البيان والتحصيلصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد الثاني

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[مسألة نفر من أهل الذمة يغزون مَن يليهم من العدو أترى أن يخمس ما يصيبون]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كتاب الجهاد الثاني من سماع يحيى بن يحيى من كتاب الكسب مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن نفر من أهل الذمة من ثغرنا من النصارى يغزون مَن يليهم من العدو مع غير المسلمين فيغنمون، أترى أن يخمس ما يصيبون؟ فقال: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو.
قلت: لِمَ كرهت ذلك، وهم لا يغزون معنا في عساكرنا؟ فقال: لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمشرك: «ارجع فلن نستعين بمشرك» ، وغزو هؤلاء من العون، وإن لم يكونوا مع المؤمنين في عسكرهم.

قلت: فإن وقع الأمر فماذا ترى؟ قال: لا أرى عليهم خمسا.
قلت: فإن قسم بينهم حَكَمُ المسلمين أيقسم على سنة الإسلام؟ قال: نعم، إذا حكَّموه ورضوا به فليقسم بينهم بقَسْم الإسلام، وإن لم يحكِّموه فأمرهم إلى أساقفتهم وأهل دينهم، يقسمون بينهم على سنتهم.
قال محمد بن رشد: لا يجوز عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه، للإمام أن يستعين بالكفار على قتال الكفار، ولا أن يأذن لهم في الغزو مع المسلمين ولا منفردين أيضا؛ لأنه وجه من العون؛ ولأنهم يستبيحون فيه ما لا يجوز في الغزو على ما قاله أصبغ في نوازله؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لن أستعين بمشرك» ، ولما روي من «أن الأنصار قالوا يوم أحد: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا حاجة لنا فيهم» . وفي قول ابن القاسم في هذه الرواية: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو، دليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم، وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية رسول الله حنينا والطائف، خلاف قول أصبغ في نوازله: إنهم يُمنعون من ذلك أشد المنع.
وقد حكى أبو الفرج عن مالك: أنه لا بأس على الإمام أن يستعين بالمشركين في قتال المشركين إذا احتاج إلى ذلك، وهو دليل قوله للأنصار: لا حاجة لنا فيهم.
وقد روي عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أنه بلغه جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، استعان يهود النضير فقال لهم: "إنا وأنتم أهل كتاب، وإن لأهل الكتاب النصر على أهل الكتاب، فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحا» ، فإن غزوا بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام منفردين تُركت لهم غنيمتهم ولم تُخمس، وإن غزوا مع المسلمين في عسكرهم لم يكن لهم في الغنيمة نصيب، إلا أن يكونوا متكافئين، أو هم الغالبون، فتقسم بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة.
وأهل الكتاب وغيرهم عند مالك في هذا سواء، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه أجاز الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين عبدة الأوثان والمجوس، وصحّح الآثار على ذلك، قال: وإنما لم يستعن رسول الله بحلفاء الأنصار من يهود للحلف الذي كان بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق؛ لأنهم خرجوا بذلك من حكم أهل الكتاب، وهو من التأويل البعيد؛ ولا بأس بأن يُستعار السلاح من الكفار كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأجاز ابن حبيب أن يقوي الإمام من سالمه من أهل الحرب على من لم يسالمه منهم بالقوة والسلاح، وأن يسايروه بحداء عسكر المسلمين ما لم يكونوا في داخله وسبيل أهله.

مسألة حكم الإسهام في الغنيمة لمن لم يسمع كلام الأمير

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أمير سرية خرج بأصحابه حتى إذا دنا من أرض العدو عرض لهم نهر، فقال لأصحابه: اعبروا النهر لعل الله أن يغنمنا، فكره ذلك بعضهم وقالوا: لا تغرر بنا، فإن إجازة هذا النهر شديد الخطر، وذكروا له بعض ما اعتذروا له، وأشاروا إليه ألا يجوزوه، وأطاعه بعضهم، فأجاز بهم

وتخلف العصاة، فمضى بمن أطاعه، فغنم غنائم كثيرة، وسلم هو وأصحابه، فلما رجعوا وجدوا المتخلفين عنهم بمكانهم لم يبرحوا، أترى لهم في الغنيمة حقا؟ وإن أنكروا أن يكونوا تخلفوا عنه، أيجوز شهادة من زعم أنه أجاز مع الإمام؟ أو هل يقبل قول الإمام على من تخلف، ولمن زعم أنه أجاز معه؟ فقال: إن أقروا بالتخلف أو شهد به عليهم رجلان ممن تخلف، أو ممن ليس منهم، ولا من الذين دخلوا مع الإمام، فلا قسم لهم، ولا حق في الغنيمة للذين غابوا على الذين أصابوها راضين بالتخلف عنهم؟ وإن لم يشهد عليهم بالتخلف، وأنكروا أن يكونوا تخلفوا إلا بعض الداخلين أو قول الإمام، فالقول قولهم، ولا يقبل عليهم قول الإمام إلا ببينة تشهد من غير الداخلين؛ لأن كل من دخل فهو إذا شهد عليهم جارٌّ إلى نفسه، والإمام كأحدهم.
وقال ابن وهب مثله.
قال محمد بن رشد: لم يبين في الرواية إن كانت إجازة النفر على ما ذكره من كره إجازتهم من الغرر وشدة الخطر أم لا، فإن لم يكن على ذلك، وكان قولهم اعتلالا على جوازه، فلا إشكال، ولا اختلاف في أنه لا حق ولا نصيب لمن تخلف عن إجازته فيما غنمه من أجازه؛ لأنهم قد رضوا بترك حقوقهم فيما غنموه؛ إذ لا عذر لهم في ترك إجازته.
وأما إن كانت إجازة النهر على ما ذكروه من الغرر، وشدة الخطر والمهلكة، فظاهر الرواية أيضا أنه لا حق لمن تخلف عن الإجازة فيما غنمه من جازه، ولسحنون في كتاب ابنه: أنهم يدخلون معه فيما غنموه؛ لأن لهم عذرا في التخلف عن

إجازته.
وقد أخطأ الذين جازوه، والذي ينبغي عندي على أصولهم أن ينظر في ذلك، فإن رئي أن لمن أجاز النهر في وصول من لم يجزه معهم إليه، ووقوفهم بمكانهم إلى حين انصرافهم بغنيمتهم إليهم وجهُ منفعة، مثل أن يكون بالنهر من الغرب من بلد العدو، بحيث يمكن أن يكون العدو قد بلغه جمعهم، وكثرة عددهم، فيظنوا أنهم أجازوا النهر بجمعهم، فيكون لهم الدخول فيما غنموه؛ إذ لعل ما ظنه العدو من جوازهم هو الذي فتّ في أعضادهم، فكان ذلك عونا للغانمين على غنيمتهم؛ وإن رئي أنهم لم يكن في وصولهم معهم إلى النهر، ووقوفهم عليه وجه منفعة لم يكن لهم دخول معهم في غنيمتهم.
ولا اختلاف في أنه لا يجوز شهادة من جاز مع الإمام بالتخلف على من أنكره؛ لأنه يجر بشهادته إلى نفسه ما يجب لهم من سهم المشهود عليهم، إلا أن يكون الذي يجب لهم من ذلك يسيرا، فيجري ذلك على الاختلاف في جواز شهادة العدل إذا شهد لغيره شهادة يجر بها إلى نفسه ما لا يُتهم على مثله لنزارته، فقد أجازها مالك في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق.
وأما شهادة الإمام فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنها لا تُقبل على المتخلفين إلا ببينة؛ لأنه كأحد الحائزين في الجر إلى نفسه بشهادته، ولسحنون في كتاب ابنه أن قول الإمام مقبول على من تخلف إذا كان عدلا من غير طريق الشهادة، وقوله بعيد؛ لأنه إن حكم هو عليهم بألا حق لهم في الغنيمة كان حاكما بعلمه جارًّا بذلك لنفسه، وإن رفع الأمر إلى غيره من الحكام، فشهد عنده بعلمه استوى هو وغيره في الشهادة، ووجب أن تبطل بما تبطل به شهادة من سواه، ووجهه أنه أجاز قوله في ذلك على قياس مذهبه في أن للقاضي أن يقضي بعلمه فيما أقر به عنده الخصم في مجلس قضائه.

[مسألة: حصرَهم العدو فخرج نفر منهم فقاتلوا العدو فأصابوا خيلا وأسلابا]

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أهل حصن من

المسلمين حصرَهم العدو، فخرج نفر من أهل الحصن فقاتلوا العدو الذين حصروهم، فأظفرهم الله بقتل رجال منهم، فأصابوا خيلهم وأسلابهم، وأسروا بعضهم، أيقسم ما أصابوا بينهم وبين جميع أهل الحصن، أو يكون لمن خرج متعرضا للقتال أو لمن قاتل دون لمن خرج ممن لم يقاتل؟ فقال: بل يقسم بين جميع من خرج قاتل أو لم يقاتل، وبين جميع أهل الحصن بعد إخراج الخمس.
قلت: أيقسم لخيل من لم يخرج وخيل من خرج راجلا وخلى فرسه في الحصن؟ قال: نعم، إذا كانوا بموضع رباط، وضعوا فيه رصدة للعدو ولذلك سكنوا، ولو كانوا على غير ذلك لم يكن لهم شيء.
قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأن الحكم في الغنيمة أن تقسم بعد إخراج الخمس بين جميع الغانمين الرجال الأحرار البالغين، من قاتل منهم ومن لم يقاتل؛ لكون من لم يقاتل منهم ردءا لمن قاتل وعونا لهم على الغنيمة؛ لأن نفوسهم تقوى بوقوفهم، وتزيد في جرأتهم على العدو، والعدو يرهبهم، فربما كانوا هم السبب لانهزامهم.
فكذلك الذين في الحصن بهم قويت نفوس من خرج لكونهم ردءا لهم، ولعل العدو إنما انهزموا بسببهم.
وهذا يبين ما ذهب إليه في المسألة التي قبل هذه، وستأتي هذه المسألة بعد هذا الرسم كاملة أكمل من هذه، وبالله التوفيق.

مسألة: ناس من العدو أعطاهم الإمام عهدا أيوفى لهم بالعهد

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ناس من العدو كانوا خرجوا إلى رجل كان في الثغر من أهل الخلاف للإمام، وكان يلي مدينة من الثغر قد غلب عليها، فأعطاهم عهدا فأمنوا بذلك عنده؛ إذ كان فيما أحدث من الخلاف والاستعانة بالعدو على من أراده من

المسلمين، فقلت: أيوفى لهم بالعهد الذي كان أعطاهم، أم يستحلون؛ لأنهم خرجوا إليه وقبلوا عهده، وقد علموا خلافه للإمام؟ فقال: لا تحل دماؤهم ولا ذراريهم ولا أموالهم لأحد؛ لأن عهده عهد، وهو رجل من المسلمين يعقد لهم أمانا على جميع المسلمين، ولكن يقال لهم: إن عهده لا يمضيه الوالي فارجعوا إلى مكانكم، فإذا ردوا إلى أرضهم عادوا إلى حالهم الأول، فكانوا من أهل الحرب ما هم، فقلت: فإن اختاروا الإقامة على الجزية أترى للإمام أن يقرهم؟ قال: نعم، لا أحب له ردهم إذا رضوا بالجزية.
قال محمد بن أحمد: قوله: إنهم يحرمون على المسلمين بالعهد إن أعطاهم المخالف على الإمام صحيح؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يجير على المسلم أدناهم» وذلك ما لم يغيروا بعد معاهدته إياهم على المسلمين أمرا بينه وبينهم وأمسكوا، فإن أغاروا على المسلمين لمخالفة الإمام انتقض العهد الذي أعطاهم، ووجب أن يقاتلوا ويستحلوا، قاله أصبغ في نوازله بعد هذا، وهو مفسر لقول ابن القاسم هذا.

مسألة: ذميون هربوا إلى أرض العدو فأسرهم المسلمون فخمسوا وقسموا

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ناس من أهل الذمة هربوا إلى أرض العدو ليلا، فأدركتهم خيل المسلمين، وقد دخلوا أرض الحرب فخمسوا وقسموا، ثم ادعوا إنما كان هروبهم خوفا من البيع والظلم، وكانوا مجاورين لقوم من العرب أهل استطالة وظلم

وقهر لمن جاورهم من أهل الجزية ومن مثلهم هرب وخيف، غير أنه لا يعرف ما ادعوا مما خافوا، وهل أريد بهم سوء أم لا؟ فقال: إن عرف التصديق في ناحية ما شكوا مما خافوا؛ لسوء الذين خافوا وقدرتهم على من أرادوا ظلمه أخرجهم كرها، أو يكونوا في يده لجورهم واستحلالهم للتعدي على من جاورهم، فلا أرى أن يباعوا ولا يستحلفوا، وليصدقوا للذي عرف من ظلم الذين خافوا على أنفسهم، وليردوا إلى جزيتهم إن كان الذي أتى بهم إليه يقوى على دفع الظلم عنهم، والوفاء بالعهد لهم، وإن لم يأمن عليهم ظلم الذين هربوا خوفا منهم، أو ظلم غيرهم من أشباههم، فليخل سبيلهم ليسيروا حيث أحبوا إلى أرض عدو وغيرها، قال أصبغ: وإن أشكل أمرهم فكذلك أيضا لا يستحلوا حتى يتبين أنهم نقضوا العهد على غير شيء من تحت إمام عدل.
قال محمد بن أحمد: قول أصبغ تفسير لمذهب ابن القاسم؛ لأن الذمة قد انعقدت لهم، فلا تنقض إلا بيقين، والمسألة كلها صحيحة على مذهب مالك وأصحابه حاشى أشهب، في أن أهل الذمة إذا خرجوا ومنعوا الجزية، ونقضوا العهد من غير ظلم يركبون به أنهم يصيرون حربا وعدوا، ويجوز سبيهم واسترقاقهم، وقد مضى القول على هذأ في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته.

مسألة: عبد أبق إلى أرض العدو ثم رجع طوعا ومعه أموال وعبيد

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن عبد لرجل من المسلمين أبق إلى أرض العدو، ثم رجع طوعا ومعه أموال وعبيد، وقد أصاب ذلك في أرض العدو، أترى أن يخمس ما خرج به؟ فقال: ليس ذلك عليه، وليس فيما خرج به العبد الآبق خمس، وهو كله له، ولسيده إن أراد أخذه منه.
قلت: أرأيت إن أنكر العبيد أن يكونوا غالب لهم خارجا بهم على حال العبودية، فقالوا: نحن قوم أحرار حبب إلينا أرض العرب، وذكر لنا عدلهم، وحسن حالهم، فتبعناه مصطحبين بأمن حتى نوصل إليكم، لا سبيل له علينا؟ قال: القول قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد إن كان أعطاهم عهدا، أو يردهم إلى مأمنهم، وإن خرجوا بلا عهد فأمرهم إلى الوالي يرى فيهم رأيه، قال أصبغ مثله قال: ولا يقبل قول العبد إلا أن يعلم أنه أخرجهم كرها، أو يكونوا في يديه يحوزهم، قال: قلت: أرأيت إن كانوا في يد العبد في وثاق حتى تبين أنهم في يديه؟ قال: أراهم عبيدا إذا تبين أنهم في ملكه، وأنه لهم قاهر، وعليهم قادر، قلت: فإن ادعوا أنه إنما أوثقهم في دار الإسلام حين خافوا على أنفسهم؟ فقال: إن استدل على تصديق ما قالوا بسبب ظاهر مثل أن يعينه على وثاقهم غيره، أو يتبين أنه إنما قهرهم بعد خروجهم معه، فالقول قولهم، وإن لم يعرفوا عند

خروجهم إلا في ملكه ووثاقه، فهم له عبيد، وإن قالوا: قهرنا في الطريق، ونقض العهد؛ فإنهم لا يصدقون لجماعتهم ووحدته، وقدرتهم على الامتناع منه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن ما خرج به العبد الآبق له ولسيده إن أراد أخذه منه، ولا خمس عليه فيه، مثل ما تقدم في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، ولا خلاف في ذلك؛ إذ لا يكون الخمس إلا فيما تعمد الخروج لإصابته، فأوجف عليه بالخيل والركاب، وإن كانوا عبيدا وخرجوا معه على أن يكونوا أحرارا، فعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يردهم إلى مأمنهم، ولا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يجير على المسلمين أدناهم» . وقوله: إنهم إن خرجوا معه بلا عهد، فأمرهم إلى الإمام يرى فيهم رأيه، ظاهره وإن عثر عليهم بفور قدومهم خلاف ما يأتي في هذا الرسم بعد هذا، وخلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى، وقد مضى هناك تحصيل الخلاف في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته، وأما إذا ادعى العبد أنهم خرجوا معه على أن يكونوا له عبيدا، أو أنه سرقهم أو غنمهم، وأنكروا ذلك، وقالوا: خرجنا معه على أن نكون أحرارا، فالقول قولهم إلا أن يكونوا في وثاقه كما قال، ومثل ذلك في سماع سحنون، ولا اختلاف في ذلك؛ لأن العبد مدع عليهم، إلا أن يكونوا في وثاقه، وقد أحكمت السنة أن: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
وقد اختلف إن كان أسيرا، فأطلقه على أن يأتيه بهم فأتاه بهم، وزعم أنه سرقهم أو غنمهم، وادعوا أنهم خرجوا معه على أن يكونوا أحرارا، هل يكون خروجه على أن يأتي بهم شبهة توجب أن يكون القول قوله أم لا؟ على قولين: أحدهما: ما في سماع أصبغ أراه لأشهب أن القول قول الذي أتى بهم، وخروجه عنهم شبهة توجب أن يكون

القول قوله، وقال ابن المواز: القول قولهم، ولم ير ذلك شبهة للعبد، وهو القياس، والأول هو اختيار أحمد بن ميسر، وبالله التوفيق.

مسألة: عبد خرج متلصصا في بعض قرى العدو فأصاب غنائم أتخمس أم لا

مسألة قيل له: فالعبد يخرج متلصصا في بعض قرى العدو، فيصيب غنائم، أتخمس أم لا؟ فقال: تخمس، ويكون فضل ذلك له، فما فرق بين العبد المتلصص والعبد الآبق إذا رأيت أن الخمس فيما أصاب العبد المتلصص، ولا خمس فيما خرج به الآبق؟ فقال: إنما الخمس فيما تعمد الخروج لإصابته، فأوجف عليه بالخيل والركاب، والعبد الآبق ليس للإصابة خرج، ولا للقتال تعرض، فلذلك لم أر فيما خرج به خمسا.
قلت: فإن خرج حر وعبد متلصصين فغنما؟ قال: يخمس ما أصابا، ثم يقسم ما بقي بينهما.
قلت: ولم يقسم ما أصاب العبد والحر بينهما، وأنت لا تجعل للعبد في الغزو من المغانم شيئا؟ قال: لا أرى حال التلصص والغزو واحدا.
قلت: فالذمي يخرج متلصصا مع الحر المسلم فيغنمان؟ قال: أرى أن يقسم بينهما ما أصابا، فيخمس حظ المسلم، ولا خمس في حظ النصراني.

قلت: ولم جعلت ما أصابا بينهما، وأنت لا تقسم للنصراني إذا غزا مع المسلم؟ قال: هذا مثل الأول؛ لأن المسلمين لا يستعينون بالعبيد والنصارى في عساكرهم، وهذا إنما خرج على وجه التلصص وحده، أرأيت لو كان نصرانيا وحده، أكان يؤخذ ما في يديه؟ قال سحنون في العبد المسلم والحر يخرجان جميعا إلى أرض العدو متلصصين مثل ما قال ابن القاسم في الذمي والحر المسلم: يكون ما أصاب العبد والحر بينهما نصفين، فما صار للحر فعليه فيه الخمس، ولا خمس على العبد في سهمه، مثل قول ابن القاسم في الذمي.
قال محمد بن رشد: لأصبغ في نوازله بعد هذا في هذا الكتاب: أنه لا خمس على العبد فيما غنم كالنصراني، مثل قول سحنون، خلاف قول ابن القاسم، ووجه قول ابن القاسم: أن العبد إذا لم يكن في جملة عسكر المسلمين كالحر، في أن له ما غنم وجب أن يكون مثله في أن عليه فيه الخمس كأنه مؤمن، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 41] ، إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: 41] ، ووجه قول سحنون وأصبغ: أن الخطاب في الآية إنما هو للأحرار دون العبيد، بدليل إجماعهم أنهم لا حق لهم مع الأحرار في الغنيمة إذا غزوا معهم في عسكرهم، فوجب أن يكونوا كالنصارى في أن لا خمس عليهم فيما غنموه إذا لم يغزوا في جملة عسكر المسلمين؛ لخروجهم من الآية، وإنما لم يكن للعبيد والنصارى في الغنيمة حق مع الأحرار المسلمين إذا غزوا معهم في عسكرهم من أجل أنهم في حيز التبع لهم، فإذا

لم يكونوا في حيز التبع لهم كان لهم حق في الغنيمة، وكذلك إذا خرج العبد أو النصراني مع الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة كان لكل واحد منهما سهمه من الغنيمة.

مسألة: خيل المسلمين تقاتل العدو قتالا متفاوتا أيتساوون في العطاء

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن العدو يغيرون على ناحية من ثغر المسلمين، فيطلبهم خيل المسلمين، والطلب متفاوت على قدر الطاقة، فأدركهم بعض من طلب، والناس في آثارهم متساربون، فقاتلهم الأولون، فأظفرهم الله فقتلوا وأسروا وأصابوا ما كان معهم، أترى أن يقسموا على من حضر القتال، أم يكون ما أصابوا لجميع من خرج في الطلب، أم لأهل القرى التي خرج هؤلاء منها؟ قال: إن كان خرجوا من مسالح منصوبة للرباط، أهلها مقيمون للذب عن جميع من وراءهم من الإسلام، قسم ما أصابوا بين أهل تلك المسالح الخارج والمقيم من قاتل أو لم يقاتل، أو خرج أو لم يخرج، قال: وكذلك إن كانوا من أهل حصن في رأس الثغر، قال: وإن كانت قرا إنما فيها أهلها الذين يسكنون فيها بعيالهم، وإنما فجأهم أمر فركبوا في طلب الذين أغاروا عليم قسم ما أصابوا بين كل من طلب، أدرك القتال أو لم يدركه، حضره أو غاب عنه إذا تبين أنهم ممن خرج طالبا بالبت واليقين، وليس لمن لم يخرج في الطلب من أهل تلك القرى شيء، والخمس في جميع ذلك واجب.
قال محمد بن أحمد: هذه مسألة صحيحة حسنة، ذكرها ابن سحنون

لأبيه فأعجبته، وقد تقدمت في أول هذا الرسم والقول فيها، وإن كانت هذه أكمل بالمعنى بينها جميعا سواء، وبالله التوفيق.

مسألة: قوم من أهل الذمة هربوا إلى العدو طائعين ثم أصيبوا بعد ذلك

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن قوم من أهل الذمة كانوا في أرض مدينة المسلمين، فلما نزل بهم العدو مع رجل من المسلمين قادهم إليها، هربوا إلى العدو طائعين، ثم أصيبوا بعد ذلك، أيستحلوا أم لا؟ فقال: إن هربوا من ظلم كان يرتكب منهم؛ لم يحل لهم شيء من نسائهم ولا دمائهم ولا أموالهم، وإن هربوا من غير أن يتعدى عليهم، ولم يخافوا ذلك من ناحية أحد معروف بالظلم، فإنهم وإن أصيبوا، وقد لحقوا بأرض العدو، وفارقوا دار الإسلام فقد حلوا، قلت: فإن أصيبوا عند الذي أخرج العدو على أهل الإسلام فماذا ترى في أمرهم إن قالوا: إنما ارتحلنا إلى ناحية من دار الإسلام، ولم نخرج إلى دار العدو، ولا إلى العدو، وإنما خرجنا إلى هذا الرجل، وهو رجل من المسلمين، وإن كان قد أحدث خلافا؟ فقال: لا أرى لأحد أن يستحلهم ما كانوا في دار الإسلام، وإن كان نزوعهم إلى مثل ما وصفته، فإن لهم في ذلك عذرا وشبهة يحرم بها دماؤهم وأموالهم.
قال محمد بن أحمد: إنما لم ير أن يستباحوا حتى يلحقوا بأرض العدو، ويفارقوا دار الإسلام، وإن كانوا قد صاروا مع العدو، من أجل الرجل الذي قاد العدو، فرأى في ذلك شبهة، ولولا ذلك لكان حصولهم مع العدو الذي هربوا إليه كوصولهم إلى العدو، ولا يستباحون إذا خرجوا إلى غير

عدو يريدون بلد العدو فأدركوا قبل أن يصلوا إلا أن يقاتلوا ويمتنعوا على ما قال في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا خلاف بين هذه الرواية وما في رسم الجواب من سماع عيسى المذكور، ولا فيما بين ذلك وبين ما في آخر سماع يحيى، وإنما هي زيادات يفسر بعضها بعضا، وبالله التوفيق.

مسألة: ناس من أهل الذمة كانوا من أهل مدينة للمسلمين وكانوا يتجسسون للعدو

مسألة قال يحيى: سألت ابن القاسم عن ناس من أهل الذمة نصارى ويهود، كانوا من أهل مدينة للمسلمين غلب عليها العدو، فأقاموا بها بعدما غلب عليها العدو، فشكا أهل مدينة للمسلمين تليهم أنهم يتجسسون للعدو، ويكونون لهم عيونا، وإذا أغار المسلمون على أهل تلك المدينة فطلبهم العدو طلب معهم أولئك النصارى الذين كانوا أهل ذمة المسلمين، فاستنقذوا ما أدركوا، وقتلوا إن قدروا، فإذا أصاب المسلمون منهم أحدا قالوا: إنا نؤمن بالذي نصنع، ونقهر عليه، فنحن نخاف إن لم أفعل أن نقتل، ولا يعرف ما يدعون من القهرة والتخويف بالقتل على ما يصنعون إلا بقولهم، قلت: أفترى أن يستحل قتلهم إذا ظفر بهم، وقد علم أنهم ركبوا من المسلمين الذي وصفت لك من شكية أهل الحصن الذين جاوروهم؟ فقال: أرى أن يقتل فيهم من علم أنه قتل، وأما من لم يعلم أنه قتل غير أنه يرى في الطلب للمسلمين، واستنقاذ ما غنموا وما أشبه هذا، فلا يستحل قتله، ولكن أرى أن يحبسوا ويطال

حبسهم، قلت: أرأيت إن أقاموا مع العدو بعد الأجل الذي أجل إليهم في الرحيل إلى أرض الإسلام، فأغاروا مع من يغير من العدو فسبوا وأضروا بالمسلمين، فزعموا أنهم منعوا من الرحيل، وأمروا بالغارة على المسلمين، ولا يعرف الذي ادعوا إلا بقولهم، أيستحلوا أم لا؟ قال محمد بن رشد: هؤلاء أهل ذمة لم يتبين نقضهم للعهد؛ لكونهم بمكانهم، فهم فيما يفعلون من طلبهم مع العدو واستنقاذهم ما أدركوا، وقتلهم إن قدروا بمنزلة من حارب من أهل الذمة، يحكم عليه بحكم المحارب من المسلمين، إلا أن لهم شبهة فيما يدعون من الإكراه على ذلك، وخوف القتل إن لم يفعلوا، فيسقط عنهم حكم الحرابة، فهذا عندي معنى الرواية، وقوله فيها أرى أن يقتل من علم أنه قتل معناه يقتل قصاصا به، ويكون لأولياء المقتول العفو عنه على حكم النصراني يقتل المسلم على غير حرابة، ورأى أن يطال حبسهم اجتهادا، إذا لم يثبت ما ادعوه من الإكراه، ولو ثبت ذلك لم يجب على من يقتل منهم شيء، وهذا هو الحكم فيهم أيضا إذا فعلوا ذلك بعد الأجل الذي أجل لهم، وادعوا أنهم منعوا من الرحيل، وأكرهوا على الغارة؛ لاحتمال صدقهم فيما يدعون.

مسألة: أعلاج من العدو خرجوا إلينا بغير عهد ثم ادعوا السكنى

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أعلاج من العدو، خرجوا إلى أرض الإسلام بغير عهد، فلما أخذوا في دار الإسلام، أو أخذوا في مفازة بين المسلمين والعدو مقبلين إلى دار الإسلام مرتحلين،

ليسوا على حال الحرب، ولا بحال من يتقنص فرصة يصيبها، فزعموا أنهم إنما أرادوا السكنى في أرض الإسلام، يكونون على حال الأحرار، ولا يغرمون جزية؛ ماذا يجوز للإمام أن يقرهم عليه؟ فقال: أما بيعهم فلا يحل للإمام ولا قتلهم، ولكنه يفرض عليهم غرم الجزية، فإن قبلوا أقرهم، وإن كرهوا ردهم إلى مأمنهم ولم يستحلوا، قال: وإن كانوا حين خرجوا دعوا إلى الجزية، فقد لزم السلطان أن يقرهم على ذلك، وليس له أن يقول لهم: لا أقبل منكم إلا أن أبيعكم إن أجبت، أو أردكم إلى مأمنكم، قال: وإنما يكون الإمام محتكما في أمر من أخذ من العدو بغير عهد يرى فيهم رأيه، إذ أخذ منهم قوم انكسرت سفينتهم واضطروا إلى موضع، فصاروا فيه كالأسرى، فأخذهم المسلمون بغير عهد، وقد تبين أنهم لم يتعمدوا الخروج إلى دار الإسلام، ولكنهم ألجئوا وصاروا بأيدي من ألجئوا إليه كالأسرى في أيدي المسلمين، فأولئك إن رأى الإمام بيعهم باعهم أو يضعهم في أي منافع العامة رأى في اجتهاده لهم أي الأمور رأى فيهم مما ينظر به للعامة، فذلك إليه، قلت: أيجوز له قتلهم إن رأى ذلك؟ قال: لا أحب له قتلهم، وقد سألت مالكا عن الأسارى أيقتلون؟ قال: لا، إلا أن يخاف منهم أحد فيقتل، فإن كان في هؤلاء من يخاف مثل الرجل من العدو المشهور بالنجدة والفروسية ونحو ذلك فرأى أن يقتله، فذلك له.
قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: إنهم يصدقون فيما ادعوا إذا أخذوا في دار الإسلام، ولم يفرق بين قرب ولا بعد، فظاهره مثل ظاهر ما في أول رسم الصلاة بعد هذا، خلاف ظاهر ما مضى في هذا الرسم، من أن أمرهم إلى الإمام، وخلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى من التفرقة بين القرب والبعد، وقد مضى هناك تحصيل الخلاف في هذه المسألة

فلا معنى لإعادته لك، وقوله في الأسير: إنه لا يقتل إلا أن يكون الفارس المعروف بالنجدة والفروسية خلاف ما يأتي في آخر الرسم الذي ذكره بعد هذا، من أنه يقتل بعد الإسار المرأة والغلام إذا قاتلا ولا يتركان لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتال النساء والصبيان؛ لأنهما قد استوجبا القتل بقتالهما، وقد مضى القول في وجه هذا الاختلاف، وتحصيل مذهب مالك في حكم الأسير، وما الواجب في أمره في أول رسم من سماع أشهب مجودا، فلا معنى لإعادته.

مسألة: الرجل يقتل في المعترك ولم يقاتل أيقسم له

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقتل في المعترك في أرض العدو أو يخرج فيموت بعد أيام، أو يمرض فيموت بعد شهود القتال، ولا يكون فيمن شهد القتال، غير أنه كان في الجيش فمات بعد المعترك؛ أيقسم له أم لا؟ فقال: يقسم له في كل ما سألت عنه، قيل له: أرأيت إن لم يكونوا غنموا إلا بعد قتله أو موته أيقسم له؟ قال: نعم، قيل له: وإن لقي الجيش بعد موته أو قتله جيوشا، فقاتلوهم فقتلهم الله، فغنم المسلمون ما كان معهم، وافتتحوا حصنا بعد موته، أو قتله أيقسم له من جميع ذلك، أم لا يقسم له إلا ما غنموا قبل قتله أو موته؟ قال: بل يقسم له مما غنموا قبل قتله أو موته، ومما غنموا بعد ذلك كانت غنيمتهم من أسلاب أهل جيش قتلوهم بعد قتله أو بعد موته، أو من حصن فتح أوجفت عليه الخيل مما يصيب سرايا العسكر، أو على أي حال نالوا الغنيمة، فسهمه يجري في جميع ذلك، قيل له: أرأيت إن مات قبل القتال، فلقي الجيش العدو

بعد موته أو قتله، ولم يكن في حياته لقاء عدو، غير أنه قد أدرب مع الناس ثم مات أيقسم له؟ قال مالك: لا يقسم له.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه إذا شهد القتال ثم قتل أو مات، كان له سهمه من كل غنيمة تكون بعد ذلك إلى قفول الجيش، قربت أو بعدت، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة في أول رسم، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: الأسير من المسلمين يهرب من العدو بأموال أصابها أتخمس

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الأسير من المسلمين يخرج من أرض العدو هاربا منهم، فيخرج بأموال أصابها لهم، أيخمس ما خرج به أم لا؟ فقال: لا خمس فيها عليه، وإنما يخمس ما يوجف عليه بالخيل والركاب، قلت: أرأيت إن خرج برقيق فادعى راتن - كذا - منها أنه حر مسلم فاستخبر، فإذا هو فصيح ينتسب إلى قوم، ويخبر بنعت منازلهم، ويزعم أنه سبي صغيرا، فسئل القوم وفيهم عدول، فيزعمون أن الذي ذكر حق، غير أنهم لا يدرون أهو الذي أصيب يوم يصف أم لا؟ فقال: هو له مملوك حتى يقيم البينة على ما ادعى من جنسه بعينه من عدول المسلمين، أو يثبت له أنه كان معروفا بالإسلام في أرض الشرك، فلا يجوز لأحد أن يسترقه بإخراجه من أرضه، ولا بشيء يصيبه.
قال محمد بن أحمد: هذا صحيح كما قال؛ لأن ما خرج به الآبق من الرقيق على أن يكونوا عبيدا باستيلافه إياهم، أو كان قد سرقهم وغنمهم، فقد صح أنه ملكهم، فلا يصدق من ادعى منهم الحرية من الأصل إلا ببينة تثبت له دعواه.

مسألة: الآبق من عبيد المسلمين يلحق بأرض العدو ثم يأتي فيتعلق به صاحبه

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الآبق من عبيد المسلمين، لحق بأرض العدو، ثم إن أهل تلك البلدة أرادوا مصالحة العدو، فقدم منهم ناس بعهد لما طلبوا من الصلح، وقدم معهم العبد الآبق فتعلق به صاحبه، هل له إلى أخذه سبيل، وهو يحتج والذين قدم معهم أنهم إنما خرجوا بعهد؟ وكيف إن لم يخرج الآبق مع الرسل غير أنه أقام بأرض العدو حتى صالحوا، ولم يستثن الإمام رد إباق، ولم يستثنوا شيئا، أترى أن يؤخذ مما في أيديهم من آبق وأسير؟ فقال: أما الآبق الذي خرج مع الرسل، فلا سبيل إلى حبسه، وأرى أن يرد ليوفي لهم بعهدهم، وأما كل من صالح من العدو على هدنة أو أداء جزية، فلهم كل ما في أيديهم مما حازوه قبل ذلك من أموال المسلمين، وما أصابوا من أحرار هم أسارى، لا ينبغي للإمام أن يقضيهم شيئا من ذلك، ولا ينزعه منهم إلا أن يفادوا عن طيب أنفس منهم، وسواء ما حازوا بالسبي والغلبة، وما نزع إليهم من إباق عبيدنا، هم أحق بهم للوفاء بالعهد لهم، إذا لم يستثن ذلك عليهم حين صالحوا.
قال محمد بن أحمد: مساواته في هذه المسألة بين من صالح من الحربيين على هدنة أو أداء جزية في أنه لا ينتزع منهم ما في أيديهم من أسارى المسلمين الأحرار إلا أن يفادوا عن طيب أنفس منهم بعيد جدا لا يصح، وهي من المسائل التي وقعت على غير تحصيل؛ لأن هذا إنما يصح فيمن صالح منهم على هدنة، لا فيمن صالح منهم على أداء جزية؛ لأن من صالح منهم على هدنة فليسوا بأهل ذمة؛ لأنهم بائنون بدارهم

لا تجري أحكامنا عليهم، ومن صالح منهم على أداء الجزية، فهم أهل ذمة تجري أحكامنا عليهم، وأهل الذمة يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ولا يتركون تحت ملكتهم بعد إسلامهم، فكيف بأحرار المسلمين؟ فالصحيح فيهم ما في سماع سحنون أنهم يعطون قيمتهم من بيت مال المسلمين ويخرجون أحرارا، وإنما يستوي منهم من صالح على هدنة، وعلى أداء الجزية في الأموال والرقيق الذين ليسوا بمسلمين، وأما الآبق الذي خرج مع الرسل فلا سبيل لصاحبه إليه، إلا أن يشتريه منهم برضاهم، وسواء على مذهب ابن القاسم كان مسلما أو كافرا؛ لأن الرسل مؤمنون، ومذهبه أن المستأمنين كتجار الحربيين وغيرهم ممن دخل بأمان، لا يباع عليهم العبيد المسلمون، ولا ينزع منهم أسارى المسلمين من الرجال والنساء، ويكون لهم الرجوع بهم إلى بلادهم، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنهم في حكم أهل الذمة يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويعطون قيمة أسارى المسلمين، ولا يمكنون من الرجوع، وحكى أن ذلك إجماع من قول مالك وأصحابه إلا ابن القاسم، وسنزيد هذه المسألة بيانا في سماع سحنون، إن شاء الله.

مسألة: الذميون لو سرقوا أموالا فكتموا ذلك حتى حاربوا وذلك في أيديهم أيؤخذ منهم

مسألة قلت: أرأيت أهل ذمتنا لو سرقوا أموالا لنا وعبيدا، فكتموا ذلك كما تكتم السرقات، وأخفوها حتى حاربوا وذلك في أيديهم، ثم صالحوا على أن رجعوا إلى حالهم من غير غرم الجزية التي كانت عليهم، أيؤخذ منهم ما كانوا سرقوا قبل المحاربة وقبل الصلح الذي استحدثوا؟ قال: لا أرى إلا أن يوفى لهم بالعهد، ولا ينزع منهم شيء مما حاربوا عليه ثم صالحوا، وهو في أيديهم.
قلت: أفترى إذا اطلعنا على السرقات المتقادمة في أيديهم

وهم يوم سرقوها أهل ذمة لنا أن يخيرهم الإمام بين أن يردوها طوعا، أو يردوهم إلى حالهم من الحرب ثم يقاتلهم إن أبوا مردها.
قال: نعم، أرى ذلك للإمام إلا أن يشترطوها في صلحهم، ولا أرى ما في أيديهم من السرقات التي وصفت بمنزلة ما حازوا في أوان حربهم فهو لهم، ولا خيار للإمام في نقض صلحهم من أجلها، كما يجوز له ذلك في هؤلاء.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في تجار الحربيين إذا نزلوا بأمان، فسرقوا أموال المسلمين وعبيدهم وأحرارهم، ثم رجعوا إلى بلادهم، فنزلوا ثانية على أمان، وذلك في أيديهم، أيوخذ لهم أو يترك لهم؟ وقع اختلاف قوله في ذلك، في رسم يدير ماله، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، واختلاف قوله داخل في هذه المسألة، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، وأصح القولين أن يؤخذ ذلك منهم ولا يترك لهم، لا سيما في مسألة أهل الذمة إذا حاربوا، ثم رجعوا إلى غرم الجزية والدخول في الذمة لوجهين؛ أحدهما: أنهم يتهمون على أنهم قصدوا إلى أن يحاربوا، ثم يرجعوا ليكون لهم ما أخذوا، والثاني: مراعاة قول من يقول: إن ذمتهم لا تنتقض، وإن جزيتهم لا تبطل، والله أعلم، وبه التوفيق.

مسألة: العلج من العدو يخرج إلى دار الإسلام بلا عهد فيوجد عند أقاربه

ومن كتاب الصلاة مسألة وسألته عن العلج من العدو يخرج إلى دار الإسلام بلا عهد

فيوجد عند أقاربه، فيقول: أردت أن أكون من أهل الجزية أوديها إلى المسلمين، وأقيم ببلدهم، أو يقول: جئت زائرا لقرابتي.
فقال: لا أرى للإمام أن يسترقه ولا يبيعه.
قلت: فالذي قدر عليه، وأخذه عند قرابته ما ترى له فيه حقا؟ قال: لا حق له فيه، ولكن إن رأى الإمام أن يقره على غرم الجزية، فذلك له إن قبل العلج، وإن كره غرمها كان على الإمام رده إلى مأمنه، ولا يستحل دمه ولا رقه.
قال محمد بن أحمد: لم يفرق في هذه الرواية بين أن يوجد عند أقاربه بالقرب أو بالبعد، فالظاهر منها أن ذلك عنده سواء، خلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى، وقد مضى هناك تحصيل القول في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته.

مسألة: العلج من العدو يخرج بأمان إلينا فيستودع الرجل من المسلمين مالا

مسألة وقال ابن القاسم في العلج من العدو يخرج بأمان إلى أرض الإسلام، فيستودع الرجل من المسلمين مالا، ثم يرجع إلى أرضه فيصيبه المسلمون بعد، فيباع في المغانم: إن ذلك المال المستودع يكون فيئا للمسلمين بإصابتهم العلج، وببيعهم إياه؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع عبدا له مال، فالمال للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» . قال: وإن أسر ثم قتل، فالمال الوديعة أيضا فيء للمسلمين؛

لأن رقبته قد صارت في ملكهم، فما كان بأيدي المسلمين من ماله المستودع فهو كما أصابوا معه من ماله.
قال: وإن قتل في المعركة بلا أسر، أو مات في أرضه رد المال المستودع إلى ورثته حيت كانوا؛ لأنه اؤتمن عليه، ثم لم يملك المسلمون رقبة العلج بعد ذلك، فأحق الناس بماله إذا لم يصر رقا للمسلمين من ورث ذلك عنه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الأسير إذا بيع في المقاسم أو مات أو قتل بعد الأسر، يكون المال الذي كان له في بلد الإسلام مستودعا للمسلمين، معناه يكون غنيمة للجيش، يخمس وتجري فيه السهام، وكذلك قال ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن ابن الماجشون وأصبغ، وعزاه إلى ابن القاسم، وذلك بين في المعنى، قائم من قوله في الكتاب: فهو كما أصابوا معه من ماله، وحمل فضل قول ابن القاسم على ظاهره من أنه يكون فيئا لجميع المسلمين ولا يخمس، وهو بعيد في المعنى، وإن كان عليه دين فغرماؤه أحق به من الجيش، بخلاف ما غنم معه.

مسألة: أسير استودع ماله فقتل في المعركة ولم يؤسر

مسألة قال ابن القاسم: في سماع عيسى وأصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وسيأتي القول على ذلك هناك إن شاء الله تعالى، وأما إذا قتل في المعركة ولم يؤسر، فجعله ابن القاسم بمنزلة إذا مات بأرضه يرد المال المستودع إلى ورثته، وقال ابن حبيب: إنه يكون فيئا لجميع المسلمين، وعزاه إلى ابن القاسم، ولا يخمس، ولكلا القولين وجه من النظر، وبالله التوفيق.

قال: ولا بأس أن ترمى الحصون بالمجانيق حصون العدو، وإن كان فيهم نساء وصبيان.
قلت: أيحرقون عليهم إذا اعتصموا بالغيران والقلاع التي لا تنال إلا بالتحريق، أو يدخن عليهم حتى يغموا، فيستأسروا، وربما مات بعضهم غما؟ فقال: والتدخين عليهم مكروه، ولا يصح أن يقاتلوا به.
قلت: فكيف يصلح لنا أن نقاتلهم في السفن برمي النفط؟ قال محمد بن أحمد: قوله: لا بأس أن يرمي الحصون - حصون العدو - بالمجانيق، وإن كان فيهم نساء وصبيان هو دليل ما في المدونة والحجة في إجازته، ما روي: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقالوا: يا رسول الله، إن فيها النساء والصبيان، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هم من آبائهم» ، وكراهيته التدخين عليهم والتحريق، إذا اعتصموا بالغيران والقلاع، معناه إذا كان معهم النساء والصبيان، بدليل عطفه السؤال على مسألة النساء والصبيان، فذلك مثل ما في المدونة سواء، وقوله: فكيف يصلح لنا أن نقاتلهم في السفن برمي النفط؟ معناه إذا كان فيهم النساء والصبيان، بدليل عطفه إياها على مسألة النساء والصبيان، فلم يجبه على الفرق في ذلك بين الحصون والسفن، والفرق بينهما الضرورة إلى ذلك في السفن؛ لأنهم إن لم يرموهم بالنار رموهم به، فأحرقوهم ولا يقدرون على ذلك في الحصون، وفيما يجوز من ذلك كله مما لا يجوز اختلاف كثير في المذهب، تحصيله أن الحصون إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة، فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك

سحنون، وقد روى ذلك عن مالك، من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيما سوى ذلك من تغريقهم بالماء، ورميهم بالمجانيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان فيهم مع المقاتلة النساء والصبيان، ففي ذلك أربعة أقوال؛ أحدها: أنه يجوز أن يرموا بالنار، ويغرقوا بالماء، ويرموا بالمجانيق، وهو قول أصبغ فيما حكاه عنه ابن مزين.
والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك كله، وهو قول ابن القاسم، فيما حكاه عنه الفضل.
والثالث: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق، ويغرقوا بالماء، ولا يجوز أن يرموا بالنار، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والرابع: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق، ولا يجوز أن يغرقوا ولا يحرقوا، وهو مذهب مالك في المدونة، وأما إذا كان فيه مع المقاتلة أسارى المسلمين، فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا بالماء، واختلف في قطعه عنهم، ورميهم بالمجانيق، فقيل: ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين، وأما السفن فإن لم يكن فيها أسارى المسلمين جاز أن يرموا بالنار للعلة المتقدمة، وإن كان فيها النساء والصبيان قولا واحدا، وإن كان فيها أسارى المسلمين، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول أشهب في سماع سحنون، وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن القاسم فيه، والله الموفق.

مسألة: المرأة والغلام الذي لم يحتلم من العدو يقاتلان مع العدو ثم يوسران

مسألة وقال في المرأة والغلام الذي لم يحتلم من العدو يقاتلان مع العدو، ثم يوسران إن قتلهما بعد الإيسار حلال جائز، كما كان يحل ذلك منهما في حال القتال والمكابرة قبل الأسر ولا يتركان؛ «لنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتل النساء والصبيان» ؛ لأنهما قد استوجبا القتل بقتالهما.
قال محمد بن أحمد: يريد بقوله: لا يتركان؛ لنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أي لا يترك قتلهما تحرجا، إذ لا تؤمن غائلتهما؛ لأن قتلهما واجب، وإن أمنت

غائلتهما، وذلك بين من قوله في أول المسألة إن قتلهما حلال جائز، وهذا خلاف ما مضى في الرسم الذي قبل هذا من أن الأسير لا يقتل إلا أن يكون من أهل النجدة والفروسية، والاختلاف في هذه عائد إلى ما هو محمول عليه، فمرة حمله على أن له غائلة حتى يتحقق أنه لا غائلة له، ومرة حمله على أنه لا غائلة له حتى يتحقق أن له غائلة، وكذلك أيضا إن جهل حال الأسير، هل هو من أهل النجدة والفروسية، أو ليس من أهلها، يجري على هذا الاختلاف، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب تحصيل القول في حكم الأسير على مذهب مالك، فلا معنى لإعادته.

مسألة: العدو يرسل رجلا إلى المسلمين للهدنة فإذا هو ممن نزع إليهم من المسلمين

ومن كتاب المكاتب مسألة قال: وسألته عن العدو يرسلون رجلا إلى المسلمين للهدنة، فإذا هو ممن نزع إليهم من المسلمين، وارتد في دارهم، أيستتاب أم يرد إليهم؟ قال: إن كان أمن فليرد إليهم، وليوف له بالعهد، وإن كان جاء بغير أمان، ولا عهد، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، حاله حال المرتد في دار الإسلام.
قلت: أرأيت إن كان أبواه مسلمين أصابهما العدو، فولد في دار الشرك فتنصر، وترك دين أبويه وظفر به؟ قال: لا يستتاب ولكن حاله حال السبي والأسر إن أذن الإمام في قتله قتلوه، وإن استحيي فهو فيء للمسلمين الذين أصابوه.
قلت: وليس حاله حال الذي يولد في دار الإسلام؟ قال: لا، قلت: فالذي يولد في دار الإسلام، ثم يصاب صغيرا مع أبويه أو دونهما، فتنصر أيستتاب إذا أصيب؟

قال: لا يقتل ولكن يجبر على الإسلام بالضرب والتهديد والغلظة والشدة من الإمام عليه، ويكون حرا لا يسترق ولا يكون فيئا للذين أصابوه، وذلك أنه ولد في دار الإسلام فأصابه العدو أو خرج به أبواه، فهو من أبناء المسلمين الأحرار.
قال محمد بن أحمد: اختلف إذا أمن الرجل على أنه حربي، فانكشف على أنه مرتد أو عبد لمسلم أو ذمي، فقيل: له الأمان، ولا يستتاب إن كان مرتدا، ولا يرد إلى سيده إن كان عبدا، وهو قول ابن القاسم، هذا واحد قولي أشهب، وقيل: لا أمان له، وإن اشترط أن لي الأمان وإن كنت مرتدا أو عبدا، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وأشهب، وقيل: لا أمان له إلا أن يشترط، روي ذلك عن ابن القاسم، وهو دليل قول الأوزاعي وسحنون، ومن يرى أن المحارب من المسلمين إذا امتنع فأمن على أن ينزل أن له الأمان، وما ذهب إليه ابن حبيب أظهر الأقوال؛ لأنه إن لم يشترط فلا يكون له الأمان، إذ قد انكشف من حاله خلاف ما أمن عليه، وإن اشترط فالشرط إنما هو إبطال حد الله فيه إن كان مرتدا، وإبطال حق صاحبه فيه إن كان عبدا، وذلك مما لا يجوز.
وأما قوله: إن كان أبواه مسلمين أصابهما العدو، فولد في أرض الشرك فتنصر، وترك دين أبويه وأخذ بغير عهد؛ أنه لا يستتاب، وحاله حال الأسير إن رأى الإمام أن يقتله قتله، وإن رأى أن يبقيه كان فيئا لمن أصابه، فالوجه فيه أنه حكم له بحكم الدار في الكفر لا بحكم أبويه في الإسلام، فغلب حكم الدار على حكمهما الذي هو أن يكون الولد مثلهما بإسلامهما، وجعل الدار له بمثابة أن لو كان أبواه كافرين في أنهما «يهودانه أو ينصرانه» ، كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث المشهور

المعروف، وهذا على أصله في المدونة فيمن أسلم في بلد الحرب، فغزا المسلمون تلك الدار فأصابوا فيها ماله وولده؛ أنهم فيء؛ لأنه حكم له بحكم الدار في الكفر، ولم يرهم مسلمين بإسلام أبيهم خلاف قول بعض الرواة فيها، ومذهب سحنون: أن ماله تبع له في الإسلام، فعلى قول بعض الرواة فيها ومذهب سحنون يكون حال الولد في هذه المسألة حال المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل إذا كان أبواه مسلمين، وإن ولد في دار الكفر، وسواء على ظاهر قول ابن القاسم، هذا بقي أبواه معه في بلد الحرب أو لم يبقيا، خلاف ما حمل عليه أبو إسحاق التونسي قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، من أن معناه: إذا خرج بعد إسلامه، فسبي المال والولد بعد خروجه، إلا أن يفرق بين المسألتين بكون الأبوين مسبيين في هذه المسألة، فإذا لم يفرق بذلك بين المسألتين تحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحكم للولد بحكم الدار.
والثاني: أنه يحكم له بحكم الأب.
والثالث: الفرق بين أن يكون الأب مقيما مع ولده ببلد الحرب أو لا يكون.
ولا إشكال فيما اكتسب الأسير في بلد الحرب، وهو فيه على وجه الملك لا على وجه الحرية، أنه لا تراعى يده عليه.
وقوله بعد ذلك في الذي يولد في دار الإسلام: ثم يصاب صغيرا مع أبويه أو دونهما، أنه لا يستتاب، فيقتل إن أبى الإسلام، وأنه يكون حرا لا يسترق استحسان على غير قياس، إذ لم يحكم له بحكم الإسلام بولادته في بلد الإسلام، فيقول: إنه يستتاب فإن تاب، وإلا قتل كما قال: إنه يكون حرا لا يسترق، ولا يحكم له بحكم دار الكفر التي نشأ فيها، فيقول: إنه يسترق، وكما قال: إنه لا يقتل إذا أبى الإسلام، والوجه فيما ذهب إليه أنه رأى ولادته في بلد الإسلام شبهة تمنع من استرقاقه، ونشأته في دار الكفر من صغره على الكفر شبهة توجب ألا يقتل إن أبى الإسلام، وما كان ينبغي أن يختلف إذا أصيب

صغيرا لا يعقل ابن سنة ونحوها دون أبويه، فنشأ على الكفر في أنه يكون فيئا، ولا يجبر على الإسلام، وبالله التوفيق.

مسألة: العبد يشترى من المقاسم فزعم أن له فداء يرغب في مثله فيرهن سيده ابنه

مسألة وسألته عن العبد يشترى من المقاسم، فزعم أن له فداء يرغب في مثله، فيرهن سيده ابنه أو ابنته، ثم يطلقه ليأتي بالفداء، فيحتبس ويقيم ببلده؛ أيسترق الولد؟ قال: إن كان الولد كبيرا قد بلغ الحلم، فإنه يسترق ويستخدم إن خاتر أبوه بسيده.
قلت له: أيبيعه كما كان يجوز له بيع الأب؟ قال: نعم، إذا تبين خبر الأب، ونقض ما ترك عليه من العهد للرجوع بالفداء.
قال: وإن كان الولد صغيرا لم يبلغ الحلم، رأيت أن يطلقه إذا تبين ختر أبيه بالعهد، والترك للوفاء مما يطلق عليه.
قلت: فالابنة عندك بمنزلة الابن سواء؟ قال: نعم، إذا بلغت المحيض وعرفت ما يراد بها، فأمرها وأمر الابن واحد.
قلت: أرأيت إن مات في أرضه بالطريق أو قتل، فعلم أنه لم يختر سيده، أو حبس عن الرجوع حتى يتبين عذره ما يحل للسيد من الولد المرتهن؟

قال: إذا ثبت براءته، حرم على السيد استرقاق ولد المرتهن، ولزمه إطلاقه، ورده إلى مأمنه.
قال محمد بن أحمد: أجاز في المدونة اشتراء أولاد الحرب من آبائهم إذا لم يكن بيننا وبينهم هدنة، وإذا جاز اشتراؤهم منهم جاز ارتهانهم منهم، وبيعهم فيما رهنوهم فيه على ما يأتي في سماع أصبغ عن أشهب، ولم يجز في هذه المسألة لسيد العبد بيع ابنه الذي رهنه إياه إذا خاتر به، وترك الرجوع لفدائه، فالفرق بين المسألتين أن الحربي حاكم على ولده في بلده، فجاز له اشتراؤه منه إذا باعه، وارتهانه منه إذا رهنه، وبيعه فيما رهنه به، والعبد الأسير لا حكم له على ولده الباقي في دار الحرب، فإذا رهنه عند سيده برضاه وهو صغير من غير أن يسترقه أو يأذن له في ذلك مالك أمرهم ووالي بلدهم، ثم لم يرجع لفدائه، لم يجز لسيده أن يبيعه إذا لم يرض بذلك، ولا علم قدر ما أدخل فيه نفسه لصغره بخلاف الكبير، وقد ذهب كثير من أهل النظر إلى أن هذه المسألة معارضة لما في المدونة، ولما في سماع أصبغ عن أشهب، والصحيح ألا تعارض في ذلك على ما بيناه من حكم الفرق في ذلك.

مسألة: رجل يأسره العدو يسبون معه امرأته وأمته أيجوز له وطء الأمة والمرأة

مسألة قال: وسألته عن الرجل يأسره العدو يسبون معه امرأته وأمته، أيجوز له وطء الأمة والمرأة؟ قال: إن أمن أن يطاهما الذي أصابهما من العدو، وأيقن بالبراءة من ذلك، فلا جناح عليه في وطئهما على التحليل، غير أني أكره ذلك لما أخاف من بقاء ذريته في أرض الحرب، وما أرجو له من السلامة.
قيل له: أفترى وطء الأمة والمرأة في ذلك سواء؟

فقال: كأني أرى الذي سباهم من العدو قد ملك الأمة ملكا، لو أسلم لم تنتزع منه، والحرة ليست كذلك، فلو ترك الأمة لكان أحب إلي.
قال محمد بن أحمد: أما الحرة فالأمر في وطئها على ما قال باتفاق، وأما الأمة فيتخرج جواز وطئها إذا أيقن بالبراءة على مذهب من قال: إن أهل الحرب لا يملكون على المسلم ماله، وأنه أحق به إذا غنم منهم قبل القسم وبعده بغير ثمن، وتحريمه إن أيقن بالبراءة على مذهب من يرى أنهم يملكون عليه ماله، فيكون إن غنم منهم غنيمة للجيش لا سبيل لصاحبه إليه، وإن أدركه قبل القسم، وكراهيته على مذهب مالك في أنه أحق بماله إن أدركه قبل القسم بغير ثمن، وأنه إذا لم يعلم صاحبه بعينه، وإن علم أنه للمسلمين.

مسألة: الأسير أيقسم له

مسألة قال: وسألته عن الأسير أيقسم له؟ قال: نعم، إذا كان الإيسار بعد القتال.
قلت: ولفرسه إن أصيب معه، أو عقر تحته، أو خلفه عند أصحابه؟ فقال: في ذلك كله: يقسم له ولفرسه إذا شهد القتال.
قال محمد بن أحمد: قد مضى تحصل القول في هذه المسألة في أول رسم، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: الكلب يصيبه الرجل في أرض العدو أيجوز للإمام بيعه

مسألة قال: وسألته عن الكلب يصيبه الرجل في أرض العدو، أيجوز للإمام بيعه إذا كان له ثمن؟ قال: نعم، ولا يجوز لأحد يصيبه أن يحبسه دون الإمام، ولا أرى بأسا أن يباع في المغانم، وروى معن بن عيسى عن مالك أنه قال في كلاب العدو الصائلة وغيرها: إنها لمن أخذها، وليس عليه أن يأتي بها إلى صاحب المقاسم.
قال محمد بن أحمد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها، في رسم سلف دينارا في ثوب إلى أجل، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: للفرس سهمين وللرجل سهما

ومن كتاب الأقضية مسألة قال يحيى: وسألت ابن نافع عما جاء من سهمان الفرس، إذ جعل له سهمان، وللرجل سهم، أيرفع ذلك إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أم لا؟ فقال: حدثني عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض للفرس سهمين، وللرجل سهما» ، قال: وحدثني أيضا عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن رجل أخبره قال: غزا أبي على عهد عمر بن الخطاب غزاة

بهارلد، فأصابوا غنائم كثيرة، قال: فأخبرني أنه قسم له ولفرسه ثلاثة وثلاثين ألفا، وقسم للراجل من الغزاة يومئذ أحد عشر ألفا.
قال ابن نافع: بذلك مضت السنة.
محمد بن أحمد: هذا أمر متفق عليه في المذهب، وقال ابن سحنون: ما علمت من علماء الأمة من قال: إن للفرس سهما وللفارس سهما غير أبي حنيفة، وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وما أرى أن يدخل هذا في الاختلاف.

مسألة: ذميون استألفوا عبيدا للمسلمين وجمعوا أموالهم وذراريهم فأسروا

ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر مسألة قال: وسألته عن ناس من أهل الذمة استألفوا عبيدا للمسلمين، وجمعوا أموالهم وذراريهم، أو الأموال بغير ذراري، أو خرجوا بأبدانهم مع العبيد الذين استألفوهم، أو بغير عبيد، فركبوا البحر، فبينما هم يسحلون برية الإسلام ليمكنهم طيب الريح، أو لعلهم أرادوا إلى مينا ليقلعوا منها ذاهبين، إذ شعر بهم المسلمون فأسروهم، أيحل دماؤهم وأموالهم بركوبهم البحر، وخروجهم من دار الإسلام بغير علم الإمام أو علم أحد من المسلمين؟ قال: لا أرى لأحد أن يستحلهم ولا أموالهم؛ لأن لهم في ركوب البحر عذرا بأن يقولوا: أردنا أن ننتجع ناحية للمير أو لرفق

يذكرون نزوعهم إليه، قلت: فإن لججوا في البحر حتى ينقطع عنهم ما اعتذروا به من مسايرة الساحل؟ قال: ولا أرى أن يحلوا بذلك.
قلت له: فيما تراهم يستحلون به؟ قال: إذا لحقوا بدار الحرب، وصاروا في منعتهم.
قلت: أرأيت إن امتنعوا في الساحل حين أراد المسلمون إنزالهم، وأنكروا عليهم ركوبهم، فدفعوا وامتنعوا حتى أسروا وصنعوا مثل ذلك في لجج البحر.
قال محمد بن أحمد: ما لم يجاوب عليه في هذه المسألة قد تقدم جوابه فيه في رسم الجواب، من سماع عيسى، ومضت المسألة هناك، وفي رسم الكبش من هذا السماع، باختلاف ألفاظ وزيادات في بعضها تبين غيرها، ومضى القول على ذلك كله، فلا معنى لإعادته.

مسألة: غزوا بعض جزائر الروم وكان لهم رسول أيشركهم فيما أصابوا

مسألة وسألته: عن أهل مركب غزوا في البحر بعض جزائر الروم، فلما نزلوا ببعض مياههم أرسلوا رجلا منهم إلى ناحية من الجزيرة ليخبر لهم ما فيها من مراكب المسلمين، فأبطأ الرسول عنهم فأقلعوا إلى موضع فأصابوا فيه غنائم، أيشركهم الرسول فيما أصابوا مما غاب عنه، وقد كان الرسول حين أتى الموضع الذي أرسل إليه وجد مراكب المسلمين فدخلها؟

قال: إن كان الرسول ذهب إلى ما أمر به، وجاء فوجد أصحابه قد ذهبوا عنه فسهمانه فيما أصابوا واجب، وإن كان قعد عنهم تاركا لهم مستقلا عنهم إلى الذي أقام عندهم، فلا حق له فيما غنم أصحابه الذين تركهم.
محمد بن أحمد: هذا بين على ما قال؛ لأن الرسول إنما أرسلوه فيما يخصهم من أمر عدوهم، فإذا لم ينتقل عنهم إلى غيرهم وذهب لما أمر به، فقدم عليهم بعد أن غنموا، فسهمانه في ذلك واجب؛ لأنه كان معينا لهم في مغيبه عنهم، وكذلك لو أرسلوه قبل خروجهم فيما يخصهم من أمر عدوهم على أن يلحقهم فلم يدركهم إلا بعد أن غنموا، لوجب أن يكون له سهمه معهم في ذلك، وإنما اختلف أهل العلم من هذا المعنى في المدد يقدم على العسكر بأرض الحرب بعد الغنيمة، فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا حق لهم في الغنيمة، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم يشركونهم في الغنيمة؛ لأنهم ما كانوا ببلد الحرب لا يأمنون أن يطرأ عليهم من العدو من ينتزع الغنيمة منهم، والحجة لمالك ما روي عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبان بن سفيان على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخيبر بعدما افتتحت، وسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يقسم لهم، فلم يقسم لهم شيئا» . واعتل من احتج لأبي حنيفة بأن قال: يحتمل

أن يكون النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لم يقسم لهم؛ لأنهم لم يقدموا عليه إلا وخيبر قد صارت دارا للمسلمين فاستغنى عن معونتهم.
قال: ويحتمل أيضا أن يكون لم يقسم لهم؛ لأن خيبر كان لأهل الحديبية بوعد الله إياهم إياها في سورة الفتح: روي عن أبي هريرة أنه قال: «ما شهدت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مغنما إلا قسم لي إلا خيبر؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة» . قال: وفي ترك إنكار رسول الله عليهم سؤالهم دليل على أنهم لم يسألوا محالا، والله أعلم.

مسألة: رجل من المسلمين تخلف عنهم ثم أغار عليهم وأخافهم وسبى وقتل

مسألة وسألته عمن تخلف من أهل برشلونة من المسلمين، عن الارتحال عنهم بعد السنة التي أجلت لهم يوم فتحت في ارتحالهم،

فأغار على المسلمين وأخافهم، وسبى وقتل ولم يقتل، غير أنه قد أصاب الأموال، أيحل دمه وماله أو استرقاقه إن أسر، وإنما إقامته على الإسلام تعوذا مما يخاف من القتل إن ظفر به؟ فقال: ما أراه إلا بمنزلة المحارب الذي يتلصص في دار الإسلام من المسلمين، وذلك أنه مقيم على دين الإسلام، فإن أصيب فأمره إلى الإمام يحكم فيه بمثل ما يحكم به في أهل الفساد والحرابة، وأما ماله فلا أراه يحل لأحد أصابه، قال: وإن كان ما يصنع مما يكره عليه ويؤمر به، فلا يستطيع عصيان من يأمره خوفا على دمه، فلا أراه حاربا، ولا أرى عليه إن أخذ قتلا ولا عقوبة إذ تبين أنه يخاف ويؤمر به.
قال محمد بن أحمد: قوله: إنهم في غاراتهم على المسلمين بمنزلة المحاربين، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن المسلم إذا حارب، فسواء كانت حرابته في بلد الإسلام أو في بلد الكفر الحكم فيه سواء، وأما قوله في ماله: إنه لا يحل لأحد أصابه، فهو خلاف ظاهر قول مالك في المدونة في الذي يسلم في بلد الحرب ثم يغزو المسلمين تلك الدار، فيصيبون أهله وماله وولده، أن ذلك كله فيء إذ لم يفرق فيها بين أن يكون غنم الجيش ماله وولد قبل خروجه أو بعد خروجه، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن معنى قوله: إذا كانت غنيمة ماله وولده بعد خروجه، فحمل قول مالك على الوجه الذي تكلم عليه ابن القاسم إذا كانت الغنيمة بعد خروجه، وقد مضى في أول رسم المكاتب ما يدل على أنه لا يمتنع أن يدخل الخلاف في ذلك، ويحكم للمال والولد بحكم الدار في السبي والدين وإن كان مقيما به، ولم يخرج بعد منه،

وأما قوله: لا أرى عليه إن أخذ قتلا، ولا عقوبة إذا تبين أنه مخالف ويؤمر به، فمعناه لا يقتل بالحرابة؛ لأن الإكراه يسقط عنه حكمها لا أنه يسقط القتل عنه قودا بمن قتل، ولو ادعوا الإكراه ولم يثبت وأشبه دعواهم، ولم يتبين كذبهم؛ لوجب أيضا أن يسقط عنهم حكم الحرابة بالشبهة، ويؤخذون بحقوق الناس من الدم والمال، ويطال سجنهم أدبا لهم على قياس ما قال في رسم الكبش في أهل الذمة.

مسألة: رجل أسره العدو ثم غنمه المسلمون فيشتريه رجل ثم يتبين أنه حر

ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع مسألة وسألته عن الرجل من سفلة الناس يأسره العدو أو الذمي، ثم يغنمهم المسلمون فيشتريهما رجل في المقاسم أو يأخذهما في سهمانه، ثم يتبين له أنهما حران؟ فقال له: لا أرى له عليهما سبيلا؛ لأنهما حران ساعة أصابهما المسلمون، قلت: أفلا يتبعهما بالذي اشتراهما به؟ أرأيت لو كان اشتراهما في أرض العدو وهما أسيران، أما كان يتبعهما بما اشتراهما به؟ فقال: بلى، وليس اشتراؤه إياهما في الأسر بمنزلة اشترائهما في المغانم؛ لأنهما في أرض العدو في رق استنقذهما منه، وهما حين صارا بأيدي المسلمين فقد خرجا من ذلك الرق، وصارا إلى الحرية التي كانا عليها، قلت: فما ترى في حق المشتري إن كان أحدهما في سهمانه أو اشتراهما في المقاسم؟

فقال: أراهما مصيبة دخلت عليه، إلا أن يدرك قبل المقاسم، فيسقط ذلك الثمن عنه.
قلت: فإن فات ذلك أينبغي للإمام أن يخلف له من الخمس أو من بيت المال؟ فقال: نعم، ذلك حسن.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول عليها مستوفى قرب آخر سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

الحصن يرمى بالنار والمنجنيقات ومعهم الصبيان

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الحصن يرمى بالنار والمنجنيقات ومعهم الصبيان، قال المنجنيقات فذلك وجه الشأن فيه، وإن كان معهم الصبيان، وأما النار فلا أحب ذلك، وليس هو مثل المراكب؛ لأن المراكب ذلك هم بدءونا به، وقاتلونا بالنار، فمن ثم جاز لنا أن نقاتلهم بالنار.
قال محمد بن أحمد: هذه المسألة قد مضى القول عليها محصلا مستوفى في رسم الصلاة، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وكان مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - يكره أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم، قال: لم يبلغني أن رسول الله قاتل أحدا بشيء من السم.

مسألة: رمي على مركب المسلمين نار فخافوا النار فهل يلقوا بأنفسهم في الماء

مسألة قلت: فإن رمي على مركب المسلمين نار، فخافوا النار، أترى لهم سعة في أن يلقوا بأنفسهم في الماء فيموتوا؟ قال: نعم، كذلك قال مالك.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
مسألة حكم الإسهام في الغنيمة لمن لم يسمع كلام الأميرمسألة: ناس من العدو أعطاهم الإمام عهدا أيوفى لهم بالعهدمسألة: ذميون هربوا إلى أرض العدو فأسرهم المسلمون فخمسوا وقسموامسألة: عبد أبق إلى أرض العدو ثم رجع طوعا ومعه أموال وعبيدمسألة: عبد خرج متلصصا في بعض قرى العدو فأصاب غنائم أتخمس أم لامسألة: خيل المسلمين تقاتل العدو قتالا متفاوتا أيتساوون في العطاءمسألة: قوم من أهل الذمة هربوا إلى العدو طائعين ثم أصيبوا بعد ذلكمسألة: ناس من أهل الذمة كانوا من أهل مدينة للمسلمين وكانوا يتجسسون للعدومسألة: أعلاج من العدو خرجوا إلينا بغير عهد ثم ادعوا السكنىمسألة: الرجل يقتل في المعترك ولم يقاتل أيقسم لهمسألة: الأسير من المسلمين يهرب من العدو بأموال أصابها أتخمسمسألة: الآبق من عبيد المسلمين يلحق بأرض العدو ثم يأتي فيتعلق به صاحبهمسألة: الذميون لو سرقوا أموالا فكتموا ذلك حتى حاربوا وذلك في أيديهم أيؤخذ منهممسألة: العلج من العدو يخرج إلى دار الإسلام بلا عهد فيوجد عند أقاربهمسألة: العلج من العدو يخرج بأمان إلينا فيستودع الرجل من المسلمين مالامسألة: أسير استودع ماله فقتل في المعركة ولم يؤسرمسألة: المرأة والغلام الذي لم يحتلم من العدو يقاتلان مع العدو ثم يوسرانمسألة: العدو يرسل رجلا إلى المسلمين للهدنة فإذا هو ممن نزع إليهم من المسلمينمسألة: العبد يشترى من المقاسم فزعم أن له فداء يرغب في مثله فيرهن سيده ابنهمسألة: رجل يأسره العدو يسبون معه امرأته وأمته أيجوز له وطء الأمة والمرأةمسألة: الأسير أيقسم لهمسألة: الكلب يصيبه الرجل في أرض العدو أيجوز للإمام بيعهمسألة: للفرس سهمين وللرجل سهمامسألة: ذميون استألفوا عبيدا للمسلمين وجمعوا أموالهم وذراريهم فأسروامسألة: غزوا بعض جزائر الروم وكان لهم رسول أيشركهم فيما أصابوامسألة: رجل من المسلمين تخلف عنهم ثم أغار عليهم وأخافهم وسبى وقتلمسألة: رجل أسره العدو ثم غنمه المسلمون فيشتريه رجل ثم يتبين أنه حرالحصن يرمى بالنار والمنجنيقات ومعهم الصبيانمسألة: رمي على مركب المسلمين نار فخافوا النار فهل يلقوا بأنفسهم في الماء
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل