كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حكاه ابن حبيب عن مالك إن كانت يمينه ليضربنها حسبما مضى إذا كانت يمينه إلى غير أجل.
وأما إذا لم يعثر على ذلك حتى أولدها أو أعتقها والأجل لم يحل، فقال ابن القاسم في الرواية: إن العتق يرد إن أعتقها ويوقف إلى الأجل حتى يبر أو يحنث، يريد فإن بر فيها بفعل ما حلف ليفعلنه أو مات قبل الأجل مضى البيع ونفذ عتق المبتاع فيها، وإن حنث بحلول الأجل عتقت عليه ورد الثمن إلى المشتري، وكذلك يجب في الإيلاد على مذهبه خلاف قول عيسى بن دينار من رأيه: إن البيع لا يرد إذا أعتقهم المشتري، ويمضي العتق كانت اليمين إلى أجل أو إلى غير أجل، وكذلك لا يرد البيع فيها إذا أولدها على مذهبه كانت اليمين إلى أجل أو إلى غير أجل، وهو الذي ذكرناه من مذهب ابن القاسم إذا فات عند المشتري بحمل أو عتق، إنما معناه إذا كانت يمينه بغير ضربها، وأما إذا كانت يمينه بحريتها ليضربنها إلى أجل فباعها ولم يعثر على ذلك حتى أعتقها المشتري أو أولدها فتعتق على البائع ويرد الثمن على المشتري أعتقها أو أولدها على ما قاله مالك إذا كانت اليمين إلى غير أجل، ولا خلاف في هذا الوجه إلا ما يتخرج من الاختلاف في وجوب القيمة في الولد على المشتري حسبما وصفناه إذا كانت اليمين إلى غير أجل.
وأما إن لم يعثر على ذلك حتى فات الأجل فإنها تعتق على البائع ويرد الثمن على المشتري في العتق والإيلاد، ويكون عليه في الإيلاد قيمة الولد إلا أن يكون أكثر من الثمن، ومعنى ذلك عندي إذا كان الإيلاد قبل حلول الأجل، وقال أشهب: لا شيء عليه من قيمة ولده منها، ومعنى ذلك عندي إذا كان الإيلاد بعد حلول الأجل، فعلى هذا لا يكون قول أشهب مخالفا لقول ابن القاسم، ومن حمله على الخلاف فإنما ذلك إذا كان الإيلاد قبل الأجل، فيكون وجه قول أشهب أن البائع لما باع الجارية منه وهو قد حلف بعتقها فقد سلطه على إيلادها وترك حقه في ولدها.
وأما إذا كان الإيلاد بعد حلول الأجل فلا إشكال في أنه لا قيمة عليه في
الولد، لأنه إنما أولد حرة، وإنما قال ابن القاسم: إنه لا يكون على المبتاع في الولد أكثر من الثمن، لأن البائع إذا باعها فقد رضي بالثمن فلا يكون له فسخ البيع في الولد أكثر من ذلك.
وإنما ينقض البيع بعد العتق أو الإيلاد ويرد الثمن إلى المشتري إذا كانت على اليمين بينة أو أقر بذلك المبتاع، وأما إن لم يصدقه المشتري ولا قامت بذلك بينة فهي أم ولد له، وينتظر البائع بالثمن بتصديق المبتاع، فإن يئس من ذلك جعل ثمنها في رقبة يعتقها، قال ذلك أشهب وحكاه ابن سحنون عن أبيه.
ولا اختلاف في أن البائع إن كانت يمينه ليضربنها لا يبر بضربها بعد العتق أو الإيلاد.
واختلف هل يبر بضربها بعد أن باعها، فقال أشهب: إنه يبر بذلك وإن نقصها بضربه غرم النقصان، وقال ابن القاسم: لا يبر بذلك لأنه ضرب عدي على غير الوجه الذي حلف عليه، بخلاف حلفه على ما سوى ذلك من قضاء دين أو غير ذلك.
واختلف أيضا إذا حلف ليضربنها فكاتبها ثم ضربها بعد الكتابة، فقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: يبر بذلك، وقال أشهب: لا يبر بذلك مثل قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في رسم المدبر والعتق من سماعه بعد هذا، قال مالك: ولا ينقض كتابتها ولكن يوقف ما يؤدي، فإن عتقت بالأداء تم فيها الحنث، وصارت حرة وأخذت كل ما أدت، وإن عجزت ضربها إن شاء فبر، قال أشهب: ولو كان ضرب لا يجوز له عجل عليه الحنث، وقال سحنون في المجموعة: فإن مات السيد ولم تؤد الكتابة وله مال يحمل ثلث الأمة عتق فيه وسقط عنها باقي الكتابة، وكان ما وقف ردا عليها، وإن كان عليه دين يحيط مضت على الكتابة وكان للغرماء النجوم فإن ودت تم عتقها وإن عجزت كانت وما أخذ منها في دين سيدها، وبالله التوفيق.
مسألة: تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة واحدة
مسألة وقال ابن نافع لي في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة واحدة، قال: يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء أن الأم ماتت قبله ويستحقون ميراثه، لأنه مال، ورواها أصبغ في كتاب الكراء والأقضية، وقال: نظيرها من قوله شهادتهن أنه ذكر أو أنثى يجوز أن ذلك جائز ويحلف معهن.
قال محمد بن رشد: أما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة واحدة على أيهما مات أولا بلا اختلاف في إجازتها على ما قال؛ لأنها شهادة على مال لا تتعدى إلى ما سواه.
وأما شهادتهن أنه ذكر أو أنثى فلا يجوز على قول ربيعة وسحنون في المدونة: إن شهادة النساء لا تجوز على الاستهلال ولا على قتل الخطأ إلا مع حضور البدن، لأنه يمكن بقاء البدن حتى يراه الرجال فيشهدون على أنه ذكر أو أنثى، وهو قول مطرف عن مالك وأشهب عن مالك أيضا في كتاب ابن سحنون، وهو القياس لأنه لا يصير نسبا قبل أن يصير مالا على ما قاله ابن القاسم في رواية أصبغ عنه في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وقد مضى هناك الكلام على هذا مستوفى، وبالله التوفيق.
###: تزوج أمة فولدت له غلاما فلمن ولاء الولد
ومن كتاب النسمة قال ابن القاسم في رجل تزوج أمة فولدت له غلاما فكبر الغلام ثم مات أبوه، فتزوج ابنه هذا حرة، فولدت له ولدا بعد وفاة الجد الحر والأب المملوك حي.
قال: ولاؤه لموالي أمه ولا يجر الجد المتوفى ولاء ولده الذين ولدوا بعد موته، إنما يجر ما كان حيا.
قال: ولو توفي الجد وأمه به حامل جر ولاءه وكان ولاؤه لموالي الجد إذا حملت به قبل وفاة الجد.
قال: والأب المملوك هاهنا لا يحجب ولا يجر وهو بمنزلة الميت والكافر.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن ولد العبد من الحرة إذا كان جده قد مات قبل ولادتهم وقبل أن يحمل بهم، لموالي أمهم إن كانت معتقة ثم لمن يجب له ذلك بسببهم، وهم الأقرب فالأقرب من العصبة الرجال، فإن كانت حرة لم تعتق فولاؤهم لموالي أبيها، وإن كانت ابنة زنا أو منفية بلعان أو أمة أو كافرة فولاؤهم لموالي أمها، فإن أعتق أبوهم لجر الولاء إلى مواليه عن موالي الأم، ولو مات الجد بعد ولادة الأولاد لكان ولاؤهم لمواليه ما دام ابنه عبدا فإن أعتق جر ولاء الولد إلى مواليه عن موالي الجد، وبالله التوفيق.
###: يقول في كلام واحد نصف غلامي هذا حر ونصفه صدقة على فلان
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم
من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يقول في كلام واحد نسقا: نصف غلامي هذا حر ونصفه صدقة على فلان، أو يقول: نصفه صدقة على فلان ونصفه حر.
قال: إن بدأ بالعتاقة فهو حر كله، وإن بدأ بالصدقة فالنصف عتق والنصف الذي تصدق به يقوم عليه إن كان له مال، ثم قال لي
أيضا: بل أراه عتيقا كله، وذلك أن مالكا قال لي في الرجل يتصدق بالعبد ثم يعتقه قبل أن يحوزه المتصدق عليه: إن العتق عليه أولى به، فأرى هذا الذي أعتق نصفا وتصدق بنصف أنه قد أعتقه قبل أن يحاز من يديه، فهو بذلك عتيق كله، قال: وأحب ذلك إلي أن يعتق، قال أصبغ: القول الآخر ليس بشيء وليس بحجة، إنما يكون حجة إذا تصدق به ثم لم يعتق إلا بعد حين بقدر ما يمكن أن يعلم المتصدق عليه بصدقته فلا يقوم ولا يحوز حتى يعتق المتصدق فجوز عتقه، وأما إن تصدق ثم يعتق في مقامه ذلك وفي كلامه، فهذا متلف لصدقته نادم راجع فيه وليس ذلك له، وعليه أن يغرم له نصف القيمة بمنزلة الشريك.
قال محمد بن رشد: أما إذا بدأ بالصدقة فالقول الأول الذي رجع عنه من أن النصف عتيق ويقوم عليه النصف الذي تصدق أولا هو القياس، وذلك أنه لما تصدق بنصفه أولا صار المتصدق عليه شريكا معه فيه قبل أن يعتق حصته منه، فوجب أن يقوم عليه كالعبد بين الشريكين يعتق أحدهما حظه منه أنه يقوم عليه إن كان موسرا.
أما القول الثاني فإنما يتخرج على القول بأن الرجل إذا أعتق بعض عبده يكون حرا كله بالسراية دون أن يعتق عليه، وهو خلاف المشهور في المذهب.
ووجهه أنه لما أعتق نصف عبده بعد أن تصدق بالنصف الآخر قبل أن يقبض منه راعى قول المخالف في أن الصدقة باقية على ملك المتصدق منه، فجعل العتق يسري إليه فبطلت بذلك الصدقة.
والقول الأول أظهر لأنه هو الذي يأتي على المذهب في أن الصدقة تجب بالعقد، وعلى المشهور فيه من أن من أعتق شقصا من عبده فالباقي منه
باق على ملكه ما لم يعتق عليه، ولا يكون حرا بعتق ما أعتق منه.
وأما إذا بدأ بالعتاقة فلم يختلف قوله في أنه يكون حرا كله وتبطل الصدقة إلا أنه إنما يأتي على قياس القول بالسراية، فيلزم على مذهبه في المدونة في أن من أعتق بعض عبده لا يكون باقيه حرا بعتق ما أعتق منه حتى يعتق عليه، وأنه إن لم يعتق عليه حتى وهبه أو تصدق به يقوم عليه ما وهب منه أو تصدق به أنه يكون عليه للمتصدق عليه نصف قيمته، إذا قال: نصف عبدي حر ونصفه صدقة على فلان.
وفي المدنية لابن كنانة: أن الرجل إذا قال: نصف عبدي صدقة على فلان ونصفه حر كان ذلك جائزا على ما قال، يريد: ويقوم عليه النصف الذي تصدق به، فليس قوله بخلاف لقول ابن القاسم.
قال: ولو بدأ بالعتاقة كان حرا كله، ولم يكن للمتصدق عليه شيء.
ففي كل واحدة من المسألة قولان، والتفرقة بينهما قول ثالث، ويتخرج في المسألة قول رابع وهو أن تكون التفرقة بينها بالعكس، فيلزمه قيمة النصف الذي تصدق به إن بدأ بالعتاقة، ولا يلزمه إن بدأ بالصدقة وهو الأظهر، لأن العتق أو الطلاق لا يقع في الصحيح من الأقوال بنفس تمام اللفظ به، وإنما يقع بعد مهلة يتقرر فيها، وذلك بين من قوله في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة في الذي يقول لامرأته قبل الدخول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، في نسق واحد أنه يلزمه ثلاث تطليقات، إذ لو كان الطلاق يقع عليه بنفس تمام اللفظ به لما لزمته إلا طلقة واحدة لكونها قبل الدخول بائنة.
فإذا قال الرجل في نسق واحد: نصف عبدي حر، ونصفه صدقة على فلان أو نصفه صدقة على فلان ونصفه حر صار المتقدم في اللفظ متأخرا في المعنى، والمتأخر في اللفظ متقدما في المعنى، وهذا بين.
وقوله: إن النصف يقوم إذا بدأ بالصدقة هو خلاف ما في سماع زونان من كتاب الصدقات والهبات أن العبد كله يقوم فيكون للمتصدق عليه نصف القيمة
وهو ظاهر الحديث ووجه القياس، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الغلام حرإن لم أوفك يوما كذا وكذا فحنث
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم: عن رجل قال لخصم له: احلف لي بِحُرِّيَّة غلامك فلان لتوافيني دار القاضي يوما كذا وكذا، قال: ليس الغلام لي إنما هو لامرأتي، فقال لي: احلف بِحُرِّيَّتِهِ وإن كان لامرأتك، فقال الرجل: فلان - لذلك الغلام - حر إن لم أوفك يوما كذا وكذا، فحنث، فقام الغلام بحريته، فادعته المرأة وهو لا يُعْرَفُ لها إلا بالذي كان من إقرار الزوج أنه لها حين أراد الخصم أن يحلفه.
فقال: إن كان العبد معروفا للرجل فهو حر ولا حق فيه للمرأة بذلك الإقرار، قال: وإن كان معروفا للمرأة فهو لها ولا حرية للعبد ولا حنث على الرجل فيما لم يكن يملك من رقبة العبد يوم حلف.
قلت: أرأيت قول مالك إن كان معروفا للرجل إذا كان لا يعرف إلا في خدمته وعمله وإليه ينسب، غير أن الذين يعرفونه لها في يدي الرجل لا يشهدون على أصل الشراء ولا ميراث ولا يعرفون أصل ملكه له إلا أنهم يعرفونه في خدمته.
فقال: قد يستخدم الرجل عبيد امرأته فإذا كان مجهول ملك الأصل لم يعرف للرجل ولا للمرأة فهو للمرأة لإقرار الزوج به لها حين أراد الخصم أن يحلفه ولا لك عليه حنث وهو للمرأة بذلك الإقرار.
قلت: أرأيت لو لم يكن حلف فادعته المرأة بذلك الإقرار،
وقال الرجل: والله إن كان ذلك مني إلا لأدفع اليمين عني، وما هو إلا لي وهو مجهول ملك للأصل يعرف في خدمة السيد وينسب إليه.
قال: تحلف المرأة بالله الذي لا إله إلا هو ويكون القول قولها إذا كان العبد في خدمته ولم يعرف أصله لها ولا له.
قال محمد بن رشد: ما نص عليه في هذه الرواية من أنه إذا لم يعرف أصل الملك له وإن كان الظاهر أنه له لنسبته إليه لكونه في يديه واختدامه يعمل إقراره به لغيره وإن كان سببه الاعتذار ويستحقه المقر له بيمينه إذا ادعاه ملكا لنفسه قديما بغير ذلك الإقرار هو دليل ما في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، ومفسر لما وقع في سماع أشهب من كتاب الدعوى والصلح ولما في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات ولسائر الروايات.
وأما إذا عرف أصل الملك له فلا يلزمه الإقرار به لغيره إذا كان سببه الاعتذار، وسواء على مذهب مالك، قال: هو لفلان أو قد وهبته لفلان، أو قد بعته منه أو تصدقت به عليه على ما قال في أول سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات، خلاف قول أصبغ في تفرقته بين ذلك، وقد اختلف إذا خطبت إليه ابنته، فقال: قد زوجتها فلانا على ثلاثة أقوال، قد مضى تحصيلها في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب النكاح، وفي رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول في مرضه قد كنت أعتقت أمتي فلانة وتزوجتها
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يقول في مرضه: قد كنت أعتقت أمتي فلانة وتزوجتها، أتكون بذلك حرة من رأس المال أو من الثلث؟ وكيف إن سمى لها صداقا، أيكون ذلك لها؟ قال: لا حرية لها في رأس مال ولا ثلث، ولا صداق لها ولا
ميراث، وذلك أن العتاقة لم تثبت لها فكيف يجب لها صداق؟ وهي أمة بحالها، وكيف ترث وهي أمة ليست من الأزواج؟
قال: وسمعت مالكا يقول في الرجل يقول في مرضه: إني قد كنت أعتقت فلانا غلامي وأنا صحيح ولا يعرف ذلك إلا بقوله: إنه عبد لا يعتق في رأس مال ولا في ثلث لأنه لم يرد أن يوصي له بشيء ولا يثبت الذي أقر له به في مرضه إلا أن يثبته ببينة عدل أن ذلك كان في الصحة.
قال: وإن أوصى بوصايا لم تدخل تلك الوصايا في العبد لأنه حين أقر له أنه أعتقه في الصحة ثم أوصى بالوصايا فقد أحب أن لا تقع الوصايا فيه، وكذلك قال مالك.
قلت: فإن بتل عتقها في مرضه وثلثها واسع مأمون ثم تزوجها ومسها.
قال: أراها حرة، وأرى لها الصداق في الثلث بمنزلة الأجنبية لو تزوجها في المرض ومسها، وذلك أنه حين بتلها والثلث واسع مأمون جازت شهادتها ووارثت أقاربها وتمت حريتها وجرت الحدود عليها ولها ولم يكن له الرجوع في عتاقتها إذا بتلها ولا يؤخر عتقها انتظار موته، لأنه ثلثه واسع مأمون، ولا ميراث لها لأنه لو تزوج أجنبية في مرضه لم ترث فهي بمنزلتها.
قال: وإن بتل معها غيرها حتى يخشى ضيق الثلث عليهم أو كان ثلثه يخشى ضيقه عليها حين بتلها وحدها فلا تتم عتاقتها إلا بنظر السلطان وإحصاء المال بعد الموت، فإن تزوجها في هذه الحال كان النكاح مفسوخا ولا صداق لها في ثلث ولا في غيره؛ لأن
النكاح وقع ولا يدري أمن الأحرار يكون أم من الإماء، إذ لا يعرف أيسعها الثلث أم يضيق عنها، ولا يجوز للرجل أن ينكح أمته.
قال محمد بن رشد: قوله في الأمة التي أقر في مرضه أنه قد كان أعتقها في صحته وتزوجها: إنه لا عتق لها من رأس مال ولا ثلث على ما قاله مالك في الذي يقول في مرضه: قد كنت أعتقت عبدي فلانا في صحتي، هو المشهور في المذهب المنصوص عليه في المدونة وغيرها، ويدخل الخلاف في ذلك من مسألة الذي يقر في مرضه في أمة له أنها قد ولدت منه ولا ولد معها.
ويتحصل في ذلك إن كان يورث ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعتق من رأس المال، والثاني: أنه لا يعتق من رأس المال ولا ثلث، والثالث: أنه يعتق من الثلث.
وإن كان يورث بكلالة قولان: أحدهما: أنه يعتق من الثلث، والثاني: أنه لا يعتق من رأس مال ولا ثلث، ولا يدخل هذا الاختلاف فيمن أقر في مرضه أنه قد كان تصدق في صحته بكذا وكذا، والفرق بين الموضعين أن العتق لا يفتقر إلى حيازة، والصدقة تفتقر إليها، فلو قامت على ذلك بينة لنفذ العتق وبطلت الصدقة، فعلى المشهور من الأقوال أنها لا تعتق من رأس مال ولا ثلث لا يكون لها شيء من الصداق، والذي أقر لها به كمال، قال: إذ لا يجوز للرجل إنكاح أمته، وأما على القول بأنها تعتق من رأس المال يكون لها ما أقر لها به من الصداق، لأنه دين أقر لها به كما لو أقر في مرضه أنه تزوج فلانة لأجنبية وأصدقها كذا وكذا، وأما على القول بأنها تعتق من الثلث فيكون لها ما أقر لها به من الصداق في الثلث أيضا، ولا ميراث لها على حال بإقراره لها في مرضه أنها زوجة له.
ولو علم إقراره في صحته بعتقها وأنه تزوجها وأقر لها في مرضه بأنه كان
سمى لها من المهر كذا وكذا لكان لها الميراث لكونها في ملكه وتحت حجابه على أحد التأويلين اللذين ذكرناهما في مسألة رسم الجواب من سماع عيسى من كتابه الأقضية، ولكان لها ما أقر لها في مرضه من تسمية صداقها إن كان يورث بولد ولو لم تكن في ملكه وتحت حجابه لما كان لها منه ميراث إلا أن يكون قد علم إقرارها هي أيضا بنكاحها إياه مع طول الزمان وفشو ذلك في الجيران على اختلاف في ذلك قد مضى القول في بيانه في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الشهادات، وفي رسم الأقضية منه من كتاب النكاح.
وأما قوله: إنه لا تدخل في ذلك الوصايا ويكون في ثلث ما بعده، فهو أمر لا اختلاف فيه؛ لأنه لما أقر في مرضه أنه أعتقه في صحته فقد أراد أن يكون خارجا من رأس ماله، وأن تكون الوصايا في ثلث ما بعده إلا أن يكون له مدبر في الصحة فإنه يدخل في ذلك، لأنه مال لم يعلم به إذا مات، وهو يرى أنه غير موروث عنه، فرجع بالحكم موروثا عنه لأن مدبر الصحة يدخل فيما علم الميت من المال وفيما لم يعلم، وكذلك إن كان التدبير في المرض على القول بأنه يدخل أيضا فيما علم الميت وفيما لم يعلم.
وأما قوله في الذي بتل عتق أمة في مرضه وتزوجها وله مال واسع مأمون: إنه يكون بمنزلة من تزوج أجنبية في مرضه - فهو صحيح على القول بمراعاة المال المأمون، وقد قيل: إنه لا يعتبر بالمال المأمون، وهو قول بعض الرواة في المدونة، وبالله التوفيق.
مسألة: يعتق نصف عبده وهو صحيح ولا يرفع ذلك إلى السلطان حتى يموت المعتق
مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يعتق نصف عبده وهو صحيح ولا يرفع ذلك إلى السلطان حتى يموت المعتق، أيكون حرا كله أم لا؟ فقال: لا يعتق منه إلا ما أعتق السيد في صحته، قال: ومثل
ذلك الرجل يمثل بعبده المثلة البينة المشهورة التي لا يشك أن الإمام يعتق العبد على السيد بها فلا يرفع إلى الإمام حتى يموت السيد أنه لا يعتق، قال: وكل أمر لا يتم عتاقته إلا بنظر السلطان فإن مات الذي كان السلطان يعتقه عليه لم يجز للسلطان أن يعتقه على الورثة.
ولكن من اشترى من إذا ملكه عتق عليه فهو حر ساعة يملكه، لا يرفع مثل هذا إلى السلطان، فإن جهل الأمر فاستخدمه المشتري حتى مات فإنه يعتق على الورثة لأنه عتيق ساعة ملكه السيد، وقال: ألا ترى أن كل ميراث وقع له من يوم اشتراه قريبه الذي يعتق عليه بالسنة فهو لا يمنع من أخذه ولا يحجب عنه وحدوده تامة وعقله عقل حر والذي يعتق سيده بعضه وهو صحيح لا يتم له شيء من حالات الأحرار إلا بنظر الإمام وحكمه.
قال: وكذلك الذي يمثل به سيده.
قال: وكذلك أيضا الذي يعتق نصيبه من عبده وهو مليء ولا ينظر في أمره حتى يموت، فإنه لا يقوم على ورثته، فحاله حال الذي يعتق سيده بعضه وهو صحيح، والذي يمثل به سيده ولا ينظر في أمرهم حتى يموت السيد إن هؤلاء لا يعتقون على الورثة وإنما يعتق على الورثة الذي إذا ملكه المشتري أعتق عليه ساعتئذ.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يعتق نصف عبده وهو صحيح فلا يحكم عليه بعتق باقيه حتى يموت: إنه لا يعتق منه إلا النصف الذي أعتق وهو المشهور في المذهب، وقد قيل: إنه يكون حرا كله بعتقه لبعضه لسريان العتق في جميعه على الإشاعة، حكى عبد الوهاب القولين في ذلك على المذهب.
وجه القول الأول: أن تتميم عتقه عليه ليست فيه سنة وإنما تتم عليه بالقياس على ما جاءت به السنة في العبد بين الشريكين يعتق أحدهما حصته منه، فإذا لم يعتق عليه نصيب شريكه إلا بالحكم كان ذلك حكم العبد يكون للرجل فيعتق بعضه.
ووجه القول الثاني: أنه إذا أعتق بعض عبده فقد سرت الحرية في جميعه، وإذا وجب أن يكون حرا كله بعتق جارحه منه كيده أو رجله كان أحرى أن يكون حرا كله بعتق نصفه لسريان الحرية في جميعه، والفرق بين ذلك وبين العبد بين الشريكين أن الحرية إنما تسري إلى ملك المعتق لا إلى ملك من سواه، ولأن الرجل إذا أعتق شقصه من العبد قد لا يقوم حظ شريكه وإن كان موسرا إذا لم يرد شريكه أن يقومه عليه فأعتق حصته منه، فإذا كان التقويم موقوفا على اختيار الشريك وجب ألا يكون حرا حتى يقومه عليه فأعتق حصته منه، وإذا أعتق الرجل بعض عبده ولا دين عليه لا بد من عتق باقيه، فالحكم في ذلك مبني على التغليب، ولما لم يكن للرجل أن ينقض حق نفسه سرت الحرية في جميعه.
والشافعي يقول: إذا أعتق حظه من العبد وهو موسر عتق جميعه بالسراية، وهو بعيد، إذ من حق الشريك أن يعتق نصيبه منه ولا يقومه عليه.
وأما المعتق بالمثلة فلا يكون إلا بالحكم على المشهور في المذهب، وقال أشهب وابن عبد الحكم: إن المثلة إذا كانت مشهورة بينه كان العبد حرا بها دون حكم السلطان، ووجه ذلك اتباع ظاهر ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قوله: «من حرق مملوكه بالنار أو مثل به فهو حر، ولاؤه لله ورسوله»، ووجه قول ابن القاسم الذي هو المشهور في المذهب، ما جاء في نص
الحديث: «من مثل بعبده فأعتقوه»، ولم يقل فهو حر.
وأما من يعتق على الرجل فلا اختلاف في أنه يكون حرا بنفس الملك دون حكم.
واستدلاله بالميراث وسائر أحكام الحرية على الفرق بين من يعتق على الرجل وبين من يعتق بعض عبده بقوله: ألا ترى أن الميراث يجب لمن اشتراه من يعتق عليه من يوم اشتراه، وتكون أحكامه أحكام حر من يومئذ، والذي أعتق بعض عبده لا يجب له الميراث ولا تكون أحكامه أحكام حر حتى يعتق عليه باقيه ليس بصحيح، لأن ذلك هو نفس المسألة، ولا يقاس الشيء على نفسه، وإنما يقاس على غيره، فلا يصح أن يذكر ذلك إلا على بيان افتراق حكم المسألتين، لا على سبيل الاستدلال على الفرق بينهما، وبالله التوفيق.
###: يعتق عبده النصراني ثم يسلم
ومن كتاب الصبرة وسئل: عن النصراني يسلم وقد كان أعتق أو دبر أو كاتب فيريد أن يرجع في ذلك كله، ويقول: قد كان الرجوع لي جائزا في ديني.
قال: سمعت مالكا يقول في النصراني يعتق عبده النصراني ثم يسلم فيتعلق به يريد استرقاقه، قال: لا أرى أن يحال بينهما.
قال ابن القاسم: وأنا أرى المدبر والمكاتب بمنزلة ذلك، لا أرى أن يمنع رد واحد منهما في الرق وفسخ ما كان جعل له إن أحب ذلك ما كانا على دينهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: ما كانا على دينهما - معناه: أنه لا يمنع بعد الإسلام من رد الكتابة والتدبير الذي أوجبه له ما كانا على دينهما، فليس قوله بخلاف لقول مالك، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].
فلا يلزم الكافر إذا أسلم الوفاء بما نذر ولا بما عقده على نفسه من العقود لله إذ كان لا يعرف الله ولا يؤمن به فلا يتوجه إليه في ذلك الحال خطاب الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وما روي «أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال: "ف بنذرك»، معناه أنه أمره أن يفي لله عز وجل بطاعة يطيعه بها في الإسلام مكان النذر الذي لم يمكن منه طاعة حتى يعمل حسنة مكان النذر الذي لو عمله في حال شركه لم يكن كذلك؛ لأن "ف" لا تستعمل إلا فيما ليس بواجب، وإنما تستعمل في الواجب "أوف"، وإن كان قد جاء في بعض الآثار "أوف" فمعناه ما ذكرناه، إذ قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما النذر ما ابتغي به وجه الله عز وجل»، وقد علمنا أن المشرك لم يرد بنذره ولا بعتقه وجه الله عز وجل، وهذا إذا كان لما أعتقه لم يخل سبيله ولا خرج عن يده، وأما إن كان لما أعتقه خلى سبيله وأطلقه ثم أراد أن يرجع في عتقه بعد أن أسلم فلا يكون ذلك له على ما في كتاب الجنايات من المدونة، ويكون ذلك على ما يأتي في رسم يشتري الدور والمزارع بعد هذا وبالله التوفيق.
مسألة: يقول أحد عبيدي حر
مسألة وسئل: عن الرجل يقول أحد عبيدي حر فيقوم به عبيده إن له أن يعتق أيهم أحب، ولورثته إن مات قبل أن ينفذ العتق لأحدهم مما
كان للميت، فإن نظر في أمره وقد مات العبيد كلهم إلا واحدا كان عتيقا ولم يجب له أن يجعل العتاقة لمن قد مات ويلزم الورثة مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والكلام عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
مسألة: قول الرجل لعبده أو لأمته ائتني بكذا وكذا وأنت حرة
مسألة وسئل: عن الرجل يقول لأمته ائتني بمائة دينار وأنت حرة فتلد قبل أن تأتي بالمائة ثم تأتي بها، أيعتق ولدها بعتقها؟
قال: لا أرى ذلك إلا لها خاصة لا يدخل الولد في شيء من هذا.
قلت: أيجوز لسيدها أن يرجع فيما جعل لها من العتق بغرم المائة؟ قال: لا.
قلت: أفيجوز له بيعها؟ قال: لا حتى يتلوم لها السلطان، فإن جاءت بالمائة دينار وإلا أمكنه من بيعها أو بطول الزمان وهي تاركة لغرم المائة لا تعتق بذلك فإن باعها بعد طول الزمان جاز بيعه إياها.
قلت: فإذ لا يجوز لسيدها أن يرجع فيما جعل لها، ولا يجوز له بيعها إلا بما ذكرت من تلوم السلطان أو بعد طول زمان، فما الذي أخرج الولد عما عقد لها قبل أن تحمل به؟
قال: لأن الذي عقد لها ليست كتابة ولا عتاقة إلى أجل فيجري من ذلك للولد ما جرى للأم، ألا ترى أنه لو مات ولم يأت
بشيء لم يكن على ورثته أن يعتقوها وإن جاءت بالمائة الدينار إلا أن يرضوا إذا لم يوص لها بذلك ولم ينفعها ما قال لها في صحته، قال: ومثل ذلك عندي الأمة تجرح الرجل فلا يقوم المجروح بأخذ عقله حتى تلد فإن سيدها إن أسلمها لم يكن عليه أن يسلم ولدها معها وقد كانت مرهونة بما وجب عليها من عقل ما جنت.
قال محمد بن رشد: قول الرجل لعبده أو لأمته ائتني بكذا وكذا وأنت حرة، أو متى ما جئتني أو إن جئتني أو إذا جئتني سواء كله عند ابن القاسم، وسواء عنده أيضا سمى لذلك أجلا أو لم يسمه، لأنه إن لم يسم لذلك أجلا كان ذلك إلى القدر الذي يؤدي إليه مثل ذلك العدد الذي سمى ذلك العبد أو تلك الأمة على ما يظهر من قدرتها على السعاية فيه باجتهاد السلطان في ذلك كله.
فقوله في هذه الرواية: إن ولدها لا يدخلون معها فيما جعل لها سيدها من هذا خلاف نص قوله في المدونة: إنهم يدخلون معها، فعلى قوله فيها يلزم ورثة السيد إذا مات ما لزمه هو من ذلك على حكم الكتابة، وقوله فيها إن ذلك لا يلزم ورثته إن مات خلاف نص ما في سماع عبد الملك بعد هذا من هذا الكتاب، وخلاف ما تقدم في رسم إن خرجت من سماع عيسى في الذي يدفع إلى عبده مائة شاة ويقول له اعمل عليها فإذا بلغت كذا وكذا فأنت حر، فعلى ما في سماع عبد الملك وما تقدم في سماع عيسى من أن ذلك يلزم الورثة يدخل الأولاد معها على حكم الكتابة مثل ما في المدونة، لأن بعض ذلك يفسر بعضا، ورواية يحيى هذه هي المخالفة لذلك كله في أن الولد لا يدخلون معها، وفي أن ورثة السيد لا يلزمهم ما لزمه هو، وإنما وقع الخلاف في هذا بين هذه الرواية وبين سائر الروايات التي ذكرناها من المدونة وغيرها من أجل أنه ليس في شيء منها قبول الأمة لذلك ورضاها به والتزامها له، ولو رضيت بذلك وقبلته والتزمته لما اختلف في أنها كتابة على حكم الكتابة يدخل
ولدها فيها، ويلزم ورثة السيد ما لزمه هو، لأن الكتابة عقد من العقود بين العبد وسيده، فلا تتم إلا برضاهما جميعا على القول بأن السيد لا يجبر عبده على الكتابة، فالاختلاف الذي بين هذه الرواية وبين سائر الروايات في دخول الولد معها وفي لزوم ورثة سيدها ما لزمه راجع إلى هذا الاختلاف، فلم ير ابن القاسم في هذه الرواية قول الرجل لأمته ائتني بكذا وكذا وأنت حرة كتابة، إذ لم يعقد ذلك معها ولا التزمه لها، وذلك من قوله هذا على القول بأن السيد لا يجبر عبده على الكتابة فألزمه هو ما التزمه لها من عتقها إذا أتته بالمائة، ولم ير لولدها في ذلك دخولا ولا رأى ذلك لازما للورثة إذ ليست بكتابة ولا عتقا مؤجلا إذ قد يكون إن جاءت بالمائة، ولا يكون إن لم تأت بها، فأشبه قول الرجل لعبده إن جاء فلان فأنت حر في أن الولد لا يدخل في ذلك، وأن ذلك إنما يكون لها مع حياة سيدها، ورأى ذلك ابن القاسم في المدونة وفي سماع عيسى وعبد الملك كتابة وإن لم يكن منها في ذلك قبول ولا التزام على قياس القول بأن الرجل يجبر عبده على الكتابة، فهذا وجه القول عندي في هذه الرواية، وقال ابن الماجشون في الواضحة: إذا لم يقبل العبد ذلك ولا ألزمه لم يلزم السيد أيضا، وكان له أن يبيعه، فقول الرجل لعبده على مذهبه إن جئتني بكذا وكذا إلى أجل كذا وكذا إذا لم يقبل العبد بمنزلة قول الرجل لعبده إن قدم فلان في هذه السنة فأنت حر في جميع الوجوه.
وهذا الذي ذكرته من أنه لا فرق عند ابن القاسم بين أن يسمي أجلا أو لا يسميه، ولا بين قوله ائتني بكذا وكذا أو إن جئتني وإذا جئتني أو متى ما جئتني بين من قوله في المدونة من رواية عيسى عنه.
وفرق المغيرة بين قوله: إن جئتني بكذا أو إذا جئتني بكذا، فقال: إنه إذا قال: إن جئتني، يلزمه ذلك هو وورثته بعده، فليس له ولا لهم أن يبيعوه ما لم يطل الأمر جدا، وإن قال: إذا جئتني أو متى ما جئتني، لم يكن ذلك للعبد بعد موت السيد، وكان له ذلك في حياته وإن طال الزمان جدا ما كان في ملكه ولم يبعه، هذا معنى قوله.
وساوى ابن كنانة بين أن يقول إن جئتني بكذا وكذا فأنت حر وأنا أعتقك وفرق بين أن يسمي لذلك أجلا أو لا يسميه، فقال: إنه إن لم يسم أجلا يتلوم له في ذلك على ما ذكرناه من مذهبه، وفرق بين أن يقول فأنت حر أو فأنا أعتقك، فقال: إنه إذا قال فأنا أعتقك فأتى بما سمي له من المال لا يلزمه عتقه إذا قال لم أرد إيجاب ذلك على نفسي، ويحلف ما أراد إيجاب ذلك على نفسه، وإنما أراد أن يفعل ذلك إن شاء، وقول ابن القاسم هو الفقه بعينه، وبالله التوفيق.
مسألة: أعتق حظا له في عبد ثم أعتق بعد ذلك عبدا لا مال له سواه
مسألة وسألته: عن الرجل يعتق حظا له في عبد ثم أعتق آخر لا شركة له فيه ولا مال له غيره، أيمضي عتق الآخر ولا يعتق عليه من الأول نصيبه منه؟ أم يبطل عتق الآخر ويقوم عليه الأول؟
فقال: بل يمضي عتق الآخر ولا يقوم عليه الأول، إذ لا مال له إلا العبد الذي أنفذ عتقه قبل أن يقوم عليه الأول، وذلك أن القيمة لم تكن عليه كالدين الثابت، ألا ترى أنه لو كان ذا مال يوم أعتق نصيبه من الأول ثم داين الناس فقاموا يطلبونه بأموالهم التي داينهم بها بعد عتقه نصيبه من العبد وقام العبد يطلب أن يقوم عليه كان الغرماء أحق بماله ولو لم يقوم عليه العبد الذي أعتق بعضه، وإنما ينبغي للسلطان أن يقوم عليه فيه فيما يجد له من مال يوم يرجع إليه أمره.
قلت له: أرأيت إن أحدث بعد عتق نصيبه من العبد صدقات وهبات، أتجيزها؟
قال: نعم، ذلك عندي ماض عليه جائز لمن كان ذلك منه إليه.
قلت له: وإن كاتب عبدا؟
قال: تمضي الكتابة ويباع ما على المكاتب بما يجوز له بيع ما عليه، ثم يقوم على المعتق من حصة شريكه في العبد بقدر ما يبلغ ما يباع به كتابة المكاتبة، فإن كان ذلك ما يعتق به جميعه قوم عليه فيه وأعتق ولا ترد الكتابة.
قلت له: فإن أحدث تدبيرا؟ قال: أرى أن يرد التدبير فيباع العبد الذي دبر ويقوم عليه الأول في ثمن المدبر إلا أن يكون في ثمن المدبر فضل عن استتمام عتق الأول فلا يباع منه إلا بقدر ما يعتق به الأول.
قلت: لم أجزت الصدقات والهبات ولم ترددها حتى يقوم عليه نصيب شريكه من العبد في ماله الذي أحدث فيه الصدقات والهبات ورددت التدبير، والتدبير كان أحق بأن يجوز له من الصدقة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أعتق حظا له في عبد ثم أعتق بعد ذلك عبدا لا مال له سواه أو تداين ديونا قبل أن يقوم عليه العبد تستغرق ماله: إن العتق ينفذ عليه في عبده، ويكون الغرماء أحق بماله ولا يقوم عليه العبد الذي أعتق حظه إذا لم تكن القيمة عليه كالدين الثابت صحيح لا اختلاف أحفظه في المذهب في أن ملك الشريك باق على حصته من العبد حتى يقوم على الذي أعتق نصيبه منه ويعتق عليه، ويأتي على ما ذكرناه في الرسم الذي قبل هذا عن الشافعي أنه يعتق عليه حظ شريكه بالسراية أن يكون التقويم أحق من ديون الغرماء الحادثة بعد عتقه لنصيبه، وأحق من عتقه للعبد الذي أعتقه بعد ذلك، وهو بعيد على ما ذكرناه، إذ لا يسري ما أعتق من ملكه إلى ملك شريكه.
وقال في الرواية: إنه إذا أحدث بعد عتقه لنصيبه صدقات وهبات وتدبيرا إن الصدقات والهبات تنفذ ويكون أحق من التقويم، وإن التدبير يرد فيكون التقويم أحق، ولما سأله عن الفرق بين التدبير والصدقات والهبات واعترض عليه بأن الصدقات والهبات أحق أن يرد من التدبير - سكت له عن الجواب في ذلك، والجواب في ذلك: أن التدبير أحق أن يرد من الصدقات والهبات، إذ قد اختلف في التدبير، فقيل: إنه غير لازم وإن لسيده أن يبيعه، وإن للإمام أن يبيعه عليه في الدين الحادث بعد التدبير، ومالك يرى أنه يباع بعد الموت في الدين الحادث، فقد لا يحصل له في التدبير عتق، والصدقات والهبات لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في وجوبها للموهوب له وللمتصدق عليه؛ إذ قبضاها وحازاها على الواهب والمتصدق، وهو الذي أراد ابن القاسم والله أعلم، وأما إذا لم يحزها الموهوب له والمتصدق عليه عن الواهب والمتصدق، فالذي يوجبه النظر في ذلك عندي على المذهب أن يتحاصا جميعا، لأن الشريك والعبد يطلب التقويم، والموهوب له أو المتصدق عليه يطلب هبته أو صدقته، وليس أحدهما بأحق بالقضاء له من صاحبه، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: إذا قيم عليه بالتقويم قبل أن يحاز عنه الصدقة والهبة والعطية فهي مردودة حتى يعتق منها باقي العبد ويمضي ما بقي، ولقوله وجه وهو مراعاة قول من يقول من أهل العلم: إن للواهب والمتصدق أن يرجع في هبته وصدقته ما لم يقبض منه، وبالله التوفيق.
مسألة: جعل على نفسه رقبة من ولد إسماعيل
مسألة وسئل: عن رجل جعل على نفسه رقبة من ولد إسماعيل.
قال مالك: ليعتق رقبة، قيل له: أتجزيه رقبة من الزنج؟ قال: ليعتق رقبة أقرب إلى ولد إسماعيل.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، لأن للشرف في النسب مزية
توجب التنافس في العبيد من أجلها والزيادة في ثمنها، والأجر على قدر ذلك لما جاء من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها»، فوجب أن يجري ذلك فيما نذر، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد ينكح الحرة وأبو العبد حر فيولد للعبد من الحرة
مسألة وسئل ابن القاسم: عن العبد ينكح الحرة وأبو العبد حر فيولد للعبد من الحرة، أيجر الجد ولاء ابني ابنه من الحرة؟
قال: نعم، وهو قول مالك، قيل له: أرأيت ما ولد للعبد من الحرة وقد مات الجد، أيكون ولاؤهم لموالي الجد كما كان يجر ذلك إليهم الجد في حياته؟ قال: لا، قيل: فهل يجر الجد ولاء من ولد لابنه العبد من الحرة قبل أن يعتق الجد إذا عتق الجد؟ قال: نعم، قيل له: فلم لا يجر الجد ولاء من ولد بعد موته كما جر إليهم الجد حين أعتق ولاء من كان ولد لابنه قبل أن يعتق؟ قال: إنما مثل الذين ولدوا بعد موت الجد بمنزلة ما لو أن العبد لم يولد له من امرأته الحرة ولد حتى مات أبوه الحر ثم ولد له بعد ذلك أولاد فإن ولاءهم لا يكون لموالي الجد، ولا ينتقل عن موالي الأم، فإذا لم يجر موالي الجد ولاء ما ولد لابنه إذا لم يولد منهم أحد في حياة الجد، فكذلك إذا ولد بعضهم في حياته وبعضهم بعد موته لا يكون لهم إلا ولاء الذين ولدوا في حياة الجد الذين كانوا ثبتت مواريثهم بينهم وبين الجد.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم النسمة من سماع عيسى ومضى الكلام عليها هنالك، وهي بينة صحيحة.
وأما الحجة التي احتج بها إذ قال إنما مثل الذين ولدوا بعد موت الجد بمنزلة ما لو أن العبد لم يولد له... إلى آخر قوله، فهي ضعيفة، لأن السؤال إنما هو فيمن ولد لابنه العبد بعد موته هل يجر ولاءهم إلى مولاه أم لا، فلا فرق فيهم بين أن يكون لابنه العبد ولد سواهم قد ولدوا في حياته أم لا، فالجد يجر إلى مواليه عن موالي الأم ولاء ولد ابنه العبد كان قد أعتق قبل أن يولدوا أو بعد أن ولدوا، فإن عتق أبوهم بعد ذلك جر الولاء عن موالي الجد إلى مواليه الذين أعتقوه، والمعنى في هذا أن الجد لما كان وارث ابنه العبد لو مات من أجل أن العبد لا يرث كان مولاه الذي أعتقه هو وارثه إذا مات، ولما لم يكن الجد وارث ابنه العبد لو مات إذا كان هو قد مات قبله لم يكن مولاه الذي أعتقه هو وارثه، لأن مولى الجد إنما يرث بالولاء من كان يرثه الجد لو كان حيا، وهذا بين، وبالله التوفيق.
###: حكم ما للعبد المعتق بعضه
ومن كتاب الصلاة قال: وسمعته يقول في العبد يكون بين الرجلين يعتق أحدهما حظه فلا يجد له السلطان شيئا يقومه عليه فيعتق نصفه ويرق النصف للشريك: إن ماله يوقف بيده ولا يجوز استثناؤه للمعتق ولا أخذه للمتمسك بالرق، ولكنه يوقف بين العبد.
قيل له: فإن جر جريرة تكون في رقبته؟ قال: يكون عليه غرم نصف قيمة الجريرة ويخير المتمسك بالرق في نصفه، فإن شاء أسلم نصيبه فيه إلى المجني عليه، وإن شاء افتداه، قيل له: فإن جرح العبد ممن عقل جرحه؟ قال: يقتسمان ذلك للعبد نصفه وللمتمسك بالرق نصفه، قيل له: أيدفع إلى السيد نصفه؟ قال: نعم.
قلت: وإلى العبد نصفه يصنع به ما أحب؟ قال: بل هو مال من ماله يوقف مع ماله الأول ويسوغ للسيد تعجيل أخذ نصيبه، قيل له: أرأيت إن ولد له من أمته فأعتق السيد نصيبه من أبيه؟ فقال: ابنه بمنزلته، فإن أعتق السيد حظه من ابنه فهو عتيق كله، قيل: فمات الابن عن مال فمن يرثه وأبوه لم يعتق بعد؟ قال: يورث بالولاء للمعتق الأول نصف الميراث وللشريك نصفه، قيل له: فإن تزوج حرة وولد له فمات الابن عن مال؟ قال: ميراثه لأمه ومواليه لأنه لم يعتق فيجر ولاء أبيه، قيل له: فإن أعتق المعتق نصف عبد له بإذن المتمسك بالرق فمات عن مال قبل أن يعتق سيده الذي أعتقه؟ قال: ميراثه للذي تمسك بالرق خالصا إذ لم يجز له أن يرثه من أجل أن العبد لا يرث الحر والمتمسك بالرق أحب بميراث مواليه من الشريك المعتق الأول، وقد قال ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب العرية: إن ولاء ما أعتق هذا العبد الذي نصفه حر بين الذي له فيه الرق وبين الذي أعتق النصف ما كان هذا الذي نصفه حر فيه الرق، وإن مات العبد وفيه الرق فهو بينهما أيضا، فإن عتق العبد الذي نصفه حر يوما ما رجع إليه ولاء ما أعتق لأنه ممن لا يجوز للذي فيه الرق انتزاع ماله، فكل ما لا يجوز لسيده انتزاع ماله فما أعتق بإذنه فولاؤه يرجع إليه إذا أعتق، وكذلك المعتق إلى سنين إذا دنا أيضا انقضاء أجل سنيه أو المدبر أو أم الولد إذا مرض سيدهما فما
أعتق هؤلاء بإذن ساداتهم أو بغير إذنهم فأجازوا ذلك لهم أو لم يعلموا به حتى عتقوا فولاء ما أعتقوه يرجع إليهم في حال لا يجوز لساداتهم أخذ أموالهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تشتمل على سبع مسائل بعضها متفق عليها، وبعضها مختلف فيها، وهي حكم ما للعبد المعتق بعضه وجنايته، والجناية عليه، وميراث ولده من أمته قبل أن يعتق الشريك فيه حظه، وبعد أن أعتق حظه منه، وميراث ولده من حرة، وميراث ما أعتق بإذن الذي له فيه الرق.
فأما ماله فلا اختلاف في أن الحكم فيه أن يقر بيده للشريك الذي له في نفسه بتحرية التجارة المأمونة، وليس له أن يهبه ولا يتصدق به، فإن عتق باقيه تبعه ماله، وليس لسيده أن يستثنيه إذ لم يكن له أن ينتزعه، فكذلك الشريك الذي أعتق نصفه أولا ليس له أن يستثني ماله كما قال في الرواية، من أجل أن العبد بين الشريكين ليس لأحدهما أن يأخذ حظه منه دون إذن شريكه.
وأما جنايته فنصفها عليه في ماله وذمته يتبع بها إن لم يكن له مال، ونصفها على الذي له نصفه إن شاء افتداه وإن شاء أسلمه كما قال، ومثله في المدونة، ولا اختلاف أحفظه في ذلك.
وأما الجناية عليه فهي بينهما على ما قاله في الرواية، وهو أحد قولي مالك في المدونة، قال فيها: وقد كان لمالك قول إذا جرح إن جرحه للسيد، ثم رجع فقال: هو بينهما، ولكلا القولين وجه، فوجه القول الأول أنه لما كان ميراثه الذي له فيه الرق من أجل أن الحرية تبع للرق كانت الجناية عليه، ووجه القول الثاني أنه شريك في نفسه، فوجب أن تكون الجناية بينهما كالعبد بين الشريكين يجنى عليه، وهو الأظهر، لأن ما نقص من رقبته بالجناية ليس للذي له فيه الرق إلا بعضه، فليس له أن يأخذه كله، والميراث بخلاف ذلك إذ لا يورث بالحرية إلا من يرث بها.
وأما ميراث ولده من أمته، فولده من أمته بمنزلته، نصفه حر بعتاقة الشريك لنصف أبيه، ونصفه مملوك للذي يملك النصف الآخر من أبيه، فإن مات ونصفه مملوك قبل أن يعتق الشريك نصفه فيه كان ميراثه له ولا اختلاف في هذا.
وأما إن مات وهو حر كله بعد أن أعتق الشريك حظه فيه، فقال في الرواية: إنه يورث بالولاء، للمعتق الأول نصف الميراث، وللشريك نصفه، وفي هذا نظر؛ لأن أباه لم تكمل حريته فلا يجر ولاء ابنه إلى مولاه على أصله في هذه الرواية عنه في ميراث ولده من الحرة، وفي ميراث العبد الذي أعتقه بإذن الذي له فيه الرق، لأنه قال: ولده من الحرة لأمه ومواليه، كذا وقع في الرواية، وهو غلط، وصوابه: لأمه ومواليها، وإنما قال لأمه ومواليها لأن موالي أمه هم مواليه إذا كان أبوه عبدا، فلم يجعل نصف ما بقي من ماله بعد ميراث أمه للذي أعتق نصف أبيه كما جعل نصف ماله في ولده من أمته إذا أعتق الشريك حظه منها للذي أعتق نصف أبيه، فالمسألتان متعارضتان والذي يأتي في ميراث ولده من أمته إذا كملت حريته بعتق الشريك لنصيبه فيه على قياس قوله في ولده من الحرة أن يكون نصف ميراثه للشريك الذي أعتق نصفه والنصف الثاني لجماعة المسلمين، ويأتي في ميراث ولده من الحرة على قياس قوله في ولده من أمته إذا كملت حريته بعتق الشريك لنصيبه فيه أن يكون نصف ما بقي من ماله بعد ميراث أمه للذي أعتق نصف أبيه، والباقي لموالي أمه، لأن مولى الأب أحق بالميراث من مولى الأم إذا قلنا إنه يجر إلى أبيه ولاء ما أعتق منه قبل أن تكمل حريته، فالاختلاف في رواية يحيى من قول ابن القاسم في هاتين المسألتين على ما بيناه من تعارض قوله فيهما ووجوب رد كل واحد منهما إلى صاحبتها على اختلاف الروايتين عنه: رواية يحيى هذه، ورواية عيسى في رسم العرية في مسألة العبد المعتق نصفه يعتق عبدا له بإذن الذي له فيه الرق فيموت عن مال، لأن النكتة في
المسألة إنما هي هل يجر العبد إذا أعتق بعضه إلى مولاه من ولاء ولده بقدر ما عتق منه أم لا يجره إليه على ما بيناه من اختلاف قول ابن القاسم، لتعارض قوله في ذلك، فعلى قياس القول بأنه يجره إليه يكون ميراث ما أعتق بإذن الذي له فيه الرق بين الذي فيه الرق وبين الذي أعتق النصف على ما قاله ابن القاسم في رواية عيسى، وعلى القول بأنه لا يجره إليه يكون جميع ميراثه للذي تمسك بالرق خالصا على ما قاله في رواية يحيى هذه.
فقد أتى القول بتكلمنا في هذه المسألة على سائر السبع المسائل، وقد مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم التكلم على ولاء ما أعتق العبد أو من فيه عقد عتق من مكاتب أو مدبر بإذن سيده أو بغير إذنه، وبالله التوفيق.
مسألة: يعتق نصيبه من عبد بينه وبين شريكه
مسألة قال: وسألته: عن الرجل يعتق نصيبه من عبد بينه وبين شريكه وهو معدم لا مال له، فيقول الشريك: أعتقوه عليه كله بالقيمة وأنا أرضى أتبعه به دينا عليه، فقال المعتق: لا أفعل ولا أرضى أن أتبع بشيء يكون علي دينا، وما أعتقت نصيبي إلا للذي علمت أنه لا يعتق علي غيره لعدمي، وما أردت أن أتبع بشيء من الدين، أيلزم عتقه كله أم لا؟
قال: لا يلزم عتقه كله، ولا يتبع بشيء، وتلك السنة.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات في أثناء المسألة المتقدمة بعد قوله فيها: ويسوغ للسيد تعجيل أخذ نصيبه، فكتبتها بعدها لاتصال بعضها ببعض، وقد حكى ابن أبي زيد عن ابن المواز أنه يقوم عليه وإن كان عديما، ويتبع بالقيمة ويعتق العبد، وقول ابن المواز هو القياس على ظاهر الحديث أن العبد كله يقوم عليه فيلزم المعتق نصف ذلك، وهو المشهور في المذهب؛ لأن المعنى في ذلك أنه قد أدخل فسادا على
شريكه بعتقه لحصته، إذ ينقص ذلك من قيمته، وأما قول ابن القاسم إنه لا يقوم عليه إذا كان عديما إلا برضاه فيأتي على قياس القول بأن المعتق لحصته من العبد لم يتعد على شريكه بما صنع، فلا يلزمه إلا نصف قيمته على أن نصفه حر، وهو ظاهر ما مضى في أول سماع يحيى من هذا الكتاب، ودليل ما في كتاب جنايات العبد من المدونة من قول ابن القاسم وقول غيره في كتاب أمهات الأولاد، وبالله التوفيق.
مسألة: الحالف بحرية عبده أن لا يبيعه
مسألة وقال في رجل سأل رجلا أن يبيعه عبده، فقال: هو حر إن بعتكه، وقال الآخر: امرأتي طالق إن لم أشتره منك، ثم باعه منه: إن العبد يعتق وتطلق امرأة الحالف ليشرينه، قال: وذلك لأن البيع وقع والحنث معا، فيعتق العبد بذلك، ونظر في اشتراء الحالف بالطلاق فلما رأى أن اشتراءه لم يتم له إذا عتق العبد وجب عليه الحنث لأن اشتراءه لم يكن بعد اشتراء إذ لا يثبت عليه ولا يتمسك به وهو ينقض عليه على صغار منه، فأما إذا كان البيع هكذا فالحنث لازم له؛ لأنه لا سبيل له إلى اشترائه أبدا إذا أعتق.
قال محمد بن رشد: قد قيل في الحالف بحرية عبده أن لا يبيعه: إنه لا شيء عليه إن باعه، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو القياس؛ لأنه إن انعقد البيع فيه صار معتقا لما في ملك المشتري، وإن لم ينعقد فيه لم يلزمه شيء، فعلى هذا القول لا يكون على واحد منهما في هذه المسألة شيء؛ لأن الشراء يصح للمشتري، ووجه القول بأنه يعتق على البائع وإن لم يتم فيه البيع لوجوب عتقه به، هو أن الحنث يدخل بأقل الوجوه، كمن حلف أن لا يبيع عبده فباعه بيعا فاسدا أنه يحنث به وإن نقض البيع فيه ورد عليه، ولما وقع البيع والعتق معا، قال سحنون: إن المال يبقى للبائع ولا يكون تبعا للعبد
كالعتق، وفي قوله نظر، لأن الذي يتناول على المذهب أن العتق وقع بأول البيع قبل تمامه، إذ لو تم البيع فيه لما لزم العتق، وإذا وقع العتق قبل تمام البيع وجب أن يكون المال تبعا للعبد، ووجه قوله أنه لما قصد إلى عتقه بالبيع، وحكم البيع أن يبقى المال فيه للبائع صار كأنه قد استثناه، وذلك بين من إرادته؛ لأنه قال: إن المال يكون للبائع؛ لأن البيع أوجب العتق، فصار البائع أولى بالمال من العبد، هذا نص قوله، وبالله التوفيق..
مسألة: باع وقد حلف أن لا يبيع
مسألة وقال في الرجل يحلف بحرية جارية له إن باعها فتصدق بها على ابنة له في حجره ثم يريد بيعها لابنته في بعض مصلحتها: إنه إن باعها لزمه الحنث فعتقت عليه، وغرم القيمة لابنته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لأنه باع وقد حلف أن لا يبيع، فوجب أن يحنث إلا أن تكون له نية أو يكون ليمينه بساط يدل على أنه إنما حلف ألا يبيعها ليتمول ثمنها وينتفع به، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول أحد عبيدي حر وله عبيد
مسألة وقال في الرجل، يقول: أحد عبيدي حر، وله عبيد: إنه يقال له: أعتق من شئت ولا شيء عليك غير ذلك، وسئل: عنها سحنون وذكرت له هذه الرواية من قول ابن القاسم وما روى عنه عيسى أنه يقرع بينهم، فقال: أنا أقول بكلا القولين، أقول بما روى يحيى بن يحيى أن يكون ورثته بمثابة إذا اجتمعوا على الرضا بعتق واحد منهم، فإذا اختلفوا قلت بما روى عيسى أنه يقرع بينهم فأعتقت أحدهم بالسهم.
قلت: فإن مات قبل أن يعتق منهم أحدا وإنما كان قال ذلك في صحته، قال: يصير ورثته بمنزلته يعتقون أيهم أحبوا كما كان ذلك للميت، وليس هو بمنزلة الذي يوصي سيدهم أن يعتق رأس منهم ولا ينصه بعينه، ولأولئك مسألة قد فسرنا هنالك، وقال في رجل يقول وله نسوة إحدى نسائي طالق ولم ينو واحدة منهن: إنهن يطلقن عليه جميعا.
قال: وأما إن قال أحد عبيدي حر وله مماليك ولم ينو واحدا بعينه: إنه يقال له أعتق من شئت منهم، وإن مات ولم يعتق منهم أحدا قيل لورثته قد نزلتم منزلته فأعتقوا من بدا لكم منهم.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أن الطلاق لا يختار فيه، بخلاف العتق، وقد روى أبو عبيد عن مالك: أن الطلاق يختار فيه كالعتق وليس بينهما فرق بين في القياس.
ووجه التفرقة في ذلك بين العتق والطلاق أن العتق يصح فيه التبعيض، بخلاف الطلاق.
وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى القول مستوفى في مسألة العتق هذه فلا وجه لإعادته.
مسألة: كاتب جميع رقيقه فلم يجز ذلك الورثة
مسألة قال يحيى: قلت لابن القاسم: أرأيت إن كاتب جميع رقيقه فلم يجز ذلك الورثة والثلث يضيق بهم أليس يعتق من كل واحد منهم ثلثه؟ قال: بلى.
قلت: ولم لا يقرع بينهم في الثلث؟ قال: أرى إذا قطع لهم الورثة الثلث أن يسهم بينهم فيه كالموصى لهم بالعتق.
قال محمد بن رشد: نفى القرعة أولا ثم رجع إليها آخرا، فهو اختلاف من قوله، فوجه القول بها القياس على الوصية بالعتق، لأنه وإن كان
الأصل كتابة فقد عاد ذلك إلى العتق، ووجه المنع منها أن القرعة في القياس غرر فلا تكون إلا حيث جاءت فيها السنة، وهي الوصية بالعتق، فقاس عليها ابن القاسم العتق في المرض لاتفاقهما في المعنى؛ لأنه في الحالتين جميعا عتق من الثلث، والكتابة بخلاف ذلك.
وأشهب وأصبغ لا يريان القرعة، إلا في الوصية خاصة، وابن نافع لا يقول بها إلا إذا لم يكن للميت مال غيرهم اتباعا لظاهر الحديث، فهي ثلاثة أقوال، وإجازتها في الكتابة قول رابع، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بعتق رقيقه وهوصحيح ثم يقوم عليه الغرماء
مسألة وقال في رجل حلف بعتق رقيقه وهو صحيح ثم يقوم عليه الغرماء وفي قيمة رقيقه فضل عن دينه: إن الدين يفض على العبيد: قيمتهم، فيباع من كل واحد منهم بقدر ما صار على قيمته من الدين حين فض عليهم، ثم يعتق منهم ما بقي.
وتفسير ذلك أنهم إن كانوا ثلاثة عبيد قيمة أحدهم خمسمائة والآخر ثلاثمائة، والثالث مائتان وكان الدين مائة دينار قسمت المائة الدينار على الألف الدينار التي هي قيمة العبيد، فما صار على المائة دينار من المائة الدين نظرت كم ذلك من المائتين؟ فإن كان عشرا بعث عشر رقبة وعتق ما بقي، كذلك يصنع بالثاني والثالث فيما يصير على قيمة كل واحد من المائة الدين إذا قسمت على جميع قيمتهم، وعلى هذا الحساب يقسم كل ما كان من هذا الوجه.
قال: وإن كان أعتق بعضهم قبل بعض بيع الآخر فالآخر حتى ينفذ الدين ثم يعتق ما بقي.
قال: وإن أوصى بعتاقتهم أجمعين ولا مال له غيرهم وعليه من الدين ما لا يحيط برقابهم أقرع بينهم أيهم يباع للدين ثم أخرج
ثلث ما بقي بعد ما بيع للدين فإذا عرف مبلغ الثلث أقرع بين العبيد الباقين أجمعين أيهم يعتق في الثلث، فإن اقتسموا أثلاثا فبسبيل ذلك، وإن لم ينقسموا أثلاثا أقرع بينهم الأول فالأول حتى يستكمل إخراج الثلث في قيمة من يخرج سهمه للعتاقة.
وإن كانوا مدبرين في كلمة واحدة وعليه من الدين ما لا يحيط بجميعهم بيع من كل واحد منهم بقدر ما يصير على قيمته من الدين، ويعتق منه ثلث ما بقي، وإنما يقسم الدين على قيمتهم على ما فسرت لك في الذين يعتقون في الصحة وعلى المعتق من الدين ما لا يحيط بجميعهم ولا يسهم بينهم للبيع في الدين ولا بعد إخراج الدين للعتاقة، ولكن يباع من كل واحد ما ينوبه ويعتق منه ثلث ما بقي بعدما بيع منه للدين يتحاصون في الثلث، ولا يقرع بينهم فيه.
قال: وإن كان دبر بعضهم قبل بعض بيع للدين الآخر فالآخر، فإذا قضي جميع الدين عتق في الثلث الأول فالأول ولا يحاص بينهم ولا يسهم بينهم، ولكن يبدون في العتاقة على قدر ما بدأ بهم السيد في التدبير، ويباع الآخر فالآخر للدين كما كان أخرهم السيد في التدبير.
قال: والموصى لهم بالتدبير والمدبرون في الصحة في هذا الوجه سواء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة بينة على مذهبه في المدونة من أن القرعة إنما تكون في الوصية بالعتق إذا لم يحملهم الثلث، فيعتق منهم مبلغ الثلث بالقرعة، وكذلك إن كان عليه دين ولا مال له سواهم وقد أوصى بعتاقتهم أجمعين يسهم بينهم أيهم يباع في الدين ثم يسهم بينهم
أيهم يعتق في ثلث ما بقي بعدما بيع منهم في الدين، وكذلك المبتلون في المرض سواء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في تكلمنا عن المسألة التي قبلها.
وأما المدبرون في الصحة أو في المرض أو في الوصية بعد الموت فلا قرعة فيهم ولا فيمن يباع منهم في الدين إن كان على الميت دين ولم يكن له مال سواهم، وإنما يباع منهم في الدين بالحصص أيضا، وكذلك إذا أعتق عبيده في صحته وعليه دين لا يحيط بهم لا يقرع بينهم فيمن يباع منهم في الدين، وإنما يباع منهم بالحصص، ووجه العمل في ذلك أن يعرف ما يقع للدين من قيمتهم، فإن كان الثلث أو الربع أو التسع أو العشر بيع من كل واحد منهم ثلثه أو ربعه أو تسعه أو عشره قلت قيمته أو كثرت، وهو الذي قاله في هذه الرواية، وإن كان في كلامه التباس فهذا معناه، وذلك أنه قال: وتفسير ذلك أنهم إن كانوا ثلاثة عبيد قيمة أحدهم خمسمائة والآخر ثلاثمائة والثالث مائتان وكان الدين مائة دينار قسمت المائة دينار على الألف دينار التي هي قيمة العبيد، فما صار على المائة الدينار من المائة الدين نظرت كم ذلك من المائتين، فإن كان عشرا بعت عشر رقبة، وكذلك تصنع بالثاني والثالث إلى آخر قوله، وموضع الالتباس من قوله، قوله فيه قسمت المائة الدين على الألف التي هي قيمة العبيد، لأن قسمة القليل على الكثير إنما هي بأن يعرف ما يقع منها بالتسمية على ما ذكرناه.
وقوله أيضا فما صار على المائة الدينار من المائة الدين إذ لا حاجة بنا أن نعرف ما يقع من الدين على كل مائة من قيمة العبيد، وإنما نحتاج أن نعرف ما يقع جملة الدين من جملة قيمة العبيد فيباع ذلك الجزء من كل واحد منهم على ما قلناه، ولابن نافع في المدنية أن المدبرين في المرض يقرع بينهم، كما يقرع بين الموصى بعتقهم وبين المبتلين، وبالله التوفيق.
###: النصراني يعتق عبدا له ثم يريد بيعه
من كتاب أوله يشتري الدور والمزارع للتجارة
قال يحيى: قال ابن القاسم في النصراني يعتق عبدا له ثم يريد بيعه: إنه لا ينبغي للإمام أن يمنعه من بيعه إن شاء، لأنهم يستحلون في دينهم مثل هذا، وإنما صولحوا على أن يقروا على دينهم.
قلت: فإن أسلم العبد المعتق قبل أن يرجع السيد في عتقه؟ قال: إن كان يوم أعتقه برئ منه وخلى سبيله فصارت حاله حال الأحرار فلما أسلم وهو بتلك الحال أراد النصراني سيده الرجوع فيه فليس ذلك له، وإن كان لم يزل في يديه من يوم أعتقه يستخدمه بحاله التي كان عليها عبدا حتى أسلم العبد وهو في يدي الذي أعتقه وفي خدمته فإن له أن يرجع في عتقه فيسترقه إن شاء ولا ينتفع السيد بإسلامه لأنه يقول إنما قولنا لعبيدنا أنتم أحرار لا نعدل شيئا ولا يلزمنا به في ديننا عتق أحدهم، ولم يزل هذا العبد في يدي وخدمتي بعد أن قلت هو حر حتى أسلم، فليس إسلامه بالذي يوجب له عتقا لم أكن أجزته له ولا رضيت بإتمامه له، ومثل ذلك عندي ومما يبينه أن النصراني لو طلق امرأته البتة ثم أراد حبسها لم يمنع منها، فإن حبسها بعد الطلاق البتة ثم أسلمت فأرادت أن يلزمه ذلك الطلاق لم يكن ذلك لها، لأنه أمر قد قطعه عن نفسه في دينه بما يجوز له إذا حبسها بعد ذلك، فإسلامه لا يوجب لها طلاقا قد قطعه عن نفسه في دينه، وحبسها بعده، فهو إذا أسلمت إن أسلم في عدتها كان أحق بها ولا يعد الطلاق الذي كان أولا شيئا، قال: ولكن إن كان يوم طلقها البتة خلى سبيلها حتى انقطعت منه وبانت
عن حالها تحته ثم أسلمت فأراد ارتجاعها لم يمكن من ذلك لما قد تبين من تخلية سبيلها وبراءته منها ثم أراد أن يعتقها بالارتجاع بعد إسلامها فليس ذلك له.
قال: والعبد المعتق إن كان خلى سبيله يوم أعتقه فلما أسلم المعتق أراد المعتق ارتجاعه فليس ذلك له.
قلت: فالمدبر يدبره النصراني وهو على دينه ثم يسلم العبد المدبر فيريد سيده نقض التدبير والرجوع فيه؟ قال: ليس ذلك له إلا أن يرجع في تدبيره وهو نصراني مثله لم يسلم، فأما بعد أن أسلم المدبر فلا سبيل له إلى الرجوع فيه وإلى استخدامه ولكنه مخارج عليه.
قلت: فما فرق بين المدبر يسلم بعد التدبير فلا يكون للسيد أن يرجع فيه، والمعتق يسلم بعد العتاقة فيكون للسيد أن يبطل عتقه ويرتجعه؟
قال: لأن المعتق لما لم يزل في خدمته وعمله وبحاله التي كان عليها عبدا قلنا لن يبرأ المعتق منه فيلزمه ببراءته منه عتاقة العبد، وإنما صار حابسا له ومستخدما فكان قوله هو حر ليس بقول لأنه يلزمه في دينه، فإسلام العبد الآن لا يزيده في خدمته ولا يوجب له عتاقة لم تظهر له من سيده ببراءة منه ولا تخلية سبيل، قال: والمدبر إن كان حابسا له لم يخرجه من خدمته، فإن المدبر يعذر بأن يقول إنما جعل لي شيئا بعد موته فكيف كنت أجد سبيلا إلى أن أبين بنفسي أو أنقطع عنه بخدمتي فإذا جعل لي... قبل أن يموت أراد نقضه لإسلامي،
ولم يكن وجب لي عتق معجل ففرطت في استحقاقه ولا بين الرجوع منه في تدبيري قبل إسلامي فما يسقط حقي عني في حكم الإسلام؟ وأنا من أهله فبماذا يقدر مع ما مضى في ذلك من قول مالك وهو أحق من اتبع.
قلت: فمكاتبة النصراني أيجوز له الرجوع فيما عقد من كتابته؟
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن للنصراني أن يرجع في عتق عبده النصراني ما دام على النصرانية، لا يمنع من ذلك، وإن كان لما أعتقه قد كان خلى سبيله وخرج عن خدمته مثل قول ابن القاسم في كتاب المكاتب من المدونة خلاف دليل قول مالك في كتاب... وذلك له إذا لم يخرجه من يده يدل على أن له أن يرجع في عتقه بعد إسلامه إن كان لم يخرجه من يده، خلاف ما في كتاب المكاتب من المدونة.
فتحصيل المسألة أنه إذا أعتقه وخلى سبيله فخرج من خدمته، فلما أسلم أراد أن يرجع قي عتقه لم يكن ذلك له باتفاق، وإن كان أعتقه ثم أراد أن يرجع في عتقه وهو على دينه قبل أن يخرجه عن يده كان ذلك له ولم يمنع منه باتفاق، وإن خلى سبيله وأخرجه عن خدمته ثم أراد أن يرجع في ذلك قبل إسلامه كان ذلك له على ظاهر هذه الرواية، ولم يكن ذلك له على ما في كتاب الجنايات من المدونة من دليل قول مالك، وإن كان أعتقه ثم أراد أن يرجع في عتقه بعد أن أسلم ولم يكن خرج عن خدمته كان ذلك له على ما في هذه الرواية ولم يكن ذلك له على ما في كتاب المكاتب من المدونة والتدبير، بخلاف ذلك له أن يرجع فيه قبل إسلامه لا يمنع من ذلك، وليس له أن يرجع
فيه بعد إسلامه قولا واحدا، وقد بين ابن القاسم الوجه في ذلك بما لا مزيد عليه.
والكتابة في ذلك كالتدبير سواء على ما قاله في المدونة، ولم يقع لها في هذه الرواية جواب، وبالله التوفيق.
مسألة: يحلف أن كل عبد يبتاعه إلى سنة فهو حر
مسألة وسألته: عن الرجل يحلف أن كل عبد يبتاعه إلى سنة فهو حر فيشتري كتابة مكاتب قبل انقضاء السنة التي حلف إليها.
قال: ينتظر بالمكاتب، فإن أدى لم يكن عليه حنث، وإن رق عتق عليه ولزمه الحنث فيه.
قلت: أرأيت إن عجز المكاتب بعد انقضاء السنة، قال: يعتق عليه ولزمه الحنث فيه.
قلت: أرأيت إن عجز المكاتب بعد انقضاء السنة؟ قال: يعتق عليه أيضا، لأنه عقد اشتراءه في السنة التي حلف بحرية ما يشتري فيها.
قال محمد بن رشد: سحنون يقول: إنه لا حنث عليه إن لم يعجز حتى انقضت السنة، وقول ابن القاسم أظهر لأنه إنما ملكه بعد السنة بما عقد فيه قبل السنة، فذلك عنده بمنزلة من تزوج في العدة ودخل بعد العدة، وفي ذلك اختلاف قد مضى تحصيله في موضعه، ولا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا عجز في السنة، وبالله التوفيق.
مسألة: السفيه يعتق أم ولده أيتبعها مالها
مسألة وسئل: عن السفيه يعتق أم ولده أيتبعها مالها؟ فقال: لا أرى ذلك لها، لأن عتقها لم يمض على تجويز
العتاقة، وإنما أمضاه مالك لأنه رأى العتق قد كان سبق إليها بالولادة، فلما أعتقها كان إنما ترك ما كان له من الاستمتاع بها، فلذلك رأيت لا يتبعها مالها، لأني رأيت إن أتبعها مالها كنت قد جوزت للسفيه القضاء في ماله، قال ابن وهب: مثل ذلك، وقال سحنون مثله تافها كان أو غير تافه لأنه لا يتبعها مالها.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما مضى من قول مالك في رسم العتق من سماع أشهب، وقد مضى هنالك القول على ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: السفيه يمثل بعبده أيعتق عليه
مسألة قال يحيى: قلت لابن القاسم: فالسفيه يمثل بعبده أيعتق عليه؟ قال: لا، ووجه ما يأخذ به أن أنظر إلى كل من إذا ابتدأ عتاقه جاز عتقه فإنه إذا مثل أعتق عليه، وكل من إذا ابتدأ عتاقه لم يجز عتقه، فإنه إذا مثل بعبده لم يعتق عليه، وسئل ابن وهب عن السفيه يمثل بعبده، فقال: أرى أن يعتق عليه، قيل له: أفيتبع العبد ماله؟ قال: لا، قيل له: فالمرأة تمثل بخادم لها لا تملك غيرها فيرد الزوج عتقها؟ قال: لا يكون للزوج هاهنا رد، وإنما وقع العتق عليها بحكم قد مضت سنته فهي بالمثلة عليها حرة رضي الزوج أو كره، قال سحنون في مثلة المرأة ذات الزوج بعبدها أو بخادمها وقيمتها أكثر من ثلث مالها: لا أرى أن يعتق عليها وذلك مثل عتقها، وكذلك قال لنا ابن القاسم.
قيل لسحنون: فالعبد يمثل بعبده؟ قال: لا يعتق عليه، وهو قول ابن القاسم والذي يمثل بعبده فلا يعتق عليه حتى يموت فلا يعتقون عليه بعد الموت.
قال يحيى: قلت لابن القاسم: فالمريض يمثل بعبده في مرضه؟ قال: يعتق عليه في ثلثه فإن صح فمن رأس ماله، قيل له: فالمديان الذي لا مال له إلا العبد وليس فيه وفاء لما عليه يمثل به؟ قال: لا يعتق عليه، ولو جاز مثل هذا لمثل المفلس بجميع عبيده فأعدم الناس أموالهم واستفاد بذلك موالي يعتقد ولاءهم.
قال محمد بن رشد: اختلف في السفيه والعبد والمديان والمرأة ذات الزوج يمثلون بعبيدهم، فقيل: إنه لا يعتق على واحد منهم عبده بالمثلة إلا أن يجيز ذلك للمديان غرماؤه وللمرأة ذات الزوج زوجها، وهو مذهب ابن القاسم في هذه الرواية على ما أصله فيها من أنه لا يعتق بالمثلة إلا على من يجوز له عتق عبيده، ونص قوله في الواضحة على ما حكاه ابن حبيب عنه وهو أيضا مذهب سحنون في هذه الرواية، لأنه إذا قال ذلك في المرأة ذات الزوج فأحرى أن يقوله فيمن سواه منهم لأن أبعدهم من أن يعتق عليه بالمثلة المديان الذي لا وفاء عنده بدينه إلا العبد الذي مثل به للعلة التي ذكرها في الرواية من أنه يتهم في أن يمثل به ليعتق عليه فيكون له ولاؤه ولا يأخذه الغريم، ويليه العبد لقوة تحجير سيده عليه، وإذ قد قيل إنه لا يملك وإن ماله لسيده، ويليه السفيه للإجماع في أنه يحجر عليه في جميع ماله لقول الله عز وجل: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النساء: 5] وتليه المرأة ذات الزوج لأن الزوج إنما يحجر عليها في ثلث مالها، وقد قيل إنه لا تحجير له عليها في شيء منه، فمن قال إنه لا يعتق على المرأة ذات الزوج عبدها بالمثلة إذا لم يحملها ثلثها أو لم يكن لها مال سواه فأحرى أن يقول ذلك فيمن سواها من المذكورين، وهو مذهب سحنون على ما ذكرناه، ومن يقول إنه يعتق على المديان عبده بالمثلة وإن كان الدين مستغرقا له فأحرى أن يقول ذلك فيمن سواه من المذكورين وهو قول أشهب، ومن يقول ذلك في السفيه وهو
قول ابن وهب في هذه الرواية فأحرى أن يقوله في المرأة ذات الزوج وقد لا يقوله في العبد ولا في المديان، ومن يقول ذلك في العبد فأحرى أن يقوله في السفيه وفي المرأة ذات الزوج وقد لا يقوله في المديان.
فيتخرج على هذا في جملتهم خمسة أقوال:
أحدها: أنه يعتق على كل واحد منهم عبده بالمثلة.
والثاني: أنه لا يعتق على واحد منهم بها.
والثالث: أنه لا يعتق على واحد منهم بها عبده إلا على المرأة ذات الزوج.
والرابع: أنه يعتق بها على المرأة والسفيه ولا يعتق بها على العبد ولا على المديان.
والخامس: أنه يعتق بها عليهم كلهم إلا على المديان، وإذا أعتق على العبد بها عبده على القول بأنه يعتق عليه فولاؤه لسيده لا له، قاله ابن حبيب في الواضحة.
واختلف فيمن أعتق منهم عليه عبده بالمثلة على القول بأنه يعتق بها عليه، هل يتبعه ماله أم لا؟ فروي عن ابن القاسم في السفيه أنه يعتق عليه عبده بالمثلة ولا يتبعه ماله وهو قول ابن وهب في هذه الرواية، وروى ابن المواز عنه أن ماله يتبعه، قال: وأظنه قول أشهب لأنه روى عن مالك في السفيه يعتق أم ولده أنها تكون حرة ويتبعها مالها خلاف قول ابن القاسم.
وأما إذا أعتق على المالك لأمر نفسه عبده بالمثلة فإنه يتبعه ماله ولا اختلاف أحفظه في ذلك، ويكون له ولاؤه، وقد قيل: إنه لا يكون له ولاؤه، ويكون لجماعة المسلمين، وولاؤه على ظاهر ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قوله: «من حرق عبده بالنار أو مثل به مثلة فهو حر وهو مولى الله عز وجل ورسوله»، قال الليث: وهذا أمر معمول به، فظاهر قوله أن الولاء لا يكون له، قال ابن المواز: والقياس في السفيه أن لا يعتق عليه بالمثلة، ومن قال إنه يعتق عليه بها لم أعب قوله، والذي أقوله به أن القياس أن يعتق على كل واحد منهم عبده بالمثلة حاشا المديان، لأنها جناية توجب العتق بالسنة، وذلك من حق العبد، فوجب أن يحكم له بحقه على كل واحد منهم كما لو جنى على