كتاب الحوالة والكفالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
: كتاب المدبر
: دبر عبده واشترط ماله من بعد موته بغير موت السيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
كتاب المدبر
من سماع ابن القاسم من كتاب قطع الشجر أخبرني محمد بن عمر ابن لبابة قال: أخبرني العتبي قال: أخبرنا سحنون قال أخبرنا ابن القاسم عن مالك أنه قال: من دبر عبده واشترط ماله من بعد موته بغير موت السيد كان جائزا له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ومثله في سماع أصبغ عن ابن القاسم في رسم المدبر منه، قال: وهذا مما لا شك فيه، وإنما هو رجل أوصى فقال: إذا مت فعبدي حر خذوا منه ماله، ألا ترى لو أن مريضا قال في مرضه: غلامي مدبر وخذوا منه ماله أخذ منه فما استثنى في الصحة بمنزلة ما استثنى في المرض، قال: فإذا مات السيد قوم في الثلث بغير ما له ببدنه خالصا، وأخذ منه ما كان بيده فكان مالا من مال الميت يقوم فيه رقبته مع غيره من مال الميت، وقاله أصبغ، وفي المدنية لابن كنانة خلاف ذلك، قال: سئل ابن كنانة عن الرجل يدبر عبده ويستثني ماله، فقال: ليس ذلك من عمل الناس ولا مما يعرف في أمر المدبر ولا مما جاءت السنة فيه، وليس ذلك له، ويتبعه ماله كما جاءت السنة فيه، قال ابن كنانة: ومما يبين لك ذلك لو أن رجلا قال في مرضه: غلامي مدبر وخذوا منه ماله لم يؤخذ منه فهذا بين، والحجة فيه قوله؛ لأن ما استثنى في الصحة بمنزلة ما استثنى في المرض، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذه المسألة هو الصحيح في
النظر؛ لأنه إذا جاز أن يعتق الرجل عبده ويستثني ماله جاز أن يوصي بذلك وأن يدبره على ذلك، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به ابن كنانة من قياس امتناع جواز ذلك في الصحة على امتناعه في المرض؛ لأن جواز ذلك عنده أبين في المرض منه في الصحة، وقد استدل ابن القاسم على جوازه في الصحة بجوازه في المرض، فبان بذلك ضعف قول ابن كنانة وبطلان حجته على ابن القاسم، وبالله التوفيق.
مسألة: انتزع أم ولد مدبره ثم ردها إليه
مسألة وقال مالك فيمن انتزع أم ولد مدبره ثم ردها إليه فهي على حالها الأول عنده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر؛ لأن قوله إنما يرجع عنده إذا ردها إليه على حالها الأول معناه على حالها الأول من حرمة إيلاده لها الذي يوجب لها أن تكون به أم ولد إذا أعتق وهي عنده، وقد اختلف في ذلك قول مالك فقال مرة: إنها تكون أم ولده إذا أمضى إلى الحرية بما ولدته في التدبير، وقال مرة: إنها لا تكون بذلك أم ولد حتى يولدها بعد أن أعتق، فكان القياس إذا انتزعها منه ثم ردها إليه أن ترجع إليه رقيقا، وتبطل الحرمة التي كان لها بإيلاده إياها على أحد قولي مالك كما لو باعها بعد أن أولدها ثم اشتراها، ويحتمل أن يكون تكلم في هذه الرواية على القول بأنه لا حرمة لها بإيلاده إياها في حال التدبير حتى يولدها ثانية بعد أن أمضى إلى الحرية، فيكون قوله صحيحا لا اعتراض فيه؛ لأنها على هذا القول أمة له لا حرمة لها بإيلاده إياها قبل أن ينتزعها فكذلك تكون بعد أن ردها إليه، وبالله التوفيق.
: دبر رقيقا له في صحة أو في مرض
ومن كتاب سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ابن القاسم: قال مالك: من دبر رقيقا له في صحة أو في
مرض فدبر بعضهم قبل بعض وعليه دين، بيع الآخر فالآخر في الدين، فإذا استوعب الدين رجع إلى الأول فالأول فعتق ما حمل الثلث ورق ما بقي.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن المدبر في الصحة أو في المرض يبدأ في الثلث الأول منهم فالأول، وإذا بدئ الأول فالأول وجب على قياس ذلك أن يباع الآخر فالآخر في الدين على ما قال في هذه الرواية.
وسحنون يقول: إن التدبير في الصحة وإن كان شيئا بعد شيء فهو بمنزلة ما لو دبرهم في كلمة واحدة؛ لأن له أن يعتق بعد تدبيره ويهب ويتصدق ولا يمنع ولا يقال له: أدخلت الضرر على المدبر، وأما إذا كان التدبير في كلمة واحدة في الصحة أو في المرض أو في الوصية بعد الموت فلا يبدأ أحد منهم على صاحبه ولا يسهم بينهم، وإنما يعتق من كل واحد منهم ما حمل الثلث من جميعهم، وكذلك إن كان عليه دين يباع من كل واحد منهم بالحصص ما نابه من الدين، اتفقت قيمتهم أو اختلفت، مثال ذلك أن يكون له ثلاثة مدبرون في كلمة واحدة قيمة أحدهم مائة، والثاني مائتان، والثالث ثلاثمائة وعليه دين مائة، فيباع من كل واحد منهم سدسه، وكذلك إن كانت قيمتهم سواء مائتان مائتان وعليه دين مائة يباع من كل واحد منهم سدسه، ولو كانت قيمة كل واحد منهم مائة مائة وعليه دين مائة لبيع من كل واحد منهم ثلثه، بخلاف الموصى بعتقهم والمبتلين في المرض، هؤلاء يقرع بينهم فيمن يباع منهم في الدين وفيمن يعتق منهم بعد الدين على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، ولابن نافع في المدنية أنه يقرع بين المدبرين كما يقرع بين الموصى بعتقهم وبين المبتلين، وقد مضى هذا في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب العتق، وبالله التوفيق.
مسألة: المرأة ذات الزوج تدبر ثلث جاريتها
مسألة وسئل مالك عن المرأة ذات الزوج تدبر ثلث جاريتها، قال: يلزم ذلك، قال: وأراه أراد التدبير كله، مثل الرجل تدبر عليه كلها.
قال ابن القاسم: وأرى أن تدبر عليها كلها، قال ابن القاسم: لأن عندنا من قول مالك في المرأة ذات الزوج تدبر جاريتها كلها وليس لها مال غيرها فيرد ذلك زوجها قال: ليس ذلك له، هي مدبرة كلها على حالها، قال ابن القاسم: وإنما فرق بين التدبير كله من المرأة ذات الزوج والعتق؛ لأن التدبير لا يخرج من يدها شيئا وهو موقوف معها حتى يخرج من ثلثها، فليس لزوجها في ذلك حجة، إنما هي وصية، والعتق يخرج ذلك من يديها، فهذا فرق ما بينهما، وهو وجه ما سمعت لم يروه سحنون وكرهه ورآه خطا لا شك فيه، وقاله مطرف، وأباه ابن الماجشون.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك مثل قول ابن الماجشون وسحنون ها هنا، وفي كتاب ابن سحنون أن المرأة ذات الزوج لا يجوز لها أن تدبر جاريتها إذا لم يكن لها مال غيرها إلا بإذن زوجها، قال في كتاب المدنية عبد الرحمن بن دينار: وحدثني محمد بن يحيى السبائي أنه سمع مالكا يقول في امرأة دبرت نصف عبدها ولها زوج وليس لها مال غيره: إنه لا تدبير عليها كله ولا يكون منه مدبرا إلا ما دبرت؛ لأن زوجها يمنعها من ذلك، فإن لم يكن لها زوج كان مدبرا كله، وفي قول مالك في هذه الرواية إنه لا يكون منه مدبرا إلا ما دبرت من أجل الزوج نظر على أصله في أن التدبير كالعتق للزوج أن يرد منه ما زاد على الثلث؛ إذ قال: إنه لم يكن لها مال غيره، فكان القياس على أصله أن لا يكون مدبرا منه إلا الثلث.
ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك
في أن لها أن تدبر عبدها وإن لم يكن لها مال سواه أن من حقها أن تمسكه طول حياتها ولا تبيعه، فلا حجة له عليها في تدبيرها إياه، ووجه قول مالك في رواية محمد بن يحيى السبائي عنه وقول ابن الماجشون وسحنون أنها إذا دبرت عبدها ولا مال لها سواه فقد حجرت على نفسها جميع مالها وألزمت ذلك نفسها إلزاما لا رجوع لها فيه، فصار ذلك كالتفويت له، وبالله التوفيق.
: قال غلامي مدبر عن ابني في وصية أوصى بها
ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن رجل قال: غلامي مدبر عن ابني في وصية أوصى بها عند موته وأوصى بوصايا مع ذلك.
قال ذلك جائز.
قال ابن القاسم وليس له أن يرجع فيه لأنه أعتقه إلى أجل من الآجال، قال ابن القاسم ولو كانت جارية لم يطأها الأب ولا الابن، قال: وولاؤه للابن الذي دبر عنه.
قال محمد بن رشد: حمل قوله في هذه الرواية لغلامه أنت مدبر عن ابني أنه إنما أراد أنه حر عنه بعد موته فرآه معتقا إلى موت ابنه عنه، كأنه قال عبدي حر إذا مات ابني وجعل له ولاؤه، لقوله عن ابني، فهو حر على هذه الرواية من رأس المال إذا مات ابنه، مات قبله أو بعده، وذلك خلاف ما يأتي في سماع أبي زيد من أنه إنما يعتق بعد موته من ثلثه إلا أن يقول هو حر عن دبر ابني فحينئذ يكون معتقا إلى موت ابنه من رأس ماله، والكلام محتمل للوجهين، فيجب على أصولهم أن يسأل عما أريد من ذلك، فما قال قبل قوله فيه، وإنما يكون هذا الاختلاف إذا سئل فقال لم تكن لي نية ولا أدري ما أردت أو مات قبل أن يسأل، فعلى قول ابن القاسم في هذه الرواية لا يعتق حتى يموت ابنه وعلى رواية أبي زيد إذا مات من ثلثه، وولاؤه على كل القولين للابن، وبالله التوفيق.
: بيع المدبرة
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان قال ابن القاسم: حدثني مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة ابنة عبد الرحمن عن عائشة أن جارية لها سحرتها وأن سنديا دخل عليها في مرضها، وأنه قال لها: إنك مسحرة قالت: من سحرني؟ قال لها: جارية في حجرها صبي وقد بال عليها، فدعت جاريتها فقالت حتى أغسل بولا في ثوبي فقالت: سحرتني؟ فقالت: نعم، قالت: وما دعاك إلى ذلك؟ قالت: أردت بذلك تعجيل العتق فأمرت أخا لها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكها، فباعها، ثم إن عائشة أريت بعد ذلك في النوم أن اغتسلي من ماء ثلاثة آبار يمر بعضها بعضا، فاستقي لها فاغتسلت فبرئت، قال سحنون: معنى الجارية أنها كانت مدبرة.
قال محمد بن رشد: إنما قال السندي لعائشة إنها سحرت وإن الذي سحرها جارية في حجرها صبي وقد بال من ناحية الكهانة، والكاهن قد يصيب في يسير من كثير بما يلقيه إليه وليه من الجن فيما استرق من السمع فيخلط إليها مائة كذبة على ما جاء من ذلك في الحديث، والله أعلم، وقول سحنون يعني الجارية أنها كانت مدبرة، صحيح، قد قاله مالك في كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون، وحكى ابن حبيب عن ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهما قالا: كانت لعائشة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جارية مدبرة فاتهمتها بسحر، فقالت: أما والله لأغربنك فيمن لا يرثي لك، فباعتها من الأعراب فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فبعث في طلب الجارية فأعجزته ولم يجدها، فأرسل إلى عائشة فأخذ الثمن منها، فاشترى بها جارية فجعلها مكانها على تدبيرها، وقال مطرف عن مالك: ليس العمل عندنا على حديث عائشة حين باعت مدبرة لها
اتهمتها بسحر، وقال سحنون في كتاب ابنه ولا حجة علينا في فعل عائشة من ذلك؛ لأن الحادث الذي فعلت من السحر يوجب قتلها فكيف بيعها؟ ولا يجوز بيعها عند أحد من السلف بغير حادث، وليس قوله في ذلك عندي ببين، وإنما باعتها عائشة لأنها رأت أن تدبيرها قد بطل لما أرادت من استعجال عتقها بقتلها بالسحر الذي سحرتها به، وذلك بين من قولها في الحديث: أردت بذلك تعجيل العتق، فلما أرادت أن تتعجله قبل وقته حرمت إياه كما حرم القاتل عمدا الميراث بما أراد من تعجيله قبل وقته، فهدا وجه ما ذهبت إليه عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ولم يَرَ ذلك عمر فحكم بما رآه باجتهاده إذ كان هو الإمام، ورأى مالك ما قضى به عمر فأخذ به وترك ما ذهبت إليه عائشة، وإليه ذهب أيضا ابن القاسم في رواية أصبغ عنه على ما يأتي له في رسم المدبر من سماعه خلاف قول أصبغ فيه على ما سنبينه إن شاء الله.
: متهم في اشترائه مال يتيمه
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب العتق قال أشهب: وسمعت مالكا يسأل فقيل له: إن عندي يتيما في عيالي وبيني وبينه مملوك، لي ثلاثة أرباعه، وله ربعه، فأردت تدبيره فقال: ما ثمنه؟ أم يسير أم كثير؟ فقال: ما لي علم بثمنه، فقال: إني أحب أن أعلم ما ثمنه، فقال هو وصيف رباعي، فقال: ما أرى لك ذلك، يكون أنت الذي تعمل فيما بينك وبين يتيمك، ولكن لو أتيت السلطان حتى يقيمه بقيمته وينظر فيه لليتيم، فأما أن يكون أنت الذي تعامل نفسك، فلا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه متهم في اشترائه مال يتيمه، فالحظ له أن يأتي السلطان في ذلك حتى يكون هو الذي يحكم فيما بينه وبين يتيمه بما يراه له من السداد في القيمة، وبالله التوفيق.
: قول الرجل لغلامه أنت مدبر إلى عشر سنين
من سماع عيسى عن ابن القاسم من كتاب
أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل قال لغلامه: أنت مدبر إلى عشر سنين، قال أراه حرا إلى عشر سنين، فإن مات السيد قبل ذلك لم يعتق إلا إلى عشر سنين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله ابن القاسم؛ لأن المعنى في قول الرجل لغلامه أنت مدبر إلى عشر سنين أنت حر إلى عشر سنين، فعبر بلفظ التدبير عن لفظ الحرية إذا كان التدبير سببا لها، وبالله التوفيق.
: وطئ العبد المدبرة فحملت
ومن كتاب أوله عبد استأذن سيده قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن عبد استأذن سيده في تدبير جارية له فأذن له فدبرها، قال: لا يمسها السيد ولا العبد لأنها معتقة إلى أجل، وهي تخرج من رأس المال، ولا يلحقها دين وولاؤها للسيد وإن عتق العبد.
قلت: فإن وطئها العبد فحملت؟ قال: توقف هي وولدها حتى يموت العبد فتعتق.
قلت: فإن وطئها السيد فحملت؟ قال: يلحق به الولد
وتوقف هي حتى يموت العبد فتعتق أو يموت سيدها قبل موت العبد فتعتق عند موته، ولو قال قائل: إنها تعتق عليه ساعتئذ حملت، لم أعب قوله، ولكني لست أحب أن أحمل عليه في العتق حدا، قال عيسى: تعتق عليه الساعة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة بينة كلها، إذ لا فرق في المعنى بين أن يدبرها العبد بإذن سيده أو ينتزعها منه السيد فيعتقها إلى موت العبد فهي معتقة إلى أجل، وإن وطئها العبد فحملت منه كان ولدها منه بمنزلتها في أنه يعتق بعتقها، ويعذر بالجهل في وطئها فيلحق به ولده منها، وإن وطئها السيد لحق به ولدها أيضا لأن له شبهة في وطئها، إذ هي معتقة إلى أجل، وإذا ألحق به ولدها منها كان لها حكم أم الولد في وجوب العتق لها بموته، فوجب أن تعتق إلى أولهما موتا، هو أو العبد كما قال، ولم ير ابن القاسم أن يعجل لها العتق وإن كان لا يجوز له وطؤها لأن له أن يستمتع من خدمتها طول حياته بما يستمتع به السيد من خدمة أم ولده في الشيء اليسير الذي يشبهها، ولم يراع عيسى ذلك الاستمتاع الذي له من خدمتها ليسارته، فرأى أن يعجل عليه عتقتها، والظالم قد يحمل عليه بعض الحمل.
مسألة: المدبر يقتل سيده
مسألة قال: وسألته عن المدبر يقتل سيده قال: إن كان قتله خطأ عتق في ماله ولم يعتق في ديته، وكانت الدية عليه دينا وليس على العاقلة منها شيء لأنه صنع وهو مملوك، وإن كان قتله عمدا قتل به، فإن استحياه الورثة بطل تدبيره وكان عبدا لهم مملوكا.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان قتله خطأ تكون الدية عليه دينا صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها، قال أصبغ في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب الديات: وهذا إذا حمله الثلث وإن لم يخرج من الثلث عتق
منه ما حمل الثلث وكان عليه من الدية بقدر ما عتق منه، يؤخذ من ماله إن كان له مال أو يتبع به دينا إن لم يكن له مال، ولا يدخل فيما يؤخذ منه الدية ولا يعتق فيها منه شيء، وقوله صحيح تذييل لقول ابن القاسم وزيادة عليه.
وقوله إنه يبطل تدبيره إن كان قتله عمدا هو على قياس ما أجمعوا عليه من أن القاتل عمدا لا ميراث له ممن قتله، وبالله التوفيق.
مسألة: مدبرة جرحت رجلا وهي حامل فلما وضعت أسلمها سيدها إلى المجروح
مسألة وسألت ابن القاسم عن مدبرة جرحت رجلا وهي حامل، فلما وضعت أسلمها سيدها إلى المجروح.
فقال: سيدها فيها بالخيار إن شاء أسلمها بغير ولد تختدم بدية الجرح أسلمها، وإن شاء افتداها بدية الجرح، فإن أسلمها أخدمت أو أجرت، فإن استوفى المجروح من خدمتها أو إجارتها دية الجرح رجعت إلى سيدها على ما كانت عليه من التدبير، وإن لم يستوف المجروح دية جرحه حتى توفي سيدها عتقت هي وولدها إن خرجوا من الثلث، واتبعها المجروح ببقيته دية جرحه دينا عليها، وإن لم تخرج هي وولدها من الثلث ولم يدع سيدها دينا عتق منها ومن ولدها ما خرج من الثلث، ورق ما بقي فيما عتق منها كان عليها من بقية دية الجرح بحسابه إن عتق نصفها كان عليه نصف بقيته دية المجروح، ويخير الورثة فيما رق منها إن كان نصفها أو ثلثها في أن يسلموه إلى المجروح مما يصيبه من بقية دية جرحه أو يفتكوه به، وإن كان الميت ترك دينا بيع منها ومن ولدها مقدار الدين وبيع منها أيضا بقدر دية الجرح، ثم يدفع إلى أهل الدين دينهم، وإلى المجروح بقية دية جرحه وعتق منها ومن ولدها ثلث ما بقي فيها من
الرق ومن ولدها، وكان لولدها في هذا الموضع من العاتق أكثر مما لها، وذلك أنه دخلها الرق بما أصابها من الدين وأصاب غيرها من ولدها، ودخلها بالجناية التي جنت.
دون ولدها فصارت بذلك أكثر رقا وأقل عتقا وبما رقت الأم وعتق من الولد بعضهم، وذلك إذا أحاط الدين بما ينوبها من دين سيدها ودية الجناية بقيمة رقبتها.
وتفسير ذلك أنه يباع بالدين منها ومن ولدها ثلث كل واحد منهم أو ربعه أو سدسه قدر ما يكون الدين، ثم يعتق ثلث ما بقي من رقبة كل واحد من ولدها، ثم ينظر إليها فيباع منه للجناية بعد الدين، فإن أحاطت الجناية بعد الدين بجميع رقبتها لم يكن لها عتق، ورقت كلها إذا كانت قيمتها كفاف ما حمل عليها من دين سيدها ومن الجناية، وإن كانت الجناية تحيط بجميع رقبتها سوى الدين كانت الجناية أولى برقبتها من الدين، ورجع الغرماء فيقاصوا جميع حقهم من ولدها، ويعتق منهم ثلث ما بقي من رقبة كل واحد بعد الدين ورقت الأمة كلها، وقيل لورثة الميت إن شئتم فافتكوها بالجناية وتكون لكم مملوكة ليس فيها عتق، وإن شئتم فأسلموها، فإن أسلموها كانت رقيقا للمجني عليه يبيع ويهب ويصنع ما شاء.
وإن كانت الجناية وما حمل عليها من دين سيدها أقل من قيمتها عتق منها ثلث ما بقي بعد الجناية وبعد دين سيدها، وعتق من ولدها ثلث ما بقي بعد الدين، فكان الولد ها هنا أكثر عتقا من أمهم، وإن كان الدين يحيط بجميع ولدها وزيادة، والجناية تحيط بها فالمجني عليه أولى برقبتها إلا أن يزيد أهل الدين على الجناية فيكونون أحق بها ويقاصون الغريم بالزيادة التي زادوها على
الجناية، وإن أبوا وقالوا نحن نأخذها بدية الجناية لم يكن ذلك لهم أبدا حتى يزيدوا.
قلت: أفتكون الزيادة ها هنا درهما أو دينارا؟ وكم الزيادة التي إذا زادوها الغرماء كانوا أولى بها؟ وما قدرها؟ وكيف إن أخذوها بزيادة فباعوها بفضل على ما أخذوها به هل يقضى لصاحب الدين بذلك الفضل؟ وإن ماتت أو نقصت ممن تكون مصيبتها؟ قال ابن القاسم: إنما يقضى له بالزيادة الأولى، وأما ما باعوها به بعد ذلك فإنما الزيادة لهم خالصة والنقصان عليهم، وإن ماتت كانت منهم، وإن باعوها بأكثر مما أخذوها به من المجروح كانت الزيادة لهم، قال: ولا يقبل منهم في الزيادة إلا ما يرى أنه زيادة، وأما الدرهم والدرهمان والفلوس فإن ذلك ليس بزيادة، قال: فإنما يباع أبدا أولا للمجروح ثم الدين، الجرح أبدا مبدأ على الدين، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على أصل قوله في المدونة إلا أنها مخالفة لما في المدونة في موضع واحد، وهو إذا كان ما يقع عليها من الدين مع الجناية التي عليها يغترق رقبتها.
فقوله في هذه الرواية: إنه يباع منها بما يقع عليها من الدين ويباع منها بالجناية التي عليها وإن اغترق ذلك جميع رقبتها ولم يفضل منها شيء، هو خلاف قوله في المدونة؛ لأن من قوله فيها إذا كان ما على الميت من الدين وما على المدبر من الجناية يغترق رقبته ولا يفضل منها شيء كان أهل الجناية أحق بالرقبة إلا أن يزيد أهل الدين على أرش الجناية زيادة يحطونها على الميت من دينهم، وإنما يباع على مذهبه في المدونة من المدبر للدين وللجناية إذا كان يفضل بعد ذلك من رقبته فضل يعتق منه ثلثه، وأما إذا لم يفضل عن رقبته
فضل فأهل الجناية أحق عنده بالرقبة إلا أن يزيد الغرماء على أرش الجناية زيادة يحطونها عن الميت من دينهم فلا اختلاف إذا لم تف الرقبة بالدين والجناية أن أهل الجناية أحق بالرقبة إلا أن يزيد أهل الدين زيادة يعطونها من دين الميت.
ولا اختلاف أيضا في أنه إذا كان في رقبة المدبر فضل عن الدين وعن الجناية يباع منه للدين وللجناية ويعتق ثلث ما بقي.
واختلف إذا كانت الرقبة كفاف الدين والجناية لا فضل فيها عنهما ولا نقصان منهما، فقال في هذه الرواية إنها تباع للدين وللجناية وقال في المدونة: إن أهل الجناية أولى، وذهب سحنون إلى تفسير قوله في المدونة بما في هذه الرواية فقال فيها: ومعنى قوله أولى أن الدين لما رد العتق كانت الجناية مقدمة على الدين فبيع منه للجناية ثم بيع منه للدين، وليس قوله بصحيح؛ لأنه قد نص في المدونة على أنه إنما يباع منه للدين وللجناية إذا كان فيه فضل عنهما جميعا فعتق ثلثه.
والأصل في هذه المسألة أن جناية المدبر لا تبطل تدبيره، والدين يبطل تدبيره، وإذا بطل تدبيره بالدين كانت الجناية أحق برقبته من الدين؛ لأن الجناية في رقبته، والدين في ذمة الميت، فإذا مات السيد ولا دين عليه وقد جنى مدبره جناية تغترق قيمة رقبته أو لا تغترقها فالواجب أن يعتق إن حمله الثلث، وتكون جناية في ذمته يتبع بها، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث وفضت جنايته على ما عتق منه وعلى ما رق منه للورثة، فما ناب ما عتق منها اتبع به دينا، وما ناب ما رق منه كان الورثة فيه بالخيار بين أن يسلموه أو يفتكوه.
وإذا مات السيد وعليه دين يغترق المدبر بيع في الدين ويبطل تدبيره.
وإذا اجتمع الجناية والدين فلا تخلو من أن تكون الجناية والدين أقل من
قيمة الرقبة أو أكثر منها أو مثلها، فإن كانا جميعا أقل منها بيع منها للدين وأعتق ثلث ما بقي، ولا اختلاف في هذا الوجه على ما ذكرناه، وإن كانا جميعا أكثر منها مثل أن يكون قيمته أربعين وقد جنى جناية قيمتها عشرون وعلى السيد دين أربعون أو ثلاثون فأهل الجناية أحق به؛ لأنها في رقبته يأخذوه بجنايتهم إلا أن يقول أهل الدين نحن نأخذه بأكثر من قيمة الجناية فيؤدوا إلى أهل الجناية جنايتهم ويسقط الزائد على الجناية من ديننا عن الميت، مثل أن يقولوا نحن نأخذه بثلاثين، فنؤدي إلى أهل الجناية عشرين جميع جنايتهم، وتنقطع العشرة من ديننا الذي لنا قبل الميت، فيكون ذلك لهم، إذ لا حجة لأهل الجناية إذا أعطوا جميع جنايتهم، ولا اختلاف في هذا أيضا على ما ذكرناه.
وأما إن كانت الجناية والدين يحيطان بقيمة الرقبة بلا زيادة ولا نقصان، مثل أن يكون على الميت دين عشرون، والجناية عشرون، وقيمة المدبر أربعون، فهذا هو موضع الخلاف على ما ذكرته، قيل: إنه يباع بأربعين فيأخذ أهل الدين دينهم، وأهل الجناية جنايتهم وهو قوله في هذه الرواية، وقيل: إن أهل الجناية أحق بالعبد إلا أن يقول أهل الدين نحن نأخذه بزيادة على قيمة الجناية لنقطع من ديننا، مثل أن يقولوا نحن نأخذه بثلاثين فنؤدي إلى أهل الجناية أرش جنايتهم عشرين، ويبقى لنا على الميت عشرة دنانير، وهذا قوله في المدونة، وبالله التوفيق لا شريك له.
: دبر نصف عبده وكاتب نصفه ثم علم به قبل الموت أو بعده
ومن كتاب العرية وسئل عن رجل دبر نصف عبده وكاتب نصفه، ثم علم به قبل الموت أو بعده.
قال: إن علم به قبل الموت كان مدبرا كله، وإن لم يعلم به
حتى مات عتق نصفه في ثلث الميت، ومضى على الكتابة في نصفه.
قال محمد بن رشد: قوله إن علم به قبل الموت كان مدبرا كله صحيح بين؛ لأن من دبر نصف عبد له أو أعتقه إلى أجل دبر عليه جميعه إن كان دبر نصفه، أو أعتق عليه جميعه إلى الأجل إن كان أعتق نصفه إلى أجل قياسا على ما أجمعوا عليه فيمن أعتق نصف عبد له أنه يعتق عليه جميعه؛ لأن التدبير والعتق إلى أجل من عقود الحرية اللازمة، ولأن من كاتب نصف عبده تفسخ كتابته ولا تجوز.
وإنما قال إنه إن لم يعلم به حتى مات أنه يعتق نصفه في ثلث الميت ويمضي على الكتابة في نصفه لأنه إذا أعتق نصفه صحت الكتابة في النصف الآخر؛ لأن الكتابة في نصف العبد جائزة إذا كان نصفه الآخر حرا، وإنما لا تجوز الكتابة في نصفه إذا كان الباقي منه رقيقا للذي كاتبه أو لغيره، فهذا إذا حمل الثلث نصف العبد، وأما إذا لم يحمله الثلث فتفسخ الكتابة في النصف الآخر من أجل حق الورثة فيما لم يحمله الثلث من النصف المدبر إلا أن يشاء الورثة أن يكاتبوه ما لم يحمله الثلث من نصف المدبر بمثل كتابة النصف الآخر أو أقل أو أكثر، فيجوز ذلك باتفاق؛ لأنهم إذا أمضوا كتابة الميت في نصفه وكاتبوا هم ما رق لهم، فكأنهم قد كاتبوا الجميع.
ولا يدخل في هذه المسألة الاختلاف الواقع في المدونة في العبد بين الشريكين يكاتب أحد الشريكين حظه منه بغير إذن شريكه، ثم يكاتب الشريك بعد ذلك حظه منه بمثل كتابة الأول أو بأقل أو بأكثر، وبالله التوفيق.
: التدبير عقد من عقود الحرية
ومن كتاب أسلم وله بنون قال: وقال مالك: إذا دبر الرجل في صحته ثم مرض فبتل
عتق عبد آخر في مرضه وأوصى بعتق آخر بعد الموت وتزوج في مرضه ودخل بها وأوصى بالزكاة فقال: تعطى المرأة صداق مثلها من الثلث، ثم يعتق المدبر الذي كان في الصحة، ثم الزكاة، ثم المبتول والمدبر في المرض، فإن بقي من الثلث شيء عتق فيه الموصى له بالعتق بعد الموت، قال: ولو اختلف المدبر والمبتول فكان أحدهما قبل صاحبه بدأ بالذي كان قبل بعد أن يخرج المدبر في الصحة والزكاة، ثم إن بقي بعد ذلك شيء عتق فيه الموصى له بالعتق بعد الموت، وقال في المدبر في الصحة هو مبدأ على الزكاة وعلى جميع العتق الذي يكون في المرض إلا أن يكون معه مدبرون دبرهم في صحته فإنه يبدأ الأول فالأول.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله تعطى المرأة صداق مثلها من الثلث أنه إن كان أصدقها أكثر من صداق مثلها بطل الزائد على صداق مثلها، وهو ظاهر ما في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، وقيل: إنه يحاص به أهل الوصايا ولا يبدأ، وهو قول أصبغ، وروي ذلك عن ابن القاسم، وقيل إنه يبدأ وهو قول مالك في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب الوصايا، وروى مثله عنه ابن نافع وعلي بن زياد وابن عبد الحكم، وهو قول ابن الماجشون واختيار سحنون.
وفي قوله: إنه يعتق المدبر الذي كان في الصحة بعد ذلك اختلاف، قيل: إنه يبدأ المدبر في الصحة على صداق المريض، وهو قول ابن القاسم في العشرة، وقد روى عنه أنهما يتحاصان.
فالثلاثة الأقوال كلها لابن القاسم، ولكل قول منها وجه، فوجه قوله في هذه الرواية إنه يبدأ صداق المريض على المدبر في الصحة هو أن صداق المريض حق للزوجة في استمتاعه بها يقضى لها به عليه شاء أو أبى، سمى
لها صداقا أو لم يسمه، فهو أوجب من التدبير الذي أوجبه على نفسه باختياره لا عوضا عن شيء، ووجه القول بأنه يبدأ المدبر في الصحة على صداق المريض هو أن التدبير عقد من عقود الحرية، فوجب أن يبدأ العتق اتباعا لما روي من أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أمر أن يبدأ العتق على الوصايا» ، فعم ولم يخص، ومن طريق المعنى أن المدبر في الصحة لما كان هو المتقدم اتهم المريض على القصد لإبطاله، وليس لمن دبر عبدا في صحته أن يدخل عليه ما يرد تدبيره، ألا ترى أنه إذا دبر عبدا بعد عبد يبدأ الأول على الثاني، ووجه القول بأنهما يتحاصان أنه لنا كان لهذا مزية من وجه، ولهذا مزية من وجه آخر، استويا في التأكيد، فوجب أن يتحاصا.
وإنما قال: ثم الزكاة ثم المبتول والمدبر في المرض وإن بقي من الثلث شيء عتق فيه الموصى له بالعتق بعد الموت؛ لأنه إنما تكلم عن ما سأله عنه؛ لأن هذا هو عنده حكم ترتيب الوصايا في التبدية؛ لأن من مذهبه أن عتق الظهار وقتل النفس يبدآن بعد الزكاة، ثم بعد ذلك كفارة اليمين، ثم كفارة الفطر في رمضان متعمدا، ثم كفارة التفريط، وهذا دليل ما في كتاب الصيام من المدونة، وقد قيل: إن الطعام لقضاء رمضان يبدأ على كفارة اليمين عند ابن القاسم.
والأول أظهر، ثم النذر قاله ابن أبي زيد، يريد في الصحة، ثم بعد ذلك العتق المبتل في المرض، والمدبر في المرض، ثم بعد هذا كله الموصى بعتقه بعينه، والذي أوصى أن يشترى بعينه فيعتق، وجعل ابن الماجشون العتق المبتل في المرض بعد صداق المريض وبعد المدبر في الصحة فبدأهما جميعا على الزكاة التي فرط فيها وأوصى بها، وهو أظهر من قول ابن القاسم؛ لأنه يتهم على إبطال ما دبر أو أعتق في مرضه بما أوصى به من أنه فرط فيه من زكاة ماله، وتبدأ زكاة المال والحرث والماشية على زكاة الفطر، واختلف في عتق الظهار وقتل النفس إذا اجتمعا في الوصية بهما حسبما مضى القول فيه في رسم الثمرة من سماع عيسى من كتاب الظهار.
واختلف أيضا في المدبر في المرض والمبتول فيه أيضا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يتحاصان ولا يبدأ أحدهما على الآخر، وهو قوله في هذه الرواية.
والقول الثاني: أنه يبدأ المبتل في المرض.
والثالث: أنه يبدأ المدبر فيه، ولكل قول منها وجه فوجه القول بأنهما يتحاصان استواؤهما في وجوب كونهما من الثلث، ووجه تبدية المبتل المزية التي له في أنه لو صح لكان حرا من رأس ماله، ووجه تبدية المدبر على المبتل أنه فعل في التدبير في المرض ما يجوز له، وفي التبتيل فيه ما لا يجوز له؛ لأنه أراد أن يعتقه في مرضه من رأس ماله، وذلك ما لا يجوز له، ولو علم أنه يعتق من ثلث ماله لم يرض بذلك ولهذه العلة قال من قال من أهل العلم أنه لا يكون في الثلث إلا ما أريد به الثلث، وهذا القول أظهر الأقوال وأولاها بالصواب.
واختلف أيضا في الموصى بعتقه بعينه والموصى أن يشترى فيعتق، فقيل إنهما يتحاصان، وقيل يبدأ الذي في ملكه على الذي أوصى أن يشترى فيعتق، ثم بعد الموصى بعتقه بعينه الموصى بعتقه على مال إذا عجل المال، والموصى بكتابته إذا عجل الكتابة، والموصى بعتقه إلى أجل قريب الشهر ونحوه لا يبدأ أحد منهما على صاحبه، وقد قيل: إنه لا يبدأ أحد منهم على الموصى بعتقه على غير مال، ثم بعد ذلك الموصى بعتقه إلى سنة، ثم بعد ذلك الموصى بعتقه إلى سنين، والموصى بكتابته إذا لم يعجل الكتابة، والموصى بعتقه على مال إذا لم يعجل المال، وقد قيل: إن الموصى بعتقه إلى سنة كالموصى بعتقه إلى سنين على ما سيأتي القول فيه في سماع أصبغ من كتاب الخدمة، ثم بعد ذلك كله الوصية بالمال؟ بالعتق بقي عينه وبالحج حج الفريضة، وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال، فقيل: إنها كلها سواء في التحاص، وقيل: إنه يبدأ العتق ويتحاص المال مع الحج، وقيل: إنه يبدأ الحج
ويتحاص المال مع العتق، وقيل: إنه يبدأ العتق على الحج ويتحاص مع المال ووجه هذا القول أن العتق عنده أكدها كلها ثم يليه المال ثم يليه الحج فيتحاص المال مع الحج ومع العتق لقربه من كل واحد منهما ويبدأ العتق على الحج لبعد ما بينهما.
وأما حجة التطوع فلم يختلف قول ابن القاسم في أن العتق مبدأ عليه، واختلف قوله هل يبدأ العتق عليه أو يتحاصان، وقال ابن وهب: يبدأ الحج على العتق ولم يفرق بين الضرورة وغيره.
والصحيح على مذهب مالك أن الوصية بالعتق بغير عينه وبالمال يبديان على الوصية بحجة الإسلام؛ لأنه لا يرى أن يحج أحد عن أحد فلا مزية في ذلك عنده على أصل قوله، وقد حكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية بالحج تبدأ على كل شيء المدبر وغيره، وكان أبو عمر الإشبيلي يرى تبدية ما أوصى به في فك أسير على جميع الوصايا المدبر في الصحة وغيره، ويحتج لذلك برواية أشهب عن مالك في كتاب الجهاد، وحكى عبد الوهاب في المدونة أن الوصية بالعتق المعين تبدأ على الزكاة وهو بعيد في القياس.
[ووجهه إتباع ظاهر المروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه أمر أن تبدأ العتاقة على الوصايا» فعم ولم يخص، وبالله التوفيق.
: مات الرجل وله مدبر
ومن كتاب التمرة قال عيسى حدثني عبد الله بن وهب عن ربيعة والليث ويحيى بن سعيد أنهم كانوا يقولون: إذا مات الرجل وله مدبر، فإنه يجمع المدبر وماله إلى مال الميت فينظر، فإن كان ثلث جميع ذلك
المدبر وماله عتق، وكان له ماله، وإن كان الثلث أقل وهو يحمل رقبة المدبر وبعض ماله عتق، وكان له الذي حمل من ماله مع رقبته، وإن كان ليس له مال غير المدبر وماله فإنه إن كان قيمة المدبر مائة دينار وله ثمانمائة دينار عتق المدبر، وكان له من ماله مائة دينار، فهكذا يعمل في المدبر أبدا يضم ماله إلى مال الميت إن كان ترك شيئا، وإلا فاصنع فيه مثل ما وصفت لك إن لم يترك إلا المدبر وماله، قال: وكذلك الذي يوصي بعتق عبد له عند الموت وللعبد مال يصنع به مثل ما يصنع في المدبر، وهذا رأي ابن وهب وبه يأخذ وكان له ماله وإن لم يحمله الثلث، وقال ابن القاسم عن مالك في غير هذا الكتاب في المدبر: إن حمله الثلث بماله عتق بماله، وإن لم يحمله الثلث بماله عتق منه بماله ما يحمل الثلث وأقر ماله في يديه.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن المدبر يقوم في ثلث الميت بماله، فإن حمله الثلث بماله عتق وكان ماله له، وإن لم يحمله الثلث بماله عتق منه ما حمل الثلث وأقر ماله في يديه هو القياس؛ لأن مال المدبر له ما لم ينتزعه في صحته قبل أن يموت، فوجب أن يقوم به في ثلث مال الميت؛ لأنه إذا لم يقوم به في ثلثه وأضيف إلى مال الميت وأعتق دونه فقد حصل ماله للورثة من غير أن يستثنيه السيد، وقد قيل: إن استثناءه إياه لا يجوز، فكيف إذا لم يستثنه؟ فقول ابن وهب وروايته عن ربيعة والليث ويحيى بن سعيد في تفرقتهم بين أن يحمله الثلث بماله ولا يحمله به استحسان واحتياط للعتق؛ لأنهم رأوا عتق جميعه دون مال أولى من عتق بعضه وإبقاء ماله بيده، وبالله التوفيق.
: يموت عن مدبر وله دين على أقوام إلى أجل بعيد إلى عشر سنين ونحوها
ومن كتاب جاع فباع امرأته وسألته عن الرجل يموت عن مدبر وله دين على أقوام إلى أجل بعيد إلى عشر سنين ونحوها هل يوقف المدبر أبدا حتى يحل أجل الدين؟ قال: لا يوقف ولكن يباع ذلك الدين بعرض نقدا إن كان عينا أو بعين إن كان عرضا ثم يعتق المدبر في ثلثه أو ما حمل الثلث منه.
قلت: فإن كان الذي عليه الدين غائبا غيبة طويلة مثل مصر من الأندلس؟ قال: يكتب فيه ويستخلف عليه، ويوقف المدبر حتى ينظر فيه فإما تقوضي إن كان حالا وإما بيع هنالك إن كان إلى أجل بعيد، يباع ممن هو معه في البلد بحضرته إذا أقر بذلك.
قلت له: فإن آيس من الدين لغريم عديم هو عليه أو غيبته بعيدة لا ترجى؟ قال: يعتق من المدبر ما حمل ثلث مال الميت مما يحضر ويرق بقيته.
قلت: فإن أيسر بعد ذلك الغريم المفلس الذي آيس منه أو قدم الغائب الذي آيس منه فتقوضي منهما جميعا؟ . قال: إن كان المدبر في أيدي الورثة عتق في ثلث ما تقوضي من الدين ما حمل ثلثه، وإن كان قد خرج المدبر من أيديهم ببيع أو هبة أو صدقة أو وجه من الوجوه كان ما تقوضي من الدين لورثة الميت ولم يكن للمدبر فيه قليل ولا كثير، قال عيسى: يعتق ذلك منه حيث كان، ولا يكون للمشتري أن يرد ما بقي في يديه.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية في الدين المؤجل إلى
عشر سنين ونحوها: إن المدبر لا يوقف إلى ذلك الأجل، ولكن يباع الدين بعرض نقدا إن كان عينا، أو بعين إن كان عرضا ثم يعتق المدبر في ثلثه أو ما حمل الثلث منه، وفي العشرة عن يحيى عن ابن القاسم أنه إن كانت الديون بعيدة الآجال والمال الغائب في بلاد بعيدة لا يصل إلا بعد طول زمان فإنه يعتق منه ثلث ما حصل، فإذا جاء المال الغائب أو حل أجل المؤجل فاقتضي أعتق منه مبلغ ثلث جميع ذلك، وهو معنى ما في المدونة؛ لأنه قال فيها: إنه إن دعا العبد الموصى بعتقه إلى أن يعتق منه مبلغ ثلث المال الحاضر ويوقف ما بقي منه إلى أن يحل أجل المال لم يكن ذلك إلا أن يكون فيه ضرر على الموصي والموصى له، فقيل: إن هذا اختلاف من قول ابن القاسم في الدين المؤجل هل يباع ويعجل عتق المدبر والموصى له بالعتق فيه أم يعتق منهما ما حمل ثلث المال الحاضر منهما ويوقف الباقي إلى أن يحل أجل الدين فيتقاص ويعتق فيه بقيمتهما.
والصواب أن لا يحمل ذلك على أنه اختلاف من قوله، وإنما المعنى في ذلك أنه رأى أن يباع الدين إذا تفاحش بعد أجله العشرة الأعوام ونحوها على ما قاله في هذه الرواية، وإذا لم يتفاحش بعده فمذهبه في المدونة أنه يوقف العبد حتى يحل الأجل، وإن دعا العبد إلى أن يعتق منه ثلثه أو ما حمل منه ثلث المال الحاضر ويوقف باقيه إلى أن يحل أجل الدين المؤجل لم يكن ذلك له إلا برضى الورثة؛ لأن الميت يكون إذا فعل ذلك قد أخذ أكثر من ثلث المال الحاضر؛ لأنه يعتق ثلثه فيه ويوقف باقيه، وأشهب يرى من حق العبد ما دعا إليه من ذلك، خلاف ما في المدونة من أن ذلك لا يكون له إلا أن يكون في توقيفه ضرر عليه وعلى الورثة لما يخشى من تلف المال الحاضر إذا وقف حتى يحل الأجل ويأتي المال الغائب، والمدبر الواحد والجماعة منهم في ذلك سواء، ويفترق الواحد من الجماعة في الموصى بعتقهم، فلا يجوز في الجماعة منهم أن يعتق منهم ما حمل ثلث المال الحاضر، ويوقف باقيهم إلى
أن يأتي المال الغائب أو يحل أجله وإن رضي الورثة بذلك من أجل الغرر في تكرير القرعة فيهم مرة بعد أخرى..
وقوله في الرواية إنه إن آيس من الدين بعدم الغريم أو بعد الغيبة فيعتق من المدبر ما حمل منه ثلث المال الحاضر ثم أيسر الغريم وقدم الغائب أنه لا يعتق ما بقي من المدبر في ثلث ما تقوضي من المال إلا أن يكون في أيدي الورثة لم يخرج عنهم ببيع ولا هبة ولا صدقة، وهو خلاف المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه في كل ديوان، فقول عيسى بن دينار هو المعروف في المذهب الصحيح في النظر؛ لأن حق المدبر في عتق ما يبقي منه لا يسقط ببيع الورثة إياه، ولا بما سوى ذلك من هبة أو صدقة، وإنما قال عيسى بن دينار: إنه لا يكون للمشتري أن يرد ما بقي منه إن كان لم يعتق جميع ما اشتراه من أجل أنه إنما دخل فيما اشترى منه على ضرر العتق إلا أن يعتق جل ما اشتراه منه، فيكون له حينئذ أن يرد الباقي منه، ولو كان على الميت دين فبيع المدبر فيه ثم طرأ له مال عتق في ثلثه شيء منه، وإن قل لكان للمشتري أن يرد باقيه لضرر العتق فيما اشتراه، ولو كان المشتري قد أعتقه ثم طرأ للميت مال يحمله ثلثه لنقض عتق المشتري فيه، ورجع بالثمن الذي أدى فيه وأعتق في ثلث ما طرأ ولو لم يحمل ثلث ما طرأ من المال جميعه لعتق منه ما حمل الثلث، وكان للمشتري أن يرجع من الثمن بقدر ما عتق منه عن الميت في ثلث المال الطارئ، ويرجع بقيمة عيب العتق في باقيه، إذ قد فات عنده بالعتق، ولا يقدر على رده.
ووجه العمل في ذلك أن يقال: كم قيمته على أنه رقيق لم يعتق منه شيء؟ فإن قيل: مائة، قيل: كم قيمته ما لم يعتق منه عن الميت على أن ما أعتق منه عن الميت حر؟ فإن قيل: ستون وكان قد أعتق منه عن الميت الثلث، علم أن قيمة جميعه بعيب العتق فيه تسعون، فبين القيمتين عشرة، وهي من المائة عشرها، فيفض عشر الثمن، وهو قيمة عيب العتق على ما أعتق منه عن
الميت وعلى ما أعتق منه على المشتري، فما ناب من ذلك ما أعتق منه عليه رجع بذلك على الورثة، ولا يرجع بما ناب من ذلك ما أعتق منه عن الميت؛ لأنه قد أخذ ثمن ذلك، وكذلك لو باعه السيد في صحته ثم مات فأعتقه المبتاع بعد موته وفي ثلث البائع له مجملا له أو لبعضه، الحكم في ذلك سواء، بخلاف عتق المشتري إياه في حياة البائع هذا يمضي عتقه، وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد موته؛ لأنه لو عثر على ذلك في حياته لم يرد عتقه على أحد قولي مالك، وبالله التوفيق.
: يقول غلامي فلان حر متى ما مات
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم
من كتاب المكاتب قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول: غلامي فلان حر متى ما مات، لا يغير عن حاله، كان ذلك في صحة أو في مرض، ثم أراد الرجوع فيه وبيعه وقال: إنما أردت فيه الوصية.
فقال: لا أراه إلا على حال التدبير لا يجوز لسيده أن يرجع فيه، ولا سبيل إلى بيعه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد نص في قوله على حكم التدبير، فلا يصدق في أنه أراد بذلك الوصية، وبالله التوفيق.
مسألة: هل يطأ الرجل مدبرة مدبره
مسألة قال: وسألته هل يطأ الرجل مدبرة مدبره أو مدبرة أم ولده أو المعتق إلى أجل؟ فقال: لا يحل له وطء واحدة منهن.
قلت: ولم وإنما هن مدبرات؟ قال: لأنهن يعتقن بموت من
دبرهن وإن بقي السيد بعد ذلك فهن كالمعتقات إلى أجل، قال: ولكن لو أن رجلا إذن لمدبره أو لأم ولده أن يدبر أمة يكون عتقها بعد موت الذي دبرها وموت السيد حل له الوطء كما يحل له وطء مدبرته بعينها، وذلك أنها لا تعتق إلا بعد موت السيد وموت الذي دبرها.
قلت: فهل يجوز لهؤلاء التدبير إلا بإذن السيد؟ قال: لا.
قلت: فلمن ولاؤهن إذا أذن؟ قال: للسيد.
قلت: فهل يجوز له أن ينتزع منهن خدمتهن من أم الولد والمعتق إلى أجل والمدبرة؟ قال: نعم يجوز ذلك.
قلت: فإن دبر هؤلاء بغير علم السيد ولا يعلم حتى مات وعتقوا ما حال مدبرهم؟ قال: التدبير ثابت لهم، وليس لواحد منهم دبر أن يرجع في ذلك بأن يقول: لم يأذن لي سيدي ولو علم بما صنعت فسخه، ولكن إن علم ففسخ كان مفسوخا ومنتقضا، ثم لا يلزمهم إمضاء التدبير بعد موت السيد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا أعرف نص اختلاف في شيء منها، وإنما قال إنه لا يجوز له أن يطأ مدبرة مدبره ولا مدبرة أم ولده ولا مدبرة معتقه إلى أجل من أجل أنهن معتقات إلى أجل من رأس المال علي ما قاله في رسم استأذن من سماع عيسى، إذ لا فرق في المعنى بين أن يأخذ لعبده أو لمدبره أو لأم ولده أو لمعتقه إلى أجل بتدبير جاريته أو ينتزعها منه فيعتقها إلى موته، ولا فرق بين أن يأذن له في ذلك وبين أن يفعل ذلك فيجيزه.
وقوله إن ما دبر هؤلاء بغير علم السيد ولا يعلم بذلك السيد حتى مات وعتقوا لازم لهم، هو نص قوله في كل موضع لا اختلاف فيه أحفظه إلا أن
يدخل فيه بالمعنى، فقد قال بعض أصحاب مالك في فعل المرأة ذات الزوج إذا زادت على ثلثها فلم يعلم بذلك الزوج حتى مات عنها أو طلقها إن ذلك لا يلزمها على قياس القول بأن فعلها فيما زاد على ثلث مالها على الرد حتى يجيزه الزوج، وإذا قيل ذلك في الزوج فأحرى أن يقال في السيد؛ لأن تحجير السيد على عبده أقوى من تحجير الزوج على امرأته.
وأما إذا رد السيد فعل عبده فيما فعله من تدبير عبده أو كتابته أو عتقه ثم عتق وهو في يده فلا اختلاف في أنه لا يلزمه شيء من ذلك، ولا يدخل ذلك الاختلاف الذي في المرأة ذات الزوج تعتق عبدها ولا مال لها سواه فيرث الزوج ثم يموت عنها أو يطلقها وهو بيدها؛ لأن تحجير السيد على عبده أقوى من تحجير الزوج على امرأته فيما زاد على ثلث مالها، وبالله التوفيق.
: المدبر يكون ثمنه مائة دينار وللمدبر مائة دينارويترك سيده مائة دينار
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم
قال سحنون: سئل ابن القاسم عن المدبر يكون ثمنه مائة دينار وللمدبر مائة دينار] ويترك سيده مائة دينار فقال: قال مالك: يعتق من المدبر نصفه ويترك ماله بيده، ويكون نصفه رقيقا لورثة المدبر، وذلك أنه لما كانت قيمته مائة دينار وفي يديه مائة دينار وترك سيده مائة دينار فجميع ما ترك الميت ثلاثمائة دينار فعتق من العبد ثلث المائة وهو مائة دينار وهو نصف العبد بقيمة رقبته وماله، ولا يؤخذ ماله منه، ويكون ما بقي من رقبته وما ترك سيده من ماله لورثته، وهذا قول مالك.
قال محمد بن رشد: هذا على ما تقدم من قول ابن القاسم وروايته
عن مالك في رسم الثمرة من سماع عيسى في أن المدبر يقوم في ثلث مال الميت بماله، ويكون له ماله إن حمله الثلث، وإن لم يحمله عتق منه بماله ما حمل منه الثلث، وأقر ماله بيده، خلاف قول ابن وهب هناك وروايته عن ربيعة والليث ويحيى بن سعيد أنه إن لم يحمله الثلث بما له أضيف ماله إلى مال السيد فقوم فيه، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، إلا أن في قوله نظرا؛ لأنه قال: إن المدبر إذا كانت قيمته مائة وله مائة، ولسيده مائة، فجميع مال السيد ثلاثمائة، قيمة المدبر من ذلك بماله مائتان، فعتق منه نصفه ويقر ماله بيده، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إذا كانت قيمة المدبر مائة، وله مائة فقيمته بماله لا شك أقل من مائتين، فإنما القياس أن يقوم بماله، ويضاف ذلك إلى مال السيد فيعتق ما حمل الثلث منه بماله، إلا أن يضاف ماله إلى قيمته فتجعل ثلث قيمته، إذ لا شك في أن ذلك يكون أكثر من قيمته بماله، ومثل ما وقع في هذه الرواية حكى ابن حبيب في الواضحة، وفيه هذا الاعتراض، وبالله التوفيق.
: دبر أمة له فولدت أولادا في تدبيرها فأبق الأولاد ومات السيد
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن رجل دبر أمة له فولدت أولادا في تدبيرها فأبق الأولاد ومات السيد فقام عليه الغرماء والدين يحيط برقبة الأمة ولا مال له غيرها: إنها تباع في قضاء دينهم ولا ينتظر بها الأولاد الذين أبقوا، فإن انصرف الأولاد نظر إلى ولدها وإليها ونظر إلى الدين، فإن كان يحيط بأثلاثهم وثلث الأم بيع من كل واحد ثلثه، ويعتق ثلث ما بقي من الولد والأم، ويقال لمشتري الأم: أنت بالخيار في الأم، فإن أحببت فرد، وإن أحببت أن تتمسك بما بقي من الأم رقيقا فذلك لك، والذي يصير في الأم من الرق سبعة أتساعها.
قال محمد بن رشد: ولد المدبرة مدبر بمنزلتها في مذهب مالك وجميع أصحابه، لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» ، وما روي عن زيد بن ثابت أنه أجاز بيع ولد المدبرة، وقاله علي وعثمان وابن عمر وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز في عدة من التابعين، فالمعنى في هذه المسألة صحيح واللفظ فاسد؛ لأنه قال: إنه ينظر إلى الدين، فإن كان يحيط بأثلاثهم وثلث الأم بيع من كل واحد ثلثه، والأم قد يقدم بيعها كلها في الدين بسبب إباق الأولاد قبل أن يرجعوا من إباقهم، فكيف يباع ثلثها إذا رجع الأولاد ولا يحتاج أيضا إلى بيع ثلث الأولاد، وإنما يحتاج أن يباع منهم ما يرد إلى المشتري فيما يعتق منها.
فإنما يكون صواب الكلام أن يقول: وجه العمل في ذلك إذا رجع الأولاد أن ينظر إلى الدين فإن كان يحيط بأثلاثهم وثلث الأم تبين أنه قد كان يجب أن يباع ثلث كل واحد منهم ويعتق ثلث ما بقي من كل واحد منهم وهو تسعاه، فيعتق من كل واحد من الولد تسعاه، ومن الأم التي بيعت تسعاها أيضا، ويرجع المشتري بتسعي الثمن الذي أدي فيها على الورثة، فيباع له في ذلك مما رق لهم من الأولاد ما يؤدي إليه، وإن أراد الورثة أن يؤدوا إلى المشتري تسعي الثمن من أموالهم ويتمسكوا بما رق لهم من الأولاد وهو سبعة أتساع كل واحد منهم كان ذلك لهم، ويبقى للمشتري في الأم سبعة أتساعها! يكون بالخيار كما قال بين أن يتمسك بذلك أو يرده للضرر الداخل عليه فيها باستحقاق جزء منها بالحرية.
وهذا الذي ذكرناه بين كله، ونزيده بيانا بالتنزيل فنقول: مثال ذلك أن السيد توفي وعليه ثلاثون دينارا دين، وقيمة المدبرة ثلاثون، وولدها الذين أبقوا اثنان قيمة كل واحد منهما ثلاثون ثلاثون، فقام الغرماء قبل رجوع الولد فبيعت لهم المدبرة بثلاثين وأخذوها في حقوقهم، ثم رجع الابنان فكشف
الغيب برجوعهما أن الواجب كان أن يباع من الأب ومن كل واحد منهما ثلثه في الدين؛ لأنهما مدبران بتدبير أمهما، وأن يعتق من كل واحد منهم ثلث الباقي وهو التسعان، فيعتق من كل واحد من الولد تسعاه، ويعتق من أمهم المبيعة تسعاها.
أيضا، ويكون المشتري بالخيار بين أن يرد الباقي منهما على الورثة ويرجع عليهم بجميع الثمن، وبين أن يتمسك له بما بقي له منها رقيقا ويرجع عليهم بتسعي الثمن لما أعتق منها، والورثة بالخيار فيما يرجع به المشتري عليهم يؤثره مما شاءوا مما رق لهم من الولد، وإن شاءوا من أموالهم.
ورجوع الأولاد في هذه المسألة من الإباق بعد أن بيعت الأم في الدين كمال طرأ للميت بعد بيعها، فقول سحنون فيها خلاف ما تقدم من قول ابن القاسم في رسم جاع فباع امرأته مثل قول عيسى بن دينار فيه من رأيه وما عليه الجماعة، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجلين يكون بينهما العبد فيدبر أحدهما نصيبه ولا مال له غيره
مسألة وسئل سحنون عن الرجلين يكون بينهما العبد فيدبر أحدهما نصيبه ولا مال له غيره.
قال: اختلف فيه أصحابنا من أهل الحجاز، والذي أقول أنا به: إنه إذا دبر نصيبه وهو معسر أن تدبيره ليس بشيء، إذا لم يرض شريكه، ألا ترى أن المدبر لو قال: أنا أقاويك، فقال له: كيف تقاوي صاحبك وأنت لا مال لك؟ فإن وقع عند صاحبك غرم إليك القيمة، وإن وقع عندك في المقاواة لم يكن عندك ما تدفع إليه، فكيف تقاوي وأنت لا مال لك؟ وقد أدخلت عليه الضرر، وتدبيرك
إياه عيب تدخله على صاحبك في عبده، وليس هذا كالذي يعتق نصيبه ولا مال له أنه يعتق عليه ما أعتق؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل» ، ثم قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق» ، فإنما جاء هذا في العتق، والتدبير وليس بصريح العتق وهو يباع في الدين ولا يعتق إلا في الثلث، فلما أدخل على شريكه الضرر لشيء لم يتعجل به للعبد عتقا نفينا عن شريكه الضرر الذي أدخله عليه فخذ هذا على هذا فإنه أحسن ما سمعت ورويت.
قيل له: فلو أنه أعتق نصيبه إلى أجل ولا مال له غيره؟ فقال: له بيعه ولا ينحل عن العبد ما عقد له من العتق، والمعتق إلى أجل ليس كالمدبر، فإن شاء أن يشتريه شريكه كان ذلك له، ولم يجز اشتراؤه لغيره.
قيل له: فإن اشتراه منه شريكه ما يكون حال هذا العبد؟ فقال: يكون معتقا كله إلى الأجل الذي كان أعتق إليه نصفه قبل أن يشتريه.
قال محمد بن رشد: اختلف في العبد بين الشريكين يدبر أحدهما حظه منه وهو معسر على أربعة أقوال أحدها: قول سحنون هذا، وهو مذهب ابن الماجشون في ديوانه أن الشريك بالخيار إن شاء أجاز له ما صنع، وإن شاء فسخ تدبيره، إذ لا يلزمه مقاواته إياه من أجل أنه غريم ولأن من حقه أن يلزمه قيمته فيتبعه بها، والقول الثاني: أنه بالخيار بين أن يجيز له ما صنع
ويتمسك بنصيبه، وإن شاء أن يتبعه بقيمة نصفه، وإن شاء أن يقاويه إياه على أنه إن وقع عنده اتبعه بما وقع به عليه، وهو أحد قولي ابن القاسم في سماعه، والقول الثالث: أنه إن شاء تمسك بنصيبه وأجاز له ما صنع، وإن شاء قاواه إياه، فإن وقع عند المدبر بيع منه بنصف ما وقع به عليه، كان أقل من نصيبه منه أو أكثر، وكان الباقي مدبرا، وإن وقع عند الذي لم يدبر كان رقيقا كله، وهذا القول حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، قال أصبغ في سماعه: وهذا هو القياس، والاستحسان إن وقع على المدبر ألا يباع منه إلا نصفه فأقل، فإن لم يف نصفه بما وقع به عليه في المقاواة اتبعه بالباقي دينا ثابتا في ذمته، واستحسان أصبغ هذا هو القول الرابع، وإذا كان له على مذهبهم أن يقاويه إياه فإن وقع على المدبر بيع منه بما وقع به عليه كان أقل من نصفه أو أكثر وما لم يكن أكثر من نصفه على ما استحسنه أصبغ فمن حقه إن شاء أن يترك المقاواة فيلزمه نصف قيمته فيباع منه بها ما بيع منه أو ما لم يكن أكثر من نصفه على ما تقدم من استحسان أصبغ؛ لأن وجه المقاومة في المدبر حيثما وقعت أن يقام قيمة عدل، ثم يقال للذي لم يدبر: إما أن تسلم إليه حظك بنصف هذه القيمة، وإما أن تزيد، فإن أسلمه إليه لزمه، وإن زاد قيل للذي دبر: إما أن تسلم إليه حظك بما زاد وإما أن تزيد، كذا أبدا حتى يقف على من وقف منهما.
وأما إذا كان الذي دبر حظه منه مليئا ففي ذلك ثلاثة أقوال أحدها: أنه يقوم على المدبر فيكون مدبرا كله، ولا يكون للذي لم يدبر أن يتمسك بنصيبه ولا أن يقاويه كالعتق سواء، وهذا القول وقع لمالك في العتق الأول من المدونة، والقول الثاني أن الشريك بالخيار، إن شاء أن يقومه عليه وإن شاء أن يقاويه إياه، وليس له أن يتمسك بنصيبه ويجيز له ما صنع، وهذا قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه، والقول الثالث أن الشريك بالخيار بين أن
يتمسك بحظه أو يقومه عليه أو يقاويه إياه، وهذا مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وأما قول سحنون في هذه الرواية في الذي أعتق نصيبه إلى أجل ولا مال له: إنه ليس كالمدبر فهو صحيح؛ لأن العتق إلى أجل عقد ثابت يجب به العتق للعبد عند الأجل على كل حال، فلا يصح إبطاله بالمقاواة.
وأما قوله فإن شاء أن يشتريه شريكه كان ذلك له ولم يجز اشتراؤه لغيره فلا يستقيم على حال، إذ لا يلزم شريكه أن يبيعه منه إذا لم يكن له مال، ولا يصح أن يمنع من بيعه من غيره إذا لم يجب أن يقوم عليه لعدمه، وإنما لا يكون لشريكه أن يبيعه من غيره إذا أعتق نصيبه منه وهو موسر على القول بأنه بالخيار بين أن يتمسك بحظه منه وبين أن يقومه عليه، إذ قد قيل: إنه يقومه عليه ويكون حرا إلى الأجل، وقيل: إنه لا يقوم عليه حتى يحل الأجل، وقد يحتمل أن يكون أراد بقوله ولم يجز اشتراؤه لغيره إذا أيسر فيكون لذلك وجه؛ لأنه يخرج على القول بأنه إذا أعتق نصيبه إلى أجل وهو موسر يكون الشريك مخيرا بين أن يتمسك بحظه أو يقوم عليه.
وأما قوله فإن شاء شريكه أن يشتريه كان ذلك له فلا وجه له بحال، إذ لا يصح أن يكون المعتق لحظه من العبد بالخيار في شراء حظ شريكه في قول قائل، وإنما الخلاف في هل يلزم تقويمه عليه، أو يكون الشريك في ذلك بالخيار، وبالله التوفيق.
مسألة: توفيت وتركت زوجها وأخاها ومدبرتها ولا مال لها غير المدبرة
مسألة وسئل سحنون عن امرأة توفيت وتركت زوجها وأخاها ومدبرتها ولا مال لها غير المدبرة وتركت على زوجها مائة وخمسين دينارا ولا مال له وقيمة المدبر خمسون دينارا.
قال، يعتق من المدبرة ثلثها ويكون ثلثاها رقيقا للأخ
والزوج، فيكون ثلثها للزوج، وثلثها للأخ، ويكون ثلث الزوج كأنه مال طرأ، فيصير ثلث الزوج للأخ.
والمدبرة، فيعتق من المدبرة أيضا نصف الثلث، فيتم من المدبرة نصفها عتيقا، ويبقى نصف جميع رقبتها رقيقا للأخ.
قيل: فإن باع الأخ المدبرة ثم أفاد الزوج إلى زمان بعد ذلك مالا ترجع المدبرة على الزوج فيعتق منها ما بقي أم كيف يصنع؟ قال: نعم يرجع عليه فيعتق منها بقدر ذلك.
قيل وهكذا يرجع أبدا كلما أفاد حتى تستتم رقبتها؟ قال: نعم.
قيل له: فإن لم يبين الذي باعها أن لها دينا على الزوج إن أفاد يوما مالا، هل يكون عيبا يردها به؟ قال: لا.
قيل: فإن أفاد الزوج مالا فرجعت الأمة على الزوج فيعتق منها بقدر ما قضى للزوج من الدين، فقال المشتري: أنا أرد لأن النصف الذي اشتريت قد فسد علي؟ فقال: إذا كان الذي أعتق منها تافها يسيرا بعد ما اشتراها فليس له ردها، وإن كان كثيرا فله ذلك.
قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه المسألة: إن الثلث الذي لا يعتق فيما طرأ للميت من مال إذا كان قد خرج من أيدي الورثة ببيع أو صدقة أو هبة، وأما قول سحنون: إنه إن كان الذي أعتق مما اشترى من المدبرة يسيرا فلا رد له، وإن كان كثيرا فله ذلك، فهو صحيح؛ لأنه إنما اشترى بعضها على أن باقيها حر، فقد دخل على ضرر العتق، فلا رد له فيما استحق بالعتق مما اشترى منها، إلا أن يكون جل ما اشترى منها وهو الذي أراد بقوله: وإن كان كثيرا والله أعلم لأن العروض إذا استحق على المشتري منها بعضها فليس له
أن يرد ما بقي منها إلا أن يكون الذي استحق منها جلها، وقد تقدم هذا في رسم جاع من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
مسألة: استأجر مدبرا سنة لخدمة بتسعة دنانيرثم مات السيد وقد قبض التسعة
مسألة وسئل عن رجل استأجر مدبرا سنة لخدمة بتسعة دنانير، ثم مات السيد وقد قبض التسعة فاستهلكها وليس له مال غير المدبر ولم يستوف المؤاجر من خدمة العبد شيئا.
قال: تقسم التسعة على قيمة المدبر، فإن كانت قيمته ثلاثين دينارا فإن الثلث الذي كان يصير للعتق قد صار عليه من الدين ثلثه، وذلك ثلاثة دنانير، فيباع منه بثلاثة دنانير، ويعتق منه بقية الثلث وهو سبعة دنانير، فيكون ثلثا الخدمة للمستأجر، وثلثها بين العبد وبين الذي اشترى منه بثلاثة دنانير، فإذا تمت السنة رجع العبد إلى الورثة فقال لهم: أكملوا لي ثلث الميت لجمع ثلثيه وهو عشرون دينارا، وما صار إلى العبد وهو سبعة دنانير فجملة سبعة وعشرون، فيعتق ذلك من ثلث الميت وهو تسعة دنانير، فيزداد العبد دينارين فيكون للعبد في نفسه تسعة دنانير، وللورثة ثمانية عشرة دينارا فإن كانت الإجارة مثل الرقبة سواء فأرى أن لا يباع منه شيء، وأن تمضي الإجارة كلها؛ لأن الإجارة محيطة برقبته، فإذا انقضت السنة عتق ثلثه ورق ثلثاه.
قلت: فلو كان على السيد دين لأجنبي خمسة دنانير والمسألة على حالها وقد مات السيد ولا مال له ولم يستوف المؤاجر من أجرته شيئا؟ قال: تفض للعشرة التي أوجر بها العبد على ما يعتق من العبد وعلى ما يرق منه، فيصير على الثلث العتيق منه ثلاثة دنانير
وثلث وتكون الخمسة التي هي للأجنبي في الثلث الذي يعتق منه؛ لأن ثلثي الورثة لا سبيل لصاحب الدين عليه؛ لأن المستأجر أحق به، ودين الأجنبي أولى من عتق المدبر فيباع من ثلث العبد بثمانية دنانير وثلث، ثلاثة وثلث للمستأجر وخمسة للأجنبي، ويعتق باقي ثلثه، فهو ديناران إلا ثلث، فإذا انقضت خدمة المستأجر ودفع ثلثي العبد إلى الورثة، رجع عليهم العبد فقال لي ثلث سيدي وقد ترك اثنين وعشرين دينارا إلا ثلثا وإنما أعتق مني دينارين إلا ثلثا، فيعتق منه ثلث الاثنين وعشرين دينارا إلا ثلثا.
قلت فلو كان دين الأجنبي خمسة عشر دينارا؟ فقال: أرى دين الأجنبي قد استغرق ثلث العبد، فلا أرى أن يعتق منه شيء، ويكون صاحب الإجارة أولى به، فإذا انقضت الإجارة بيع نصفه للدين بخمسة عشر دينارا وعتق منه ثلث ما بقي، وهو سدسه.
قلت وكذلك لو كان دين الأجنبي ثلاثين دينارا لم يعتق منه شيء وكان صاحب الإجارة أولى به إلى موتها ثم يباع كله للدين؟ قال: نعم.
قلت فلو كان دين الأجنبي سبعة دنانير والمسألة على حالها؟ قال: فلا يعتق منه شيء، وصاحب الخدمة أولى به كما فسرت ذلك، فانظر فإن كان إذا بعت بدين الأجنبي وما يصير على الثلث من الإجارة وتفضل منه فضلة تعتق منه فإنه يباع، وإن كان لا تفضل منه فضلة يعتق منها لم يبع منه شيء، وكان صاحب الخدمة أولى به، وكذلك لو كانت الإجارة تغترقه كله وليس على السيد غيرها لم يبع منه شيء، ومضى في خدمته حتى تنقضي إجارته ثم يعتق ثلثه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة في المعنى بينة أدخلها ابن حبيب في الواضحة على نصها إلى قوله: فإذا انقضت السنة عتق ثلثه ورق ثلثاه، ولم يسم سحنونا فقال: وسمعت من أرضى من أهل العلم يقول، وزاد على ذلك قال: ولو كان للميت مال سواه انفسخت الإجارة وردت الدنانير من مال الميت وعتق في ثلث ما بقي، وهكذا قال ابن حبيب إذا كان ثلث ما بقي من مال الميت بعد الإجارة يحمل جميعه؛ لأن عتقه إذا وجب في الثلث وجب أن تفسخ الإجارة فيه.
وأما لو كان ما ترك الميت من المال لا يحمل ثلثه بعد الإجارة جميع رقبته، مثل أن تكون قيمة المدبر أربعين فمات سيده وقد قبض في إجارته تسعة فاستهلكها وله سوى المدبر عشرون لوجب يجب للزوج من المدبرة يقسم بين الأخ والمدبرة، فيعتق نصفه ويكون للأخ نصفه، فيكمل لها عتقها نصف لا يصح؛ لأن جميع الشركة فيها مائتا دينار، قيمة المدبرة منها خمسون دينارا ومائة وخمسون دينا على الزوج فالواجب للمدبرة على هذا التنزيل جميع قيمتها، وذلك خمسون دينارا وللأخ مما على الزوج خمسة وسبعون دينارا، وللزوج خمسة وسبعون مما عليه، وإنما الذي يصح أن يقسم الثلث الذي يصير للزوج من المدبرة من الأخ والمدبرة على قدر ما بقي أنهما من حقوقهما، فالذي بقي للمدبرة من حقها في هذه المسألة ثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار؛ إذ قد أعتق منها ثلثها بستة عشر وثلثين، والذي بقي للأخ من حقه ثمانية وخمسون وثلث، فعلى هذه التجزئة يتخلص الآخر والمدبرة في الثلث الذي يصير للزوج يضرب الأخ فيه بثمانية وخمسين وثلث، وتضرب المدبرة فيه بثلاثة وثلاثين وثلث، فما حصل للمدبرة في المحاصة من الثلث المذكور كان عتيقا مضافا إلى الثلث المعتق منها.
وما حصل للأخ في المحاصة كان رقيقا له مضافا إلى الثلث الذي رق له أولا فكلما أفاد الزوج مالا اقتسم الأخ والمدبرة ما أفاد من المال على قدر ما بقي لهما من حقوقهما أيضا على هذا التمثيل،
فما صار للأخ كان له، وما صار للمدبرة عتق منها بقدر ذلك حتى يستتم عتق جميعها ويستوفي الأخ تمام الخمسة والسبعين حقه الواجب له قبل الزوج، وإنما يصح أن يقسم الثلث الحاصل للزوج بين الأخ والمدبرة بنصفين لو كان الدين الذي على الزوج مائة دينار وقيمة المدبرة خمسون دينارا ولا مال للمتوفاة غير ذلك؛ لأن الشركة حينئذ يتساوى فيه الأخ والمدبرة والزوج فيكون للمدبرة خمسون جميع قيمتها، وللأخ خمسون، وللزوج مما عليه خمسون، فتيساوى الأخ والمدبرة فيما لهما على الزوج، فيقتسمان على هذا الترتيب الحاصل للزوج على نصفين؛ لأن الذي يبقى للمدبرة من حقها مثل الذي يبقى للأخ، والذي يبقى لكل واحد منهما ثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأن حق كل واحد منهما كان خمسون دينارا فيقبض الأخ من حقه ثلث المدبرة بستة عشرة دينارا وثلثي دينار وقبضت المرأة المدبرة من حقها ثلث قيمتها بستة عشر وثلثين أيضا، فيكمل للمدبرة عتق نصف نصيبها، ويكون للأخ نصف المدبرة رقيقا، فكلما أفاد الزوج مالا اقتسماه بينهما بنصفين أيضا؛ لأن الذي يبقى لهما من حقوقهما أبدا متساوي على هذا التنزيل حتى يكمل عتق المدبرة ويستوفي جميع حقه الخمسين، ويبقى للزوج مما عليه خمسون دينارا.
وكذلك ذكر ابن سحنون هذه المسألة عن أبيه على هذا التنزيل أن الدين الذي على الزوج مائة دينار، وأن قيمة المدبرة خمسون دينارا، وهذه الرواية تبين أن ما وقع لسحنون في هذه النوازل وما روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم من قسمة الثلث الذي يجب للزوج بين المدبرة والأخ نصفين مع أن يكون الدين الذي على الزوج مائة وخمسون دينارا وقيمة المدبرة خمسون دينارا غلط والله أعلم لأن من قول مالك وجميع أصحابه: أن الغريم إذا كان عليه دين لرجلين لأحدهما عشرة وللآخر عشرون فتقاضيا منه شيئا أن ما تقاضياه منه يتحاصان فيه على قدر ما لهما عليه، ثم ينظر في هذه المسألة على ما صححنا من التنزيل، وهو أن يكون الدين الذي على الزوج مائة دينار
إلى ما يجب للمدبرة على الزوج من حقها، فيباع بعرض ويعجل لها العتق على ما روى موسى عن ابن القاسم والذي يبقى لها من حقها عليه خمسة وعشرون دينارا؛ لأن جميع حقها كان خمسين دينارا، فقبضت ثلثها أولا ستة عشر وثلثين، ثم قبضت نصف الثلث بثمانية وثلث، فاستكملت نصف حقها وبقي لها النصف على الزوج، وكذلك ينبغي إذا قررنا أن الدين الذي على الزوج مائة وخمسون، وقيمة المدبرة خمسون على ما في الرواية أن ينظر إلى ما بقي لها من جميع قيمتها الخمسين بعد عتق ثلث قيمتها بستة عشر وثلثين، وبعد عتق ما يجب لها من الثلث الواجب للزوج على ما رتبناه، فيطرح ذلك من الخمسين فما فضل فهو الذي يجب للمدبرة على الزوج، وهو الذي يباع على ما روى موسى بن معاوية.
وأما قوله في رواية موسى ثم ينظر إلى ما يصيب الخادم من ذلك وهو نصف خمسين ومائة، فيباع فلا يصح عندي بوجه، وقوله: إن الأخ إن باع المدبرة أي ما صار له منها ثم أفاد الزوج إلى زمان بعد ذلك مالا أنها ترجع فيعتق منها بقدر ذلك، أي بقدر ما يجب لها مما أفاد حتى تستتم رقبتها هو مثل ما تقدم من قوله في أول مسألة من هذه النوازل، ومثل قول عيسى ابن دينار في رسم جاع من سماع عيسى.
وما عليه الجماعة خلاف قول ابن القاسم فيه أن تقسم التسعة على ما يجب عتقه من المدبر وعلى جميع بقيته المال، فالذي يجب عتقه من المدبر نصفه بعشرين؛ لأن جميع المال ستون، فثلثه عشرون، وقيمة المدبر أربعون، فيباع من نصف المدبر ثلاثة، ويعتق ما بقي من نصفه وهو سبعة عشر.
قال ابن حبيب أيضا: وهذا التفسير على أن المستأجر علم أنه مدبر، فأما لو جهل تدبيره واستأجره على أنه عبد فلما مات سيده ثبت أنه مدبر ولا مال له سواه، وفيه فضل عما استؤجر به كما فسرنا في أول المسألة لانفسخت
الإجارة، ثم بيع منه معجلا لما استؤجر به؛ لأنه دين على السيد، ثم يعتق منه ما فضل منه، ويرق ثلثاه،.
وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح، ومعناه إذا لم يرض المستأجر بذلك وأراد رده لأن ذلك عيب دخل عليه فيما استأجره من خدمة المدبر لانفساخ بعضها بما ثبت من التدبير الذي لم يعلم به.
وأما لو رضي المستأجر بالتمسك ببقية إجارته لجاز ذلك، وكان بمنزلة إذا استأجره وهو يعلم أنه مدبر.
والأصل في هذه المسألة أن ما وجب من عتق المدبر فلا بد أن تنفسخ فيه الإجارة إن وجب عتقه كله في ثلث مال الميت انفسخت الإجارة في جميعه وردت إلى المستأجر الإجارة من مال الميت، وإن وجب عتق ثلثه انفسخت الإجارة في ثلثه فبيع من الثلث الذي وجب عتقه بثلث الإجارة وأعتق الباقي من ذلك، فإذا انقضت الإجارة رجع المدبر على الورثة فأعتق منه بقية الثلث وهو ثلثا ما بيع منه، وكذلك إن وجب عتق نصفه أو ثلثيه في ثلث الميت فبيع منه بنصف الإجارة أو بثلثيها وأعتق الباقي، فإذا انقضت الإجارة رجع على الورثة فأعتق منه بقية الثلث وهو ثلثا ما بيع منه في الإجارة وإن لم يجب عتق شيء منه مثل أن تكون الإجارة تستغرق جميعه أو لا يستغرق جميعه وعلى الميت من الدين ما يستغرق جميعه، فالإجارة باقية لا تنفسخ، وهي مقدمة على الدين إن كان على الميت دين لأن الإجارة في عين العبد والدين في ذمة الميت إذا انقضت الإجارة بيع في الدين.
وإنما قال: إذا لم يكن له مال غير المدبر إنه يباع من ثلثه بثلث الإجارة وبجميع الدين ثم يعتق ما بقي من أجل ما بيناه من أن الإجارة مبدأة على الدين، والدين مبدأ على العتق، فوجب من أجل ذلك أن يباع من ثلث المدبر بجميع الدين وبثلث الإجارة، فإذا استوفى المستأجر خدمته ورجع ثلثا المدبر إلى الورثة رجع عليهم المدبر فيه فاستوفى منه ما بقي من حقه في العتق
وهو ثلثا ما بيع منه في الدين لأنه بيع منه بجميع الدين من أجل أنه يبدأ على العتق ولا يجب عليه من الدين إلا ثلثه وثلثا ما بيع منه في الإجارة أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: باع مدبرة من رجل فزوجها المشتري من عبده
مسألة وسئل عن رجل باع مدبرة من رجل فزوجها المشتري من عبده وأولدها العبد جارية ثم أعتق المشتري الأمة وبقي ولدها.
قال: يمضي عتقها ويكون ولدها رقيقا للمبتاع، وقاله عبد الله بن نافع.
قال محمد بن رشد: رأيت لأبي إسحاق التونسي أنه قال في هذه المسألة: قوله ويكون ولدها رقيقا للمبتاع كلام فيه نظر، إلا أن يريد بقوله: يرق أن يكون مدبرا كأمه؛ لأن ولدها من زوج إنما يجب أن يكون كأمه، وهي مدبرة فيجب أن يكون ولدها مدبرا.
فإن قيل لما أعتقها بطل تدبيرها، فكان ولدها رقيقا للمشتري، قيل: لو لزم هذا في المشتري للزم في المدبرة إذا ولدت فأعتقها المدبر أو ماتت أن يكون ولدها رقيقا؛ لأن موتها أو عتقها يبطل تدبيرها، وهذا بعيد، بل ولدها على ما كانت عليه أعتقت أو ماتت أو بقيت.
هذا نص قوله، واعتراضه صحيح، وإذا وجب أن يكون الولد مدبرا على ما قاله فيرد إلى البائع بما ينويه من الثمن إذا فض على قيمتها يوم البيع وعلى قيمة الولد يوم أعتق الأم، وهذا على القول الذي رجع إليه مالك من أن المدبر إذا أعتقه المشتري لا يرد عتقه، وأما على قوله الأول فينقض العتق وترد الأمة وولدها إلى البائع ويرد عليه جميع الثمن.