كتاب الحج الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الطواف بالبيت وعلى المرء ثوب غير طاهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه كتاب الحج الثاني من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الحج.
قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك [رحمة الله على جميعهم] عن الطواف بالبيت وعلى المرء ثوب غير طاهر، قال: لا، وكرهه.
قال محمد بن رشد: حكم الطواف بالبيت حكم الصلاة في أنه لا تكون إلا على طهارة، فكذلك يكون حكمه حكمها في طهارة الثوب والبدن من النجاسة، فإن طاف بثوب نجس وهو لا يعلم به، ثم علم بعد إكمال الطواف قبل الركعتين فصلى الركعتين بثوب طاهر فلا إعادة عليه، فإن لم يعلم حتى صلى الركعتين أعادهما بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه ولم يعد الطواف، روي ذلك عن ابن القاسم، وقال أصبغ: لا يعيد الركعتين؛ لأن السلام منهما خروج وقتهما، والقياس أنه إن علم في أثناء الطواف وبعد أن أكمله قبل أن يصلي الركعتين استأنف الطواف من أوله، كالصلاة إذا علم بنجاسة الثوب في الصلاة قطع وابتدأ، وإن لم يعلم به حتى أكمل الركعتين لم يكن عليه أن يعيد، كمن صلى بثوب نجس فلم يعلم به حتى خرج الوقت؛ لأن الطواف ليس له وقت محدود، فالسلام من الركعتين خروج وقته، كمن صلى صلاة
فاتته بثوب نجس فلم يعلم به حتى خرج الوقت سلم منها أنه لا إعادة عليه؛ لأن السلام منها خروج وقتها.
وقال أشهب: إن علم به في طوافه ابتدأه، وإن لم يعلم به إلا بعد إكمال طوافه أعاد الطواف والسعي إن كان قريبا، وليس بقياس، وإن كان متعمدا [أعاد وإن كان بعيدا، على القول بأن من صلى بثوب نجس عامدا أعاد أبدا، وعلى ما في هذه الرواية من أنه كره أن يطوف المرء وعليه ثوب غير طاهر لا تجب عليه الإعادة وإن كان متعمدا] ، [وبالله تعالى التوفيق] .
مسألة: أفتسعى المرأة بين الصفا والمروة وهي حائض
مسألة قيل له: أفتسعى المرأة بين الصفا والمروة وهي حائض؟ فقال: نعم إذا فرغت من الطواف بالبيت والصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السعي بين الصفا والمروة ليس من شرط صحته الطهارة.
فإذا حاضت المرأة بعد الطواف بالبيت سعت بين الصفا والمروة، [وإذا حاضت قبل الطواف لم تسع بين الصفا والمروة] ؛ لأن السعي لا يكون إلا بعد الطواف، وهذا مما لا اختلاف فيه، لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة» .
مسألة: قدم معتمرا فحل ثم أهل بالحج فخرج إلى منى
مسألة وسئل: عمن قدم معتمرا فحل ثم أهل بالحج فخرج إلى منى
ولم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ثم رمى جمرة العقبة، أيلبس الثياب قبل أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم الله عليه إلا النساء والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت.
[مسألة: الحاجّة تنفس قبل أن تُفيض]
مسألة وسئل: على الحاجّة تنفس قبل أن تُفيض، قال: يحبس عليها كَرِيُّهَا؛ لأنه قد علم أن النساء يصيبهن هذا.
قيل له: أفتراه مثل الحيض؟ قال: نعم، ويحبس على الحائض خمسة عشر يوما.
قيل له: فهل يختلف عندك إن كانت حاملا أو غير حامل؟ فإن الْكَرِيّ يقول: لم أعلم أنك حامل؟ فقال: ما يختلف عندي، وما على النساء أن يخبرن بحملهن؟ قلت له: فإن الكَرِيّ يحتج بأن يقول بأن الحيض من أمر النساء، فقال مالك: والحمل من أمر النساء، والمرأة قد يكون معها زوجها فتحمل، أفلا اشترط عليها حين أكراها؟ أرى أن يحبس عليها كَرِيّها، ولا أدري لعله تعينه في العلف.
قيل: استحسان؟ قال: نعم.
ولم ير عليه معونة في العلف إذا هي حاضت قبل أن تُفيض، وأرى أن يحبس عليها كريها خمسة عشر يوما.
فقيل له: يا أبا عبد الله إن النساء عندنا يشترطن على الأكرياء الحج والعمرة في المحرم، فإن حاضت قبل أن تعتمر أترى أن يحبس كريها؟ قال: لا يحبس عليها كريها، فراجعته فلم ير ذلك عليه.
قلت له: أفيوضع عنها من الكراء؟ فقال: لا أدري ما هذا؟
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في آخر رسم طلق من سماع ابن القاسم أن الكري يحبس على المرأة إذا نفست كما يحبس في الحيضة في الحج والعمرة، وقد مضى هناك القول على [ذلك] والأصل في وجوب حبسه عليها قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في صفية حين قيل له: إنها قد حاضت: «لعلها حابستنا، فقالوا: يا رسول الله إنها قد طافت، قال: فلا إذن» . وإنما لم يحبس عليها إذا حاضت قبل العمرة التي اشترطت عليه، كما يحبس إذا حاضت قبل طواف الإفاضة في الحج؛ لأنها تقدر على الخروج وترك العمرة إذ لم تهل بها بعد، ولا تقدر على الخروج وترك طواف الإفاضة.
ولم يجب مالك في حكمها مع الكري في ذلك إذا لم يحبس عليها، وأنكر السؤال عن أن يوضع عنها قدر العمرة من الكراء، فقال: لا أدري ما هذا! إذ لا يصح أن تجبر على الخروج معه وتترك العمرة، وهي عليها سنة واجبة، وعند بعض العلماء فريضة لازمة، ولعلها قد نذرتها فتكون قد وجبت عليها بإجماع، فإذا لم يصح أن تجبر على الخروج مع الكري إلى بلدها وهي حائض وأبى الكري من الصبر عليها حتى تطهر، فالواجب أن يفسخ الكراء بينهما فيما بقي، ويكون للمكرِي من كراء قدر ما مضى، فهذا هو وجه الحكم في هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: قوله وتعالى وَلِلَّه على النَّاس حِجُّ الْبَيْت أذلك الزاد والراحلة]
مسألة وسئل مالك: عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] ... الآية، أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله، وما ذلك إلا على طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على
السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه، ولا صفة في هذا أبين مما أنزل الله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] .
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال مالك: إنه لا صفة في ذلك أبين مما قال تعالى، فمن قدر على الوصول إلى مكة إما راجلا وإما راكبا بشراء أو كراء فقد لزمه فرض الحج، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يفتقر الرجل في الوصول إلى مكة إلى الزاد والمركوب، وقد لا يفتقر إلى واحد منهما، وقد يفتقر إلى أحدهما، فإن كان الرجل ممن لا يقدر على المشي أو يقدر عليه لمشقة تفدحه أو عيش في بلده مما يتعذر عليه العيش منه في طريقه كالصناعة التي لا يجدها أو السؤال الذي لا يجد له موضعا في طريقه فلا يجب عليه الحج حتى يجد الزاد والمركوب، ويلزمه أن يبيع في ذلك ما يبيعه عليه السلطان في الدين.
وإن كان ممن يقدر على المشي بغير مشقة تفدحه وما يعيش به في بلده لا يتعذر عليه في طريقه من صناعة لا يعدمها أو سؤال لا يتعذر عليه، فالحج واجب عليه وإن لم يجد زادا ولا مركوبا؛ وإن كان عيشه مما يتعذر عليه في طريقه وهو يقدر على المشي فالحج واجب عليه [إذا وجد الزاد وإن لم يجد المركوب] ، وإن كان عيشه في بلده مما لا يتعذر عليه في طريقه وهو لا يقدر على المشي فالحج واجب عليه إذا قدر على المركوب وإن لم يجد الزاد، وأما إن كان عيشه من غير السؤال وهو يقدر أن يتوصل إلى مكة بالسؤال فلا اختلاف في أن ذلك لا يجب عليه.
واختُلف هل يباح له ذلك أو يكره؟ فقيل: إن ذلك له مباح، وقيل: إنه له مكروه، والأول قول مالك في رواية ابن عبد الحكم عنه، والثاني قوله في سماع ابن القاسم من كتاب الصنائع والوكالات، وقد مضى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم القول إذا لم يجد نفقة يخلفها لزوجته، وكان إن خرج رفعت أمرها
فطلقت عليه، ويأتي في سماع محمد بن خالد القول في إذا لم يجد نفقة يخلفها لولده.
وما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الزاد والراحلة معناه في البعيد الدار أو القريب الذي لا يقدر على المشي؛ لأن قوله عز وجل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] ، يوجب الحج على من استطاعه ماشيا؛ لأنه إخبار بمعنى الأمر؛ إذ لا فائدة في الإخبار بصفة الإتيان دون الإيجاب؛ ولأن شريعة إبراهيم لازمة لنا، قال عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: 123] ... الآية.
مسألة: اعتمر فجاء ليلا فطاف وركع الركعتين وأخر السعي والحلاق للصبح
مسألة وسئل عمن اعتمر فجاء ليلا فطاف بالبيت وركع الركعتين وأخر السعي والحلاق حتى أصبح، فلما أصبح سعى بين الصفا والمروة ثم حلق، فقال له مالك: أبطهر واحد؟ فقال: لا، انقلبنا فنمنا، قال: بئس ما صنعتم، وأرى أن تهدي هديا.
ولو ذكرت ذلك وأنت بمكة رأيت أن تعيد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ولو كنت فعلت بطهر واحد أجزأ عنك، وإنما يكون ذلك إذا كان الشيء قريبا.
فقيل له: أفرأيت إن كان ذكر ذلك وهو بمكة بعد أن حلق؟ فقال: كنت أرى أن يعيد الطواف والركعتين والسعي بين الصفا والمروة ويحلق رأسه.
قيل له: إنه قد حلق رأسه أفيعيد الحلق؟ فقال: نعم يحلق أيضا.
قال محمد بن رشد: وعليه إذا ذكر بالقرب فأعاد الطواف والسعي والحلاق الدمُ لمكان الحلاق، ولو ذكر بالقرب قبل أن يحلق فأعاد لم يكن عليه شيء.
وقوله: إنما يكون ذلك إذا كان الشيء قريبا، يريد: وإنما تكون الإعادة
إذا كان وضوؤه قد انتقض، ولو لم ينتقض وضوؤه لم يكن عليه إعادة على هذه الرواية، قرب أو بعد، خلاف ما مضى في سماع ابن القاسم في رسم حلق المتكرر في موضعين.
مسألة: المحرمة تغطي وجهها
مسألة وسئل: عن المرأة المحرمة تغطي وجهها، فقال: إن كانت تغطيه من حر أو من شيء [فلا] ، وإن كانت رأت رجالا فغطت وجهها تريد بذلك الستر فلا أرى بذلك بأسا، وأرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، فإن غطت لغير الستر فعليها الفدية؛ لأن إحرام المرأة في وجهها.
واختلف إن غطى الرجل وجهه هل عليه الفدية أم لا، على قولين، لما جاء في ذلك عن عثمان بن عفان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
مسألة: يحرم في الثوب فيه لمعة من الزعفران
مسألة وسئل: عن الذي يحرم في الثوب فيه لمعة من الزعفران، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: يريد -والله أعلم- اللمعة تبقى فيه منه بعد غسله فاستخف اللمعة من ذلك بعد الغسل، ولا يستخف اللمعة منه دون الغسل؛ لأنه طيب، ولا جميعه بعد الغسل إلا أن يتغير بالمشق، على ما المدونة.
مسألة: رمى الجمرة آخر أيام الرمي ثم رجع إلى منى فأقام حتى الظهر
مسألة وسئل: عمن رمى الجمرة آخر أيام الرمي، ثم رجع إلى منى فأقام حتى الظهر، وقد كان أفاض يوم النحر أو بعده فلم يبق عليه شيء من أمر الحج، فقال: يصلي ركعتين، أهلُ منى كلهم على هذا.
قال محمد بن رشد: استخف هذا لما مضى عليه من عمل الناس، والاتباعُ للسلف رشدٌ وهدًى.
مسألة: يصيب الجراد وهو محرم
مسألة وسألته: عن الذي يصيب الجراد وهو محرم، أيكتفي بالذي جاء من الحديث أم يحكم عليه؟ قال: بل يحكم عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لقوله عز وجل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] ، مع ما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من قوله لكعب: تعال حتى نحكم في جرادة، سأله محرم عن قتلها فلم يحكم فيها وحده حتى حكم كعب معه.
مسألة: يحرم بالحج من مكة من أين يحرم
مسألة وسألته: عن الذي يحرم بالحج من مكة من أين يحرم؟ قال: من جوف المسجد الحرام.
[قيل: أفلا يحرم من بيته؟ فقال: بل يحرم من جوف المسجد الحرام.
قيل له: فيحرم من عند باب المسجد؟ قال: بل يحرم من جوف المسجد] .
قال محمد بن رشد: إنما لم ير أن يحرم من بيته؛ لأن السنة أن يكون الإحرام إثر صلاة نافلة في المسجد أقلها ركعتين، فإذا صلى في المسجد وجب أن يحرم من مكانه ولا يخرج إلى باب المسجد؛ لأن التلبية إنما معناها إجابة الله إلى بيته الحرام، فهو بخروجه من المسجد يزداد من البيت بعدا بخلاف الخروج من مسجد ذي الحليفة أو غيره من مساجد المواقيت؛ لأنه بخروجه منها إلى أبوابها يزداد من البيت قربا؛ فهذا وجه لقوله صحيح من جهة المعنى.
مسألة: عن المحرم أيصيد الثعلب أو الذيب
مسألة وسألته: عن المحرم أيصيد الثعلب أو الذيب؟ قال: لا، ثم قال: والله ما أدري أعلى هذا أصل رأيك أم تتجاهل بصيد المحرم؟ قلت له: ما أتجاهل ولكني ظننت أن تراه من السباع.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في الحج الثاني والسلم الثالث من المدونة في الثعلب قد نص فيهما أن المحرم لا يقتل شيئا من السباع التي لا تعدو ولا تفترس [كالهر والضبع والثعلب، وأما الذيب فجعله هاهنا ممن لا يعدو ولا يفترس] كالثعلب، وجعله ابن حبيب مما يعدو ويفترس كالأسد والنمر [والفهد] داخلا في اسم الكلب العقور التي أباح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتله في الحل والحرم.
وقول ابن حبيب صحيح على ما يعرف من
حال الذياب عندنا، ولعلها في المشرق على خلاف ذلك لا تعدو ولا تفترس، [إذ لا اختلاف في أن الثعلب والذيب من السباع ويجوز للمحرم قتلها كالثعلب] . واختلف في صغار ما يعدو ويفترس، فقيل: إن قتلها محظور تودى إن قتلت وهو قول أشهب؛ وقيل: إن قتلها مكروه لا تودى إن قتلت، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وقول ابن حبيب في الواضحة، وقيل: إن قتلها جائز، روي ذلك عن أشهب، وقوله: ولكن ظننت أن تراه من السباع، يريد من السباع التي تعدو وتفترس ويجوز للمحرم قتلها، إذ لا اختلاف في أن الثعلب والذيب من السباع.
مسألة: حديث والمروة منحر وكل فجاج مكة منحر وطرقها منحر
مسألة وسئل: عن قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العمرة: «والمروة منحر، وكل فجاج مكة منحر، وطرقها منحر» ، أرأيت من كان معه هدي واجب يسوقه في عمرة قلده وأشعره وأصابه عطب في الطريق فنحره، قال: هذا لا يجزئ عنه، قيل له: إنه نحره في الحرام، قال: لا يجزئ عنه، وحد ذلك عندي [في] الذي يجزئ عنه والذي قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فيما أرى بيوت مكة، قال: حيث البنيان، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وكل طرقها منحر، فهذه طرق مكة وليس بالصحارى» . وقلت له: أرأيت إن نحره في الحرام قبل أن يدخل مكة أو عند ثنية المدنيين؟ قال: ما أراه مجزئا عنه، ألا ترى قول الله عز وجل: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ، وقد نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
هديه بالحديبية في الحرم.
قلت له: نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحرم، قال: سمعت ذلك، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه يوم الحديبية: «احلقوا وانحروا، فأبطئوا، فذكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأم سلمة فقالت: يا رسول الله فلو فعلت أنت ذلك، ففعل رسول الله ففعلوا»
قال محمد بن رشد: قوله: وقد نحر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ هديه بالحديبية في الحرم، معناه: نحر هديه في الحرم إذ كان في الحديبية؛ لأن الحديبية في الحل، لكنه لم يكن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ممنوعا من دخول الحرم، فبعث هديه من الحديبية إلى الحرم ينحر به على ما روي، فصحت بذلك لمالك حجة لما ذهب إليه من أن محل الهدي من الحرم مكة القرية نفسها ومنى، [لا] جميع الحرم، لقوله عز وجل: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ، وهو قد نحر بالحرم إذ لم ينحر بمكة حيث بنيان القرية.
وقد ساق ابن أبي زيد هذه الرواية في النوادر سياقة فاسدة غير صحيحة على ما تأوله فيها، فقال: وروى أشهب عن مالك في العتبية أن الحديبية في الحرم.
ومن صد عند مالك قبل أن يبلغ الحرم حل وحلق رأسه ونحر هديه حيثما كان، إذ لا فرق عنده في النحر بين الحل والحرم ما لم يبلغ بيوت مكة أو منى.
وقد قيل: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إنما نحر بالحديبية في الحل لا في الحرم.
وذهب أبو حنيفة إلى أن من صده عذر عن الوصول إلى الحرم لا يجوز له أن ينحر هديه إلا بالحرم، على ما روي من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ نحر في الحرم.
قال من احتج له: وكيف يجوز أن ينحر في غير الحرم،
والله عز وجل يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] ، وأغفل قوله عز وجل: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] فلا وجه لقوله.
مسألة: المحرم أيحضر التزويج
مسألة وسألته: عن المحرم أيحضر التزويج؟ قال: لا ينبغي ذلك.
قال محمد بن رشد: إنما كره له ذلك مخافة أن يتذكر أمر النساء فيتراقى به الأمر إلى ما يفسد حجه أو ينقص أجره، فإن حضر وسلم فقد أساء ولا شيء عليه، قاله أصبغ في كتاب محمد.
مسألة: نكاح المحرم بعد رمي الجمرة والعقبة
مسألة وسألته: عن نكاح المحرم بعد رمي الجمرة والعقبة، قال: أرى أن يفسخ نكاحه.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح على مذهبه في أن المحرم لا يجوز له النكاح؛ لأنه لم يخرج من إحرامه بعد، إذ بقي عليه الإحرام في النساء والطيب والصيد حتى يطوف بالبيت.
مسألة: البقر إذا لم يكن لها أسنمة تقلد ولا تشعر
مسألة [قال مالك] : والبقر إذا لم يكن لها أسنمة تقلد ولا تشعر في رأيي.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، ومثله في المدونة.
وحكى ابن حبيب عن ابن عمر وابن شهاب أنها تشعر وإن لم يكن لها أسنمة.
وقول مالك أظهر لأنه إنما لم يثبت في إشعارها أثر، فلا ينقاس منها على الإبل إلا ذوات الأسنمة، إذ الإشعار إنما هو في السنام.
مسألة: الذي يتذكر حتى نزل الماء الدافق في الحج
مسألة وسئل: عن الذي يتذكر حتى نزل الماء الدافق، قال: ليس عليه حج قابل ولا عمرة عليه، وعليه أن يهدي بدنة ويتقرب إلى الله بكل ما استطاع من الخير.
قال محمد بن رشد: رواية ابن القاسم عن مالك في رسم اغتسل أصح من هذه، وقد مضى من القول هناك على ذلك ما فيه كفاية.
مسألة: قتل الصيد في حرم رسول الله صلى الله عليه
مسألة وسألته عمن قتل الصيد في حرم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، أعليه جزاء؟ قال: لا يتعمد لقتله، فإن قتله فلا جزاء عليه، وكل شيء وسنته، ومن مضى أعلم ممن بقي، ولو كان هذا لسنوا فيه، والصيد فيه ثقيل ثم ثقيل.
قال محمد بن رشد: حرم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ما بين لابتي المدينة بريدا في بريد قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها» .. واختلف أهل العلم فيمن صاد فيها صيدا، فمنهم من أوجب عليه فيه الجزاء كحرم مكة سواء، وهو قول ابن أبي ذيب، حكاه الأبهري في
كتابه، وبذلك قال ابن نافع، وإليه ذهب عبد الوهاب، ومنهم من ذهب إلى أن من صاد فيه حل سلبه لمن وجده.
روي أن سعد بن أبي وقاص وجد عبدا لقوم يصيد في حرم المدينة فأخذ سلبه، فأتاه قوم فكلموه في أن يرد عليهم سلبه فأبى وقال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لما حد حرم المدينة قال: «من وجد من يصيد فيه فله سلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله، ولكن إن شئتم غرمت لكم سلبه فعلت» . وذهب مالك إلى أن الصيد فيه أخف من الصيد في حرم مكة، فلم ير على من صاد فيه إلا الاستغفار والزجر من الإمام.
قيل له: فهل يؤكل الصيد يصاد في حرم المدينة؟ قال: ما هو مثل ما يصاد بحرم مكة، وإني لأكرهه، فروجع فيه فقال: لا أدري، ومن الدليل لقول مالك على أن الصيد في حرم المدينة ليس كالصيد في حرم مكة، ما روي عن عائشة أنها قالت: «كان لآل رسول الله صلى عليه وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قد دخل ربض فلم يترمرم كراهيته أن يوذيه» . وما روي عن أنس بن مالك قال: «كان لأبي طلحة ابن من أم سليم يقال له أبو عمير، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يضاحكه فدخل يوما فرآه حزينا، فقال: ما شأن أبي عمير؟ فقيل: يا رسول الله مات نغيره، فقال: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟» ، ومثل هذا لا يباح في حرم مكة.
مسألة: رفع الصوت بالتلبية
مسألة قال أشهب: قلت لمالك: فرفع الصوت بالتلبية؟ قال: نعم يرفع صوته بالتلبية، ولا أرى أن يصيح جدا حتى يعقر حلقه، ووسط من ذلك يجزيه إن شاء الله، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
«أمرني جبريل أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» . قال محمد بن رشد: وهذا كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنه ليس عليه أن يصيح بالتلبية جدا حتى يعقر حلقه، إذ ليس في الحديث أن يصيح بالتلبية بأعلى صوته، وإنما فيه أن يرفع بها صوته، فيجزيه من رفع صوته بها ما يكون إذا فعله يسمى رافعا لصوته، ولا يعارض الأمر برفع الصوت بالتلبية ما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دنا من المدينة رفع الناس أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أيها الناس ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون بينكم وبن أعناق أكتافكم "؛» لأن هذا في غير الحج، وشأن الحج رفع الصوت فيه بالتلبية لأنها شعاره، وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي الحج أفضل؟ قال: " العج والثج» ، فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج نحر البدن "، فبان الحج في رفع الصوت بالتلبية فيه عما سواه.
مسألة: قتل الحمار الوحشي وهو محرم
مسألة وسألته: عن الحمار الوحشي، فقال: فيه بقرة، قلت له: أترى أن يودونها قبل أن يحكم عليه بها؟ قال: لا، بل أرى أن يذهب حتى يحكم عليه ببقرة، وأرى في بقرة الوحش بقرة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة وغيرها، فإنما قال في الحمار الوحشي بقرة؛ لقول الله عز وجل: فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قرأه الكوفيون: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] بتنوين الجزاء ورفع مثل، وقرأ المدنيون بإسقاط التنوين، وخفض "مثل" على الإضافة والقراءتان راجعتان فيما يوجب الحكم إلى شيء واحد وإن اختلف المعنى فيهما لأنه يجب عليه فيما قتل على قراءة الكوفيين مثله من النعم جزاء، ويجب عليه فيما قتل على قراءة المدنيين مثل مثله من النعم؛ لأن الجزاء هو المثل، واختلف في المثل فقيل مثله في الهيئة والخلقة أن يشبه النعم به في ذلك، وقال في المدونة: مثله في النحو والعظم أي أقرب النعم إليه في ذلك.
وإنما قال: إنه لا يؤدي البقرة حتى يحكم عليه بها لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] .
مسألة: الذي يفسد حجه بإصابة أهله فيحجان من عام قابل متى يفترقان
مسألة وسألته: عن الذي يفسد حجه بإصابة أهله فيحجان من عام قابل متى يفترقان؟ قال: إذا أحرما.
قيل له: ولا يؤخران ذلك حتى يأتيا الموضع الذي أفسدا فيه حجهما؟ فقال: لا، وهذا الذي سمعت.
قلت له: فما ترى افتراقهما، أيفترقان في البيوت أم في المناهل لا يجتمعان في منهل؟ فقال: لا يجتمعان في منزل، ولا يتسايران ولا في الجحفة ولا بمكة ولا بمنى.
قال محمد بن رشد: من أهل العلم من قال إنه يفرق بينهما إلى عام قابل، وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسعيد بن المسيب: لا يفترقان حتى يحرما بالحج من عام قابل، وبهذا أخذ مالك، والوجه في ذلك مخافة أن
يكون اجتماعهما ذريعة إلى فساد حجهما مرة أخرى.
مسألة: الذي يفسد حجه وهو قارن بإصابة أهله فلا يجد هديا
مسألة وسئل: عن الذي يفسد حجه وهو قارن بإصابة أهله فلا يجد هديا، فقال: يصوم ستة أيام في الحج وأربعة عشر يوما إذا رجع إلى أهله.
قيل له: يقرن بين ستة؟ قال: يصوم ثلاثة ثم يفطر إن شاء ثم يصوم ثلاثة أيام بعد ذلك، وذلك في الحج يصومها ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، وإنه ليستحب أن يؤخر ذلك رجاء أن يجد هديا.
قال محمد بن رشد: أما قوله: إنه يصوم ستة أيام في الحج وأربعة عشر يوما إذا رجع فمعناه إذا كان قد أهدى هدي قران الحج الذي كان أفسد حينئذ؛ لأنه لا يسقط عنه بإفساده، ولو كان لم يهده لكان عليه ثلاث هدايا بإجماع في المذهب، يصوم عنهن إن لم يجد هديا تسعة أيام في الحج وأحدا وعشرين يوما إذا رجع.
وقد مضى القول على هذا في رسم مرض من سماع ابن القاسم.
وأما قوله: أن يصوم ثلاثة ثم يفطر إن شاء، ثم يصوم ثلاثة أيام بعد، فظاهره أنه يلزمه أن يتابع كل ثلاثة أيام منها وهو خلاف مذهب مالك في المدونة مثل قول ابن حبيب، وقال ابن وهب: يفرد صوم كل هدي فيصوم ثلاثة ثم سبعة، ولا يفرق بين الثلاثة والسبعة، وهذا على القول بأن له أن يصوم السبعة الأيام في الحج.
وقول مالك على أنه لا يجوز له أن يصومها في الحج، ولذلك قال: إنه يتابع الستة الأيام عن الهديين؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لصام الثلاثة الأيام عن الهدي الثاني في غير الحج، فقف على ذلك.
وأما قوله: إنه يصومها ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فالاختيار أن يصوم السادس والسابع والثامن ولا يصوم يوم عرفة ليقوى على الدعاء، فإن لم يصم السادس فيصوم السابع والثامن والتاسع وهو يوم عرفة، ولا ينبغي له أن يؤخر عن ذلك، فإن لم يصم
السابع صام الثامن والتاسع وأفطر يوم النحر وصام يوما من أيام التشريق على مذهب مالك في المدونة في إجازة تفرقة الثلاثة الأيام.
وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب، وهو ظاهر هذه الرواية لا يصوم حتى يذهب يوم النحر فيصوم بعده ثلاثة أيام متتابعات.
وأما قوله: وإنه ليستحب أن يؤخر ذلك رجاء أن يجد هديا، فلا يخلو أمره من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون يائسا من أن يجد هديا قبل يوم النحر بثلاثة أيام، فهذا له أن يصوم ولا يستحب له التأخير، فإن صام ثم وجد هديا من حيث لم يكن ظن به لم يجب عليه الهدي.
والثاني: أن يكون يعلم أنه يجد الهدي قبل يوم النحر بثلاثة أيام، فهذا لا يصوم، وإن صام لم يجزه صيامه ووجب عليه الهدي.
والثالث: أن يكون شاكا في وجود الهدي فهذا هو الذي يستحب له أن يؤخر رجاء أن يجد الهدي، فإن صام ثم وجد الهدي أجزأه صيامه ولم يكن عليه أن يهدي على مذهب ابن القاسم، ولم يجزه على مذهب ابن حبيب ووجب عليه الهدي، وهذا على اختلافهم في الذي يصلي بالتيمم ولا علم له بالماء ثم يجد الماء في الوقت.
مسألة: الطائف بالبيت يمشي مشيه الذي كان يمشي أم يسرع
مسألة وسئل: عن الطائف بالبيت يمشي مشيه الذي كان يمشي أم يسرع؟ قال: إن أحب أن يسرع في مشيه فذلك له، وإن أحب أن يتأيد في مشيه فلا بأس بذلك، وربما أسرع الإنسان لحاجة عرضت له.
قال محمد بن رشد: قوله: أن له أن يسرع، معناه ما لم يبلغ إسراعه أن يكون خببا لئلا يكون قدر رمل الأشواط السبعة، وذلك مخالف للسنة.
مسألة: معتمران يهديان شاتين فيعدو كل واحد منهما على شاة صاحبه
مسألة وسئل: عن المعتمرين يهديان شاتين فيدخلان بعمرة فيعدو كل واحد منهما على شاة صاحبه فيذبحها عن نفسه وهو لا يعرف ذلك، قال: لا أرى ذلك يجزي عنهما، وأرى لكل واحد منهما على صاحبه قيمة شاته، ويشتري كل واحد منهما لنفسه شاة فيخرجها إلى الحل ثم يدخلها الحرم في عمرة، وإن لم يعتمر أجزأ عنه إن شاء الله ثم يذبحها.
ولو ذبح أحدهما شاة صاحبه عن نفسه لم أر ذلك يجزئ عنه، ورأيت أن يذبح شاته التي أوجبها ويغرم لصاحبه قيمة شاته فيشتري بها شاة فيخرجها إلى الحل ثم يدخلها الحرم فيذبحها، والشاة المذبوحة التي ذبحها وليست له شاة لحم لا تجزئ عن واحد منها ويشترى شاة فيذبحها.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إن من ذبح هدي غيره عن نفسه على سبيل الغلط إنه لا يجزئ عن واحد منهما.
وقال في المدونة: إنه يجزئ عن صاحبه لأنه قد وجب بالتقليد والإشعار.
وذهب محمد بن المواز وهو أحد قولي أشهب إلى أنه يجزئ عن ذابحه إذا أغرمه صاحبه فيه القيمة ولم يأخذ اللحم.
وأما الضحايا إذا أخطأ الرجل فيها فذبح أضحية غيره عن نفسه فلا تجزئ عن صاحبها باتفاق، واختلف هل تجزئ عن ذابحها إذا اغترمه ربها القيمة ولم يأخذ اللحم، فروى عيسى عن ابن القاسم في كتاب الضحايا أنها لا تجزئ عنه.
وقال محمد بن المواز: تجزئ عنه وهو قول أشهب، لم يختلف قوله في ذلك كما اختلف قوله في الهدايا.
وفرق ابن حبيب بين أن يأتي صاحبها واللحم قائم بيد الذابح، أو بعد فواته، فقال: إنه إذا جاء واللحم قائم بيده فلا يجزيه وإن
أغرمه القيمة؛ لأنه قد كان له أن يأخذ اللحم إن شاء، وهو قول حسن له حظ من النظر يدخل بالمعنى في مسألة الهدايا، فيأتي فيه أربعة أقوال.
فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة، وأصح ما في ذلك أنه لا يجزئ في الهدايا عن واحد منهما، لا عن صاحبه لأنه قد نحره غيره عن نفسه فلم يكن له هو نية في نحره، ولا يجزئ عمل بغير نية لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الأعمال بالنيات» ، ولا عن الذي نحره؛ لأنه قد وجب هديا لغيره بالتقليد والإشعار؟ وأن يجزئ في الضحايا عن الذابح إذا أغرمه ربها القيمة ولم يأخذ اللحم، كما لو أعتق رقبة عن ظهار عليه فاستحقت فأجاز ربها البيع وأخذ الثمن.
وتفرقة ابن حبيب بين أن يضمنه القيمة واللحم قائم أو غير قائم استحسان، وبالله تعالى التوفيق.
جلال البدن أحب إليك أن تشق على الأسنمة أم لا
ومن كتاب الحج وسئل: عن جلال البدن أحب إليك أن تشق على الأسنمة أم لا؟ قال: إن ذلك لمن أمر البدن أن يشق الجلال عن أسنمتها، وذلك يحبسه عن أن يسقط، وما علمت أن أحدا كان يدع ذلك إلا عبد الله بن عمر فإنه لم يكن يشق، ولم يكن يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات فيجللها.
قال مالك: وذلك أنه كان يجلل الجلل [المرتفعة] والأنماط المرتفعة.
قيل: وإنما كان يفعل ذلك استبقاء للثياب، قال: نعم إنه كان يدع ذلك استبقاء للثياب عندي، فأحب إلي إذا كانت الجلل مرتفعة أن يدع ذلك ولا يشق منها شيئا، وإن
كانت ثيابا دونا، فشقها أحب إلي وذلك من أمر الناس في البدن ومما تعرف به، وأرجو أن يكون ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: ليس التجليل بواجب في الهدايا كالتقليد والإشعار، لكنه مما يستحب العمل به، [ومما يستحب] ، ومن الاستحباب فيه إن كانت الجلال مرتفعة أن لا يشق عن الأسنمة وأن يؤخر تجليلها إلى عند الغدو من منى إلى عرفة كما جاء عن عبد الله بن عمر، وقد روي عنه أنه كان يجلل بدنه من ذي الحليفة بالرباط وكان يشقها عن الأسنمة ويعقد أطرافها على أذنابها عن البول، وينزعها عنها في المناهل لئلا يفسدها بالتمرغ، فإذا غدا من منى إلى عرفة جللها بالجلال والقباطي والأنماط المرتفعة، فإذا انصرف بها إلى منى يوم النحر نزع جلالها قبل أن يصيبها دمها، ثم يبعث بها إلى الكعبة، فلما كسيت الكعبة هذه الكسوة قصر في الجلال واقتصر على الرياط، وكان يتصدق بها.
وهذا مستحب في الفعل لأهل السعة والطول.
مسألة: أتخرج المرأة تريد الحج مع ختنها
مسألة وسمعته يسأل: أتخرج المرأة تريد الحج مع ختنها؟ قال: تخرج مع جماعة الناس.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه لم ير أن تخرج مع ختنها دون
جماعة الناس؛ لأنه ليس من ذوي محارمها، إذ قد كانت له حلال قبل أن يتزوج ابنتها.
ومثل هذا في سماع ابن القاسم من كتاب النكاح كراهية السفر للرجل مع زوجة أبيه أو ابنه.
وحمل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» على السفر المباح والمندوب إليه دون السفر الواجب، بدليل إجماعهم على أن المرأة إذا أسلمت في بلاد الحرب لزمها أن تخرج إلى بلد الإسلام وإن لم يكن معها ذو محرم منها، فأوجب على المرأة الحج وإن لم يكن لها ذو محرم يحج بها خلافا لأهل العراق في قولهم: إن فرض الحج منسقط عنها بعدم ذي المحرم في محله، وقول مالك أصح؛ لأنه يخصص من عموم الحديث الهجرة من بلاد الحرب بالإجماع، ويخصص [حج] الفريضة بالقياس على الإجماع، وذلك بين على أصولهم في وجه القياس.
أيستظل المحرم في محمله
ومن كتاب الحج وسئل: أيستظل المحرم في محمله؟ قال: لا، قيل: أفتستظل المرأة؟ قال: نعم، تستظل هي تلبس الخمار والثياب.
قيل له: أيستظل الرجل إذا كان عديلها؟ فقال: لا، قيل له: أفيضحى هو وتستظل هي؟ قال: نعم.
قيل له: أفيستظل المحرم تحت المحمل وهو سائر؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: أجمع أهل العلم على أن الرجل المحرم لا يجوز له
أن يغطي رأسه في إحرامه، وأجمعوا على أنه يجوز له أن يستظل وهو نازل بالأرض في مثل القبة والفسطاط، على ما جاء في الحديث: من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر في غدوه من منى بقبة تضرب له من عرفة بنمرة» . واختلفوا: هل يجوز له أن يستظل في محمله أو هو سائر بشيء يرفعه على رأسه، فمنهم من أجاز ذلك له قياسا على جواز الاستظلال له في الأرض.
وذهب مالك إلى أن ذلك لا يجوز له قياسا على تغطية رأسه، ورأى عليه الفدية إن فعل ذلك كتغطية رأسه سواء، ولم يراع الاختلاف في ذلك، فعلى هذا يأتي قوله في هذه الرواية: إنه لا يجوز له أن يستظل في المحمل وإن كان عديلا للمرأة أو المريض بظل يعمل عليه لهما.
وقد روي عن مالك: أنه راعى الاختلاف في ذلك، فاستحسن الفدية لمن استظل في محمله من غير ضرورة، ولم يوجبها عليه، وأجاز له الاستظلال فيه ابتداء إذا اضطر إلى ذلك بكونه عديلا للمرأة فيه أو للمريض، وقع ذلك له في كتاب ابن شعبان، وأجاز له أن يستظل تحت المحمل، وهو سائر؛ لأنه يسير، إذ لا يمكنه إدامة المشي تحته أبدا.
مسألة: الرجل يقدم مكة بالجارية يريد بيعها فتناشده الله أن يدعها تحرم
مسألة وسئل: عن الرجل يقدم مكة بالجارية يريد بيعها فتناشده الله أن يدعها تحرم، قال: يفعل، فقيل له: إن ذلك يغيرها وينقص من ثمنها، فهل عليه شيء إن منعها، قال: خير لك ألا تمنعها.
قال محمد بن رشد: هذا مما لا إشكال فيه أنه خير له أن لا يمنعها لأنه يؤجر في ذلك، فإذا استسهل نقصان ثمنها في جانب ما يدخل عليه من الأجر في إحرامها فقد فعل ما هو خير له، وإن لم يفعل فلا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
مسألة: قارن ساق معه الهدي فوقف بعرفة ثم ضل هديه يوم النحر
مسألة وسئل: عن قارن ساق معه الهدي فوقف بعرفة ثم ضل هديه يوم النحر أيحل يوم النحر قبل أن يبدل هديه الذي ضل منه؟ قال: نعم يحل قبل أن يبدله، أرأيت لو مات هديه فإن هذا يقول لعله يجده أليس يحل؟!
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه ساوى بين الذي ضل هديه يوم النحر وبين الذي مات هديه، وهما يفترقان في الاختيار؛ لأن الذي ضل هديه، وهو يرجو أن يجده يؤخر حلاق رأسه ما بينه وبين زوال الشمس ليقدم النحر قبل الحلاق، إذ هي السنة؛ لقوله عز وجل: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، فإذا خشي زوال الشمس حلق مخافة أن يؤخر إلى بعد الزوال فلا يجد الهدي فتفوته الفضيلتان جميعا الحلاق قبل الزوال والذبح قبل الحلاق، فليس الكلام على ظاهره؛ لأن فيه تقديما وتأخيرا.
وتقديره: قال: نعم يحل قبل أن يبدله، أرأيت لو مات هديه أليس يحل، ويبقى قوله، فإن هذا يقول لعل هذا يجده دون جواب، والجواب ما قدمناه من أنه يؤخر حلاق رأسه ما لم تزل الشمس.
وإنما تستوي المسألتان في أنه يحل يوم النحر ولا يؤخر حلاق رأسه ما لم تزل الشمس فيها جميعا إلى بعد يوم النحر، وإلى الإعلام بذلك قصد، إذ إنما سأله السائل عن الذي ضل هديه يوم النحر، فأخبر أنه يحل يوم النحر كما يحل الذي مات هديه، ولم يسأله في أي وقت من النهار يحل، ولو سأله عن ذلك لأمره أن يؤخر حلاق رأسه ما بينه وبين زوال الشمس، إن كان يرجو أن يجده كما قال في المدونة، فهذا بيان هذه المسألة.
مسألة: المحرم يغتسل أيجفف رأسه بثوب وهو محرم
مسألة وسئل: عن المحرم يغتسل، أيجفف رأسه بثوب وهو محرم؟ قال:
لا، ولكن يحركه بيده.
قال محمد بن رشد: إنما كره له ذلك مخافة أن يجففه بشدة فيقتل في ذلك دواب رأسه، ولو جففه برفق لا يخشى أن يقتل ذلك من دواب رأسه شيئا لم يكره ذلك له، والله أعلم.
مسألة: يدفع من عرفة حتى يأتي المزدلفة أيؤخر المغرب والعشاء
مسألة وسئل: عن الذي يدفع من عرفة حتى يأتي المزدلفة أيؤخر المغرب والعشاء حتى يحط رحله، أو يحط عن رحله بعد؟ قال: الرحل الخفيف فلا أرى به بأسا أن يبدأ به قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل فإن بدأ بها كان الذي يفوته من فضل الوقت المستحب أكثر من فضل إراحة الإبل من أحمالها، فلا أرى ذلك، وأرى أن يبتدئ بالصلاتين ثم يحط عن رحله.
قال محمد بن رشد: وجه هذه التفرقة بين؛ لأن الرحل الخفيف لا يفوته بالاشتغال به وقت الصلاة المستحب، فيبدأ به ليريح البعير من حمله فيؤجر بذلك، وأما المحامل والزوامل فإن بدأ بها كان الذي يفوته من فضل الوقت المستحب أكثر من فضل إراحة الإبل من أحمالها.
مسألة: المحرمة تقيم أياما ثم تريد أن تنظر إلى وجهها
مسألة وسئل: عن المحرمة تقيم أياما ثم تريد أن تنظر إلى وجهها، فقال: لا، فقيل له: أفتكرهه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك لها مخافة أن ترى شعثا فتصلحه، وقد مضى ذلك في رسم اغتسل.
مسألة: أيستظل المحرم بيده هكذا
مسألة وسئل: أيستظل المحرم بيده هكذا؟ قال: لا بأس بذلك،
ووضع يديه فوق حاجبيه يستر بهما وجهه.
قال محمد بن رشد: إنما استخف ذلك ليسارته كما استخف في أول هذا الرسم للرجل المحرم المشي تحت المحمل إذ لا يدوم ذلك، بخلاف الذي يرفع فوق رأسه ثوبا وشيئا يستظل به.
وله أن يرفع فوق رأسه شيئا يقيه المطر.
واختلف هل له أن يرفع فوقه شيئا يقيه من البرد، فوسع في ذلك مالك في رواية ابن أبي أويس عنه، [ولم ير ذلك له ابن القاسم في رواية عيسى عنه] في المدنية أيضا، وفي المدنية لمالك: أن المحرم له أن يستر وجهه بيده، وليس له أن يضعه على رأسه من شدة الحر.
مسألة: يطوف بالبيت فيطلع عليه الفجر فيخشى إقامة الصلاة قبل الفراغ من طوافه
مسألة وسئل: عن الذي يطوف بالبيت فيطلع عليه الفجر فيخاف أن تقام الصلاة قبل أن يفرغ من طوافه فلا يقدر أن يركع ركعتي الفجر، أترى أن ينصرف فيركعهما ثم يرجع فيبني على طوافه؟ قال: ما سمعت أحدا صنع [مثل] هذا.
قيل: ولا ترى أن يركعهما؟ قال: بلى، إن كان الطواف تطوعا فأرى أن يركعهما ثم يرجع فيبني على طوافه، وما أنا له بالنشيط، وما سمعت أحدا قطع الطواف، وماله دخل الطواف؟ فقيل له: إنما دخل قبل الفجر، فقال: لا ولكنه قد علم أن ذلك قد تقارب، قيل له: أفأحب إليك إذا خاف أن يطلع عليه الفجر قبل أن يقضي طوافه أن لا يدخل في الطواف وأن يجلس حتى يصلي؟ قال: نعم.
فقيل له: فإنه قد دخل في الطواف، قال: فأرى أن ينصرف فيركع ركعتي الفجر إذا كان في الطواف الذي ليس بواجب.
قال محمد بن رشد: الطواف بالبيت صلاة لا يكون إلا على طهارة إلا أنه أبيح فيه الكلام والشغل اليسير، فلا يصح لأحد أن يترك طوافه الواجب لشيء من الأشياء إلا إلى صلاة الفريضة، واستخف له أن يترك طواف النافلة لصلاة النافلة كما استخف له أن يترك الطواف الواجب لصلاة الفريضة، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل شيئا من ذلك، فلا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إذا خشي أن تقام الصلاة قبل أن يفرغ من طوافه ولا أن يدخل في طواف التطوع إذا خشي أن تفوته ركعتا الفجر إن أكمل طوافه.
مسألة: يفيض يوم النحر يوم جمعة فيفرغ من طوافه ويريد البقاء لصلاة الجمعة
مسألة وسئل: عن الذي يفيض يوم النحر في يوم جمعة فيفرغ من طوافه ثم يريد أن يقيم حتى يصلي الجمعة، قال: ما سمعته، فقال: أحب إليك أن يرجع إلى منى؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إنما استخف ذلك لأنها السنة من فعل «النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أفاض يوم النحر صدر النهار ثم رجع فصلى الظهر بمنى» . وقد روي أنه إنما أفاض آخر النهار.
وقد تقدم هذا في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم.
مسألة: المحرم يرى القملة في ثوبه
مسألة وسئل: عن المحرم يرى القملة في ثوبه أترى أن يأخذها فيضعها منه في موضع آخر؟ قال: أرجو ألا يكون بذلك بأسا، قيل له: فالمحرم يرى القملة في ثوبه أو جلده فيأخذها منه فيضعها في مكان آخر أو في الأرض؟ قال: ليس هكذا قلت؛
ولكن يأخذها فيضعها في موضع آخر من ثوبه أو جلده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن وضعها في الأرض بمنزلة القتل لها، إذ لا تعيش فيه لأنها ليست من دواب الأرض.
وأما إذا وضعها في موضع آخر من ثوبه أو جلده فهو كمن طرد صيدا في الحرم من موضع إلى موضع آخر ولم يخرجه منه فلا شيء عليه في ذلك.
مسألة: المحرم أيضع ثوبه على أنفه من رائحة الجيفة
مسألة وسئل: عن المحرم أيضع ثوبه على أنفه من رائحة الجيفة؟
قال: إني أرجو أن لا يكون به بأس.
قال محمد بن رشد: قوله إني لأرجو أن لا يكون به بأس كأنه يدل على أن الأحسن ألا يفعل ذلك، ولا معنى لاختيار ذلك، إذ ليس المحرم متعبدا باستنشاق الروائح القبيحة ولا له في ذلك قربة، وقد قال ابن القاسم في رسم حلف الأول من سماع ابن القاسم: إنه يفعل ذلك، فعبارته هناك أحسن من هذه.
مسألة: دعا في الطواف باللهم قني شح نفسي
مسألة وقال مالك: زعموا أن عبد الرحمن بن عوف اتبعه رجل في الطواف، أي حول البيت فرآه يكثر من قوله اللهم قني شح نفسي، فلما فرغ قال له الرجل: رأيتك تطوف فتقول: اللهم قني شح نفسي، فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] .
قال محمد بن رشد: رضي الله عن عبد الرحمن بن عوف، فإن الذي دعا به أحسن ما يدعى به؛ لأن فيه جماع الخير كله من بذل المال في ذات الله تعالى، وإتعاب الأنفس والجوارح في العبادات كلها من الصيام والصلاة والحج والجهاد وسائر أعمال الطاعات؛ لأن في تقصير العبد في شيء من ذلك إبقاء على نفسه وترفيها له عنها، فإذا لم يشح بنفسه وجسمه في ذلك بلغ الغاية في جميع الأعمال والعبادات، كما أنه إذا لم يشح بماله بذله لله في مرضاته.
مسألة: عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب وأن الله رفعه إليه
مسألة قال: وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما» ، قال مالك: أراد في رأيي ليجمعنهما.
قال محمد بن رشد: قد أعلم الله عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن عيسى ابن مريم ما قتل ولا صلب، وأن الله رفعه إليه، أخبر النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إخبارا وقع العلم به أنه سينزل في آخر الزمان حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد.
وفي بعض الآثار: فيهلك الله في أيامه الملل كلها، فلا يبقى إلا الإسلام، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، والغلمان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضا.
فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضا، ويشهد بصحته ما حكاه مالك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
مسألة: الحاج يدخل المسجد الحرام فيريد أن يبدأ بركعتين قبل الطواف بالبيت
مسألة وسئل: عن الحاج يدخل المسجد الحرام فيريد أن يبدأ بركعتين قبل الطواف بالبيت، قال: بل يبدأ بالطواف بالبيت أحب إلي.
قيل له: أيبدأ بالطواف بالبيت أحب إليك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إنما استحب ذلك لأن السنة من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث جابر أنه «لما أتى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البيت، استلم الركن فرمل ثلاثا ثم مشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، فجعل المقام بينه وبين القبلة وصلى ركعتين ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا، فقال: نبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا» .
مسألة: يترك استلام الركن فلا يستلمه حتى ينصرف
مسألة وسئل: عن الذي يترك استلام الركن فلا يستلمه حتى ينصرف، أعليه شيء أم لا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة.
ومن الدليل على أن استلامه ليس من واجبات الحج «قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعبد الرحمن بن عوف: كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن، فقال: أستلمت وتركت، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أصبت» .
مسألة: الذي يفوته الحج فيقيم على إحرامه ذلك إلى حج
مسألة وسئل: عن الذي يفوته الحج فيقيم على إحرامه ذلك إلى حج
قابل، أيكون عليه الهدي؟ قال: نعم، في رأيي يحتاط بذلك.
قلت له: فأحب ذلك إليك أن يقيم محرما على حجه أم يحل ويهدي قابلا؟ قال: بل أحب إلي أن يحل ويحج قابلا ويهدي.
قلت له: ذلك أحب إليك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: لم ير عليه في المدونة هديا إذا أقام على إحرامه فحج به من قابل، وهو القياس؛ لأن الهدي إنما أوجبه الله على من تمتع بالتحلل بالعمرة إلى الحج حيث يقول: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] معناه عند مالك أن يتمتع بالعمرة إلى الحج على ما بين تعالى بعد ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: 196] ... الآية، فالهدي الأول هو الثاني عنده، عند غيره من أهل العلم الهدي الأول يحل له به حلق الشعر ولبس الثياب بموضعه إذا وصل الهدي إلى مكة فنحر بميعاد يضربه له، والهدي الثاني يجب عليه إذا تحلل بعمرة فحل من جميع إحرامه قبل العام المقبل، فلا وجه للاحتياط للهدي إذا لم يتحلل بعمرة وبقي على إحرامه إلى قابل فحج به إلا مخافة أن يكون لطول الإحرام لم يخلص مما يوجب عليه الفدية بالصيام أو الصدقة أو النسك، فرأى في ذلك الهدي احتياطا لأن من قلد النسك وجعله هديا لم يضره ذلك، فمن الاحتياط على هذا أن لا يأكل منه، ووجه استحسانه أن يتحلل بعمرة ولا يبقى على إحرامه الأخذ بالرخصة والتخفيف وترك التشديد على نفسه؛ لأن بقاءه على إحرامه إلى عام آخر أمر شاق شديد، فكرهه له كما كره الاعتكاف مخافة ألا يفي بالواجب عليه في ذلك لشدته، وكما نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الوصال لشدته.
مسألة: في البيت الحرام أيركع في أي نواحي البيت شاء
مسألة وسئل: عن الركوع في البيت الحرام أيركع في أي نواحي البيت شاء مستقبلا المشرق والمغرب؟ قال: لا بأس بذلك.
ثم قيل له أيضا بعد: أيصلي المرء في البيت إلى أي ناحية شاء؟ قال: لا، بل أحب إلي أن يجعل الباب خلف ظهره ثم يصلي في أي نواحيه شاء إذا جعل الباب خلف ظهره واستقبل بوجهه فصلى تلقاء وجهه، وهو الوجه الذي صلى إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو الوجه الذي يصلي إليه الأئمة ويؤمه أهل منى.
قيل له: ولا يصلي إلى أي نواحيه شاء؟ قال: لا أنهى عنه، وأحب إلي أن يجعل الباب خلفه، وكذلك فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال محمد بن رشد: من صلى في داخل البيت فهو مستقبل لبعض البيت مستدبر لبعضه كيفما صلى، فلذلك رأى مالك أولا أن يصلي فيه إلى أي نواحيه شاء، إذ لا فرق بين ذلك في النظر، ثم استحب بعد ذلك أن يصلي فيه إلى الناحية التي جاء أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إليها من غير إيجاب.
مسألة: يصل مكة عشية عرفة قبل الغروب أيجمع بين الصلاتين
مسألة وسئل: عن الذي يأتي عشية عرفة قبل الغروب مكة فيخرج يريد عرفة فتغرب عليه الشمس أيصلي مكانه أم يؤخر الصلاة حتى يقف بعرفة وينصرف إلى المزدلفة؟ فقال: ما له يؤخر؟ لا، بل يصلي كل صلاة لوقتها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السنة في جمع الصلاتين إنما هي لمن دفع من عرفة إلى المزدلفة لا لمن كان سائرا إلى عرفة.
مسألة: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما
مسألة وسألته: عن قول عبد الله بن عباس من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما، أليس ترى هذا هديا؟ فقال لي: منه ما يكون هديا ومنه ما يكون دما ليس بهدي، فما كان من فدية الأذى فكان دما، وما كان من هذا الآخر فهو هدي.
فقلت له: وما يكون منه هدي مما ليس بهدي؟ فقال لي: أما ما كان من وجه الفدية مثل نتف الشعر وما أشبهه، فإن ذلك إذا كان دما ليس بهدي وإنما هو الفدية، وأما ما كان منه نقصا للحج مثل أن ينسى رمي الجمار أو ينسى أو يترك من أمور الحج ففي ذلك الهدي، كل دم أمر به في ذلك فهو هدي.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - لحديث ابن عباس بعيد من ظاهره؛ لأنه إنما قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فلا مدخل في ذلك للفدية، وإنما هو الهدي؛ لأن الفدية إنما هي فيما يفعل المحرم مما أمر باجتنابه من لبس الثياب وحلق الشعر وإلقاء التفث، لا لمن ترك شيئا من مناسك الحج التي أمر بها، ألا ترى أن من حلق رأسه افتدى، ومن ترك حلق رأسه أهدى؛ لأنه في حلق رأسه فعل ما أمر باجتنابه، وفي ترك حلق رأسه ترك ما أمر به من نسكه، وهذا بين.
والفرق بين الدم لفدية الأذى وبين الهدي أن الدم لفدية الأذى لا يقلد ولا يشعر، ومن شاء قلده وأشعره، ولا يوكل منه بحال ويذبحه حيثما شاء من البلاد، وهو مخير فيه بين الصيام والإطعام والدم.
والهدي يقلد ويشعر ويجمع فيه بين حل وحرم ولا ينحر إلا بمكة أو بمنى، ويوكل منه تطوعا كان أو واجبا إذا بلغ محله، إلا أن يكون نذره للمساكين أو يكون هدي جزاء صيد، ولا
يجزئ عنه الإطعام بحال ولا الصيام، إلا أن لا يجد الهدي فيصوم عشرة أيام، الثلاثة منها في الحج في هدي التمتع والقران باتفاق، وفيما سوى ذلك على اختلاف قد مضى تحصيله في رسم حلف الأول من سماع ابن القاسم.
مسألة: الذي يمسك بيد امرأته وهو محرم
مسألة وسئل: عن الذي يمسك بيد امرأته وهو محرم، فقال: رب رجل، فقيل: رب رجل ماذا؟ فقال: إذا أمن على نفسه ولم يخف شيئا فلا أرى بذلك بأسا.
قد كان سالم بن عبد الله يسافر هو وامرأته جميعا إلى الحج هي على راحلة وهو على أخرى ويمر به الناس فيسلمون عليه وهي معه.
قال محمد بن رشد: أباح له هاهنا أن يمسك بيد امرأته إذا أمن على نفسه ولم يخف شيئا في ذلك، أي إذا أمن على نفسه أن يلتذ بذلك، إذ لا يباح له الالتذاذ بشيء من امرأته بخلاف الصيام.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يمسها ولا يقربها إلا أن يلجأ إلى ذلك، إذ ليست تستطيع الركوب، وهذا أظهر؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يتلذذ بشيء من امرأته فلا يأمن الالتذاذ في ذلك، وإن أمن ما وراءه، من الإنعاظ والمذي.
مسألة: طاف قبل الفجر سبعا ففرغ منه بعد الفجر وخاف أن تقام الصلاة
مسألة وسئل: عمن طاف قبل الفجر سبعا ففرغ منه بعد الفجر وخاف أن تقام الصلاة أيبدأ بركعتي الطواف أم ركعتي الفجر؟ قال: يبدأ بركعتي الطواف.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول رسم اغتسل من سماع ابن القاسم.
مسألة: طاف بالبيت فأقيمت صلاة العصر قبل إتمامه طوافه
مسألة وسئل: عمن طاف بالبيت فأقيمت صلاة العصر قبل إتمامه طوافه، فقال: يقطع الطواف ويدخل مع الناس في الصلاة، فإذا قضى صلاته قام فبنى على طوافه حتى يتم سبعا.
قيل له: ويؤخر الركعتين حتى المغرب أو يركعهما من ساعته حتى يتم طوافه؟ قال: لا بل يؤخر ركعتي الطواف إلى المغرب ولا يركعهما حين يفرغ من طوافه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف يدخل مع الإمام في الصلاة ثم يبني على طوافه، هو قول مالك في الموطأ والمدونة، وفي هذا الرسم قبل ذلك، فلا اختلاف أعلمه في ذلك.
وقال: إنه يؤخر الركعتين بعد العصر إلى المغرب، فظاهر قوله إنه يبدأ بهما قبل صلاة المغرب، قال في الموطأ: فإن أخرهما حتى صلى المغرب فلا بأس بذلك، وخيره في ذلك في رسم أوله صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك هناك، وهذا أظهر.
تم سماع أشهب، والحمد لله وحده.
مسألة: دخل فحج فطاف وسعى ثم أحصر حتى فاته الحج
من سماع عيسى بن دينار من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وقال ابن القاسم فيمن دخل فحج فطاف وسعى ثم أحصر حتى فاته الحج، قال: يطوف ويسعى مرة أخرى ولا يخرج إلى الحل.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يطوف ويسعى مرة أخرى؛ لأن طوافه الأول وسعيه إنما كان للحج قبل أن يحصر، فلا بد له من طواف وسعي ليحل به من إحرامه إذ لا يتحلل منه إلا بعمرة، لقوله عز وجل:
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وإنما قال: إنه لا يخرج إلى الحل؛ لأن إحرامه الأول إنما كان من الحل فليس عليه أن يعود [إلى الحل مرة أخرى] .
مسألة: قالت له ائذن لي أحج معك وأنا أعطيك مهري الذي لي عليك
مسألة وسئل: عن رجل قالت له امرأته وكان صرورة: ائذن لي أن أحج معك وأنا أعطيك مهري الذي لي عليك، فقبل وتركها تحج، قال: يلزمه المهر؛ لأنه كان يلزمه أن يأذن لها أن تحج، وقد بلغني ذلك عن ربيعة.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر الدمياطي عنه: وذلك إذا لم تعلم أنه كان يلزمه أن يأذن لها.
وأما إذا علمت فذلك لازم لها؛ لأنها أعطته مالها طيبة بذلك نفسها.
وقوله هذا مفسر لهذه الرواية لأنها إذا علمت أنه يلزمه الإذن لها فإنها أعطته مالها على أن يأذن لها طيب النفس راضيا بذلك غير معاتب لها على ذلك.
وقد قال في الحج الثالث من المدونة: إنها إذا أحرمت بغير إذن زوجها وهي صرورة فحللها زوجها من حجتها ثم أذن لها فحجت أجزأها ذلك عن حجة الفريضة وعن التي حللها منها زوجها، فإن ذلك على أنه لا يلزمه أن يأذن لها، إذ لو لزمه ذلك لما كان له أن يحللها، إلا أن معنى ذلك عندهم إذا أحرمت دون الميقات أو قبل أشهر الحج، فعلى هذا لو أعطته مهرها على أن يأذن لها في الخروج إلى
الحج قبل أشهر الحج، أي قبل وقت خروج الحاج من هذا البلد للزمها ذلك، ولم يكن لها أن ترجع فيه، إذ لا يلزمه الإذن لها بالخروج في ذلك الوقت.
ولو أعطته مهرها على أن يحجها لم يجز له لأنه فسخ دين في دين.
قاله ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب السلم والآجال، وفي سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات ما يعارض ذلك، فقف عليه وتدبره، وبالله التوفيق.
يأتي عرفة وقد طلع الفجر من يوم النحر
ومن كتاب أوله استأذن سيده وسئل ابن القاسم: عن الذي يأتي عرفة وقد طلع الفجر من يوم النحر، قال: يرجع على إحرامه إلى مكة وينوي بها عمرة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر ويحل ويرجع إلى بلاده ويحج قابلا ويهدي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه.
والأصل في ذلك ما ذكره الله عز وجل في كتابه من حكم المحصر في الحج، وما أمر به عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود، إذ قدما عليه يوم النحر بمنى، وقد فاتهما الوقوف بعرفة بإضلال أبي أيوب راحلته، وإخطاء هبار بن الأسود العدد، على ما وقع من ذلك في الموطأ.
مسألة: امرأة نصرانية بعثت بدينار إلى الكعبة
مسألة وسأله ابن أبي حسان: عن امرأة نصرانية بعثت بدينار إلى الكعبة، هل يجعل في الكعبة؟ قال: بل يرد إليها.
قال ابن أبي حسان: كذلك حدثني معن بن عيسى عن مالك أنه قاله.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح؛ لأنه ينبغي أن تنزه الكعبة وأهلها
المسلمون عن أن ينفق فيها مال نصرانية إنما قصدت أن تنسب إليهم ما يغض منهم من الاستعانة بمالها فيما يلزمهم القيام به من أمر قبلتهم التي يأتمون بها ويحجون إليها، فلا تنعم بذلك عينا، وبالله التوفيق.
الرجل يقف بعرفة ثم يمضي على وجهه إلى بلاده أيرجع متجردا
ومن كتاب العرية قال: وسألت: عن الرجل يقف بعرفة ثم يمضي على وجهه إلى بلاده، أيرجع متجردا أم يلبس الثياب؟ قال: بل يلبس الثياب، وكذلك يرجع؛ لأنه قد فاته الرمي.
قلت: فكم من دم عليه إذا رجع؟ قال: لا أرى عليه إلا دما واحدا بدنة أو بقرة.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه لا يرجع متجردا وعليه الثياب؛ لأن رمي الجمرة من سنن الحج ومشاعره، وليست من فرائضه على المشهور في المذهب.
فإذا ترك الجمرة حتى خرج وقت رميها جبر ذلك بالدم، وكان في حكم من رمى فحل له لبس الثياب والطيب، لقول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت، يريد: والصيد.
وقد روى الواقدي عن مالك فيمن ترك رمي جمرة العقبة حتى صدر من منى: إن كان قد رمى غيرها من الجمار في أيام منى - أن عليه حج قابل؛ لحديث عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: من رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب.
وإنما قال: إنه يجزيه دم واحد لكل ما ترك من الوقوف بالمشعر الحرام والرمي بمنى والمبيت بها قياسا على من فاته الحج أنه يهدي هديا واحدا إذا أحل بعمرة لما فاته من الحج، وهو قد فاته عمل الحج كله، فأجزأ عنه هدي واحد.
وقال أشهب: عليه ثلاث هدايا: هدي لترك مزدلفة، وهدي لترك رمي الجمار، وهدي لترك المبيت بمنى ليالي منى، وهو أقيس، والله أعلم بالصواب وبه التوفيق.
دفع من عرفة بعدما غابت الشمس فمضى إلى بلاده كما هو
ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال فيمن دفع من عرفة بعدما غابت الشمس فمضى إلى بلاده كما هو، قال: عليه أن يرجع حتى يفيض، وعليه هدي بدنة تجزيه من جميع الأشياء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، وقد مضى القول على هذا في المسألة التي في الرسم الذي قبل هذا.
فلا وجه لإعادته هنا.
مسألة: تمتع فأفسد حجه
مسألة وسئل عمن تمتع فأفسد حجه ذلك، قال: عليه هديان: هدي التمتع يهديه في عامه هذا، وهدي لما أفسد من حجه يهديه قابلا من البدن.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن إفساد الحج بالوطء لا يسقط عنه هدي التمتع، كما لا يسقط عنه هدي القران إن كان قارنا.
واختلف إذا تمتع ثم فاته الحج، فقيل: إنه يسقط عنه دم المتعة، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وقيل: إنه لا يسقط عنه ويكون عليه هديان مع القضاء.
قال في كتاب ابن المواز: وهذا على الاختلاف في سقوط هدي القران عمن قرن، ففاته الحج، وفي سقوط هدي الفساد عمن جامع ثم فاته الحج، وقد مضى ذلك في رسم مرض وله أم ولد فحاضت من سماع ابن القاسم.
مسألة: يحرم ما بين لبتي المدينة
مسألة قال: وأخذ مالك بالحديث يحرم ما بين لابتيها حرام،
يعني لابتي المدينة.
ولا يرى فيه جزاء ويراه ذنبا من الذنوب.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وما فيها من الاختلاف في أول رسم من سماع أشهب فأغنى عن إعادته.
مسألة: الذي يطأ أهله في الحج ولا يجد هديا
مسألة وقال مالك في الذي يطأ أهله في الحج ولا يجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب أن المفسد لحجه إذا لم يجد هديا يصوم الثلاثة الأيام في الحج قياسا على المتمتع؛ لقول الله عز وجل فيه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] ، وقد مضى ما في ذلك من الاختلاف في رسم حلف ليدفعن أمرا الأول من سماع ابن القاسم.
مسألة: الذي يطأ أهله في الحج ويكرهها ولا يجد ما يهدي عنها
مسألة وقال ابن القاسم في الذي يطأ أهله في الحج ويكرهها ولا يجد ما يهدي عنها.
قال: ليس عليها صيام ولا حج وإن كانت موسرة، وإنما ذلك على من أكرهها.
قال محمد بن رشد: أما قوله ليس عليها صيام فبين؛ لأن على من أكرهها أن يهدي عنها، إلا أن تشاء أن تصوم إذا لم يكن لها ولا لمن أكرهها مال، فيكون ذلك لها.
ولو كان لها مال لكان لها أن تهدى عن نفسها وتتبع زوجها الذي أكرهها بالأقل مما اشترت به الهدي أو الأقل من قيمته.
وأما قوله: إنه ليس عليها حج وإن كانت موسرة فإنما معنى ذلك إن كانت الحجة