كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن ذلك على قياس البيوع، لو باع رجل من رجل سلعة إلى أجل بدرهمين من صرف اثني عشر درهما بدينار لم يجب له الدرهمان إذ لم يسمها إلا ليبين بها الجزء الذي باع به من الدينار، فلا يكون له إذا حل الأجل إلا سدس دينار، زاد الصرف أو نقص.
ولو باع منه سلعة إلى أجل بسدس دينار من سوم اثني عشر بدينار لم يجب له عليه إذا حل الأجل إلا درهمان، زاد الصرف أو نقص أيضا؛ لأنه لم يسم الجزء إلا ليبين به عدد الدراهم التي باع بها، وإذا باع بدرهمين أو بسدس دينار، ولم يقل من صرف كذا وكذا، فله ما سمى من جزء الدينار أو من عدد الدراهم.
ومثل هذا في المدونة وفي سماع أشهب وسماع يحيى من كتاب الصرف.
وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي عند موته يقول هذه الدار لابني فلان
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يوصي عند موته يقول: هذا المتاع، أو هذه الدار لابني فلان، كل ذلك من ميراث من أمه، وليس أحد يعلم ما يقول، ولا يشهد على ما سمى قال: لا يقبل قوله، إلا أن يعلم أنه قد كان لها مال أو عرض فإن علم ذلك، وأتى بأمر غير مستنكر، رأيت أن يقبل ذلك منه.
قال محمد بن رشد: إقرار الرجل في مرضه بما في يديه من الدور والمتاع الذي لا يعرف ملكه لها، إنها لابنه من ميراثه في أمة، كإقراره في مرضه بالدين من ذلك، لا يجوز إلا أن يشبه قوله، ويعرف وجه إقراره بأن يعلم أنه كان لأمه من المال نحو ما أقر له به وكذلك في كتاب ابن المواز: إن إقرار الرجل في مرضه بالدين لابنه لا يقبل منه إلا أن يكون لذلك وجه أو سبب يدل وإن لم يكن قاطعا وإن كانت الدور التي أقر أنها لابنه من ميراثه في أمه يعرف ملكه لها لم يجز إقراره لابنه بها في مرضه على حال، ولو أقر له بها في
صحته، لكان إقراره له بها كالهبة تصح له إن حازها له بما يجوز به الآباء، لمن يلون أمرهم من الأبناء، على ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وفي غيره من المواضع، خلاف قول أصبغ في سماعه من الكتاب المذكور حسبما بيناه.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن فلانا خليفة على رقيق ولده
مسألة وسئل عن رجل أوصى أن فلانا خليفة على رقيق ولده، وأولئك الرقيق الذين يقومون بأمر ولده، أيكون بها خليفة للولد؟ قال: لا، إلا بما يقوم به العبيد لولده، ولا يكون بيده في ذلك بضع نكاح في ذكر ولا أنثى، ولا أمر مما يجوز للوصي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الوصي كالوكيل، فإذا خص بشيء دون شيء لم يكن له أن يتعدى ما خص به.
وبالله التوفيق.
مسألة: ميت مات فوجد في وصيته أن عبدي فلانا لفلان
مسألة قال: وسمعت أشهب وسئل عن ميت مات، فوجد في وصيته أن عبدي فلانا لفلان، ووجد في وصية له أخرى أن يباع من فلان، ولا مال له غيره، قال: يكون ثلث العبد بينهما أرباعا.
للموصى له به ثلاثة أرباعه وللموصى له بالبيع منه ربعه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن من حق الذي أوصى له أن يباع منه أن يحط عنه من ثمنه ثلثه، فكان كأنه قد أوصى له بثلث رقبته فوجب أن يشتركا في ثلثه على قدر ما أوصى به لكل واحد منهما، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال أعطوا فلانا عشرة وفلانا السدس أي السدس يعطي
مسألة وسئل عن رجل أوصى فقال: أعطوا فلانا عشرة، وفلانا
عشرين، وفلانا السدس، أي السدس يعطي؟ أسدس الثلث؟ أم سدس المال؟ قال: بل سدس المال، أرأيت العشرة والعشرين، من أين أوصى بها؟ قيل: من المال قال: فكذلك السدس إنما هو من المال.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن له سدس الثلث إذا كان قوله بعد وصية، وإنما يكون له سدس المال، إذا كان قوله بعد إقرار بدين، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه.
حكى ذلك عنه محمد بن المواز وقال: هو من رأيه مثل رواية أصبغ هذه عن ابن القاسم، إن له سدس المال في المسألتين جميعا؛ لأنه إذا رأى له سدس المال، إن كان قوله بعد وصية، فأحرى أن يرى ذلك له إذا كان قوله بعد وصية ولكلا القولين وجه، فوجه قول ابن القاسم ما ذكره في الرواية، ووجه القول الآخر أنه لما احتمل أن يريد الموصى سدس المال وسدس الثلث لأنه الذي يتيقن به وما زاد عليه مشكوك فيه، ولا تكون الوصايا بالشك.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن تشتري له رقبة تعتق عنه فاشترى الوصي مدبرا فأعتقه
مسألة وسئل عمن أوصى أن تشتري له رقبة تعتق عنه، فاشترى الوصي مدبرا وهو لا يعلم فأعتقه، قال: لا يجوز عتقه، ولا يجزئ.
قال محمد بن رشد: قوله: لا يجوز ولا يجزئ معناه لا يجوز عتقه، ويرد إلى سيده على تدبيره، ولا يجزئ إن فات رده إلى سيده بموت
أو عيب، وكذلك لو اشتراه وهو يعلم أنه مدبر، فأعتقه عن الميت، يرد على هذا القول، ولا يجزئ عن الميت إن فات رده بموت أو عيب، ويضمن الوصي على قول أشهب، وأحد قولي ابن القاسم.
وأما على القول بأن من اشترى مدبرا فأعتقه، لا يرد عتقه، وهو أحد قولي مالك إن اشتراه فأعتقه يجزئ عن الميت، إذ لا يرد عتقه، وهو قول ابن القاسم في رسم المدبر والعتق من سماع أصبغ من كتاب العتق، وسواء دلس له بذلك البائع أو اشتراه، وهو يعلم أنه مدبر، إن كانت الرقبة تطوعا، وأما إن كانت واجبة، فلا يجزئ عن الميت إن اشتراه وهو يعلم أنه مدبر وإن لم يرد العتق، ويضمن الوصي؛ لأن الرقبة الواجبة لا تشترى بشرط العتق، وإذا اشتراه وهو يعلم أنه مدبر فقد اشتراه بشرط العتق إذ لا يجوز أن يباع المدبر على غير العتق، فإن بيع على العتق مضى العتق ولم يرد على هذا القول، ولا يجوز عند مالك أن يباع المدبر ممن يعتقه، وإنما يجوز عنده أن يعطي سيده مالا على أن يعتقه، ويكون الولاء له.
وقد وقع في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من كتاب الصدقات والهبات، ما ظاهره جواز ذلك، إلا أن يتأول على خلاف ظاهره.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بشراء رقبة فتعتق عنه فاشتراها الوصي فأعتقها ثم استحقت
مسألة وسئل عن رجل أوصى أن يشترى له رقبة بثلاثين دينارا فتعتق عنه فاشتراها الوصي فأعتقها، ثم استحق رجل نصفها، قال: فالمستحق بالخيار، إن شاء أجاز البيع وأخذ نصف الثمن، وإن شاء أخذ نصفها وقوم على الوصي ذلك النصف الذي استحقه المستحق، يقوم على الوصي في ماله، لا على الورثة.
قال أصبغ: وقد كان قال لي قبل ذلك في ذلك المجلس: إنه إنما يقوم
على الورثة، يعني في مال الميت.
قال أصبغ: والورثة أعدل أن يقوم عليهم في ثلث الميت.
قال محمد بن رشد: وإذا قوم على الوصي ذلك النصف اتبع هو البائع بنصف الثمن، فإن كان فيه فضل عما قوم به عليه، رد الفضل على الورثة، وإن كان فيه نقصان كان عليه، كما أنه لم يجد البائع، كانت المصيبة منه، وإذا قوم على الورثة في مال الميت على أحد قولي ابن القاسم، واختيار أصبغ فلا شيء على الوصي، وهم يتبعون البائع بنصف الثمن، ولا اختلاف في وجوب تقويمه على الوصي جار على ما تقدم من الاختلاف في وجوب تضمينه ما أخطأ فيه.
وقد مضى القول على ذلك في أول السماع، وفي رسم الأقضية من سماع أشهب، وذكر ابن المواز قول ابن القاسم في إيجاب تقويم النصف على الوصي واستحسان قول أصبغ أن يقوم على الورثة قال: ولا يعجبني القولان، ولكن إن كانت الثلاثون بعينها، فلا يعتق إلا نصفه حتى يؤخذ من البائع بقيمة ثمنه فيتم به عتقه، وإن تكن بعينها، فليتم عتق ما بقي منه من ثلث ما بقي، بعد أن يسقط منه نصف الثلاثين التي تلفت عند البائع، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لقوم بوصايا ولرجل آخر أن ينفق عليه ما عاش
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم قال في رجل أوصى لقوم بوصايا، ولرجل آخر أن ينفق عليه ما عاش، فمات الموصى له بالنفقة إنه يحاص ورثة الموصى له بالنفقة أهل الوصايا في جميع الثلث، بقدر ما عاش صاحبهم بعد موت الموصي بنفقة مثله فيه.
قال: ويحاص من يوم مات الموصي ليس من يوم يجمع المال أيضا لأن صاحبهم لو كان حيا كان يعمر على ذلك، ويحاص بما يصيبه، فيدفع إليه، أو وقف له.
فإن مات قبل أن يستنفده رجع
أهل الوصايا في ذلك الفضل، حتى يستوعبوا وصاياهم كاملة، وتكون الفضلة فيه بعد لورثة الموصي فإن بلغ ما عمر واستنفذ لم يرجع على أهل الوصايا في شيء ولم يعمر أيضا ثانية يوم يرجع؛ لأنه قد اجتهد له، واجتهد فيه، وتطاول، فكأنه حكم حكم به، ووقع ومضى.
وهذا أحب إلي من الرجوع.
والقياس في الرجوع في التعمير ثانية، ومن وراء ذلك، فإنما يعمر يوم يرجع ثانية، فيرجع على أهل الوصايا بما يصيبه في ذلك على كل واحد منهم، بقدر ما صار له في نصيبه من ذلك، مليا كان أو معدما، ولا يرجع على الملي بأكثر من الذي يصيبه في ذلك، وإنما يتبع المعدم بمنزلة وصية طرأت بعد اقتسام أهل الوصايا الثلث، وشهد على وصية الميت بها، ولم يكن علم بها، وإنما يرجع صاحبها على أهل الوصايا على كل واحد منهم بما كان يصيبه في المحاصة أن لو حاص بها معهم يومئذ في الأول ثم يوقف لذلك المعمر ما أخذ من ذلك، ويصنع فيه كما فسرت لك أولا لمن يرى الرجوع ثانية، ولست أراه.
وقالها أصبغ كلها إلا قوله في نفقة المعمر: إنها توقف إن مات قبل أن يستنفذوه رجع إلى أهل الوصايا، وإن استنفذه لم يرجع فهذا محال، ولا يجتمعان من رأى أن لا يرجع إذا استنفذ مضى له ما أخذ في التعمير والمحاصة بتلا مالا من ماله، يصنع به ما شاء، وهذا رأيي، ولا أعلم ابن القاسم إلا رجع إليه وقاله، لا شك فيه إن شاء الله.
ومن رأى أنه يرجع على أهل الوصايا، رده في المحاصة، ويعمر ما بقي، ورجع على أهل الوصايا إذا استنفذه والقياس الذي عليه أهل الكلام وصحة ذلك أن يوقف، ويكون لأهل الوصايا إن لم يستنفذه، ويرجع عليهم إن استنفذه، ولا يبتل له عند المحاصة، فتحال وصية الميت عما أوصى به.
وهذا رأي أشهب،
وأنا أقول بقول ابن القاسم، في إبتال ذلك له حكما عند إحالة الوصايا استحسانا، كالخدمة يوصي بها لرجل أو السكنى فتحول الوصايا فيضرب له بقيمتها أو يعطى ذلك بتلا يصنع به ما شاء، ولا يجعل في سكنى ولا خدمة ولا يوقف عنه، ولو كانت داره لأوقفته ولو أوقفه لذلك عنه لجعلت له الرجوع، ولا أوقفه وأبتله له يصنع به ما شاء مالا من مله، ويسقط عنه ما سوى ذلك استنفذه أو لم يستنفذه.
وتفريق ابن القاسم بين ذلك محال.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وفي رسم العربية من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
: أوصى فقال ثلثي لولد عبد الله بن وهب
ومن كتاب الوصايا والأقضية قال سحنون: وسئل عن رجل أوصى، فقال: ثلثي لولد عبد الله بن وهب: أيدخل ذكور ولد عبد الله بن وهب في ذلك؟ فقال: نعم قيل له: فبنات عبد الله الإناث، أيدخلون في ذلك؟ قال: لا إنما أراد بذلك الذكور فقط، إلا أن يقول: ثلثي لبني عبد الله فيدخل الذكور والإناث من ولد عبد الله، قيل له: فإن قال لبني عبد الله فتوفي واحد، وولد اثنان والموصي حي، ثم مات، قال: يدخلان إنما هو على من أدركه القسم.
قال أصبغ: بني عبد الله، يجمع الذكر والأنثى وولده يجمع الولد وولد الولد الذكور.
قال محمد بن رشد: إنما سأله هل يدخل ذكور ولد عبد الله بن وهب في وصية الرجل لولد عبد الله بن وهب؟ من أجل أنهم جماعة، والموصي إنما
أوصى بلفظ الواحد، فقوله: إنهم يدخلون كلهم صحيح لا إشكال فيه؛ لأن الولد يقع على الواحد وعلى الجميع، وعلى الذكر والأنثى أيضا وقوعا واحدا؛ لأنه اسم للجنس قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . ولم يقل: أنا سيد أولاد آدم.
وإنما قال في هذه الرواية: إنه لا يدخل في وصيته لولد عبد الله بناته، وإن كان الولد يقع على الواحد وعلى الجميع، وعلى الذكر والأنثى وقوعا واحدا في اللسان العربي من أجل أن الولد قد يعرف عند عامة الناس بالولد الذكر، دون الأنثى فإذا سألت منهم من له بنات، هل له ولد؟ يقول: لا ولد لي، وإنما لي بنات، فلما كان لا يعرف أن الولد يقع على الذكر والأنثى إلا الخاص من الناس، حمل قول الموصي على ما يعرف من مقصد عامتهم، فهذا وجه هذه الرواية.
والمشهور في المذهب أن يحمل قول الموصي على ما يقتضيه اللسان العربي، وهو نص ما في المدونة.
قال فيها فيمن أوصى لولد فلان: إنه يدخل في ذلك ذكور ولده وإناثهم ونحوه في الموطأ وفي الحبس من العتبية في غير ما موضع من سماع ابن القاسم وسماع عيسى.
وقد قال ابن لبابة في هذه الرواية: إنها خلاف القرآن قال الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] فالناس مجمعون على أنه إذا أراد الذكران والإناث.
وقال أيضا: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] قيل له: فلو نزل هذا ما كنت تقول قال: أعوذ بالله من مخالفة القرآن، وهو تحامل منه في القول، إذ ليست الرواية بمخالفة للقرآن كما قال؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، كما قال عز وجل فوجب أن تحمل ألفاظه على ما يقتضيه في اللسان العربي.
وأما الموصي
فإنما تحمل ألفاظه المحتملة على ما يغلب على الظن أنه أراده بها، فمرة غلب على ظنه أنه أراد بالولد ما يقتضيه اللسان، ومرة غلب على ظنه أنه أراد به ما يعرفه عامة الناس، وعلى هذه الرواية لا شيء في الوصية لولد ذكور عبد الله، وأما إذا قال: ثلثي لبني عبد الله، فلا اختلاف في أنه يدخل في ذلك الذكور والإناث من ولد عبد الله ويدخل فيه من ولد قبل موت الموصي إلا أن يسميهم بأسمائهم.
ويختلف فيمن ولد بعد موت الموصي وفي من مات بعد موته.
فعلى قوله في هذه الرواية: إن ذلك على من أدركه القسم يسقط حق من مات، ويدخل من ولد.
وقد قيل: إنه لا يسقط حق من مات، ولا يدخل من ولد.
وهذا على اختلاف قول ابن القاسم في المدونة في الذي يوصي لأخواله وأولادهم مرة حملهم على المعينين، فقال: إن المال يقسم بينهم بالسواء، فعلى هذا لا يسقط حق من مات، ولا يدخل من ولد.
ومرة قال: يقسم بينهم بالاجتهاد، فعلى هذا يسقط حق من مات، ويدخل من ولد، ويقسم على من أدرك القسم، وهو قوله في هذه الرواية، ومثله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، في الذي يوصي لقوله أو لبني عمه.
وانظر مسألة رسم الوصايا من سماع أشهب، ولا يدخل في ذلك على هذه الرواية أحد من ولد الولد، فقول أصبغ: إن بني عبد الله يجمع الذكر والأنثى، يريد من بنيه دنية ولا يدخل في ذلك أحد من ولد ولده، وقوله: وولد بجمع الولد وولد الولد الذكور، يريد أنه يجمع الولد ذكورهم وإناثهم وولد الولد الذكور منهم، ذكورهم وإناثهم وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلث مالي لإخوتي وله ستة إخوة
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل عن رجل أوصى فقال: ثلث مالي لإخوتي وله ستة إخوة مفترقين: إخوان لأم وأب وإخوان لأم، وإخوان لأب وليس له وارث غيرهم، فقال: هو ميراث، لا يجوز وصية لوارث.
قلت له: إن الأخوين للأب، لا يرثان هاهنا شيئا، إنما يرث الإخوان للأب والأم، والإخوان للأم الثلث، قال: يعزل هذا الثلث، ويكون ثلث الثلثين الباقيين للأخوين للأم، وثلثا الثلثين للأخوين للأب والأم، وينظر إلى هذا الثلث، فما كان يصير للأخوين للأب والأم، والأخوين للأم منه فهو ميراث قال أصبغ: وتفسير قوله هذا: أن يقسم الثلث على الستة الإخوة بالسواء، فما أصاب الأخوين للأب من ذلك وهو ثلثه، فهو لهما، ومما صار للأخوين للأب والأم والأخوين للأم، فهو ميراث على كتاب الله مع ثلثي المال؛ لأنه لا تجوز وصية لوارث.
قال أصبغ: فقيل له: فإن كان له ابن هو وارثه، وله هؤلاء الإخوة، فقال: ثلثي لإخوتي فتوفي ابنه، ثم توفي هو بعد ذلك، وصاروا هم أوراثه، فقال: هي مثل هذه الأولى سواء قال أصبغ: هو كما قال في استواء المسألتين هما مستويتان، والجواب فيهما على غير ما قال في التحاص.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها.
وقول أصبغ والجواب فيهما على غير ما قال في التحاص خطأ وقع في الرواية من الناسخ، فتداولها النقل على ذلك الظن، للظن أن لذلك وجها، ولا وجه لها.
وصوابها والجواب فيها على ما قال في التحاص، إذ لا فرق بين أن يوصي الرجل لوارثه، وبين أن يوصي له وهو غير وارث، ثم يصير وارثا بموت من كان يحجبه عن الميراث وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لقوم بوصايا ولرجل آخر أن ينفق عليه ما عاش
مسألة وقال في رجل أوصى لقوم بوصايا، ولرجل آخر أن ينفق عليه ما عاش مما بقي من ثلثه، فلم ينفذ ذلك الوصي حتى مات الموصي
له بالنفقة حياته.
قال: يعطي أهل الوصايا وصاياهم، فإن فضل عن الثلث شيء أعطى ورثة الموصى له بالنفقة قدر ما عاش صاحبهم بعد موت الموصي، يعطي من يوم مات الموصي ليس من يوم يجمع المال، فما فضل رجع إلى ورثة الموصي، وقاله أصبغ، ولو لم يمت وبقي حتى يجمع المال، جمع له ما كان يصيبه من النفقة من يوم مات الميت، وأعطيه، ولم يطرح عنه ما بين الموت إلى جمع المال، وتنفيذ الوصية، فكذلك يكون له بعد موته، والوصية في مثل هذا فيما يرى من يوم مات الموصي.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا لأن النفقة واجبة له من يوم مات الموصي، فإن كان حيا حسبت له نفقته من يوم مات الموصي في بقية الثلث، وإن كان قد مات كان ذلك لورثته ميراثا عنه وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثلثي لفلان ولفلان عشرة دنانير
مسألة قال أصبغ: سألت ابن وهب عن رجل أوصى فقال: ثلثي لفلان، ولفلان عشرة دنانير، ولا ينقصوا صاحب الثلث شيئا.
قال: فالثلث كله له، وليس لهؤلاء شيء، من أين يأخذون وصاياهم إذا قال: لا تنقصوا صاحب الثلث شيئا؟
قلت: وكذلك لو أوصى فقال: لفلان ثلث مالي ولفلان عشرة دنانير، ولا تنقصوه من العشرة شيئا، والثلث عشرة.
قال لي: نعم أراها تشبه الأولى.
والله أعلم.
قلت: تكون العشرة له كلها ويسقط الذي أوصى له بالثلث، فقال: هكذا قال، لا تنقصوه من العشرة شيئا، قيل له: سواء
كانت العشرة مقدمة في اللفظ قبل الثلث أو مؤخرة، فقال: ثلثي لفلان ولفلان عشرة، ولا تنقصوه شيئا أو قال: لفلان عشرة، ولا تنقصوه شيئا، وثلث مالي لفلان، قال: نعم، سواء كانت مقدمة أو مؤخرة إلا أن يتبين له أنه فسخ.
وقاله أصبغ كله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا وجه للقول فيها وبالله التوفيق، لا إله إلا هو.
مسألة: يوصي لقرابته بمال كيف يقسم
مسألة قال: وسمعته يقول في الرجل يوصي لقرابته بمال، إنما يقسم ذلك على الأقرب فالأقرب من نحو أبيه، ويبدأ بالفقراء منهم حتى يغنوا من تلك الوصية، فإن فضل عنهم شيء عطف به على من بقي من أقاربه من الأغنياء.
قال: وقد رأيت مالك بن أنس يرى أن أهل الرجل عصبة، يعني إذا أوصى بمال أن يقسم في أهله.
قال ابن وهب: وما أوصى به على مساكينه، فإن مساكينه من يرجع إليه نسبه ومواليه الذين هم موالي عتاقة قال ابن القاسم: ونحن نرى إذا كان المال واسعا أن يؤثر بذلك القرابة، الأقرب إليه فالأقرب، ويعطي مواليه من ذلك، ولا يحرموا إذا كانوا مساكين، فالوصي ينظر على قدر الاجتهاد، ولا يخيب هؤلاء ولا هؤلاء لأنه إنما قال على مساكينه، ولم يقل على أقاربه.
قال أصبغ: أرى ذلك حسنا على ما اشترط في الفتيا.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم أسلم من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: مات الموصى إليه وأوصى إلى رجل آخر بوصيته
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل عن رجل أوصى ثم مات الموصى إليه، وأوصى إلى رجل آخر بوصيته ووصية الرجل الأول، فقال الموصى إليه الثاني: أما وصيته، فأنا أقبلها، وأما وصية الأول فلا أقبل؛ لأن فيها ديونا وتخليطا أترى ذلك له؟ قال: نعم، ويرفع ذلك إلى القاضي حتى يستحلف على ذلك، قال أصبغ: لا أرى ذلك؛ لأن وصية الأول من وصية الثاني، فليقبل على وجهها أو ليدع، فإن قبل بعضها فأراه قبولا للجميع وتلزمه كله.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب أظهر من قول أصبغ أن يلزمه ما التزم، ويقدم القاضي على وصية الرجل الذي لم يلتزم، ووجه قول أصبغ أن الموصي إنما أوصى إليه بالجميع، فإما قبل الجميع، وإما رد الجميع، ورأى أنه إذا قبل البعض فقد لزمه بالقبول له النظر فيه، والنظر فيه وحده، ليس له إذا لم يجعل إليه النظر، إلا في الجميع، فألزمه الجميع، إذ ليس له أن تبعض عليه وصيته.
وبالله التوفيق.
مسألة: ترك ثلاثة من الدور وأوصى لرجل بخمسة دنانير
مسألة وسئل عن رجل توفي وترك ثلاثة من الدور، قيمة كل دار مائة دينار، وأوصى لرجل بخمسة دنانير، فقال الورثة: ليس عندنا شيء نعطيه، ولن نعطيه شيئا قال: يخير الورثة، إما أن يعطوه ما أوصى له به، وإما أن يقطعوا له بثلث ما ترك الميت، قيل له: أو لا يبيع له السلطان من تلك الدور بقدر الخمسة، ويترك ما بقي للورثة؟ قال: لا ولكن يخيرون، وذكره عن مالك بن أنس فقال له أصبغ: قد روى ابن القاسم مثله عن مالك في المال الغائب والمفترق.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة، وعلى ما تقدم في رسم المكاتب من سماع يحيى وعلى ما حكى أصبغ في الرسم الذي قبل هذا عن مالك وجميع أصحابه، فعلى الورثة على مذهبهم أن يعجلوا للموصي له الخمسة الدنانير التي أوصى له بها، بأن يبيعوا فيها معجلا ما شاء ومما ترك الميت من دار أو غير ذلك مما يمكن بيعه، وليس لهم أن يؤجلوا في ذلك ليشدوه لبيع طلب الزيادة فيه إن كان أصلا ولا ليبيعوه على الطالب أو ينتظروا به الأسواق إن كان عرضا، ويقال لهم: إما أن تعجلوا له الخمسة، وإما أن تقطعوا له بثلث الميت في كل شيء، وكذلك لو كان جميع مال الميت دينا مؤجلا، لقدرتهم على بيعه بما تباع به الديون، وأما لو كان مال الميت مالا يجوز بيعه، كالزرع الذي لم يحل بيعه، أو الثمرة التي لم يبد صلاحها لوجب على الموصى له بالنقد الانتظار حتى يحل بيع مال الميت، إذ ليس على الورثة أن يعجلوا ذلك من أموالهم، وأصبغ يخالف في هذا كله على ما تقدم من قوله في الرسم الذي قبل هذا وروى ابن أبي جعفر عن ابن القاسم نحو قول أصبغ.
وقد تقدم ذكر ذلك في رسم المكاتب من سماع يحيى وقوله: إن الإمام لا يبيع له من الدور بخمسة صحيح، إذ ليس ذلك بواجب على الورثة، فيحكم به عليهم، كما أن الإمام لا يبيع على الرجل ماله في النفقة على زوجته، وإنما يقول له: أنفق أو طلق، فكذلك هذا.
وأهل العراق يقولون: إذا لم تحمل وصيته ثلث ما حضر من ماله، وله مال غائب، أعطي من وصيته قدر ما حمل منها ثلث المال الحاضر، وتكون بقيتهما في المال الغائب، قالوا: ولا يقطع له لغيبة بعض المال بأكثر مما أوصى له به وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال لموالي كذا وكذا لشيء سماه لكل واحد منهم
مسألة قال أصبغ: قال لي ابن وهب في رجل أوصى فقال: لموالي كذا وكذا لشيء سماه لكل واحد منهم، وله موالي أعتقهم، وله
أنصاف مماليك، كانوا بينه وبين آخر، فأعتق نصيبه، فقال: أرى أن يعطى أولئك الأنصاف، يعطى كل واحد منهم نصف ما يعطى المولى التام، إن كان جعل لكل عشرة عشرة، فلهؤلاء خمسة خمسة، وإن كان جعل لهم أربعة أربعة، فلهؤلاء ديناران ديناران لأن هؤلاء الأنصاف ليس ينتسبون إليه وحده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم سلف من سماع عيسى فلا وجه لإعادته.
مسألة: أوصى فقال أعطوا فلانا ثلث مالي وخيروه
مسألة وسئل عن رجل أوصى فقال: أعطوا فلانا ثلث مالي وخيروه أتراها وصية؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: كما قال: إنها وصية، إلا أنها وصية جعل إليه فيها الخيار، فلا تجب له حتى يختار، ويقبل باتفاق وأما إذا أوصى له ولم يخيروه، فقيل أيضا: إنها لا تجب له حتى يقبل بعد موت الموصي، وهو المشهور، وقيل: إنها تجب له بموت الموصي قبل القبول فعلى هذا إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل أن يقبل أو يرد يجب لورثته، ولا يكون لهم أن يردوها لورثة الموصي إلا على سبيل الهبة إن قبولها، وعلى القول الأول ينزل ورثة الموصى له منزلته في القبول إن مات قبل أن يقبل، وقد قيل: إنها تبطل إن ما قبل أن يقبل حكى ذلك عبد الوهاب عن أبي بكر الأبهري، وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل بمزود جديدة ثم لتها بسمن وعسل ومات
مسألة وسمعت ابن وهب قال: وسئل عن رجل أوصى لرجل بمزود جديدة ثم لتها بسمن وعسل ومات، أتراه رجوعا في الوصية؟
قال: لا قيل له: إن الطعام لا بد لهم منه، قال: لهم طعام، وطعام قد صنعه، واحتج أيضا فقال: وكذلك لو أوصى له بعبد ثم علمه الكتابة بعشرة دنانير، إن هذا ليس برجوع أيضا.
قال أصبغ: ليس هذا برجوع ولا تكون له بلتاتها، ولكن يكون شريكا فيها بقدرها من قدر اللتات بمنزلة الثوب يوصي له به أبيض، ثم يصبغه، والبقعة تراحا ثم يبنيها.
قال محمد بن رشد: تنظير أصبغ، مسألة الذي يوصي بالجديدة، ثم يلقنها بمسألة الذي يوصي بالثوب ثم يصبغه، صحيح، يدخلها من الاختلاف ما دخلها.
قيل: إنه يكون للموصى له مصبوغا، فعلى هذا تكون الجديدة له ملتتة، وهو مذهب ابن وهب، بدليل تنظيره لذلك بالذي يوصي بالعبد لرجل، ثم يعلمه الكتابة، إذ لا يكون الورثة شركاء فيه بقيمة الكتابة، إذ ليست بعين قائمة.
وقد مضى تحصيل هذه المسألة في نوازل سحنون فلا وجه لإعادته.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصت ودعت شهودا أن ما بقي من الثلث لليتامى والمساكين والأرامل
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل عن امرأة أوصت ودعت شهودا فقالت: هذه وصيتي مطبوعة اشهدوا على ما فيها لي، وعلي وقد أسندتها إلى عمتي، وما بقي من ثلثي فلعمتي، فماتت، ففتح الكتاب، فإذا فيه ما بقي من ثلثي فلليتامى والمساكين والأرامل.
قال: أرى أن يقسم بقية الثلث بينهما يريد بين العمة وبين الصنوف الآخرين بنصفين بالسواء، بمنزلة أن لو كانا رجلين وسألت عنها ابن القاسم فقال: لي مثله.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على القول بإجازة الشهادة على
الوصية المطبوعة.
وقد مضى في رسم الأقضية من سماع أشهب ما يجوز من ذلك مما لا يجوز، وما اختلف في إجازته منه، فلا معنى لإعادته.
وعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، في أن من أوصى لرجل بشيء ثم أوصى به لغيره، يقتسمانه بينهما ولا تكون وصيته الآخرة ناسخة للأولى خلاف قول أشهب في سماع زونان وقد مضى الكلام على ذلك هنالك.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال أوصيت لأبي محمد بما ولدت جاريتي هذه أبدا
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل عمن قال: قد أوصيت لأبي محمد بما ولدت جاريتي هذه أبدا.
قال: إن كانت يوم أوصى حاملا فهو له، قيل له: فإن لم تكن حاملا يوم أوصى قال: فلا شيء له.
قلت: فإن حدث بها حمل بعد، قال: فلا شيء له لأنها صارت، أو قال: تصير لقوم آخرين، قلت: أفيبيع الجارية سيدها؟ قال: نعم يبيعها إن شاء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه أوصى له بما ولدت جاريته ثم مات، ولذلك قال: إن كانت حاملا يوم أوصى له فهو له، وإن حدث بها حمل بعد فلا شيء له، وأما إن لم يمت حتى ولدت أولادا فله كل ما ولدت في حياته، كانت حاملا يوم أوصى، أو لم تكن إلا أن يبيعهم أو يرجع عن وصيته فيهم؛ لأنه إذا جاز للرجل أن يهب للرجل ما تلد جاريته حياتها.
جاز أن يوصي بذلك، فيكون للموصي له ما ولدت في حياة الموصي، فإن مات وهي حامل فحملها الثلث، وقفت حتى تضع فيأخذ الموصى له بالجنيين الجنين، ثم يتقاومون الأم والجنين ولا يفرق بينهما، ولم يجز للورثة أن يعطوا الموصى له شيئا على أن يترك وصيته في الجنيين، قال
ذلك في المدونة وغيرها، وإن لم يحملها الثلث، فأحب الورثة أن يوقفوها له حتى تضع، فذلك لهم، وإن كرهوا لم يكن ذلك عليهم، وسقطت الوصية لأنها وصية فيها ضعف قال ذلك ابن حبيب في الواضحة واختلف إن أعتق الورثة الأمة والثلث يحملها، فقيل: يعتقها في بطنها بعتقها، وتبطل الوصية به، وهو الذي في المدونة وقيل: إنه لا عتق لهم فيها حتى تضع، وهو قول أصبغ في الواضحة وأما إن كان الثلث لا يحملها، فعتقهم فيها جائز.
وبالله التوفيق.
: اليتيم إذا أنس منه الرشد أتدفع إليه وصية ماله بغير إذن الإمام
ومن كتاب الكراء والأقضية قال أصبغ: وسمعته يقول في اليتيم إذا أنس منه الرشد أتدفع إليه وصية ماله بغير إذن الإمام؟ قال: إذا كان أمر قد تبين للناس فنعم، ولا ضمان عليه، وإلا فلا إلا بأمر الإمام.
فإن تعدى ذلك فهو ضامن إذا كان يشك في أمره.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم سلعة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.
: قال ثلثي لفلان وفلان ثم قال بعد ذلك ولفلان مائة
ومن كتاب الوصايا للصغير مسألة قال أصبغ: قال ابن القاسم: من قال: ثلثي لفلان وفلان ثم قال بعد ذلك: ولفلان مائة، أو أعطوا فلانا مائة لأحد الثلاثة، ضرب له بالأكثر المائة التي كانت التي سمى أو مبلغ ثلث الثلث يحاص بأكثرهما فقط؛ لأنهما وصيتان أي بمال، قال أصبغ: فيها شيء، ولها تفسير.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يحاص الذي أوصى له بالمائة بالأكثر منها أو من ثلث الثلث، صحيح على المشهور في المذهب، من أن من أوصى له بوصيتين من جنس واحد، يكون له الأكثر من الوصيتين، والتفسير الذي لها عند أصبغ، هو ما روي عنه من أنه إذا أوصى له بمائة دينار، ثم أوصى له بثلثه في وصية أخرى، فإن كان ماله كله عينا ضرب بأكثر الوصيتين، وإن كان عينا وعرضا ضرب له بثلث العروض، ونظر إلى ثلث العين، فإن كان أقل من مائة أو أكثر، ضرب له بالأكثر، وإن كان ماله عرضا كله، ضرب بالثلث وبالمائة، وإن لم يكن معه أهل الوصايا، فإنما له الثلث، إلا أن يجيز له الورثة الوصيتين جميعا والظاهر من مذهب ابن القاسم أن له الأكثر من الوصيتين، وأنه يحاص بذلك إن كان معه أهل الوصايا سواء كان ماله عينا أو عرضا أو عينا وعرضا.
وقد حمل سحنون قول أصبغ على التفسير لقول ابن القاسم، فقال: معناه: إذا كان مال الميت كله عينا، واختلف في ذلك قول أشهب، فقال مرة مثل قول أصبغ وسحنون، وقال مرة: إذا أوصى له بالثلث وبمائة أو عبد ضرب بالوصيتين جميعا فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يحاص الأكثر من الوصيتين، كان ماله عينا أو عرضا وكانت الوصية له بعين أو عرض، وهو ظاهر قول ابن القاسم.
والثاني: إنه يحاص بالأكثر من الوصيتين جميعا من غير تفصيل، وهو أحد قول أشهب.
والثالث: التفصيل الذي لأصبغ وسحنون، وبالله التوفيق.
مسألة: يوصي لرجل بربطة ثم يقطعها قبل أن يموت قميصا
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن الذي يوصي لرجل بربطة ثم يقطعها قبل أن يموت قميصا قال: لا أرى له شيئا.
وسئل عن الذي يوصي لرجل بجارية فيطؤها، فقال: إن الوصية له ثابتة إذا أقرها وليس الجارية، ووطؤها من هذا.
وأخبرت عن ابن القاسم في السفينة يوصي بها لرجل فينقضها كلها لا
شيء له؛ لأنها قد حالت.
وفي الذي يوصي لرجل ببقعة فيبنيها، إنهم شركاء على قيمة العرصة والبنيان، سمعتها منه.
قال أصبغ: وهذا كله رأيي وقولي وإنما نقض السفينة بمنزلة تقطيع الربطة فهو رجوع، وإنما وطء الجارية بمنزلة لباس الثوب وبمنزلة خدمتها، فليس ذلك رجوعا في الوصية، وكذلك سكنى الدار وإنما الرجوع بالبيع والإحداث وشبهه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن الوصية بالجارية لا تبطل بوطئها ولا باستخدامها، ولا في أن الوصية بالدار لا تبطل بسكناها.
وأما الذي يوصي بالربطة ثم يقطعها قميصا، فقيل: إن الوصية تبطل بذلك، وقيل: إنها لا تبطل، وقيل: إنها تبطل إن سماها ربطة ولا تبطل إن سماها حين أوصى بها ثوبا وشبهها، كما قال في السفينة يوصي بها ثم ينقضها فتبطل الوصية بذلك فيها، على قياس قوله في الربطة يوصي بها ثم يقطعها قميصا.
وقد مضى تحصيل الاختلاف في الذي يوصي بالبقعة لرجل ثم يبنيها أو بالدار ثم يهدمها في نوازل سحنون، فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجل بألف درهم على مكاتبه
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل أوصى لرجل بألف درهم على مكاتبه فقال الورثة للموصى له: نحن نعطيك الألف، وتكون جميع الكتابة والعبد لنا فأبى ذلك وقال: يكون لي في العبد والكتابة لعله يعجز، قال: ليس ذلك له، وذلك للورثة إذا دفعوا إليه الألف؛ لأنه يأخذ ما سمى له الألف درهم فليس له غير ذلك.
قال محمد بن رشد: لم يفرق في هذه الرواية بين أن تكون الألف قد حلت على المكاتب أو لم تحل عليه، بل الظاهر منها أنها لم تحل عليه فهي إذا حلت أحرى أن لا يكون للموصى له في ذلك قول ولا حجة، فذلك خلاف ما في رسم الوصايا من سماع أصبغ من كتاب المكاتب في الذي يوصي بنجم من نجوم مكاتبه، فيقول الورثة: نحن ندفع إليك النجم، ويقول الموصى له: لا أرضى بذلك لعله أن يعجز فيكون لي فيه حق، فقال: إن كان النجم لم يحل فذلك له، وإن كان قد حل، فذلك لهم، وهو أظهر من قوله في هذه الرواية؛ لأن الموصى له ينزل بالوصية فيها على المكاتب بمنزلة المشتري، ولا اختلاف في أن المشتري لجزء من كتابة المكاتب، أو لنجم غير معين من نجومه، على القول بجواز ذلك، لا يكون للشريك أن يدفع للمشتري ماله على المكاتب، ويتبع بذلك المكاتب، فيكون أحق برقبته إن عجز.
والوجه في هذه الرواية أن الموصي إنما قصد إلى الوصية بالألف بالرقبة إن عجز، فإذا أعطى الورثة الموصى له ماله على المكاتب، وعجلوا ذلك له لم تكن له حجة، فعلى هذه الرواية لو لم يعجل الورثة له بالألف فعجز لم يكن للموصى له بها حق في رقبة المكاتب.
وهذا على القول بأن لموهوب كتابة المكاتب لا تكون رقبته إن عجز، وهو أحد قولي ابن القاسم في روايتي أبي زيد عنه في كتاب المكاتب، إذ لا فرق بين الوصية والهبة في هذا.
وقد قيل: إن معنى هذه الرواية أن الألف كانت حالة على المكاتب، فليست بخلاف لما في سماع أصبغ من كتاب المكاتب، ولو دفع إليه الورثة الألف قبل أن يعجز على القول بأن رقبته كانت تكون له لو عجز، فعجز المكاتب فيها قبل أن يدفعها إليهم أو فيها بقي من الكتابة بعد أن دفع الألف إليهم، كانت رقبته لهم ولم يكن للموصى له أن يرد الألف إليهم ويشاركهم في الرقبة كما يكون للموصى لهم بالكتابة إذا قبض بعضهم ما أوصى له به منها إن عجز في حظ الباقيين منهم؛ لأن الموصى لهم إذا انفردوا بالكتابة في ذلك بمنزلة الورثة قيل: إنهم بمنزلتهم إذا قبض أحدهم حقه بشيء يبدأ صاحبه في
أنه ليس له الدخول معه في الرقبة إذا عجز في نصيبه، إلا أن يرد ما قبض وقيل: إنهم بمنزلتهم إذا قبض أحدهم حقه دون أن يبديه صاحبه به، في أن له الدخول معه في الرقبة إذا عجز في نصيبه من غير أن يبديه ما قبض وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله في رسم الوصايا من سماع أصبغ من كتاب المكاتب وبالله التوفيق.
مسألة: إقرار الرجل لوارثه في الصحة بدين
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يموت فيترك عمه ولا وارث له غيره وغير أمه، فيطالب العم مورثه، فتقوم الأم بدين كان أقر لها به في الصحة، فقال: لا كلام للعم.
قلت: أرأيت إن طلب منها اليمين، إن ذلك كان توليجا؟ قال أصبغ: أما في الحكم فلا يلزمها.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب، أن إقرار الرجل لوارثه في الصحة بدين جائز وإن لم يقم به إلا بعد موته.
وقال ابن كنانة: يجوز إقراره له في حياته، ولا يجوز بعد وفاته، إلا أن يعرف لذلك سبب، مثل أن يكون باع له رأسا وأخذ له من موروث شيئا.
وقال بمثل قوله المخزومي وابن أبي حازم، ومحمد بن سلمة الفدكي، وقول أصبغ في اليمين: إنه لا يلزمها في الحكم، يريد من أجل أنها يمين تهمة.
فقوله على القول بسقوط يمين التهمة، على قياس المشهور في المذهب من أن الإقرار عامل جائز نافذ، وإن لم يقم به إلا بعد الموت والأظهر في هذه المسألة لحوق اليمين، مراعاة لقول من لم يعمل الإقرار بعد الموت.
وبالله التوفيق.
: يوصي فيقول غلامي مرزوق لمحمد ولسعيد مثله
مسائل نوازل سئل عنها أصبغ بن الفرج وسئل أصبغ عن الرجل يوصي فيقول: غلامي مرزوق لمحمد، ولسعيد مثله.
قال: يعطي مرزوقا محمدا ويشتري لسعيد مثله في قيمته ونحوه فيعطاه.
قلت: له فلو قال: عبدي مرزوق لمحمد، ولسعيد مثله.
قال: هذا خلاف الأول وأراه بينهما بنصفين؛ لأنه حين قال في مسألتك الأولى: ولسعيد مثله، فقد أخرج سعيدا من العبد، وجعل له مثله آخر وأما قوله: عبدي مرزوق لمحمد ولسعيد مثله، فكأنه قال: وسعيد مثله، يعني مثل محمد في الوصية، فكأن العبد بينهما.
قلت: وكذلك لو قال: هذه المائة دينار لمحمد ولسعيد مثله، فكأنه قال وسعيد مثله، قال: هي بينهما نصفين إذا كانت المائة بعينها قلت: فإن قال: هذه المائة لمحمد، ولسعيد مثله جعلت له مائة أخرى فيعطى كل واحد منهما مائة، قال: نعم على قياس ثمن العبد.
قال محمد بن رشد: تفرقته بين أن يقول: وسعيد مثله، أو ولسعيد مثله في الذي أوصى بعبده أو بمائة لمحمد، إذا كانت المائة بعينها يريد أنها إذا لم تكن بعينها فسواء قال: وسعيد مثله، أو قال: ولسعيد مثله، يعطى كل واحد منهما مائة مائة، تفرقة صحيحة بينة؛ لأنه إذا قال: وسعيد مثله، فقد أنزله بمنزلتهم في أن أوصى له بالذي أوصى له به فوجب أن يشتركا فيه إذا كان شيئا بعينه، وأن يكون له مثله إذا لم يكن شيئا بعينه، وإذا قال: ولسعيد مثله، فقد أوصى له بمثل الذي أوصى له به فوجب أن يكون له مثل ما أوصى له به، كان الذي أوصى له شيئا بعينه أو لم يكن.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال في وصيته لمحمد مرزوق أو ميمون
مسألة قلت: فلو قال: لمحمد مرزوق أو ميمون قال: أرى الورثة مخيرين في دفع أيهم أحبوا.
قلت: فإن اختاروا حبسا رفعهما ثمنا ودفعوا إليه أدناهما جاز ذلك لهم، قال: نعم، كما لو قال: لفلان مائة دينار أو بيت كذا وكذا أو دابة كذا وكذا، كان الورثة بالخيار في دفع ما شاء وأمنهما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال وفي اللسان مواضع منها الشك والإبهام والتخيير والجمع، بمعنى الواو، فإذا لم يصح أن يحمل في هذا الموضع على الشك ولا على الإبهام، كما لا يصح حملها فيه على سائر مواضعها سوى التخيير والجمع، فلم يصح أن تحمل على الجمع دون التخيير لوجهين: أحدهما: أن التخيير فيها أظهر، فلا يصح أن تحمل على الجمع، إلا في موضع لا يصح فيه التخيير.
والثاني أن الوصايا لا تكون بالشك، فهي محمولة على الأقل حتى يعرف الأكثر.
ولما لم يصح أيضا لهذا المعنى أن يحمل على تخيير الموصى له، وجب أن يحمل على تخيير الورثة كما قال.
وكذلك لو أوصى أن يعتق عنه فلان وفلان، لكان الورثة مخيرين في عتق من شاءوا منهما بخلاف قوله: أحد عبدي هذين حر، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الموصي لفلان مائة ولفلان مثله
مسألة قلت: فإن قال الموصي: لفلان مائة ولفلان مثله.
قال: أرى لكل واحد منهما مائة.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في أول النوازل، فلا معنى لإعادته.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى فقال ثوب من ثيابي لفلان وصية ثم مات
مسألة وسئل عن رجل أوصى فقال: ثوب من ثيابي لفلان وصية، ثم مات قال: يحسب عدد ما ترك من الثياب، فإن كان ترك عشرة، قومت كلها، فأعطى الموصى له عشر قيمة الثياب بالسهم، فإن صار له ثوب فيه بعشر القيمة فذلك له، وإن صار له ثوب تكون قيمته أكثر من عشر القيمة، لم يكن له، وصار له فيه مبلغ عشر قيمة جميع الثياب، وإن كان الذي صار له لا يبلغ قيمة العشرة، أخذه وضرب له أيضا فيما بقي حتى يستوفي عشر قيمة الثياب، فربما صار له ثوب واحد، وربما صار له ثوب ونصف وأقل، وربما ثوبان فأكثر، وربما صار له أقل من ثوب، وإنما لك بمنزلة من قال: رأس من رقيقي حر وله عشرة، العمل فيها واحد.
قلت: وهل يدخل في عدد الثياب السراويلات والعمائم، ونحو ذلك؟ قال: لا يدخل في عددها إلا الثياب الكبار: الأردية والأقمصة والسيجان، والأكسية، وكل ثوب كبير.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، وتنظيره فيها للثياب بالعبيد في وجه العمل فيها بالقرعة صحيح، لا اختلاف فيه ولا إشكال، وإنما قال: إنه لا يحسب فيها إلا الثياب الكبار؛ لأن ذلك معلوم من وجه ما أوصى به، إذ قد علم أنه لم يرد الميزر ولا السراويلات، ولا الفضلات من الثياب التي لا خطر لها ولا بال لقيمتها.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال في وصيته عبدي يزيد لفلان وله يزيدان فمات ولم يبين
مسألة قلت: فلو قال في وصيته: عبدي يزيد لفلان، وله يزيدان، فمات ولم يبين قال: يقومان، ثم يكون له فيهما نصف قيمتهما يسهم بينهما فيعطى نصف قيمتهما، فربما صار له أحدهما وبعض الآخر، وربما صار له أحدهما يكمل له، وربما صار له أقل من واحد، وكذلك لو قال: عبدي لفلان وله عبدان لا يملك غيرهما.
قال: نعم، العمل فيهما واحد.
قال محمد بن رشد: هذه والمسألة التي قبلها سواء، فلا إشكال فيها ولا وجه للقول فيها.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لمكاتب ابنه بوصية
مسألة وسئل عمن أوصى لمكاتب ابنه بوصية لها بال، فقال: أرى الوصية له جائزة، وذلك أنه يصير إلى سيده، ولعله أن يعجز فيرق، فيكون قد رجع إليه العبد، وقد أخذ ما أوصى له به، فصارت وصيته لوارث، قال: إلا أن يكون لمكاتب له أموال مأمونة، لا يشك فيه أنه يقوى على أداء الكتابة، فيجوز ذلك، ولا يكون عليه تهمة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه وإن لم يكن له أن ينتزع مال مكاتبه في الحال، إذ قد أحرز ماله بالكتابة، فقد يعجز فيكون له انتزاعه.
فإذا كان ممن يؤمن عليه العجز جازت له الوصية ومثله لأشهب في المجموعة ولو أوصى لعبد وارثه بالشيء الكثير، وعلى العبد دين يستغرقه، أو يبقى منه ما لا يتهم فيه، فذلك جائز.
قال أشهب: وإن أوصى لعبد وارثه الذي لا يرثه غيره فذلك جائز، قل أو كثر، فإن أوصى مع ذلك لأجنبي،
تحاص مع العبد في الثلث إن ضاق بما وقع للعبد كان له، وأما إن كان معه ورثة، فينظر ما صار للعبد بحصاصه، فإن كان تافها فهو له، وإن كثر عاد ميراثا إن لم يجزه الورثة، وليس وصيته لعبد وارث لا يرثه غيره كوصية لسيده؛ لأن ذلك للعبد حتى ينتزع منه، فلذلك يحاص به، فأما إذا كثر صار وصية لوارث، وأما وصيته لرجل لمن يملك من عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد، أو من يملك بعضه، أو لمعتقه إلى أجل فذلك جائز، ويحاص به الأجنبي، وليس للورثة أن ينتزعوه منه عند ابن القاسم، ويبيعوه به إن باعوه.
وقال أشهب: يقر بيده حتى ينتفع ويستمتع ويطول زمان ذلك، ولا ينتزعوه إن باعوه أيضا قبل طول الزمان.
وقول أشهب استحسان؛ لأن القياس إما أن ينتزعوه مكانهم؛ لأنه مال لعبدهم، قد وجب له بالوصية أو لا يكون لهم انتزاعه أبدا؛ لأن الميت نزعه منهم.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لمدبر ابنه أو لأم ولده أو معتقه إلى أجل
مسألة قال أصبغ: ولو أوصى لمدبر ابنه أو لأم ولده أو معتقه إلى أجل، قال: لا تجوز الوصية لواحد من هؤلاء؛ لأن لسيدهم نزع أموالهم.
قيل: فإن كانت هذه الوصية في حال قد امتنعت أموالهم من ساداتهم، مثل أن يكون سيدهم مريضا أو يكون العتق إلى أجل قد تقارب أجل عتقه.
قال: أما للمدبر وأم الولد فلا تجوز الوصية لهما، وإن كان سيدهما مريضا؛ لأنه قد يصح فينتزع أموالهما، فهذه تهمة تسقط بها الوصية، فإذا سقطت بالتهمة لم ترجع.
قلت: أفلا يوقفها؟ فإن مات السيد نفذت، وإن صح ردت.
قال: لا، قد أخبرتك أن الوصايا لا توقف، وإنما تمضي أو ترد إذا أبهمت، إلا أن يكون سيد المدبر وأم الولد في السياق والحال الميئوس منه فيها التي لا يرجى له فيها حياة، فإن الوصية
لهما إذا كانت هذه الحال هكذا.
وأما المعتق إلى أجل فلا تجوز له الوصية أيضا، وإن كان أجل عتقه قد تقارب، إلا أن يكون لم يبق من أجله الذي يعتق إليه إلا بقدر الثلاثة الأيام والخمسة، ونحوها مما يقل جدا فأرى الوصية جائزة.
قلت: أرأيت إن افتقر سيد أم الولد والمدبر، والمعتق إلى أجل قرب الأجل أو في مرض السيد الذي يمتنع منه فيه أخذ مال المدبر وأم الولد، فاحتاج سيدهم في هذا الحين، ولا مال له غيرهم، ولهم أموال، أترى أن ينفق عليهم من أموالهم؟ أو لا ترى أن يؤخذ لهم من أموالهم نفقة، ويكونون من فقراء المسلمين؟ فقال: بل أرى لهم في أموالهم نفقة حتى يموت أو يعتق المعتق إلى أجل، إذا لم يكن له مال ينفق منه على نفسه، ولا يترك بموت، وللعبد أموال ومتاع، ومنع سيدهم أخذ أموالهم في هذه الحال ليس بالقوي، ولم يأت فيه أثر ولا سنة وإنما ذلك استحسان من أهل العلم، فإذا بلغ منه الحاجة، ولم يكن له مال ينفق منه رأيت أن ينفق عليهم من أموالهم حتى يموت أو ينقضي أجل المعتق، فهو أيضا مما يوهن مسألتك في الوصية ويضعفها، وتنزل به التهمة.
قال محمد بن رشد: أما وصيته لعبد ابنه أو لأم ولده في مرض الابن، فقوله: إن الوصية له في هذه الحال لا تجوز بين، إذ قد يصح من مرضه، فيكون له انتزاع ذلك، وأما قوله في أن وصيته لعبد ابنه المعتق إلى أجل لا تجوز إلا أن يقرب الأجل جدا مثل الثلاثة الأيام والخمسة ونحوها فهو استحسان، والقياس على المذهب أنه إذا لم يبق من الأجل إلا ما لا يجوز فيه انتزاع ماله أن تجوز الوصية له، وإذا لم يبق من الأجل إلا نحو الشهر فليس له أن ينتزع ماله.
قاله في كتاب ابن المواز ومثله في مختصر ابن عبد الحكم
وهو يحمل على التفسير لما في المدونة لأنه قال فيها: إن السنة ليست بقليل، وله أن ينتزع ماله، وإن لم يبق من أجله إلا السنة، فإن جعل العلة في ذلك أنه قد يحتاج فينفق عليه من ماله في هذا الحد، وإن كان لا يجوز له فيه انتزاع ماله، ومراعاة لقول من يقول: إن مال العبد لسيده، وإن العبد لا يملك، فيجب أن تجوز الوصية له إذا كان الابن وافر الحال، كثير المال، لا يخشى عليه العدم في هذه الحال؛ لأن التهمة في ذلك تكون مرتفعة على ما قاله فوق هذا في الذي يوصي المكاتب ابنه إن الوصية له جائزة إذا كانت له أموال مأمونة، يؤمن عليه العجز معها وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى أن يعطى فلان مولاي أو فلان وفلان مولاي خمسة دنانير
مسألة وسئل أصبغ عن رجل أوصى، وفيما أوصى أن يعطى فلان مولاي أو فلان وفلان مولاي خمسة دنانير، أو خمسة لكل واحد وله عبيد هؤلاء الذين سمى منهم، أو ليس له غيرهم، أيكونون بشهادة الوصية أحرارا ويجريهم مجرى الأحرار؟ أم هم رقيق؟ قال: أرى إن أشكل أمرهم إذا كان الأمر فيهم مشكلا لا يدري أهم يوم أوصى عبيد؟ أم أعتقهم قبل ذلك؟ وأشكل منهم تقادم ذلك وطوله، لا يدرى العلة قد كان قبل ذلك زمان، فبقي العبيد عنده على حالهم في خدمته وفي يديه، فأرى إذا كانوا بهذه الصفة والمنزلة، وكان مع ذلك سماع فاش قد تقادم وعتق يرى كان منه إليهم، أو يمين بعتقهم، لا يدري أبر فيهم أو حنث؟ فأراهم موالي، إذ هو كان أعلم حين سماهم موالي، وأوصى لهم كما يوصى للموالي المعروفة بولايتهم، فأراهم أحرارا، لا غرض فيهم لأحد برق ولا إبطال، فقد يعتق الرجل عبده في موطن من مواطن البر، ولا يشهد له، ويكون معه كما كان، لا يرى ولا يخاف غير ذلك، ويكون معه زمانا
على ذلك، لا يرى أنه يدفع فيه بشيء ولا يدافع، ويكون مكثه في يديه مكث النفقة عليه.
وهذا من عتق النساء الضعفاء عن الوثائق لمن أعتقن والأمر عنده كثير، فإن لهذه الوصية على هذه الصفة والأسباب حرمة والإقرار بأنه لا شيء له فيهم إلا الولاء وأراه تحايدا عما ليس له ولا يشبه عندي الذي يقول: قد كنت أعتقه؛ لأن التهمة له في هذا بأنه أراد إخراجه من رأس المال واضحة واقعة قوية، والتهمة بذلك في الأول خارجة منه ضعيفة والله أعلم.
فأراهم موالي وأراهم أحرارا، لا رق فيهم يوم الوصية، وأرى هذا لهم هكذا أبدا حتى يقوم بينة قاطعة بأنهم يوم أوصى، لا شبهة في ملكهم ولا رقهم ممن يعرف دخلة الرجل الميت وأمره، أو يكون كان ملكه لهم قريبا جدا من وصية ملكه مشهور، معروف، باشتراء أو هبة أو صدقة أو ميراث قريب، لا يمكن فيه الشبهة، وإن لم يدخله مع الشهادة أنه يملكهم يوم الوصية عبيد فهذا الذي يكون عليهم فيه إقامة البينة بالحرية، لا على الورثة وفي الأمر الأول البينة على الورثة لا عليهم.
قال أصبغ: فإن أقر العبيد الذين أوصى أن لموالي فلان وفلان كذا وكذا بأنهم عبيد له، لا حرية فيهما إلى يوم أوصى.
قال: أرى إن كانوا فصحا طلوقا عارفين بالأمور، لا يسقط عن مثلهم الحج، ولا أمور سيدهم في حياته، ولا القيام عليه لو حيوا فيه ومنه وعليه، ولا كشفهم والأخوف منهم من تجبره وسلطانه إن كان ذا سلطان وسطوته بعد إنكاره، فأقروا بالعبودية خالصة لا يدعون شيئا متقادما ولا غيره، ولا يدعون إلا ما يرون إن هذه الوصية عتقا
مستأنفا منه في وصيته لهم فقط، فإقرارهم لازم لهم، ولا حرية عليهم على خال في ثلث ولا غيره، وأرى لهم الوصية بالمال ثابتة على كل حال، كما يوصي الرجل لعبيده.
وقد يقول الرجل لعبيده: هؤلاء موالي على لفظ الجهالة والخطأ، فإذا صدقوا ذلك وحققوه بإقرارهم بالعبودية، رأيته لهم لازما، وكانوا عبيدا.
قال أصبغ: وإن كان العبيد على غير ذلك من الاستحقاق والمعرفة التي وصفتها كلها، فلا أرى إقرارهم بالعبودية ضارا لهم ولا مقبولا منهم وأراهم أحرارا إذا كانت حالاتهم الحال التي لو لم يقروا لجعلوا أحرارا أو موالي على التفسير الذي فسرنا إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قد بين أصبغ ما ذهب إليه في هذه المسألة، وطول القول فيه، حرصا على التناهي في البيان وذلك يرجع إلى أنه إن كان طال مكثهم في يديه حتى أشبه من أجل ذلك أن يكون قد كان أعتقهم، فبقوا عنده في نفقته وخدمته على ما كانوا عليه قبل عتقه إياهم، وعلمت وصيته لهم على أنهم مواليه، فكانوا بذلك أحرارا، وإن كانوا مقربين له بالعبودية، إذا احتمل أن يكونوا أقروا بذلك على جهل أو خوف إلا أن يثبت الورثة أنهم عبيد، وإن لم يطل مكثهم في يديه حتى لم تدخل عليهم الشبهة في عتقهم قبل هذه الوصية، فهم عبيد، إلا أن يثبتوا حريتهم قبلها وهم في حال الجهل بأمرهم على ما أوصى لهم به من أنهم مواليه.
فهذا بيان قوله وتلخيصه وبالله التوفيق.
: ادعى في البيع ما يجوز وادعى صاحبه ما لا يجوز
نوازل عيسى بن دينار وسئل عيسى عن رجل قال عند موته: إني قومت جارية ابنتي فلانة على فلان بألف درهم، وجعلت فضلها بينهما، وقد بعث
إلي بالألف من العدوة، قلت هذا وقدم الرجل، فقال: إنما باعنيها بيع بت، وقد بعثت إليه بالثمن، قال: القول قول الميت، وعلى هذا نصف الفضل.
قلت له: لم قال: لأن الميت يقول: إنما بعته نصفها، وأبضعت معه النصف فنصف الفضل في هذا القول له، فقيل له: لو قال هذا كان القول قوله، ولكنه إنما قال: قومتها عليه كلها وجعلت فضلها بينهما، وهذا لا يجوز، فمن ادعى في البيع ما يجوز، وادعى صاحبه ما لا يجوز، فالقول قول مدعي الحلال منهما.
قال عيسى: إنما معناه عندي كما قلت أولا: إنه باع النصف، وأبضع النصف فالقول قوله على ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: قومتها عليه معناه أشركته فيها، بأن بعت منه نصفها بألف ليبيعها هو بألف، فيكون له نصف الفضل إن باعها بربح كما قال لا كما قال السائل: من أن الميت ادعى حراما، فالاختلاف بينهما إنما هو فيما اشترى بالألف فهو يقول: اشتريت بها جميع الجارية، والميت يقول: إنما بعت منه بالألف التي قبضت نصف الجارية، ولا اختلاف في المتمون إذا قبض الثلث، كالاختلاف في الثمن إذا قبض المتمون، فقوله: إن القول قول الميت يأتي على القول بأن النقد المقبوض فوت يوجب أن يكون القول قول البائع في أنه لم يبع منه بالألف التي قبض إلا نصف الجارية على قياس رواية ابن وهب عن مالك، في أن قبض السلعة فوت إذا اختلف في ثمنها، وإنما ينبغي أن يكون القول قوله إذا أشبه أن يباع نصف الجارية بألف، وهذا هو معنى ما تكلم عليه، إذ لا اختلاف في أن المتداعين، لا يكون القول قول المدعى عليه منهما إلا إذا أتى بما يشبه.
وقوله: القول قول الميت، معناه: أنه لا يصدق المشتري فيما ادعاه من أنه اشترى بالألف التي دفع جميع الجارية؛ لأن اليمين إنما كانت للميت إذا كان يشبه قوله على ما ذكرناه فقد سقطت عنه بموته، ولو لم يشبه قوله وأشبه قول
المشتري لوجب أن يكون القول قوله مع يمينه أنه اشترى بالألف جميع الجارية ويجب في هذه المسألة على قياس القول بأن النقد المقبوض لا يكون فوتا أن يحلف المشتري ويفسخ البيع؛ لأن الميت قد سقطت عنه اليمين بموته، وبالله التوفيق.
مسألة: الوصي يشتري لليتامى منزلا بأموالهم ثم يموت
مسألة وسئل عن الوصي يشتري لليتامى منزلا بأموالهم، ثم يموت، فيقول ذكور اليتامى: نقسم المنزل، للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك اشترى لنا ويقول الإناث: بل للذكر مثل حظ الأنثى ولا يدري كم اشترى لهم؟ قال: إن كان اشترى لهم من عرض أموالهم، فذلك بينهم، للذكر مثل حظ الأنثى، وإن كان اشترى لهم من جميع المال، فذلك بينهم، لذكر مثل حظ الأنثيين كما كانت أموالهم قبله فإن كان الوصي حيا وقد اشترى لهم من عرض أموالهم وليس بجميعها فقبل الأيتام ثم اختلفوا أيقبل قول الوصي بينهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى المنزل لهم بجميع المال، فلا إشكال ولا احتمال، في أنه يكون بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما إذا اشتراه لهم من جملة المال لا بجميعه، ففي قوله: إنه يكون بينهم للذكر مثل حظ الأنثى نظر؛ لأن المال الذي اشتراه به ليس للإناث منه إلا ثلثه، فالظاهر أن لا يكون للإناث منه إلا الثلث.
ولا يحمل على الوصي أنه تسلف للإناث من حظوظ الذكور، ألا ترى إن كان جميع المال ستمائة، فاشترى المنزل بثلاثمائة؟ يرجع الذكور في الثلاثمائة الباقية بالخمسين التي زادها من حظوظهم للإناث في المنزل، فيكون لهم منها مائتان وخمسون.
وقد ذكر ابن زرب أن في المسألة خمسة أقوال على قياس ما قاله محمد بن حارث من
الاختلاف فيمن أوصى بمال لحمل، فولدت المرأة توأمين: ذكرا وأنثى أحدها إن المنزل يقسم بينهما إن كانا ابنا وابنة بنصفين.
والثاني إنه يكون بينهما بحسب الميراث على الثلث والثلثين.
والثالث إنه يقسم بينهما على سبعة أسهم، للأنثى ثلاثة، وللذكر أربعة وذلك أن أقصى ما يمكن أن يكون للذكر الثلثان، وأقصى ما يمكن أن يكون للأنثى النصف.
والرابع أنه يقسم بينهما على خمسة أسهم، للذكر ثلاثة وللأنثى اثنان، وهو أقل ما يمكن أن يكون لكل واحد منهما والخامس أن يكون للذكر ثلاثة من ستة، وللأنثى اثنان من ستة، ويقتسمان الجزء السادس بنصفين على سبيل التداعي إن ادعيا العلم أو ظن أن أحدهما يعلم، واستحسن هذا القول وهذا الاختلاف إنما يصح إذا جهل كيف كان الشراء ولم يتداعيا في ذلك على التحقيق؟ وأما إن قال الذكر: الثلثان لي، والثلث لك، وعلى ذلك وقع الشراء بإفصاح وبيان.
وقالت الأنثى: النصف لي والنصف لك، وعلى ذلك وقع ذلك الشراء بإفصاح وبيان، فلا يصح في ذلك إلا قولان: أحدهما إنه يقسم بينهما على حساب عول عدل الفرائض أسباعا بعد إيمانهما لمدعي الثلثين أربعة أسهم، ولمدعي النصف ثلاثة أسهم، وهو المشهور من قول مالك، والثاني إنه يكون للذكر ثلاثة من ستة، إذ لا تنازعه الابنة في النصف، وللأنثى اثنان من ستة، إذ لا ينازعها الابن في أن لها الثلث، ويقتسمان الجزء السادس بينهما بنصفين لتداعيهما فيه، بعد أيمانهما أيضا، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بثلث ماله في سبيل الله إلا العراص
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد بن أبي الغمر: أخبرنا ابن القاسم قال: سئل مالك
عن رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله إلا العراص، وفي العراص خشب وطوب ملقى كان أراد أن يبني تلك العراص بها، أترى أن يباع الطوب والخشب والقصب، فتعجل في السبيل؟ أم تراها مع العراص؟ قال: إن كان ذلك النقض شيئا نقضه من العراص فلا يباع منه شيء، وإن كان إنما جاء به ليبني بها، فهي تباع، ويخرج ثلثها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه كان نقض ذلك من العراص، فلا يدخل في الوصية لأنها من العراص التي استثنى يوم أوصى، وإن كان لم ينقضها منها فهي داخلة في الوصية، إذ ليست مما استثنى.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بعتق عبده وما بقي من ثلثه فلفلان
مسألة وعن رجل أوصى بعتق عبده، وما بقي من ثلثه فلفلان، فمات، فقامت بينة إن العبد كان حرا أعتقه سيده هذا في صحة منه، أو استحقه رجل، قال ابن القاسم: أرى أنه ليس له إلا ما بقي بعد قيمته، إنما هو رجل أوصى بأنه غلام له، أو نسي عتقه، فأوصى على وجه الملكية أو يكون تعمد ذلك، فلم يكن يريد بعطيته إلا ما بقي بعد القيمة من ثلثه فليس له إلا ما بقي من ثلثه بعد القيمة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم نفذها من سماع عيسى، ومضت أيضا في رسم باع شاة منه.
فلا وجه لإعادة القول فيها.
مسألة: أوصى الرجل إلى أيتام المعافر وأراملهم مائة دينار
مسألة وقال: إذا أوصى الرجل إلى أيتام المعافر وأراملهم مائة دينار، قال: إن كان الموصي من المعافر، وكان ساكنا بالريف، إلا أنه إذا قدم الفسطاط نزل بالمعافر، فأرى المائة للأيتام والأرامل، الذين من المعافر، ومن كان من الأيتام والأرامل، من سكان المعافر إلا أنهم ليسوا من المعافر، فلا شيء لهم، ويؤثر الأحوج فالأحوج، وإن كان الموصي ليس من أهل المعافر، كان بها مسكنه أو لم يكن، غير أنه ليس بمعافري فكل من سكن المعافر من أيتامهم وأراملهم كانوا معافرين، أو من قبائل غير المعافرين، فيعطون ويؤثر الأحوج فالأحوج.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الموصي إن كان معافريا علم أنه إنما أراد بوصيته أيتام قبيلته، وأراملهم، فتكون لهم الوصية، كانوا من سكان المعافر، أو لم يكونوا من سكانها، وإن لم يكن معافريا علم أنه إنما أراد بوصيته أيتام سكان المعافر وأراملهم كانوا معافرين، أو لم يكونوا معافرين وبالله التوفيق.
مسألة: يقول عند الموت إن عبدي هذا لم يكن إلا حرا وما اشتريته قط
مسألة وقال في الرجل يقول عند الموت: إن عبدي هذا لم يكن إلا حرا وما اشتريته قط، وإنما كان أجيرا عندي قال: إن ورث كلالة لم يقبل قوله، وإن كان ورثه ابنه جاز قوله.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والكلام عليها في رسم العرية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.
وسيأتي آخر هذا السماع في مسألة من هذا المعنى نتكلم عليها في موضعها إن شاء الله.
مسألة: أوصى وقال ميمون ومرزوق وجابر عبيدي لمحمد وجابر لعبد الرحمن
مسألة وقال في رجل أوصى وقال: ميمون ومرزوق وجابر عبيدي لمحمد، وجابر لعبد الرحمن.
قال: فميمون ومرزوق لمحمد، وجابر بين عبد الرحمن ومحمد وذلك إذا حمله كلهم الثلث، فإن كان لم يترك غيرهم، كان ثلث مرزوق وميمون لمحمد وكان ثلث جابر بين عبد الرحمن ومحمد.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على المشهور في المذهب المنصوص عليه في المدونة وغيرها من أن الرجل إذا أوصى لرجل بشيء بعينيه، ثم أوصى به لغيره، ولا تكون وصيته الآخرة ناسخة للأولى ويقتسمان جميعا ذلك الشيء بينهما.
وقد مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم مسألة حملها بعض الناس على أنها مخالفة لهذا الأصل، وليس ذلك بصحيح؛ لأنها محتملة للتأويل، حسبما ذكرناه فيها؛ لأن الخلاف في ذلك معلوم من قول مالك وغيره من أصحابه، وقد مضى ذكر ذلك في سماع عبد الملك بن الحسن فلا معنى لإعادته.
مسألة: قال في وصيته المائة التي عندي لفلان على حالها
مسألة وقال في رجل قال في وصيته: المائة التي عندي لفلان على حالها، فوجد في كتب الميت براءة بخمسين دينارا دفعها إلى غريمه ذلك قال: إن كان يعرف أصل الحق أنه مائة، فالبراءة تنفع لعل الرجل نسي وإن لم يكن يعرف أصل الحق، ثبتت له المائة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا لم يعرف أصل الحق لم تنتفع الورثة بالبراءة، لاحتمال أن يكون ما زاد على المائة التي أقر بها باقية عليه، وأما إذا عرف وجه الحق، فوجه قوله: إن البراءة تنفعه، هو ما ذكره من احتمال أن يكون نسي أنه قضاه الخمسين، ولذلك أقر له بجميع المائة، إذ لو صح من مرضه، فجاء بالبراءة وادعى أنه نسي ما قضاه، لوجب أن يصدق في ذلك مع يمينه، قياسا على ما قاله.
في الذي يصالح الرجل على بعض حقه، ثم يجد بينة، لم يعلم بها، أو ذكر حق قد كان كتبه عليه.
وقد مضى تحصيل القول في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم، من كتاب المديان والتفليس، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: وصى عند موته أن يعتق نصف مكاتبه
مسألة وعن رجل أوصى عند موته أن يعتق نصف مكاتبه، ويؤخر عنه النصف في ثلاث نجوم، نجم في كل سنة، فقال رجل من الورثة: أنا أضمن لكم هذه الثلاثة نجوم، نجم في كل سنة، وأعتقوا النصف الباقي، قال: لا خير في هذا.
قيل له: فإن فعلوا ذلك.
قال: فالعتق جائز إذا أعتقوا قيل له: أرأيت إن حلت السنة فلم يجدوا عند الذي ضمن لهم شيئا أترى أن يرجعوا على العبد بشيء؟ قال: لا.
قد ثبتت الحرية، ولكن يكون على الذي ضمن دينا يتبع به، ولا يرجع على العبد بشيء، قال: فلمن ولاؤه؟ قال: للذي أعتق أولا.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إن ذلك لا خير فيه؛ لأنه ضمان بثمن ضمن لهم الأنجم التي لهم على المكاتب، على أن عجلوا له العتق واحتالوا عليه أيضا بما كان لهم على المكاتب، إذا برأوا المكاتب مما كان لهم عليه وأعتقوه، ولا تجوز الحوالة بما لم يحل من الديون، فالمكروه في
ذلك بين، إلا أنه لا يمكن رده، إذ قد فات الأمر فيه بالعتق، فلزمه الضمان الذي ضمن، ولا يكون لهم على العبد رجوع إن أعدم الضامن عند الأجل، ويتبعوه مما التزم لهم من الضمان في ذمته، ويرجع هو بذلك عليه وبالله التوفيق.
مسألة: لا تجوز وصية لوارث
مسألة وسئل عن امرأة أوصت في مرضها...... فجعلته في خلخال، فإن مت فكفنوني بثمن الخلخالين، ولها أولاد، ثم إن الذين أوصت إليهم كفنوها بغير ثمن الخلخالين، فماذا ترى في الخلخالين؟ قال: أرى أن يقتسما على فرائض الله، ولو قالت: ادفعوه إلى ابني الذي وجده، لم يكن ذلك له؛ لأنها تتهم، وأنه لا تجوز وصية لوارث إلا أن يعلم هدف قولها ببينة، فيكون الخلخالان للذي وجده.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنها إذا أوصت أن تكفن بثمن الخلخالين، فلم يؤثر بذلك أحد بنيها على بعض وأرادت أن يكون ما بعد الخلخالين من مالها ميراثا بين جميع ورثتها، فوجب إذا لم ينفذ ورثتها وصيتها في الخلخالين، أن يكونا ميراثا بين جميعهم، كما لو لم توص بشيء ولو أوصت لابنها بالدينار لما جازت وصيتها له به إلا أن يعلم صدق قولها كما قال، وقد تقدم مثل ذلك قرب آخر الرسم الأول من سماع أصبغ وفي غير ما موضع إلا أن تصح من مرضها، فيلزمها الإقرار له.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى لرجلين أن يزوجا ابنته فزوجاها وأنكرت الجارية علمها بذلك
مسألة وقال في رجل أوصى لرجلين أن يزوجا ابنته من رجل سماه
لهما فزوجاها جميعا بعد موت الأب، ثم أنكرت الجارية أن تكون علمت أن أباها أوصى بذلك إليها أترى أن تقبل شهادتها؟ فقال: لا، ولكن لو شهدا عند القاضي قبل أن يزوجاها لجازت شهادتهما، وإن رضيت ما صنعا ولم تنكر ذلك عليهما رأيت النكاح جائزا.
قال محمد بن رشد: قوله: إن شهادتهما لا تجوز إذا زوجاها فلم ترض بين لا إشكال فيه ولا اختلاف؛ لأنهما أشهد أن يجيزا فعلهما وأما قوله: إنهما لو شهدا بذلك عند القاضي قبل أن يزوجاها لجازت شهادتهما، فهو خلاف نص ما في المدونة من أنه لا تجوز شهادة الموصى إليه، وإن كان طالب الحق غيره، ومن أنه لا تجوز شهادة الرجل بأن الميت أوصى إلى أبيه، وإذا لم تجز شهادته أنه أوصى إلى أبيه، فأحرى أن لا تجوز شهادته إذا أوصى إليه.
فقوله في هذه الرواية، مثل ما يدل عليه قوله في المدونة الذي يشهد أن الميت أوصى لقوم بوصايا، وأوصى للشاهد.
قال ابن القاسم: فسمعت مالكا يقول: إن كان الذي شهد به لنفسه يسيرا تافها لا يتهم عليه، فشهادته جائزة.
فأجاز شهادته إن كان الذي أوصي له به يسيرا مع أنه أوصى إليه في تنفيذ جميع وصاياه، وأما قوله: وإن رضيت ما صنعا ولم ينكر ذلك عليها رأيت النكاح جائزا فهو الذي يدل عليه قوله في أول المسألة ثم أنكرت الجارية؛ لأن فيه دليلا على جوازه لو لم تنكر، ومعنى ذلك عندي: إذا كان الرجلان اللذان زوجاها وادعيا التقديم على ذلك من الأب، وليس من أوليائها وأما إن كان أجنبيين فلا يجوز النكاح، وإن أجازته؛ لأنه عقده غير ولي.
وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى في مرضه فقال عبدي فلان يخدم فلانا الأجنبي سنة ثم هو حر
مسألة وسئل عن رجل أوصى في مرضه فقال: عبدي فلان يخدم فلانا الأجنبي سنة، ثم هو حر، وعبدي فلان الآخر حر بعد سنة،