كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في المدونة وغيرها: إنه يُرَدُّ فيه إلى مساقاة مثله، وقال أشهب: يُرَد إلى إجارة مثله، وقال سحنون: يجوز ولا يرد إلى مساقاة مثله، كما لو اشترط عليه عاملا يعمل معه إن كان الحائط كبيرا يجوز اشتراط الغلام والدابة وبالله التوفيق.
مسألة: أعطاه الحائط فقال له اسقه ولك الثمر كله
مسألة ولو أعطاه الحائط فقال له اسقه ولك الثمر كله لم يكن بذلك بأس إلّا أن يكون سقي صاحب الحائط قبل ذلك بأشهر، قلت: أرأيت الذي يسقي حائطه الشهر أو الشهرين ثم يبدو له أن يساقي حائطه على النصف؟ فقال: إن كان يتبعه بما سَقَى فلا يصلح، وإن كان يلغي ما ساقى فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الأولى إلا أن يكون سقى صاحبُ الحائطِ قَبْلَ ذلك بأشهر يُبَيِّنُهُ قولُهُ في المسألة الثانية إن كان يتبعه بما سَقَى فلا يصلح، وإن كان يُلْغي ما سَقَى فلا بأس به، ومعناه إذا وقع الأمر على هذا على غير قصد إليه ولا اشتراط له، ولو قال له: تعال أساقيك في حائطي بعد أن أسقيه أنا شهرا أو شهرين لم تجز، فإن وقع رد إلى مساقاة مثله، وأما إن ساقاه بعد أن سقى أشهرا على أن يتبعه بما سقي فإنه يرد إلى إجارة مثله وبالله التوفيق.
مسألة: خروجه على المساقاة قبل أن يعمل أو بعد العمل
مسألة وسئل عن رجل كان في حائطه مساقاة على النصف فبيع الحائط فأراد الداخل في الحائط أن يخرج منه بشيء يُعْطَاه، قال: لا يصلح من ذلك شيء يأخذه أو يعمل حتى يتم مساقاته، أرأيت لو كان صاحب الحائط نفسه ولم يبعه فأراد أن يخرجِ منه بشيء يعطاه؟ فقال: لا يصلح هذا إلا أن يخرج منه بغير شيء، أو يقيم على مساقاته، قيل له: أرأيت إن كانت مساقاته على النصف فلما بِيعَ
الحائط أراد أن يخرج منه بأن يعطي سدس الثمرة في الجذاذ؟ فقال: هو بمنزلة صاحب الحائط الأول لو لم يبع، قال أشهب: وتفسير مكروهة إذا عمل فيه أشهرا ثم أراد أن يخرج منه بسدس الثمرة أن رب الحائط كأنه استأجره تلك الأشهر بسدس ثمر الحائط فصارت المساقاة دُلْسَة بينهما فصار بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
وأما إذا لم يعمل في الحائط شيئا حتى يخرج منه إلى رب الحائط بربح سدس الثمرة فإن ذلك لا بأس به في قول من يقول إن السقاء إذا وجب بينهما لم يقدر واحد منهما على ترك ذلك وإن كان لم يعمل.
قال محمد بن رشد: أما خروجه على المساقاة قبل أن يعمل أو بعد أن عمل لرب الحائط أو للمبتاع له على شيء يُعطاه فلا يجوز باتفاق، فإن وقع ولم يعثر على ذلك حتى فات بالعمل ردّ فيما عمل إلى إجارة مثله، وأما خروجه عن المساقاة بعد أن عمل على جزء منهما فمنع من ذلك في هذه الرواية، وقد فسر أشهب مكروهة بما لا مزيد عليه من أن ذلك دلسة فيما بينهما فمكروهه حماية الذرائع والتهمة لهما على إجازة الإِجارة الفاسدة بينهما بما أظهراه من المساقتين الصحيحتين فلا حرج عليهما إذا فعلاه لأمر بدا لهما دون دلسة كانت بينهما لأنها بانفرادها مساقاة صحيحة كالأول، فإن وقع رد إلى إجارة مثله على تعليله، وأجاز ذلك ابن القاسم في رسم الأقضية والأحباس من سماع أصبغ على ما ذكر من وجه جوازه.
وأما خروجه عَنْ المساقاة قبل أن يعمل على جزء مسمى فلا خلاف في جواز ذلك على مذهب مالك الذي يرى المساقاة من العقود اللازمة وعلى
مذهب من يراها من العقود الجائزة التي لا تلزم لأن الجزء الذي يعطيه على مذهبه هبة من الهبات، فقوله: إن ذلك لا بأس به، في قول من يقول إن السقاء إذا وجب بينهما لزمهما ولم يكن لواحد تركة كلام فيه نظر، إذ هو جائز على كلا القولين، فمراده به أنه عقد لا بأس به يلزمهما على مذهب من يرى أن الشقاء يلزمهما بالعقد لأنهما على مذهب من لا يرى السقاء لازما بالعقد هبة من الهبات إذا علم أن ذلك لا يلزمه، ولو ظن أن ذلك يلزمه فأعطاه الجزء على الخروج لكان من حقه إذا علم أن ذلك لا يلزمه أن يرجع به عليه وبالله التوفيق.
مسألة: المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف
مسألة وسئل عن المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف يكون في ذلك غرم الدينار والدريهمات على من ترى ذلك؟ قال: أرى ذلك كله على رب الحائط.
قال محمد بن رشد: الزرنوق الخطارة والقف المعجمة التي يقع فيها الماء، وقال أبو صالح: حرف القف الجلد الذي في القفة الذي يسقي بها الماء والأول أظهر، وذلك كله من اليسير الذي يجوز لرب الحائط أن يشترطه على المساقاة وبالله التوفيق.
مسألة: يشترط رب الحائط على الداخل الخرص
مسألة ولا بأس بأن يشترط رب الحائط على الداخل الخرص لأنه جزء معلوم، ولا يجوز أن يشترط ذلك الداخل على رب الحائط ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] .
قال محمد بن رشد: الحكم في زكاة تمر المساقاة أن يخرج من جملتها إذا بلغت ما يجب فيه الزكاة أو كان لرب الحائط مال سواه إذا أضافه إِليها بلغت ما يجب فيه الزكاة ثم يقتسمان الباقي بينهما بعد إخراج الزكاة على ما اتفقا عليه من الأجزاء في المساقاة، فإن اشترط أحدهما على صاحبه أن يكون جميع الزكاة في حظه جاز ذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، اشترط رب الحائط على العامل أو العامل على رب الحائط؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى فلا غرر فيه من أجل أنه إِن اشترط ذلك رب الحائط على العامل وقد كان ساقاه على النصف كان إنما ساقاه على أن يكون للعامل أربعة أجزاء من عشرة ولرب الحائط ستة أجزاء من عشرة يُخْرَجُ من ذلك الجزءُ الواحدُ في الزكاة تبقى وكذلك إن اشترطه ذلك العامل على رب المال كان إنما ساقاه على أن يكون لرب الحائط أربعة أجزاء من عشرة وَللعامل ستة أجزاء، يُخْرَج من ذلك الجزءُ الواحد في الزكاة فيبقى له خمسة أجزاء من عشرة، وذلك النصف على ما ساقاه عليه، وقد قيل إنه لا يجوز لأحدهما أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة أن يشترط الزكاة على صاحبه، وهو الذي في أصل الأسدية من أجل أن الثمرة ربما لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة، فيصير العامل لا يدري عَلىَ مَا يعمل؛ لأن الثمرة إن لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة أخذ نصفها، وإن بلغت ما يجب فيه الزكاة أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشتُرِطَتْ عليه الزكاة، فهذا بَيّنٌ في الغرر إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة، وأما إن كان هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط فلا غرر فيه؛ لأنه يأخذ النصف على كل حال بلغت الثمرة ما يجب فيه الزكاة أو لم تبلغ، والغرر الذي في جهة رب الحائط من أجل أنه أخذ نصف الثمرة إن لم تبلغ ما تجب فيه الزكاة وأربعة أعشارِها إن بلغت ما تجب فيه الزكاة؛ لأن العشر الخامس يُخرجه في الزكاة على ما اشترطه عليه العامل لا معتبر به، وهذا إذا
قلنا إن الجزء الذي اشترطه كل واحد منهما في الزكاة على صاحبه يرجع إلى الذي اشترطه عليه منهما إن لَمْ يبلغ الثمر ما يجب فيه الزكاة؛ لأنه يقول له ساقيتك على النصف واشترطت على الزكاة فإذا لم يكن في الحائط زكاة فلا شرط لك علي، رُد على الجزء الذي اشترطته من نصيبي لتخرجه في الزكاة، إذ لا يجب في الحائط زكاة، وأما على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة يكون لمشترطه فالغرر إنما يكون في المساقاة إذا اشترط الزكاة فيها العاملُ على رب المال لا إذا اشترطها رب المال على العامل، وعلى هذا قوله في هذه الرواية وإن كان لم يعلل قوله فيها إِلا بالإِتباع فقال: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] ، وأما على القول بأنه بينهما بنصفين لأنهما يتداعيانه أو يلغى ويقتسمان الثمرة اتساعا فالغرر حاصل، كان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط أو رب الحائط على العامل؛ لأنه يأخذ أربعة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان رب الحائط هو الذي اشترط عليه الزكاة وأربعة أجزاء ونصف جزء من عشرة وأربعة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، وخمسة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط وخمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة أو خمسة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، فهذا وجه ما في الأسديّةِ من أنه لا يجوز لأحدهما أن يشترط الزكاة على صاحبه، وروايةُ أشهب هذه عن مالك في أنه يجوز لرب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل ولا يجوز للعامل أن يشترطها على رب الحائط حظها في النظر، والقياسُ هو ما ذكرناه من أن قوله فيها يأتي على قياس القول بأن الجزء المشترط في الزكاة يكون لمشترطه إذا لم يكن في الحائط ما تجب فيه الزكاة، وفي ذلك أيضا الإِتباع حسبما احتج به فيها من قوله ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] ، والفرق بالعكس وجهه ما بيناه من أن الغرر لا يكون إذا كان العامل هو مشترط
الزكاة على رب الحائط، وإنما يكون إذا كان رب الحائط هو مشترط الزكاة على العامل، وذلك على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة تكون للمشترط عليه ذلك الجزء في الزكاة لا لمشترط.
فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال أحدها جوازُ اشتراط الزكاة من كل واحد منهما على صاحبه، وهو الذي في المدونة، والثاني لا يجوز ذلك من واحد منهما على صاحبه وهو الذي في أصل الأسدية، والثالث رواية أشهب هذه أنه يجوز ذلك لرب الحائط على العامل ولا يجوز للعامل على رب الحائط، وهو الذي يتخرج على ما بيناه من سقوط الغرر في اشتراط العامل الزكاة على رب الحائط على القول بأن الحائط إذا لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة يرجع الجزء المشترط في الزكاة على من اشترطه عليه منهما، والقولُ الذي في المدونة أظهر إن كان الحائط كثيرا يعلم أنه يجب في ثمرة الزكاة إلّا أن يخلف عمل جرت به العادة في الغالب أو يأتي عليه جائحة، والذي في أصل الأسدية أظهر إن كان الحائط صغيرا يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب من غير جائحة تصيبه، ولا اختلاف عما جرت به العادة في الحمل ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على الحائط الكبير الذي يُؤمَنُ أن يقصر ثمرة عما تجب فيه الزكاة إِلا بما يطرأ عليه من الجوائح؛ لأن الطوارئ النادرة لا يعتبر بها في إحالة الأحكام عن وجوهها، وما في أصل الأسدية على الحائط الصغير الذي يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب فلا يكون ذلك اختلافا من القول وبالله التوفيق.
: ما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة
ومن سماع سحنون بن سعيد قال: وقال ابن القاسم الفجل والِإسفنارية والورد والياسمين والعصفر وقلب السكر عندي في الجوائح سواء لا يوضع قليل ذلك ولا كثيره حتى يبلغ الثلث، والمساقاة فيه جائزة، وكلُّ ما جاز فيه المساقاة
فالجوائح توضع في ثلث ذلك، ولا توضع في أدنى من ذلك إلا الموزَ فإنه لا توضع فيه المساقاة ولا توضع فيه الجائحة حتى تبلغ الثلث، وأما الزعفران والبقل والريحان والقرط والقصب والكسبر فإن الجوائح في قليله وفي كثيره، ولا تصلح المساقاة، وأما الكمون فإنه تجب فيه المساقاة بمنزلة الزرع، وإنما يراد منه حبه ولا يراد منه شجره، وأما الموز والمقاتي والباذنجان، فهذه ثمار وكل ما كان من الثمار من الفاكهة وغيرها فذلك لا جائحة فيه حتى يصيب الثلث.
وما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة فلا يوضع حتى تبلغ الثلث لأنه يرجع إلى أصله وهو ثمرة، وهذه الأشياء لا تجوز فيها المساقاة إلّا أن يخاف صاحبها العجز.
قال محمد بن رشد: هذا الأصل الذي أَصّلَه ابن القاسم في رواية سحنون هذه عنه على مذهبه فيما عدى الأصول من أن ما جازت فيه المساقاة من ذلك لم توضع الجائحة فيه إلّاَ أن تبلغ الثلث فصاعدا، وما لم تجز فيه المساقاة من ذلك وضعف الجائحة في قليله وفي كثيره إلا الموز فإنه لا تجوز فيه المساقاهَ ولا توضع الجائحة فيه إِلَّا أن تبلغ الثلث فصاعدا وجههُ أن المساقاة لا تجوز فيما يحل بيعه لأنها إنما أجيزت للضرورة فيما لا يحل بيعه إن لم يقدر على الاستيجار عليه باعه وانتفع بثمنه، وما لا يحل بيعه لم يقدر على الاستيجار عليه هلك وضاع، وقد «نهى رَسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن إضاعة المال» لأنه سبب للحياة وَعَونٌ على الطاعة، وأن البقول إنما وضعت فيها الجوائح لا القليل والكثير لأن المشتري لها لم يدخل مع البائع على تلف شيء منها إذ ليست بثمرة توكل خضراء وهو يقدر على جذها حين ابتياعه لها، إذ لا يجوز ابتياعها إِلا بعد أن ينتفع بها ويُمكِن جَذَاذُها، بخلاف الثمار التي لا يقدر على جذها حين اشتراها حتى يتناهى طيبها فقد دخل مع البائع على أنه لا
بد أن يسقط منها وأكل الطير منها والعامة من الناس وغيرهم، فاستقام على هذا الأصل الذي أصله فيما عدى الأصول وَخَرَجَ الموز عن ذلك لأنه لما كان مما يجوز بيعه، ما يأتي من بطونه لأمَد معلوم من أجل أن ذلك فيه معروفٌ لم تَجُزْ فيه المساقاة، ولما كان ثمره توكل خضرا علم أنه لا بد أن يذهب شيء منها قبل أن تجد لما لربها من عامية الناس وغيرهم؛ لأن المشتري قد دخل على ذلك مع البائع فوجب أَلَّا توضع الجائحة فيه إِلا أن تبلغ الثلث فصاعدا.
ووجه قوله إن المساقاة لا تجوز في هذه الأشياء إلا أن يخاف صاحبها العجزَ هو أن المساقاة إنما جوزت مع ما فيها من الغرر وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلف أيضا للسنة الواردة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في مساقاة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يهود خيبر في نخلها على شطر ما يخرج منها، فجازت المساقاة في الأصول وإن لم يعجز صاحبها عن عملها إتباعا للسنة في موضعها، ولم يَقْوَ عنده ما عدى الأصول من الأشياء التي يجوز بيعها ويحتاج إلى الاستيجار عليها قُوَتَهَا في القياس عليها فلم تجز المساقاة فيها إلّا مع العجز عن عملها قياسا على الأصول، وهو قولُ ابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وقيل إن المساقاة لا تجوز في شيء من ذلك أصلا لأن المساقاة في الأصول رخصة فلا يقاس عليها.
وقال ابن المواز أكره المساقاة عليها مع العجز عن عملها، وكان أبو عمر ابن القطان يقول المساقاة جائزة على ما في المدونة في الياسمين والورد والقطن
عَجَزَ عنه صاحبه أو لم يعجز، خلاف المقاثي والزرع، وهو بعيد إذ لا فرق في حقيقة القياس بين القطن والزرع والمقاثي وقصب السكر في جواز المساقاة فيها من غير عجز؛ لأن أصولها غير ثابتة بخلاف الياسمين والورد الذي أصولها ثابتة فلا ينبغي أن يختلف في أن المساقاة في الياسمين والورد جائزة على مذهب مالك وإن لم يعجز صاحبها عن عملها، ولو قال قائل أن المساقاة في المقاثي والقطن وما كان في معناها جائزة وإن لم يعجز صاحبها عن عملها بخلاف الزرع وقصب السكر وما كان في معناهما لكان له وجه؛ لأن هذه ثمار تجنى من أصولها فأشبهت ثمار الأصول الثابتة، والزرعُ وقصب السكر وما أشبهها لا تجنى من أصولها إِلا بقطع الأصول، ففارقت ثمر الأصول في المساقاة في الزرع على مذهب ابن القاسم لا تجوز إِلا بثلاثة شروط أحدهما أن يعجز صاحبها عن عمله، والثاني أن ينبت وقبل أن يستقل بعد نباته، والثالث ألا يبلغ مبلغا يحل بيعه.
وكذلك قصب السكر بهذه المنزلة تجوز مساقاته بعد أن ينبت قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله، واختلف إن كان له خلفة هل يجوز أن يشترطها في المساقاة، والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع.
وكذلك البقل تجوز فيه المساقاة إذا نبت وعجز صاحبه عن عمله قبل أن يحل بيعه، قال ذلك عبد الرحمن بن دينار في المدنية، وقال ابن القاسم فيها لا تجوز المساقاة في البقل وكل شيء يجد ثم يخلف مثل البقل، ولو كان ذلك مثل الزرع الذي لا يكون في السنة إلا مرة واحدة لم يكن به بأس، وظاهر قول ابن دينار أن المساقاة في البقل قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله جائزة، وإن اشترط خَلَفَه، وظاهر قول ابن القاسم أن ذلك جائز إذا لم يشترط الخلفة فحصل الاختلاف بينهما في جواز اشتراط الخلفة في المساقاة وذلك على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع، ويحتمل أن يقال أن الاختلاف أيضا في مساقاة البقل، وإن لم يشترط خلفته ويكون ذلك جاريا على الاختلاف الذي ذكرناه في الزرع هل تجوز فيه المساقاة إذا نبت قبل أن يستقل أو لا يجوز وإن
نبت حتى يستقل؛ لأن البقل إذا استقل فقد حل بيعه، وما حل بيعه فلا يجوز مساقاته، وقوله في الفجل أو الِإسفنارية إِن المساقاة فيهما جائزة معناه قبل أن يحل بيعهما، إذ لا تجوز المساقاة فيما يحل بيعه.
وأما قوله إن الجائحة لا توضع في قليل ذلك حتى يبلغ الثلث فبعيد، وما في المدونة من أن الجائحة توضع في قليل ذلك وكثيره أصح؛ لأن بيعه لا يحل حتى يبلغ مبلغ القلع، فَلَهُ حكمُ البقول في وضع الجائحة فيه، قيل إنه يوضع القليل والكثير، وقيل: إنه لا يوضع القليل ولا الكثير، وقيل إنه لا يوضع إلا الكثير الثلث فصاعدا وبالله التوفيق.
مسألة: مساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها
مسألة قال وقال سحنون: لا بأس بمساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها.
قال محمد بن رشد: قولُ سحنون هذا خلافُ مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأنه نص فيها على أن ذلك لا يجوز لأن فيه منفعة لرب الحائط، والمنفعة التي له في ذلك سقوطُ الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له قيام بالجائحة وكان بالخيار بين أن يتمادى على مساقاته أو يخرج عنها، بخلاف الِإجارة التي له أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بإجارة مثله فيما عمل، وإنما أجاز ذلك سحنون لأنه رآها إجارة أخطأ في تسميتها مساقاة، فأجازها على حكم الِإجارة من وجوب الرجوع بحكم الجائحة فيها، ولم يجزها ابن القاسم لأنه راعى تسميتها إياها مساقاة إذ حكم المساقاة لا يرجع فيها بالجائحة فرآها إجارة فاسدة يجب
فسخها مَا لَمْ تَفُتْ بالعمل، فإن فاتت به كان للعامل أجرة مثله على حكم الإجارة تنعقد بلفظ المساقاة، ولم يحملها ابنُ القاسم على الإجارة إذْ رآها لا تنعقد بلفظ المساقاة، وكذلك على مذهبه لا تنعقد المساقاة بلفظ الإجارة لو قال له أو أجِرُكَ على سقي حائطي هذا بنصف ثمرته إذا طابت لم يجز، ويأتي على مذهب سحنون أن ذلك يجوز، وتكون مساقاة وينبغي على قول سحنون أَلا يجوز ذلك في الزرع لأنه كمن قال أحصده وهذبه ولك نصفه، وهذا لا يجوز عنده، وقول ابن القاسم أظهرُ لأن الإجارة والمساقاة عقدان مفترقا الأحكام، فلا ينعقد أحدهما بلفظ الآخر وبالله التوفيق.
مسألة: على العامل كراء البياض
مسألة قال: وأخبرني ابن أشرس عن مالك في الرجل يساقي الرجل الحائط وله بياض تَبَعٌ للنخل فيستثنيه العامل فيصيب النَخْلَ جائحة فيذهب ثمرها وقد زرع العاملُ البياضَ، قال مالك: يكون على العامل كراء البياض، قال سحنون وهي جيدة، والحجة في ذلك إذا لم يعط البياض إِلِّا على السواد، فلما ذهب السواد رجع عليه بكراء البياض.
قال محمد بن رشد: قد بين سحنون رواية ابن أَشْرَس وَوَجْهَهَا واحتج لها بما لا مزيد عليه لمن وقف على معنى ما ذهب إليه، وله في كتاب ابنه أن مالكا قال وكذلك لو عجز الرجل عن الأصل كان عليه البياض بكراء مثله، ورواه علي بنُ زياد عنه، فمعنى ما ذهب إليه سحنون أن العامل لما أجيحت الثمرة أبى أن يتمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه من سقاية ولذلك كان لصاحب الحائط أن يرجع عليه بكراء أرضه، ولو تمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه منه لما كان عليه في البياض، كذا يتبين تشبيه مالك لذلك بعجز العامل عن العمل، وبالله التوفيق.
مسألة: لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض
مسألة قال محمد بن إبراهيم المدني وعبد الله بن نافع إذا كان لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض هو تبع للنخل وكان البياض فيها الشيء من النخل هي تبع للبياض فقال للذي يساقيه النخل أو يستكري منه البياض أساقيك النخل وحدها أو أكريك الأرض وحدها وأحبس نخلي أو بياضي ولك من الماء قدرُ ما تروي به نخلك في السقاء وتروي به زرعك في حين تسقي الزرع ولي فضل مائي نسقي به نخلي أو ما صنعتُ في بياضي ليس عليك فيه سقاء كان ذلك حسنا جائزا، وإنما يكره من ذلك أن يجمع النخل إلى البياض أو البياض إلى النخل فيشترط ذلك المساقي خاصة ويكون على المساقي سقيه فتكون زيادة يزدادها عليه، فإذا لم يكن كذا فلا بأس به.
قالا وكذلك إذا اشترط الرجل على صاحب الأرض أن البدر عليك كانت زيادة ازدادها فلا يصلح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة على مذهب مالك؛ لأنه قال في موطئه في المساقي يشترط البياضَ إنه لا يصلح؛ لأن الداخل يسقيه لرب الأرض فذلك زيادة ازدادها عليه رب الأرض فهذا يدل من قوله أنه إذا لم يسق المساقَى ما اشترط عليه المساقِي من الأرض فهو جائز.
وأما إذا أكرى الرجلُ أرضه وفيها ثمرات يسيرة أو كثيرة فأبقاها لنفسه لم يُدخلها في كرائه فذلك جائز وإن اشترط على المُكترى سقيها؛ لأن ذلك كله معلوم فلا غرر فيه.
ولم يتكلم على الحكم إذا اشترط رب الحائط الأرض على أن يسقيها
المساقي، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي قد ذكرته في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه وما ذهب إليه ابن حبيب أن يُرَد في ذلك إلى مساقاة مثله في الحائط، ويكون له أجرة مثله في سقيه الأرض لرب الحائط.
وكذلك لم يتكلم إذا اشترط البذر على صاحب الحائط يريد على أن يكون الزرع بينهما، والحكم في ذلك على ما تقدم أن الزرع لرب الحائط الذي له البذر وعليه للعامل أجرة مثله في عمله وسقيه، ويرد في النخل إلى مساقاة مثله قاله ابن حبيب في الواضحة والله الموفق.
: المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب سلف دينارا قال عيسى سألت ابن القاسم عن حائط ساقاه صاحبه سنة على النصف وسنة على الثلث، قال: لا يحل هذا، قيل له فإن كان قد عمل سنة وحانت الثمرة قال يُرد إلى مساقاة مثله، ويكون له أن يعمل السنة الثانية.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة أن المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها فهو فوت في جميعها، ورده في هذه المسألة إلى مساقاة مثله صحيح على الأصل الذي ذكرناه في أول رسم من، سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه.
مسألة: حائط ساقاه صاحبه رجلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر
مسألة قيل له فحائط ساقاه صاحبُه رَجُلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر؟ فقال: هذا حرام، قيل له: فقد وقع، قال: يعطىِ في الذي
اشترط عليه كِفَاية أجرة مثله، ويرد إلى مساقاة مثله في الحائط الآخر.
قيل له فإن قارضه بمائة دينار على أن يُبلغَ له مائة دينار أخرى إلى موضع كذا وكذا؟ فقال: له فيهما جميعا إجارة مثله يريد إذا فات، ولم يره مثل مسألة المساقاة التي فوقها.
قيل له فإن جاء بربح فأراد صاحب المال أن يسوغه إياه ويتركه له فقال صاحب المال إن الذي يترك من الربح أكثر من إجارة مثله وعلم الآخر كم هو؟ فلا بأس به إن علما به جميعا وأما أن يتخاطرا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: مثلَ هذا حكى ابنُ حبيب في الواضحة أنه يعطي أجرة مثله في الحائط الذي اشترط عليه كفاية مؤنته وُيرد في الآخر إلى مساقاة مثله، وهو على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم أنه يرد فيهما جميعا إلى إجارة مثله وهو الأظهر، وأما الذي قارضه بمائة على أن يبلغ له مائة إلى موضع كذا فلا اختلاف أحفظه فيِ أنه يرد إلى إجارة مثله في جميع ذلك، وكذلك لو قارضه بمائتين على أن يكون ربح المائة الواحدة لرب المال وربح المائة الثانية بينهما على أن يعمل بكل مائة على حدة، لَرُدَّ فيهما جميعا إلى إجارة مثله قولا واحدا، والقراض في هذا خلاف المساقاة، وأما قوله إنه لا يجوز أن يسلم له ربح المال فيما وجب له من إجارة مثله حتى يعلم أن كان أقل من ذلك أو أكثر، فهو بين لا إشكال فيه لما في ذلك من المخاطرة والغرر إذا جهل قدر ذلك وبالله التوفيق.
: يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقرأو غلمان أو دواب
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط
ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب، وليس له أن يستثنى على رب الحائط إِلَّا ما وجد فيه من ذلك، وعلى رب الحائط أن يخلف كل ما مات من عبد أو شيء أو ثور مما استثنى الداخل في الحائط مما وجد فيه.
قلت فإن جهل الداخل في الحائط أن يستثني ما فيه من الدواب والرقيق وظن أن ذلك له استثناهم أو لم يستثنهم، فلما تعاقدَا المساقاةَ قال له رب الحائط: إنما ساقيتك الحائط وحده بلا دواب ولا رقيق؟ قال يتحالفان ويتفاسخان.
قال محمد بن رشد: قولُه لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب يدل على أنهم لا يكونون له إِلَّا أن يستثنيهم خلافُ ما في المدونة من أن الحكم يُوجِبُهم له وإن لم يستثنيهم إذ لا يجوز لرب الحائط أن يستثنيهم ولا يخلو الأمرُ على هذه الرواية من أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على أن أحدهم استثناهم جاز ما اتفقا عليه من ذلك، وإن اتفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما ولا كانت له نية بَقُوا لرب الحائط، وإن اتَفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما إلا أنهما اختلفا فيما نوياه فقال العامل: كانت نيتي أن يكونوا لي وهو الذي ظننت وعليه ساقيت بما ساقيت به، وقال رب الحائط: كانت نيتي على أن يكونوا لي ولا يدخلوا في المساقاة تحالفا وتفاسخا كما قال في الرواية.
وكذلك لو اختلفا فقال العامل: استثنيتُهُم، وقال رب الحائط: بل استثنيتُهُم أنا تحالفا وتفاسخا على هذه الرواية، وكذلك لو ادعى أحدُهما أنه استثناهم وكذبه الآخر فيما ادعاه من أنه استثناهم ولم يدع هو أنه استثناهم إلا أنه قال: كانت تلك نيتي وعلى ذلك ساقيت لتحالفا وتفاسخا أيضَا، ولو اختلفا على مذهبه في المدونة فادعى كل واحد منهما أنه استثناهم لوجب أن يكون القول قول العامل لأنه مدعى الصحة منهما، وذلك على القول بمراعاة دعوى الإشباه مع القيام؛
لأنه إنما كان القول قول مدعي الصحة من أجل أنه أشبه بالدعوى خلافُ ما في سماع أبي زيد من كتاب المغارسة، وقد مضى هنالك من الكلام على تلك المسألة ما فيه بيان لهذه وبالله التوفيق.
مسألة: منتهى المساقي في الزيتون
مسألة قال: وسألته عن الرجل يساقي الرجل الزيتون على أن يعصره، قال: لا بأس بذلك وعلى ساقي النخل جَذاذه وعلى ساقي الزرع حصاده ودرسه، قيل لسحنون: ما منتهى المساقَي في الزيتون؟ قال: جناه، قيل له فالثمر؟ قال: جَذَاذه، قال: بعد ما طاب وحل بيعه أو بعد ما يثمر؟ قال: ذلك بعد الِإثمار، قيل له فالتين والكرم؟ قال على المساقي القطاف والتيبيس هو أجل مساقاته ليس يتعوضَ عنه المساقاة وعلاجها بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه.
[ومعنى ذلك إنما كان التيبس غالبا على أهل البلد لأنه إذا لم يكن غالبَا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترط عليه إذ هو يلزمه ما هو يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك بالعرف في البلد إن لم يكن في المساقاة عرف وإما لأنه عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد] .
وقال ابن القاسم في مساقاة الزيتون إِنّ عليه عصره إنْ كان عصره غالبا على أهل ذلك البلد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا بأس بمساقاة الزيتون على أن يعصره المساقَى دليل على أنه إذا لم يكن شرطا لم يلزم المساقَى العصر واقتسما الزيتون حبا، ومثله في كتاب ابن المواز أن عصر الزيتون في المساقاة
على شرطهما، فإن لم يكن شرط فهو بينهما مثل قول سحنون إن منتهى المساقاة في الزيتون جناه، ومعنى ذلك إذا لم يكن العرف في البلد العصر، وأما إِنْ كان العرف بالبلد في الزيتون العصر فيلزم المساقي العصر إلا أن يشترط أَلا يلزمه ذلك يبين ذلك من مذهب ابن القاسم قوله أولا قوله في المسألة الأخرى ويبينه من مذهب سحنون قوله في التين والكرم إِنّ على المساقي القطاف والتيبيس وإنّ العلاج ينقضي عنه بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه لأن معنى ذلك إنما هو إذا كان التيبيس غالبا على أهل البلد؛ لأنه إذا لم يكن غالبا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترطه عليه إذ لا يلزمه ما لا يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك العرف في البلد إذا لم يكن في المساقاة عرف وأما إِن عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد وبالله التوفيق.
: الكراء والبيع جائز أن يجمع بينهما في صفقة واحدة
ومن كتاب جاع وقال لرجل سأله عن أرض اكتراها بخمسين دينارا، وفيها شجرتين غلة بعد إخراج النفقة مثل كراء الأرض هل يحل ذلك؟ قال لا بأس به لأن بيعه وحده حلال، والكراء بيع من البيوع فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الكراء والبيع جائز أن يُجْمَع بينهما في صفقة واحدة وبالله التوفيق.
: يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة
ومن كتاب أن أمكنتني قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يُسَاقِيَ الرجلُ الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو على الثلث إذا كانا مستويين فإن لم يستو، فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدَهما إلا لمكان الآخر.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول سماع أشهب فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.
: باع منه نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بجائحة
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول إذا باع رجل من رجل نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بِجَائِحَةٍ كانت المصيبة بينهما على قدر ما لهما فيه ولم يوضع عنه من الثمر شيء، وإن أصيب ثلثه أو نصفه وضع عنه نصف الثمن أو ثلثه، قال: ولا يُوضع عنه من الثمن شيء حتى يكون الذي بلغت الجائحة ثلثَ جميع الثمرة فيكون ثلث ما اشترى المشتري وهو شريك له في المصيبة فيما قل أو كثر.
قال: وقال مالك: وأن تباع نصف سبرته أو ثلثها أو جزء منها فأصابها سَيْلٌ أو شيء ذهب بها أو بعضها فإنهما يَتَحَاصان على قدر حظوظهما فيها، والمصيبةُ منهما جميعا على الحظوظ، وليس في
هذا جائحة قال أصبغ: وقولُ مالك في الثمار أخبرنيه ابنُ وهب وابن القاسم عن مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها ولا لبس في شيء من معانيها فلا معنى للقول فيها وبالله التوفيق.
: بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها
ومن كتاب الأقضية والحبس وقال فيمن أخذ حائطا مساقاة على النصف، ثم سأله صاحب الحائط بعد ما عمل أو قبل أن يعمل أن يرد ذلك عليه فيرد ذلك إليه ويخرج من المساقاة بِرُبُع الثمرة إذا طابت إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة منه إليه مؤْتَنَفَةٌ، قالا: ولوكانا رجلين أَخَذَا حائطا مساقاة على أن النصف لهما والنصف لصاحب الحائط، ثم سأل أحدُ الرجلين صاحبَه أن يخرج من الثمرة إن ذلك لا بأس به أيضا، قال: وكذلك لو كانا شريكين في حائط لهما أصله فسأل أحدهما صَاحِبَه أن يخرج له من الحائط وسلم إليه جميع الثمرة ولا يعرض فيه جزء من الثمرة إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة، ولكن لو سأل أحدُهما صاحبه يسلم إليه الثمرة بدنانير أو دراهم أو عرض أو حيوان أو غير ذلك لم يصلح في شيء من جميع وجوه هذه المسألة كلها الذي لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، ولكن لو كان حائط لرجل أو كانا حائطين لرجلين شريكين وأحدهما رجلان مساقاة أو أخذهما رجل مساقاة فسأله رب الحائط أن يخرجه منه بجزء من حائطه أو سأل أحد الشريكين صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من الآخر أو سأل ذلك أحد العاملين منهما بالمساقاة صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من
الأجزاء لم يكن في ذلك كله خير ولم يصلحِ لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها من كلا الفريقين جميعاَ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدم القول فيها وفيما كان من معناها في رسم البيوع من سماع أشهب فلا وجه لِإعادة القول فيه وبالله التوفيق.
: المرسين لا تجوز فيه المساقاة
ومن كتاب البيوع قال: وسئل مالك عن المرسين يساقي وقيل له إن له أصولا تعظم وتطول وتُقِيمُ السنين فإنه يجزء منه الشتاءَ والصيفَ وليس له إبان معلوم، يجزء أشهر معلومة ثم ينقطع، فهذا يحل بيعه يعني في كل حين إذا أثمر أوله الذي يشتري عليه، يشتريه سنة أو سنتين مثل الموز والقصب، قال: وما حل بيعه فلا يحل فيه مساقاة، ولا مساقاة في المرسين.
قال محمد بن رشد: المرسين هو الريحان وقد تقدم في أول سماع سحنون أنه كالبقل لا تجوز فيه المساقاة مثل قوله هاهنا، وقد اختلف في ذلك، فحكى ابن المواز عن ابن وهب إجازة مساقاته، وحكى عن ابن القاسم أن ذلك لا يجوز ثم رجع فأجازه وبَنَى على هذا، قال محمد: وأحَب إلي أَلَا يجوز لأنه كالموز والقصب إلا أن تكون أشجارها ثابتة، وإنما تقطع منها حيطانها النابتة في كل عام، وقولُ ابن المواز ينبغي أن يحمل على التفسير للقولين فنقول إنه إنما أجاز المساقاة فيه قبل أن يحل بيعه، ومنع منها بعد أن يحل بيعه كالبقل الذي يجوز فيه المساقاة إذا نَبَتَ قبل أن يحل بيعه حسبما مضى القول فيه في سماع سحنون، وقول ابن القاسم وما حل بيعه فلا تحل مساقاته خلافُ قول سحنون المتقدم في سماعه، وقد مضى القولُ على ذلك هنالك فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.
مسألة: مساقاة البعل
مسألة قال أصبغ سألت ابن القاسم عن زيتون يكون بالمغرب ساقى فيها صاحبه على أن يحرثه للمساقي ليس عليه علاج غيره ولا سقي، فقال: هذا بعل وكذلك الكروم والنخل من البَعل، فهذا لا بأس به، وهو أمر الناس في مساقاة البعل وعليه مع هذا قطفها وتنقيتها وحراستها، قلت أرأيت إِن اشترط حمل نصيبه إلى منزله إلى المدينة أو اشترط ذلك المساقي على العامل؟ قال: لا خير فيه، هذه زيادة يزدادها، قلت أرأيت إن كان ذلك قريبا؟ قال مَا يُعجبني إلا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، قلت أرأيت إن كان قريب الميل وما أشبهه، وقال ما يعجبني، وقاله أصبغ، وقال: إن وقعت فيه المساقاة في المكان البعيد وفاتت رد إلى مساقاة مثله بلا حملان عليه، وسقط الجزءُ الذي بينهما في الشرط.
قال محمد بن رشد: إجازتُه المساقاة في الزيتون البَعل مثل ما في المدونة من إجازة المساقاة في الشجر البَعل والزرع البَعل، وأما اشتراطه على العامل حمل نصيبه إلى منزله فكرهه ابن القاسم إِلَّا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، وكراهيتُه بينةٌ لأنها زيادة ازدادها رب الحائط على العامل إلا أنه لم يبين وجه الحكم في ذلك إذا وقع، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق أن يُرَدَّ إذا فات إلى إِجارة مثله إِلَّا في المكان القريب فيشبه أن يرد فيه على مذهبه إِلى مساقاة مثله استحسانا، وأما قول أصبغ إنه يرد إلى مساقاة مثله في المكان البعيد فهو بعيد لا يتخرج إلا على قول من يرد العامل في المساقاة الفاسدة كلها إلى مساقاة مثله جملة من غير تفصيل، وبالله التوفيق.
: اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر
قال أبو زيد سُئل ابنُ القاسم عن الرجل اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي، قال: فلا جائحة فيها، ولو كان إنما اشترى بعد أن أزهت ففيها جائحة.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى الثمر قبل أن تزهي بعد أن اشترى الأصل فلا إشكال فيه في أنه لا جائحة فيها كما لو استثناها في ابتياعه الأصل قبل أن تَزهي لأنها في حين البيع لا يقع عليها حصة من الثمن، ولا يجوز بيعها منفردة عن الأصول، فأما إذا اشتراها بعد أن اشترى الأصول أو هي قد أزهت فقوله في هذه الرواية إن فيها الجائحة خلافُ مذهبه في المدونة أنه لا جائحة فيها إذا اشتريت مع الأصول صفقة واحدة بعد الطياب؛ لأنه لا يلزم على هذهَ الرواية إذا اشتراها مع الأصول صفقة واحدة وهي قد طابت وحل بيعها أن تكون فيها الجائحة بما ينوبها من الثمن إذا قبض عليها وعلى الأصل إِذْ لا فرق بين شرائها بعد الطياب في صفقة أخرى أوفي صفقة واحدة؛ لأنه إذا اشتراها مع الأصل في صفقة واحدة فقد وقع لها صحة من الثمن، وهو منصوص عليه لأصبغ في الواضحة، والصحيح ما في المدونة أنه لا جائحة فيها لأنها بالعقد تدخل في ضمانه لكونها في أصولها، فهذه هي العلة في ذلك لَا مَا علل به في المدونة من أنها تبع للأصول، فالجواب في المدونة صحيح والتعليل ضعيف وبالله التوفيق.
مسألة: عابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها
مسألة قال ابن القاسم الحَبْسُ جائحة.
قال محمد بن رشد: وكذلك السلطان والغاصب الذي لا تأخذه الأحكام هو جائحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك لأنه أمر غالب وكذلك السارق عند ابن القاسم جائحة لأنه لا يستطاع الاحتراس منه، وقال ابنُ
نافع ليس السارق بجائحة، وذهب مطرفٌ وابن الماجشون إلى أنه ليس شيء من ذلك كله جائحة؛ لأنه من صنع آدمي ولا اختلاف فيما كان من غير صنع آدمي كالسمُوم يحرق الثمرة والطير الغالب يأكلها والريح يسقطها إن ذلك كله جائحة، والأول أظَهر ألا فرق بين فعل الآدمي وغيره في ذلك لما على البائع في الثمرة من حق التوفية، وقد اختلف إِذا عَابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها ولا أفسدتها جملة كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبُها فينقصُها ذلك من قيمتها فقيل وهو المشهور إن ذلك جائحة ينْظَرُ إلى ما نقص العيبُ منها، فإن كان الثلث فأكثر وضع عن المبتاع، وقيل ليس ذلك بجائحة، وله حكم العيب يكون المبتاع فيه بالخيار بين أن يُمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بجميع الثمن، وإلى هذا ذهب ابن شعبان وقاله ابن الماجشون في أحد أقواله، فإن ذهب على قولهما من الثمرة ثلثها بجائحة عابت البقية من الثمر ورجع بثلث الثمن لما ذهب من الثمر وكان بالخيار في الباقي بين أن يتمسك به أو يرد ويرجع بجميع الثمن وبالله التوفيق.
مسألة: ورق التوت يباع في شجره ثم يصيبها جائحة
مسألة وسئل عن ورق التوت يُباع في شَجَرِهِ ثم يصيبها جائحة أترى أن يوضع عنه الثلث فصاعدا لأنَّ الغرر في أصله؟ قال: بل يوضع عنه ما أصابه من الجائحة من قليل أو كثير، قيل له مثل البقل؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لابن حبيب خلافُ هذا أن الجائحة في ذلك لا توضع في أقل من الثلث وأنها ليست كالبقول، وقول ابن القاسم أظهرُ بدليل ما ذكرناه من سماع سحنون من المعنى الذي من أجله وضعت في البقول الجائحة في القليل والكثير وبالله التوفيق.
مسألة: يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت
مسألة قال ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت: إِنَّ مصيبتها من الزوج وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنَّما يُحمل النكاحُ بالثمرة إذا أصابتها الجائحةُ مَحْمِلَ البيع، وابنُ
القاسم يقول لا جائحة فيها والمصيبة من المرأة ولا ترجع على الزوج بشيء.
قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون هو القياس على أن الصداق ثمن للبضع، وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَشْبَهُ شيء بالبيوع النكاحُ فوجب الرجوع فيه بالجائحة، فقولُه إن الثمرة إذا أجيحت كلها رجعت المرأة على الزوج بقيمة الثمرة وهو المشهور في المذهب، ووجهُهُ أن الثمرة لما كانت عوضا عن البضع وهو مجهول رجعت بقيمتها كما يرجع الزوج على المرأة إذا استحق مِن يده ما خالعت به عن نفسها بقيمته للبضع الذي أخرجه عن يده عوضا عنه، والقياس في النكاح إذا أجيحت الثمرة كلها أن ترجع المرأة بصداق مثلها لأن العوض عن المرأة هو البضع، وقد فات بالعقد أو الدخول، فوجب أن يرجع بقيمته وهو صداق مثلها دخل أو لم يدخل على القول بأنها تفوت بالعقد، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتيبة، وعلى القول بأنها لا تفوت بالعقد إن أجيحت الثمرة قبل البناء انفسخ النكاح، وهذا القول قائم من مسألة وقعت في العشيرة ليحيى، ووجه فواته بالعقد ما يوجبه من الحرمة، فهو بخلاف البيوع، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم من أن المصيبة في النكاح إذا أجيحت الثمرة من المرأة ولا رجوع لها على الزوج في ذلك، هو أن النكاح طريقه المُكَاَرَمَةُ بخلاف البيوع التي طريقها المُكَايَسَةُ، وأيضا فإن الصداق على الحقيقة ليس بعوض عن البضع لأن المباضعة فيما بين الزوجين سواء تستمتع به، وإنما هو نحلة من الله فرضها عز وجل للزوجات على أزواجهن فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] فأشبه الصداق على هذا الهبةَ، فوجب أَلا يرجع فيه بالجائحة، وبالله التوفيق.
مسألة: أعطى نخلة مساقاة على النصف
مسألة قال: وقال سحنون: ولو أن رجلا أعطى نخلة أو كرمة أو زيتونة مساقاة على النصف على أن يسقي ويقطف ويجني على أن يحرث ثلاث حرثات فيعمل العامل جميع العمل الذي اشترطه عليه إِلا الحرث فإنه حرث حرثتين ولم يحرث الثالثة فإنه ينظر إلى ما عمل فيقوَّم ذلك ثم يُنظر إلى ما ترك مما شرط عليه عمله فيقَوَّم ثم ينظر كم هو مما عمل؟ فإن كان الذي ترك ولم يعمله الثلث من جميع ما شرط عليه من العمل حط العاملُ ثلثَ النصف الذي كان له إن كانت مساقاته على النصف وإن كان إنما ساقاه على الثلث أو الربع فكذلك أيضِا يحط عنه ثلث الثلث أو ثلث الربع، وتفسير ذلك أنه ينظر إلى كل ما عمل العامل فيقومه ثم ينظر إلى قيمة ما ترك أن لو عمله فيقوم فيعرف ما اسم قيمة الذي ترك من قيمة الذي عمل فإن كان ثلثا حططت من سهمه ثلثه وإن كان ربعا فكذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الجزء الذي اشترطه العامل في المساقاة من الثمرة عِوَضٌ عن عمله، فإن نقص من العمل الواجب عليه شيئا وجب أن يحط من جزئه من الثمرة بمقداره وهذا بين والحمد لله.
مسألة: العمل عوض عن الأرض
مسألة قيل أرأيت لو اشترك رجلان فَأَخْرَجَا الزريعة وأخرج أحدهما الأرضَ والآخر العمل وكراء الأرض مثل قيمة العمل، وعلى أن يحرث الأرض ثلاث حرثات فحرث حرثتين ونصف واحدة؟ فقال: ينظر إلى قيمة ما عمل، فإن كان قيمة ذلك عشرين درهما ثم ينظر إلى قيمة السكة التي ترك فإن كان قيمتها عشرة دراهم نظر إلى قيمة ما ترك وهي العشرة
كم ذلك من الثلثين الدراهم؟ فيوجد الثلث فيرجع رب الأرض على العامل بمثل ثلث كراء نصف هذه الأرض.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العمل عوض عن الأرض فإذا قصر في العمل وجب أن يرجع رب الأرض على العامل من كراء أرضه بقدر ما قصر في العمل.
وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ذلك.
: كتاب الحبس الأول
مسألة: حبس خادما على قوم مفترقين
كتاب الحبس الأول من سماع ابن القاسم من مالك
من كتاب الرطب باليابس
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال مالك من حبس خادِما على أهل بيت لمِ يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت لِلآخِرِ منهم، ومن حبس خادماَ على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبُه للذي حبسه، قال ابن القاسم: قال مالك: إن قال لهذا يوم ولهذا يوم رجع نصيب الذي مات إلى الذي حبسه، وإن كان حبسه على قوم ولم يقل لهذا يوم ولهذا يوم فمن مات فنصيبه على من بقي من أصحابه في الحبس، وقال سحنون: هذا أصل جيد فعليه فقس وهي جيدة.
قال محمد بن رشد: أهل البيت هم المنتسبون إلى رجل واحد من رجل أو امرأة انتسابا معروفا يجب به الميراث، فمن حبس حبسا على أهل بيت رجل وجبَ الحبُس للمنتسبين إلى من ينتسب إلى ذلك الرجل من رجل أو امرأة، وفي دُخول ذلك الرجل فيه اختلافٌ، قيل إنه يدخل فيه بالمعنى إذا كان على مثل حالهم من الفقر أو الغنى، وقيل إنه لا يدخل فيه لأنه إنما حبس على أهل بيته ولم يحبس عليه، والقولان يتخرجان على المعنى الذي ذكرته في رسم البز من سماع
ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات.
ولا يدخل في ذلك أزواجه إذا لم يُكُنَّ من أهل بيته وإن كن ساكنات معه في بيته، والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: 33] دَعَا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فقال: اللَّهُمْ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وروي أيضا أنه أدخلهم تحت ثوبه ثم جَأَرَ إلى الله عز وجل فقال: «يَا رِبِّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وزاد هذا بيانا ما روي عن أم سلمة أنها قالت: «نزلت هذه الآية في بيتي ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: 33] فقلت يا رسول الله: ألَسْتُ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ؟ قال: أنتِ على خير إنك من أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» ، وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين، إلَّا أن يعلم أن المحبس أراد بتحبيسه على أهل بيت الرجل السكانَ معه في بيته من أزواجه وغيرهِن بِنَص منه على ذلك أو دليل يدل عليه من عرف بين أو بساط ظاهر.
قال محمد بن رشد: وقولُه في الرواية إن من حبس على أهل بيت لم يدخل عليهم غيرهم صحيحٌ لا اختلاف فيه، إذ لا يدخل في الحبس سوى من حبس عليه، وأما قولُه: وكانت للآخِر ِمنهم، يريد مِلْكا، فوجه ذلك أن مَالِكَا كره في تحبيس الحيوان أن يكون على العقب بخلاف الرباع إلّا أنه إن وقع أمضاه على ما شرطوا إن أرادَ تغيره إلى ما هو أفضلُ للعبد وأقربُ إلى الله فعل، وقال ابن القاسم: كرهه لأنه ضيق على العبد إن كان المحبس عبدا، وقد قال مالك في رسم البز بعد هذا: من حبس خادما على أمه وأخته حُبُسا صدقه لا تباع، وهي على الباقية منهما، فماتت أخته أَلَهُ أن يُبَتِّلَهَا لأمه تبيعها إن شاءت؟ قال: ذلك له إن شاء بعد تفكره فيها وكأنه لم يَرَهَا من ناحية الدور، وفي كتاب ابن المواز وكأنه رَآهُ من البر، وهذا في الحيوان، ولا يجوز في الرباع، قال محمد: وهذا
لأنه حق له إلى ما هو أفضل للعبد وله هو في بِرّ ِأمه وأفضل لأمه، فإذا كان أفضلَ للثلاثة فأجيز.
في الحيوان، قال ابن القاسم ولو حول الحيوان إلى ما ليس بأفضل مما سبلها فيه لم يجز، قاله مالك، بخلاف الدور لأن الأمة تموت وتمرض، فلما رأى الحبس في الحيوان مكروها، واستحب للمحبس أن ينقضه ويَرُده إلى ما هو أفضل رأى أن يكون الخادم إذا حبسها على أهل البيت للآخر منهم ملكا إذْ لم ينص في تحبيسه أنها ترجع بمرجع الأحباس ولا تباع أبدا، إذ لو نص على ذلك لأمضاه على ما أتت به الرواية عنه إذا فات الأمر بموت المحبس، وأشهب يرى الحبس نافذا على ما شرط في الرقيق والدواب مثل الرباع يلزمه ذلك ويرجع كما ترجع الدور على الأقرب فالأقرب من عصبة المحبس فيسلك بها مسلك الحبس أبدا لا يباع.
وقولُه في الرواية: ومن حبس خادما على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبه للذي حبسه معناه معَيِّنينَ، ومفترقين من أهل أبيات شتى أو مجتمعين من أهل بيت واحد، وظاهره أن ذلك سواء قسم الخدمة بينهم فقال: لهذا يوم ولهذا يوم، أو سكت عن ذلك لأن الحكْمَ يوجِبه إن سكت عنه، خلاف ما حكى ابنُ القاسم عن مالك بعد ذلك واختاره سحنون واستحسنه وقال فيه إنه أصل جيد، والذي حكى عن مالك من تفرقته بين أن يقسم الخدمة بينهم أو يسكت عن ذلك، وهو نحو ما يأتي في رسم بع ولا نُقْصَانَ عليك من سماع عيسى من تفرقته بين أن يقول في تحبيسه على امرأته وعلى أم ولده بينكما أو عليكما، وذلك كله خلافُ ما في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب في الذي أوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من ورثته لهذا منها قطيع عليه يسميه، ولهذا منها قطيع عليه وقال: من مات منهما فلا حق له: إن من مات منهما رجع حظه على صاحبه.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن من مات منهما أو منهم إن كانوا جماعة رجع حظه على صاحبه أو على أصحابه جملة من غير تفصيل، والثاني: أن
حظه يرجع إلى المحبس ولا يرجع على صاحبه ولا على أصحابه جملة من غير تفضيل، والثالث: الفرق بين أن يقسم الخدمة بينهما أو بينهم فيقول لهذا يوم ولهذا يوم أو يقسم الغنم بينهما أو بينهم لهذا منها قطيع بسهمه ولهذا منها قطيع بسهمه، أو يقول في تحبيسه: حبست هذا الشيء بينكما أو بينكم أو يسكت عن ذلك كله، فلا يقسم الخدمة بينهما في الخادم ولا الغنم بينهما ولا يقول في تحبيسه الشيء: هو بينكما أو بينكم ويقول: هو عليكما أو عليكم، فإن قسم الخدمة بينهما أو الغنم أو قال في التحبيس: بينكما ولم يقل عليكما رجع حظ الميت منهما إلى المحبس، وإن لم يقسم الخدمة بينهما ولا الغنم أو وقال في التحبيس: عليكما ولم يقل بينكما رجع حظ الميت منهما على صاحبه ولم يرجع إلى المحبس.
فإذا انقرضا جميعا رجعت الخادم إلى المحبس مالا من ماله إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا، وعلى قول مالك الثاني في المدونة ترجع الخادم بعد انفراضهما لأقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا مطلقا على ما قاله ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى من أن الدور والعبيد ترجع بمرجع الأحباس على أقرب الناس بالمحبس حبسا يريد على أحد قولي مالك في المدونة.
بخلاف الدنانير والدراهم إنها ترجع بانقراض المحبس عليه إلى المحبس ملكا؛ لأن الدنانير والدراهم يضمنها المحبس عليه ويكره تحبيسها، فلا ترجع بمرجع الأحباس، فالدور والعقار يجوز التحبيس فيها ولا يكره، فيلزم وينفذ على سنته ويرجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي نصوا فيه على ذلك، وأما الحيوان فقيل إن التحبيس فيها جائز وهو مذهب أشهب وظاهر ما في المدونة، وقيل هو مكروه، وقيل يجوز في الخيل وحدها ويكره فيما عداها من الدواب والأنعام والعبيد والإماء خاصة لما يرجى لهم من العتق، ويجوز فيما سوى ذلك من الحيوان، وهذا القول هو المنصوص عليه لمالك، فعلى القول بجواز الحبس في ذلك ينفذ الحبس فيها على سنته ويرجع بمرجع
الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بالكراهة لا يرجع بمرجع الأحباس ويكون لآخر العقب ملكا إن كان الحبس معقبا وهو قول مالك في هذه الرواية: من حبس خادما على أهل بيت لم يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت للآخر منهم، وإن لم يكن معقبا وكان على معينين لم ترجع بمرجع الأحباس، وإن قال فيه حبسا صدّقه لا تباع ولا توهب ويرجع إلى المحبس ملكا بعد انقراض المحبس عليهم، وهو قول مالك في رسم البز في الذي حبس جارية له على أخته وأمه صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث وأيهما ماتت قبل صاحبتها رجعت على الباقية: إن له أن يبتلها لأمه إذا ماتت أخته إذ لو لم ترجع إليه بعد انقراض أمه ملكا لما صح له أن يبتلها لها، وكذلك العروض والسلاح والزروع والثياب قيل تحبيسها جائز وقيل مكروه، فعلى القول بجواز تحبيسها ترجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بكراهة تحبيسها لا ترجع بمرجع الأحباس وتكون لآخر العقب ملكا أو ترجع إلى المحبس إن لم يكن الحبس معقبا وكان على معينين، وهذا الاختلاف كله إنما هو في التحبيس المعقب أو على النفر بأعيانهم، وأما تحبيس ذلك كله لينتفع بعينه في السبيل أو ليجعل غله ماله غلة من ذلك بكراء وغيره موقوفة لإصلاح الطرق أو منافع المساجد أو لتفرق على المساكين أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في جوازه ما عدا العبيد والإماء، فإن ذلك يكره فيهما لما فيه من التضييق عليهما من أجل ما يرجى لهما من العتق، فإن وقع وفات نفذ ومضى، وما لم يفت استحب لمحبسه أن يصرفه إلى ما هو أفضل منه.
وأما الدنانير والدراهم وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه فالتحبيس مكروه، فإن وقع كان لآخر العقب ملكا إن كان معقبا، وإن لم يكن معقبا وكان لمعينين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم، والفرق بين العقار وبين
ما سواه عند من يكره تحبيسه أن ما عدى العقار لم يأت فيه عمل يرده على العقب، فوجب رجوعه إليه بانقراض المحبس عليهم أو كونه لآِخر العقب ملكا ومن أجازه قاسه على العقار، وبالله التوفيق.
فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد رأيتُ لابن دحون فيها كلاما غير محصل، قال: أجاز مالك في الحيوان خاصة أن يبيع للآخر منهم إن بتله له إذا حبسه على أهل بيت أو على قوم مفترقين مجهولين، فإن كانوا معلومين رجع نصيب من مات منهم إلى الذي حبس ذلك، وقيل عنه يرجع إلى أصحابه، وذلك غير صحيح؛ إذ لا فرق بين الحيوان وغيره في أن الآخر منهم له أن يبيع ما حبس عليهم إذا بُتل له، وبالله التوفيق.
مسألة: حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا
مسألة قال ابن القاسم وسمعت مالك قال: من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا، ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا قال: يَرْجِعُ إلى عَصَبَةِ المحبس ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إن كانت غلة، قال ابن القاسم: يريد البنات والأخوات والأمهات والجدات والعمات ولا يدخل في ذلك الزوجات ويبدأ بالأقرب فالأقرب في ذلك.
قال محمد بن رشد: قولُه من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا: إن ذلك يرجع بمرجع الأحباس إلى عصبة المحبِّس، يريد ولا ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، هو نص قول مالك في المدونة، وحكى ابنُ القاسم عنه فيها أن قوله لَمْ يختلف فيه، وليس ذلك بصحيح، قد روى ابنُ عبد الحكم عن مالك في كتابه أنه ترجع إليه ملكا مطلقا بعد موت المحبس عليه وإن قال حبسا صدقة إذا كان على معين، وهو قولُ ابن وهب في رسم الوصايا والأقضية من
سماع أصبغ أنه ترجع إليه ملكا مطلقا إذا حبس على معين وإن قال في حبسه: لا تُباع ولا توهب لاحتمال قوله لا تُباع ولا توهب حياة المحبَّس عليه، كما يحتمل قوله أيضا: صدقة، صدقة الغلة عليه حياته.
وأما قوله: ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إذا كانت غلة، ففي ذلك اختلاف يتحصل فيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء من يرث منهن وهن البنات وبنات الأبناء وإن سَفُلُوا، والأخوات الشقائق واللواتي لأب ومن لو كان رجلا منهن وَرِثَ وهن العمات وبناتُ الأخ وبناتُ ابن الأخ وبناتُ العَمّ وبناتُ ابن العم وبنات المولى المعتق، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في هذه الرواية، والقول الثاني: أنه لا يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء إلا من ترث منهن خاصة، وهن البنات وبنات الأبناء والأخوات الشقائق واللواتي لأب، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، والقول الثالث: أنه لا يدخل فيه أحد من النساء وإنما مرجع الُحبُس إلى العصبة من الرجال وهو الذي في سماع أصبغ أراه لابن وهب، ولا يدخل الأبْعَدُ مع الأقرب من الرجال أو النساء إلَّا فيما فضل عنه أو عنها، وإذا كان الرجال والنساء في درجة واحدة فهم فيه شَرَعٌ سواء للذكر منهم مثل حظ الأنثى، واختلف أيضا هل تدخل فيه الأمهات والجدات، فقيل: إنهن يدخلن فيه لأنهن من قرابة المحبس، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقيل: إنهن لا يدخلن فيه؛ لأنهن ليس من حرم نسب المحبس، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه ومذهب عبد الملك بن الماجشون وقيل: تدخل الأم ولا تدخل الجدة، وهو قول ابن القاسم في رسم نقدها من سماع عيسى بعد هذا على ما تأوله بعضُ أهل النظر في الرواية حسبما نذكره إن شاء الله، وقيل تدخل الجدة للأب ولا تدخل الجدة للأم، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، ولا اختلاف في أنه لا يدخل فيه من النساء الأخوات للأم ولا الخالات ولا بنات البنات ولا بنات الأخوات، ولا يدخل فيه أيضا الإخوة للأم ولا بنو البنات ولا بنو الأخوات، وسنذكر في سماع سحنون إن شاء الله
الاختلاف فيمن يرجع إليه الحبس من قرابة المحبس هل يختص بذلك الفقراء منهم دون الأغنياء أو يدخل معهم فيه الأغنياء إذا لم يكن أصلُ الحبس على الفقراء وبالله التوفيق.
مسألة: حبس حبسا على آل فلان
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من حبس حُبُسا على آل فلان فإنها حبس على آله ما بقىِ منهم أحد لأبنائهم وأبناء أبنائهم، وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، قال ابن القاسم: آله وأهلُه سَوَاءٌ، هُمْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: آلهُ وأهلُه سَوَاءٌ، همْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات مفسر لِقول مالك، فَصَوَابُه في التأليف أن يكون متصلا به، وفصل العتبي بينهما بقوله: وإن سمى قوما بأعيانهم إلى آخر قوله تقصير في التأليف والآل والأهل سواء كما قال ابن القاسم إلَّا أن الآل إنما يستعمل في الرجل الكبير الذيِ له العشيرة بالأبناء الرجال والنساء من قبل أبيه الذين يُعرف نسبُهم منه وتقوم به الشهادات وتثبت به المواريث فيمن يرث منهم.
وقولُه: ولا أرى ذلك للخالات، ظاهرهُ وإن لم يبق من قرابته من قِبَلِ أبيه أحدٌ فلا دخول في ذلك لقرابته من قبل أُمه، وهو قول أبي زيد بن أبي الغمر إن الرجل إذا أوصى لقرابته أو لأهله إِنه لا يدخل في ذلك أحد من قبل أُمه خال ولا خالة وإن لم يبق من قرابته أحدٌ سواهم.
وأما إذا لم يكن له حين أوصى أو حين حبس قرابة من قبل أبيه فيكون الحبس أو الوصية لقرابته من قبل أمه على ما قاله مالك في رسم أسلم من
سماع عيسى من كتاب الوصايا في الذي أوصى لقرابته إِن الوصية تكون لقرابته من قبل أبيه إلَّا ألا يكونَ له قرابة من قبل أبيه فيكون لقرابته من قبل أمه، والنساء والرجال فيه شَرَعُ سواء، واستحب أشهب في الرسم المذكور أن تدخل في ذلك قرابتُه من قبل الرجال والنساء لأبيه وأمه، وفي هذا خارج المذهب اختلافٌ كثير قد ذكره الطحاوي ورجح منه ما حكيناه على المذهب من أن الوصية والحبس يكونان لمن جمعه والمُوصي لأهله أو المحبِّس على أهله أب واحد في الجاهلية أو الإسلام ببينة تقوم على ذلك.
وقوله في الرواية: وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، هو مثل أحد قولي مالك في المدونة، والقولُ الثاني أنها ترجع إليه ملكا مطلقا أو إلى ورثته يوم مات إن كان مات قبل أن ينقرض المحبَّس عليهم بأعيانهم.
وذهب محمد بن المواز إلى أنه إذا حبس على معين وقال حياته أو أجل أجلا خرجت المسألة من الاختلاف، واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي وقال: لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يسكت عن ذلك؛ لأن ذلك مفهوم من إرادته وإن سكت عنه، ألا تَرى أنه لو حبس على غير معينين وقال حياتهم لم يكن لذكر ذلك تأثيرٌ ولَوَجب أن يرجع الحبس بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا، وهذا الذي قاله هو مذهب أصبغ، وأما مذهب مطرف فعنده أنه إذا عقِّب الحبس وقال مع ذلك: ما عاشوا، أنها حبس عليه وعلى عقبه ما عاشوا، فإذا انقرض عقبه رجعت إلى صاحبها إن كان حيا يبيع ويصنع ما شاء، وإلى ورثته من بعده، وعندي أنه لا فرق بين الموضعين فإذا قال: ما عاشوا في المعينين أو في الحبس المعقب، رجعت إلى المحبس ملكا عند ابن المواز ومطرف، وإذا سكت عن ذلك رجع الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وكذلك غير المعقب على أحد قولي مالك على مذهب أصبغ لا فرق بين أن يقول ما عاشوا أو يسكت عن ذلك في المسألتين جميعا يرجع
الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وغيرُ المعقب يجري على اختلاف قول مالك بين هذا، ويدل على صحته ما وقع في رسم يسلف بعد هذا من أنه إذا حبس على أجنبي حياته يرجع الحبس بموت المحبس عليه إلى أقرب الناس بالمحبس يوم يرجع.
فيتحصل في الحبس على المعينين ثلاثة أقوال: قولان، وتفرقةٌ بين أن يقول حياتَهم وبين أن يسكت عن ذلك، وفي الحبس المعقب قولان إذا قال حياتهم، ولا اختلاف إذا لم يقل حياتهم أنه يرجع بمرجع الأحباس، وأما إذا ضرب أَجَلا فلا اختلاف عندي في أنها ترجع إليه أو إلى ورثته بعد الأجل ملكا مطلقا، وقد ذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يضرب أجلا، والفرق بينهما عندي بين، وبالله التوفيق.
مسألة: حبس شيئا في سبيل الله فأنفذ ذلك زمانا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس
مسألة قال مالك: من حبس دارا في سبيل الله أو سلاحا أو دابة فأنفذ ذلك في تلك الوجوه زمانا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، قال: إن كان ذلك من حاجة فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: قوله ثم أراد أن ينتفع به مع الناس معناه ينتفع به فيما سَبَّله فيه من السبيل، لا فيما سِوى ذلك من منافعه، فلهذا لم يَرَ بذلك بأسا إذا فعل ذلك من حاجة؛ لأن الاِختيار فيما جُعِلَ في السبيل ألا يعطي فيه إلاَّ لأهل الحاجة إليه، فإذا احتاج إليه في السبيل فاستعمله فيه لم يكن ذلك رجوعا منه فيما حبسه ولا عودا منه في صدقته، والله أعلم.
مسألة: حبس على أحد حبسا وقال هي لك حياتي ثم هي في سبيل الله أو صدقة
مسألة قال مالك: ومن حبس على أحد حبسا، وقال: هي لك حياتي ثم هي في سبيل الله أو صدقة فإذا مات فهي في ثلثه.
قال محمد بن رشد: قد روى عن أشهب في هذا الأصل خلافُ هذا أنه يرى أن ذلك عنده من رأس المالِ؛ لأنه لَا يَرْجِع إليه ولا لورثته من بعده شيء منه أبدا، قاله ابن المواز، وقال ابن عبد الحكم عن أشهب وابن القاسم مثلَ قول مالك، وقال ابنُ لبابة إنما يكون من الثلث إن مات المحبَّس عليه قبل المحبس، وإما إن مات المحبس قبل موت المحبس عليه فهي من رأس المال لأنه قد بتلها في صحته فإنما ترجع إلى المتصدق عليه أو إلى السبيل من ملك المحبس عليه لا من ملكه، وجه قول مالك: إن ذلك يكون بعد موته من ثلثه صدقة على فلان أو في سبيل الله هو أن ذلك لم يبتل بَعْدُ للمتصدق عليه ولا في السبيل، وإن المحبس عليه إنما يستغله أو يسكنه طول حياة المحبس على ملكه، فإذا مات نفذ من ثلثه في الصدقة أو السبيل، فلو تَدَايَنَ على قياس هذا القول لَوجب أن يُباع في دينه، ووجه القول بأن ذلك يكون من رأس المال هو أن الحبس لما كان لا رجوع له إلى المحبس ولا إلى ورثته على حال من الأحوال كان كأنه قد أنْبَتّ منه وحصل ملكا للمتصدق عليه أو مبتولا للسبيل، والمحبَّسُ عليه إنما يستغله أو يسكنه على ملك من إليه المرجع.
وعلى هذا الأصل اختلف قولُ مالك في الرجل يُخْدِمُ عبدَه رجلا سنين ومرجعه لآخر فيُقتَل العبدُ أو يجْرَحُ أو يموت وله مال، هل يكون عقله إن قتل وأرش جرحه إن جرح أو ماله إن مات لسيده الذي أخدمه أو للذي له المرجع، وقع اختلاف قولُ مالك في هذا في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الجنايات، واختلف قولُ ابن القاسم في ذلك أيضَاَ فأشار في رسم العتق من الكتاب المذكور أن ذلك لسيده الأول، وله مثلُ ذلك في رسم القضاء العاشر من سماع أصبغ من كتاب الخدمة، وخلافُه مثلُ قول مالك الآخر في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب الخدمة أيضا، وعلى هذا الأصل اختلف أيضا في الرجل يُخْدِمُ عبده رجلا سنة ثم هو له بعد السنة هل يباع قبل تمام السنة في دينه أم لا؟ فقال في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الخدمة: إنه لا يباع في دينه حتى تنقضي السنة وتجب له، وخالف في ذلك ابن حبيب فقال: إنه
يباع في دينه ولا ينتظر به انقضاء الخدمة، وحكاه عن مطرف وقال: هذا ما لا شك فيه عندنا ولا اختلاف، فلكلا القولين في مسألتنا وجه من النظر، والأظهر منها ما قاله مالك من أنه يكون من الثلث ولو لم يجز الحبس عن المحبس حتى مات وهو بيده لكان من ثلثه في السبيل أو الصدقة قولا واحدا على ما قاله في رسم الوصايا من سماع أصبغ، وأما قول ابن لبابة في تفرقته بين أن يموت المحبس عليه قبل المحبس أو بعده فتفرقةٌ لا وَجْهَ لها في النظر؛ لأن المحبس عليه إن مات قبل المحبس لا يرجع الحبس إليه، وإنما يكون لورثة المحبس عليه إلى أن يموت المحبس، فلا فرق بين أن يموت قبله أو بعده في كونه من ليأس المال أو من الثلث وبالله التوفيق.
مسألة: أوصى بوصية لبعض ورثته دون بعض ثم جعلها من بعدهم لغيرهم
مسألة قال مالك: من أوصى بوصية لبعض ورثته دون بعض ثم جعلها من بعدهم لغيرهم فهي على سائر الورثة الزوجة والأم، ومن لم يوص له بشيء يدخلون معهم فيأخذون قدرَ ما يصيبهم من الميراث، فإذا هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبه لولده وخرج نصيب الأم والزوجة والأخت من ذلك وثبت في غيره في حظوظ أعيان الولد حتى ينقرض أخرهم، فإذا انقرض أعيان الولد الذين أوصى لهم سقط نصيب الزوجة والأم، فإن هلكت الزوجةُ والأم دخل من يرثهما مكانَهما في الميراث مع الولد، فإذا هلك الولد ورثه ولده وانقطع ميراث الأم والزوجة وميراث من ورثهم إن كانوا قد هلكوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه أوصى لبعض ورثته دون بعض بحُبُس تجري عليهم غلته بدليل قوله: ثم جعلها من بعدهم لغيرهم، إذ لو أوصى لبعض ورثته دون بعض بوصية قال: لم يصح أن يكون
لغيرهم من بعدهم ولوجب إن لم يُجِزْ ذلك سائر الورثة أن يبطل ويرجع ميراثا بين جميعهم، ولم يكن في ذلك كلام ولا إشكال.
وتنزيلُ المسألة على المعنى الذي أراده أن يكون الموصي قد ترك من الورثة أربعة بنين وابنة وزوجة وأُمَّا وأوصى أن يحبس على الذكران من أَوْلَادهِ ثم على أولادهم من بعدهم حُبُسا له غلة يكون موقوفا عليهم، فلم يجز ذلك سائر الورثة الذين لم يوص لهم، وهم الزوجة والأم والأخت أنهم يدخلون مع الموصي لهم في غلة الحبس فيقتسمونها بينهم على سبيل الميراث، وذلك الذي أراد بقوله: فهي على سائر الورثة الزوجة والأم ومن لم يوص له بشيء يدخلون معهم، فيأخذون قدر ما يصيبهم من الميراث.
وقوله بعد ذلك: فإذا هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبُه لولده وخرج نصيب الأم والأخت والزوجة من ذلك، يريد صار نصيبه كاملا لولده دون أن تأخذ منه الأم والأخت والزوجة شيئا وهو الربع؛ لأن المحبس عليهم أربعةٌ فإذا توفي أحدهم صار الربع كاملا لولده لأنهم غير ورثة فلا تدخل عليهم فيه الزوجة ولا الأم ولا الأخت.
وقولُه: وثبت في غيره من حظوظ أعيان الولد حتى ينقرضوا يريد أن الثلاثة الأرباع يدخل فيها مع الإِخوة الثلاثة الباقين لأنهم ورثة الأم والزوجة والأخت، فيكون ذلك بينهم على فرائض الله.
وقوله: حتى ينقرض أخرهم يريد أن يُعمل في موت من مات منهم بعد الأول ما عمِل في موت الأول من أن يكون الربعُ الثاني لولده لأنهم غير ورثة فلا تدخل عليهم فيه الزوجة ولا الأم ولا الأخت، وكذا إذا مات الثالث وكذلك إذا مات الرابع وهو أخرهم يصير الربعُ لولده كاملا لأنهم غير ورثة ويسقط نصيبُ الزوجة والأم يريد والأخت جملة فلا يكون لهن شيء.
وقوله: فإن هلكت الزوجة والأم يريد أو الأخت دخل من يرثهما مكانهما في الميراث مع الولد يريد معهم كلهم في جميع الغلة أو مع من بقي منهم في
حظه منها وهو الربع لأنهم أربعة على التنزيل الذي لنا عليه المسألة، فإذا انقرضوا كلهم رجع الحبس إلى أولادهم لأنهم غير ورثة ولم يكن لمن لم يوص له من الورثة في ذلك حجة ولا كلام؛ لأن الحبس قد صار إلى غير ورثة، فهذا بيان هذه المسألة وفيها معنى ينبغي أن يوقف عليه وهو قوله فيها فإن هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبه لولده وهو قد حبس عليهم ثم على أولادهم من بعدهم إذ لا يقتضي قوله: ثم على أولادهم من بعدهم إلا يدخل ولو من مات منهم في الحبس حتى يموتوا كلهم؛ لأن قوله ثم على أولادهم من بعدهم يحتمل أن يريد به ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم، وأن يريد به ثم على أعقاب من انقرض منهم إلى أن ينقرض منهم إلى أن ينقرض جميعهم لاحتمال اللفظ للوجهين جميعا احتمالا واحدا، وكذلك كل ما كان على صيغته من الألفاظ عَطْفَ جمع على جمع بحرف ثَم يجوز أن يعبر به عن كل واحد من الوجهين، وذلك بين من قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28] لأنه قد علم أنه أراد بقوله عز وجل فأحياكم ثم يميتكم، أنه أمات كل واحد منهم بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم وأنه أراد عز وجل ثم يحييكم أنه لا يحيي منهم أحدا حتى يُميت جميعَهم، والصيغة في الفصلين واحدة فلولا أن كلّ واحدة منهما محتملةٌ للوجهين لما صح أن يريد بالواحدة غيرَ مراده بالأخرى، وهذا أَبْيَنُ من أن يخفى، فإذا كان قولُه: ثم على أولادهم محتملا للوجهين وجب أن يكون حظ من مات منهم لولده، ولا يرجع إلى إخوته؛ لأن ما هلك عنه الرجل فولده أحق به من إخوته، فترجِّح بذلك أحدُ الاحتمالين في اللفظ؛ لأن الأظهر من قصد المحبس وإرادته أن يكون ذلك بينهم على سبيل الميراث فقال: ثم على أعقابهم، ألَّا يدخل الولدُ مع والده في الحبس حتى يموت، ولو أراد ألا يدخل في الحبس حتى يموت والدُه وجميع أعمامه المحبس عليهم مع والده لقال: ثم