفعها لغيري، فيكون ذلك قبولا منه لها، ويكون بذلك راجعا في صدقته، والاختيار في هذه
المسائل كلها أن ينفد ذلك على غير الذي قصده بصدقته من غير وجوب، وأخفها الرجل يلقاه بعض إخوانه أو أقاربه فيسأله أن يصله، وتليها الرجل الأجنبي يلقاه الرجل فيذكر له حاجته فيعده أن يعطيه، وتليها الرجل يأمر بالشيء للسائل يسمعه فيوجد قد ذهب، وتليها أن يوجد فلا يقبل وهو أشهدها على ما وقع في النوادر، وهذا إذا لم تكن له نية إن لم يجده في أن يصرفه إلى ملكه أو يبتله لغيره، وأما إن كانت له نية فله نيته، وبالله التوفيق.
: استعار ثوبا يوما أو يومين أو أياما مسماة ثم تعدى فلبسه أكثر مما استعاره
ومن كتاب باع غلاما وسئل: عمن استعار ثوبا يوما أو يومين أو أياما مسماة ثم تعدى فلبسه أكثر مما استعاره، قال: يلزمه ما نقص من قيمتها بعد الأيام التي استعار إليها وإن كان قد أخلقه رده وما نقص من ثمنه بعد تلك الأيام التي استعاره إليها.
قال محمد بن رشد: المعروف من قوله أن صاحب الثوب مخير إذا أخلقه إن شاء أخذ ثوبه وما نقصه اللباس، وإن شاء أخذ قيمته يوم تعدى عليه، وقال أشهب: إنما هو مخير بين أخذ ثوبه ولا شيء له غيره، أو يأخذ قيمته يوم تعدى عليه، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب، والقولان قائمان من المدونة، وما هاهنا أيضا يقوم من قوله في المدونة: وقد كان مالك يقول: يغرم ما نقص ولا يفرق بين قليل من كثير، فهي ثلاثة أقوال في الفساد الكثير، ولا اختلاف في الفساد اليسير: أنه ليس عليه إلا ما نقصه بعد الرفق، وبالله التوفيق.
: حلف لرجل له عليه حق ليوفينه إلى أجل
من سماع أشهب وابن نافع من مالك قال سحنون: قال لي أشهب وابن نافع: سئل مالك: عمن حلف لرجل له عليه حق ليوفينه إلى أجل فلما خشي الحنث ذكر ذلك لرجل، فقال له: لا تخف ائتني العشية أعطيكها، فلما كان العشي جاءه فأبى أن يعطيه شيئا، فقال له: غررتني حتى خفت أن تدخل على الطلاق، أتراه له لازما أن يسلفه؟ فقال: والله ما أرى ذلك لازما له، قال له: أنا أسلفك، فلم يسلف، أنا أعيرك دابتي، فلم يعره، أنا أهب لك فلم يهبه - ما أرى له عليه شيئا ولا أدري كيف هو في ذلك بينه وبين الله، وما هذا من مكارم الأخلاق ولا محاسنها.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يلزمه، وهو أظهر؛ لأنه غره ومنعه أن يحتال لنفسه بما يبريه من سلف أو غيره، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة في رسم طلق من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
: يستأذن جاره في خشبة يغرزها في جداره فيأذن له ثم يغضبه فيريد أن ينزعها
ومن كتاب الأقضية وسئل مالك: أترى من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ «لا ضرر ولا ضرار» أن يستأذن الرجل جاره في خشبة يغرزها في جداره فيأذن له ثم يغضبه، فيريد أن ينزعها، فقال: إن كان أذن له فما أرى له أن ينزعها على وجه الضرر؛ لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «لا ضرر ولا ضرار» ، فهذا منه، فأما إن كان احتاج إلى جداره لأمر لم يرد به الغرز، رأيت ذلك للرجل أن يبني في جداره ويرفعه ما بدا له وإن كان في ذلك مضرة على جيرانه؛ لأن الرجل يعمل في حقه ما أحب.
فقيل له: أرأيت إن كان أراد البيع فجاءه، فقال: إني أريد البيع وأريد أن تنتزع خشبتك والمشتري ينزع هذه الخشبة، تزيدني خمسين دينارا، فقال: تبيعها على حالها وفيها الخشب، أرأيت إن كان المشتري عدوا له، فأراد الإضرار به، ما زاد ذلك له؟ قلت: أرأيت إن عرف صحة ذلك؟ قال: ما أراه ذلك له.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية مستوفى، فلا معنى لإعادته.
: أرفق رجلا مرفقا ثم بدا له أن ينتزعه
من كتاب الأقضية الثاني وسئل: عمن أرفق رجلا مرفقا ثم بدا له أن ينتزعه، فقال: أما أنا فأرى أنه إن كان إنما أراد ذلك لحاجته إليه، فأرى ذلك له إن أراد أن يرفع جداره ويكون ذلك أضر به، فأما أن يكون على وجه الضرر له والشنآن، فلا أرى ذلك له، فقلت له: أذلك لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ضرر ولا ضرار» ؟ فقال: إنا نقول: ليس له أن يفعله على وجه الضرر.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة من معنى المسألة المتقدمة في الرسم الذي قبله، وقد مضى القول عليه في سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية مستوعبا حسبما ذكرناه، فلا وجه لإعادته.
: رجل قال لبيعه بع ولا نقصان عليك ثم رجع عن ذلك
ومن كتاب فيه الوصايا والحج قال أشهب: وسمعت مالكا يسأل عن رجل، قال لبيعه: بع ولا
نقصان عليك، ثم رجع عن ذلك، فقال: لو قال له قولا غارما بينا ثم رجع لم أر ذلك له، ورأيته لازما له، فقال له: أرأيت الذي يقول بعد إيجاب البيع: بع ولا نقصان عليك، فيبيع ثم يدعي أن قد نقص، قال: يصدق فيما يشبه وعليه اليمين.
قال: وسمعته أيضا يسأل عن المبتاع يقال له بع ولا وضيعة عليك، ثم يقول وضعت كذا وكذا، أيصدق؟ قال: نعم إذا جاء بما يشبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا قال له بعد البيع: بع ولا نقصان عليك - يلزمه؛ لأن معنى قوله: بع ولا نقصان عليك: أن بع والنقصان علي، فهو أمر قد أوجبه على نفسه، والمعروف على مذهب مالك وجميع أصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه، يحكم به عليه ما لم يمت أو يفلس، وسواء قال له ذلك قبل أن ينتقد أو بعدما انتقد إلا أن يقول له قبل أن ينتقد: أنقدني وبع ولا نقصان عليك، فلا يجوز ذلك؛ لأنه قد دخله بيع وسلف.
وقال في سماع عيسى من كتاب العدة: إنه لا خير في ذلك؛ لأنه يكون فيه عيوب وخصومات، فإن باع بنقصان لزمه أن يرد عليه النقصان إن كان قد انتقد وإلا يأخذ منه أكثر مما باع به إن كان لم ينتقد، وهذا إذا لم يغبن في البيع غبنا بينا وباع بالقرب ولم يؤخر حتى تحول الأسواق، فإن أخر حتى حالت الأسواق فلا شيء له؛ لأنه فرط، والقول قوله مع يمينه في النقصان إذا أتى بما يشبه كما قال؛ لأنه قد ائتمنه على ذلك، فوجب أن يصدق إلا أن يأتي بما يستنكر.
واختلف إذا كان عبدا فأبق أو مات، فقيل له: إنه لا شيء له، وقيل: إنه موضوع عنه، وهو اختيار ابن القاسم في سماع عيسى من الكتاب المذكور، قال فيه: وأما إن كان ثوبا أو ما يغلب عليه فلا يصدق في تلفه إلا ببينة، ولا يحل للمشتري أن يطأها إن كانت أمة إذا رضي بالشرط وقبله، قال ابن
القاسم: فإن وطئ لزمته الجارية بجميع الثمن، ولا يعدى على البائع بشيء؛ لأنه لما وطئ فقد ترك ما جعل له، وأما إذا باع منه على أن لا نقصان عليه فلا يجوز، واختلف إذا وقع، فقيل: إنه بيع فاسد، ويحكم له بحكم البيع الفاسد، وقيل: إنه ليس ببيع فاسد، وإنما هي إجارة فاسدة، وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب العدة، إن شاء الله تعالى.
: دفع إلى رجل حمارا ليحج عليه فتعدى عليه الحاج فباعه
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم وقال، في رجل دفع إلى رجل حمارا ليحج عليه فتعدى عليه الحاج فباعه بعشرة دنانير، ثم وجده الحاج بعد ذلك يباع فابتاعه بخمسة دنانير: إن صاحب الحمار بالخيار إن شاء يأخذ حماره وخمسة دنانير، وإن شاء ضمنه العشرة وترك الحمار.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إذا باع الحمار بعشرة دنانير ثم اشتراه بخمسة، إن صاحبه بالخيار بين أن يأخذ حماره والخمسة، وبين أن يضمنه العشرة ويترك له الحمار، ولم يفرق بين أن يكون اشترى الحمار بخمسة لنفسه أو لربه، وكذلك روى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم في رجل اغتصب حمارا فباعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة فاستحقه صاحبه وهو عند غاصبه على حاله لم يتغير، قال: هو مخير، إن شاء أخذ حماره والعشرة التي يفضلها، وإن شاء تركه وألزمه العشرين التي كان باعه بها، ولم يفرق أيضا بين أن يكون اشترى الحمار بعشرة لنفسه أو لرب الحمار، ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره في واحدة من المسألتين، بل يفسر بما قاله محمد بن المواز، وذلك أنه حكى المسألة الأولى على نصها، فقال: وهذا إذا اشتراه لربه، وأما لنفسه أو لمن يأمره بشرائه، فالخمسة له، وليس لرب الحمار إلا الرضا بالبيع الأول ويأخذ عشرة أو يأخذ حماره فقط.
قال محمد بن رشد: قال أبو إسحاق التونسي: فإن أخذ حماره رجعت الخمسة إلى مشتريه أولا بعشرة؛ لأن رب الحمار إذا أخذ حماره بالاستحقاق انتقضت البيعتان جميعا، وكان المشتري الأول قد أخرج عشرة رجع إليه منها خمسة وبقي له خمسة، فرجع بها على البائع منه، وهو المستعير تمام العشرة التي دفع إليه، وقول أبي إسحاق صحيح مفسر لكلام ابن المواز، ألا ترى أنه لو باعه المستعير بعشرة، ثم باعه مبتاع بعشرة من آخر بخمسة، فجاء صاحبه فأخذه من يد الثاني لرجع الثاني على الأول بالخمسة التي دفع إليه، والأول على المستعير البائع منه بالعشرة التي دفع إليه، وهو دليل ما في سماع سحنون بعد هذا أنه إنما اشتراه لربه، ولو باع الحمار بعشرة ثم اشتراه بخمسة عشر كان صاحب الحمار بالخيار إن شاء أن يأخذ حماره أخذه، وإن شاء أن يجيز البيع الثاني فيأخذ الخمسة عشر من البائع الثاني الذي قبضها، وإن شاء أن يجيز البيع الأول فيأخذ العشرة من البائع الأول الذي قبضها وهو المستعير، فإن أخذ حماره انتقضت البيعتان جميعا ورجع المبتاع الثاني المأخوذ من يده الحمار على البائع منه، وهو المبتاع الأول بالخمسة عشر التي دفع إليه، ويرجع هو عليه بالعشرة التي باع الحمار بها منه ولا يقاصه بها من الخمسة عشر فيرجع عليه بخمسة لا أكثر، وإن أجاز البيع الثاني، فأخذ الخمسة عشر من البائع الثاني الذي قبضها صح البيع الثاني وانتقض البيع الأول، ورجع البائع الذي قبض صاحب الحمار منه الخمسة عشر على بائعه، وهو المشتري الثاني الذي بقي الحمار بيده بالعشرة التي دفع إليه، وإن أجاز البيع الأول وأخذ العشرة من البائع الأول وهو المستعير للحمار المشتري الثاني بقي الحمار بيده، وصحت البيعتان جميعا ولم يكن بينهما تراجع.
وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة كلاما لا يصح، قال: إنه إن أخذ الخمسة عشر صح البيع الأول وبقي الحمار للمشتري الأول، وإن أخذ العشرة بطل البيع الأول والثاني، وبقي الحمار للمستعير بالعشرة.
والصواب ما ذكرناه أنه إن أخذ الخمسة عشر صح البيع الثاني،
وانتقض البيع الأول، وإن أخذ العشرة صحت البيعتان جميعا وبقي الخيار في الوجهين جميعا للمشتري الثاني والمستعير للحمار، وبالله التوفيق.
: أعارت أخرى حجلة لها ولم تشهد على ذلك إلا امرأتان
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل: عن امرأة أعارت أخرى حجلة لها ولم تشهد على ذلك إلا امرأتان، فتزوجت المستعيرة، ودخلت المعيرة إلى الريف وأقامت عشر سنين وماتت المستعيرة فأتت المعيرة تطلب الحجلة وأنكر ورثة المستعيرة فشهدت المرأتان بالعارية وقد غابت الحجلة.
قال ابن القاسم: تحلف المرأة مع شهادة المرأتين بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، وتستحق ذلك في مال المتوفاة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المعيرة تحلف مع شهادة المرأتين بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، معناه: بعد يمينها مع شهادتها لقد أعارتها إياها، وهذا ما لا خفاء به، وإنما سكت عنه بالعلم به، إذ لا يخفي بأنها لا تستحق العارية بشهادة المرأتين دون يمين، فأراد أنها لا تكفي بحلفها مع شهادة المرأتين أنها أعارتها دون أن تحلف ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، ولا بد من أن تحلف أيضا على صفتها، فيكون في مال المتوفاة ما قومت به الصفة التي حلفت عليها، وبالله التوفيق.
مسألة: هلكت العارية عند المستعيرة
مسألة وقال: إذا هلكت العارية عند المستعيرة وصفتها وحلفت على الصفة إذا كانت العارية مما يغاب عليها، فإن نكلت عن اليمين
وصفتها المعيرة وحلفت على الصفة وتستحق حقها، وذلك إذا لم يكن على صفتها شهود.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف أعلمه فيه في المذهب؛ لأن لمستعيرة غارمة لما تغيب عليها من المتاع، فالقول قولها في صفة ذلك على ما أحكمته السنة من أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
: ادعى وكالة رجل يقبض له بها مالا وادعى تلفه
ومن كتاب البراءة وسألته: عن الخادم أو الحرة تأتي قوما فتستعير منهم حليا وتزعم أن أهلها بعثوها فيعيرونها فيهلك الحلي منها فيجحد أهلها ويقرون أنهم بعثوها وقد هلك منها المتاع قبل أن تخلص إليهم، أو يأتي الرجل الرجل، فيقول: إن فلانا بعثني إليك لتعيره شيئا من متاعك أو تبتاع له بدين، قال: إن صدقوه الذين بعثوه فهم ضامنون والرسول برفي، وإن حجدوا وحلفوا ما بعثوه حلف الرسول بالله لقد بعثوه ولا شيء على كل واحد منهم؛ لأن الذين بعثوه لم يقروا له بشيء وإن الرسول قد صدقه الذين أعطوه بما جاء به من الرسالة، فليس عليهم أكثر من يمينهم بالله ما بعثوه، وإن أقر الرسول بأنه تعدى وكان حُرًّا ضَمِنَ، وإن كان عبدا كان في ذمته إن أعتق يوما ما أو أفاد مالا ولم يكن في رفقته شيء، قال: ولو زعم الرسول أنه قد أوصله إلى الذين بعثوه وجحدوه لم يكن عليهم ولا عليه إلا اليمين ويبروا.
قال محمد بن رشد: اختلف فيمن ادعى وكالة رجل يقبض له بها مالا وادعى تلفه، فقيل: يصدق فيما ادعى من الوكالة مع يمينه؛ لأن الغريم
الدافع إليه قد صدقه، ويسقط عنه الضمان ويرجع صاحب المال بماله على الغريم بعد يمينه إن كانت للغريم بينة على معاينة الدفع، وهذا يأتي على رواية عيسى هذه، ولا يرجع الغريم على الوكيل بشيء؛ لأنه قد صدق فيما ادعى من الوكالة بيمينه، فكان ذلك كما لو ثبت بالبينة أو أقر بها صاحب المال على ما في كتاب النكاح الأول من المدونة إلا أن يكون فرط في دفع المال إلى الموكل حتى تلف عنده.
قاله ابن الماجشون، وهو مذهب ابن القاسم، وحمله مطرف على التفريط، فأوجب للغريم الرجوع عليه، وقيل: لا يصدق وهو ضامن، يحلف صاحب المال ما وكله، ويرجع بماله على من شاء منهما، فإن رجع على الغريم رجع الغريم على الوكيل، وإن رجع على الوكيل لم يكن للوكيل أن يرجع على أحد، وهذا يأتي على ما في كتاب الوديعة من المدونة وعلى ما في سماع سحنون بعد هذا من هذا الكتاب لابن القاسم وأشهب.
فعلى القول بأن الوكيل يصدق فيما ادعاه فيحلف ويسقط عنه الضمان، وهو قوله في هذه الرواية: إن أقر بالعداء كان ذلك في ذمته إن كان عبدا، ولم تكن في رقبته؛ لأنه لا يلزمه عليها شيء إلا بالإقرار، وإقراره لا يجوز على سيده ولا يعدو ذمته.
وأما على القول بأنه لا يصدق فيما ادعاه من الوكالة ويلزمه الغرم بعد يمين صاحب المال أنه ما وكله، فاختلف إن كان عبدا، هل يكون ذلك في رقبته أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك يكون في رقبته، وإن كان الغريم قد صدقه فيما ادعاه من الوكالة ودفع إليه باختياره؛ لأنه خلبه، وهو قول أشهب وابن القاسم في سماع سحنون بعد هذا.
والثاني: أن ذلك لا يكون إلا في ذمته؛ لأن الغريم قد صدقه فيما ادعاه من الوكالة ودفع إليه باختياره.
والثالث: أن ذلك لا يكون في رقبته إلا أن يقر بالعداء، وبالله التوفيق.
: يستعير العارية مما يغيب عليه فيأتي به مكسورا
ومن كتاب أوله باع شاة قلت لابن القاسم: فالرجل يستعير العارية مما يغيب عليه مثل الثوب أو الفأس أو المنشار أو غير ذلك فيأتي به مكسورا فيقول انكسر في الذي أعرتنيه، هل يصدق في ذلك؟
قال: لا يصدق فيه، وهو ضامن، وقال ابن وهب مثله، قال عيسى: لا ضمان عليه إذا أتي بذلك بما يشبه، ويرى أنه إنما انكسر في العمل؛ لأن ذلك لا يخفى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم وابن وهب هذا أنه لا يصدق إذا أتى به مكسورا في أنه انكسر في الشيء الذي أعاره إلا أن يأتي على ذلك بالبينة، وهي رواية ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أيضا.
والثاني: أنه يصدق إذا أتى من ذلك بما يشبه، وهو قول عيسى بن دينار، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وأصبغ، واختاره، غير أنه رأى من محاسن الأخلاق أن يصلحه.
والثالث: قوله في المدونة في السيف: إنه لا يصدق إلا أن يكون له بينة أنه كان معه في اللقاء.
والرابع: قول سحنون: أنه لا يصدق إلا أن يكون بينة أنه ضرب به في اللقاء ضربا يجوز له، وهذا أبعد الأقاويل.
وأولاها بالصواب قول عيسى بن دينار الذي اختاره ابن حبيب أن يصدق إذا أتى من ذلك بما يشبه، ويرى أنه إنما انكسر في العمل الذي أعاره فيه، يريد: مع يمينه، والله أعلم، وبه التوفيق.
: الجدار يكون بين الدارين لأحد الرجلين ويكون قد مال
من نوازل سئل عنها عيسى بن دينار وسئل عيسى: عن الجدار يكون بين الدارين لأحد الرجلين
ويكون قد مال، فيسأل الذي ليس هو له صاحبه الذي هو له أن يأذن له يهدمه، فيهدمه ويبنيه له على أن يحمل عليه خشب بيته فيفعل، هل يكون سبيل هذا سبيل العارية، يكون المعير إذا احتاج إلى جداره أولى به من المعار؟ قال: بل سبيله عندي الاشتراء، لا يكون لصاحب الجدار أن يرفع خشب الباني عنه أبدا وإن احتاج إليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إذ لا فرق بين أن يسمي له حائطه على أن يحمل عليه خشب بيته وبين أن يعطيه على ذلك دنانير أو دراهم، وإنما الاختلاف إذا أذن له في ذلك على غير عوض، ثم أراد أن ينزعها حسبما مضى القول فيه مستوفى في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.
: يستعير الثوب المرتفع أو الدني يحبسه ويمسك مصباحا فيسقط على الثوب فيفسده
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم وسألته: عن الرجل يستعير أو يكتري الثوب المرتفع أو الدني يحبسه ويمسك مصباحا فيسقط على الثوب فيفسده، أيضمن ما أفسد فيهما أو لا؟ فقال: نعم، ضمان ذلك واجب عليه في الرفيع والدني، فإن كان يسيرا أصلحه وإن كان مفسدا غرم قيمة الثوب وحبسه، قال: وسواء سقط على ثوب استعاره، أو سقط على رجل كان إلى جنبه هو ضامن في الأمرين جميعا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: يستعير الدابة إلى موضع يركبها إليه فيبيعها قبل أن ينتهي الموضع بعشرة دنانير
من سماع سحنون من ابن القاسم قال: وسألته: عن الرجل يستعير الدابة إلى موضع يركبها إليه فيبيعها قبل أن ينتهي الموضع بعشرة دنانير، فلما رجع اشتراها بخمسة دنانير وأتى بها إلى صاحبها، قال ابن القاسم: سيد الدابة بالخيار إن شاء أخذ دابته والخمسة دنانير التي نقصها البائع لأنها ثمن دابته، وإن شاء أخذ العشرة دنانير، وكذلك بلغني عن مالك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: وأتى بها إلى صاحبها - يدل على أنه إنما اشتراها لربها، وعلى ذلك أتى جوابها به وقد مضى الكلام على ذلك في أول سماع عيسى فلا وجه لإعادته.
مسألة: ركوب الدابة إلى غير البلد الذي استعارها إليه
مسألة قال سحنون: أخبرني علي بن زياد أنه سمع مالكا يقول، وسئل: عن رجل استعار دابة إلى بلد سماه فركبها إلى غير ذلك البلد الذي استعارها إليه فعطبت الدابة، أتراه ضامنا أم لا؟ فقال مالك: إن كان البلد الذي ركبها إليه في السهولة والحزونة مثل البلد الذي استعارها إليه فلا ضمان عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: لا ضمان عليه - يدل على أنه ليس بمتعد في ركوبها إلى غير البلد الذي استعارها إليه إذا كان مثله في السهولة والحزونة وأن له أن يفعل ذلك، ولابن القاسم في المبسوطة أنه ضامن إن ركبها إلى غير البلد الذي استعارها إليه، وهو الذي يأتي على أصله في كتاب الرواحل والدواب من المدونة في أن من أكرى دابة إلى بلد فليس له أن يركبها إلى بلد
غير ذلك البلد إلا برضا المكري، وعلى قول غيره فيه: إن ذلك لا يجوز وإن رضي المكري، فيأتي على رواية علي بن زياد هذه أن من أكرى دابة إلى بلد فله أن يركبها إلى بلد غيره إن كان مثله في الحزونة والسهولة.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك له.
والثاني: أن ذلك ليس له.
والثالث: أن ذلك لا يجوز.
وقد مضى هذا المعنى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة وفي آخر سماع أشهب من كتاب الرواحل والدواب، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يطلب الشيء فيعطاه ثم يدعى تلفه
مسألة وسألت أشهب: عن العبد يأتي إلى الرجل، فيقول: سيدي أرسلني إليك في كذا وكذا فيعطاه، ثم يزعم العبد أنه أعطاه إلى سيده أو يتلف، وينكر السيد، قال: أراه فاجرا خلابا، وأرى ذلك في رقبته كالجناية، فلو كان حرا كان دينا عليه.
وسألت عنها ابن القاسم، فقال: إنما هو على أحد وجهين، إذا أقر السيد غرم، وإن لم يقر كان في رقبته لأنه خدع القوم.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن ذلك يكون في ذمته، ولا يكون في رقبته، وهو الذي يأتي على ما في رسم البراءة من سماع عيسى قبل هذا، وإنما يكون ذلك في رقبة العبد بعد يمين السيد أنه ما أرسله إن حقق المرسل إليه الدعوى عليه باتفاق، وإن لم يحققها عليه على اختلاف، فإن نكل عن اليمين رجعت على المرسل إليه إن حقق الدعوى باتفاق، وإن كان لم يحققها على اختلاف، ويكون الغرم عليه يباع فيه عليه العبد وغيره من ماله، وعلى ما مضى في رسم البراءة من سماع عيسى يحلف العبد لقد تلف أو لقد دفعه إلى سيده ويسقط عنه الضمان ويحلف السيد إن كان ادعى أنه دفعه إليه ويسقط عنه الضمان أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: اشترط المستعير أو المرتهن أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه
مسألة من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم قال أصبغ: وسمعته، يقول في المستعير للعارية بضمان مثل الدابة وما يظهر أنه لا ضمان عليه إذا لم يفرط ولم يتعد، وقال أصبغ: وشرط المعير باطل ساقط؛ لأنه شرط خلاف السنة في ذلك، وقال أشهب، في العارية والرهن يشترط المستعير والمرتهن أن لا ضمان عليه: إن شرطه باطل وإنه ضامن فيهما جميعا، سئل عن هذا فأجاب بهذا، ولم أسمعه فحكى قوله بعض أهل المجلس لبعض وهو يسمع، فلم ينكر ذلك وسكت عليه، وقاله أصبغ، وقد قاله ابن القاسم لي سواء.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترط المعير على المستعير ضمان ما لا يغاب عليه فقول مالك وجميع أصحابه: إن الشرط باطل جملة من غير تفصيل، حاشا مطرف فإنه قال: إن كان شرط عليه الضمان لأمر خاف من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه واشترط الضمان من أجله، وقال أصبغ: لا شيء عليه في الوجهين، مثل قول مالك وأصحابه، وينبغي إذا اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم عن المستعير أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية وسنتها إلى باب الإجارة الفاسدة؛ لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا أن يشترط أن يحرزها في ضمانه، فهو عوض مجهول يرد إلى المعلوم.
وأما إذا اشترط المستعير أو المرتهن أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه أو اشترط ذلك الصانع فشرطه باطل.
قال ابن القاسم في المدونة في الرهن وفي
بعض الروايات فيها في العارية والصانع، وقال أشهب هاهنا في العارية والرهن: وكذلك يلزم على قياس ذلك في الصانع، وقد حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط أن لا ضمان عليه: إن شرطه جائز ولا ضمان عليه، فيلزم على قياس قوله مثله في العارية والرهن؛ لأنه إذا لزم الشرط في الصانع فأحرى أن يلزم في المستعير؛ لأن المعير إذا أعاره على أن لا ضمان عليه فقد فعل المعروف معه من وجهين، فالأظهر إعمال الشرط وما لإسقاطه وجه إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين.
وقد يحتمل أن يفرق على مذهبه بين الصانع والمستعير أن الأصل في الصناع أنه لا ضمان عليهم لأنهم أجراء، وإنما ضمنوا لمصلحة العامة، والأصل في العارية عنده الضمان «لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لصفوان بن أمية: "عارية مضمونة مؤداة» ؛ لما سأله عما استعاره منه من السلاح والأداة، هل هي مضمونة أو مؤداة؟ ألا ترى أنه يضمن المستعير.
وإن قامت البينة على التلف فرأى إعمال الشرط في الصانع؛ لأنه اشترط ما هو الأصل، ولم ير إعماله في العارية؛ لأنه اشترط خلاف الأصل، والأول أظهر؛ لأنه اختلاف من قوله، وإلا فرق في ذلك بين الصانع والمستعير، إذ قد روى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «ليس على المستعير ضمان» ، وإذا وجب على المستعير ضمان
العارية فإنه يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضا صاحبها، وبالله التوفيق.
: ثمرة العارية تكون للمعري
من سماع محمد بن خالد
قال محمد بن خالد: وسألت ابن القاسم: عن رجل يعري رجلا نخلا من نخله حياة المعرى فيموت المعرى وقد أبر النخل لمن تكون الثمرة؟ قال مالك: للمعري ما لم تطب الثمرة، فإن مات وقد طابت الثمرة فمن كان أعرى فذلك لورثته.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في هذه الرواية: إن ثمرة العارية تكون للمعري وإن أبرت ما لم تطب - صحيح على قياس القول بأن السقي والزكاة على المعري؛ لأنه رأى العارية باقية على ملكه ما لم يطب؛ لأنها حملها محمل الحبس، وعلى القول بأن السقي والزكاة على المعرى يكون حكمها حكم الهبة لا حكم الحبس، ويستحقها المعرى بالإبار، وتكون لورثته إن مات قبل الطياب، وهو مذهب أشهب أن التمرة تجب لورثة المحبس عليه بالإبار كالهبة، وكذلك العارية على قياس قوله، وبالله التوفيق لا شريك له.
تم كتاب العارية بحمد الله تعالى
: كتاب العدة
: هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنا له أن يمشي
من سماع ابن القاسم من كتاب أوله باع غلاما وسألت مالكا: عن رجل هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنا له أن يمشي فوعده بذلك، قال: أما إذا وعده فإني أحب له أن لو فعل ذلك به، ولكن ما ذلك رأيي أن يمشي أحد عن أحد ولكني أحب إذا وعده أن يفعل ذلك به.
قال محمد بن رشد: تكررت المسألة بعينها في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، والمعنى فيها: أن مالكا استحب له أن يفي لأبيه بما وعده به من أن يمشي عنه وإن كان ذلك عنده لا قربه فيه من ناحية استحباب الوفاء بالوعد في الجائزات، وبالله التوفيق.
: يبتاع من الرجل السلعة على أن لا نقصان عليه
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم قال عيسى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يبتاع من الرجل السلعة على أن لا نقصان عليه، قال مالك: ليس بيعا، فإن باع فله إجارته وإن أدرك قبل أن يفوت فسخ ذلك، وإن كان عبدا فمات في يديه كانت مصيبته من البائع.
قلت له: فإن أعتقه المشتري على هذا الشرط؟ فإن عتقه جائز وتكون عليه القيمة وإن كانت جارية فأحبلها كانت عليه القيمة ومضى البيع لأنه أمر قد اختلف فيه.
ولقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة يقول: إن مات فضمانه من المبتاع، ولكنا نتبع مالكا في الموت إذا فات إنه من البائع، قال: فإن فات بحمل أو عتق كان عليه القيمة، قال أصبغ: قلت لابن القاسم: فإن كانت جارية فوطئها المبتاع فحملت أو لم تحمل أو أعتقها أو وهبها أو تصدق بها؟ قال: يكون عليه بالثمن الذي اشتراها به؛ لأنه ذلك رضا منه بالثمن إذا فعل ذلك، وذلك أحمل للقياس؛ لأني إن جعلته أجيرا لم أجز بيعه ولا هبته ولم أجعلها أم ولد ... وإن أبا أنا جعلته بيعا فاسدا وألزمته القيمة لم يحمله القياس، وأحب إلي أن يلزمه الثمن في الفوت في هذه الأشياء الذي سألت عنها وأجعل ذلك رضا منه بالثمن.
قلت له: فإن جاء بالبيع؟ فقال: عليه قيمة ما جاء به، قال عيسى: قلت: فإن قال له ذلك بعد البيع ولم يقل له ذلك في عقدة البيع: بع ولا نقصان عليك، قال: إذا يلزمه ذلك إن باع بنقصان، وهو قول مالك أيضا، قال أصبغ: وأما إذا كان عبدا فأبق أو مات وكان الشرط بعد عقد ففيه اختلاف، والذي أقول أنا به: إنه موضوع عن المشتري، وأما إذا ذهب الثوب فلا يقبل قوله إلا ببينة أنه ذهب وإلا فهو منه، ولا يحل للمشتري أن يطأها إذا رضي بالشرط وقبله، قال لي ابن القاسم: فإن وطئ لزمته الجارية بجميع الثمن، ولا
يعدى على البائع بشيء؛ لأنه لما وطئ فقد ترك ما جعل له.
قال عيسى: قلت له: فرجل اشترى من رجل سلعة ونقده الثمن ثم جاءه بعد ذلك يستوضعه؟ قال: اذهب بع ولا نقصان عليك، قال: لا بأس بهذا إذا كان قد انتقد، فإن لم يكن انتقد، فقال له: بع ولا نقصان عليك من غير أن ينقده أيضا، فلا بأس به، وإن قال له: أنقدني وبع ولا نقصان عليك فلا خير فيه، قلت: لم ذلك؟ قال: لأنه يكون فيه عيوب وخصومات.
قال محمد بن رشد: اتفق مالك وأصحابه فيما علمت على أنه لا يجوز أن يبيع الرجل سلعته أو جاريته من الرجل بثمن يسميه له على أنه لا نقصان عليه منه فإن وقع وعثر عليه قبل أن يفوت بوجه من وجوه الفوت فسخ، وإن لم يعثر عليه حتى فات ببيع أو حوالة سوق أو موت، فاختلف هل يحكم بذلك بحكم البيع الفاسد أو بحكم الإجارة الفاسدة، فقيل: إنه يحكم في ذلك بحكم البيع الفاسد فيصح البيع في ذلك كله بالقيمة يوم القبض وهو أحد قولي مالك وأحد قولي عبد العزيز بن أبي سلمة، وقيل: إنه يحكم في ذلك كله بحكم الإجارة الفاسدة؛ لأنه كأنه استأجره على بيعها بما كان فيها من ربح، وعلى الثمن الذي سماه له، فتكون المصيبة فيها من البائع إن ماتت وترد إليه إن كانت فاتت بحوالة أسواق أو عيب من العيوب المفسدة، ويكون له الثمن الذي بيعت به إن فاتت بالبيع كان أقل من الثمن الذي سمي له أو أكثر، ويكون للمبتاع إجارة مثله في بيعه إياها، وهذا قول مالك في هذه الرواية وقوله في موطئه وقول عبد العزيز بن أبي سلمة في الواضحة.
وأما إن لم يعثر على ذلك حتى أفاتها المبتاع بهبة أو صدقة أو عتق إن كان عبدا أو حمل إن كانت أمة فاختلف في ذلك على القول بأنها إجارة فاسدة، فقيل: إنه يكون على المبتاع في ذلك القيمة، يريد: يوم الهبة أو الصدقة أو العتق
أو الإحبال مراعاة لقول من يقول: إنه بيع فاسد، فيراها في ضمانه بالقبض، وهو خلاف قول مالك في هذه الرواية، وقيل: إنها تكون عليه بالثمن الذي اشتراها به؛ لأن ذلك رضا منه بالثمن، وهو قول ابن القاسم من رواية أصبغ عنه في هذه الرواية، وأما على القول بأنه بيع فاسد فتكون عليه القيمة في ذلك كله يوم القبض على حكم البيع الفاسد قولا واحدا واختلف في هذه المسألة أيضا قول ابن القاسم؛ لأن ابن حبيب حكي عنه: أنه بيع فاسد لا إجارة فاسدة مثل قول مالك الذي رجع إليه، خلاف قوله في هذه الرواية وفي موطئه، وقوله في رواية أصبغ عنه في هذه الرواية: إنها يكون عليه بالثمن إن فوتها بعتق أو هبة أو صدقة أو إيلاد يأتي على قياس قول مالك في هذه الرواية في موطئه، وقد مضى في آخر سماع أشهب من كتاب العارية القول مستوفى في إذا باع منه بيعا صحيحا دون شرط ثم قال له بعد البيع: بع ولا نقصان عليه، فأغنى ذلك عن إعادته.
مسألة: يشتري من الرجل طعاما نقدا أو إلى أجل
مسألة قلت: فالرجل يشتري من الرجل طعاما نقدا أو إلى أجل فاستغلاه، فقال للبائع: أقلني، فقال: بع ولا نقصان عليك، ثم قال: بع عشرة أرادب فما نقص منها وضعت لك من كل عشرة بحساب ذلك، وكان اشترى منه مائة إردب بثلاثين دينارا، فباع العشرة بدينارين، فوضع عنه عشرة دنانير.
فقال: هذا لا بأس به، وسواء كان نقدا أو إلى أجل، قبض الثمن أو لم يقبض.
قال محمد بن رشد: قوله: يشتري من الرجل طعاما نقدا أو إلى أجل، معناه: بثمن نقدا أو بثمن إلى أجل.
وقوله في آخر المسألة: إن هذا لا بأس به، وسواء كان نقدا أو إلى أجل
قبض الثمن أو لم يقبض - كلام فيه نظر، أما إذا لم يقبض البائع الثمن فوضع عن المبتاع منه العشرة التي انتقص في الطعام فلا إشكال في أن ذلك جائز؛ لأنه يصير ثمن الطعام له عليه بما بقي منه بعد الوضيعة، وأما إن كان قد قبض ثمن الطعام منه وغاب عليه ثم رد إليه منه ما انتقص في ثمن الطعام فهذا لا يجوز، ويدخله البيع والسلف؛ لأن ما رد إليه من الثمن يكون سلفا، وما بقي منه يكون ثمنا للطعام، فيتهمان على القصد إلى ذلك والعمل عليه، كانا من أهل العينة أو لم يكونا إن كان الثمن إلى أجل، وإن كان الثمن نقدا فلا يتهمان في ذلك إلا أن يكونا من أهل العينة، وهذا في ما يوجبه الحكم بالمنع من الذرائع، فإن طلب المبتاع الوضيعة لم يحكم له بها في الموضع الذي يتهمان فيه على أنهما قصدا إلى البيع والسلف.
وإن لم يعثر على ذلك حتى يقبض المبتاع العشرة فيتخرج ذلك على قولين: أحدهما: أنه يرد العشرة إليه ولا يفسخ البيع، والثاني: أنه يفسخ البيع ولا شيء عليهما في ذلك فيما بينهما وبين الله تعالى إن كانا لم يعملا على ذلك ولا قصدا إليه، وقد مضى في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال ما فيه بيان هذا المعنى، فَقِفْ عليه وَتَدَبَّرْهُ يَبِنْ لك وَجْهُهُ إن شاء الله.
مسألة: البيع على أن لا نقصان على المشتري
مسألة قال عيسى: وسألته عن رجل اشترى من رجل طعاما بعينه، فلما ذهب يقبضه وجده مسوسا فمخطه، فقال له البائع: بع ولا وضيعة عليه، فحمله في سفينة فغرقت السفينة.
قال: مصيبته من البائع؛ لأن البيع الأول لم يكن بشيء، وإنما هو بيع حادث فضمانه من البائع، ويعطي المشتري أجرته فيما حمله وشخص فيه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على قياس القول بأن البيع على أن لا نقصان على المشتري بشرط في أصل العقد إجارة فاسدة تكون المصيبة فيها من البائع، ويكون للمبتاع أجر مثله؛ لأنه لما وجد المبتاع الطعام مسوسا وجب نقض البيع، فقوله له بعد وجوب البيع لما وجب رده بسبب العيب: بع ولا نقصان عليك، بمنزلة قوله ذلك في أصل العقد؛ لأنه الآن بيع مبتدأ، وقد مضى القول على حكم هذا البيع وما فيه من الاختلاف قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
مسألة: اشترى كرما فخاف الوضيعة فأتى يستوضعه فقال له بع وأنا أرضيك
مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب، وسئل عن رجل اشترى كرما فخاف الوضيعة فأتى يستوضعه، فقال له: بع وأنا أرضيك.
فقال: إن باع برأس المال أو بربح فلا شيء له، وإن باع بوضعية كان عليه أن يرضيه، فإن زعم أنه أراد شيئا سماه فهو ما أراد، وإن لم يكن أراد شيئا أرضاه بما شاء وحلف أنه ما أراد أكثر منه يوم قال له ذلك، قال: فسألت عنها ابن وهب فقال: عليه رضاه فيما بينه وبين ثمن السلعة والوضيعة فيها، وهو أحب إلي، وبالله التوفيق.
قال محمد بن رشد: كذا وقع قول ابن وهب هاهنا، عليه رضاه فيما بينه وبين ثمن السلعة والوضيعة فيها، وهو كلام ملتبس المعنى، وقد وقعت هذه المسألة بعينها في آخر أول رسم من سماع أصبغ من كتاب جامع البيوع فقال فيها: عليه رضاه بما يشبه ثمن ملك السلعة والوضيعة فيها، وهو المعنى الذي أراد هنا، فيفسر بما وقع من قوله هناك، وقد مضى القول هناك على هذه المسألة مستوفى، فلا معنى لإعادته مرة ثانية هنا.
: ما يلزم من العدة
قلت لسحنون: ما الذي يلزم من العدة في السلف والعارية.
قال: ذلك أن يقول الرجل للرجل: اهْدِمْ دَارَكَ وأنا أسلفك، واخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو تزوج امرأة، وما أشبه هذه الأشياء مما يدخله ويكون سبب دخوله لموعده، فهذه العدة تلزم، فأما أن يقول رجل لرجل أنا أسلفك أو أنا أعطيك وذلك لغير شيء ألزمه نفسه المأمور بأمر الأمر فهذا لا يلزم.
وسئل أصبغ عن العدة والرأي الذي يقضى به على من كان ذلك منه، وعن العدة التي لا يلزم بهما الحكم بما وعد، قلت: أرأيت لو أن رجلا أتاني فقال لي إني أريد النكاح فأسلفني مائة دينار لأجل كذا وكذا أقضيكها إن شاء الله، فقلت له: نعم أنا أسلفك فانكح، فذهب فنكح ثم جاء يستسلفني المائة، فقلت: قد بدا لي ألا أسلفك؟ وإنما قلت لك سأفعل، ولست أسلفك شيئا، هل يحكم علي بمثل هذه العدة، قال: نعم يحكم عليك بأن تسلفه ما وعدته على هذا السبب ويجبرك السلطان.
قلت: فإن كان لم ينكح على عدة حتى بدا لي في العدة فأعلمته قبل أن ينكح أني لا أسلفك شيئا، أيلزمني القضاء بما وعدته ولم يدخل من سبب وعدي في شيء يلزمه به شيء؟
قال: لا رجوع لك فيه سواء نكح أو لم ينكح إذا كنت قد وعدته على سبب النكاح وأخبرك حين سألك السلف بالذي يريده له وبين لك حاجته فوعدته أن تسلفه على ذلك، فالعدة تلزمك بالحكم
نشب في الأمر الذي سألك السلف له أو لم ينشب فيه بعد، قال: وكذلك لو جاء، فقال لك: أعرني دابتك أركبها غدا إلى موضع كذا وكذا، وسمى لك حاجته، فقلت: نعم أنا أعيرك غدا، ثم بدا لك لم يكن ذلك لك، ويحكم عليك بعاريته.
قلت: فإن قلت لرجل: أسلفني مائة دينار إلى أجل كذا وكذا فإني أريد شراء جارية فلان أو دابة فلان أو سلعة من السلع، فقال: نعم أسلفك، ثم بدا له أن لا يفعل؟ قال: يحكم عليه بأن يسلفك ما وعدك، قال: وكذلك لو جئته، فقلت له: إن غرمائي يلزمونني بدين لهم علي وهو كذا وكذا فأسلفني أقضهم، قال: نعم، ثم بدا له لم يكن ذلك له، ويحكم عليه بأن يسلفك ما وعدك.
قلت: وكيف تلزمني هذه العدة ويحكم علي بها، وإنما أنا رجل قلت له: أنا أفعل، ولم أقل: قد فعلت، فيكون علي بواجب، وإنما هي كذبة كذبتها، فقلت: أنا أسلفك أو أعيرك، ثم بدا لي في ذلك ومالي في يدي وأنت أيضا لم تنشب في نكاح بسبب عدتي ولا ألزمك شرا ولا تجهزت لسفرك على عدتي فيكون هذا شيئا أدخلته عليك فيلزمني لذلك إمضاء ما وعدتك به للذي دخلت فيه من أجل عدتي.
قال: إنما يلزمك ذلك؛ لأن «وأي المؤمن واجب» جاء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
سحنون عن ابن وهب عن هشام بن سعد يرفعه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وأي المؤمن واجب» قال: فتفسير الوأي العدة، قال: وقضى بها عمر بن عبد العزيز.
ابن وهب عن يونس بن زيد عن ابن شهاب: أن قوما وعدوا رجلا في أعطياتهم بشيء وجدوه منها إذا خرجت فنكصوا عنه، فرافعهم إلى عمر بن عبد العزيز فقضى له عليهم بها، وهو كتاب النظرة بالدين إذا وأوا أو وعدوه بالنظرة وعدا.
قلت: فالعدة التي لا يحكم بها، ما هي؟
قال: يأتيك رجل فيقول أعرني دابتك أو أسلفني كذا وكذا بغير سبب يذكره من نكاح يريده، أو سفر يصفه، أو حاجة نزلت به في ذلك يصفها أو دين يريد قضاءه، إلا أنه كلام هكذا، فقال لك: أسلفني، فقلت: نعم أسلفك مائة دينار وأعيرك دابتي غدا، فإذا كانت العدة هكذا لم يعدها بسبب الحاجة التي يريدها له حتى تكون إنما وعدته على سبب ما وصفت لك من حاجته إلى ما سألك واضطراره إليه بالذي يريد بالدخول فيه من سبب عدتك فوعدته على ذلك فلا شيء عليك إن بدا لك ولكن إذا قاد العدة أبدا سبب الحاجة التي أرادها فوعدته بعد علم بالذي أرادها له وبين لك سبب حاجته إلى مالك فوعدته فذلك يلزمك له نشب في شيء من حاجته التي سألك فيها الذي وعدته أو لم ينشب إلا أن يترك الأمر الذي وعدته من أجله تركا فتسقط العدة عنه.
قلت: أرأيت لو أتيت رجلا، فقلت له: إني أريد غدا جمع أزواج للحرث فأعرني زوجك يحرث عندي غدا، ثم بدا له أن يعيرني، قال: أرى أن يلزمه إذا كنت قد أخبرته بإجماعك على العمل غدا ولجمعك الأزواج ونصبك لذلك، فليس له أن يرجع عما وعدك،
قال: وكذلك لو أن لك على رجل دينا فسألك أن تؤخره إلى أجل كذا وكذا، فقلت: أنا أؤخرك ثم بدا لك أن لا تؤخره، لم يكن ذلك لك، ولزمك تأخيره إلى هذا الأجل.
قلت: وسواء قلت له: أنا أؤخرك أو قد وخرتك؟ قال: نعم هما سواء في الحكم عليك، غير أن قولك أنا أؤخرك عدة تلزمك، وقولك وقد وخرتك شيء واجب عليك؛ لأنه في أصل حقك لم تبتده الساعة، فكلاهما يلزمك الحكم به، غير أن قولك قد وخرتك أوجبها وأوكدها وأثبتها فيما يلزم به الحكم وإن كانا لازمين جميعا، قال أصبغ: جيدة، قيل له: فما سألناك عنه من العدة بالسلف؟ قال: إن قال له أسلفني كذا وكذا فإني أريد النكاح أو إني أريد أن أشتري سلعة أو شيئا مما أراد له السلف، فقال: نعم أنا أسلفك ما سألت ولم يكن الطالب سمى أجلا يسلفه إليه أكثر من قوله: أسلفني كذا وكذا، فقال: نعم، ثم بدا له أن لا يسلف شيئا، أيكون هذا وعدته على غير ذكر الأجل سواء؟ قال: نعم سمى أجلا أو لم يسمه له، يقضي عليه فيهما جميعا وليس له أن يبدو له ذكر الأجل أو لا يذكره له.
قلت: فإن المسلف يقول لم أعده بأن أسلفه إلى أجل بأن يحكم له بأن يسلفه ما وعده فأنا أدفع إليه ما وعدته من السلف وآخذه منه مكاني؛ لأنه حال ليس بيني وبينه فيه أجل؟ قال: يقضي عليه بأن يسلفه ما وعده به، وليس له أن يأخذه منه من ساعته حتى ينتفع به المتسلف ويمضي القضاء في قرب ذلك أو بعده فيعمل على قدر ذلك، فأما أن يعطيه السلف ثم يأخذه منه في المجلس فإن هذا لا
يكون؛ لأنه إذا أخذه منه في المجلس فكأنه سلف لم يتم الحكم ولا القضاء به.
قال محمد بن رشد: قد مضى تحصيل القول فيها في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب العارية، فلا معنى لإعادته.
: يسأل رجلا دينارين فأتاه بدينار فأبى أخذه إلا جميعا
من سماع أصبغ من ابن القاسم
قال أصبغ: سئل أشهب: عن رجل يسأل رجلا دينارين فأتاه بدينار فأبى أخذه إلا جميعا، أيجبر على ذلك؟ فقال: إن كان الذي عليه الحق موسرا لم يجبر الطالب على أخذ الدينار، وأجبر الغريم على دفع الدينارين جميعا، وإن كان معسرا أجبر الطالب على أخذ الدينار وَأُنْظِرَ المطلوب بما بقي عليه، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: وقع قول أشهب هذا في رسم البيوع والعيوب من سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، ووصل بذلك، وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الرجل يكون له على الرجل حق وقد حل فيأتيه ببعض حقه فيقول لا أقبله منك إلا جملة، أله ذلك أم يجبر على قبض ما جاء به؟ قال: أرى أن يجبر على قبض ما جاء به، وتكلمنا هناك على المسألة بما أغنى عن رده فمن أحب الوقوف عليه تأمله في موضعه، وبالله التوفيق.
تم كتاب العدة بحمد الله تعالى
: كتاب اللقطة
: اللقطة مثل المخلاة والحبل والدلو وأشباه ذلك
من سماع ابن القاسم من مالك بن أنس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، في اللقطة مثل المخلاة والحبل والدلو وأشباه ذلك: أنه إن كان في طريق وضعت في قرب الأماكن إلى ذلك الموضع، وإن كان في مدينة انتفع به وعرفه، وإن تصدق به أحب إلي، وإن جاء طالبه كان على حقه.
قال محمد بن رشد: قوله في اللقطة مثل المخلاة والحبل والدلو وأشباه ذلك من اليسير الذي له قدر وفيه منفعة ويعلم بمستقر العادة أن صاحبه شح به ويطلب أنه يعرفه، وإن كان في طريق وضعه في أقرب المواضع إليه صحيح لا اختلاف في وجوب تعريف ذلك، وإنما اختلف في حد تعريفه، فقيل: إنه يجب تعريفه حولا كاملا كالكثير الذي له قدر وبال، وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة، بدليل أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أمر بتعريف اللقطة حولا ولم يفرق بين قليل ولا كثير، وقيل: إنه ليس عليه أن يبلغ بتعريف اليسير حولا، وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة، ورواية عيسى عن ابن وهب بعد هذا في رسم النسمة من سماعه في مثل الدرهمات والدينار أنه يعرف ذلك أياما، وأما اليسير جدا الذي لا قدر له ولا بال ويعلم بمستقر العادة أن صاحبه لا يشح به ولا يطلبه فإنه لا يجب على واجده أن يعرفه، وله أن يأكله إن كان طعاما وينتفع به دون تعريف إن كان عرضا مثل
العصا والسوط وما أشبه ذلك، وهو نص قول أشهب في الذي يجد العصا والسوط: إنه يعرفه فإن لم يفعل فأرجو أن يكون خفيفا.
وقوله في هذه الرواية في اليسير الذي له قدر وفيه منفعة إنه إن كان في مدينة انتفع به وعرفه، وإن تصدق به أحب إلي معناه عرفه وانتفع به، يريد: بعد التعريف، فالكلام فيه تقديم وتأخير.
وقوله: وإن تصدق به أحب إلي.
معناه: بعد التعريف.
وقوله: وإن جاء طالبه كان على حقه، يريد: في الصدقة والانتفاع جميعا إن كان انتفاعه به وقد أنهكه أو نقصه فإن وجدها صاحبها في الصدقة بأيدي المساكين وهي على حالها لم يكن إلا أن يأخذها، وهذا إن كان تصدق بها عنه، وأما إن كان تصدق بها عن نفسه فله أن يضمنها قيمتها إن شاء ويدعها في أيدي المساكين، وأما إن وجدها بأيدي المساكين وقد نقصت فهو مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم تصدق بها أو يأخذها من أيدي المساكين ولا شيء له في نقصانها، وهذا إن كان تصدق بها عنه أيضا، وأما إن كان تصدق بها عن نفسه فهو مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم تصدق بها وبين أن يأخذها من أيدي المساكين ناقصة ويرجع عليه بما نقصها، واختلف إن أكلها المساكين هل له أن يضمنهم إياها أم لا؟ فقال في المدونة: ليس ذلك له، وقال أشهب: له أن يضمنهم إن شاء ويدع الملتقط، وإن شاء أخذ الملتقط بقيمتها يوم تصدق بها، قال: وسواء في هذا تصدق بها عن نفسه أو عن ربها، وإن وجدها صاحبها بيد الملتقط وقد أنقصها بالاستعمال أخذها وما نقص منها، وإن كان قد أنهكها به كان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها أو يأخذها ناقصة ولا شيء له أو يأخذها وقيمة ما نقصها، وقد قيل: إنه ليس له إلا ما نقصها، وقد مضى ذكر هذا الاختلاف في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب العارية وفي غيره من المواضع، وإن وجدها صاحبها بيد الملتقط على حالها فلا كراء عليه
في استعماله إياها لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» .
واختلف: هل للملتقط أن يستنفق اللقطة بعد التعريف أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه ليس له أن يستنفقها غنيا كان أو فقيرا، وهو مذهب مالك، ومعنى قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عنده: «فشأنك بها» أنه مخير فيها بين أن يزيد في تعريفها أو يتصدق بها عن صاحبها، فإن جاء كان مخيرا بين أن ينزل على أجرها أو يضمنه إياها.
والثاني: أن له أن يستنفقها غنيا كان أو فقيرا على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فشأنك بها» فإن جاء صاحبها غرمها له، وهو مذهب الشافعي.
والثالث: أنه ليس له أن يستنفقها إلا أن يحتاج إليها، وهو قول ابن وهب في رسم النسمة من سماع عيسى بعد هذا، ومذهب أبي حنيفة وسائر أصحابه.
والرابع: أنه ليس له أن يستنفقها إلا أن يكون له بها وفاء، وبالله التوفيق لا شريك له.
: أسلم دابته على وجه اليأس منها
ومن كتاب أوله حلف أن لا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل: عن الرجل تقوم عليه دابته في السفر فيسلمها على وجه اليأس منها فأخذها رجل فتعيش عنده وينفق عليها، هل ترى لصاحبها أن يأخذها؟ قال: نعم أرى ذلك له، قيل له: أله أجرة في قيامه؟ قال: لا أرى ذلك، ولا أرى له إلا نفقته.