البيان والتحصيلصفحات 234-274
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 234-274
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فقال ابن دينار في المدنية إن كل شيء لا يصل إلى السرقة إلا به فكسره أو هدمه فسرق لم أر عليه ضمانا لما فعل إذا قطعت يده، فإن أدرك قبل أن يسرق أو يموت قبل أن يسرق رأيت عليه الضمان، وقال فيها ابن القاسم هو ضامن لما كسر أو هدم أو أفسد قطع أو لم يقطع، وإنما ذلك بمنزلة ما لو دخل بيت رجل فأفسد شيئا وخرج بشيء آخر فهو يقطع فيما خرج به ولا يكون عليه غرمه إلا أن يكون موسرا، وما أفسد مما لم يخرج به فعليه غرمه كان موسرا أو معسرا وقوله في الرواية في الثياب التي خرقها في الحرز وخرج بها مخرقة إنه إن أخذها فلا شيء على السارق هو مثل ما يقوم من كتاب الحدود في القذف من المدونة، ومثل قول أشهب خلاف ماله في كتاب الغضب منها من أنه مخير بين أن يأخذه وما نقصه، أو يضمنه جميع قيمته، وقد قيل إنه ليس له إلا ما نقصه، وهو قول مالك في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب العارية والثلاثة الأقوال كلها قائمة من المدونة، وهذا في الفساد الكثير، وأما الفساد اليسير فلا اختلاف في أنه لا يجب عليه إلا ما نقصه بعد الرفو وبالله التوفيق.

مسألة: السارق كم من رجل يقوم سرقته أو هل يجوز تقويم واحد

مسألة وسألته عن السارق كم من رجل يقوم سرقته أو هل يجوز تقويم واحد؟ فقال قال مالك: لا يقوم سرقة السارق إلا رجلان ذوا عدل، قلت فإن دعا رجلين فاختلفا في القيمة، قال: لا يقطع حتى يجتمع رجلان، فإذا اجتمعا على القيمة لم يلتفت إلى من خالفهما، قلت وكذلك العبد الذي يقوم في الحرية وكل ما يحتاج إليه القاضي من التقويم لا يقوم ذلك إلا رجلان؟ قال: نعم لا يقوم ذلك إلا رجلان، قلت فإن دعا أربعة فاجتمع رجلان على قيمة ورجلان على قيمة؟ قال: ينظر القاضي إلى أقرب التقويم إلى السداد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يقوم سرقة السارق إلا رجلان عدلان نحوه في المدونة، ومعناه في الاختيار وما يستحب له أن يفعل، لا أنه

لا يجوز له إلا ذلك؛ لأن كل ما يبتدى القاضي فيه السؤال فالواحد يجزى لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة كالرسول لتحليف المرأة والمترجم له عمن لا يفهم كلامه، والمستنكه لمن استراب في سكره وما أشبه ذلك كثير، فلو اكتفى الإمام في تقويم سرقة السارق بواحد لأجزأه.
وأما إذا دعا رجلين فاختلفا في قيمتها فقوله إنه لا يقطع حتى يجتمع على أن قيمتها ما يجب فيه القطع رجلان بين لا يجب أن يختلف فيه، إذ لا يصح أن يعمل قول أحدهما وأما إذا دعا رجلين فاختلفا في قيمتها فقوله إنه لا يقطع حتى يجتمع على أن قيمتها ما يجب فيه القطع رجلان بين لا يجب أن يختلف فيه، إذ لا يصح أن يعمل قول أحدهما وقد خالفه الآخر، إذ لا مزية لأحدهما على صاحبه.
وأما لو دعا أربعة فاختلفوا قال الاثنان منهم قيمتها ثلاثة دراهم، وقال الاثنان قيمتها درهمان لوجب أن يقطع بشهادة اللذين شهدا أن قيمتها ثلاثة دراهم لأنهما أثبتا بشهادتهما حكما نفاه الآخران، فكان من أثبت حكما أولى ممن نفاه ومثل هذا في المدونة، وقوله في هذه الرواية إنه إن دعا أربعة فاجتمع رجلان على قيمة، ورجلان على قيمة إن القاضي ينظر إلى أقرب القيمة إلى السداد لا يعود على مسألة تقويم السرقة، وإنما يعود على تقويم العبد في الحرية وما أشبه ذلك، ونظر القاضي إلى أقرب القيمة إلى السداد هو أن يسأل من سواهم، إذ قد اختلفوا عليه حتى يتبين له السداد من ذلك وذلك يبعد في تقويم السرقة لأن الاثنين قد أوجبا بشهادتهما حكما وهو القطع فوجب أن يعمل قولهما ولا يلتفت إلى من خالفهما كالشهود إذا اختلفوا في شهادتهم ولا مزية لأحد الطائفتين على الأخرى فيما شهدت به، غير أن إحدى الطائفتين أوجبت بشهادتها حكما فإنه يؤخذ بشهادة الطائفة التي أوجبت الحكم منهما على المشهور في المذهب، وقد قيل إنهما إذا تكافيا في العدالة أسقطتا، فعلى هذا إذا دعا القاضي أربعة لتقويم السرقة فاختلفوا في تقويمها قومها الاثنان منهم بثلاثة دراهم والاثنان بدرهمين يسأل الإمام غيرهما ويترك قولهم إذ قد سقط باختلافهم وبالله التوفيق.

: سارق العبد الكبير الأعجمي يقطع سارقه

ومن كتاب يوصي لمكاتبه قال وسألته عن العجمية تسرق فتوطأ، فقال: على سارقها الحد والقطع، وقال: إن كان حصنا رجم ولم يقطع لأن القتل يأتي على ذلك كله، وإن كان بكرا قطع وأخذ حد الزنا منه مائة جلدة إن كان حرا ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: قوله في العجيمة إن سارقها يقطع هو مثل ما في المدونة وغيرها من أن سارق العبد الكبير الأعجمي يقطع سارقه، بخلاف العبد الكبير الفصيح؛ لأن العبد الفصيح لا تتأتى سرقته؛ لأنه لجهله وعجومته وقلة مبرزه في حكم البهيمة أو أدنى مرتبة منه، وكذلك الصغير يقطع سارقه حرا كان أو عبدا وقال ابن الماجشون: لا يقطع سارق الصغير الحر إذ ليس بمال وأما وجوب حد الزنا على سارقها إذا وطئها فلا إشكال فيه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: 6] الآية.

مسألة: يسرق من الملاهي

مسألة وسألت ابن القاسم عما يسرق من الملاهي مثل المزمار والعود والدف والكبر وجميع الملاهي هل فيه قطع إذا كان قيمته ربع دينار؟ قال: إذا كان قيمته ربع دينار بعد أن يكسر أو تكون فيه فضة يكون وزنها ربع دينار ففيها القطع إلا ما كان من الدف والكبر فإنه من سرقهما فإن كان في قيمته صحيحا ما يكون فيه القطع قطع؛ لأن الدف والكبر قد أرخص في اللعب بهما، فكل ما رخص فيه ففيه قيمته صحيحا إذا كان قيمته ربع دينار يقطع.

قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية في الكبر إنه يقطع سارقه في قيمته صحيحا لأنه قد رخص في اللعب به يريد في العرس والملاك خلاف قوله في سماع سحنون من جامع البيوع إن البيع يفسخ فيه ويؤدب أهله، ولا اختلاف في ترخيص اللعب بالدف وهو الغربال في العرس والملاك، واختلف قول ابن القاسم في الكبر فأجازه في رواية عيسى عنه، وفي كتاب النكاح، ولم يجزه في سماع سحنون من كتاب جامع البيوع، وأجاز ابن حبيب المزهر وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح فلا معنى لإعادته.

مسألة: الكلب يسرق وفي عنقه قدة وثمن القدة ربع دينار

مسألة قلت فالكلب يسرق وفي عنقه قدة، وثمن القدة ربع دينار قال: إن كان ثمن القدة ربع دينار ففيه القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على قياس قوله وروايته عن مالك في أن الكلب لا يجوز بيعه لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ثمن الكلب فحمله على عمومه في جميع الكلاب ما أذن منها في اتخاذه وما لم يؤذن، وذهب سحنون إلى إجازة بيع الكلب المأذون في اتخاذه وأكل ثمنه، وهو قول ابن نافع وابن كنانة وأكثر أهل العلم؛ لأنهم جعلوا نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن ثمن الكلب مخصصا في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، بدليل قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط» ، والاقتناء لا يكون إلا بالاشتراء، فعلى قول هؤلاء يقطع سارق الكلب المأذون في اتخاذه إذا كانت قيمته ربع دينار فصاعدا وقد

مضى هذا المعنى في كتاب الرطب باليابس من سماع ابن القاسم من كتاب الجنايات وفيما سواه من المواضع.

مسألة: سرق النصراني من النصراني مزمارا

مسألة قلت فإذا سرق النصراني من النصراني مزمارا أيقطع في قيمته صحيحا أو مكسورا؟ قال: بل في قيمته مكسورا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] فلا يقطع النصراني في سرقته من النصراني إلا فيما يقطع به المسلم في سرقته من النصراني أو المسلم ألا ترى أنه لو سرق منه خمرا أو خنزيرا لم يقطع فيه وإن كان ذلك مالا لهم يحكم بغرمه على من استهلكه لهم على المشهور في المذهب وبالله التوفيق.

: سرق جلد ميتة مدبوغا

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال: ومن سرق جلد ميتة مدبوغا إنه يقطع إذا بلغ ما يقطع فيه وقد قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب إن كان فيه من صنعته ما تكون قيمته ثلاثة دراهم قطع وإلا لم يقطع.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يقطع إذا بلغ ما يقطع فيه يدل على جواز بيعه وأنه يطهر بالدباغ طهارة تامة تجيز لبسه والصلاة به وبيعه إذ ضعف عنده الاختلاف في ذلك حتى لم يره شبهة يدرأ الحد عنه بها، والقول الثاني الذي ذكره من غير هذا الكتاب أنه لا يقطع إلا أن تكون قيمة ما فيه من صنعة ثلاثة دراهم هو قوله في المدونة وفيه نظر؛ لأن الصنعة مستهلكة

فيه لا يمكن أن تفصل منه فتهلك، ألا ترى أنه لا يجيز على قوله وروايته عن مالك في أنه لا يطهر بالدباغ إلا للانتفاع به ببيعه أصلا ولا بقيمة ما فيه من الصنعة فكان القياس على القول بأنه لا يباع ألا يقطع فيه على حال، ولو قيل إنه لا يقطع على مذهب من يجيز بيعه مراعاة لقول من لا يجيز بيعه لكان لذلك وجه ويتحصل فيه على هذا ثلاثة أقوال وبالله التوفيق.

: السفينة يركب فيها الجماعة فيسرق بعضهم من بعض

ومن كتاب أوصى قال ابن القاسم في السفينة يركب فيها الجماعة كل إنسان منهم على متاعه قد أحرزه كله تحته فيسرق بعضهم من بعض قال زعم مالك أنه إن سرق منه وهو عليه قطع، وإن قام فسرق منه وقد قام عنه فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: السفينة مشتركة بين الركاب فيها، فالحكم في السرقة منها حكم السرقة من صحن الدار المشتركة بين السكان فيها يحاص إن سرق بعض الركاب فيها من متاع بعض وهو على متاعه قطع وإن لم يخرج بما سرق عن السفينة وإن سرقه وهو قد قام عن متاعه لم يقطع وإن خرج به عن السفينة، وإن سرق أجنبي من السفينة شيئا من متاع أحد وصاحب المتاع على متاعه فأخذ قبل أن يخرج بما سرق قبل أن يخرج من السفينة قطع على اختلاف، وإن كان سرقه وصاحب المتاع ليس على متاعه لم يقطع باتفاق، وأما إن خرج بما سرق من السفينة فيقطع كان صاحب المتاع على

متاعه إذ سرقه أو لم يكن عليه، وقد مضى بيان هذا في أول سماع ابن القاسم وطرف منه في رسم كتاب السرقة من سماع أشهب وبعض ذلك كله يبين بعضا.

: اتزر بإزار فأخذ في البيت والإزار عليه ثم أفلت من أيديهم

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك وسئل عن سارق دخل بيت رجل فاتزر بإزار فأخذ في البيت والإزار عليه ثم أفلت من أيديهم فخرج من الدار والإزار عليه علم به أهل البيت أو لم يعلموا، قال: لا قطع عليه إذا أخذ فأفلت من أيديهم علم أهل البيت أن الإزار عليه أو لم يعلموا فرواها محمد بن خالد عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة، وإنما خرج به مختلسا له، فوجب ألا يقطع.

: يدخل بيت رجل فأكل من الطعام ما يكون ثمنه أكثر من ربع دينار

ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وسئل عن السارق يدخل بيت رجل فأكل من الطعام ما يكون ثمنه أكثر من ربع دينار فيؤخذ خارجا من الدار، فقال: لا قطع عليه، وعليه العقوبة وغرم ما أكل.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأن ما أكله في الحرز فقد استهلكه ولا منفعة له فيه إذا خرج به، بخلاف الدينار يزدرده في الحرز، هذا يقطع فيه إذا خرج به؛ لأنه ليس بمستهلك له بازدراده إياه وبالله التوفيق.

مسألة: يسرق بساطا من بسط المسجد التي تطرح في رمضان

مسألة وسئل عن السارق يسرق بساطا من بسط المسجد التي تطرح في رمضان، فقال: إن كان عنده صاحبه حين سرقه قطع وإلا فلا قطع عليه لأنا سألنا مالكا عن محارس الإسكندرية يعلق الناس سلاحهم ومتاعهم فيسرق من ذلك شيء، فقال: إن كان صاحبه عنده حين سرقه قطع وإلا فلا قطع عليه، وكذلك الحمام إذا سرق السارق منه شيئا فإن كان عند المتاع الذي سرق حارس قطع وإلا فلا قطع عليه إلا أن يكون أخرجه من وراء الجدار فنقب الجدار حتى سرق المتاع فإن ذلك يقطع كان عند المتاع أحد أو لم يكن، قلت أفترى المسجد حرزا للبساط حتى يخرج؟ قال: إذا احتمله من مكانه قطع وإن لم يخرج به من المسجد لأن المسجد ليس حرازا لشيء.
قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية بين البساط الذي يطرحه الرجل في رمضان في المسجد ليصلي عليه ثم يأخذه وبين ثياب الذين يدخلون الحمام في أنه لا قطع على من سرق ذلك إلا أن يكون معها صاحبها أو يكون عليها حارس، وقال في الحصير إنه إذا كان معه صاحبه فالقطع على من سرقه إذا احتمله من موضعه وإن لم يخرج به من المسجد، وسكت في ذلك عن الحمام، وفيه تفصيل قد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وهو الفرق بين أن يدخل للسرقة أو ليتحمم ولم يحكم في هذه الرواية للحصير الذي يضعه الرجل في المسجد ليصلي عليه في رمضان ثم يأخذه بحكم حضور المسجد، وقد قيل: إنه يحكم له بحكمها فيدخل ذلك من الاختلاف ما يدخل في الفطرة توضع فيه فتسرق منه، وقد مضى بيان هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وأما ما طرح في المسجد من البسط في رمضان ومن الحصر المحبسة عليه لترفع منه بعد رمضان فلا اختلاف في أن حكمها في السرقة حكم حصور المسجد الثابتة فيه في رمضان وغيره وقد مضى

تحصيل الاختلاف في ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

مسألة: لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل

مسألة قلت فالراعي يبعد بغنمه فيدركه الليل في موضع لم يكن لها المراح فيجمعها ثم يبيت فيسرق منها، قال: على من سرق منها ما يجب فيه القطع القطع؛ لأن ذلك مثل مراحها، قال وحريسة الجبل كل شيء يسرح للرعي من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك من الدواب ليس على من سرق منها شيئا القطع، وإن كان أصحابها عندها.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله لا اختلاف فيه للنص الوارد في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قوله: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن» ، ومبيت الراعي بماشيته إذا جمعها وبات عليها مراح لها في وجوب القطع على من سرق منها، وإن لم يكن ذلك مراحها المعلوم؛ لأنه بمنزلته في المعنى.

مسألة: السرقة من حوانيت السوق التي تدخل بغيرإذن

مسألة وقال في حوانيت السوق التي تدخل بغير إذن ليس على من سرق منها شيئا القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن من سرق من موضعٍ أُذن له في دخوله فليس بسارق، وإنما هو خائن.

: سرق من رجل طعاما فلقيه بغيرالبلد الذي سرقه فيه

ومن كتاب شهد على شهادة ميت قال ابن القاسم قال مالك من سرق من رجل طعاما فلقيه بغير

البلد الذي سرقه فيه فليس على السارق أن يعطيه إياه إلا بالبلد الذي سرقه منه فيه، قال ابن القاسم قال مالك: إلا أن يتراضيا على مثل ما تراضيا عليه في السلف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه ليس للمسروق منه إلا مثل طعامه في البلد الذي سرق منه وإنما اختلف إذا وجد طعامه بعينه في غير البلد الذي يسرقه منه على ثلاثة أقوال، أحدها أنه ليس له إلا مثل طعامه في البلد الذي سرقه منه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في سماع سحنون من كتاب الغصب، والثاني أنه مخير بين أن يأخذ طعامه وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي سرقه منه فيه وهو قول أشهب في سماع أصبغ من كتاب الغصب، والثالث الفرق بين أن تكون البلد بعيدا أو قريبا وهو قول أصبغ، وقد مضى القول على حكم العروض والحيوان في ذلك في السماعين من الكتاب المذكور فلا معنى لإعادته.

: يدخل البيت فيأخذ دينارا فيزدرده ثم يخرج من الدار

من كتاب إن أمكنتني من حلق رأسك وسألته عن السارق يدخل البيت فيأخذ دينارا فيزدرده ثم يخرج من الدار، قال عليه القطع؛ لأنه خرج به وهو شيء يخرج به ويأخذه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ إذ ليس ازدراده إياه باستهلاك فهو بخلاف الطعام يأكله في الحرز، وقد مضى هذا في رسم أسلم وبالله التوفيق.

مسألة: ساق غنمه من مراحها إلى مسرحها فسرق منها أحد

مسألة وسئل عن الراعي يجمع غنمه ثم يسوقها وإيجابها إلى المراح

فيسوقها على الطريق قد أخرجها من الرعي فيسرق رجل منها شاة، قال على من سرق منها ما يساوي ربع دينار القطع.
قال محمد بن رشد: وكذلك على قياس قوله لو سرق منها شيء في خروجه بها من مراحها إلى مسرحها، وهي في الطريق قبل أن تصل إلى المسرح، وقال ابن حبيب قال أصبغ ومن ساق غنمه من مراحها إلى مسرحها فسرق منها أحد قبل أن تخرج من بيوت القرية إنه يقطع، وكذلك إذا ردها من مسرحها إلى مراحها فإذا سرق منها بعد أن أدخلها القرية وخالطت البيوت وهو يسوقها فإنه يقطع وإن لم تدخل المراح، وقول ابن القاسم أظهر من جهة المعنى، وذلك أن القطع إنما سقط عن السارق فيها إذا كانت في مسرحها؛ لأن الراعي لها لا يقدر على حفظها؛ لتفرقها في المرعى فصارت مهملة في غير حرز، فإذا جمعها وساقها في الطريق كان كونه معها سائقا لها حرزا لها كالمراح، وقول أصبغ أظهر من جهة الاعتبار بالدليل؛ لأن في قوله في الحديث فإذا آواها المراح فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن دليل على أنه لا قطع فيها قبل أن يأويها المراح، وقول ابن القاسم أولى بالصواب؛ لأن القياس يقدم على الدليل، إذ قد قيل إنه لا يجب الحكم بدليل الخطاب وبالله التوفيق.

مسألة: الزرع إذا جمع وكان في حظير إن على سارقه القطع

مسألة وقال إذا كان على النخل أو الزرع حظير فحصد الزرع أو جَدَّ الثمر فجمع في مكان واحد وأغلق عليه الباب فعلى من سرق منه القطع، وأما الذي لا قطع عليه فيه الذي يكون في الفحوص من غير حظير ولا باب يغلق ولا جرين فذلك الذي لا قطع عليه فيه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الزرع أو الثمر إذا جمع أو جد وكان في حظير إن على سارقه القطع وإن ترك بموضعه لم يحمل بعد إلى الجرين لا

أعرف فيه نص خلاف، وقد ذكرنا في رسم المحرم أن الخلاف قد يدخل في ذلك في المسألة التي ذكرناها من كتاب محمد وقوله: إنه إذا كان في الفحوص من غير حظير ولا باب يغلق ولا جرين فلا قطع فيه هو مثل ما تقدم في رسم المحرم من سماع ابن القاسم خلاف ما في رسم كتاب الحدود من سماع أشهب، وقد ذكر ابن المواز الروايتين جميعا، واستحسن رواية ابن القاسم وذكر ابن حبيب الروايتين جميعا وقال إن أصبغ أخذ برواية ابن القاسم مثل ما استحسن ابن المواز، وقد ذكرنا فيما مضى من رسم المحرم أن من الناس من ذهب إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، وأن ذلك إنما يرجع إلى الفرق بين أن يجمع الزرع إذا حصد بعضه إلى بعض ويربط على ما قاله في كتاب ابن المواز، وبين أن يحصد ويترك في موضعه دون أن يجمع أو يربط وبالله التوفيق.

: سرق غزلا فنسجه ثوبا أو سرق لبنا فعمل منه جبنا أو سرق كتانا فغزل منه ثوبا

ومن سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب العتق قال عيسى وسألت ابن القاسم عن رجل سرق غزلا فنسجه ثوبا أو سرق لبنا فعمل منه جبنا أو سرق كتانا فغزل منه ثوبا أو سرق حنطة فطحنها دقيقا أو عجن منها خبزا أو سرق بيضا فأخرج منها فراخا، أو سرق جلودا فصنع منها فروا يعرف (أهل كل صنف من هذا بأعيانهم أو سرق فضة أو ذهبا فصاغ منها حليا، أو سرق حديدا فعمل منه سيفا، قال: أما الطعام فعليه مثله في جودته وصنفه إن كان يوجد وإلا فقيمته إلا أنه قد دخلني الشك من الدقيق الذي طحن من حنطة مسروقة أن تكون الدقيق له وقد ذكر فيه عن من مضى إلا أني أرى

عليه حنطة مثله والخبز عندي قوي بين ألا يكون عليه فيه إلا القمح الذي أخذ، قال وأما الغزل فعليه قيمته، وأما الكتان والحديد فعليه مثله؛ لأن مالكا قال لي في البيع الفاسد في الكتان يرد مثله وما أشبه ذلك مما يوزن، وقال لي في القطن مثله، وهو رأيي، والحديد كذلك؛ لأن هذه الأصناف يوجد مثلها، وإن الحيوان والثياب لا يوجد من شيء منها مثله، وأما الفضة والذهب ففضة وذهب مثلها ولا يأخذها مصوغة.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم في السارق أو الغاصب إذا أفات ما سرقه بعمله فيه أن ذلك إن كان مكيلا أو موزونا فسواء أخرج فيه شيئا من ماله سوى العمل كالسويق يلته بسمن وما أشبه ذلك أو لم يخرج فيه من ماله شيئا سوى العمل كالحديد يعمل منه سيوفا والفضة والذهب يعمل منها حليا وما أشبه ذلك ليس للمسروق منه إلا المثل فيما سرقه له إلا أن يكون العمل يسيرا مثل القمح يطحنه فاختلف في ذلك قوله، مرة قال يأخذه مطحونا ومرة قال ليس له إلا مثل قمحه.
وأما العروض فيفترق الأمر فيها عنده بين أن يخرج فيها شيئا من ماله سوى العمل كالثوب يصبغه وما أشبه ذلك أو لا يخرج فيها شيئا من ماله سوى العمل، فأما ما أخرج فيه من ماله شيئا سوى العمل فمرة قال: هو فوت ليس لربه إلا قيمته، ومرة قال هو مخير بين أن يدفع إليه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبته، وبين أن يلزمه قيمته يوم سرق منه، وأما ما لم يخرج فيه شيئا سوى العمل، فإن كان يسيرا أخذه معمولا كالرفو والخياطة في الثوب، وإن كان كثيرا كالخشبة يعمل منها أبوابا أو توابيت وما أشبه ذلك فليس للمسروق منه إلا قيمتها، والغزل عنده كالعرض وإن كان مما يوزن، هذا قوله في هذه الرواية وفي تضمين الصناع من المدونة، وقال غيره فيه: إن عليه في الغزل مثله، هذا تحصيل مذهب ابن القاسم في هذه المسألة، وأشهب لا يفرق في هذا بين المكيل والموزن

وبين غيره من العروض ولا بين ما أخرج فيه من ماله سوى العمل أو لم يخرج فيه سواه، ويرى من حق المسروق منه والمغصوب أن يأخذ متاعه معمولا ومصبوغا وملتوتا، ولا شيء عليه في عمل السارق ولا في ما أخرج فيه من ماله، إذ قد افتات فيه ولا يقدر على نزعه منه، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ليس لعرق ظالم حق» .

مسألة: سارق سرق عصفورا

مسألة وسألته عن سارق سرق عصفورا أو زعفرانا وسرق ثيابا فصبغها بذلك، ثم أُخذ فقُطعت يده، وأُخذ المتاع وأتى تائبا، قال: إن كان له مال يوم قطع لزمته قيمة الثياب ووزن الزعفران والعصفر في جودته وحاله، وإن لم يوجد له مال ووجد الثياب مصبغة نظر كم ثمن العصفر والزعفران؟ وكم قيمة الثياب؟ فيتحاص صاحب الثياب وصاحب الزعفران على قدر ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة لا إشكال فيها ولا التباس في شيء من معانيها، إلا أنه إن كان له مال لزمه أن يغرم لصاحب الثياب قيمة ثيابه، ولصاحب الزعفران مثل زعفرانه قطعت يده أو أتى تائبا فلم تقطع يده، وإن لم يكن له مال سوى ذلك تحاص صاحب الزعفران وصاحب الثياب فيها على قدر قيمة ما لكل واحد منهما، فإن قطع لم يكن لهما عليه شيء، وإن أتى تائبا ولم يقطع اتبعاه ببقية حقوقهما دينا ثابتا في ذمته وبالله التوفيق.

مسألة: تى إلى أرض قوم فضرب فيها طوبا بغير إذنهم

مسألة قلت له: فرجل أتى إلى أرض قوم فضرب فيها طوبا بغير إذنهم أو عمل فيها قلالا بغير إذنهم فأنكروا ذلك وقالوا نأخذ الطوب

والقلال أو حفر فيها بئرا بغير إذنهم، قال أما البير فعليه ردها وله نقضها إلا أن يشاءوا أن يعطوه قيمة نقضها ملقى مطروحا، وليس له أن يأبى ذلك، وهو قول مالك، وأما القلال والطوب فلا أرى لهم عليه فيها شيئا، وأراه لمن عمله إلا أن تكون عليهم منه في أرضهم ضرر لما أحدث فيها فعليه أن يكنس ذلك لهم، قال: وإن كان أفسد أرضهم فسادا بينا فعليه قيمة ما أفسد من الأرض.
قال محمد بن رشد: أما البئر فكما قال على المعتدي ردمها وله نقضها إلا أن يشاء رب الأرض أن يعطيه قيمة نقضه منقوضا ويبقى البئر لنفسه على حالها فيكون ذلك له، وأما إن أخذ المعتدي بردم البئر فليس له أخذ النقض بقيمته؛ لأنه إذا نقض كان صاحبه أحق به، وأما الذي عمل القلال والطوب في أرض الرجل فقوله: إنه لا شيء عليه فيها، فمعناه إذا لم يكن للتراب الذي عمل منه الطوب والقلال قيمة، وأما إن كانت له قيمة فعليه قيمته مع كنس الأرض وإصلاحها وتعديلها وردها إلى ما كانت عليه أو غرم قيمة ما أفسد فيها إن لم يمكن إصلاحه وبالله التوفيق.

مسألة: سرق ولا يمين له ولا يسار هل يقطع رجله

مسألة قال وسألته عن رجل سرق ولا يمين له ولا يسار هل يقطع رجله؟ قال ابن القاسم: يقطع رجله فإن عاد قطعت رجله الأخرى.
قلت له فأيهما يبدأ؟ قال أما أنا فأحب إلي أن يبدأ برجله اليسرى؛ لأنه كانت تقطع أولا يده اليمنى ثم رجله اليسرى؛ لأنه من قول مالك قديما في الرجل يسرق وهو أشل اليد اليمنى أنها تقطع رجله اليسرى واليمنى آخر القطع ثم رجع فقال أرى أن تقطع يده اليسرى وهو أحب قوله إليّ.
محمد بن رشد: اتفق مالك وأصحابه فيما عملت على أن السارق

يقطع في السرقة يده اليمنى ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى فإن سرق بعد ذلك ضرب وسجن وحبس، وقد جاء عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه يقتل بعد الرابعة وليس بالثابت، ولم يقل به أحد من أصحاب مالك غير أبي مصعب، وسواء كانت سرقاته من رجال شتى أو من رجل واحد أشياء شتى أو شيئا واحدا سرقه من رجل واحد بعد أن عاد لحرزه إذا كانت سرقته الثانية بعد أن يقطع في الأولى، وأما إذا سرق سرقات قبل أن يقطع فقطع في أحدها فذلك القطع يجزي لكل سرقة تقدمت كان قد رفع فيها أو لم يرفع، فإن سرق وهو أشل اليدين والرجلين ضرب وحبس، وإن سرق وهو أشل اليدين جميعا أو مقطوع أصابعهما أو أصبعين من كل يد فأكثر، فاختلف هل تقطع رجله اليسرى أو اليمنى فقال ابن القاسم في هذه الرواية إنه يقطع رجله اليسرى لأنها كانت تقطع أولا يده اليمنى ثم رجله اليسرى أو على ما اختاره من قول مالك في السارق يسرق وهو أشل اليد اليمنى إنه يقطع رجله اليسرى على ما كان يقوله أولا ثم رجع إلى أن تقطع يده اليسرى، فعلى قياس هذا القول إذا سرق السارق وهو أشل اليدين قطعت رجله اليمنى، وظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية أن الذي اختاره من قول مالك في السارق يسرق وهو أشل اليد اليمنى أن تقطع رجله اليمنى على القول الذي رجع إليه مالك خلاف اختياره في المدونة، وحكى ابن حبيب عنه قولا ثالثا وهي التفرقة بين أن تكون يده اليمنى شلاء أو مقطوعة في قصاص، فإن كانت شلاء قطعت يده اليسرى وإن كانت قطعت في قصاص قطعت رجله اليسرى، ولا فرق عند مالك بين أن تكون يده اليمنى شلاء أو مقطوعة في قصاص، واختلف قوله في ذلك اختلافا واحدا، واختيار أصبغ أن تقطع يده اليسرى كانت اليمنى شلاء أو مقطوعة في قصاص على القول الذي رجع إليه مالك، قال لا يقطع من السارق رجل ما دام له يد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وقد مضى في أول سماع عيسى

الاختلاف إذا أخطأ الإمام أو القاطع على السارق فقطع شماله هل يجتزي بذلك أو لا يجتزي به فيكون على المخطئ عليه الدية في ماله ويقطع يمينه، والاختلاف أيضا على القول بأنه يجتزي بذلك إن سرق بعد ذلك هل تقطع رجله اليسرى أو اليمنى حتى يكون من خلاف فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: أقر بسرقة هل يقطع بغير تعيين

مسألة وسئل عن رجل أقر بسرقة هل يقطع بغير تعيين حرا كان أو مملوكا؟ وما حد التعيين في ذلك وإن كان إقراره من بعد ضرب، قال: إن جاء تأيبا مستهلا رأيت أن يقام عليه الحد إلا أن ينزع قبل أن يقطع ويسأل كيف سرق، فإن كان في إقراره ما يوجب القطع قطع، فربما أقر الرجل بالسرقة ولا قطع فيها، وأما بعد أن يؤخذ فإني لا أرى أن يقطع إلا بتعيين، قال والحر والعبد في ذلك سواء، والآخر قول مالك فيما أعلم.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية إنه إذا أتى تائبا مستهلا يقطع بغير تعيين يبين ما مضى من قول مالك في رسم كتب السرقة من سماع أشهب، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته.

مسألة: عبد مملوك أوصي له بعتق فسرق بعد ما مات سيده

مسألة وسألته عن عبد مملوك أوصي له بعتق، فسرق بعد ما مات سيده وقبل أن يقوم متى يقوم أيوم أوصى له؟ أم يوم مات سيده؟ أو يوم يرجع إلى القيمة؟ قال: إنما يقوم يوم يرفع إلى القيمة وينظر فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله ولا اختلاف فيه لأن المال لو تلف قبل أن ينظر فيه لم يعتق من العبد إلا ثلثه وبالله التوفيق.

مسألة: يدعي قبله السرقة فيصالح على الإنكار لها ثم يأتي رجل فيقر أنه الذي سرقها

مسألة وقد سئل عن الرجل يدعي قبله السرقة فيصالح على الإنكار لها ثم يأتي رجل فيقر أنه الذي سرقها، قال: إن ثبت على إقراره قطع ثم إن كان مليا أخذ منه المدعي قبله الأول ما صالح به وأخذ المسروق منه تمام قيمة سرقته، وإن كان عديما لم يكن عليه شيء ولم يكن للمصالح الأول أن يرجع على الذي صالحه بما أعطاه لقول المقر الآخر، وإن كان عديما فرجع عن إقراره قبل القطع درء عنه القطع واتبعه المصالح بما صالح به واتبعه المسروق منه بتمام قيمة سرقته وإن أقر بها على الضرب وعينها ثم أنكر فلا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إن ثبت على إقراره قطع يدل على أنه إن رجع لم يقطع، وفي ذلك اختلاف قيل إنه لا يقبل رجوعه إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، والقولان في المدونة، وقوله في آخر المسألة وإن أقر بها على الضرب وعينها ثم أنكر فلا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إن ثبت على إقراره قطع يدل على أنه إن رجع عنه لم يقطع، وفي ذلك اختلاف؟ قيل إنه لا يقبل رجوعه يدل على أنه يقطع إذا عين على الضرب، وفي ذلك اختلاف، وأما قوله إنه لا يقطع إذا أنكر فلا اختلاف فيه، والأصل في هذا أنه في الموضع الذي يقطع باختلاف يقبل رجوعه فيه باتفاق وفي الموضع الذي يقطع فيه باتفاق يقبل رجوعه فيه على اختلاف وقد مضى تحصيل القول في هذا في رسم كتاب الحدود من سماع أشهب وبالله التوفيق.

: نشر في الدار ثوبا نشره بعض الأشراك فسرقه أجنبي

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: قلت لابن القاسم أرأيت إذا كان في الدار المحجور عن الناس بئر يستقي منه الأشراك فينسى بعض الأشراك على البئر تورا أو قدحا أو شيئا فيسرقه رجل من الأجنبيين فأخرجه من الدار؟ قال: يقطع، وكذلك لو نشر في الدار ثوبا نشره بعض الأشراك فسرقه أجنبي قطع، وأما ما سرقه الأشراك مما ينشر في الدار فليس عليهم قطع؛ لأن ذلك الموضع مباح لهم.
قال محمد بن رشد: قوله فيما نسيه بعض الأشراك في هذا الدار أو نشره فسرقه سارق إنه يقطع إذا أخرجه من الدار ليس بأمر متفق عليه، قد قيل إنه لا يقطع، وكذلك اختلف أيضا إذا سرق أجنبي من بيت من بيوت سكان الدار فأخذ في الدار قبل أن يخرج منها وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

مسألة: أضاف الضيف وأدخله داره فسرق من بعض منازل الدار

مسألة قلت فالرجل تكون له الدار يكون ساكنا في بعضها وله في بعض حوانيت وليس معه في الدار غيرها وهي محجورة عن الناس فأضاف ضيفا في بعض الحوانيت وبقية الحوانيت مغلقة فيها متاع قد أحرزه فيسرق الضيف من بعض تلك الحوانيت، قال لا يقطع وإن لم يكن فيها نازلا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنها حوانيت تفضي إلى الدار بأبواب فيما بينها وبينها فأضاف ضيفا في حانوت منها وبقية الحوانيت مغلقة دونه فسرق منها، فقوله إنه لا يقطع وإن لم يكن نازلا فيها هو مثل قوله في المدونة في الذي أضاف الضيف وأدخله داره فسرق من بعض

منازل الدار التي قد كان خزن فيها متاعه، وأقفل عليه أنه لا قطع عليه؛ لأنه خائن وليس بسارق، وفي ذلك اختلاف قد قيل: إنه يقطع إذا أخرج المتاع من حرزه وصار بيده وإن لم يخرج به من الدار، وهو قول سحنون؛ لأنه أشبه عنده الشركاء في ساحة الدار إذا سرق أحدهم من بيت صاحبه شيئا فخرج بما سرق إلى ساحة الدار، وحكى عبد الحق في المسألة قولا ثالثا تأوله على ما في المدونة، وقال: إنه قول مالك في كتاب ابن المواز، وهو أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار وهو بعيد، إذ قد مضى في المدونة وكتاب ابن المواز على أنه خائن وليس بسارق، ولا يقطع الخائن على حال.

: العبد يسرق من مال ابنه الحر

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال وسألته عن العبد يسرق من مال ابنه الحر هل عليه قطع؟ قال: لا، قلت له فسرق من مال ابنه العبد؟ قال: يدرأ عنه الحد وفي ذلك أن مال العبد للعبد حتى ينتزعه سيده.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف أحفظه فيه في المذهب لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنت ومالك لأبيك» ، والحدود تدرأ بالشبهات فكما لا يحد إذا وطئ أمته، لا يقطع إذا سرق ماله، ومما يتعلق بهذه المسألة سرقة العبد من مال ابن سيده، وقد مضى الكلام على ذلك في رسم سعد في الطلاق من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وأجاز عبد الله بن عبد الحكم نكاح الرجل أمة ابنه إذا وقع ولم يفسخه، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحاب مالك وبالله التوفيق.

مسألة: الرجل يقر بالسرقة فيعينها

مسألة وسئل عن الرجل يقر بالسرقة فيعينها، والتعيين الإظهار لها هل عليه قطع إن أنكر بعد ذلك؟ فقال: إن كان أقر بها وعينها عند غير

السلطان فهو يقطع إذا بلغ ثمنها ما يجب فيه القطع، فإن أقر بها على الضرب وعينها ثم أنكر فلا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان أقر بها وعيَّنها عند غير السلطان فهو يقطع إذا بلغ ثمنها ما يجب فيه القطع كلام خرج على السؤال فلا يقام منه دليل على أنه إذا أقر بالسرقة دون أن يرفع إلى السلطان أنه لا يقطع إلا أن يعين أن الاختلاف في أنه يقطع، وإن لم يعين على ما قاله في رسم العتق من سماع عيسى قبل هذا، وقد مضى الكلام على قوله: فإن أقر بها على الضرب وعينها، ثم أنكر فلا قطع عليه في آخر رسم العتق من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: يجعل ثوبه قريبا منه وهو في المسجد فيسرق الثوب

مسألة وسألته عن الرجل يجعل ثوبه قريبا منه وهو في المسجد ثم يقوم فيصلي فيختله رجل فيسرق الثوب هل عليه قطع؟ قال: نعم، قلت له فمتى يجب عليه القطع إذا هو قبضه أم حتى يتوجه به؟ فقال ابن القاسم: إذا هو قبضه، قال ابن القاسم ولو لم أر عليه القطع إذا قبضه حتى يتوجه به إذا لا يكون عليه القطع حتى يخرجه من المسجد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن المسجد مباح لجميع الناس ليس بحرز للثوب الذي جعله صاحبه قريبا منه، وإنما حرزه كون صاحبه حارسا له فوجب إذا سرقه منه وصار بيده وبان به عنه وهو لا يشعر أن تقطع يده، وإن لم يتوجه به ولا خرج من المسجد كما قاله في المدونة.

: الذي يسرق حريسة الجبل فينضيها وتهزل عنده

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب القضاء قال أصبغ وسمعته في الذي يسرق حريسة الجبل فينضيها وتهزل عنده: إن صاحبها إن أحب أن يُضَمِّنَه إياها يوم أخذها فذلك له، وإلا فليس له إلا دابته يأخذها، قال: وأما السارق إذا أصابها ذلك عنده وقد سرقها غير حريسة فإنه يقطع، فإن كان له مال فإن شاء صاحبها أخذها وإن شاء ضمنه القيمة أيضا، وإن لم يكن له مال فليس له إلا دابته ولا يتبع بشيء ولا يلزمه القيمة وإن كان نقصها من قبله وعمله؛ لأنه لو سرق ثيابا فلبسها فأبلاها أو طعاما فأكله ثم قطع فيه ولم يكن له مال لم يتبع بشيء، قال أصبغ: والأولى في الحريسة إن لم يكن له مال يتبع به؛ لأنه لا يقطع فيه فهي خيانة وله تفسير.
قال محمد بن رشد: قوله في حريسة الجبل إذا أنضاها فهزلت عنده إنه بالخيار بين أن يضمنه قيمتها يوم أخذها أو يأخذها ولا شيء له صحيح على ما قاله؛ لأن حريسة الجبل لا قطع فيها، فحكم السارق لها حكم الغاصب في اليسر والعدم، وكذلك سارق غير الحريسة إذا لم يقطع لمعنى درئ عنه به القطع، فقول أصبغ في سارق الحريسة: إن لم يكن له مال يتبع به؛ لأنه لا يقطع فيه تفسير لقول ابن القاسم، وأما قوله: إنها خيانة وله تفسير، فالتفسير الذي أراد أن نقصانها بالهزال عنده يفترق على ما ذهب ابن القاسم بين أن يكون هذا هزلها بعد أن سرقها أو حدث بها الهزال عنده من غير فعله، فإن كان حدث بها الهزال عنده من غير فعله فربها مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم سرقها أو يأخذها مهزولة كما هي، وإن كان هو أهزلها فربها مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم سرقها وبين أن يأخذها وما نقص الهزال منها، وسحنون

يساوي بين الوجهين في أنه ليس له إلا أن يضمنه قيمتها يوم سرقها أو يأخذها مهزولة كما هي، والقولان قائمان من المدونة لابن القاسم، وأما إذا سرق الدابة غير حريسة فقُطع فيها وقد هزلت عنده وهو عديم فليس لصاحبها إلا أن يأخذها مهزولة كما هي ولا شيء له في هزالها، وبالله التوفيق.

: سرق من مقثأة

ومن كتاب الحدود قال أصبغ: وسئل عمن سرق من مقثأة: إنه لا قطع عليه حتى يأويه جرينه، وهو موضعه الذي يُجمع فيه ليُحمل بعدُ، وقاله أصبغ، وهو قبل ذلك كالتمر المعلق وحريسة الجبل.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأن الموضع الذي يجعل فيه ليحمل منه بمنزلة الجرين فيما له جرين وبالله التوفيق.

مسألة: يرى السارق يسرق متاعه فيأتي بشاهدين لينظرا إليه

مسألة وقال في الرجل يرى السارق يسرق متاعه فيأتي بشاهدين لينظرا إليه ويشهدا عليه بسرقته فينظران إليه ورب المتاع معهم لو أراد أن يمنعه منعه، قال: ليس عليه قطع، ونحن نقول: إنه قول مالك، قال أصبغ: أرى عليه القطع.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ أظهر؛ لأنه أخذ المتاع مستسرا به لا يعلم أن أحدا يراه لا رب المتاع ولا غيره، كمن زنى والشهود ينظرون إليه ولو شاءوا أن يمنعوه منعوه وهو لا يعلم أن الحد عليه واجب بشهادتهم، ووجه قول ابن القاسم وما حكاه أنه من قول مالك هو أنه رآه من ناحية المختلس لما أخذ

المتاع من صاحبه وهو ينظر إليه، وليس بمنزلة المختلس على الحقيقة إذ لم يعلم هو بنظر صاحب المتاع إليه.

مسألة: دار الرجل حرز لما فيها وإن تركت مفتوحة

مسألة وسئل عن دار نسي صاحبها أن يغلقها فتبيت مفتوحة فدخل سارق فسرق متاعا في الدار، قال: يقطع، واحتج فقال قد تكون النهار مفتوحة ولكن ليس الدار التي تدخل بإذن وبغير إذن في ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن دار الرجل حرز لما فيها وإن تركت مفتوحة إذ ليس لأحد أن يدخلها إلا بإذن وإن كانت مفتوحة، بخلاف الدار التي تدخل بغير إذن كما قال، وهي الفنادق تلك التي لا تكون بابها حرزا لما في ساحتها إلا إذا كان مقفولا، فمن فتح بابها بالليل أو حين يغلق فيه بالنهار فسرق منها قطع، فإذا فتح بابها وترك مفتوحا لم يكن على من سرق منها قطع.

مسألة: الراكب على البعير أو الحارز له حرز له

مسألة وسمعته يقول في الرجل يغتسل في عسكر له قصير فألقى ثوبه عليه وكان بعضه مدلى إلى خارج فجاء سارق فجبذه من الطريق فقال يقطع، وهذا أبين من الأول.
قال محمد بن رشد: قد قال في المدونة في هذا إنه لا يقطع إذا كان بعضه خارجا من الدار، ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه قوله إنه يقطع هو أن العسكر من الدار، فوجب أن يكون حرزا لما عليه كالمحمل الذي هو حرز لما فيه من المتاع، ووجه القول إنه لا يقطع هو أن الرجل لما ألقى ثوبه على الحائط مدلى إلى الطريق فقد أخرجه من الحرز وفارق ما في

المحمل؛ لأن الراكب على البعير أو الحارز له حرز له ولما عليه من سرج أو إكاف أو محمل، وقد مضى هذا المعنى في رسم كتاب السرقة من سماع أشهب.

مسألة: القطع في السرقة حق لله تعالى

مسألة قال ابن القاسم في سارق سرق لرجل متاعا فتعلق به يريد به السلطان، فطلب إليه السارق أن يصالحه قبل أن يبلغ السلطان فصالحه وخلى سبيله ثم هاجت بين السارق وبين صاحب المتاع بعد ذلك منازعة فرفعه إلى السلطان، قال: يقطع يد السارق في قول مالك، فأما ما كان صالحه عليه فإن كان صالحه على ألا يرفعه إلى السلطان فأرى للسارق أن يرجع عليه بما صالحه به فيأخذه، وإن كان إنما صالحه على متاعه الذي سرق له فلست أرى أن يرجع بشيء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن القطع في السرقة حق لله تعالى، ولا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه عند الإمام إذا انتهى إليه بالصلح على ترك رفع السارق إلى الإمام لا يجوز، ويجب الرجوع بما صولح به على ذلك، بخلاف الصلح على المتاع المسروق، وبالله التوفيق.

: يخبب الدابة بالعلف فتخرج إليه

من سماع أبي زيد من ابن القاسم وسئل ابن القاسم عن السارق يخبب الدابة بالعلف فتخرج إليه أو يخبب الباز فيجيبه من حرزه أنه يقطع في جميع ذلك، قال أشهب مثله، قيل لأشهب فالمراطن إذا راطن العبد بلسانه أيقطع؟ قال: لا يقطع، قلت فإن دعا صبيا صغيرا فخرج إليه ثم سار به؟ قال: يقطع أيضا.

قال محمد بن رشد: المسئول في قوله قلت فإن دعا صبيا صغيرا فخرج إليه ابن القاسم؛ لأن السؤال معطوف على سؤاله عن الذي يخبب الدابة بالعلف فتخرج إليه، وقول أشهب فيما بين ذلك ساقط عند ابن لبابة، وساوى ابن القاسم بين أن يدعو الصبي فيخرج إليه أو يخبب الدابة بالعلف فتخرج من حرزها إليه، ومساواته بينهما صحيحة إذ لا فرق بينهما في المعنى، فيدخل الاختلاف في الذي يخبب الدابة بالعلف فتخرج إليه من حرزها، إذ قد مضى في رسم كتاب السرقة من سماع أشهب عن مالك أنه لا يقطع خلاف قول ابن القاسم وأشهب، وفرق أشهب على ما وقع من قوله هاهنا في غير رواية ابن لبابة بين الذي يخبب الدابة بالعلف وبين الذي يراطن العبد بلسانه، فرأى على مخبب الدابة بالعلف فتخرج إليه القطع، ولم ير ذلك على الذي يراطن العبد بلسانه فيخرج إليه، وكذلك الصبي على قياس قوله إذا دعاه فخرج إليه من حرزه لا يقطع، والفرق على قوله بين الدابة تخرج إليه بإشارته عليها بالعلف وبين الذي يراطن العبد بلسانه أو يدعو الصبي هو أن العبد والصبي لهما عقل ومبرز فهما مكتسبان لخروجهما إذا خرجا باختيارهما، ولو شاءا لم يخرجا، والدابة لا عقل لها ولا مبرز تكون به مكتسبة لخروجها، ولو كان الصبي ابن سنة أو سنة ونصف ونحوها لكان كالبهيمة إذا دعاه فخرج إليه أو أراه الشيء يعجبه فخرج إليه يقطع عند ابن القاسم وأشهب، خلاف قول مالك في رواية أشهب، والصبي الذي له عقل ويمكن أن يخدع فهو كالعجمي الذي يخدع فيهما عند ابن القاسم، قاله هاهنا في الصبي، وقاله في رسم يوصي من سماع عيسى في العجمية، ولا يقطع عند أشهب على ما قاله هاهنا في الصبي، ولا اختلاف في الصبي الصغير الذي لا يعقل إذا دخل إليه فأخرجه من حرزه أنه يقطع إن كان عبدا، وكذلك إن كان حرا إلا عند ابن الماجشون فلا يقطع إذ ليس بمال يتمول، وبالله التوفيق.

مسألة: قال رأيت فلانا سرق ساجا وقال الآخر أشهد أنه سرق رداء

مسألة قال ابن القاسم: من قال: رأيت فلانا سرق ساجا وقال الآخر أشهد أنه سرق رداء، قال لا يقطع حتى يشهدا جميعا على ثوب واحد أنه سرقه، وإن قال سرق بكرة وقال الشاهد الآخر أشهد أنه سرق عشية وهو ثوب واحد اجتمعا عليه أنه لا يقطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ولا اختلاف فيه عندي إذ لم يجتمع الشاهدان على سرقة الساج ولا على سرقة الرداء ولا على السرقة بكرة ولا على السرقة عشية فسقط القطع بشهادتهما على المشهود عليه بالسرقة، وبالله التوفيق.

مسألة: سرق فراشا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه نفقة

مسألة وسئل عمن سرق فراشا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه نفقة، قال عليه القطع، علم السارق بالنفقة التي فيه أو لم يعلم بها، وكذلك الوسادة والمرفقة، قيل له فسرق عصا محفورة فيها النفقة؟ قال: لا قطع عليه، قيل فخشبة محفورة فيها النفقة؟ قال: لا قطع عليه، وكذلك الحجر، وروايته في معنى قوله، كأنه يرى أن كل من سرق شيئا مما لا يرفع في مثله نفقة وفيه نفقة ألا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة سواء، والأصل في هذا أن ما يشبه أن يسترفع فيه الذهب مثل الفراش والوساد والقميص وشبه ذلك فعليه القطع فيما وجد فيه من الذهب وإن لم يعلم به حين سرقه، والمعنى في ذلك أنه لا يصدق أنه لم يعلم به، ويأتي على قول أصبغ في نوازله من كتاب النذور في الذي يحلف ألا يأخذ من فلان درهما فأخذ منه قميصا وفيه درهم وهولا يعلم ثم علم بالدرهم فرده على صاحبه أنه لا شيء عليه ألا يقطع السارق إذا سرق قميصا أو فراشا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه نفقة لأنه إذا لم

يحنث في ذلك فأحرى ألا يقطع فيه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا اختلاف في أنه لا يقيم فيما وجد من الذهب فيما لا يشبه أن يسترفع في مثله الذهب مثل العصا والحجر وشبههم، ولا في أنه لا يقطع في ما العرف فيه أن تسترفع فيه الأذهاب، وإن قال لم أعلم أن في ذلك ذهبا ولا قصدت سرقته لم يصدق في ذلك.

مسألة: سرقت أوخادمها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهم

مسألة وسئل عن وال جمع شيئا من الزكاة ليقسمه بين المسلمين فأدخله بيته وأغلق عليه ثم خالفه عبده ففتح الباب فسرق شيئا من ذلك، فقال: عليه القطع، وينبغي أن مالكا قضى به، وكان ذلك العبد ليس يأتمنه مولاه على ذلك البيت ولا يدخله، ولو كان يأتمنه ويدخله ويأتمنه على فتحه ثم سرق لم يقطع.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على قياس قوله في المدونة وقول مالك في الموطأ في الرجل أو خادمه يسرق من مال زوجته من بيت حجرته عليهم أنهما يقطعان، وكذلك لو سرقت المرأة أو خادمها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهم، خلاف قول مالك في كتاب ابن المواز أنه لا قطع في ذلك؛ لأنه رأى ذلك خيانة ولم يرها سرقة كما قال ابن القاسم في المدونة في الضيف، والفرق عنده بين الضيف والزوجين يسرق كل واحد منهم من بيت يحجر عليه أن الإذن في الزوجين محكوم به، فأشبه السكان المتحاجرين في السكنى في دار واحدة، وإذن الضيف ليس بمحكوم به وإنما هو ائتمان منه باختياره، وبالله التوفيق.

مسألة: سرق الرجل مال ابنه مع أجنبي

مسألة وقال في ثلاثة نفر يدخلون بيت رجل فسرقوا ما يجب فيه

القطع فأخذوا وقطعوا وكان أحدهم مليئا، قال يغرم المليء قيمة ما سرقوا كلهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنهم إذا سرقوا معا فهم كالمحاربين كل واحد منهم ضامن بجميع ما سرقوا جميعا، ولا اختلاف في هذا احفظه، وقال في رجل دخل مع غلامي بيتي فسرق وقال: لا قطع عليهما، وغرم ما سرقا على الحر، وليس على غلامه شيء منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة، والمعنى في ذلك أن العبد قد أدخله دار مولاه الذي هو غير محجور عليه، فصار بذلك مأذونا له في دخول الدار، فسقط عنه القطع، ووجب عليه غرم جميع السرقة لاشتراكه مع العبد فيها؛ لأن السارقين معا كل واحد منهما ضامن لجميع السرقة، وكذلك إذا سرق الرجل مال ابنه مع أجنبي يسقط القطع عن الأجنبي، ويكون كل واحد منهما ضامنا لجميع السرقة، وكذلك إذا سرق الرجل مال ابنه مع رجل أجنبي يسقط القطع على الأجنبي، ويكون كل واحد منهما ضامنا لجميع السرقة يؤخذ بها المليء منهما عن المعدم، وأما إذا سرق رجل وصبي، أو مجنون سرقة قيمتها ثلاثة دراهم فإن القطع واجب على الرجل قاله في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.

مسألة: القت يحمل إلى الجرين فيمسي عليه الليل فينزل ويبيت عليه

مسألة قال ابن وهب في الراعي إذا أدركه الليل ولا يبلغ مراحه فيبيت على غنمه وقد جمعها إليه ثم سرق رجل منها شيئا، قال: يقطع من سرق منها شيئا، وقال ابن القاسم مثله، وقال أيضا في القت يحمل إلى الجرين فيمسي عليه الليل فينزل ويبيت عليه إنه يقطع من سرق شيئا من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة وقد تقدمت في رسم أسلم من

سماع عيسى ومضى هنالك توجيهها فلا معنى لإعادته.

مسألة: لا قطع على المختلس

مسألة وقال فيمن دخل بيت رجل فأخذ ثوبا فاتزر به ثم أخذ في البيت فانفلت منهم وخرج بالإزار وهم لا يعلمون به أنه عليه، قال: لا قطع عليه.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى، وهي صحيحة لأنه لم يخرج بالإزار على وجه السرقة إذا أخذوه به قبل أن يخرج من الحرز، وإنما خرج به على وجه الاختلاس، ولا قطع على المختلس.

مسألة: لا قطع حتى يخرج في مرة واحدة ثلاثة دراهم

مسألة وقال في السارق يدخل البيت في ليلة عشر مرات، وكل ذلك يخرج بقيمة درهم أو درهمين: إنه لا قطع حتى يخرج في مرة واحدة ثلاثة دراهم فيقطع.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والكلام عليها مستوفى في رسم كتاب السرقة من سماع أشهب فلا معنى لإعادته.

مسألة: عبيد الخمس يسرقون من الخمس

مسألة وقال ابن القاسم في عبيد الخمس يسرقون من الخمس: إنهم يقطعون، وإن سرق عبيد الفيء شيئا: إنهم يقطعون أيضا مثل المسألة الأولى سواء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أن ليسوا بملك لرجل معين فيكونون في سرقتهم بمنزلة العبد يسرق من مال سيده، وبالله التوفيق.

مسألة: ربط دوابه لا يحولها من موضعها فيسرق رجل منها دابة

مسألة وقال في رجل ضرب خباه في قرط وربط دوابه عليها لا يحولها من موضعها فيسرق رجل منها دابة، قال: لا قطع عليه فيها.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

مسألة: السارق يسرق من الإمام

مسألة وقال في السارق يسرق من الإمام: إنه يحكم عليه في القطع ولا يحكم عليه في السرقة، ورواها ابن عبد الحكم عن مالك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله ابن القاسم في هذه الرواية ورواه ابن وهب عن مالك؛ لأن القطع حد من حدود الله وحق من حقوقه واجب على الإمام الحكم به، ولا تهمة عليه في ذلك إذ لا ينجر إليه به منفعة، وأما السرقة فلا يحكم بها لنفسه عليه، إذ لا يجوز حكمه لنفسه كما لا تجوز شهادته لها، فإذا شهد الشهود عليه عنده بالسرقة منه وهو منكر للسرقة ومدع للمتاع أنه ماله وعجز عن المدفع في الشهود الذين شهدوا عليه حكم عليه بقطع يده وترك المال له، إلا أن يقر له به فيأخذه منه، وذهب الطحاوي إلى أنه لا يحكم عليه الإمام بالحد فيما سرق من ماله أو من مال من لا تجوز شهادته له إلا أن يقر بذلك على نفسه، قال: وإنما قطع أبو بكر الصديق الأقطع الذي سرق عقد أسماء زوجته من أجل أنه اعترف بذلك وإن كان في

حديث مالك فاعترف به الأقطع أو شهد عليه به، ففي غيره من الأحاديث أنه اعترف به من غير شك وهو الصواب، وإن كان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد قطع أيدي النفر الذين قتلوا الراعي واستاقوا الذود إلى أرض الشرك وأرجلهم وسمرأعينهم، واللقاح إنما كانت له، لا من الصدقة، بدليل قوله في الحديث: «اللهم عطش من عطش آل محمد» فليس ذلك لأحد بعده؛ لأن ما كان يفعله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فبأمر الله كان يفعله، فالحاكم به على من يفعل ذلك به وهو الله عز وجل، والقائم به بأمره هو رسوله فإليه أن يفعل ذلك بالبينات والإقرارات جميعا، بخلاف من سواه، هذا معنى قوله مختصرا، والصحيح ما ذهب إليه مالك على ما بيناه من وجه قوله، وبالله التوفيق.

: كتاب الحدود في القذف

مسألة: قوله إن لم أكن أصح منك فأنت ابن الزانية

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجرة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك في رجل قال لرجل على وجه المشاتمة يريد عيبه ولا يطعن عليه في نفسه يقول: إن لم أكن أصح منك فأنت ابن الزانية، يقول: أنا أصح منك في الأمور لست أقارب ما تقارب من العيوب، قال: عليه البينة أنه أصح كما ذكر، فإن جاء بالبينة على أمر معروف أنه أصح منه نكل بإذاية أخيه المسلم نكالا شديدا في هذا الوجه، وإن لم يأت ببينة فعليه الحد.
قال محمد بن رشد: إنما أوجب مالك عليه الحد إن لم يأت بالبينة أنه أصح منه؛ لأن كلامه خرج على وجه المشاتمة وهو يقتضي نفيه عن أبيه بشرط كونه أصح منه في الأمور؛ لأن معنى قوله إن لم أكن أصح منك فأنت ابن الزانية، إن كنت أصح مني فأنت ابن الزانية، ولعله قد قال له: فأنا أصح منك فخرج قوله جوابا له على ذلك؟ فوجب عليه الحد كما قال إن لم يثبت أنه أصح منه، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لرجل إن لم أكن أفضل منك فأنت ابن الزانية

مسألة وسئل عمن قال لرجل إن لم أكن أفضل منك أو خيرا منك أو نحو

هذا فأنت ابن الزانية، من أولى بطلب البينة في مثل هذا؟ القاذف أو المقذوف، قال: بل القاذف.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة كالمعنى في التي قبلها سواء، فلا زيادة على ما قلناه فيها، والله الموفق.

مسألة: العبد يعتقه سيده عند موته فيقذفه رجل قبل أن يقام عليه في ثلثه

مسألة قال مالك: أيما أمة قذفت برجل وقد أعتقت في وصية قبل أن يمضيها السلطان أن تخرج وإن كان في المال سعة فلا حد لها حتى تخرج، وقال ابن القاسم: ثم قال لي ذلك مالك غير مرة: إن كان له مال مأمون من عور وأرضين فهي حرة ترث وتورث، قال سحنون: بعد وفاة سيدها، ولم يكن في كتاب عيسى بعد الوفاة، قال ابن القاسم: وعلى من قذفها الحد إذا كان له مال مأمون كما وصفنا، وقال مالك في العبد يعتقه سيده عند موته فيقذفه رجل قبل أن يقام عليه في ثلثه ولسيده مال مأمون من دور وأرضين، قال: لا أرى فيه حدا حتى يقام ويتم حرمته وتجوز شهادته ويوارث أوراثه إن مات منهم ميت، ويرثونه إن مات، قال ابن القاسم: قال مالك: إن كان له مال دورا مأمونة وأرضين رأيت أن يعتق ويرثها ويورث ويضرب له الحد.
قال محمد بن رشد: حكم الموصي بعتقه بعد موت سيده كحكم المبتل في المرض في حياة سيده قبل أن يموت، اختلف قول مالك في ذلك اختلافا واحدا إذا كان له أموال مأمونة، فمرة قال: إنه يكون الموصي بعتقه بموت سيده حرا يرث ويورث، ويجب له الحد وعليه، ويكون المبتل في

المرض بنفس تبتيله إياه حرا يرث ويورث ويجب الحدود له وعليه، ومرة قال: لا يكون الموصى له بالحرية حرا بموت سيده وإن كانت له أموال مأمونة حتى يقوم ويعتق، ولا يكون المبتل في المرض حرا بتبتيله إياه حتى يصح أو يموت فيعتق في ثلثه، والقولان في المدونة، وقول سحنون: بعد وفاة سيدها، يريد أن الموصى بعتقها لا يحد من قذفها إذا كانت لسيدها أموال مأمونة إلا إذا كان ذلك بعد وفاة سيدها، وذلك على ما قال لا إشكال فيه، وبالله التوفيق.

: الذي يشتمه خاله أو عمه أو جده

ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك في الذي يشتمه خاله أو عمه أو جده لا أرى عليهم في ذلك شيئا إن كان على وجه الأدب له وكأني رأيت مالكا لا يرى الأخ مثله إذا شتمهم، وسئل ابن القاسم عن العم والجد والخال إذا كان من شتم أحدهم ما يفتري عليه، قال: يحدون إذا طلب ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم تفسير لقول مالك؛ لأنه إنما يتجافى لهم عن الشتم فيما دون ما يجب فيه الحد إذا كان ذلك منهم على وجه الأدب، ولم ير الأخ في ذلك مثل الجد والعم والخال، يريد إذا كان يقرب منه في السن والحال، وأما إذا كان له عليه من الفضل في السن والسداد والعقل والفضل ما يشبه أن يكون شتمه إياه أدبا منه له فيتجافى عنه في ذلك كالجد والعم والخال، وأما القذف فيحدون له إذا قذفوه كما قاله ابن القاسم، وإنما اختلف في الأب إذا قذف ابنه فاستثقل مالك في المدونة أن يحده، وقال: ليس ذلك من البر، وقال ابن القاسم: يحد له وعفوه عنه جائز عند الإمام، قال في كتاب ابن المواز: ولا تقبل شهادته إن حده لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] وهذا يضرب، وهو معنى قول مالك في المدونة: ليس ذلك من البر، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن الأب لا يحد له أصلا، وبالله التوفيق.

: قال يا مجلود قال إن كنت مجلودا فأنت فاسق فأتى عليه بالبينة أنه مجلود

ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن رجل قال لرجل يا مجلود، قال: إن كنت مجلودا فأنت فاسق فأتى عليه بالبينة أنه مجلود، أترى عليه شيئا؟ قال بئس ما قال حين قال فاسق ما أخف ما عليه، كأنه رأى أدبا يسيرا لقوله يا فاسق.
قال محمد بن رشد: قوله فأتى عليه بالبينة أنه مجلود يدل على أنه لو لم يأت عليه بالبينة في ذلك لحد، ولما كان قوله: إن كنت مجلودا فأنت فاسق إقرارا منه بأنه مجلود؛ لأنه إنما قاله على سبيل الجواب والرد لقوله، وإنما يسقط عنه الحد بإقامة البينة عليه أنه مجلود في حد، ولو أقام البينة عليه أنه مجلود في غير حد لوجب أن يحلف ما أراد إلا ذلك ويسقط عنه الحد، ورأى في قوله يا فاسق أدبا يسيرا لقوله ذلك في المشاتمة، ولو قال ذلك له ابتداء لوجب أن يكون الأدب في ذلك شديدا، وعلى قدر حال المقول له ذلك وحال القائل، فليس قول الساقط من الناس ذلك للرجل العالم الفاضل كقوله لغير الفاضل، ولو قاله الفاضل للساقط لوجب أن يتجافى له عن ذلك، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» على اختلاف بين أهل العلم في ذلك، إذ قيل إن معنى الحديث فيما لا يتعلق به حق لآدمي ولم يبلغ أن يكون حدا، وبالله التوفيق.

: يفتري عليه فيريد صاحبه المفترى عليه أن يستحلفه وليست له بينة إلا بادعائه

ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن الرجل يفتري عليه فيريد صاحبه المفترى عليه أن يستحلفه وليست له بينة إلا بادعائه قال: لا أرى أن يستحلف له، من يعلم ما قال؟ قيل له: فإن أتى بشاهد؟ قال: أرى أن يحلف

له، قيل له: فإن أبى أن يحلف قال: وهل يستطيع إلا أن يحلف إلا أن أصحابه أخبروني أنه قال يسجن أبدا حتى يحلف، ولم يختلفوا فيه جميعا أنه قال: يسجن حتى يحلف، وهو قولي.
قال محمد بن رشد: قد اختلف إذا لم يكن للمدعي بينة على دعواه على ثلاثة أقوال، أحدها: قوله في هذه الرواية: إنه لا يمين على المدعى عليه، والثاني: قوله في رسم العقول والجبائر من كتاب الجنايات: إن عليه اليمين، والثالث: قول ابن القاسم في أول سماع أصبغ من كتاب الجنايات: إنه لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك، فإن حلف على رواية أشهب أو على رواية أصبغ إن كان ذلك مشهورا بذلك برئ وإن نكل عن اليمين سجن حتى يحلف ما لم يطل ذلك، فإن طال خلي سبيله ولم يؤدب، وقال أصبغ: إنه يؤدب إذا كان معروفا بالأذى وإن كان مبرا في ذلك أي مشهورا به مبرزا فيه خلد في السجن، وكذلك اختلف أيضا إذا كان له شاهد واحد على دعواه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المدعى عليه يحلف وهو قوله في هذه الرواية فإن نكل عن اليمين سجن حتى يحلف ما لم يطل، فإن طال فعلى ما تقدم من قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم إذا أوجبت عليه اليمين بالدعوى فنكل عنها، والثاني: إنه إن كان معروفا بالشتم والسفه عزر ولم يستحلف، وإن لم يكن معروفا بذلك استحلف، وهو قول مالك في رسم القضاء لأشهب من سماع أشهب من كتاب الشهادات، إلا أنه ضعف اليمين، والثالث: إنه يحلف مع شاهده ويحد له، روي ذلك عن مطرف وهو شذوذ في المذهب أن يحد في الفرية باليمين مع الشاهد، ويتخرج في المسألة قول رابع: إنه لا يحلف مع شاهده في الفرية ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي يجب فيه الأدب، وكذلك اختلف أيضا في القصاص من الجراح باليمين مع الشاهد على ثلاثة أقوال وقد مضى هذا كله في الرسم المذكور في سماع أشهب من كتاب الشهادات عليه، وبالله التوفيق.

: قال له الذي تزعم أنه أبوك

ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك عن رجلين من بني سلمة وقعت بينهما مشاتمة فقال أحدهما لصاحبه: أبي خير من أبيك وأمي خير من أمك وما أمشى مقنعا رأسي، فقال له الآخر: هلم أباك الذي تزعم أنه أبوك فهذا من يعرف أبي ويعرف أباك ويعرف أمي ويعرف أمك، قال قال مالك: هذا أنكر ما تكلم به حين قال الذي تزعم أنه أبوك، ثم قال ما أرى في مثل هذا كله حدا والعفو في مثل هذا أمثل والصفح أفضل، فأما الحد فلا أراه ولا أرى في مثل هذا حدا.
قال محمد بن رشد: إنما قال إن أنكر ما تكلم به قوله الذي تزعم؛ لأن " زعم " إنما تستعمل في الأشياء المكروهة وفيما يتهم فيه القائل بالكذب، بخلاف قال وذكر، ولما كان لفظ يزعم لا يقتضي تحقيق الكذب عليه فيما زعمه لم ير في ذلك حدا، ورأى التجافي عن العقوبة في مثل ذلك أمثل وأولى من العقوبة فيه؛ لأنه قول خرج منه على سبيل الجواب لتعريضه بالريب في قوله وما أمشي مقنعا رأسي أي: إنك أنت تفعل ذلك، وعبر عن التجافي عن عقوبته بالعفو والصفح تجاوزا واستعارة، إذ ليس تجافي الحاكم عن عقوبة من تلزمه العقوبة عفوا له عن العقوبة ولا صفحا عنها، إذ ليس ذلك إليه، وإنما العفو والصفح للمقول له ذلك القول المؤذى به والله الموفق.

مسألة: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته

مسألة وسئل مالك عن تفسير حديث علي بن أبي طالب إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته أي البكر والثيب جميعا إذا أتى بأربعة

شهداء خلي سبيله، قال: لا أدري ما هذا لم أسمع فيه شيئا إنما أريد بهذا الحديث موضع الشهادة الذي يدعي هذا الأمر للبراءة له، قال ابن القاسم: أرى إذا قام أربعة شهداء في البكر والثيب يشهدون أنهم رأوه يزني بها ترك، وهذا تفسير الحديث.
قال محمد بن رشد: قوله في الحديث فليعط برمته معناه فليسلم بذاته للقود منه بمن قتل منهما، فنص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أنه يقتل إن لم يأت بأربعة شهداء، وسكت عن الحكم في ذلك إن أتى بهم، فاقتضى دليل قوله بحمله على عمومه ألا يقتل إن أتى بأربعة شهداء على معاينة الزنا كان المقتول منهما بكرا أو ثيبا، وقد اختلف في القول بدليل الخطاب ولذلك توقف مالك في ذلك فقال: لا أدري ما هذا لم أسمع فيه شيئا ثم قال بعد ذلك: إنما أريد بهذا الحديث موضع الشهادة الذي يدعي هذا الأمر للبراءة له، فرأى بدليل الخطاب ألا يقتل إذا أتى بأربعة شهداء ظاهره في البكر والثيب مثل قول ابن القاسم، وقد اختلف في ذلك إذا كان المقتول منهما بكرا على أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يقتل ويكون دمه هدرا، وهو قول المغيرة وعبد الرحمن، وظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذه الرواية، وقاله ابن عبد الحكم إذا علم التشكي منه به قبل ذلك، والثاني: أنه لا يقتل به وتكون الدية فيه على عاقلته، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز وفي المدنية وفي تفسير ابن مزين من رواية أصبغ عنه، والثالث: أنه لا يقتل وتكون الدية عليه في ماله، وهو قول أصبغ من روايته في تفسير ابن مزين، والرابع: أنه يقتل به وهو قول ابن الماجشون، فوجه القول الأول أن من أصابه مثل هذا يدركه من الغضب ما يفقد معه عقله فيكون حكمه في ذلك حكم المجنون الذي لا يعقل، وقد قيل فيه إن جنايته في المال والدم هدر، ويؤيد هذا ما روى حذيفة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي بكر: أرأيت لو وجدت مع أم رومان رجلا ما كنت صانعا به؟ قال: كنت صانعا به شرا، قال فأنت يا عمر؟ قال: كنت قاتله، قال فأنت يا سهيل بن بيضاء؟ قال: كنت أقول أو قائلا لعن الله الأبعد والبعد ولعن أول الثلاثة أخبر بهذا، فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تأولت القرآن يا ابن بيضاء ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] » الآية وموضع الدليل من الحديث أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم ينكر على عمر بن الخطاب قوله كنت قاتله فدل على أنه رآه معذورا فيما أخبر به من أنه كان يقتله، ومن طريق القياس أن هذا قتل عمد لا قصاص فيه ولم يجب فيه دية، ووجه القول الثاني أنه لما عذر بما أدركه من الغضب وحكم له في ذلك بحكم المجنون كانت الدية على عاقلته إذ قد قيل ذلك في المجنون، ووجه قول أصبغ أن الدية في ماله هو أن الشبهة في درء القود عنه لما لم يكن بينة أشبه شبه العمد عند من يقول به، وهذا هو أظهر الأقوال، إذ قد قيل إنه يقتل به، وممن قال ذلك ابن الماجشون، ووجهه أنه قاتل لمن لم يجب عليه بما صنع قتل فوجب أن يقاد منه، والدليل على ذلك من الحديث ما رواه أبو هريرة من حديث مالك في موطئه «أن سعد بن عبادة قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نعم؛» لأن

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: السارق كم من رجل يقوم سرقته أو هل يجوز تقويم واحد: سارق العبد الكبير الأعجمي يقطع سارقهمسألة: يسرق من الملاهيمسألة: الكلب يسرق وفي عنقه قدة وثمن القدة ربع دينارمسألة: سرق النصراني من النصراني مزمارا: سرق جلد ميتة مدبوغا: السفينة يركب فيها الجماعة فيسرق بعضهم من بعض: اتزر بإزار فأخذ في البيت والإزار عليه ثم أفلت من أيديهم: يدخل بيت رجل فأكل من الطعام ما يكون ثمنه أكثر من ربع دينارمسألة: يسرق بساطا من بسط المسجد التي تطرح في رمضانمسألة: لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبلمسألة: السرقة من حوانيت السوق التي تدخل بغيرإذن: سرق من رجل طعاما فلقيه بغيرالبلد الذي سرقه فيه: يدخل البيت فيأخذ دينارا فيزدرده ثم يخرج من الدارمسألة: ساق غنمه من مراحها إلى مسرحها فسرق منها أحدمسألة: الزرع إذا جمع وكان في حظير إن على سارقه القطع: سرق غزلا فنسجه ثوبا أو سرق لبنا فعمل منه جبنا أو سرق كتانا فغزل منه ثوبامسألة: سارق سرق عصفورامسألة: تى إلى أرض قوم فضرب فيها طوبا بغير إذنهممسألة: سرق ولا يمين له ولا يسار هل يقطع رجلهمسألة: أقر بسرقة هل يقطع بغير تعيينمسألة: عبد مملوك أوصي له بعتق فسرق بعد ما مات سيدهمسألة: يدعي قبله السرقة فيصالح على الإنكار لها ثم يأتي رجل فيقر أنه الذي سرقها: نشر في الدار ثوبا نشره بعض الأشراك فسرقه أجنبيمسألة: أضاف الضيف وأدخله داره فسرق من بعض منازل الدار: العبد يسرق من مال ابنه الحرمسألة: الرجل يقر بالسرقة فيعينهامسألة: يجعل ثوبه قريبا منه وهو في المسجد فيسرق الثوب: الذي يسرق حريسة الجبل فينضيها وتهزل عنده: سرق من مقثأةمسألة: يرى السارق يسرق متاعه فيأتي بشاهدين لينظرا إليهمسألة: دار الرجل حرز لما فيها وإن تركت مفتوحةمسألة: الراكب على البعير أو الحارز له حرز لهمسألة: القطع في السرقة حق لله تعالى: يخبب الدابة بالعلف فتخرج إليهمسألة: قال رأيت فلانا سرق ساجا وقال الآخر أشهد أنه سرق رداءمسألة: سرق فراشا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه نفقةمسألة: سرقت أوخادمها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهممسألة: سرق الرجل مال ابنه مع أجنبيمسألة: القت يحمل إلى الجرين فيمسي عليه الليل فينزل ويبيت عليهمسألة: لا قطع على المختلسمسألة: لا قطع حتى يخرج في مرة واحدة ثلاثة دراهممسألة: عبيد الخمس يسرقون من الخمسمسألة: ربط دوابه لا يحولها من موضعها فيسرق رجل منها دابةمسألة: السارق يسرق من الإمام: كتاب الحدود في القذفمسألة: قوله إن لم أكن أصح منك فأنت ابن الزانيةمسألة: قال لرجل إن لم أكن أفضل منك فأنت ابن الزانيةمسألة: العبد يعتقه سيده عند موته فيقذفه رجل قبل أن يقام عليه في ثلثه: الذي يشتمه خاله أو عمه أو جده: قال يا مجلود قال إن كنت مجلودا فأنت فاسق فأتى عليه بالبينة أنه مجلود: يفتري عليه فيريد صاحبه المفترى عليه أن يستحلفه وليست له بينة إلا بادعائه: قال له الذي تزعم أنه أبوكمسألة: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل