كتاب الجهاد الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ما غنمه المسلمون من متاع العدو فلم تكن له قيمة
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون بن سعيد من كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول في القوم يكونون في الغزو (فيغنمون الغنائم) ، فيلقون أشياء مثل القصعة، وأشباه ذلك، لا يبتغونها ويسلمونها، فيأخذها الرجل، أترى أن تكون له؟ قال إذا أسلموها فارتحلوا عنها، فأراها له ولا أرى فيها خمسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما غنمه المسلمون من متاع العدو فلم تكن له قيمة، ولا وجد له ثمن لزهادة الناس فيه، وعجز الإمام عن حمله فلم يقبله، ولا ضمه إلى غنائم المسلمين؛ فالواجب أن يخلى بين الناس وبينه لمن أخذه على غير قسم دون سائر الجيش، ولا يكون فيه خمس؛
لأن الوجه فيه - إن لم يأخذه أحد، أن يحرق ولا يترك للعدو ينتفعون به؛ فلما كان هذا هو الوجه فيه، وجب أن يكون لمن أخذه وانصرف إلى بلده حلالا، ولا يكون عليه أن يتمخى من شيء منه، والأصل في هذا قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في ضالة الغنم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» . هذا فيما تقرر الملك عليه، فكيف بما لم يتقرر عليه الملك للمسلمين، لكونه بعدُ في حوزة المشركين، وكذلك إن أخذ ذلك أحد فحازه، ثم عجز عن حمله فألقاه وتركه، كان لمن أخذه بعده فاحتمله، ولا اختلاف في هذا - أعلمه، وإنما اختلفوا فيمن صار إليه شيء من غنائم المسلمين باشتراء أو قسم، فضعف عن حمله وتركه على وجه اليأس منه في حوزة العدو، فوجده أحد من الناس فأخذه واحتمله، فقيل هو كالأول يكون لمن أخذه واحتمله - وإن كان مما له ثمن من السبي والمتاع، وهو قول ابن حبيب؛ وقيل إنه للأول - وعليه أجر الحمل والمؤنة، وهو قول أصبغ، وسحنون؛ وجه القول الأول أن الأول لم يملكه ملكا تاما فأشبه ما أخذه مما أسلم وترك من غنائم المسلمين بغير شراء ولا قسم؛ ووجه القول الثاني: أن الأول لما كان قد اشتراه أو صار له في سهمه، كان لمن وجده فاحتمله - حكم الشاة الضالة يجدها الرجل في الفيفاء فيقدم بها إلى الأحياء، أن ربها بها أولى؛ وأما إن كان ترك ذلك في حوزة الإسلام، فهو للذي تركه، وعليه مؤونة حمله قولا واحدا؛ قال ابن حبيب: فإن كان في ذلك شيخ أو عجوز فهم أحرار؛ لأن تركه مثل أولئك، إنما هو على وجه التخلية لهم والتحرير، وأما ما كان من متاع العدو يقبله الإمام ولا يضعف عن حمله، وله
ثمن وإن قل، فأخذه غلول، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة» .
مسألة: القوم يخرجون إلى الغزو ومعهم بفضل أموال يشترون من الغنائم
مسألة وسئل مالك عن القوم يخرجون إلى الغزو ويخرجون معهم بفضل أموال يشترون من الغنائم إذا سبوا الجواري والخرثى، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله لا بأس بذلك أمر جائز للرجل إذا خرج للجهاد أن يخرج معه بفضل مال ليشتري به من مغانم المسلمين ما يرجو الربح فيه، ولا ينقص ذلك من أجر جهاده، ولا يقدح في نيته، يريد إذا كان أصل خروجه لله، ولم يكن أصل خروجه ابتغاء التجارة، كما لا يقدح في نيته ما يرجوه من الغنيمة، وقد قال الله عز وجل ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52] . يريد الشهادة أو الغنيمة.
وقد أباح الله تعالى التجارة في الحج بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] . يريد في مواسم الحج، وقد قرئ ذلك؛ وكذلك الجهاد، بل هو فيه أجوز، لما في ذلك من النفع لأهل الجيش؛ لأن الشأن أن تقسم الغنائم في بلد الحرب قبل القفول، كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والخلفاء بعده، فما كان منها ما لا ينقسم، باعه الإمام
وقسم ثمنه، فلو لم يكن مع أحد من أهل الجيش فضل مال، لما أمكنه أن يقسم ما لا ينقسم، إلا بعد الخروج إلى قاعدة يكون فيها الأسواق، ويمكن فيها البيع؛ وفي ذلك ضرر على الجيوش لما لهم من الرفق في تفرقهم من طريقهم إلى بلادهم، وترك رجوعهم إلى بلد واحد؛ ولهذا المعنى قال ابن حبيب: إنه لا ينبغي للإمام أن يبيع شيئا من متاع الغنيمة الذي لا ينقسم، إلا بالنقد إلا أن يرى في ذلك ضررا على الناس فيبيع ويكتب على المبتاعين الأثمان حتى يخرجوا، ثم يتقضاها منهم ويقسمها بين الناس قبل أن يتفرقوا.
مسألة: يعطي الذهب في سبيل الله فتفضل الفضلة أيردها إلى أهلها
مسألة وسئل مالك عن الرجل يعطي الذهب في سبيل الله، أو في حج يحج به فتفضل الفضلة؛ أيردها إلى أهلها؟ أم كيف يصنع؟ قال: أرى أن يعطي أهل سبيل الله، فقيل له: ولا ترى أن يردها؟ قال: لعله لا يجد صاحبها، وأحب إلي أن يجعلها في سبيل الله يعطيها غيره.
وقال في الحج: يردها إلى أهلها.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك أن من أعطى رجلا شيئا في السبيل - عينا كان أو عرضا، فأمره محمول على أنه قد بتل ذلك في السبيل، فلا ينفق المعطى شيئا منه إلا في سبيل الغزو منذ يخرج إلى أن يبلغ رأس مغزاه، واختلف هل ينفق منه في فعله حتى يرجع إلى أهله، فأجاز ذلك له ابن حبيب، ومنع منه مالك في رواية أشهب عنه في رسم "الوضوء والجهاد "، ولا يستحق منه ما فضل بعد الغزو ملك، ولا يرجع ذلك إلى معطيه ملكا أيضا، ويجعله في السبيل - إن رده إليه، واستحب في هذه الرواية ألا يرد الفضلة إلى صاحبها مخافة ألا يجده، وأن يجعلها هو في السبيل.
وقال في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب ذلك واسع إن رد الفضلة إلى صاحبها، أو جعلها هو في السبيل، ونحوه في رسم "طلق" بعد هذا، وإن قال معطي الشيء في السبيل أنه لم يبتله في
السبيل، وأراد أن يأخذ الفضلة نوى في ذلك، وكان القول قوله على ما في رسم حديث طلق بعد هذا من هذا السماع، وكذلك إن قال: أردت أن يكون للمعطى ما فضل من ذلك بعد غزوه - ملكا يضع به ما شاء، نوى من زكاة أيضا، وكان من بمنزلة أن لو نص على ذلك فقال له: افعل به ما شئت إذا بلغت غزوك؛ وهو كذلك على ما يأتي في رسم "باع غلاما" من هذا (السماع) أيضا، فمذهب مالك في هذه المسألة على ما ذكر في موطئه عن عبد الله بن عمر، أنه كان إذا أعطى شيئا في سبيل الله، يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى، فشأنك به، خلاف ما ذكر فيه عن سعيد بن المسيب من أنه كان يقول إذا أعطى الرجل الشيء في الغزو فبلغ به رأس مغزاته فهو له؛ وقول عبد الله بن عمر الذي ذهب إليه مالك أظهر من قول سعيد بن المسيب؛ لأن ظاهر اللفظ التبتيل في السبيل، فينبغي أن يحمل على ذلك حتى ينص المعطي على خلاف ذلك، أو يدعي أنه نواه، وقد روي عن سحنون كان من أعطى شيئا في السبيل يستحقه المعطى ملكا ببلوغه رأس مغزاه - على قول سعيد بن المسيب؛ وحكى الفضل أنه مذهب مالك وأصحابه، وليس ذلك - عندي بصحيح؛ ومكحول يرى أنه يستحقه بالأدراب، وتأول فضل أن ذلك هو مذهب ابن عمر في الموطأ، وهو تأويل بعيد، وقد روي عن سحنون أنه إن أعطيه لينفقه في السبيل - على نفسه، رد الفضل على صاحبه؛ وإذا أعطيه لينفقه في السبيل - وليس على نفسه، يرد ما بقي في السبيل ولم يرده على صاحبه، واختلف إن كان الذي أعطى في السبيل فرسا أو سلاحا، فقيل: إنه محمول على التحبيس حتى ينص على التبتيل، حكى ذلك سحنون عن ابن القاسم عن مالك، وقيل: إنه محمول على التبتيل حتى ينص على التحبيس، وهو
ظاهر ما يأتي في رسم طلق، وفي رسم "باع غلاما"، ورسم "صلى نهارا"، وأما من أعطى رجلا شيئا في حج، فما فضل على الحج، راجع إلى المعطى ملكا؛ والفرق عند مالك بين المسألتين: أن السبيل لا نهاية له، فحمل على التبتيل، والحج له نهاية ينقضي إليها، فحمل على ذلك، ولم يحمل على التبتيل؛ فعلى قياس هذا لو أعطاه الذهب في غزوة بعينها، لوجب أن يرجع إليه ما فضل له عنها؛ ويأتي على قياس قول سعيد بن المسيب إن من أعطى رجلا ذهبا في حج يحج به، فما فضل عن الحج هو للمعطى، لا يرجع إلى المعطي؛ لأنه إذا قال ذلك في السبيل الذي لا نهاية له، فأحرى أن يقوله في الحج الذي له نهاية.
مسألة: يهلك فيوصي بالمال في سبيل الله كيف يقسم
مسألة وسئل مالك عن الرجل يهلك بالفسطاط، أو بقرية من القرى، فيوصي بالمال في سبيل الله، أترى أن يُبعث به إلى الثغور والرباط فيقسم، أم يعطى إن وجد أحدا بموضعه ممن يغزو؟ قال: أرى أن يعطى إن وجد أحدا ممن يغزو، فقلت له: إنه يقول إني أخاف أن يموت الذي يعطى قبل أن يبلغ غزوه، قال: وما ذلك عليه أن يقول أخاف أن يموت.
قال محمد بن رشد: إنما استحب أن يعطى ذلك بالبلد - إن وجد من يغزو منهم ولا يبعث به إلى الثغور - مخافة أن يبعث به إلى هناك، فيضيع على ما قاله بعد هذا في رسم " طلق "، وقد خير بين ذلك في رسم "الوصايا" من سماع أشهب من كتاب الوصايا، قال ابن المواز: وإنما يعطيه لمن قد عزم لا لمن لا يخرج إلا بما يعطى، وقوله يحمل على التفسير لقول مالك؛ لأن من لم يعزم على الخروج إذا أعطي على أن يخرج لعله يأخذ المال فلا يخرج.
مسألة: ذبح الغزاة في أرض العدو من الجزر في جلودها هل يطرح في المقاسم
مسألة وسئل مالك عما ذبح الغزاة في أرض العدو من الجزر في
جلودها، أترى أن تطرح في المقاسم؟ أم يأخذها الذين يذبحونها؟ قال: أرى إن كان لها ثمن أن تطرح في المقاسم، وإن لم يكن لها ثمن، لم أر به بأسا أن يأخذوها.
قال محمد بن رشد: قوله إن الذين يذبحونها يأخذون الجلود إذا لم يكن لها ثمن.
يريد - وإن لم يحتاجوا إليها على معنى ما تقدم في أول مسألة من هذا الرسم، وقد مضى بيان ذلك، وأما إن كان لها ثمن فلا يجوز لهم أخذها إذا لم يحتاجوا إليها؛ لأن ذلك من الغلول وتُطرح في المقاسم؛ واختلف إن احتاجوا إليها لشد قتب بعير أو نعل، أو شبه ذلك؛ فقال ابن نافع: لا يأخذونها إذا كان لها ثمن - وإن احتاجوا إليها.
وروى ابن القاسم عن مالك في المدنية أنه لا بأس أن يأخذوها إذا احتاجوا إليها - وإن كان لها ثمن؛ ومثله في الواضحة، وهو ظاهر ما في المدونة وبالله التوفيق.
الرباط أو الغارات في أرض العدو أيهما أعجب
ومن كتاب
أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك أي ذلك أعجب إليك: الرباط أو الغارات في أرض العدو؟ قال: أما الغارات، فلا أدري كأنه كرهها؛ وأما السير في أرض العدو على الإصابة - يعني إصابة السنة فإنه أعجب إليّ.
قلت له يا أبا عبد الله إن عندنا مدائن على البحر، وإنها قد ضيعت من الغزو وفيها جماعة حشو من نساء وصبيان، ويخاف
عليهم؛ أفرباطها أعجب إليك؟ أم الدخول في أرض الروم؟ قال: ما زالت الولاة يضيعون مثل هذا، وما يدفع الله أكثر، وما في هذا حد، وما زال الله يدفع وما في هذا حد، إلا على ما يرى من ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إن السير في أرض العدو على إصابة السنة أعجب إلي من الرباط، وهو مثل ما روي عن ابن وهب أنه قال: سمعت مالكا يقول: الغزو على الصواب، أحب إلي من الرباط؛ والرباط أعجب إلي من الغزو على غير الصواب؛ ولا إشكال في أن الرباط أفضل من الغزو على غير الصواب، فقد قال معاذ بن جبل: الغزو غزوان: فغزو تنفق فيه الكريمة وتياسر فيه الشريك، ويطاع فيه ذو الأمر، ويجتنب فيه الفساد؛ فذلك الغزو خير كله؛ وغزو لا تنفق فيه الكريمة، ولا تياسر فيه الشريك، ولا يطاع فيه ذو الأمر، ولا يجتنب فيه الفساد، فذلك الغزو لا يرجع صاحبه كفافا، وإنما الكلام في الغزو على الصواب، فجعله مالك في هذه الرواية أفضل من الرباط.
وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، فحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين؛ ولا ينبغي أن يحمل هذا على أنه اختلاف من القول، إذ لا يصح أن يقال إن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق، وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل، فيحمل قول ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أن ذلك عند شدة الخوف على الثغور، وخوف هجوم العدو عليها، وما روي عن مالك من أن الجهاد أفضل عند قلة الخوف على الثغور، والأمن من هجوم العدو عليها، وذلك بين من قول مالك في هذه الرواية، لما ذكر له تضيع المدائن التي على البحر، والخوف على (من فيها) من النساء والصبيان؛ قال: ما في هذا حد، إلا على ما يرى من ذلك؛ ومن قوله في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" بعد هذا: أن
جهاد المصيصة أعجب إلي من الرباط، إلا إذا خيف على موضع الرباط، ولم يكن فيه غناء، وقد قيل: إن قول ابن عمر حين دخل الجهاد ما دخل، والتأويل الأول أولى - والله أعلم، وإنما كره مالك الغارات في الرواية استثقالا لاسمها لا لمعناها إذا كانت على وجهها، وهذا نحو من «قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لما سئل عن العقيقة: لا أحب العقوق» كراهية الاسم.
وقال: «من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل» .
مسألة: الإبرة أهي من الغلول
مسألة وسئل مالك عن الإبرة أهي من الغلول؟ فقال إن كان ينتفع بها، فلا أرى ذلك - يعني لا بأس بالانتفاع بها، كما ينتفع بالجلود للنعل والخف وما أشبهه يرفع به ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أن الإبرة إذا أخذها للانتفاع بها - ولم يأخذها مغتالا لها، فليست من الغلول، وليس عليه إذا قضى حاجته بها أن يردها في المغانم، إذ لا قيمة لها ولا يقبلها منه صاحب المغانم؛ وقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أدوا الخياط والمخيط» . كلام خرج منه على التحذير من قليل الغلول وكثيره، إلا أن هذا القدر على الحقيقة يلزم أداؤه ورده إلى الغنيمة، وقد قال مالك في رسم "كتاب الغزو" من سماع أشهب في الذي يأتي بالكبة من الخيط يشتريها بدانق فيطرحها في المقاسم، هذا شيء يراءون به،
وما هذا التضييق على الناس؟ فهو يبين ما قلناه في معنى قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أدوا الخياط والمخيط» . من أنه كلام خرج على التقليل، كقوله في الأمة إذا زنت في الثالثة بيعوها ولو بضفير.
وكقوله: «من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنة» . ومثل هذا كثير.
مسألة: يحمل رمحه وسلاحه في الغزو ومعه من يحمله له
مسألة وسئل مالك عن الرجل يحمل رمحه وسلاحه في الغزو ومعه من يحمله له، فقال: لا بأس بذلك، فقيل له ويحمله غلامه فقال لا بأس بذلك، ولعله يكون ذلك خيرا له؛ وأقوى له إن احتيج إلى قتاله ألا يتعب نفسه، فما أرى بذلك بأسا، وأراه حسنا يحمله غلامه ويحمله عنه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن ذلك جائز لإكراهه فيه، بل هو حسن من الفعل؟ لما فيه من إبقاء قوته لوقت لقاء العدو، وقد أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس بالفطر في رمضان في سفره عام الفتح، وقال: تقووا لعدوكم.
فالتقوي للعدو بكل ما يقدر عليه مرغب فيه ومندوب إليه، وبالله التوفيق.
مسألة: أموال الرهبان في أرض العدو
مسألة وسئل مالك عن أموال الرهبان في أرض العدو، قال: يترك لهم من ذلك ما يصلحهم، والبقرتان تكفيان الرجل؛ ولو قبل قوله لادعى الشيء الكثير، ولكني أرى أن يترك لهم ما يصلحهم.
قال محمد بن رشد: معنى هذه الرواية، أن الرهبان إذا وجدت عندهم الأموال، وادعوا أنها لهم ولم يعرف صدق قولهم، لم يصدقوا، وترك لهم من ذلك ما يصلحهم؛ والبقرتان تكفيان الرجل، وذلك بين من قوله ولو قبل قوله لادعى الشيء الكثير؟ وأما إذا علم أنها أموالهم فلا يؤخذ لهم منها شيء - وإن كثرت على ظاهر ما يأتي في رسم "اغتسل" بعد هذا، وهو نص رواية ابن نافع عن مالك؛ فليس شيء من ذلك باختلاف من قول مالك في العتبية أو سحنون، ويذهب إلى أنه لا يترك للراهب من ماله إلا ما يستر عورته من الكسوة ويعيش له الأيام من الطعام؛ قال: وكذلك يترك للشيخ الكبير مثل ما يترك للراهب، وهو نحو قول مالك في المدونة؛ وقد كان بعض أهل النظر يقول معنى هذه الرواية أنه لا يترك لهم من أموالهم وإن علم أنها أموالهم، إلا ما يصلحهم: البقرتان للرجل وشبه ذلك نحو قول سحنون، وما في المدونة خلاف ما في رسم "اغتسل" من أنه لا يؤخذ لهم من أموالهم شيء، ومنهم من كان يقول معنى ما في رسم "اغتسل" أن ذلك يسير بقدر ما يصلحهم، نحو قول سحنون، وقول مالك في المدونة، وما في هذه الرواية فلا يأتي في المسألة على هذا التأويل اختلاف، والصواب ما بدأنا به أن ذلك ليس اختلاف من قول مالك في العتبية، وإنما الخلاف قول سحنون وما في المدونة والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: لبس الحرير للجنود
مسألة قال: وسئل مالك عن رجال بالإسكندرية يتهيأون يوم
العيد بالسلاح ويلبسون عليها ثيابا من حرير ليتهيبوا بها العدو.
قال مالك: ما يعجبني لبس الحرير، ولم ير ابن القاسم بأسا أن يتخذ منه راية في أرض العدو.
قال محمد بن رشد: أما اتخاذ الراية فلا اختلاف في جواز ذلك، وأما لباسه عند القتال، فقد أجازه جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول ابن الماجشون، وروايته عن مالك؛ لما عندهم في ذلك من المباهاة بالإسلام، والإرهاب على العدو، ولما يقي عند القتال من النبل وغيره من السلاح؛ أو هو قول محمد بن عبد الحكيم، وحكاه ابن شعبان عن مالك من رواية عيسى عن ابن القاسم عنه من أنه قال «من قتل عصفورة فما فوقها بغير حقها سأله الله عز وجل عن قتلها، قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال: " تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي بها» . ولهذا قال أبو بكر الصديق، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ليزيد بن أبي سفيان إذ شيعه إلى الجهاد: " ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة " (48) وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نهيه عن المثلة، وبالله التوفيق.
مسألة: يغل في أرض العدو ثم يتوب
مسألة (قال) : وسئل مالك عن الرجل يغل في أرض العدو، ثم يتوب
ويرد ما غل؛ أترى أن يعاقب؟ قال: ما سمعت فيه بشيء، ولو فعل ذلك به لكان لذلك أهلا؛ قال ابن القاسم: إذا جاء تائبا، لم أر عليه أدبا؛ قال كالمرتد والراجع عن شهادة شهد بها.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة- عندي- إذا تاب قبل القسم، ورد ما غل في المغانم، فحينئذ يسقط عنه الأدب، عند ابن القاسم وسحنون، كالمرتد والراجع عن شهادة شهد بها عند الحاكم قبل الحكم؛ وقول مالك لو فعل به ذلك لكان له أهلا، هو مثل ما في كتاب السرقة من المدونة في الشاهد يرجع عن شهادة شهد بها قبل الحكم، ويدعي الوهم والتشبيه، ولا يتبين صدق قوله؛ وأما لو تاب بعد القسم وافتراق الجيش، لما سقط عنه الأدب عند جميعهم على قولهم في الشاهد يرجع عن شهادته بعد الحكم بها؛ لأن افتراق الجيش مي معنى نفوذ الحكم، بل هو أشد! إذ قد يقدر أن يغرم للمحكوم عليه ما أتلف عليه بشهادة، ولا يقدر أن يوصل إلى الجيش بعد افتراقه ما وجب لكل واحد منهم من المال الذي غل؛ قال مالك في كتاب ابن المواز: ولو ظهر عليه قبل أن يتوب أدب وتصدق به إن افترق الجيش، وإن لم يفترق رد في المغانم؛ وقال الليث إن لم يعرف الجيش جعل خمسه في بيت المال وتصدق بما بقي، وقال عبد المالك وأصبغ وسهمه فيه قائم كيف كان.
يدفع المال إلى من يغزو به
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل عن الرجل يجعل المال في سبيل الله بالمدينة، فيجد من يخرج؛ أفأحب إليك أن يعطى قوم يخرجون من ههنا، أم يبعث
به إلى المصيصة فيعطى؟ ثم قال: أحب إلي إن وجد من يثق به ههنا أن يدفع إليه ذلك، ولا يؤخره إلى المصيصة، ولعله يبعث به إلى هناك فيضيع.
قال محمد بن رشد: يبين في هذه المسألة وجه استحبابه في أن يدفع المال إلى من يغزو به من هنا، ولا يبعث به إلى المصيصة، فذلك مفسر لقوله في أول رسم من هذا السماع.
مسألة: يعطيه الفرس ليتقو به في سبيل الله فيغزو عليه ثم يموت فيطلبه صاحبه
مسألة وسئل مالك عن الرجل يعطي الرجل الفرس فيقول له تقو به في سبيل الله، فيغزو عليه، ثم يموت، فيطلبه الرجل؟ فقال: كيف يأخذه وقد مات الذي أعطيه؟ قيل له إن صاحبه يقول إنما أعطيته ليتقوى به في سبيل الله ولم أبتله؟ قال مالك: ذلك له هو أعطاه وهو أعلم بنيته؛ وسئل مالك عن الرجل يعطي الشيء في سبيل الله فيغزو فيه وتفضل منه الفضلة، أتراها له؟ قال: بل أرى أن يردها إلى صاحبها، أو يجعلها حيث جعل ذلك؛ فقيل له: فالرجل يغزو وينفق على أهله، فقال يعطى الشيء في سبيل الله، ثم يشتري به الدجاج والقمح ويقعد يأكله؛ ما أرى ذلك له، ولقد كان ههنا رجال من أهل الفضل والخير يعطون الشيء في سبيل الله فلا يقبلون.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هاتين المسألتين مستوفى في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته، وفي قوله في آخر المسألة ولقد كان ههنا رجال من أهل الفضل والخير يعطون الشيء في سبيل الله فلا
يقبلون، دليل على أنه قد كان منهم من يقبل ذلك؛ وهذا في أهل الغناء، منهم: من كره ذلك ورأى الغزو بماله أعظم لثوابه، ومنهم من لم ير بأسا أن يقبل ما أعطي من غير مسألة؛ فإن احتاج إليه أنفقه، وإن استغنى عنه فرقه في السبيل؛ وأما الضعيف الفقير فقبول ما أعطي من غير مسألة أفضل بإجماع، لما في ذلك من إعلاء كلمة الله بالقوة على الجهاد في سبيل الله.
مسألة: يريد أن يخرج إلي المصيصة يجاهد بها وعليه دين
مسألة وسأل رجل مالكا فقال له: إن علي ألفا وستمائة درهم لناس (شتى، في أقطار الأرض، منهم من قد مات، وله ورثة، ومنهم من هو حي، ومنهم من قد مات - ولا أعرف له ورثة؛ والذي لهم علي يختلف، منهم من له المائة درهم، والخمسون، والألف، وأقل من ذلك وأكثر؛ وهم في بلدان شتى، وقد عجزت عنه، وطلبت فيه نحوا من ثلاثين سنة) . فلم أقو على أدائها، ولم أرزق شيئا، فأحببت أن أخرج إلى المصيصة فأجاهد بها، فإن يدركني بها موت، فأحب المواضع إلي؛ وإن أرزق بها شيئا قضيت بها ديني؟ قال مالك: ما أرى بأسا، وأمره أن يفعل ذلك، وأن يخرج إليها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الذي عليه الدين، إذا كان عديما، فله أن يغزو بغير إذن الذي له عليه الدين؛ إذ لا منفعة للذي له عليه الدين في تركه الغزو، وقد يرزق في الغزو ما يودي به الدين عن نفسه، ففي الغزو منفعة له ولصاحب الدين، وأما من عليه دين وهو مليء فلا يجوز له أن يغزو بغير إذن صاحب الدين، إلا أن يكون الدين الذي عليه لم يحل بعد، فيوكل من يقضيه عنه عند حلوله، قاله سحنون في كتاب ابنه، وحكى
ابن حبيب في الواضحة عن مالك، أنه كان يوسع لمن عليه دين أن يغزو إذا خلف وفاء من دينه، أو أذن له غرماؤه بالخروج، وإن لم يدع وفاء من دينه، فظاهر قوله أنه ليس عليه أن يستأذن غريمه، إلا إذا لم يدع وفاء وهو بعيد.
يقول له اشتر هذا الفرس وأحملك عليه فلا يدري ما يبلغ من الثمن
ومن كتاب أوله سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ابن القاسم: وكره مالك أن يقول الرجل للرجل اشتر هذا الفرس وأحملك عليه، فلا يدري ما يبلغ من الثمن حتى يوقت له ثمنا، قال سحنون أراه جائزا وليس له معنى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تكلم عليها ابن لبابة في منتخبه فقال: فيها الكراهة لمالك، والتعليل بجهل مبلغ الثمن لابن القاسم، وتعليل ابن القاسم ليس بشيء؛ لأن من وكل رجلا أن يشتري له سلعة بعينها، أو مسماة بغير عينها، ولم يسم له ما يشتريها به، فاشتراها له بما يشبه من الثمن لزمه، وكراهة مالك صحيحة بينة على مذهبهم؛ لأنه استأجره على ابتياع الفرس بحمله عليه، فإن كان بتله له، فقد أوجبه له في أجرته قبل أن يملكه، ولا يجوز لأحد أن يبيع ما ليس في ملكه، ولا أن يستأجر به، وإن كان لم يبتله له وإنما أعطاه ركوبه، دخله مع ذلك أيضا الغرر، إذ لا أمد للركوب؛ هذا معنى قول ابن لبابة دون لفظه، وليس قوله - عندي - بصحيح؛ بل لا وجه للكراهة إلا ما عللت به من الجهل بمبلغ الثمن، وهي كراهة ضعيفة؛ ولذلك أجاز سحنون المسألة ولم ير لكراهيتها معنى، وبيان هذا أن الفرس لم يأمر الرجل أن يشتريه له، - أعني الأمر إذا لم يقل له اشتر لي هذا الفرس وأحملك عليه، وإنما قال: اشتر هذا الفرس وأحملك عليه، فإنما أمره أن يشتريه للسبيل ويحمله عليه، فهو بنفس الشراء يجب للسبيل
ويكون المشتري أحق بركوبه في السبيل من غيره، وإن كان بتله له، فلم يأمره أيضا أن يشتريه له، وإنما أمره أن يشتريه لنفسه؛ فهو بنفس الشراء يجب للمشتري كالآمر؛ فإن سمي له الثمن، لم يكن لكراهة ذلك وجه؛ لأنه بمنزلة من قال لرجل اشتر لنفسك فرس فلان بعشرة مثاقيل والثمن علي؛ وإذا لم يسم له الثمن، دخلته الكراهية، إذ لا يدري المأمور بما رضي الآمر أن يشتريه به، ولعله سيقول له إذا اشتراه لم أرد أن يشتريه بهذا الثمن؛ وقد كنت قادرا على أن تشتريه بأقل مما اشتريته به، فتعديت علي وقصدت إلى الإضرار؛ فيقع في ذلك بينهما خصومات، فهذا وجه الكراهية في ذلك عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
مسألة: فرس اعتل على صاحبه بأرض العدو
مسألة وسئل مالك عن فرس اعتل على صاحبه بأرض العدو، قال مالك: يعقره ولا يتركه واثقا ذبحه.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في رسم "حلف بطلاق امرأته" قبل هذا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
يعطى الفرس في سبيل الله أو السلاح هل يقبله
ومن كتاب
أوله أخذ يشرب خمرا
قال: وسئل مالك عن الرجل يعطى الفرس في سبيل الله، أو السلاح؛ أترى أن يقبله؟ قال: إن كان غنيا عنه، فلا أرى له ذلك؛ وإن كان محتاجا إليه، فلا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: قد تقدم في رسم طلق ذكر اختلاف أهل العلم في الأفضل في ذلك للغني على أن ينفقه إن احتاج، وإلا جعله في السبيل، وأما المحتاج، فالاختيار له قبول ما أعطي في السبيل من غير مسألة قولا واحدا.
ينتقل إلى الساحل وفيها دار قد جعلت في سبيل الله أيسكنها أم لا
ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان المضمون
قال: وسئل مالك عن الرجل ينتقل إلى الساحل وفيها دار قد جعلت في سبيل الله، أترى أن يسكنها؟ قال مالك: إن كان غنيا عنها، فأحب إلي أن يسكن غيرها؟ وإن كان سكنها، لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن الاختيار للغني ألا يسكنها، فإن سكنها لم يكن عليه في ذلك حرج؛ وهذا إذا كان فيها فضل عن سكنى المحتاجين من أهل السبيل، وقد مضى في الرسم الذي قبل هذا ما يدل على أن الاختلاف لا يدخل في هذا.
مسألة: المال يجعل في سبيل الله أيعطى منه المرضى
مسألة وقال مالك: في المال يجعل في سبيل الله، أيعطى منه المرضى؟ قال: نعم - في رأيي، ويستأذن صاحبه في ذلك؛ فقيل له يا أبا عبد الله، إنها وصية؟ فقال: الله أعلم وكأني رأيته يريد أن يخففه، ولم يبين لنا فيه شيئا، قال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا، إلا أن يكون المريض قد أيئس منه، أو يكون به ضرر، مثل المفلوج، والأعمى، وما أشبهه الذي لا قتال عنده؛ فلا أرى أن يعطوا ذلك؛ وسئل مالك عن الرجل يعطى المال في سبيل الله يفرقه، فيكون في الثغر غلمان قد راهقوا الحلم، ورموا عن القسي - ولم يحتلموا وقد راهقوا؛ أترى أن يعطوا منه شيئا؟ قال: لا - وغيرهم أحب إلي، قال ابن القاسم: فقيل له فلو قاتلوا أترى
أن يسهم لهم؟ فقال: نعم - إذا بلغوا مبلغ القتال وقاتلوا، ولا يعطوا من المال الذي يجعل في سبيل الله حتى يحتلموا.
قال محمد بن رشد: أما المريض الذي ترجى إفاقته، فلا اختلاف في أنه يسهم له ويعطى من المال الذي يجعل في السبيل؛ وأما المريض الذي قد يئس منه والمفلوج، وشبههما؛ فلا اختلاف في أنه لا يسهم لهم إلا أن يصيبهم ذلك بعد وجوب السهم لهم، ولا يعطون من المال الذي يجعل في السبيل؛ وأما الأعمى فلا يعطى من المال الذي يجعل في السبيل.
واختلف هل يسهم له أم لا؟ فروى محمد بن سحنون عن أبيه أنه يسهم له، والذي تدل عليه الرواية أنه لا يسهم له؛ وكذلك المقعد، والمرأة، والصبي - إذا بلغا مبلغ القتال وقاتلا، لا يعطوا من المال الذي يجعل في السبيل شيئا؛ واختلف هل يسهم لهم، فروى محمد بن سحنون عن أبيه في المقعد أنه يسهم له؛ لأنه يقاتل راكبا؛ وقال ابن حبيب في الصبي المراهق، والمرأة - إذا قاتلا أنه يسهم لهما، مثل ما قال ههنا في الصبي الذي قد بلغ مبلغ القتال وقاتل، خلاف ما في المدونة فيهما جميعا؛ وأما المقطوع إحدى الرجلين، أو المقطوع اليد اليسرى، فإنه يسهم لهما ولا يعطيان من المال الذي يجعل في السبيل شيئا.
مسألة: أبقت منه جاريته فأخذها المشركون ثم باعوها من رجل من المسلمين
مسألة وسئل مالك عن رجل يكون في أرض المشركين، فأبقت منه جاريته فأخذها المشركون، ثم باعوها من رجل من المسلمين - والمشتري يعرف أنها للرجل؛ قال: قال مالك: إن عرفها فليردها إلى صاحبها، قال ابن القاسم، يريد بالثمن وهو رأيي؛ قال ابن
القاسم: وهو مصدق في الثمن، إلا أن يأتي بأمر يستنكر حتى يستدل على كذبه حيث لا يشك في كذبه، فيأخذها بالقيمة؛ لأن مالكا قال: ما أبق من المسلمين إلى العدو من رقيق المسلمين، فهو مثل ما أسر؟ وإذا وقعت فيه المقاسمة، فلا شيء لصاحبه، إلا أن يشاء أن يفتديه بالثمن الذي بيع به.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن صاحب الجارية أحق بها بالثمن الذي اشتريت به، أو وقعت به في المقاسم؛ إن شاء أن يأخذها بذلك، وسواء أبقت إليهم، أو غلبوا عليها؛ هو قول مالك في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك في المذهب؛ وقول ابن القاسم إنه مصدق في الثمن إلا أن يأتي بأمر يستنكر حتى يستدل على كذبه حيث لا يشك في كذبه، فيأخذها بالقيمة؟ مبين لقول مالك، إلا أنه قول مجمل إذ لم يبين فيه هل يصدق بيمين أو بغير يمين، وتفسير ذلك أنه إن ادعى من الثمن ما يشبه، فهو مصدق دون يمين؟ وإن ادعى ما لا يشبه صدق بيمين، وإن ادعى ما يستنكر حتى لا يشك في كذبه، أخذها ربها بالقيمة - يريد قيمتها يوم اشتراها في الموضع الذي اشتراها فيه من بلد العدو - إن عرفت قيمتها بذلك الموضع، وإن جهلت قيمتها بذلك الموضع، ففي أقرب المواضع إلى ذلك الموضع الذي تعرف قيمتها به دون يمين أيضا؛ وهذا إن لم يدع صاحبها معرفة ما اشتراها به المشتري، وأما إن ادعى معرفة ذلك فتداعيا فيه واختلفا، فالقول قول المشتري مع يمينه - إن أتى بما يشبه؛ فإن أتى بما لا يشبه، كان القول قول صاحبها - إن أتى بما يشبه؛ فإن أتى أيضا بما لا يشبه، حلفا جميعا وأخذها بالقيمة على ما ذكرناه من الموضع الذي تقوم فيه؛ وإن نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف منهما، وإن أتى بما لا يشبه لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله؛ وهذا التفصيل الذي ذكرناه في هذه المسألة مبني على اختلاف الشفيع والمشتري في ثمن الشقص الذي فيه الشفعة، فهو قائم
من مسألة الشفعة في المدونة، ومن سماع أشهب من كتاب الشفعة؛ لأن العلة في كون القول قول المشتري في المسألتين جميعا، كون الشيء المدعى فيه بيده؛ فقف على ذلك، وسيأتي في آخر رسم "الجواب" من سماع عيسى في اختلاف الفادي والمفدي في الفدية ما فيه بيان لهذا - والله الموفق.
مسألة: يعطى الشيء في السبيل مثل الفرس يحمل عليه
ومن كتاب
أوله الشريكان يكون لهما المال وسألت مالكا عن الرجل يعطى الشيء في السبيل، مثل الفرس يحمل عليه، " أو الدنانير يعطاها " قال مالك: أما الوالي، فإني لا أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: يعني الخلفاء، وأما غيرهم فلا يجوز الأخذ منه؛ وأما الناس بعضهم لبعض، فإن كان غنيا فلا أحب ذلك (له) وتركه أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في تفسير قول مالك صحيح؛ لأن الخلفاء إليهم الاجتهاد في إعطاء مال الله وقسمته، فجائز لمن أعطوه شيئا في السبيل أن يقبله، وأما من دونهم من العمال، فلا يجوز لأحد أن يأخذ منهم شيئا؛ لأنهم مضروب على أيديهم، وكذلك الولاة، إلا أن يكون الخليفة قد فوض إليهم النظر في قسمة المال وإعطائه، فينزلون في ذلك منزلته، ويجوز الأخذ منهم؛ وقد مضى في رسم طلق بن حبيب، ورسم أخذ يشرب خمرا الكلام في إعطاء الناس بعضهم بعضا المال في السبيل، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
من تجهز للغزو إذا بدا له أن يقيم أيدفع جهازه إلى غيره
ومن كتاب
أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك عن الذي يتجهز للغزو إذا بدا له أن يقيم، أيدفع جهازه إلى غيره؟ قال: إني لأحب ذلك.
قال محمد بن رشد: استحب ذلك له ولم يوجبه عليه؛ لأنه نوى أن ينفقه في سبيل الله، فكره له أن يرجع فيما نوى - ولم ينذر نفقته في السبيل، فيكون ذلك عليه واجبا بالنذر؛ ولو بدا له أن يؤخر خروجه إلى غزوة أخرى، لأمر أن يرفع جهازه حتى يغزو به؛ إلا أن يخشى عليه الفساد، فيبيعه ويرفع ثمنه حتى يغزو به؛ إلا أن يكون موسرا يجد مثل جهازه إذا أراد الغزو فيفعل بجهازه ما أحب؛ - قاله مالك في موطئه في الذي يريد الغزو فيمنعه أبواه أو أحدهما، وهذا مثله سواء، وبالله التوفيق.
مسألة: أموال الرهبان وعبيدهم وزروعهم يمر بهم الجيش
مسألة وسألته عن أموال الرهبان وعبيدهم وزروعهم يمر بهم الجيش، فقال: لا أرى إذا علموا أنها للرهبان، أن يمسوا منه شيئا ولا يهيجوه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم أوله "الشجرة تطعم بطنين في السنة "، فلا معنى لإعادته.
مسألة: الجاسوس من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم
ومن كتاب البز وسئل مالك عن الجاسوس من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم وأخبرهم خبر المسلمين، ماذا ترى فيه؟ قال: ما سمعت فيه
شيئا، وأرى فيه اجتهاد الإمام.
قال ابن القاسم: أرى أن تضرب عنقه، وهذا مما لا تعرف له توبة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم صحيح؛ لأن الجاسوس أضر على المسلمين من المحارب، وأشد فسادا في الأرض منه؛ وقد قال الله تعالى في المحارب: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33]- الآية.
فللجاسوس حكم المحارب إلا أنه لا تقبل له توبة باستخفافه بما كان عليه، كالزنديق، وشاهد الزور؛ ولا يخير الإمام فيه من عقوبات المحارب، إلا في القتل والصلب لأن القطع أو النفي لا يرفعان فساده في الأرض وعاديته على المسلمين عنهم؛ وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول مالك: أرى فيه اجتهاد الإمام (أي) بين أن يقتله أو يصلبه؛ ومما يدل على وجوب القتل عليه، أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما قال في حاطب بن أبي بلتعة، إذ كتب إلي أهل مكة يخبرهم بقصد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إليهم، فأوحى الله تعالى بذلك إليه: دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، ولم ينكر عليه النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قوله، ولا قال له إن ذلك لا يجب في ذلك الفعل؛ وإنما أخبر أنه لا يجب على حاطب، لكونه من أهل بدر، مع قبوله لعذره والذي اعتذر به لعلمه بصدقه في ذلك من جهة الوحي؛ فذلك خصوص له، لا يشاركه فيه غيره، ولا يقاس عليه.
مسألة: أعطى سوارين في سبيل الله في الحضر فأراد أن يبيعهما قبل أن يخرج
مسألة وسئل مالك عن رجل أعطى سوارين في سبيل الله في
الحضر، فأراد أن يبيعهما قبل أن يخرج، وقبل أن يبلغ رأس مغزاه، يتقوى بثمنهما في سبيل الله؛ فقال: لا بأس بذلك، وإنما ذلك بمنزلة ما لو أعطى من الدنانير والدراهم ما يتقوى بها ويتكارى ويأكل منها؛ فقيل له أفيخلف لأهله منها نفقة، قال لا آمره أن يتخلف من ذلك عندهم شيئا.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في مواضع، ومضى القول عليها موعبا في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادة ذلك.
مسألة: قسمة الأرض التي أخذت عنوة
مسألة قال مالك: بلغني أن بلالا كلم عمر بن الخطاب في هذا المال بالشام في قسمه - وكان من أشد الناس عليه كلاما، فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم؛ فقال: اللهم اكفنيهم.
قال مالك: فبلغني أنه ما حال الحول عليهم - وواحد منهم حي؛ قال ابن القاسم: وإنما كان بلال وأصحابه سألوا عمر أن يقسم لهم الأرض التي أخذت عنوة بين الناس، فأبى ذلك عليهم عمر، قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك - أنه قال: ليس من الشأن قسم الأرض، ولكن تترك بحالها؛ وكل ما افتتح بعد عمر من العنوة، فالشأن فيه أن يترك كما فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قال سحنون: وحدثني ابن القاسم عن ابن كنانة، أنه كان يقول ذلك، قال سحنون: وأخبرني به ابن نافع عن مالك.
قال محمد بن رشد: ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس أرض خيبر وقسمها بين الموجفين عليها بالسواء، وأن عمر بن الخطاب أبقى سواد العراق، ومصر، وما ظهر عليه من الشام؛ ليكون ذلك في أعطية المقاتلة، وأرزاق المسلمين ومنافعهم؛ فقيل إنه استطاب أنفس المفتتحين لها، فمن شح بترك حقه منها، أعطاه فيه الثمن؛ فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في أرض خيبر، وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق؛ وقال إن أقر فيها أهلها لعمارتها كانت ملكا لهم، بدليل ما روي أن عمر وضع الخراج على بياضها وسوادها؛ إذ لو كانت للمسلمين، لكان وضع الخراج على سوادها، بيعا للتمر قبل أن يخلق، وقيل إنه أبقاها بغير شيء أعطى الموجفين عليها، وأنه تأول في ذلك قوله عز وجل في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10]- الآية.
وإلى هذا ذهب مالك وجميع أصحابه، خلافا للشافعي في قوله إنها تقسم كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض خيبر؛ وقد اختلف على هذا في آية الفيء هذه، وآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، فقيل إنهما محكمتان على سبيل التخيير في أرض العنوة بين أن تقسم على ما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض خيبر - مبينا لآية الأنفال - أنها على عمومها، وبين أن تبقى كما أبقاها عمر بدليل آية الحشر؛ وإلى هذا ذهب أبو عبيد - وهو قول أكثر الكوفيين أن الإمام مخير بين أن يقسمها - كما فعل الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في أرض خيبر، وبين أن يبقيها كما فعل عمر في سواد العراق؛ وقيل إن آية الحشر ناسخة لآية الأنفال؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين بفعله في أرض خيبر - أنها على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي؛ وقيل إن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال ومفسرة لها، ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من الغنائم،
وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما قسم أرض خيبر؛ لأن الله وعد بها أهل بيعة الرضوان، فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: 20] . فهي مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرضين المغنومة؛ وإذا أبقى الإمام أرض العنوة، وأقر فيها أهلها - لعمارتها، ضربت عليهم الجزية على ما فعل عمر في السواد، ووضع عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام، وهو وجه قول مالك في المدونة لا علم لي بجزية الأرض، فأرى أن يجتهد الإمام في ذلك ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه - أي إن لم يثبت عنده مقدار ما وضع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عليها من الخراج؛ لأنه إنما توقف في مقدار ذلك؛ وقيل إنه إنما توقف: هل عليها خراج أم لا خراج عليها، وتترك لهم فيستعينون بها على أداء الجزية دون خراج، وقيل إنه إنما توقف فيما يوضع عليها من الخراج: هل يسلك به مسلك الفيء أم مسلك الصدقة، قال ذلك الداودي، وحكي عن ابن القاسم أنه قال: والذي ينحو إليه مالك أن يسلك به مسلك الفيء، وهذا التأويل أبعد التأويلات - عندي؛ وذهب ابن لبابة إلى أن جزية الأرض توضع فيما أوقف الأرض له الإمام، فقال: إنما توقف مالك فيما يصنع بها إذا لم يدر لماذا أوقفها الإمام، ولا إن كانت افتتحت عنوة بقتال، أو عنوة بغير قتال؛ واختار هو إذا جهل ذلك أن يحمل على أنها افتتحت عنوة بقتال، فيكون أربعة أخماس ذلك لورثة من افتتحه - إن عرفوا، وإلا كان سبيل ذلك كله سبيل الخمس، والله الموفق.
يعطي الرجل الفرس في السبيل فيهلك الذي دفع إليه قبل أن يخرج
ومن كتاب
أوله باع غلاما بعشرين دينارا وسئل مالك عن الرجل يعطي الرجل الفرس في السبيل، فيهلك الذي دفع إليه قبل أن يخرج، فيقول ورثته نحن نغزو عليه ونأخذه؛ قال: لا أرى ذلك لهم، وأرى أن يأخذه صاحبه وينفذه في الوجه الذي جعله فيه في الغزو؛ ولو أنه أعطاه دنانير ثم هلك قبل أن يخرج، رأيتها بتلك المنزلة، يأخذها الذي أعطاها وينفذها في سبيل الله.
قال محمد بن رشد: وإذا قال صاحبه لم أبتله في السبيل، وإنما أردت عين الرجل، وأراد أن يأخذه؛ كان ذلك له على ما مضى في رسم طلق، وإن لم تكن له نية، مضى في السبيل؛ وفي ذلك اختلاف لسحنون في كتاب ابنه فيمن أوصى لفلان بمال في السبيل، فمات فلان قبل أن يأخذه، أنه يرجع ميراثا للورثة؛ وقال مالك، والأوزاعي، ومكحول، إن الورثة يضعونه في السبيل، وهو الذي يأتي على هذه الرواية.
مسألة: حمل على فرس في سبيل الله الانتفاع بشيء منه
مسألة قال: من حمل على فرس في سبيل الله، فلا أرى له أن ينتفع بشيء من ثمنه في غير سبيل الله؛ إلا أن يقال له شأنك به، فافعل به ما أردت، وقال مالك في الدنانير تدفع إلى الرجل في سبيل الله، فيستنفق منها في غزوة ثم يفضل معه منها فضلة؛ قال:
لا أحب له أن ينفقها إلا في غزوه، ولكني أحب أن يردها إلى صاحبها ويجعلها في سبيل الله - إذا هو رجع؛ ولا أرى له أن ينفقها في غزوه، إلا في سبيل الغزو ولا يضعها في غير ذلك - يعني لا يشتري بها - وإن كان في الغزو - إلا ما يجعل في الغزو، ولا يشتري به لامرأته أو بناته شيئا، ولا يضعها في غير ذلك؛ فذكر له حديث ابن المسيب وغيره، فلم ير ذلك، وقال: هذا الذي أرى؛ قال: وأرى لو أن رجلا دفع إلى رجل فرسا، أو ذهبا في سبيل الله، فيقول اصنع بها ما شئت هو لك؛ قال: إن كان قال له ذلك، فأراه لصاحبه مالا من ماله، يعمل به في غزوه إذا هو بلغه ما يعمل به في ماله؛ وإن كان وصى، قال: له ذلك، لم أر أن قول الوصي في ذلك جائز أن يصرفه في غير سبيل الله؛ قال سحنون: جيدة صحيحة.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في مواضع، ومضى القول عليها موعبا في أول رسم، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
الرباط وجهاد المصيصة أي ذلك أعجب
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسألت مالكا عن الرباط وجهاد المصيصة: أي ذلك أعجب إليك؟ فقال: المصيصة، إلا أن يكون ما عندكم
أخوف؛ فإذا كان كذلك، اثر الرجل ناحيته؛ فإن كان فيه غنما، فالمصيصة أحب إلي، ولا أرى أن يقاتلوا إلا أن يدعوا ورأيته يكره التبييت.
قال محمد بن رشد: روي في الرباط فضل كثير، وقد قيل إنه أفضل من الجهاد؛ وقد مضى القول في ذلك في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة "، فلا معنى لإعادته.
وقوله رأيته يكره التبييت - يريد قبل أن يتقدم إليهم بالدعوة؛ وأجاز التبييت محمد بن المواز، واحتج بقصة كعب بن الأشرف - يريد أن ذلك جائز فيمن قد بلغته الدعوة، إن التبييت تابع لها، فهو لا يجوز حين تجب الدعوة، ويكره حيث تستحب الدعوة، ويجوز حيث لا تجب الدعوة، وقد قيل إن ذلك اختلاف من القول - حيث لا تجب الدعوة، فمرة أجازه، ومرة كرهه، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا جاء قوما بليل لم يغز حتى يصبح، وذلك لوجهين: أحدهما مخافة أن يصيبوا الولدان والنساء.
والثاني: مخافة أن يؤتى عليهم في ذلك لجهلهم بالبلد - والله أعلم، وسيأتي القول في الدعوة قبل القتال في أول نوازل أصبغ من هذا الكتاب.
مسألة: النفقة يعطاها الرجل في سبيل الله فيفضل معه فضلة فيريد أن يخرج
مسألة وسئل مالك عن النفقة يعطاها الرجل في سبيل الله، فيفضل معه فضلة فيريد أن يخرج، قال مالك: ليردها إلى من دفعها إليه إن شاء، أو يفرقها في سبيل الله؛ قال مالك: ومن أعطي شيئا في الحج للنفقة، فليرد ما فضل من دفعها إليه؛ إلا أن يكون استؤجر استئجارا، فيكون له ما فضل؛ ومن أعطي شيئا يقسمه في سبيل الله، فليقسمه كما أعطي، فإن لم يجد فليرده.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة متكررة في مواضع، وقد مضى القول عليها - موعبا في أول رسم من هذا السماع، فلا وجه لإعادته.
مسألة: يغزو أرض العدو فيصنع سرجا ويصنع نشابا فيرمي ببعضها ويبقى بعض
مسألة وسئل مالك عن الرجل يغزو أرض العدو فيصنع سرجا ويصنع نشابا، فيرمي ببعضها ويبقى بعض؛ قال مالك: ذلك يسير، ما أرى أن يرد منها شيئا في المقاسم، مثل السرج والنشاب وما أشبهه.
قال محمد بن رشد: قوله ذلك يسير ما أرى أن يرد منها شيئا في المقاسم، يدل على أن الكثير عنده بخلاف ذلك؛ وقد اختلف فيه إذا كان كثيرا على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه له بيعه ويخرج به ولا شيء عليه فيه، والثاني: أنه يأخذ إجارة ما عمل فيه والباقي يصير فيئا، وهذان القولان في المدونة.
والثالث أن جميعه فيء ولا أجرة له في عمله، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون؛ وأما اليسير فلا اختلاف في أنه له ولا شيء عليه فيه، وهذا الاختلاف إنما هو فيما عمل مما لا ثمن له، أو مما له ثمن على مذهب من يرى أن للرجل أن يأخذ من أرض العدو ما لم يجزه إلى بيوتهم من أشيائهم المباحة، وإن كان له في أرض العدو ثمن مثل المسن والدواء، من الشجر، والطير التي للاصطياد - إذا صادها، وهو قول ابن وهب، وابن عبد الحكم؛ وأما على مذهب من يرى أنه ليس له أن يأخذ شيئا من ذلك - إذا كان له ثمن، وأن ما صاده للأكل، حكمه حكم طعام الغنيمة - إن باع منه شيئا، جعل الثمن في المقاسم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وعزاه إلى مالك وأصحابه، وقول ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى
بعد هذا، فيتخرج الحكم أن من عمل من ذلك شيئا على قولين، أحدهما: أنه يرد في المقاسم ولا أجرة له، والثاني: أن يكون له فيه إجارة مثله، والباقي فيئا.
مسألة: مات فرسه أيركب فرسا من خيل العدو ويقاتل عليه
مسألة قيل له: يا أبا عبد الله، أرأيت لو مات فرسه، أيركب فرسا من خيل العدو، ويقاتل عليه ويقفل عليه؟ قال: نعم، أرى أن يقاتل عليه ويقفل عليه، فإذا بلغ بلاد المسلمين، رده في المقاسم.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا، مثل قول ابن القاسم في المدونة، خلاف رواية ابن وهب، وعلي بن زياد عنه - في أنه لا ينتفع بدابة، ولا بسلاح، ولا بثوب، ولو جاز ذلك، لجاز أن يأخذ دنانير فيشتري بها.
قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو فيما عدا الانتفاع بالخيل والسلاح في معمعة الحرب، إذ لا اختلاف في جواز الانتفاع بها في معمعة الحرب؛ وإنما اختلفوا هل له أن يمسكها بعد الحرب حتى ينقضي القتال، ويقفل على الخيل أم لا؟ وقد روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أنقصها ردها في المغانم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من المغنم، حتى إذا أخلقه رده في المغانم» . فمن حمل الحديث على عمومه، منع من ذلك إلا في معمعة الحرب، ومن تأوله فقال: معناه إذا فعل ذلك على وجه الخيانة، أو على غير حاجة إلى ذلك إلا ليقي ماله؟ أجاز الانتفاع بذلك على كل حال - إذا احتاج - قياسا على ما أجمعوا عليه من إجازة أكل الطعام واستهلاكه، لحاجة المسلمين إلى ذلك.
مسألة: يعطى الفرس في سبيل الله أيبيعه
مسألة وسئل مالك عن الذي يعطى الفرس في سبيل الله، أيبيعه؟ قال: نعم إذا كان يريد أن يشتري بثمنه غيره، أو يتكارى بثمنه في سبيل الله؛ فأما أن يبيعه ويأكل ثمنه في أهله، فلا أرى أن يبيعه وهو في غير رباط.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم "باع غلاما"، وفي رسم طلق، وقد قيل إنه محمول على التحبيس حتى ينص أنه أراد بذلك التبتيل، وقد ذكرنا ذلك في أول رسم من هذا السماع.
مسألة: أهل المصيصة لا يقاتلوا حتى يؤذنوا ولا يغار عليهم
مسألة وسئل مالك عن أهل المصيصة إذا أغاروا في أرض الروم، فأتوا حصنا لهم، أترى أن يغيروا حتى يؤذنوا؟ قال مالك: لا أحب لهم أن يغيروا حتى يؤذنوا.
فقيل له: فإن الدعوة قد بلغتهم، قال مالك: وإن كان، فإني أرى أن لا يقاتلوا حتى يؤذنوا ولا يغار عليهم.
قال محمد بن رشد: قوله لا أحب لهم أن يقاتلوا حتى يؤذنوا،
ولا يغار عليهم - يريد حتى يؤذنوا، أي حتى يعلموا أنهم إنما يقاتلونهم على الدين، لا على الغلبة - وإن كانت دعوة الإسلام قد بلغتهم؛ إذ قد يجهلون ما يقاتلون عليه، فاستحب إذا دخلوا أرض الروم فأتوا حصنا لهم، أن يمسكوا عن الغارة عليهم حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ وذلك حسن، لا سيما إن طمعوا أن يجيبوهم إليه، ويدخلوا فيه، وإنما استحب ذلك ولم يوجبه، لاحتمال أن يكونوا قد علموا أيضا على ما يقاتلون، والاستحباب يرجع إلى نفي الوجوب، وهو أحد قولي مالك في المدونة؛ وقد قال يحيى بن سعيد: فيها إن ذلك من الحق عليهم، وسيأتي في أول نوازل أصبغ بيان هذه المسألة - إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
مسألة: اللينة ماهيتها وهل يجوز قطعها
مسألة قال مالك في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: 5]- الآية.
قال: اللينة ما سوى العجوة من الثمار من الألوان.
قال محمد بن رشد: قد قيل في اللينة إنها لون من النخل، روي ذلك عن ابن عباس، وقال مجاهد: اللينة النخل كلها: العجوة وغيرها.
ويشهد بصحة قول مالك، ما روي عن ابن عباس وغيره: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقطع نخل بني النضير إلا العجوة، وذلك لأنها كانت قوتهم الذي يعتمدون عليه، وهي التي جاء الحديث في فضيلتها: قول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «العجوة من الجنة» ، وثمرها يغذو ما لا يغذو غيره - والله أعلم، فشق ذلك عليهم وقالوا: أنتم تزعمون أنكم تكرهون الفساد وهذا من الفساد، دعوا النخل لمن غلب، فأنزل الله تعالى الآية بتصويب فعل
النبي، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأن ما أمر به كان عن إذنه عز وجل، وقيل إنهم لما قطعوا بعضا، وتركوا بعضا، سألوا رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هل لهم أجر فيما قطعوا، أو عليهم وزر - فيما تركوا؟ فأنزل الله الآية، فهي دالة على إباحة القطع، وعلى ألا حرج في الترك؛ وتوقف مالك في المدونة في الأفضل من ذلك، وتأول الآية على أنه لا بأس بالقطع؛ والأظهر أن القطع أفضل من الترك، لما في ذلك من إذلال العدو، وإصغارهم ونكايتهم، وقد قال عز وجل: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120] . إلا أن يكون بلدا يرجى أن يصير للمسلمين، فيكون التوقف عن القطع والتحريق والتخريب أفضل، بدليل نهي أبي بكر أمراء جيوشه إلى الشام عن ذلك، لما علم أن المسلمين يفتتحونها بقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث المشهور: ويفتح الشام، فيأتي قوم فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم - لو كانوا يعلمون.
وبحضه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصلاة في بيت المقدس، وبشد المطايا إليها.
وما أشبه ذلك من الآثار الدالة على ذلك، وإنما نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قطع العجوة؛ لأنها من ثمار الجنة على ما روي عنه - والله أعلم، وبه التوفيق.
مسألة: أوصى بسلاحه في سبيل الله أيعطاه أهل الديوان
مسألة وسئل مالك عن رجل أوصى بسلاحه في سبيل الله، أيعطاه
أهل الديوان؟ قال مالك: لست أحب أن يعطاه أهل الغناء، ولكن يعطاه أهل الحاجة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن أهل الحاجة أحق وأولى؛ لأنهم إن لم يعطوا لم يقدروا على الخروج، ففي جعل المال فيهم قوة على الجهاد، واستظهارا على العدو بكثرة العدد.
مسألة: متى فتحت مصر
مسألة قال مالك: فتحت مصر سنة عشرين.
قال محمد بن رشد: اختلف في مصر فقيل إنها افتتحت عنوة، وقال الليث: نحن أعلم ببلدنا، إنما أخذت صلحا، أخبرني بذلك جوهرتا البلدين - يريد ابن حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر.
- يعني أن الصلح وقع على أن تكون الأرض للمسلمين - كما فعل النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ببعض أرض الحجاز، لا على أنها تركت لأهلها؛ لأن ذلك لا يبيح الدخول فيها، وقد اختلف في السبب الذي دخل به الليث فيها، فقيل بالاشتراك وقيل بالاكتراء، وقيل بالانقطاع، وإنكار الليث أن تكون أخذت عنوة يدل على أن مذهبه في أرض العنوة، أن تخمس وتقسم، وقيل إنها فتحت صلحا ثم نقضوا، فأخذها عمرو بن العاص عنوة، وبالله التوفيق.
يبتاع الفرس فيحمل عليه في سبيل الله ثم يجد به عيبا
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن الرجل يبتاع الفرس فيحمل عليه في سبيل الله، ثم يجد به عيبا؛ أترى أن يرجع بقيمة العيب على الذي باعه منه؟ قال: إن كان قد مضى وخرج به، فأرى ذلك له؛ وأما إذا كان
حاضرا - وكان بيده، فإني أرى أن يرده على الذي ابتاعه منه، ويبدل غيره بموضع ما أنفذه فيه.
قال محمد بن رشد: إنما كان له أن يرده بالعيب إن كان لم يخرج به الذي حمل عليه - وإن كان قد أنفذه في السبيل، من أجل أنه لم يتعين للحمول عليه في عينه حق بالحملان، ولا فات بتحبيس عينه في السبيل، لجواز بيعه وإنفاق ثمنه في السبيل - على ما مضى في هذا الرسم وغيره؛ فأشبه ذلك من اشترى دارا فتصدق بها على المساكين، ثم وجد بها عيبا قبل أن تباع ليفرق ثمنها على المساكين؛ إن ذلك ليس بفوت، وترد بالعيب، ويتصدق بالثمن على المساكين، وعلى القول بأنه محمول على التحبيس، يكون ذلك فوتا، ويرجع بقيمة العيب فيجعله في فرس حبيس، أوفي السبيل - على اختلاف في هذا الأصل، قد مضى في سماع أصبغ من كتاب الضحايا.
مسألة: يأخذ مسن الشيء من أرض العدو
مسألة وسئل مالك عن الرجل يأخذ مسن الشيء من أرض العدو، مثل الحجر والرخام والمسن والدواء، من الشجر، والعصا؛ قال: أما العصا والدواء، فلا أرى به بأسا، وأما الرخام والمسن ففيه شك؛ لأنه لم ينل ذلك الموضع إلا بجماعة الجيش فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: قد قيل إنه لا يجوز له أن يأخذ شيئا من ذلك - إذا كان له ثمن، وقيل إنه يجوز له أن يأخذه وإن كان له ثمن؛ لأنه مما لم يملكه العدو، ولا حازوه إلى بيوتهم - على ما مضى في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات"، وتفرقة مالك ههنا بين ما أنبتته الأرض وما لم تنبته، على ما فسر به قول مالك ابن القاسم في المبسوطة قول ثالث، ولا يعضده أصل، وأما ما لا ثمن له من ذلك كله، فلا بأس بأخذه قولا واحدا.
مسألة: توافقوا في الغزو أن يتخارجوا النفقة من عندهم فيأكلون معا
مسألة وسئل مالك عن القوم يغزون في سبيل الله ويرابطون، فيعطى رجل ذهبا في سبيل الله ثم ينزلون جميعا، وربما كانوا جماعة فيخرجون خراجا، ويخرج معهم الذي أعطى والذي أعطي؛ أترى على الذي أعطى شيئا فيما يأكل من أجل الذي أعطي في سبيل الله؟ قال: لا بأس بهذا، وليس هذا مما يتقي؛ وقد قال الرسول، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في لحم بريرة: هو لها صدقة، وهو منها إلينا هدية.
وهذا لا بأس به وهو خفيف.
قال محمد بن رشد: استخف إذا توافق في الغزو الذي أعطى والذي أعطي - أن يتخارجوا النفقة من عندهم، فيأكلون معا، ولم ير ذلك مما يتقى - إذا لم يقصد المعطي أن يأكل أكثر مما أخرج؛ وإنما فعلوا ذلك لما لهم فيه من الرفق، وعلى العادة الحسنة في حسن المعاشرة بين الرفقاء في الأسفار؛ فحجته بحديث بريرة ليست ببينة؛ لأن من أعطى شيئا في سبيل الله، فلا يجوز له أن يرجع فيه ولا في شيء منه بوجه من الوجوه: من شراء، أو عطية، أو هبة، أو صدقة؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لعمر بن الخطاب، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذ أراد شراء الفرس الذي كان حمل عليه في سبيل الله، لما أضاعه صاحبه، وأراد بيعه: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن «الذي يعود في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» . وإنما الحجة في جواز ذلك، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ [البقرة: 220]- الآية.
فأباح للوصي خلط نفقته بنفقة يتيمه - إذا قصد بذلك رفق يتيمه، لا الارتفاق بماله، فكذلك هذه المسألة - سواء، وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في رسم "يدير ماله" من سماع عيسى من كتاب النذور - إن من حلف ألا يأكل من طعام رجل، فاصطحبا في سفر، واشتريا طعاما فأكلاه؛ أنه لا حنث عليه - إن لم يأكل أكثر من نصيبه، وبالله التوفيق.
الجوار بمكة بعد الحج
ومن كتاب
أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه
وسئل مالك عن الحج: القفل أحب إليك أم الجوار؟ قال: ما كان الناس إلا على الحج والقفل، ورأيته يرى أن ذلك أعجب إليه، فقلت له: والغزو يا أبا عبد الله؟ فإن ناسا يقولون ذلك، فلم يره مثله، قال: وقد كانت الشام حين افتتحت - وكانت بحال حرب، فأقام فيها غير واحد من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، منهم أبو أيوب، ومعاذ، وبلال، وأبو عبيدة.
قال محمد بن رشد: كره الجوار بمكة بعد الحج، واستحب القفل إثر تمام الحج، بخلاف الغزو - اتباعا للسلف، ولذلك وجه من طريق المعنى، قد ذكرته في رسم "صلى نهارا" من سماع ابن القاسم من كتاب الحج، فاختصرت ذكره ههنا اكتفاء بذكره هناك.
مسألة: لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه وأن يكون في وسطهم
مسألة قال مالك: ينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه، وأن يكون في وسطهم، ويبعث سراياه ليلا يقطع بالناس، وهو يستحب أن يكون في آخرهم، ويقدم الناس، وقد كان عمر بن الخطاب إذا
كان في السفر، كان في آخر الناس حتى يقدم المعتل بعيره والضعيف؛ وهذا مما ينبغي لإمام الجيش أن يفعله: أن يكون في آخر الناس، وأن يقدمهم ويرفق بهم، ولا يعجلهم؛ كأنه يقول إذا فعل ذلك، فإن فيه هلاك بعضهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، ليس فيه ما يشكل، ومن الحجة في ذلك، قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الكبير، والسقيم، والضعيف؛ وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» . وقد روي عنه أنه قال المضعف أمير القوم، لما يلزمهم من الوقوف عليه إذا وقف، والتأخير بسببه إذا تأخر، والسير بسيره إذا سار، وبالله التوفيق.
مسألة: الرجل من الأندلس يريد أن يلحق بالمصيصة وله أهل بالأندلس
مسألة وسئل مالك عن الرجل من أهل الأندلس، أراد أن يلحق بالمصيصة والسواحل - وله ولد وأهل بالأندلس؛ أترى له في ذلك سعة؟ قال: نعم، ثم قال: أيخشى عليهم الضيعة؟ قال: نعم، فكأنه لم يعجبه ذلك حين خاف الضيعة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن قيامه على أهله وولده وترك إضاعتهم - واجب عليه، بخلاف الغزو والرباط، ولا ينبغي لأحد أن يضيع فرضا واجبا عليه لما هو مندوب إليه.
مسألة: الغزو في البحر
مسألة قال سحنون: أردت غزوا في البحر، فسألت عن ذلك ابن القاسم فنهاني.
قال محمد بن رشد: إنما نهاه - والله أعلم - لأنه علم أنهم كانوا لا يغزون فيه على الصواب، ولا يحافظون فيه على الصلاة في أوقاتها؛ فخشي عليه إن غزا معهم، ألا يقدر على محافظة ما يضيعون، ولا على السلامة مما يصنعون؛ لأن الغزو في البحر إذا كان على السنة وإصابة الحق، فهو من أفضل أعمال البر، بدليل حديث «أنس بن مالك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نام عند أم حرام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة» ، أو مثل الملوك على الأسرة، وأنه دعا لها أن يجعلها منهم بسؤالها إياه ذلك؛ وهذا بين، والله الموفق.
هل يرضخ للنساء والصبيان من الغنيمة
ومن كتاب
أوله مرض وله أم ولد فحاضت
قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول «لما انهزم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم حنين، قبضت أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري على عنان بغلة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قالت يا رسول الله مر هؤلاء الذين انهزموا أن تضرب رقابهم، فقال لها رسول الله: أوخيرا من ذلك يا أم سليم؛ فقيل له أفأسهم لها ولمن كان يخرج مع رسول الله من النساء في مغازيه لدواء الجرحى، أو لغير ذلك؟ فقال: ما علمت أنه أسهم لامرأة في شيء من مغازيه» .
قال محمد بن رشد: قوله أو خير من ذلك يا أم سليم - يريد الدعاء إلى الله عز وجل بإنجاز ما وعده به من النصر؛ وكذلك فعل: رفع يديه إلى الله يدعو يقول: اللهم إني أنشدك ما وعدتني ونادى أصحابه وقبض قبضة من الحصى، فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها، وقال: شاهت الوجوه، فأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآن حمي الوطيس فهزم الله أعداءه من كل ناحية، حصبهم فيها رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم، وإبلهم.
وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]- الآية، وقال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25]- إلى قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 26] . وأما قوله ما علمت أنه أسهم لامرأة في شيء من مغازيه، فهو مما لا اختلاف فيه: أنه لا يسهم للنساء، ولا للصبيان، ولا للعبيد؛ وإنما اختلف هل يرضخ لهم من الغنيمة على غير وجه قسم، فلم ير ذلك مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وذهب ابن حبيب إلى أن ذلك مما يستحب للإمام أن يفعله.