كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
: يقتل الرجلين عمدا فيثبت ذلك عليه فيصالح أولياء أحد القتيلين على الدية
ومن كتاب يشتري الدور والمزارع وسئل عن الرجل يقتل الرجلين عمدا فيثبت ذلك عليه فيصالح أولياء أحد القتيلين على الدية وعفوا عن دمه وأبى أولياء الآخر إلا أن يستقيدوا منه، فقال: القود لمن أخذه، ولا يمنع من قتله الولي الذي لم يرد إلا القود، من أجل ما رضي به الذين صالحوا على دم صاحبهم؟ ولكن إن استقادوا، بطل صلح الذين صالحوه؛ لأنه إنما صالحهم للنجاة من القتل، فإذا أبى الآخرون إلا القود؛ فلا يجمع عليه القتل وذهاب المال في أمر لم يدخل عليه به مرفق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أن الصلح لا يلزم المصالح إذا أبى الولي الآخر إلا القود، وفيه أيضا فساد إن كان نفذ من أجل الخيار الذي للولي الثاني، فلا يجوز وإن أجازه الولي الثاني إلا على اختلاس، إذ قد اختلف في الصلح ينعقد بين المتصالحين على حرام، فقيل: إنه يفسخ ولا يجوز، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرام حلالا» . وهو قول مطرف، وابن الماجشون؛ وقيل: إنه ينعقد إذا وقع في وجه الحكم، لما روي أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أتي بصلح فقرأه، فقال: هذا حرام، ولولا أنه صالح لفسخته.
وهو قول أصبغ، قال: وأما فيما بينه وبين الله، فلا يحل له أن
يأخذ إلا ما يجوز في التبايع، وأما إذا وقع الصلح بمكروه، فقيل: إنه يمضي، وهو قول مطرف، وقيل: إنه يرد ما لم يطل، وهو قول ابن الماجشون، وبالله التوفيق.
مسألة: يدعي قبل الرجل أنه سرق غلاما له وينكر المدعى عليه
مسألة وسئل عن الرجل يدعي قبل الرجل أنه سرق غلاما له، وينكر المدعى عليه، فيصطلحان على مال يغرمه المدعى عليه للمدعي، ثم يوجد العبد، فقيل له: لمن يكون: ألسيده؟ أم للذي صولح حين ادعى عليه أنه سرقه؟ فقال: يكون للذي ادعى عليه أنه سرقه بالذي غرم في الصلح؟ قيل له: فلا يكون السيد أحق به إذا ظفره الله بعبده، ويرد المال الذي أخذ بالصلح؟ فقال: ليس ذلك له؛ لأنه لو وجد العبد أعور، أو أقطع؛ أو وجده بعد زمان- وهو هرم أو دخله نقص يعطبه، فقال الذي صالح عما ادعى عليه: إذا جاء إليه بالعبد، فاردد علي ما أخذت مني وخذ عبدك معيبا، أو صحيحا بحال ما وجدته؛ فليس ذلك له، ولا ينتقض عنه الصلح بظهور العبد؛ لأنه وقع بأمر جائز حلال، فهو ثبت بينهما ويكون العبد للذي صولح بما غرم- وجد صحيحا أو معيبا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو على معنى ما في المدونة؛ لأنه لما ادعى عليه أنه سرق غلامه فأنكر، تعينت له عليه اليمين، ومن حقه أن يردها على المدعي.
فيحلف ويأخذ قيمة عبده، فإذا اصطلحا، فقد باع منه بما اصطلحا عليه ما كان يجب له به الرجوع عليه من قيمة عبده لو
حلف على ألا يحلف، فوجب أن يكون العبد للمدعى عليه إن وجد بما أخذ منه في الصلح على ألا يحلفه، وإن كان على حاله التي كان عليها حين سرق أو أفضل منها؛ لأنه رضي بما أخذ، ولو شاء استثبت ولم يعجل، وكذلك إذا وجد، وهو أقطع أو أعور، ولا يكون للمدعى عليه أن يقول له: هذا عبده فخذه ورد علي ما أخذت مني؛ لأنه يقول له أنت سرقته مني وغيبته عني، وقد وقع الصلح فيه بيني وبينك على أمر جائز، فليس لك أن تنقضه، ولو أقر صاحب العبد للمدعى عليه لما وجد العبد مقطوعا أو أعور، أنه لم يسرقه منه، وأنه ادعى عليه باطلا، لوجب عليه أن يأخذ عبده ويرد عليه ما أخذ منه، وبالله التوفيق.
: امرأة ذات زوج لها أرض فغرس زوجها فيها
من سماع عبد المالك بن الحسن من ابن وهب قال عبد المالك سئل عبد الله بن وهب عن امرأة ذات زوج لها أرض فغرس زوجها فيها، أو بنى بنيانا ثم هلك، فادعت ذلك البنيان، أو الغراس أنها هي بنته بمالها، أو غرسته، وادعى ورثة زوجها، أن العمارة لزوجها؛ من أولى بتلك العمارة - إذا لم يكن لواحد منهما بينة أو قامت البينة لورثة الزوج، فادعت المرأة أن زوجها عمر لها أرضا بنفقتها وبمالها، وأنكر ذلك ورثة الزوج وقالوا إنما أنفق ماله وعمر، وغرس لنفسه في أرض المرأة؟ فقال: إن كانت الأرض معروفا أصلها للمرأة لا تدافع عنها بوجه من الوجوه، فلم يقم لورثة الزوج بينة على نفقة ولا على ولاية بنيان ولا
قيام عليه، فالقول قول المرأة، ولا شيء لورثة الزوج ولا للزوج لو كان حيا عليها أكثر من يمينها على ما يزعمون؛ وإن عرفت نفقة الزوج وبنيانه إياه وقيامه، فالمرأة مخيرة إن شاءت أعطته قيمته منقوضا وإن شاءت طرحت ذلك؛ وإن ادعت أنه إنما بناه بمالها أو أنها أعطته ما بناه من مالها لم تصدق إلا ببينة تقوم لها، وكان عليها غرم ذلك؛ قال: وقال أشهب: إذا كان الزوج حيا، فالقول في ذلك قوله؛ وإذا مات الزوج، فالقول في ذلك قول المرأة؛ إلا أن تقوم بينة أن الزوج كان يدعي في حياته تلك المرمة ولو مرة واحدة، فيكون القول في ذلك قول الورثة مع أيمانهم: ما يعلمون العمارة ولا شيئا منها للمرأة.
ومن كتاب الجواب من سماع عيسى قال عيسى وسألت ابن القاسم عن الرجل يبني في أرض امرأته بنفسه ورقيقه أو يرم لها بعض ما ورث من بنيانها، ثم يطلب النقض، أو يموت فيطلب ذلك ورثته؛ قال ابن القاسم: ذلك له إن كان حيا، أو لورثته إن كان ميتا، إذا علم أنه الباني لذلك والقائم به، فإن ادعت المرأة أنه إنما بناه من مالها، وأنها أعطته ذلك وفوضت إليه، حلف إن كان حيا إن لم تكن لها بينة، وإن كان ميتا حلف ورثته إن كانوا ممن قد بلغ علم ذلك، أو ممن يبلغ منهم، ثم استحقوا نقضهم.
قال محمد بن رشد: فرق ابن وهب في هذه الرواية بين أن تقر المرأة لزوجها أنه بنى البنيان وتدعي أنه إنما بناه بمالها وبين أن تنكر أن يكون
بناه، فيقيم هو البينة أنه بناه، فقال: إنه إذا أقرت له بأنه بناه وادعت أنه إنما بناه بمالها، يحلف أنه إنما بناه بماله مكذبا لدعواها، كان له عليها ما أنفق، وأنه إذا أنكرت أن يكون بناه، فأقام هو البينة على أنه بناه، لم يكن له إلا نقضه يقلعه، إلا أن يشاء أن تعطيه قيمته منقوضا؟ وساوى ابن القاسم في رواية عيسى هذه عنه بين الوجهين في أنه لا يكون له إلا قيمة نقضه منقوضا أو يقلعه؛ لأنه إذا قال ذلك في الذي أقرت له بالبنيان وادعت أنه بناه بمالها وحلف على ذلك، فأحرى أن يقوله في الذي أنكرت أن يكون بناه هو فأقامت البينة على ذلك، فلا اختلاف بينهما إذا أنكرت أن يكون بناه، فأقام البينة على ذلك في أنه ليس له إلا نقضه يقلعه، إلا أن يشاء أن تعطيه قيمته منقوضا، وإنما اختلفا إذا أقرت له أنه بناه وادعت أنه بناه بمالها؟ فقال ابن وهب له نفقته، وقال ابن القاسم: له نقضه يقلعه إلا أن يشاء أن تعطيه قيمته منقوضا؛ فحمل ابن وهب أمره في ذلك على الوكالة حتى يثبت عليه التعدي.
وقوله في ذلك صحيح على قياس قول مالك في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي رسم البز من سماعه أيضا من كتاب المديان والتفليس - في أن تصرف الرجل في مال امرأته، محمول على الوكالة لا على التعدي؛ وحمل ابن القاسم أمره في ذلك على العداء، حتى يثبت أنها امرته بذلك ووكلته عليه؛ ولو أقرت أنها أذنت له في البنيان بمالها، فادعى هو أنه أنفق في ذلك ماله، لكانت له نفقته عندهما جميعا بعد يمينه أن النفقة في ذلك كانت من عنده؛ وقد مضى بيان هذا أيضا في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق، وفي كتاب آخر رسم
الكبش من سماع يحيى منه؛ ونزل على مذهب ابن القاسم وابن وهب ورثة الزوج منزلته في الدعوى وإن لم تعلم منه في ذلك دعوى، خلاف قول أشهب أنهم لا ينزلون منزلته في الدعوى إلا أن تعرف منه الدعوى، ووجه قوله أنه حمل بنيانه في دار امرأته وغرسه في أرضها على العطية منه لها، لما بينهما من حرمة الزوجية التي تقتضي المعروف بينهما بخلاف الأجنبيين، ألا ترى أنه قد قيل في هبة أحد الزوجين لصاحبه: أنه لا ثواب له في هبته إياه، إلا أن يشترط الثواب؛ وهو قول ربيعة في المدونة، وأحد قولي مالك فيها؛ وقول أشهب في هذه المسألة على قياس قولهم في الذي ينفق على ولده ولهم بيده مال ناض قد ورثوه فيموت، أنهم لا يحاسبون بما أنفق عليهم أبوهم من ماله، إلا أن يكتب ذلك عليهم ويوصي أن يحاسبوا ذلك، وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة تحصيل القول في هذا، وبالله التوفيق.
: اصطلحا على أن رضي كل واحد منهما يمين صاحبه في كل ما يدعي
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيع والصرف قال أصبغ بن الفرج: وسئل ابن القاسم عن رجلين اصطلحا على أن رضي كل واحد منهما يمين صاحبه في كل ما يدعي كل واحد منهما وطرحا بيناتهما، فمن حلف منهما على ما يدعي
عليه به صاحبه سقط عنه، وإن نكل غرم بلا رد يمين، أو برد يمين، فإن ادعى بعد ذلك شهادة أحد، فلا شهادة لهم، فاصطلحا على هذا؛ قال: ذلك جائز ثابت لا بأس به، قيل له: فإن كان هذا مكتوبا، فما ثبت لكل واحد منهما على صاحبه فهو يؤخر له به إلى أجل مسمى، فقال: لا خير فيه ولا يعجبني إذا كان ذلك شرطا يلزم فأما إن لم يكن شرطا يلزم فلا بأس أن يتطوع بذلك وقاله أصبغ بن الفرج كله، ولا أفسخ الذي أقر على أن يؤخره، فإني أمضيه إذا وقع وألزمه الإقرار وأجعل له التأخير والأجل، ولا أجد في حرامه من القوة والتهمة ما أبطله به، وإنما هو أحد وجهين: أن يكون حقا عليه هي نظرة، أو يكون باطلا ليست عليه فيتطوع به له لأجل، كالهبة والهدية، والله أعلم؛ قال أصبغ: وهو الذي وجدت الناس على، إمضائه لا أعلمه إلا وقد قاله هو أيضا ورجع إليه واختلف قوله فيه أيضا.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ: أن الصلح إن وقع على أن يؤخر كل واحد منهما صاحبه بما ثبت عليه بنكوله أو يحلف صاحبه، فهو مكروه ولا يفسخ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون حقا فهي نظرة، أو باطلا فهي هبة، ليس ببين؛ لأنه يخشى أن يكون ما يثبت لكل واحد منهما على صاحبه حقا يكون قد أخر كل واحد منهما صاحبه بما ثبت له عليه على أن يؤخره هو بما ثبت له عليه، فيدخله أسلفني وأسلفك، ويخشى أن يكون أيضا لأحدهما على صاحبه أقل من العدد الذي يؤخره به، فيكون إنما نكل عن اليمين وردها على صاحبه ليؤخره بالخمسة التي له عليه إلى أجل على أن يعطيه بها عشرة عند الأجل، إلا أن هذا لا يتحقق، فالأظهر إجازة الصلح كما قال، لا
سيما ومن مذهبه أن الصلح على الحرام يجوز عنده في وجه الحكم، ولا يفسخ وإن كان لا يجوز عنده لأحد المتصالحين فيما بينه وبين الله إلا ما يجوز في التبايع، وفي هذا تفصيل؛ أما إذا انعقد الصلح على الحرام بين المتصالحين، فلا يجوز ويفسخ باتفاق؛ مثل أن يدعي رجل على رجل دعوى فينكره في بعضها، فيصالحه على جميعها بما يتفقان عليه على أن يسلف أحدهما صاحبه سلفا، فهذا لا يجوز باتفاق؛ لأنه بيع وسلف، وأما إن ادعى رجل على رجل دعوى أنكره في جميعها، فصالحه عنها بما سمياه على أن أسلف أحدهما صاحبه سلفا أو ما أشبه ذلك مما هو في معناه، مثل أن يدعي رجل على رجل إردب قمح فينكره فيه، فيصالحه عنه على شعير إلى أجل؛ ومثل أن يدعي عليه حقا فينكره فيه فيصالحه عنه على سكنى دار أو خدمة عبد، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا لا يجيزه مطرف وابن الماجشون، ويفسخانه ولا يمضيانه، ويجيزه أصبغ ويمضيه في وجه الحكم ولا يفسخه؛ لأن المطلوب يدعي صحته ويريد إجازته ويقول للطالب: إن كنت محقا في دعواك، فلا يحل لك أن تأخذ فيما تدعي ما لا يجوز لك أن تأخذه في البيوع، ووجه المخرج له من ذلك إن كان صالح عن القمح بشعير أن يبيع الشعير ويشتري منه القمح الذي له ويدفع بقيته إن كان فيه فضل إلى صاحبه، وإن كان صالح عن حق بسكنى دار واستخدام عبد لم يسكن الدار ولا استخدم العبد، وأكرى ذلك بالنقد، فاستوفى منه حقه ودفع الفضل إن كان فيه فضل إلى صاحبه؛ ولو رفع ذلك إلى الإمام فكان هو الذي يفعل ذلك، لكان أخلص له- والله أعلم؛ وأما إذا وقع الصلح على وجه ظاهره الفساد ولا يتحقق في جهة واحد من المتصالحين، فهذا لا يفسخ باتفاق، وتورع كل واحد منهما في خاصة نفسه، وذلك نحو مسألتنا هذه في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
مسألة: يدفع إلى الصراف الدينار يزنه فيقول الصراف قد رددته إليك
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يدفع إلى الصراف الدينار يزنه فيقول الصراف قد رددته إليك، ويقول الرجل لم ترده إلي وهما في مجلسهما ومكانهما، قال: القول قول الصراف ويحلف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أن القول قول الصراف مع يمينه أنه قد رده إليه إذا كان إنما دفعه إليه ليزنه له ويرده إليه؛ لأنه مؤتمن على رده ولو دفعه إليه ليزنه فيعطيه صرفه، فقال قد رددته إليك إذ لم أجده وازنا وأنكر دافعه، لوجب أن يكون القول قول صاحب الدينار إنه ما صرفه إليه، وبالله التوفيق.
: شهدا على رجل أنه قال لفلان علي مائة دينار
ومن كتاب البيوع قال وسئل ابن القاسم عن رجلين شهدا على رجل أنه قال: لفلان علي مائة دينار، أو لفلان لا يدريان أيهما هو، قال ليس عليه أن يغرم أكثر من المائة، ثم يحلف هذان المسميان، ثم يقتسمان المائة بينهما؛ قال أصبغ: يحلف كل واحد منهما أنه هو، وأن له عليه مائة ثابتة؛ فمن نكل منهما فهي للآخر إن حلف؛ وإن نكلا جميعا اقتسماها بينهما بغير يمين بمنزلة حلفهما جميعا، فإن رجع الشهيدان عن شهادتهما بعد الحكم وزوروا
أنفسهما، غرما ذلك للمشهود عليه إذا كان يوم شهدا منكرا لشهادتهما.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا مفسر لقول ابن القاسم، وفي قوله فإن رجع الشهيدان في شهادتهما بعد الحكم وزوروا أنفسهما، غرما ذلك للمشهود عليه إذا كان يوم شهدا منكرا لشهادتهما، دليل على أنه لا فرق فيما يلزم المقر بهذه الشهادة بين أن يكون مقرا بها، أو منكرا لها، وإنما يفترق ذلك فيما يلزم الشهيدين من الغرم برجوعهما عن الشهادة، خلاف ما ذهب إليه ابن دحون فيما رأيت له أنه قال: معنى هذه المسألة أن المقر هو الشاك، إنه أنكر إقراره فيلزمه بالبينة، غرم المائة يقتسمانها بينهما؛ ولو كان مقرا بما قال، للزمه غرم مائتين.
وقوله لا يدريان أيهما هو، معناه أنهما لا يدريان ذلك من أجل أن المشهود عليه هو الذي قال لفلان علي مائة دينار أو لفلان من أجل أنه لم يدر لمن هي منهما، فحصل الشك من المشهود عليه لا من الشاهدين، ولو كان الشك من الشاهدين بأن يقولا أشهدنا فلان أن عليه مائة دينار لأحد هذين الرجلين وسماه لنا، إلا أنا لا ندري من هو منهما نسيناه، لما جازت شهادتهما على المشهور في المذهب، وحلف لكل واحد منهما- إن كان منكرا أو لمن أنكر منهما- إن كان مقرأ لأحدهما؛ وقد قيل أن شهادتهما جائزة يلزمه بها مائة واحدة تكون لمن حلف منهما إن نكل أحدهما، أو يقتسمانها بينهما إن حلفا أو نكلا، وهو الذي يأتي على ما وقع في أصل الأسدية من كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، ولابن وهب في رسم الأقضية والوصايا من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات، وقد قيل في هذا النحو من الشهادات أنها تجوز في الوصية بعد الموت، ولا تجوز على الحي؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال في الجملة: إجازتها في الوجهين، وإبطالها في
الوجهين، والفرق بين الموضعين؛ وكذلك يتحصل ثلاثة أقوال في الذي يقر بالمائة لأحد هذين الرجلين من دين أو وديعة لا يدري لمن هي منهما، أحدها: أنها لا تلزمه إلا مائة واحدة تكون لمن حلف منهما.
والثاني: أنه يلزمه أن يغرم مائة لكل واحد منهما.
والثالث: الفرق بين الوديعة والدين، وقد مضى هذا في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى من هذا الكتاب، ومضى الكلام على المسألة مستوفى في رسم يدير ماله من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، لتكرر المسألة هناك، والله الموفق.
: ادعى قبل رجل جارية أنه رهنها عنده
ومن كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عمن ادعى قبل رجل جارية أنه رهنها عنده، ويقول الآخر: إنما اشتريتها منك، فشهد للمدعي شاهدان أنه رهنها عنده، وشهد للآخر شاهدان أيضا على الاشتراء.
ولا يدري الرهن أولا أو البيع؟ قال: الاشتراء أولى إذا قامت له البينة أنه اشترى، فهو أثبت؛ لأنه قد ثبت أنها له؛ فالاشتراء أثبت، إلا أن يقيم المدعي البينة أنه رهنه إياها بعد الاشتراء، فيعرف أنها قد رجعت إليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن بينة الشراء قد أحقت انتقاد الملك بالبيع، فوجب إلا يبطل ذلك بإشهاد على الرهن، لاحتمال أن يكون الرهن قبل البيع، وبالله التوفيق.
: ادعيا دارا فأقام أحدهما شاهدين والآخر شاهدا
ومن كتاب محض القضاء وسئل ابن القاسم عن رجلين ادعيا دارا فأقام أحدهما شاهدين
والآخر شاهدا والشاهد أبرز في العدالة، والدار ليست في يد واحد منهما؛ قال: الدار لصاحب الشاهدين، قال أصبغ: صاحب الأبرز مع يمينه أحق.
قال محمد بن رشد: قد اختلف قول ابن القاسم في هذا، فروى أبو زيد عنه في كتاب الشهادات مثل قول أصبغ، ومثله ذكر ابن المواز في كتابه أنه يقضي بالشاهد الواحد- وإن كان الذي شهد بخلافه أربعة دونه في العدالة، وقول ابن القاسم في هذه الرواية أظهر؛ إذ من أهل العلم من لا يرى الحكم باليمين مع الشاهد أصلا، ومنهم من لا يرى الترجيح بين البينتين أصلا؛ فالقول بأنه يقضي بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق إذا كان أعدل من الشاهدين، إغراق في القياس، ومثل قول ابن القاسم في هذه الرواية حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون قالا: ولو كان الشاهد أعدل أهل زمانه، وقد مضى في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات ذكر الاختلاف في الترجيح بين الشهود، وفي آخر سماع عيسى منه- القول في الترجيح بين المعدلين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: العبد يدعي العتق من سيده عند موته
مسألة قال وسألته عن العبد يدعي العتق من سيده عند موته، فيريد أن يحلف الورثة من علم ذلك؛ قال: ما ذلك له، قلت فإن ادعى أن الوارث قد حضر ذلك فأراد استحلافه، فقال ليس ذلك له؛ قال أصبغ: ولا بشاهد أيضا هنا.
قال محمد بن رشد: أما إذا لم يكن له شاهد على ما يدعيه من عتق سيده إياه فبين أنه لا يمين على الورثة: وإن ادعى العبد عليهم أنهم قد حضروا ذلك وعلموا به؛ لأن اليمين إذا لم تجب على السيد، فأحرى ألا تجب على الورثة؛ وأما إذا كان له شاهد على عتق سيده إياه وادعى على الورثة علم ذلك، فقول أصبغ ههنا: أنه لا يمين عليهم مع تحقيق الدعوى بالمعرفة عليهم بعيد، وقد روى ابن القاسم عن مالك في رسم قطع الشجر من سماعه من كتاب العتق أن الورثة يحلفون ما علموا بعتق صاحبهم إذا لم يجد إلا شاهدا واحدا، ظاهره وإن لم يدع المعرفة عليهم؛ ومثله في المدونة، وههنا يصح الخلاف؛ لأنها يمين تهمة، وبالله التوفيق.
مسألة: يدعي حقا قبل الرجل فيقول احلف لي أن ما ادعي عليك ليس حقا
مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن الرجل يدعي حقا قبل الرجل فيقول احلف لي أن ما ادعي عليك ليس حقا، وأبى فيقول له بل احلف أنت وخذ، فإذا هم المدعي أن يحلف، بدا للمدعى عليه وقال لا أرضى بيمينك ولم أظنك تجتري على اليمين؛ هل ذلك عند سلطان وعند غير سلطان سواء؟ قال ليس ذلك للمدعى عليه أن يرجع ويحلف المدعي ويحق حقه على ما أحب الآخر أو كره؛ لأن المدعى عليه قد رد عليه اليمين، فليس له لرجوع فيها؛ وسواء كان ذلك عند سلطان أو غير سلطان- إذا شهد عليه بذلك، وهو الحق- إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة على- نصها- في رسم
الجواب من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، ومثل قوله هذا في كتاب الديات من المدونة، ولا خلاف أعلمه من أنه ليس له أن يرجع إلى اليمين بعد أن يردها على المدعي، واختلف هل له أن يرجع إليها بعد أن نكل عنها- ما لم يردها على المدعي، فقيل: ليس ذلك له وهو ظاهر ما في الديات من المدونة، ورواية عيسى عن ابن القاسم في المدنية؛ وقيل ذلك له وهو ظاهر قول ابن نافع في المدنية، والقولان محتملان، وبالله التوفيق.
: يدعي السلعة بيد الرجل فيخاف على سلعته أن تتلف
من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ وسئل أصبغ فقيل له: الرجل يدعي السلعة بيد الرجل فيخاف على سلعته أن تتلف فيشتريها من الذي هي في يديه، ثم يريد القيام عليه بعد ذلك ببينة فقال: إن كان لم يعلم أن له بينة ولم يعلم بذلك، فذلك له إن ثبتت البينة ويرجع بماله، وإن كان قد علم أن له بينة وعرف موضعها، فلا أرى له بعد ذلك كلاما ولا حجة؛ وإن زعم إنه إنما اشتراها بدارا ومخافة أن يغيبها أو ينفقها- وإنما ذلك- عندي مثل الرجل يصالح وهو يعلم أن له بينة، إلا أن تكون بينته بعيدة جدا ويكون قد أشهد قبل أن يشتريها- أنه إنما يشتريها لما يخاف من أن يغيبها الذي هي في يديه لموضع غيبة بينته وبعدها، ثم يقوم بعد ذلك عليه، فأرى ذلك ينفعه إذا كان كذلك، وإلا فلا كلام له ولا حجة؛ قال: وإن أتى ببينة بعد الاشتراء، وزعم أنه لم يعلم بها، وقال البائع: قد علمت واشتريت على علم بها أو صالحت، فالقول قوله أنه لم يعلم مع يمينه، إلا أن يثبت عليه
أنه قد علم؛ لأنه ثبت له الرجوع بماله وأخذه، فالبائع مدع عليه ما يسقط ذلك بالثبت عليه.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ في هذه الرواية أن له أن يقوم بعد الصلح ببينته التي علم بها إذا كانت بعيدة جدا، وقد كان أشهد قبل أن يشتريها أنه إنما يشتريها مخافة أن يغيبها الذي هي في يديه لبعد غيبة بينته، خلاف ظاهر ما في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس من أنه لا ينتفع بالإشهاد قبل الصلح في مغيب بينته، إذ لم يفرق في ذلك بين قرب الغيبة من بعدها، والأولى أن يتأول على أنه إنما تكلم على أن غيبة الشهود غير بعيدة جدا، فيكون قول أصبغ هذا مفسرا لقول ابن القاسم هناك؛ ولا احتمال في أنه لا ينتفع بالإشهاد في السر إذا كانت غيبته غير بعيدة، وقد مضى هناك تحصيل القول في هذه المسألة بتقسيم وجوهها، فلا معنى لإعادته مرة أخرى، وبالله التوفيق.
مسألة: توفي فجاءت امرأته بصداقها على زوجها فأنكر وارثه
مسألة قيل لأصبغ رجل توفي فجاءت امرأته بصداقها على زوجها) فأنكر وارثه، غير أنه أشهد نفرا فقال: إن قامت على ما تذكر بينة عدلة، فهو في مالي؛ فشهد على الصداق شاهد عدل، فقال قد قلت إن أقامت بينة، فالواحد ليس ببينة، إنما أردت شاهدين؛ قال ذلك له ويحلف ويبرأ حتى تقيم شاهدين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه الظاهر من قوله، مع أنه
لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه، فإذا حلف برئ ولم يلزمه في ماله شيء، وحلفت هي مع شاهدها أن ما شهد به حق، وإنها ما قبضت ولا وهبت، وإنه لباق عليه إلى حين يمينها وتستوجب حقها في تركته، وبالله التوفيق.
: الوصي يجوز صلحه عن اليتيم
ومن كتاب الوصايا الأول من سماع أصبغ قال أصبغ سألت ابن القاسم عن الوصي أيصالح لليتامى؟ قال: نعم إذا رأى لذلك وجها، وكان على وجه النظر؛ قلت له: وكيف يعرف وجه ذلك: أبالسلطان؟ قال بل يصالح فإن طلب نقض ذلك بعد ورفع نظر السلطان فيه- إذا رفع إليه، فإن رأى وجه ضرر نقضه، وهو أبدا جائز حتى يرى وجه ضرر غير وجه النظر.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات، وظاهرها أن الوصي يجوز صلحه عن اليتيم الذي إلى نظره فيما طلب له من حق أو طلب به في أن يأخذ بعض حقه الذي يطلب له، ويضعه إذا خشي ألا يصح له ما ادعاه، وبأن يعطي من ما له بعض ما يطلب به إذا خشي أن يثبت عليه جميع ما يطلب له.
وهو له في النوادر مكشوفا خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون من أنه يجوز له أن يصالح عنه فيما طلب له من حق، بأن يضع بعضه ويأخذ بعضه؛ ولا يجوز له أن يصالح عليه فيما طلب به ببعض ذلك، والصواب ألا فرق بين الموضعين كما ذهب إليه ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: دابة ادعاها رجلان وليست بيد واحد منهما
مسألة وسئل ابن القاسم عن دابة ادعاها رجلان وليست بيد واحد منهما، فأقام أحدهما البينة أنها نتجت عنده، وأقام الآخر البينة أنها اشتراها من المغانم، قال أراها للذي اشتراها من المغانم، ولا يشبه الذي اشتراها من سوق المسلمين؛ لأن هذه تسرق وتغصب وتؤخذ بغير حق، وليست تحاز عن الذي نتجت عنده إلا ببينة تثبت عليه أنه باعها، أو بأمر يحاز يستيقن أنها خرجت من يد صاحبها، وأن الذي يشتري من المقاسم يستيقن أنها خرجت من يد صاحبها حين حازها المشركون؛ فالمشتري أولى بها لحيازة المشركين إياها، قال: ولو وجدت في يد الذي نتجت عنده وأقام هذا البينة أنه اشتراها من المغانم، أخذها منه أيضا، وكان أولى بها؛ إلا أن يشاء أن يدفع إليه الثمن ويأخذها.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة أيضا وقعت في بعض الروايات وهي مسألة صحيحة، والمعنى فيها بين؛ لأن ملك المشركين لها، يرفع ملك سيدها عنها؛ فيكون من اشتراها من المغانم، كمن اشتراها من سوق المسلمين بعد أن علم أن الذي نتجت عنده باعها أو وهبها أو تصدق بها، وبالله التوفيق.
تم كتاب الدعوى والصلح- والحمد لله
: كتاب الاستلحاق
المولى يعتق أبوه في الزمان الأول ثم يهلك ولا يدع وارثا إلا مولى وقرابة
(كتاب الاستلحاق) من سماع ابن القاسم من مالك - رواية سحنون من كتاب قطع الشجر- قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سئل مالك عن المولى يعتق أبوه في الزمان الأول ثم يهلك ولا يدع وارثا إلا مولى وقرابة يلقاهم إلى أب جاهلي، قال: إن كان مجهولا فلا يرثه قرابته وإن لم يكن مجهولا وكان من أهل قرية افتتحت عنوة فسكنها أهل الإسلام وصارت دارهم، فإن من أعتق من أولئك ويسلم من بقي من قرابتهم، فأرى أن يتوارثوا بالنسب ولا يكون لمواليه من ميراثه شيء، وذلك أنهم سكنوا مع قرابتهم بقريتهم ومكانهم وليسوا مثل
المحمولين الذين يؤتى بهم من بلد آخر فيتعارفون في دار الإسلام، فيقولون (نحن إخوة وقرابة ما كانت) ، فإن أولئك لا يتوارثون، وأما هؤلاء الذين ذكرت أنهم لم يخرجوا من مكانهم فإن أهل الإسلام دورهم وصارت دارهم دار أهل الإسلام، فإن هؤلاء يتوارثون بالقرابة، وإن لم تثبت قرابتهم، إلا إلى جاهلي، فإن أولئك يتوارثون.
قال ابن القاسم: وقال لي مالك: لو أن أهل حصن أسلموا أو جماعة لهم عدد فتحملوا إلى بلد المسلمين، رأيت أن يتوارثوا بأنسابهم؛ وأما النفر اليسير مثل الثمانية والسبعة، فلا أرى أن يتوارثوا، قال ابن القاسم: والعشرون عندي عدد يتوارثون، قال سحنون: لا أرى العشرين عددا يتوارثون.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في ولادة الشرك هل يتوارث بها في الإسلام أم لا- على قولين، أحدهما - وهو قوله الأول أنه لا يتوارث بها في الإسلام وإن ثبت النسب بعدول من المسلمين على ظاهر ما روي من أن عمر بن الخطاب أبى أن يورث أحدا من الأعاجم إلا أحدا ولد
في العرب، وهو قول ابن الماجشون وأبيه عبد العزيز بن أبي سلمة، والمغيرة، وابن دينار، وربيعة، وابن هرمز.
والثاني الذي رجع إليه أنه لا يتوارث بها إلا أن يثبت النسب بالبينة العدلة، مثل الأسارى من المسلمين يكونون عندهم، أو الحربيين يأتون بأمان فيسلمون، أو يسبون فيعتقون ويسلمون، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب؛ ذكر ابن أبي شيبة عن الشعبي أن عمر بن الخطاب كتب إلى شريح ألا يورث الحميل إلا ببينة، وإلى هذا ذهب ابن القاسم، ورواه عن مالك؛ فقال: إنما تفسير قول عمر لا يتوارث بولادة الأعاجم في الدعوى خاصة؛ وأما إن ثبت ذلك بعدول من المسلمين كانوا عندهم فهم كولادة المسلمين وهو الصحيح في النظر، إذ لم ينص عمر ما روي عنه أنهم لا يتوارثون بحال وإن ثبت النسب ببينة؛ فتفسير قوله بقوله أولى من أن يحمل على الاختلاف؛ وإن شهد على قياس هذا القول بعضهم لبعض وهم عدول، جازت شهادتهم إلا أن يشهد المشهود لهم للشهود أيضا، فلا يجوز ذلك إلا على اختلاف؛ وهذا الاختلاف- عندي- إنما هو في العدد اليسير يتحملون من بلاد الحرب إلى بلاد المسلمين، فيثبت نسبهم بشهادة المسلمين، وأما العدد الكثير يتحملون من أهل الحصن فيقرون أنهم قرابة، فلا اختلاف أنهم يتوارثون بأنسابهم وإن لم يكونوا عدولا، لوقوع العلم بإقرارهم من جهة الخبر لا من طريق الشهادة، ولا حد في عددهم؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو حصول العلم بخبرهم، وذلك لا يكون إلا في العدد الذي لا يمكن أن يتواطئوا على القول بذلك والإخبار به.
فقول سحنون في أخذ هذه المسألة أصح من قول ابن القاسم.
وقوله في أول مسألة: قال: إن كان محمولا فلا ترثه قرابته، معناه على ما حكيناه من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، معناه إذا لم يعرف أنهم قرابة إلا بدعواهم
وبشهادة بعضهم لبعض وأما لو عرف أنهم قرابة بشهادة شاهدين عدلين من سواهم، لكان لهم الميراث، وكانوا أحق به من مولاه، فيحتمل أن يكون قوله هذا على القول بأن الشهود إذا شهد بعضهم لبعض هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، لم تجز شهادتهم، ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك من أجل أن الميت قد ثبت ولاؤه لمولاه؛ فيتحصل على هذا في إجازة شهادتهم إذا شهد بعضهم لبعض؛ ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تجوز.
والثاني: أنها لا تجوز، والثالث: الفرق بين أن يكون الميت قد ثبت ولاؤه لمن أعتقه، أو لمن يجب ذلك له بسبب العتق، وبين أن يكون حرا لا ولاء لأحد عليه؛ ويدل على هذا الفرق ما وقع في موطأ ابن وهب عن مالك أن المسبيين لا يتوارثون بشهادة بعضهم لبعض، بخلاف المتحملين؛ لأن الفرق بين المسبيين والمتحملين إنما هو أن المسبيين قد تقرر ولاؤهم لمن أعتقهم، ووجب لهم ميراثهم بولاء، فلا يبطل ذلك إلا بشهادة غيرهم، لا بشهادة بعضهم لبعض، والمتحملون لا ولاء لأحد عليهم، وبهذا المعنى اعتل الشافعي في الفرق بين المسألتين، وهو فرق ظاهر، فقال: إذا جاءوا مسلمين لا ولاء لأحد عليهم، قبلنا دعواهم؛ وإن كانوا قد أدركهم السبي والرق وثبت عليهم الولاء والملك، لم تقبل دعواهم إلا ببينة، وقد وقع في التفسير الثالث قال ابن القاسم: لو أن أهل حصن من الحصون سبوا جميعا بأسرهم ثم كانوا بموضع يتعارفون فيه، وأسلموا عند من ملكهم، لم يتوارثوا بتلك الأنساب؛ ولو أنهم إذ غلبوا على بلدهم، تركهم الإمام إذ أخذهم وضرب عليهم الجزية، توارثوا بأنسابهم؛ قال: والأمور تفترق بلا حجة ولا قياس، وعلينا في كل ما ثبت من ذلك من قول أهل العلم الاتباع، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الفرق بين المسألتين هو ما ذكرته وحكيته عن الشافعي.
وقوله في أهل القرية التي افتتحت عنوة فسكنها أهل الإسلام
معهم أنهم يتوارثون بأنسابهم، بخلاف المحمولين الذين يؤتى بهم من بلد آخر فيتعارفوا في دار الإسلام، أن أولئك لا يتوارثون بأنسابهم، معناه إذا كان عدد أهل القرية كثيرا، وعدد المحمولين يسيرا.
ولو كان هؤلاء يسيرا وهؤلاء يسيرا، لما توارث هؤلاء ولا هؤلاء بإقرار بعضهم لبعض، إلا أن يكونوا عدولا، على الاختلاف في إجازة شهادة الشهود إذا شهد هؤلاء لهؤلاء وهؤلاء لهؤلاء، أو كان هؤلاء كثيرا لتوارث هؤلاء وهؤلاء بشهادة بعضهم لبعض، وإن لم يكونوا عدولا، لوقوع العلم بقولهم من جهة الخبر، على ما ذكرناه، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
: الحامل من غير زوج تلد في أرض الإسلام توأما
ومن كتاب أوله طلق ابن حبيب قال وسئل مالك عن الحامل من غير زوج تلد في أرض الإسلام توأما بأيهم يتوارثون؟ قال أرى أن يتوارثا من قبل الأم، قيل له: فولد الملاعنة بأيهما يتوارثان؟ قال بأصلهما، فقيل له: من قبل الأب؟ قال نعم، وقد كان عمر بن الخطاب يليط أولاد الجاهلية وهم زنى بآبائهم، فقيل له: فالتي تأتي حاملا من أرض الشرك تسبى فتلد في الإسلام توأما؟ قال يتوارثان من قبل الأب وهذا بيّن، وإنما مثل ذلك مثل ما لو جاء أهل قرية يريدون الإسلام- وامرأة حامل- فولدت في أرض الإسلام، فهم يتوارثون من قبل أبيهم فقيل له: إنه لا يدري الزوج أو غيره؟ فقال: هو من الزوج إذا كان في الشرك، وقد ألاط عمر بن الخطاب ما كان في الشرك وهو زنى.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وقد كان عمر بن الخطاب يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم وهم زنى بآبائهم يريد بالقافة، إنما يصح الاحتجاج به على التي تأتي حاملا من أرض الشرك، فتلد توأما، فكان صوابه أن يكون بإثرها لا بإثر مسألة الملاعنة، وقد يحتمل أن يريد بوجه احتجاجه أنه (إذا) كان عمر يليط أولاد الزنى - في حال ما - بآبائهم فأحرى أن يتوارث أتوام الملاعنة من قبل الأب، إذ ليس بزنى، لشبهة الفراش.
وقد اختلف في أتوام الملاعنة ولم يختلف في أتوام المسبية والمستأمنة أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم، وفي أتوام المغتصبة اختلاف، وقد اختلف أيضا في أتوام الزانية وقد مضى القول على ذلك (كله) مستوفى بالدلالة عليه في أول سماع ابن القاسم من كتاب اللعان، فلا معنى لإعادته ههنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
: جدة الأب أم أب الأب إذا لم يكن ثم غيرها من الجدات ولا أم
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن جدة الأب- أم أب الأب- إذا لم يكن ثم غيرها من الجدات ولا أم، أترث؟ قال مالك لا ترث- وإن لم يكن ثم غيرها، فإنها لا ترث.
قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك وأصحابه في أنه لا يرث من الجدات إلا جدتان، أم الأم- وإن علت، وأم الأب- وإن علت على ما روي عن زيد بن ثابت.
قال مالك ولم نعلم أحدا ورث غير جدتين منذ كان الإسلام إلى اليوم، فإن اجتمعا فالسدس بينهما، إلا أن تكون التي من قبل
الأم أقرب.
ومن أهل العلم- من غير المذهب- من يقول أن السدس للأقرب منهما، ولا يكون السدس بينهما إلا إذا استوتا في القرب؛ وروي عن ابن أبي أويس أنه قال: سألت مالكا عن الجدتين اللتين ترثان، والثالثة التي تطرح وأمهاتها؟ فقال: اللتان ترثان أم الأم وأم الأب وأمهاتهما- إذا لم تكونا.
والثالثة التي تطرح: أم الجد أبي الأب وأمهاتهما؛ قال ابن أبي أويس: وأما أم أبي الأم فلا ترث شيئا؛ وقد روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ورث ثلاثة جدات: اثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم» وهو قول الأوزاعي، وروي مثله عن زيد بن ثابت، وروي عن ابن مسعود، وابن عباس - أنهما ورثا الجدات الأربع: أم الأم، وأم الأب، وأمهاتهما، وأم أبي الأب، وأم أبي الأم، وأمهاتهما، وإن علون.
وروي عن ابن عباس أيضا قول ثان: أن الجدة كالأم إذا لم تكن أما، فترث على هذا الثلث، وهو خلاف الإجماع؛ فيشبه أن يكون الذي روى ذلك عن ابن عباس، قاسه على قوله في الجد لما جعله أبا؛ ظن أنه يجعل الجدة أما، والله أعلم، وبه التوفيق.
: إذا استلحق من لا يشبه أن يكون ابنه
ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا وسئل مالك عن الرجل يقول لغلامه: هذا ابني، والغلام معروف أنه سندي والرجل فارسي هل يصير حرا؟ قال مالك: ما يدعي من ذلك مما يستيقن الناس أنه ليس بابنه ولا ولده، فهو غير لاحق به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه إذا استلحق من لا يشبه أن يكون ابنه، وتبين في استلحاقه إياه كذبه، فلا يلحق به وإنما اختلف قول ابن القاسم إذا استلحق من يشبه أن يكون ابنه ولم يعلم ما يدعي من ملكه لأم المستلحق، أو تزويجه إياها، فإن عرف ملكه لها إن كانت أمة، أو تزويجه إياها إن كانت حرة وأتت به لما يشبه أن يكون منه، ولم يحزه غيره بنسب، لحق به باتفاق؛ فوجه يلحق به باتفاق، ووجه لا يلحق به باتفاق، ووجه يختلف في إلحاقه به، وإذا لم يلحق به في الموضع الذي يتفق أنه لا يلحق فيه لتبين كذبه فلا يتفق عليه، إن كان عبدا له؛ قال سحنون؛ وإذا لم يلحق به في الموضع الذي يختلف فيها إلحاقه به على القول بأنه لا يلحق به، فإنه يعتق عليه إن كان عبدا له، وبالله التوفيق.
مسألة: يقر فيقول هذا أخي ولا يعرف للمقر نسبا أصلا
مسألة وقال ابن القاسم: في الرجل يقر فيقول، هذا أخي ولا يعرف للمقر نسبا أصلا، أنه إن مات ورثه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه يرثه بإقراره له أنه أخوه، يريد أنه إذا كان قد قال أن هذا أخي شقيقي أو لأب، ولم يعرف له نسب أصلا؛ لأنه إذا عرف له نسب فقد تبين كذبه، ومعنى ذلك إذا لم يكن له وارث معروف بنسب ولا ولاء على ما قاله في المدونة وغيرها؛ وأما إن كان قال: هذا أخي ولم يزد على ذلك، ولا سئل عن بيان ما أراد حتى مات، فلا يرث إلا السدس، لاحتمال أن يريد أنه أخوه لأمه، فيكون بمنزلة إذا قال هذا أخي لأمي ولا يثبت نسبه بإقراره له، وإنما يرثه مراعاة لقول أهل العراق في قولهم أن الرجل إذا لم يكن له وارث، فله أن يوصي بجميع ماله لمن أحب، وليس (له) عند
مالك وجميع أصحابه أن يوصي بأكثر من الثلث، وقد قيل: إن الميراث لا يكون له إلا بعد يمينه أن ما أقر له به المتوفى حق ويقوم ذلك من كتاب الولاء والمواريث من المدونة، والوجه في ذلك، أنه أنزل إقراره به كشهادة له بالنسب، فوجب أن يحلف معه ويستحق الميراث، كالذي يدعي ميراث رجل قد مات ولا وارث له، فيأتي بشاهد يشهد له بنسبه، فإنه يحلف مع شاهده فيأخذ المال ولا يستحق النسب؛ وهذا مذهب ابن القاسم، ويحلف على هذا المقر له مع إقرار المقر به- وإن لم يكن عدلا مراعاة؛ لقول أهل العراق الذي ذكرناه، وسحنون يرى بيت المال كالنسب القائم، فلا يوجب للمقر له ميراثا بإقرار المقر وإن لم يكن له وارث معروف؛ هذا هو المنصوص عن سحنون، وله في نوازله من هذا الكتاب خلاف ذلك، مثل قول الجماعة، ولا يجوز إقراره له بأنه وارثه ويرثه به إذا كان له وارث معروف بنسب أو ولاء، إلا في خمسة مواضع، وهي: أن يقر بولد، أو بولد ولد، أو بأب أو بجد، أو بزوجة- إذا كان معها ولد أقر به أيضا واستلحقه، غير أن وجوهها تفترق؛ فأما إذا أقر بولد فيلحق به نسبه في الموضع الذي ذكرناه في المسألة التي قبل هذه أنه يلحق به فيه باتفاق أو على اختلاف أقر الولد، أو أنكر؛ فإن شاء أخذ ميراثه، وإن شاء تركه؛ وأما إذا أقر بولد ولد فلا يلحق به إلا أن يقر به الولد، فيكون هو مستلحقه، أو يكون قد عرف أنه ولده فيكون إنما استلحق هو الولد؛ وكذلك إذا أقر بأب لا يلحق به ويرثه، إلا إذا أقر به الولد فيكون هو مستلحقه؛ وأما إذا أقر بجد فلا يلحق به؛ إلا أن يقر الجد بأبيه، ويقر أبوه به، فيكون كل واحد منهما قد استلحق ابنه؛ وأما إذا أقر بزوجة لها ولد أقر به فإقراره بالولد يرفع التهمة في الزوج فترثه وإن لم تثبت الزوجية ولا عرفت، وبالله التوفيق.
: العمل على الحديث الذي جاء في القافة
من سماع أشهب وابن نافع من مالك
- رواية سحنون من كتاب الأقضية -
قال أشهب وابن نافع سألنا مالكا أترى العمل على الحديث الذي جاء في القافة يؤخذ بقولهم اليوم ويصدقون؟ قال: أما فيما يلحق من الولد فنعم، وأما بغايا الجاهلية فلا أرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا، ولا يكون ذلك إلا في ولادة الجاهلية، ولا أرى أن يؤخذ بقول قائف واحد، وأرى أن يؤخذ بقول قائفين، لا أرى أن يجزي في ذلك، إلا اثنان؛ لأن الناس قد دُخلوا، وفي رواية محمد بن خالد عن ابن القاسم أن الغائب الواحد يؤخذ بقوله إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: وقع في هذه المسألة اختلاف في الرواية، ونص الرواية الواحدة سألنا مالكا أترى العمل على الحديث الذي جاء في القافة يؤخذ بقولهم اليوم ويصدقون، قال: أما فيما يلحق من الولد فنعم، وأما بغايا الجاهلية فلا أرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا، ولا يكون ذلك في ولادة الجاهلية.
ونص الرواية الثانية سألنا مالكا أترى العمل على الحديث الذي جاء في القافة يؤخذ بقولهم اليوم ويصدقون؟ قال أما ما يلحق من الولد فنعم، وأما بقايا الجاهلية فلا أرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا، ولا يكون ذلك في ولادة الجاهلية.
وفي المسألة على كلا الروايتين إشكال يفتقر إلى تخريج وبيان،
أما الرواية الأولى فقوله فيها أما فيما يلحق من الولد فنعم- يريد أما فيما يلحق ولد الأمة يطؤها البائع والمشتري أو الشريكان في طهر واحد فنعم.
وقوله فيها وأما بغايا الجاهلية، فلا أرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا- يريد أن الرجلين إذا ادعيا ولد بغي من زنى كان في شركهما لا يثبت نسبه لواحد منهما بالقافة.
وقوله فيها ولا يكون ذلك في ولادة الجاهلية- يريد أي لا يسامح (لشيء) في ذلك بسبب استحلالهم للزنى؛ وهذه الرواية تخرج على مذهب ابن الماجشون في قوله إنه لا يتوارث في الإسلام بولادة الشرك وإن ثبت النسب بالبينة على ظاهر قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يتوارث في الإسلام بولادة الجاهلية.
وأما الرواية الثانية فالوجه فيها أن السؤال إنما كان عن العمل على الحديث الذي جاء في القافة في الموضع الذي جاء فيه عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو في المتداعيين ولد امرأة من زنى كان منهما في الشرك بها فقال أما فيما يلحق من الولد- يريد بأحد المتداعيين فيه من الزنى في الشرك فنعم، وقوله فيها وأما بغايا الجاهلية، فلا يريد مثل البغايا اللواتي كن ينصبن أنفسهن في الجاهلية للزنى فيدخل عليهن العدد الكثير من الرجال وكان لهن رايات يعرفن بها، فإذا استمر بإحداهن حمل جمع لها كل من دخل عليها فألحقت القافة ابنها بمن رأت أنه له منهم- شاء أو أبى، فلم ير القافة في مثل هذا.
وقوله بعد ذلك فيها: وأرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا، ولا يكون ذلك إلا في ولادة الجاهلية- يعود على أول المسألة في المتداعيين ولد امرأة من زنى كان في الشرك، لا على مسألة البغايا التي
تليها؛ فعلى هذا التأويل تستقيم هذه الرواية، وإنما التبست بما وقع فيها من التقديم والتأخير؛ فلو قال فيها: أن فيما يلحق من الولد فنعم، وأرى أن يؤخذ بقولهم ويصدقوا ولا يكون ذلك إلا في ولادة الجاهلية: وأما البغايا فلا، لارتفع الإشكال منها، وكان معناها للذي حملناها عليه، ووجهناها به؛ ولا يحكم بقول القافة إلا في أولاد الإماء دون الحرائر؛ لأنهم لو نفوا الولد عن أبويه في الحرة، لزمهم الحد، ولا يلزمهم ذلك في الإماء.
قاله ابن دحون، وليس بتعليل صحيح.
لأن من زنى بأمة إن لم يجب عليه الحد، يجب عليه الأدب؛ وقد تكون الحرة قد ماتت وليس لها من يقوم بحدها فلا يلزم (من) قذفها شيء، وإنما تدعى القافة لتلحق الولد بأحد السيدين، لا تنفيه عنهما جميعا؛ وقد روي عن مالك أن القافة تكون في أولاد الحرائر؛ لأنها إنما تدعي لتلحق الولد بأحد الزوجين لا لتنفيه عنهما جميعا، ولو نفته عنهما جميعا بالشبه من غير تحقيق، لما لزمها حد، وإنما لم تكن القافة في أولاد الحرائر على المشهور في المذهب لحرمة النكاح وقوة الفراش به، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر.» فوجب لهذا الحديث أن يلحق الولد بصاحب الفراش الصحيح دون الفاسد.
وأما قوله في آخر المسألة ولا أرى أن يؤخذ بقول قائف واحد إلى آخر قوله، فقد مضى الكلام عليه في نوازل سحنون من كتاب الشهادات فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
: القوم من أهل الحرب يسلمون جماعة
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس
قال عيسى: وقال ابن القاسم في القوم من أهل الحرب يسلمون جماعة، فيستلحقون أولادا من زنى.
قال إذا كانوا أحرارا ولم يدعهم أحدهم لفراش فهم ولده، ويلحق به الولد؛ وقد ألاط عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من ولد في الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، إلا أن يدعيه معه سيد الأمة، أو زوج حرة؛ لأنه قد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الولد للفراش وللعاهر الحجر.» فإذا ادعاه معه سيد الأمة أو زوج الحرة، فهو أحق به قلت: والنصارى يسلمون فيدعون أولادا من زنى كانوا في نصرانيتهم، فقال: يلاطون بهم؛ لأنهم يستحلون في دينهم الزنى وغيره.
قلت فإن استلحق رجل منه ولد أمة مسلم أو نصراني فقال إذا ألحقه به، فإن أعتق يوما ما كان ولده وورثه.
قال محمد بن رشد: قوله في أول هذه المسألة إذا كانوا أحرارا ولم يدعهم أحد لفراشه فهم ولده، يدل على أنهم إذا كانوا عبيدا فلا يلحقون
به، وإن لم يدعهم أحد لفراش، وقد وقع مثل هذا في كتاب أمهات الأولاد من المدونة، وهو خلاف قوله في آخر المسألة.
إذا ألحقه به فإن عتق يوما ما كان ولده وورثه، وهذا الذي قاله في آخر المسألة هو الصحيح، إذ لا يمتنع أن يكون ابنا للمقر به المستلحق له، وعبدا للذي هو بيده.
وفي قوله ألحقه به فإن عتق يوما ما كان ولده وورثه، تجاوز في اللفظ بتقديم وتأخير وقع في الكلام، وحقيقته إذا ألحقه به، ويكون ولده، فإن عتق يوما ما ورثه، وبالله التوفيق.
: يدخل أرض حرب فيقيم بها سنين ثم يخرج ومعه ذرية
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وسألت ابن القاسم عن الرجل من المسلمين يدخل أرض حرب فيقيم بها سنين ثم يخرج ومعه ذرية فيقول هؤلاء أولادي، هل يجوز إقراره؟ أم هل يتوارثون بذلك؟ قال نعم، إقراره جائز وهم يتوارثون به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: أنهم يلحقون به؛ لأن ما ادعاه يشبه لخروجه بهم من دار الحرب، وهو المشهور المعلوم من مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، ويأتي على ما حكاه ابن المواز عنه أنه لا يلحق به، إلا أن يعلم أنه تزوج أمة، أو اشتراها، وقد مضى القول على هذا محصلا في سماع رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
: توفي وترك عم أبيه وجد أبيه
ومن كتاب شهد على شهادة ميت
وعن رجل توفي وترك عم أبيه وجد أبيه، من أولى بالميراث وولاء مواليه؟ قال ابن القاسم: جد الأب أولى بالميراث وولاء الموالي من عم الأب؛ لأني سألت مالكا عن العم والجد من أولى بالميراث، فقال: الجد أولى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العم ولد الجد، وعم الأب ابن جد الجد؛ وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء للكبر» يريد الأقرب فالأقرب، وأقرب الناس إلى الرجل بعد ولده، أبوه ثم ولد الأب وهم الإخوة: الأقرب فالأقرب، ثم جده، ثم ولد جده، وهم الأعمام: الأقرب فالأقرب أيضا؛ ثم ولد الجد، ثم ولده- الأقرب فالأقرب؛ ثم جد الجد، ثم ولده أيضا- الأقرب فالأقرب؛ هكذا أبدا إلى ما يمكن أن يدرك الأسفل الأعلى، ويستوي في هذا الولاء والميراث؛ لأن الميراث فيه إنما هو بالتعصيب (ولا يرث بالتعصيب) ، إلا الأقرب فالأقرب بمنزلة ميراث الولاء، وبالله التوفيق.
مسألة: توفي وترك ابن أخيه وجد أبيه
مسألة وعن رجل توفي وترك ابن أخيه وجد أبيه، من أولى بميراثه؟ قال ابن القاسم: جد الأب أولى- وهو في مكان الجد- إذا لم يكن جد دنية، وابن الأخ أولى من الجد بالولاء، بخلاف المال.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن جد الجد- وإن علا- فهو بمنزلة الجد إذا لم يكن دونه جد، وقد قيل فيه: إنه أب يحجب الإخوة كلهم في الميراث، ومذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه يقاسم الإخوة أشقاء كانوا أو لأب، ولا ينقصونه من الثلث شيئا- إن كان الإخوة أكثر من اثنين، فإن اجتمع معه أخ شقيق وإخوة لأب عاده الأخ الشقيق بالأخوة للأب، فردوه بهم إلى الثلث، وكان للأخ الشقيق ما بقي؛ لأنه أحق من الذين للأب، فإن كان مكان الأخ الشقيق أخت شقيقة، كان للأخوة للأب ما فضل بعد حظ الأخت الشقيقة، والجد في الميراث يحجب بني الأخوة كلهم؛ وأما في الولاء، فهم أحق منه لأنهم بنو الأب، وبنو الأب- وإن سفلوا- أقرب من الجد على ما ذكرناه في المسألة التي فوق هذه من ترتيب الأقرب فالأقرب من العصبة، قال مالك: ذلك كله على قياس ما ذكره في موطئه من أن معاوية ابن أبي سفيان كتب إلى زيد بن ثابت يسأله عن الجد، فكتب إليه زيد بن ثابت إنك كتبت إلي تسألني عن الجد- والله أعلم- وذلك مما لم يقض فيه إلا الأمراء، يعني الخلفاء، وقد حضرت الخليفتين قبلك يعطيان النصف مع الأخ الواحد، والثلث مع الاثنين؛ فإن كثر الأخوة لم ينقصوه من الثلث - والله أعلم، وبه التوفيق.
: يستلحق الولد ثم ينكره بعد استلحاقه
ومن كتاب أوله يدير ماله فتحل زكاته وسئل عن الذي يستلحق الولد ثم ينكره بعد استلحاقه إياه-
ويموت الولد عن مال، فلا يأخذه المستلحق؛ قال يوقف ذلك المال، فإن مات هذا المستلحق، صار المال لورثته وقضي به دينه، وإن قام عليه غرماؤه، وهو حي، أخذوا ذلك المال في ديونهم.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة يوقف ذلك المال إلى آخر قوله، كلام فيه نظر؛ لأن إنكار الولد بعد استلحاقه إياه إنما لا يسقط نسبه إن مات قبله؛ لأنه إن مات قبله اتهم في قطع نسبه فورثه الابن؛ ثم إن مات الابن بعده، كان ميراث الابن لعصبته من قبل أبيه المستلحق له؛ ولو رجع في حياته إلى استلحاقه، صح له رجوعه وورثه إن مات؛ وأما إن مات ابن المستلحق قبله، فالواجب أن يكون جميع ميراثه لجماعة المسلمين؛ لأنه مقر أن هذا المال لهم، لا حق له فيه معهم، وهم لا يكذبونه، فلا معنى لتوقيفه؛ إذ لا يصح أن يقبل رجوعه فيه بعد موته برجوعه إلى استلحاق ابنه؛ لأنه قد ثبت لجماعة المسلمين بثبوته على إنكاره إلى أن مات، فليس له أن يرجع فيه؛ بخلاف من أقر لرجل بمال فأنكره المقر له به؛ لأن هذا يجب توقيفه ليأخذه من رجع منهما أولا إلى تصديقه صاحبه كالرجل يقر للمرأة أنه قد دخل بها وهي تنكر، وما أشبه ذلك على اختلاف في هذا الأصل، فالذي يوجبه النظر في هذه المسألة الأحق في ميراث هذا الابن المستلحق إذا مات المستلحق قبل أبيه- لورثة أبيه المنكر له بعد استلحاقه، ولا لأهل دينه، ولا لغرمائه- إن قاموا عليه- وهو حي- إذا كان إنكاره الولد في حياته أو بعد وفاته، إلا أن يكون إنكاره إياه بعد وفاته وهو مفلس، إذ لا يجوز إقراره بعد التفليس بما في يديه أنه لغير غرمائه، وهذا بين كله- والحمد لله؛ ووجه
هذا القول على ما فيه من الاعتراض، أنه لما رجع عن إقراره به في حياته، أنهم على قطع نسبه الذي كان قد ثبت له بإقراره، فأبطل رجوعه ولم يجعل له تأثير؛ والقياس أن يلزم رجوعه عن إقراره به إذا مات قبله، فيصير ميراثه منه لبيت مال المسلمين، ولا يكون لغرمائه فيه شيء، وإنما يجب أن يوقف ميراثه منه كما قال، فيكون لورثته- إن مات، ويقضى به دينه، ويأخذه غرماؤه إن قاموا، وهو حي إن كان أنكره بعد استلحاقه إياه- وله ولد لأنه إذا كان له ولد اتهم في قطع نسبه منه، وإن مات، وبالله التوفيق.
: العبد يكون له ولدان حران وأبو العبد حر فيموت أحد الولدين
ومن كتاب الجواب
وسألته عن العبد يكون له ولدان حران، وأبو العبد حر، فيموت أحد الولدين، أيكون الميراث كله للجد؟ أو يكون بينه وبين الأخ الباقي؟ وعن قول مالك في موطئه الجد يجر الميراث أي ميراثه هو، وقال ابن القاسم: الميراث بين الجد والأخ نصفين، وهذا مما لم تختلف فيه الأمة، وهو وارث معه والجد أخ مع الأخ، وإنما تفسير قول مالك: أن الجد يجر الميراث، إنما ذلك إذا كان وحده ولم يكن معه وارث غيره جر الميراث كله ولم يمنعه من حياة الأب؛ لأن الأب العبد لا يحجب؛ لأنه بمنزلة الميت والكافر.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة الميراث بين الأخ والجد بنصفين صحيح، لا اختلاف فيه في المذهب على ما جاء عن
عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وقوله: وهذا مما لم تختلف فيه الأمة يريد أنها لم تختلف في أن العبد لا يرث ما لم يعتق، وأما ميراث الأخ أو الأخوة الأشقاء أو الذين للأب مع الجد، لاختلاف بين الأمة فيه كثير، لا يمكن أن يغيب علمه عن ابن القاسم، ممن جاء عنه أنه أنزل الجد مع الأخوة بمنزلة الأب، وجعله أحق بجميع الميراث، منهم: أبو بكر الصديق، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وهو مذهب أبي حنيفة، المزني من أصحاب الشافعي؛ وقول جل أهل العلم يتنزل الجد منزلة الأب في عدم الأب، كما يتنزل ابن الابن بمنزلة الابن في عدم الابن، وقوله في الرواية بعد ذلك وهو وارث معه- يريد في مذهب مالك الذي يأخذ به، تفسيره لما سأل عنه مما ذكر أنه وقع في موطأ مالك من قوله الجد يجر الميراث أي ميراث هو صحيح لا إشكال فيه على ما حكاه من أنه وقع في موطئه، ولم يقع في الموطأ على هذا النص، وإنما وقع فيه على نص فيه إشكال واختلال، ونص ذلك: قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حرة وأبو العبد حر، أن الجد أبا العبد يجر ولاء ولد ابنه الأحرار من امرأة حرة، يرثهم ما دام أبوهم عبدا، فإن عتق أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبد كان الميراث والولاء للجد، وإن العبد كان له ابنان حران فمات أحدهما وأبوه عبد جد الجد أبو الأب الولاء
والميراث، هذا نص قوله في الموطأ فمعنى قوله فيه أن الجد أبا الجد يجر ولاء ولد ابنه الأحرار من امرأة حرة يرثهم، هو أن الجد كان معتقا وأعتق أحد ولد العبد الأحرار عبدا، فتوفي- ولا مواريث له إلا مولى الجد المعتق، فإن الجد يجر ولاء مولى حفيده المتوفى إلى مولاه فيرثه ما دام ابنه عبدا، فإن أعتق جر الولاء إلى مولاه وكان أحق به من مولى أبيه الجد؛ ويحتمل أن يريد بقوله يجر ولاء ولد ابنه الأحرار أي يجر ميراث ولد ابنه الأحرار إلى مولاه الذي أعتقه، فيكون أحق به ما دام أبوهم عبدا، فإن أعتق أبوهم رجع الولاء إلى الميراث إلى مواليه، كما قال، وكانوا أحق به من مولى الجد؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن ولد العبد من امرأة حرة أحرار من أصلهم، لا ولاء لأحد عليهم؛ وأما قوله: وأن العبد كان له ابنان حران فمات أحدهما وأبوه عبد جر الجد أبو الأب الولاء والميراث؛ فكلام مختل وقع على غير تحصيل، والله أعلم، جد الأخ الولاء وكان الميراث بينهما، وكذلك وقع في رواية مطرف، وإنما قلنا إنه الصواب، من أجل أنه لا اختلاف في المذهب في أن الجد في الميراث مع الأخ بمنزلة أخ يكون الميراث بينهما بنصفين، ولا في أن موالي الأخ أحق من موالي الجد، ويحتمل أن يكون وجه قوله على اختلاله أنه إن مات أحدهما، وأبوه عبد جر الجد إلى نفسه نصف الميراث؛ لأنه يكون بينه وبين الأخ ما دام الأب عبدا، وأنه إن مات لأحد الابنين مولى ولا وارث له إلا مولى الجد، جر الجد ولاءه إلى مولاه، فكان أحق به- ما دام ابنه عبدا لم يعتق، فإن عتق جر الولاء إلى مولاه، فكان أحق به من مولى الجد، وبالله التوفيق.
: هلك وترك ابنته وعصبته
ومن كتاب العتق وسألت ابن القاسم عن رجل هلك وترك ابنته وعصبته، فقالت الابنة: هذا أخي؛ قال ابن القاسم: قال مالك: تدفع إليه ثلث ما في يديها.
قال محمد بن رشد: قوله تدفع إليه ثلث ما في يديها، هو المعلوم من قول مالك المشهور من مذهبه أن الوارث إذا أقر بوارث لا يلزمه أن يدفع إليه إلا ما زاد نصيبه في الإنكار على الإقرار؛ فإن نقص نصيبه في الإنكار، أو لم يزد على نصيبه في الإقرار، مثل أن تقر الزوجة بأخ وما أشبه ذلك، وفي ذلك في المذهب اختلاف، قيل: إن من حق المقر له أن يرجع على المقر بما يجب له على المقر به، وبنصف ما يجب له على المنكر له، فإن أقر المنكر يوما ما، رجع كل واحد منهما بما بقي عليه من حقه حتى يستووا جميعا في الميراث، فقال ذلك، يترك الميت ابنين فيقر أحدهما بأخ، فإن المال يكون بين الابنين الثابتي النسب بنصفين، ثم يرجع المقر له على المقر في النصف الذي له فيشاركه فيه بالسواء؛ لأنه يقول له: أنت مقر لي أني أخوك، فادفع إلي نصف ما بيدك، فإن أقر المنكر بعد ذلك دفع من النصف الذي بيده إلى كل واحد منهما سدسه، فيكمل لكل واحد منهما بذلك ثلث المال، ويبقى بيده هو ثلثه أيضا فيستوون جميعا في الميراث، وكذلك على قياس هذا القول لو توفيت امرأة عن زوج وأخت، فأقر الزوج بأخ لرجع الأخ المقر به على الزوج الذي أقر به بثلث ما بيده، فإن أقرت الأخت به يوما ما رجع الزوج عليها بما رجع به الأخ عليه المقر به، ورجع الأخ المقر به عليهما ببقية حقه، مثال ذلك: أن تترك المتوفاة ستين دينارا فيأخذ الزوج ثلاثين والأخت ثلاثين
دينارا ثم يرجع الأخ المقر به على الزوج الذي أقر به، فيقول له الثلاثون التي أخذت لا تجب لك إلا من ستين- وأنت قد أقررت أني أخو المتوفاة، فوجب لي على قولك من الستين عشرون، فلا يجب لك إلا نصف الباقي (وذلك عشرون) لأن الأخت قد جحدتني العشرين، فصارت بجحودها مستهلكة لها، فإن أقرت الأخت به يوما ما أخذ منها العشرين الواجبة له، فرد منها على الزوج العشرة التي قبضت منه؛ وأقل ما تنقسم منه هذه الفريضة على ما رتبه أهل الفرائض اثنا عشر، وهذا مذهب ابن كنانة من أصحابنا، لذلك قال على أصله: هذا في مسألتنا أن الأخت تدفع إلى الأخ الذي أقرت به ثلثي ما بيدها؛ لأنه يقول لها أنت مقرة إني أخوك فادفعي إلي ثلثي ما بيدك، فإن أقر العصبة به على مذهبه، أخذ منها النصف فأكمل منه للأخت تمام الثلث، وللأخ تمام الثلثين، وهي تنقسم من ستة فيأخذ أولا الأخ من النصف الذي صار للأخت اثنين ويبقي (بيدها) واحد، فإذا أقر العصبة أخذت منهم الأخت واحدا والأخ اثنين؛ ووجه هذا القول أن ما وجب للمقر به في حظ المنكر له في حكم المستهلك لإنكاره إياه، وعلى قياس هذا إلى اختلاف يختلف في أحد الورثة يقر بدين على الميت، فلا يلزمه على القول الأول من الدين الذي أقر به إلا ما ينوبه منه؛ وعلى القول الثاني: يأخذ المقر له بالدين جميع دينه من يد الذي أقر به كما إذا ثبت الدين ببينة وقد اقتسم الورثة تركة الميت وألفي في يد أحدهم ما قبض، وكان بقية الورثة قد قبضوا حقوقهم
واستهلكوها وهم عدماء؛ لأنه يقول له: إن أقر له بالدين: أنت مقر لي بالدين، فلا يصح لك ميراث إلا بعد أداء الدين، لقول الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] ، وهذا القول هو الذي اختاره ابن حبيب وقال: إن أصحاب مالك كلهم ينكرون قول مالك؛ إذ لا ميراث لأحد إلا بعد وفاء الدين؛ وأنكر أبو عمر الإشبيلي ما حكاه ابن حبيب عن أصحاب مالك وقال: إنه لا يعرف ذلك لأحد منهم، فإن أقروا رجع المقر بالدين عليهم بما غرم منه زائدا على ما وجب عليه، ويتخرج على هذا الاختلاف الذي وصفناه في أخت أقرت بابنة ثلاثة أقوال، أحدها: أن الابنة أحق بجميع حظ الأخت؛ لأنها تقول لها أنا أحق منك على قولك بالنصف الذي بيدك؛ لأني مبدأة عليك، فحقك إنما هو الذي في يد العصبة.
والثاني: أن الأخت أحق بجميع ما بيدها ولا شيء للابنة المقر بها؛ لأنها تقول لها إنما أقررت لك بالنصف الذي بيد العصبة.
والثالث: أن للبنت نصف ما بيد الأخت؛ لأن قسمتها مع العصبة لا تجوز عليها، فقد أقرت لها بنصف جميع المال على الإشاعة، فتأخذ نصف النصف الواجب للأخت، ويكون للأخت النصف الثاني، وللعصبة نصف المال كاملا، وبالله التوفيق.
مسألة: هلك وترك ثلاث بنات أو أربعا فادعين أخا
مسألة قال وسألته عن رجل هلك وترك ثلاث بنات أو أربعا فادعين أخا، قال: إن كن أربعا أو أكثر لم يرددن شيئا، وإن كن ثلاثا كان لهن ثلاثة أخماس المال كله، ورددن ما فضل في أيديهن إلى الذي ادعين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو على قياس قوله في