كتاب الجهاد الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بحدثان الآخذ وفوره قبل استحكام الغنيمة، فيكون كما لم يوسر مثل الذي ينفلت من الآخذ، ومن الرباط وينسل، ويختفي في سوقه وما أشبه ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العبد إذا استحكمت غنيمته، فقد وجب لغانميه بعد تخميسه، فإذا أبق ثم غنمه آخرون، فهم أحق به إن أدركوه قبل القسم بغير ثمن وبعده بالثمن إن شاءوا أن يأخذوه.
مسألة: أهل الذمة يخرجون غزاة إلى أرض الحرب متسررين متلصصين
مسألة وسئل أصبغ عن أهل الذمة يخرجون غزاة إلى أرض الحرب متسررين متلصصين، ليس معهم أحد من أهل الإسلام، أو لعل معهم النفر إلا أنهم الغالب على السرية والأكثر، أترى أن يتركوا وذلك، أو يخرج منهم الواحد والاثنان والثلاثة، متلصصين متسررين، هل الواحد عندك والكثير سواء؟ فقال: أرى أن يمنعوا من ذلك منعا شديدا ويزجروا عنه، وذلك لوجهين؛ أما أحدهما: فمن أجل أن الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «لن أستعين بمشرك» ، والوجه الآخر: أنهم يعملون بعمل الشرك، فيستحلون ما نهي عنه من قتل النساء، والصبيان، والغلول، وغير وجه واحد، ولا يجاهد عدو الله إلا بسنة وإصابة ودعوة، وإن أهل ذمة المسلمين بمنزلتهم؛ لأن منعهم وتركهم إليهم، فإن كانوا قد غزوا وأصابوا تقدم إليهم ونهوا عن العودة، وتركت غنيمتهم بأيديهم، ولا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكون معهم مسلم فيخمس سهمانه وحده، والقليل والكثير سواء إذا انفردوا، هكذا يمنعون أشد المنع.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في أول سماع يحيى، فلا معنى لإعادته.
مسألة: العبيد يجتمعون فيسرون وهم مسلمون فيصيبون العمل والسنة في الغزو
مسألة قيل لأصبغ: فالعبيد يجتمعون فيسرون كنحو هؤلاء، وهم مسلمون فيصيبون العمل والسنة في الغزو والإصابة، وقد أذن لهم أربابهم فقال: هؤلاء مثلهم أرى أن يمنعوا أيضا، وليس من وجه أنهم لا يصيبون، ولكن من وجه أنهم لا حق لهم في الفيء، ولا خمس في غنيمتهم، فإن وقع وغنموا رأيت أن يترك ذلك لهم، ولا يخمسوا ويتقدم إليهم إلا يعودوا ويمنعوا أشد المنع.
قال محمد بن رشد: ابن القاسم يرى في غنيمتهم الخمس، وقد مضى ذلك من قوله في سماع يحيى، فعلى قوله لا يمنعون من الغزو منفردين؛ لأن الخطاب في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 41] الآية، وإن كان متوجها إلى الأحرار والعبيد تبع لهم إذا كانوا في جملتهم، فهو يراهم بمنزلتهم، إذا انفردوا قياسا عليهم في أن الخمس عليهم والأربعة الأخماس لهم، فكذلك يجب أن يكونوا بمنزلتهم في أن لا يمنعوا من الغزو، وبالله التوفيق.
مسألة: غشيهم العدو فبادروا إلى دوابهم فأخذ كل واحد منهم دابة صاحبه
مسألة وسئل أصبغ عن أناس من المسلمين كانوا في كمين ناحية العدو، فغشيهم العدو، فبادروا إلى دوابهم، فأخذ كل واحد منهم دابة صاحبه على العمد ممن أخذ أو أخطأ، فأصيب بعض الدواب وسلم بعضها، وكيف إن أصيب خيارها كيف الأمر فيه؟ قال: أراه ضامنا عمدا كان أو خطأ؛ لأنها أصيبت تحته.
قال محمد بن رشد: لمالك في رسم يتخذ الخرقة من سماع ابن القاسم، من كتاب الجنايات نحو هذه المسألة، فإنه يعذر بالخوف في بلد الحرب في السفر، ويسقط عنه الضمان، وقال سحنون هناك: إنه ضامن مثل قول أصبغ هاهنا، وهو الأظهر على أصولهم في أن الأموال تضمن في العمد والخطأ، ونهاية ما في هذا أن يجعل بالخوف في حكم المغلوب عليه كالمكره، ومن قولهم: إن من أتلف مال غيره مكرها لا يعذر بالإكراه، ويجب عليه الغرم.
مسألة: ينزع من جماعة المسلمين فيصالح العدو الذين يلونه ويستمد بهم على المسلمين
مسألة وسئل أصبغ عن الوالي ينزع من جماعة المسلمين، وهو في حصن من حصون المسلمين، فيصالح العدو الذين يلونه، ويستمد بهم على المسلمين، فهل يحرمون بذلك الصلح على الإسلام.
قال: أما ما لم يغيروا بعد معاهدته إياهم وأمسكوا فلا أرى أن يستحلوا، وأما إذا عابوا وأعاروا لهواء ما بينه وبينهم، فقاتلوا المسلمين بهذا الوجه فأرى أن يقاتلوا، وأن يستحلوا فأرى أمرهم حينئذ أن يكونوا كاللصوص هم وهو ويكونون ناقضين؛ لأن هذه ليست معاهدة، إنما المعاهدة الإمساك، فإن لم يمسكوا قوتلوا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لأصبغ في الثامن من الثمانية حرفا بحرف، وهو مفسر لقول ابن القاسم في سماع يحيى.
مسألة: دخل أرض الحرب بسويق له بلا لتات فلته بإدام من المغانم
مسألة قيل لأصبغ: فلو أن رجلا دخل أرض الحرب بسويق له بلا لتات، فلته بإدام من المغانم أو ثوبا، فصبغه بصبغ من المغانم، ثم
خرج به، ما ترى في ذلك؟ قال أصبغ: إن كان الذي زاد فيه اللت والصبغ الزيادة التافهة اليسيرة، فلا أرى عليه تمخيا منه بمنزلة لو خرج بالإدام نفسه والصبغ، وإن كان زاد فيه زيادة ذات بال، وقد كان شريكا بقيمة ثوبه أو سويقه بلا صباغ ولا لت، وتمخى من سائر ذلك.
قال محمد بن أحمد: وهذا بين كما قال؛ لأن الصباغ واللتات عين قائمة في جميع الأحكام من المرابحة والعيوب والاستحقاق والسرقة وغير ذلك، فوجب أن يكون في هذه المسألة كذلك إلا أن في مساواته في اليسير بين الصبغ والإدام نظرا؛ لأن له أن يخرج من الإدام يسيرا، وليس له أن يخرج من الصبغ بماله ثمن وإن قل؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شراك وشراكان من نار» ، فالصواب أن عليه أن يتمخى الصبغ من قليله وكثيره.
مسألة: النصراني يشتري النصراني ثم يخرج العبد إلى أرض العدو فيسلم
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن النصراني يشتري النصراني، ثم يخرج العبد إلى أرض العدو فيسلم ثمة، ثم يأسره المسلمون، قال: هو حر، ولا يقع في المقاسم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة خارجة عن أصل المذهب في أن أهل الذمة وأهل الإسلام سواء فيما حازه أهل الحرب من أموالهم، بسبي منهم أو إباق من العبيد إليهم، ثم سباه المسلمون بعد ذلك أنهم أحق به إن أدركوه قبل القسم بغير ثمن، وإن لم يدركوه حتى قسم كان لهم أن يأخذوه بالثمن الذي وقع به في المقاسم إن شاءوا، والذي يأتي فيها علم المذهب أنه لا يكون إذا سبي حرا، ويكون سيده أحق به قبل القسم بغير ثمن وبعده بالثمن إن شاء، ويباع عليه لإسلامه؛ لأن إسلام عبد الذمي لا يسقط ملك سيده عنه بإجماع، وكذلك إباقه إلى بلد الحرب لا يسقط ملك سيده عنه على المذهب، فوجب أن يكون له إذا سبي أسلم أو لم يسلم، ويباع عليه إن أسلم، وإنما يصح جوابه فيها على مذهب من يقول: إن أهل الحرب يملكون على المسلمين، وأهل الذمة ما صار إليهم من أموالهم، فلا يكون لهم إليها سبيل وإن أدركوا قبل القسم، ولا يكون العبد حرا إذا أسلم في بلد الحرب فسباه المسلمون، أو خرج إليهم مسلما إلا إذا كان سيده حربيا كعبيد أهل الطائف الذين أسلموا أو خرجوا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأعتقهم بخروجهم إليه، وإنما كان يصح جوابه لو خرج النصراني بالنصراني الذي اشترى إلى بلد الحرب ناقضا للعهد، فأسلم العبد في بلد الحرب، ثم غنمه المسلمون، ولو قدم السيد الحربي قبله بأمان فأسلم أو لم يسلم، ثم سبى العبد بعد ذلك، لتخرج على الاختلاف الواقع في المدونة وغيرها في تغليب حكم الدار، وقد ذكرنا ذلك في أول رسم المكاتب، من سماع سحنون، وفي سماع سحنون، ويأتي أيضا في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وبالله التوفيق.
مسألة: يجد الغنيمة في أرض العدو فيتركها ولا يأخذها
مسألة وعن الرجل يجد الغنيمة في أرض العدو فيتركها ولا يأخذها
كراهية أن تتعب ذاته بحملها إلى العسكر.
فقال: أراه في سعة من ذلك، ولا يلزمه حملها إلا أن يكون.
شيئا نفيسا من متاع أو جوهر، فلا أرى أن يتركه.
قال محمد بن رشد: أوجب عليه فيما كان شيئا نفيسا من متاع أو جوهر لا مؤنة عليه في حمله، إلى الذي تجمع عنده الغنائم في العسكر أن يحمله ولا يتركه يضيع، بخلاف اللقطة التي اختلف في الأفضل من أخذها، أو تركها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن تركها أفضل رجاء أن يرجع صاحبها فيجدها.
والثاني: أن أخذها أفضل مخافة أن يتركها فيجدها من يذهب بها ولا يعرفها.
والثالث: الفرق بين اليسير والكثير، والأول مذهب أبي عمران، والأخيران لمالك؛ لأن اللقطة إن أخذها لزمه تعريفها، وربما لم يجد صاحبها، وإن تركها ربما رجع عنها صاحبها فوجدها حيث سقطت منه، وهذا إن تركه ضاع، وإن أخذه لم يلزمه؛ لأنه يبرأ بدفعه إلى صاحب الغنائم، فهو كمن وجد لقطة يعلم صاحبها، ويوقن أنه إن تركها، ولم يأخذها؛ ضاعت، وبالله التوفيق.
مسألة: سبى رومي جارية ممن بيننا وبينه هدنة هل يجوز شرائها ووطئها
مسألة قال ابن القاسم: لو أن روميا أهدى إلي ابنته، لم يكن به بأس أن أطأها أو غير ابنته، ولو سبى رومي جارية ممن بيننا وبينه هدنة مثل النوبة وما أشبههم؛ لم ينبغ أن أشتريها ولا أطأها.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في التجارة إلى أرض الحرب من المدونة سواء، ومثل ما قد مضى لأشهب في سماع أصبغ، في جواز الارتهان، وليس ما مضى في سماع يحيى، بخلاف لشيء من ذلك على ما بيناه فيه.
مسألة: خرجوا إلى العدو فلما التقوا دفع علج منهم إلى رجل من المسلمين دنانير
مسألة وعن قوم خرجوا إلى العدو، فلما التقوا دفع علج منهم إلى رجل من المسلمين دنانير، قال: هو أحق بها، قيل له: وإن دفعها إلى وال؟ قال: أما الوالي فلا أدري كأنه يراها فيئا للمسلمين.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.
مسألة: يدخل أرض الإسلام ومعه رقيق مسلم أيباعون عليه فيعطى أثمانهم
مسألة وعن الرجل من الروم يدخل أرض الإسلام بصلح في تجارة أو غير ذلك، فيدخل معه رقيقا له مسلمين، أيباعون عليه فيعطى أثمانهم، أم يعتقون، أم يقرون بيده يخرج بهم إلى أرضه، أم كيف يفعل بهم؟ قال: لا يتركون وذلك، ويمنعون من ذلك أشد المنع، يتقدم إليهم في النهي عن ذلك، فإن عادوا عوقبوا.
قال محمد بن أحمد: قد مضى في سماع سحنون أن لهم أن يرجعوا بهم إن شاءوا، ومثله في سماع سحنون من كتاب التجارة إلى أرض الحرب أيضا، وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم، وقد مضى القول عليه في موضعين من سماع سحنون، وفي سماع من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، من قول ابن القاسم ما يعارض المعلوم من مذهبه في ذلك، وسنبين ذلك إذا مررنا به إن شاء الله.
مسألة: اشترى امرأة من السبي فحملت منه ثم جاء أهلها يريدون لها الفداء
مسألة قال ابن القاسم في رجل اشترى المرأة من السبي، أسرت فحملت منه، ثم جاء أهلها يريدون لها الفداء، أترى للسيد أن يفعل؟
قال: لا، قيل له: فلو أعتقها؟ قال: فلا أرى بأسا أن يدفعها في الفداء بعد أن يستبرئ رحمها من مائه.
قيل له: فلو كانت قد ولدت منه؟ قال: نعم.
قال محمد بن أحمد: أما إذا كانت حاملا منه، فلا إشكال في أنه لا يجوز أن يدفعها في فداء مسلم، ولا في مال يأخذه؛ لأن ولده منها في بلد الحرب يتنصر، أو ينصر إن فعل ذلك، وأما إذا أعتقها أو ولدها، فإنما يجوز أن يدفعها في فداء مسلم لا في مال يأخذه برضاهما على أن لا يسترقا، قال ذلك ابن أبي زيد قياسا على قول سحنون في إجازة دفع الذمي برضاه في فداء مسلم على ألا يسترق، وبالله التوفيق.
مسألة: الأسير هل يجوز قضاؤه في ماله إذا قامت على قوله البينة
مسألة وسئل ابن القاسم عن الأسير، هل يجوز قضاؤه في ماله إذا قامت على قوله البينة، أم لا يكون ذلك إلا في ثلث ماله، كيف الأمر في ذلك؟ قال: قال مالك: يجوز صدقته وعتق من رأس المال، قال مالك: وتجوز وصيته في ثلثه إذا قامت على ذلك بينة، وإنما تجوز صدقته وعتقه في المرض إذا قامت على ذلك بينة.
قال محمد بن رشد: إنما تجوز صدقته وعتقه من رأس ماله، إذا كان قد طال مكثه عندهم، وأمن من القتل، وأما إن كان ذلك في فور أسره وبقرب ذلك، فهو من الثلث كالذي يحبس للقتل، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح مفسر لقول ابن القاسم، وبالله التوفيق، حسبي الله ونعم الوكيل.
تم كتاب الجهاد بحمد الله وحسن عونه، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.