البيان والتحصيلصفحات 215-254
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع السابع

صفحات 215-254
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أبا بكر [أبايعْك] فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، فمررنا على سعد بن عبادة فقال قائل من الأنصار قتلتم سعدا.
فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة وشر، والله ما رأينا فيما حضرنا من أمرنا أمرا كان أقوم من بيعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم قبل أن تكون بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا.
فلا يغترن امرؤ أن يقول كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها.
ألا وإنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر الحديث.
وقوله فيه إن ابن عباس كان يقرئ ابن عوف، معناه أنه كان يقرأ عليه ليتعلم منه.
والقشعريرة: رعدة كانت تأخذه من الوجل والخوف.
قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2] وقال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23] . وقول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لا تفعل، بمعنى الرأي يشير به لا بمعنى النهي.
وقوله يا أمير المؤمنين توقير له، وكذلك ينبغي أن يفعل بأئمة العدل.
وقول القائل لو قد مات عمر بايعت فلانا، يريد رجلا لا يستحق الخلافة، ولذلك أنكر عمر قوله ووعد أن يقول مقالة يحذر الناس فيها من الذين يريدون أن يغتصبوا الأئمة أمرهم.

وقوله: لا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة: يقول لا يحدث نفسه أن يفعل مثل ذلك فيتم له فإن هذا لا يكون، لأن الله تعالى إنما وقى شر ذلك وإن كانت فلتة لما بان به أبو بكر من الفضل الذي لا ينازع فيه.
وقوله: تنقطع دونه الأعناق: يقول ليس أحد يرفع رأسه إلى مساواة أبي بكر.
وقوله كان من خيرنا معناه كان خيرنا، ومن صلة، مثل قوله عز وجل: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾ [القصص: 81] ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: 20] . وقوله: إن الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، يريد قوله في حديث الموطأ: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله عز وجل فتترك فريضة أنزلها الله عز وجل، فإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف» . وقد اختلف في قوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقيل: كان ذلك قرآنا يتلى على ظاهر قول عمر ثم نسخ خطه وبقي حكمه، فقيل: لم يكن قرآنا وإنما كان وحيا أوحي به إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان يتلى على أنه وحي لا على أنه قرآن، وهذا هو الذي نختاره، إذ لو كان قرآنا لم يخل أن يكون محكما أو منسوخا، ولا يصح أن

يكون محكما إذ لو كان محكما لثبت بين اللوحين ولما صح سقوطه، لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] ، ولا يصح أن يكون منسوخا لوجهين: أحدهما وجوب العمل به، والثاني إرادة عمر أن يكتبه في المصحف، إذ يبعد أن يريد أن يكتب في القرآن ما ليس من القرآن.
فإذا بطل أن يكون محكما وأن يكون منسوخا بطل أن يكون قرآنا، فإنما كان وحيا يتلى أنزله الله تعالى على نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بيانا لمجمل كتابه، فهم عمر بن الخطاب أن يكتبه في عرض المصحف على أنه وحي وبيان لمجمل كتاب الله لا على أنه قرآن، ثم لم يفعل لما خشي أن يظنه الجاهل قرآنا.
وإنما قال عمر ابن الخطاب: الرجم في كتاب الله عز وجل حق، من أجل أن الوحي قد بين أن مراد الله عز وجل بقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] هو الرجم، وأن الحكم الذي يتعلق بالمحصنات في قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] هو الرجم، والله أعلم.
وقد قيل إنه كان يقرأ وحيا فظنه عمر قرآنا، قاله إسماعيل القاضي، وهو بعيد، لأن عمر لا يصح عليه أن يظن قرآنا ما ليس بقرآن، لأن من علامات القرآن أنه محفوظ معلوم لا يصح الشك فيه ولا الارتياب في شيء منه.
وفي هذا الحديث وجوه من الفقه، منها: أن الإمامة تنعقد وتتم برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها الرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة، ويجب أن يحضر العقد له نفر من المسلمين، وقد قيل إن أقل ما يجب أن يحضره أربعة نفر سوى العاقد والمعقود له قياسا على فعل عمر في الشورى، وهذا لا يلزم، لأن عمر لم يقصد

بجعلها شورى في تحديد عدد الحاضرين للعقد، وإنما جعلها فيهم دون غيرهم لأنهم أفاضل الأمة، وقد أخبر بذلك عمر عن نفسه: أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي وما تداخلني فيه الشكوك، يريد في أخذ رأيه ومشورته.
وفيه أن الإمامة فرض، وقد قال بعض الناس إنها سنة، واحتج من ذهب إلى ذلك بأن الأمة بقيت بلا خليفة من وقت وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أن استخلف أبو بكر، ومن وقت موت عثمان إلى أن بويع لعلي.
قال: ولم يكن الله سبحانه ليجمع الأمة على تضييع فريضة.
واحتج من رآها فريضة بأن الفروض تقام بها وبأنه أمر لا يوجد السبيل إلى تركه، قال: وليس إن بقي الناس وقتا من النهار بلا خليفة تعطلت الفروض، إذ لم يضع فيه فرض ولا حق لم يدرك في غيره.
وفيه دليل أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يعهد، ولو عهد لاحتج به أبو بكر.
وفيه النصيحة لأهل الإسلام والقيام بالحق في العسر واليسر.
وفيه إقرار عمر لأبي بكر الصديق بأنه أفضل منه وأقوى على الأمر منه.
وقوله: نزونا على سعد، يعني الوثوب لتبادرهم إلى بيعة أبي بكر.
وقوله: قتل الله سعدا فإنه رأس فتنة، يعني أنه لو تم ما

اجتمعت الأنصار إليه كانت فتنة، لأن العرب لا تقر بذلك لهم.
وقوله قتل الله سعدا ليس على معنى الدعاء، وإنما هو بمعنى الذم والإنكار لفعله، وربما قالت العرب ذلك في المدح للرجل عند الإعجاب بفعله، يقولون: أجاد قاتله الله، وكان سعد سيد الخزرج وأحد النقباء، شهد أحدا وما بعدها.
وقد روي من الطرق الصحاح أنه لم يقل أحد منهم لأحد إلا خيرا، وإن بويع لخليفة بعد آخر قتل الآخر، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب قال: إذا بويع خليفة فإن بويع آخر فليقتل الثاني.
وإنما قال ذلك لأن بيعة الثاني تجر إلى فساد.
وقد أباح الله القتل بالفساد بقوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] ، وقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] الآية.
وفي الحديث أيضا غير ما وجه، من ذلك فضل التهجير إلى الجمعة، وأن المؤذن يؤذن الجمعة بعد جلوس الإمام على المنبر، وأن يمين المنبر ما بين المنبر والمحراب وهو أشرف أماكن المسجد، وبالله التوفيق.

قول العالم لا أدري فيما لا يدري

في قول العالم لا أدري فيما لا يدري وقال [في] رجل [قال] لعبد الله بن عمر: كيف تقول في ودية بوديتين، فسكت عنه، ثم أعاد عليه فقال ابن عمر ودية

بودتين وودتين بودية لا علم لي.
قال: وسئل ابن عمر عن فريضة فقال لا علم لي، فقال السائل: إذا لم تعلم وأنت صاحب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وابن عمر بن الخطاب، فمن يعلم؟ فقال ابن عمر: من علمه الله عز وجل إياها، ثم دله ابن عمر على رجل فذهب إليه.
قال: وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن أبا بكر الصديق كان يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت على الله ما لا أعلم.
قال محمد بن رشد: كان يلزم العالم أن يقول لا أدري إذا سئل عما لا يدرى، فإن الذي يجهل من العلم أكثر من الذي يدري.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: 85] . ولا ينبغي أن يتكلم في شيء من العلم إلا بعد روية وتدبر.
وقد قال بعض العلماء: إذا علمت فقل، وما أستؤثر عليك بعلمه فكله إلى عالمه، وبالله التوفيق.

العزلة عن الناس وكراهة الدخول في الفتن

في العزلة عن الناس وكراهة الدخول في الفتن قال: وقال يحيى بن سعد إن رجلا يدعى بأبي الجهيم عمي وترك مجالسة الناس واعتزلهم، فقيل له: ألا تجالس الناس؟ فقال: إني وجدت قرب الناس من الشر.
قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص جليسا - لأبي الجهيم يتحدثان، فكان من عبد الله ما كان، فسأل عنه فأخبر فحلف ألا يكلمه أبدا.
فلما قدم عبد الله أتاه

فسلم عليه فكلمه فلم يكلمه، فقال عبد الله: قد علمت لم فعلت.
هذا فاعتذر، فقال: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لي: أطع أباك» . قال محمد بن رشد: أبو الجهيم هذا هو، والله أعلم، أبو الجهيم أيضا من الصحابة.
روي عنه أنه قال: «أقبل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نحو بئر حمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[شيئا] حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد السلام عليه» . ويحتمل أن يكون أبا جهيم عبد الله بن جهيم الذي روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في «المار بين يدي المصلي أنه لو علم ما عليه في المرور بين يديه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه» . وعبد الله بن عمرو بن العاص مشهور من فضلاء الصحابة وعلمائهم، قرأ الكتب واستأذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أن يكتب حديثه فأذن له، «قال: يا رسول الله، أكتب كما أسمع منك في الرضا والغضب، قال: نعم فإني لا أقول إلا حقا» . وقال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب

ولا أكتب.
وكان يسرد الصوم ولا ينام [من الليل] فشكاه أبوه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لعينك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا قم ونم وصم وأفطر صم ثلاثة أيام من كل شهر فإنه صوم الدهر.
قال: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم يزل يراجعه في الصيام حتى قال له لا صومَ أفضلُ من صومِ داوودَ كان يصوم يوما ويفطر يوما» . فتمادى على ذلك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ونازل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قراءة القرآن من شهر إلى سبع وراجعه في ذلك بقوله: إني أطيق أكثر من ذلك، حتى قال له: لا تقرأه في أقل من سبع وبعضهم يقول في أقل من خمس.
والذي عتب عليه فيه أبو جهيم وحلف من أجله ألا يكلمه شهوده صفين مع معاوية.
وقد اعتذر من ذلك وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وأنه إنما شهدها لعزم أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «أطع أباك» . وروي عنه أنه يقول: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني لم أحضر شيئا منها، وأستغفر الله عز وجل من ذلك وأتوب إليه، إلا أنه ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية، وجعل يستغفر الله من ذلك ويتوب إليه، ولم يدخل فيما دخل إليه من ذلك إلا وهو يرى باجتهاده أنه سائغ له، ثم رأى البصيرة في خلاف ذلك فندم واستغفر الله مخافة أن يكون قصر في الاجتهاد، فهو محمود في كلتا الحالتين إن شاء

الله.
وقد مضى هذا بمعناه في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

حكاية عن عبد الله بن عمر

قال: وقدم عبد الله بن عمر الجحفة وبها ابن عامر بن كريز فوضع ابن عمر طعاما فكان يأكل، فقال ابن عمر لطباخه احمل إليه طعاما فوضعه بين يديه، فلما أكل لونا أتاه بلون آخر، فذهب ليأخذ الذي بين يديه ليرفعه، فقال له ابن عامر ما تريد؟ فقال: أرفع هذا وأضع هذا، فقال له ابن عمر: صبه عليه، فصبه، ثم أتاه أيضا بلون آخر فقال أيضا: صبه عليه فصبه، ثم ذهب الطباخ إلى ابن عامر فقال له: هذا الأعرابي فعل كذا وكذا، فقال: انظر ما أمرك به فاصنعه.
قال محمد بن رشد: هذا بين من تواضع عبد الله بن عمر وفضله وتركه لسير الملوك المترفين في الدنيا، وبالله التوفيق.

التلطف في سؤال العالم

في التلطف في سؤال العالم ومن المتظاهرتين على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أزواجه قال مالك عن أبي النضر عن علي بن حسين عن ابن عباس أنه أراد أن يسأل عن اللتين تظاهرتا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

من أزواجه، فأخبر أن عمر بن الخطاب يعلم ذلك، فأقام سنة يريد أن يسأله عن ذلك ويهابه إن سأله حتى سافر معه سفرا فرآه ابن عباس جالسا تحت شجرة فأتاه فحادثه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء منذ سنة، فقال عمر: ما لك لم تسأل؟ فقال: خفت أن تعاتبني، فلما كان الآن قلت: إن عاتبني عاتبتني خاليا، فقال عمر: سل، فقال ابن عباس: من اللتان تظاهرتا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نسائه؟ فقال عمر: عائشة وحفصة.
قال محمد بن رشد: كانت حفصة مصافية لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وكانتا متظاهرتين متعاونتين على نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجاء عن ابن عباس أنه قال: «كان لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسع نسوة ولكل واحدة منهن بيت وحجرة، ولكل امرأة منهن يوم وليلة من نفسه» . فلما كان يوم عائشة الذي يأتيها فيه زارت حفصة أباها عمر - رَحِمَهُ اللَّهُ - فاغتنم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلوة بيتها فدعا جاريته مارية القبطية إلى بيت حفصة.
فلما جاءت حفصة أبصرت بابها مغلقا فأحست أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، فجلست حتى فتح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الباب، فقالت: قد عرفت من معك، فقال لها لتكتمن علي، فقالت: نعم، قال: فإنها علي حرام، يعني مارية، وأخبرك أن أبا بكر سيملك أمر أمتي من بعدي، وأن أباك من بعده، فانطلقت إلى عائشة فأخبرتها بما استكتمها، ونزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأخبره بذلك، فغضب - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فلما أتته عرفها ما فعلت، فقالت يا رسول الله من أنبأك أني قلت هذا لعائشة؟ قال أنبأني العليم الخبير.
فأتته عائشة فقالت: يا رسول الله هذا فعلت في يومي، فأما أيام نسائك فتتمها، فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: من أخبرك بهذا؟ قالت: حفصة، فطلق حفصة تطليقة واعتزل نساءه في مشربة مارية، فمكث تسعة

وعشرين يوما ينتظر ما ينزل فيهم، وماج الناس في ذلك، وأتى عبد الله بن عمر أخته فوجدها تلطم وجهها، فقال لها مالك؟ فقالت: طلقني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرجع إلى أبيه فأخبره بذلك.
فلما مضت تسع وعشرون ليلة نزلت هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ، أي من نكاح مارية، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] الآية.
وكذلك روى قتادة أنه قال: حرم جاريته فكانت يمينا.
وقال بعضهم: حلف وحرم، وقال إسماعيل فقد يمكن أن يكون حرمها بيمين بالله.
وروي أنه حرمها، فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف بالله ألا يصيبها.
وجاء في التفسير عن عبد الله بن عتبة وابن أبي مليكة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرب عسلا عند زينب بنت جحش، فأجمعت عائشة وحفصة - رحمهما الله - أن تقولا له إنا نشم عليك ريح المغافير.
والمغافير: صمغ متغير الرائحة، ويقال إنها بقلة، واحدها مُغْفور - مضموم الميم - فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له: إني أشم منك ريح المغافير، فحرم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شرب العسل، وقيل: إنه حلف على ذلك.
ولعل القصتين جميعا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه، لقوله سبحانه ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] ولقوله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: 3] فكان ذلك في الأمة أشبه، لأن الرجل يغشى أمته في سر ولا يشرب العسل في سر، وفي تحريم الأمة مرضاة لهن.
وفي الصحيح من الحديث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يطلق واحدة من نسائه، «وأن عمر بن الخطاب لما قيل له إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلق نساءه دخل على حفصة فإذا هي تبكي، فقال: أطلقكن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقالت: لا أدري، وهو ذا معتزل في هذه المشربة، فاستأذن على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - في الحجرة، قال فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا» وكان أقسم ألا يدخل على نسائه شهرا، فعاتبه الله عز وجل في ذلك وجعل له كفارة في حديث طويل من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب، قال الزهري: فأخبرني عروة «عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون دخل علي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا عائشة إني ذاكر لك شيئا فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: 28] الآية، فقلت: أفي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» . وفي حديث آخر أنها قالت له: «يا رسول الله، لا تخبر أزواجك أني أخبرتك فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إنما بعثني الله معلما ولم يبعثني معنتا» وبالله التوفيق.

أحكام التناجي

في التناجي وسئل عن الأربعة يكونون جميعا يتناجى ثلاثة دون واحد فقال: قد نهي أن يترك واحد، لا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إنما نهي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الواحد من أجل أن ذلك يحزنه على ما جاء في حديث ابن مسعود، ويحزنه ويسوؤه على ما جاء في حديث ابن عمر.
فإذا تناجى الجماعة دون الواحد كان ذلك على الواحد أشد في الإساءة والحزن وأبين في سوء الأدب معه وقلة المراعاة له.
وقد روي أن عبد الله بن عمر حدث أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث» فقيل له فإن كانوا أربعة قال: لا بأس بذلك، معناه لا بأس أن يتناجى الاثنان منهم دون الاثنين وإن كان الاثنان لا يتناجيان.
وأما أن يتناجى منهم الثلاثة دون الواحد فلا يجوز لوجود معنى الكراهية في ذلك التي من أجلها كان النهي.
وقد قيل إن ذلك إنما يكره في السفر وحيث لا يعرف المتناجيان ولا يوثق بهما ويخشى الغدرة منهما.
ومن حجة من ذهب إلى ذلك ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية عبد الله بن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما» وهذا لا حجة فيه، إذ ليس في النهي عن ذلك في السفر ما يدل على إباحته في الحضر، فالصواب أن تحمل الأحاديث التي ليس فيها ذكر السفر على عمومها في السفر والحضر.
ويحتمل حديث عبد الله بن عمر الذي فيه ذكر السفر على تأكيد النهي عن ذلك في السفر، بدليل قوله فيه: لا يحل.
فإذا خشي المتناجيان دون صاحبهما أن يظن بهما أو يخشى منهما أنهما يتناجيان في غدره فلا يحل لهما أن يتناجيا دونه، كان ذلك في السفر أو في الحضر.
وإذا أمن ذلك فهو مكروه لهما من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، كان ذلك أيضا في السفر أو الحضر، وبالله التوفيق.

وصية لقمان لابنه

في وصية لقمان لابنه قال: وقال لقمان الحكيم لابنه: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

قال محمد بن رشد: قد تقدم قبل هذا من وصيته مثل هذا، فمن الحظ لكل مسلم الأخذ بوصيته والمحافظة عليها.

كراهة سفر المرأة مع غير ذي محرم منها

في كراهة سفر المرأة مع غير ذي محرم منها وسئل عن المرأة تسافر مع غير ذي محرم، قال: إن ذلك ليكره أن تسافر يوما وليلة مع غير ذي محرم.
قال محمد بن رشد: قوله: إن ذلك ليكره لفظ وقع منه على سبيل التجاوز، بل لا يحل ذلك [لها] ولا يجوز، لورود النص في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من رواية أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» . واختلف أهل العلم في المرأة الصرورة إذا لم يكن لها زوج يحج بها ولا ذو محرم تحج معه هل يسقط عنها فرض الحج أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يسقط عنها وتخرج في جماعة من النساء وناس من المؤمنين لا تخافهم على نفسها، بدليل إجماعهم على أنها إذا أسلمت في بلد الحرب تجب عليها الهجرة إلى بلد الإسلام وإن لم يكن معها ذو محرم، فهذا مخصوص من عموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإجماع، وحجها مع غير ذي محرم إذا لم يكن لها ذو محرم تحج معه مخصوص بالقياس على ما أجمعوا عليه، وذلك صحيح.
وخالفه في ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فقالوا: يسقط الفرض عنها بعدم ذي المحرم.
وقد اختلف في حد السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، فقيل البريد فما فوقه،

وقيل اليوم، وقيل يوم وليلة، وقيل ليلتان، وقيل ثلاثة أيام، وأتت بذلك كله عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآثار.
وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة أنه قال: «لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم» فتعلق قوم بعموم هذا الحديث فقالوا: لا تسافر المرأة سفرا قريبا ولا بعيدا إلا مع ذي محرم منها، وبالله التوفيق.

طرح البرغوث والقملة في النار

في طرح البرغوث والقملة في النار وسئل عن طرح البرغوث والقملة في النار، فقال: لا، إن ذلك ليكره.
قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا قبل هذا والتكلم عليه فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

حكاية عن عيسى ابن مريم

قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: سيأتي قوم حكماء علماء، كأنهم من الفقه أنبياء.
قال مالك: فإن كان قاله فأراهم صدر هذه الأمة.
قال محمد بن رشد: هو كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بدليل ما جاء في كتاب الله عز وجل من صفتهم، قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29] الآية.

وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] ، أي خيارا عدولا، وقال عز وجل لنبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] ولا يؤمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يشاور إلا أولي العلم والنهى والديانة والفضل، وبالله التوفيق.

صفة أرباب العلم

في صفة أرباب العلم قال: وقال سأل عبد الله بن سلام كعب الأحبار من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: هم الذين يعملون بما يعلمون، قال: صدقت، قال: فما نفاه من صدورهم بعد أن علموا؟ قال: الطمع، قال: صدقت.
قال محمد بن رشد: قوله: إن أرباب العلم هم الذين يعملون بما يعلمون صحيح بين في المعنى، لأن من لم يعمل بما علم لم ينتفع بعلمه وهو في التمثيل كرجل بيده مال لغيره أذن له في إنفاقه فلا يقال فيه إنه ربه إذ لا ينتفع بشيء منه.
وقد جاء في الحديث: «من شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه» لأن علمه يكون عليه حسرة وندامة.
وأما قوله: إن الطمع ينفيه من صدورهم، فمعناه أن الحرص على بلوغ شهوات الدنيا يدخلهم في المكروه فيذهلون به عن التوقي [مما يجب عليهم التوقي] منه، فإنه ينفي

عن صدورهم بالطمع استعمال العلم لا العلم، فهو مجاز من القول.
وقد مضى هذا في رسم المحرم من سماع ابن القاسم.
وبالله التوفيق.

التحدث بالأحاديث المختلفة

في كراهة التحدث بالأحاديث المختلفة قال: وقال مالك لم يكن بالمدينة إمام أخبر بحديثين مختلفين.
قال محمد بن رشد: يريد بحديثين مختلفين لا يمكن الجمع بينهما ولا ينسخ أحدهما بالآخر، لأن ما هذا سبيله من الأحاديث فالأصح في النقل منهما هو الذي يجب أن يحدث به وبالله التوفيق.

ترك إحفاء الشوارب

في ترك إحفاء الشوارب قال: وسئل مالك عن من أحفى شاربه، قال: يوجع ضربا، وليس حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإحفاء.
قال: وكان يقال ويبدو حرف الشفتين الإطار.
وقال لمن يحلق شاربه هي بدع تظهر في الناس.
وذكر زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب كان إذا أكربه أمر نفخ، قال فجعل رجل يراده وهو يفتل شاربه بيده، فلو كان محفيا ما وجد ما يفتل، هذه بدع قد ظهرت في الناس.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم سئل عن

تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.

السفر في طلب العلم

في السفر في طلب العلم وقراءة القرآن في الطرق قال: وسمعت أن ابن المسيب قال: إن كنت لأسير في الحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي.
قال مالك: وكان سعيد بن المسيب يختلف إلى أبي هريرة بأرضه بالجشرة، فقال: جئت أبا هريرة بالجشرة فرأيته جاء من الغائط وإنه ليحدر سورة آل عمران حدرا.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على السفر في طلب العلم في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، ومضى القول فيه أيضا في قراءة القرآن على كل حال، وبالله التوفيق.

العلم يذهب بذهاب العلماء

ما جاء من أن العلم يذهب بذهاب العلماء قال أشهب: وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .

قال محمد بن رشد: هذا مما أخبر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سيكون فكان على ما أخبر، والله ولي العصمة والتوفيق برحمته.

يخرج بالشيء إلى المسكين فلا يجد

في الذي يخرج بالشيء إلى المسكين فلا يجده وسئل عن الرجل يخرج بشيء إلى المسكين ليعطيه إياه فيجده قد ذهب، قال: يعطيه غيره.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم سأل تأخير صلاة العشاء في الحرس فأغنى ذلك عن إعادته هنا؟ وبالله التوفيق لا شريك له.

التحذير من اتباع الهوى والزيغ البعيد

في التحذير من اتباع الهوى والزيغ البعيد قال: وقال عمر بن عبد العزيز: أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد.
قال محمد بن رشد: إنما حذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من اتباع الهوى لقول الله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] الزيغ البعيد هو الإغراق في القياس والغلو في الدين، وكلاهما مذمومان لأنك لا تكاد تجد الإغراق في القياس إلا مخالفا للسنة، والغلو في الدين منهي عنه، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77] . وقد مضى هذا في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

[

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

] قال: وقال عمر بن عبد العزيز: إني لست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بقاض ولكني منفذ، ولست بخير من أحدكم إلا أني أثقلكم حملا.
قال محمد بن رشد: إنما قال، والله أعلم، لست بمبتدع ولكني متبع جوابا لمن سأله الحكم بخلاف ما مضى عليه العمل.
ومعنى قوله لست بقاض ولكني منفذ، أي لست أقضي بحكمي وإنما أنفذ ما أمرني به ربي في كتابه وعلى لسان رسوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وقوله: لست بخير من أحدكم إلا أني أثقلكم حملا تواضع منه وفضل - رَحِمَهُ اللَّهُ - وبه التوفيق.

وصية لقمان لابنه

في وصية لقمان لابنه قال: وكان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله جهدك.
قال محمد بن رشد: وصيته هذه لابنه مثل ما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] ، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102] ، وقيل: إنها ليست بناسخة لها وإنما هي مبينة لمعناها، لأن تقوى الله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وبالله التوفيق.

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

قال: وقال مالك: دخل زياد مولى ابن عباس، وكان رجلا صالحا غير عالم بحال الولاة والهيبة وعليه جبة صوف، على عمر بن عبد العزيز فقال: السلام عليكم، ثم جلس، ثم استفاق فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إني لم أنكر الأولى وليس بها بأس، ولقد أصبحت يا ابن زياد خلوا مما أنا فيه وأراك دينا.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز قد أسكن بعض ولده نواحي أبلة، فكتب إليه يسأل لهم سيجانا وأقداحا وأشياء مما يحتاجون إليها، فكتب إليه عمر أن عليك لهم بطيقان يلبسونها في الشتاء ويفترشونها في الصيف، وعليك بأقداح الفخار فإنها تجزئ من غيرها.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين في فضل عمر بن عبد العزيز وتواضعه، إذ لم ينكر على زياد ترك تخصيصه بالسلام وتسميته إياه بما خصه الله به من الإمارة على العادة في ذلك، وزهده في الدنيا وتقلله منها، بدليل ما أمر به لبنيه من الطيقان وأقداح الفخار، وبالله التوفيق.

التسمي بياسين

في التسمي بياسين قال: وسألته أينبغي لأحد أن يتسمى بياسين؟ قال: ما أراه ينبغي، لقول الله عز وجل: ﴿يس﴾ [يس: 1] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 2] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 3] يقول هذا أسمى بياسين.

قال محمد بن رشد: قيل في ياسين إنه اسم من أسماء الله عز وجل وإنه أقسم به وبالقرآن الحكيم، وقيل إنه اسم من أسماء القرآن أقسم الله به أيضا.
على هذين القولين لا يجوز لأحد أن يتسمى بياسين.
وروي عن ابن عباس أنه قال: معنى ياسين يا إنسان بالحبشية، فعلى هذا يجوز أن يتسمى الرجل بياسين.
وقال مجاهد هو مفتاح افتتح الله عز وجل به كلامه، فعلى هذا تجوز التسمية به أيضا.
ولهذا الاختلاف الحاصل في ياسين كره مالك لأحد أن يتسمى به، وبالله التوفيق.

المرأة تموت بجمع

في المرأة تموت بجمع قال: وقال مالك في المرأة تموت بجمع هي التي ولدها في بطنها.
قال محمد بن رشد: المرأة تموت بجمع هي أحد الشهداء السبعة سوى المقتول في سبيل الله، على ما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك.
واختلف في المرأة تموت بجمع: فقيل هي المرأة تموت وولدها في بطنها على ما قاله مالك وهو المشهور من الأقوال، وقيل هي المرأة البكر التي تموت قبل أن تطمث، وقيل هي المرأة التي تموت بالمزدلفة حاجة، لأن جمعا من أسماء المزدلفة، وبالله التوفيق.

تفسير الأب وإرم ذات العماد

في تفسير الأب وإرم ذات العماد قال: وسئل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31]

ما الأب؟ فقال هذا لعمر الله التكلف، وقال يقال: إن إرم ذات العماد هي دمشق.
قال محمد بن رشد: الذي قيل في الأب أنه ما تأكله البهائم من العشب والنبات، والفاكهة ما يأكله الناس من ثمر الأشجار كلها: النخل والرمان وغيرهما من الأشجار.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الرطب والرمان ليسا من الفاكهة، واحتج بقول الله عز وجل: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] ، ولا حجة له في ذلك، لأنه إنما أعيد ذكرهما وإن كانا من الفاكهة تأكيدا لهما لشرفهما على سائر الفواكه، مثل قوله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] فأعاد ذكر جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة تأكيدا لهما.
وأما قوله في إرم ذات العماد إنه يقال إنها دمشق، ففي ذلك اختلاف كثير: قيل في إرم إنها اسم بلد، فقال قوم: هي الإسكندرية، وقال قوم: هي دمشق، وقيل بل إرم أمة، وقيل بل هي قبيلة من عاد، وقيل بل إرم اسم رجل هو جد عاد فعاد هو عاد بن عوص ابن إرم؛ وقيل بل هو أبوه فهو عاد بن إرم.
وقال الفضل: أكثر الكوفيين لا يجوز أن يكون إرم اسما لأرض ولا لمدينة من جهة إجماعهم على صرف عاد، فلا تكون الأرض ولا المدينة نعتا للإنسان ولا لقبيلة، ولا يجوز أن ينسب إليها وهو منون.
قال: وأيضا فإن كانت دمشق فمحال أن لا يكون في البلاد مدن مثلها، وإن كانت أرض فمحال أن تكون أرض ليس مثلها أرض في البلاد.
والذي أراه، والله أعلم، أن إرم جد عاد

كان شديدا فتشبهوا به فصار إرم نعتا لهم كاللقب، كما يقال: زيد أسد وعمرو نعجة.
ومعنى ذات العماد أنهم كانوا أهل عمود أي أخبية وماشية، فإذا كان الربيع انتجعوا، وإذا هاجت الأرض وجف العشب رجعوا إلى منازلهم.
والعماد جمع عمد، وعمد جمع عمود.
وقيل معنى ذات العماد أي ذات العدة وكانوا أعطوا بسطة في الخلق لم يعطها غيرهم: كان الرجل منهم في غاية القوة وكان أطولهم ستين ذراعا وأقصرهم اثني عشر ذراعا.
وقال بعض نقلة الأخبار إنه كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستون ذراعا، وجلهم ما بين المائة إلى الثمانين.
وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: 8] على هذا القول راجع إلى القبيلة لما كان فيهم من الشدة وعظم الخلق.
قال أبو جعفر الطبري: ومن ذهب إلى أن إرم اسم لبلدتهم وقال: إن الهاء في مثلها لذات العماد فقد غلط، لأن العماد واحد مذكر، والتي للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة العماد لقيل الذي لم يخلق مثلها في البلاد، وبالله التوفيق.

مخالطة اليتيم في النفقة

في مخالطة اليتيم في النفقة قال: وسألته امرأة فقالت: أخذت صبية يتيمة احتسبت فيها الأجر، فيدها مع يدي ويد بناتي لست أضن عنها بشيء، فربما سألني عنها السائل فأعطاها الدراهم فأشتري لها بها الشيء، فربما لم يكن عندي ما أطعم ولدي فأطعمهم من الذي اشتريت لها، وربما أكلت منه إذا لم يكن بيدي ما أشتري به، فقال لها: أنا أخبرك عن ذلك، إن كان ما تنال منك الجارية مثل الذي تصيبين مما أخذت لها أو أكثر فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لقول الله عز وجل في

اليتامى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220] . وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم.

ما يجازي الله به الصادق في الدنيا

فيما يجازي الله به الصادق في الدنيا قال: وسمعت أنه قال ما حرف إنسان قط صدوق وليس من أهل الكذب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لا يكون إلا عن توقيف وإن صح بمعناه في الغالب.
وقد مضى هذا في رسم الشجرة قبل هذا من سماع ابن القاسم.

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

قال: وقال اقتتل غلمان لسليمان بن عبد الملك وغلمان لعمر بن عبد العزيز، فضرب غلمان عمر غلمان سليمان فحمل سليمان وقيل له: هذا ما صنعت، شبرته وفعلت به، فدخل عليه عمر فقال له سليمان: ما هذا؟ ضرب غلمانك غلماني وأهلي، فقال له عمر ما علمت هذا قبل مقالتك الآن، فقال له: كذبت، فقال له عمر: يقال لي كذبت وما كذبت منذ شددت علي إزاري، وإن في الأرض من مجلسنا هذا لسعة، ثم خرج من عنده وتجهز يريد الخروج،

فسأل عنه سليمان حين استبطأه فقالوا: إنه يريد الخروج إلى مصر وقد تجهز، فأرسل إليه أن ارجع وادخل علي، وقال للرسول: قل له إذا جاءني لا يعاتبني فإن في المعاتبة فجاءه عمر فقال له سليمان: ما همني أمر قط إلا خطرت فيه على بالي.
وقال عن عمه أبي سهيل قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوعظته وقلت له حتى رق وقام من مجلسه فتنحى ناحية ما على أرض فلم يعجل عليه مزاحم ثم أخذ وسادة فأدناها منه فأخذها عمر فرمى بها.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم أرضني بقضائك وأسعدني بقدرك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته ولا تعجيل شيء أخرته.
قال وقال: قام عمر بن عبد العزيز إلى مصلاه من مجلسه فذكر سهيل بن عبد العزيز وعبد الملك ومزاحما، فقال اللهم إنك قد علمت ما كان من عونهم لي ومعونتهم إياي فأخدتهم فلم يزدني ذلك لك إلا حبا، ولا لي فيما عندك إلا شوقا، ثم رجع إلى مجلسه.
قال محمد بن رشد: هذه الحكاية كلها عن عمر بن عبد العزيز شاهدة له بما هو معلوم مشهور من خيره وفضله رحمة الله عليه ورضوانه، والشبر: العطاء، يقال: شبرت الرجل وأشبرته إذا أعطيته، وشبرت المرأة صداقها أعطيتها إياه.
فمعنى الكلام هذا ما صنعت أعطيته الجاه والأثرة والمنزلة والمكانة حتى استطال غلمانه على غلمانك.
والتشديد في شبرت بمعنى التكثير، كما تقول ضربت وقتلت.
ووقع في بعض الكتب: هذا ما فعلت سبرته، وهو غلط لا معنى له والله أعلم، وقد رأيت لبعض أهل اللغة أن التشبير بمعنى التعظيم يقال شبر فلان إذا عظم، وشبرته إذا عظمته.
وهذا أشبه بمعنى الحكاية، لأن القائل قال له لما حمل، أي غضب، لإنداره أعوانه

على أعوانه: هذا ما صنعته بنفسك، لأنك شبرته أي عظمته وفعلت وفعلت حتى استطال أعوانه على أعوانك، وبالله التوفيق.

الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد

في الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد قال: وسألته عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد، فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص، وما كان من غير قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا.
قيل له: أرأيت حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: التقديم والتأخير في الأحاديث والزيادة في ألفاظها والنقصان منها وتبديلها بما كان في معناها مكروه في حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجائز في حديث غيره للفقيه العالم بمعنى الكلام الذي يؤمن عليه الغلط في ذلك بأن يظن أن المعنى سواء وليس بسواء.
والدليل على ذلك أن الله تعالى قد ذكر قصص الأنبياء في القرآن متكررة في مواضع بألفاظ مختلفة وزيادة في بعضها على بعض، فلم يكن ذلك اختلافا من القول ولا تعارضا فيه لاتفاق المعنى في ذلك كله.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز «بحديث البراء بن عازب قال: قال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك [اللهم] ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت.
فإن مت من ليلتك مت على.
الفطرة.
واجعلهن آخر ما تتكلم به.
قال: فرددتها على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما بلغت اللهم آمنت.
بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت.» وليس ذلك باستدلال صحيح، لأن المعنى في ذلك مختلف من أجل أن قوله: ونبيك الذي أرسلت يجمع النبوءة والرسالة، ففيه زيادة بيان على رسولك الذي أرسلت، لأن الرسل من الملائكة وليسوا بأنبياء، ولذلك قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا، ونبيك الذي أرسلت.
ولمخافة الغلط في مثل هذا على الفقيه كره له أن يسوق شيئا من حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المعنى.
وأما إن كان المحدث ليس بفقيه ممن تخفى المعاني عليه فلا يسوغ له أن يحدث على المعنى، إذ قد يسوق الحديث على المعنى الذي ظهر إليه وهو مخطئ في ذلك، مثل الحديث: «إن الله خلق آدم على صورته» ظن بعض الرواة أن الهاء من قوله على صورته عائدة على الله عز وجل.
فساقه على ما ظنه من معناه فقال فيه: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «نهى أن يتزعفر الرجل» فساقه بعض الرواة على المعنى فيه عنده فقال فيه إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن التزعفر، فدخل في عموم قوله الرجال والنساء، ومثل ذلك كثير.
وأما زيادة الألف والواو فيما لا يشك فيه أنه يغير المعنى في حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو خفيف كما قاله مالك، وبالله التوفيق.

فضل طاووس وما كان عليه

في فضل طاووس وما كان عليه قال: وكان طاووس يرجع من الحج فيدخل بيته فلا يخرج منه

حتى يخرج للحج من قابل.
قال: وكان طاووس يطعم الطعام فيدعو هؤلاء المساكين أصحاب الصفة، فقالوا له: لو صنعت طعاما دون هذا، فيقول إنه لا يكاد يجدونه.
قال محمد بن رشد: فيما كان يفعله طاووس من التزامه داره للسلامة من مواقعة الآثام بمخالطة الناس، وإنما كان يطعم المساكين طيب الطعام لأنه هو الذي يحب ويتمنى، ووعد الله تعالى عليه الجزاء الجزيل حيث يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] ، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] إلى قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12] الآيات إلى آخرها.

تعليق الأقناء في المساجد

في تعليق الأقناء في المساجد وسئل عن الأقناء التي تعلق في المساجد، فقال: بلغني أنها كانت تعلق في زمان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيعطى منها المساكين.
قال محمد بن رشد: الأقناء: العراجين، واحدها قنو، ويجمع على أقناء وقنوان.
قال الله عز وجل: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: 99] زاد في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة أنه إنما كان يفعل ذلك لمكان من كان يأتي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يريد الإسلام، فكان لموضع ضيافتهم فيأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق فيه.
فقيل له: أفترى لو

عمل ذلك في مساجد الأمصار؟ فقال: أما كل بلد فيه تمر فلا أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم ولم ير مالك بأسا.
بأكل الرطب التي تجعل في المسجد مثل رطب ابن عمير وقد جعل صدقة.
وفي هذا دليل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المسجد ويبيتوا فيها ويأكلوا فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف كله.
وقد مضى هذا المعنى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق.

حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة

في حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة قال: «وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه.
قال: فكيف بي؟ قال عليك بخاصتك وإياك وعوامهم» . قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في سماع أشهب من كتاب التجارات إلى أرض الحرب بزيادة فيه: قال لي «فانظر لنفسك وعليك بالبين المحض» . وفي هذا الحديث علم جليل من أعلام النبوءة، لأنه أعلم فيه عبد الله بن عمرو بن العاص بما يكون بعده من الفتن، وحذره ألا يدخل منها في مشكل.
وقد دخل فيها بما أداه إليه اجتهاده مع عزم أبيه عليه في ذلك، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أطع أباك» فشهد مع معاوية حرب صفين على ما ذكرناه قبل هذا في هذا الرسم: ثم ندم بعد ذلك لما ظهر إليه من البصيرة في خلاف رأيه الأول، فاستغفر الله عز وجل من ذلك مخافة أن يكون

قد قصر أولا في اجتهاده مع قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: فانظر لنفسك وعليك بالمحض البين، وبالله التوفيق.

فضل عبد الله بن الأرقم

في فضل عبد الله بن الأرقم قال: وقال عبد الله بن الأرقم وهو يموت: ألا أخبركم برأي الرجل الصالح في، قال عمر بن الخطاب: لو كان لك [مثل] سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا.
قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: ما رأيت رجلا قط أخشى لله من عبد الله بن الأرقم.
قال مالك: ذكر لي زيد بن أسلم قال: «كتب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتاب فقال من يجيب عني؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا، فأجاب عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرضي ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - فقال عمر: أصاب ما أراد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورضيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يزل ذلك في نفس عمر فلما ولي ولاه بيت المال.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن الأرقم هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف القرشي الزهري، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم لأبي بكر بعده، واستكتبه أيضا عمر، فلما ولي ولاه بيت المال، وعثمان بعده وأعطاه ثلاثمائة درهم، فأبى أن يأخذها وقال: إنما عملت لله فأجري على الله.
وبلغ

من أمانته عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه ولا يقرؤه لأمانته عنده.
وبالله التوفيق.

شبه سالم بن عبد الله بأبيه

في شبه سالم بن عبد الله بأبيه، وأبيه بأبيه عمر قال: وقال سعيد بن المسيب، كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به.
قال مالك: ولم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه، كان يلبس الثوب بالدرهمين، ويشتري الشمال يحملها.
وقال مالك قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ورآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته، فقال له: أوتشتهيه؟ فقال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قال محمد بن رشد: إنما أراد أن كل واحد منهما كان أشبه بأبيه من سائر إخوته في خيره وفضله ودينه وبالله التوفيق.

ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم

فيما كان يدعو به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: قال يحيى بن سعيد: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعو: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين وإذا أردت في قوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» . قال محمد بن رشد: يروى: وإذا أدرت، والمعنى في ذلك سواء، لأنه إذا أراد الفتنة فقد أدارها، وإذا أدارها فقد أرادها.
والفتنة على وجوه: فمنها ما كان في أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تعذيبهم ليرتدوا عن دينهم، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] أي العذاب أشد منه؛ ومنها أن يفتن الله قوما أي يبتليهم، ومنها ما يقع بين الناس من الخلاف والحروب؛ ومنها الفتنة بالنساء، تقول قد فتن بالمرأة إذا تعشقها؛ ومنها الإضلال، قال الله عز وجل: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: 162] أي بمضلين؛ ومنها الفتنة بالنار، تقول: فتنته بالنار أي أحرقته بها، وفي القرآن ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13] أي يحرقون.
والفتان: الشيطان الذي يصد الناس عن دينهم ويغويهم، وفتانا القبر منكر ونكير، فينبغي أن يستعاذ بالله عز وجل من الفتنة على الوجوه كلها تأسيا بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودعاؤه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في فعل الخيرات وترك المنكرات بين لا إشكال فيه.
وأما دعاؤه في حب المساكين فالمعنى فيه، والله أعلم، حب المسكنة، فقد روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» . ومعناه الذليل المتواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا كبرياء، لا المسكين الفقير من المال، فقد استعاذ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الفقر المنسي

والغنى المطغي، فأغناه الله عز وجل الغنى الذي ليس بمطغ وعدد النعمة عليه بذلك فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] . وقد مضى التكلم على الفقر والغنى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

ما روي عن داود النبي عليه السلام في قلة المال وكثرته

فيما روي عن داود النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في قلة المال وكثرته قال: وقال لي: سمعت أن داود النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
قال مالك: قال ذلك الرجل: إن كان يغنيك ما يكفيك، فأقل عيشها يغنيك.
قال محمد بن رشد: في قول هذا الرجل زيادة لم تقع هاهنا وهي: وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك.
والمعنى في هذا كله بين، لأن كثرة المال الذي يلهي مذموم، فقد استعاذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الغنى المطغي فلا إشكال في أن القليل الذي يكفي خير منه، لأن فيه الاستغناء عن الناس، والسلامة من أن يلهيه المال ولا يقوم بحقوق الله عز وجل فيه.
ومن كان معه من المال ما يقوم به ويغنيه عن الناس وعن الكدح في معيشته فهو من الأغنياء، وبالله التوفيق.

فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب

في فضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار قال مالك: وكان محمد بن المنكدر سيد القراء لا يكاد يسأل عن حديث أبدا إلا يكاد يبكي.

قال محمد بن رشد: وكان سعيد بن المسيب عالما بالبيوع، وكان أشبه أهل المشرق به محمد بن سيرين، فقيل له: سليمان ابن يسار؟ قال: لم أسمع عن سليمان بن يسار.
قال القاضي: البكاء من خشية الله لا يكون إلا مع حقيقة العلم بالله، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 22] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24] . وقال عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] . وقد كان سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار فرسي رهان في العلم والفضل، واختلف أيهما أعلم.
وقيل: إن العلم كان لسليمان بن يسار، والذكر كان لسعيد بن المسيب، وبالله التوفيق.

أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا

في أخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظا وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أتؤخذ عنه الأحاديث؟ قال: لا، فقيل: يأتي بكتب فيقول قد سمعتها وهو ثقة أتؤخذ منه؟ قال: لا تؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
قال: وذكرت عنده كثرة الكتب فقال: ما شأن أهل المدينة ليست لهم كتب، مات ابن المسيب، والقاسم بن محمد ولم يتركا كتابا، ومات أبو قلابة فبلغني عنه أنه ترك حمل بغل كتبا.

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، أنه إذا كان لا يحفظ فلا يؤخذ عنه ما جاء به من الأحاديث في الكتب، وقال: إنه سمعها على فلان وإن كان ثقة للعلة التي ذكرها من أنه يخشى أن يكون قد زيد فيها أو غير بعض معانيها إلا أن تكون الكتب بخط يده فترتفع هذه العلة ويؤخذ عنه ما في الكتب إذا كان ثقة مأمونا.
وهذا فيما جاء به من الكتب التي لا تعرف وقال إنه سمع ما فيها من فلان.
وأما الدواوين المشهورة كالبخاري ومسلم وشبههما، فإذا قال إنه سمعها من فلان جاز أن تحمل عنه عن ذلك الرجل، ولا فائدة في رواية الأحاديث إلا التفقه فيها والعمل بها.
وكان العلم في الصدر الأول وفي الثاني في صدور الرجال، ثم انتقل بعد ذلك إلى جلود الضان وصارت مفاتيحه في صدور الرجال، فلا معنى لرواية الأحاديث إلا التفقه فيها، ولا بد لمريد التفقه فيها من مطرق يفتح عليه معانيها، وبالله التوفيق.

إعراض العالم عن جفاء السائل

في إعراض العالم عن جفاء السائل وقال مالك: وقال رجل كالبدوي للقاسم بن محمد: أنت أعلم أم سالم؟ قال هذا سالم، فإن تأته لم يخبرك إلا بما أحاط به علما.
قال محمد بن رشد: لما سأل السائل القاسم بن محمد عمالا يعنيه مما لا يتحقق معرفته أعرض عن جوابه على ذلك، وبالله التوفيق.

جواز لباس المظال

في جواز لباس المظال قال: وسئل عن لباس المظال، فقال ما كانت من لباس الناس، وما أرى بلباسها بأسا.

قال محمد بن رشد: يريد بالمظال القلانس الذي لها ظل تقي من الشمس، فلم ير بلباسها بأسا وإن لم تكن من لباس السلف للمنفعة بها، وبالله التوفيق.

الذي يسمع الخير ويقبله

في الذي يسمع الخير ويقبله قال: وسمعت ربيعة يقول: ليس الذي يقول الخير ويفعله خيرا من الذي يسمعه ويقبله حين يسمعه.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه ليس خيرا منه لأنه لا يكون قابلا له إلا أن يفعله، فإن لم يقدر على فعله لحائل يحول بينه وبين فعله جوزي بنيته، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» . وقال عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95] فأعلم عز وجل باستواء المجاهدين مع القاعدين من ضرر في الأجر، وبالله التوفيق.

العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم

في أن العامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلم قال مالك: وسأل رجل عبد الله بن عمر عن شيء فقال لا أدري، فقال له رجل تعال ما سألت عنه؟ فقال: سألت عن كذا

وكذا، فقال له: وهو كذا وكذا، فقال له [ابن عمر] أخبرت الرجل بعلم علمته؟ قال: لا، قال: فبماذا؟ قال: برأيي.
فأرسل ابن عمر خلف الرجل إنه إنما أفتاك بغير علم، فانظر لنفسك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال ابن عمر، لأن فرض العامي هو أن يسأل عالما.
وإنما اختلف هل له أن يقلد من شاء من العلماء أو ليس له أن يقلد إلا أعلمهم يجتهد في ذلك، وبالله التوفيق.

المرأة كالضلع

ما جاء في أن المرأة كالضلع قال مالك: وحدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج» . قال محمد بن رشد: إنما قال فيها إنها كالضلع من أجل أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ولم يرد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن النساء كلهن على هذا، وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن وصفاتهن، فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» وإنما أراد أن هذا هو الغالب من أحوالهن، إذ قد يوجد من النساء من ترى لزوجها ما يفعل بها من خير وتقر به على كل حال ولا تكفره، وبالله التوفيق.

وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار

في وصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصار قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لأهل العراق إنهم أطلب الناس لعلم وأتركهم له؛ ولأهل المدينة أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها؛ ولأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق؛ ولأهل مصر أكيسهم صغارا وأحمقهم إذا كبروا.
قال محمد بن رشد: [هذا] إنما قاله على ما اختبر في الغالب من أحوالهم على مر الأعوام، ولا غيبة بذلك فيهم، إذ لم يعين أحدا منهم بما وصف جملتهم به، وبالله التوفيق.

التوسع في الإنفاق

في التوسع في الإنفاق قال: وأخبرني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» . قال أشهب قلت: قال الله، قال مالك: ليس هذا هكذا قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال الله: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» . قال محمد بن رشد: قد علم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقل ذلك إلا عن الله عز وجل أنه قاله، فليس على الراوي في زيادة مثل هذا في الحديث على ما سمعه شيء، ولكنه استحب أن لا يحدث بالحديث إلا على ما سمعه قطعا للذريعة مخافة أن يتجرأ أحد بذلك أن يزيد في

حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يظن أنه معناه.
وفي الحديث استحباب التوسع في الإنفاق على العيال من غير إسراف، وأن الله يخلف على فاعل ذلك.
وقد أثنى عز وجل على المنفقين من غير إسراف ولا إقتار فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] ، وبالله التوفيق.

ما ذكر في موسى عليه السلام

فيما ذكر في موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: وكان يحيى بن سعيد يقول: «كأني أنظر إلى موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وعليه ثوبان أخضران منهبطا من ثنية هرشا لما مضى» . قال محمد بن رشد: [سقط] ، قال مالك لما مضى في بعض الكتب، وهو صحيح في المعنى، لأن يحيى بن سعيد إنما قال ذلك تحقيقا لما أخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك، وذلك كما يقول الرجل: فلان فعل كذا وكذا أمس كأني أنظر إليه يفعله تصديقا لما أخبر به عنه.
وقد عرضت الأمم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرآها على ما كانت عليه.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «خرج علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوما فقال: عرضت علي الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه» وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
قول العالم لا أدري فيما لا يدريالعزلة عن الناس وكراهة الدخول في الفتنحكاية عن عبد الله بن عمرالتلطف في سؤال العالمأحكام التناجيوصية لقمان لابنهكراهة سفر المرأة مع غير ذي محرم منهاطرح البرغوث والقملة في النارحكاية عن عيسى ابن مريمصفة أرباب العلمالتحدث بالأحاديث المختلفةترك إحفاء الشواربالسفر في طلب العلمالعلم يذهب بذهاب العلماءيخرج بالشيء إلى المسكين فلا يجدالتحذير من اتباع الهوى والزيغ البعيدحكاية عن عمر بن عبد العزيزوصية لقمان لابنهحكاية عن عمر بن عبد العزيزالتسمي بياسينالمرأة تموت بجمعتفسير الأب وإرم ذات العمادمخالطة اليتيم في النفقةما يجازي الله به الصادق في الدنياحكاية عن عمر بن عبد العزيزالأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحدفضل طاووس وما كان عليهتعليق الأقناء في المساجدحديث عبد الله بن عمرو في الفتنةفضل عبد الله بن الأرقمشبه سالم بن عبد الله بأبيهما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلمما روي عن داود النبي عليه السلام في قلة المال وكثرتهفضل ابن المنكدر وثنائه بالعلم على سعيد بن المسيبأخذ الأحاديث عن الثقة إذا لم يكن حافظاإعراض العالم عن جفاء السائلجواز لباس المظالالذي يسمع الخير ويقبلهالعامي لا يسعه أن يقلد إلا من يفتي بعلمالمرأة كالضلعوصف عبد الله بن عمرو لأهل الأمصارالتوسع في الإنفاقما ذكر في موسى عليه السلام
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل