كتاب الجامع الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أين فلانة؟ قالت: أنا والله مقتولة، قلت: ويلك لم؟ قالت: لحدث أحدثته فانطلق بها فضرب عنقها، وبالله التوفيق.
أعتق أبو بكر الصديق سبعة كلهم يعذب في الله
في أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله قال مالك: أعتق أبو بكر الصديق سبعة كلهم يعذب في الله.
قال محمد بن رشد: منهم بلال بن رباح المؤذن، كان يعذب على دينه، فروي أن أبا جهل قال له: أنت تقول أيضا فيمن يقول، فأخذه فبطحه على وجهه وسلقه في الشمس، وعمد إلى رحى فوضعها عليه، فجعل يقول: أحد أحد، وكان على ما روي: إذا أراد المشركون أن يقاربهم، قال: الله الله، قال: فلقي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أبا بكر، فقال: «لو كان عندنا اشترينا بلالا» ، فلقي أبو بكر العباس بن عبد المطلب، فقال له: اشتر لي بلالا، فاشتراه العباس من سيده، فبعث به إلى أبي بكر فأعتقه، فكان يؤذن لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى مات، فلما مات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كانت أعتقتني لله عز وجل فذرني أذهب إلى الله عز وجل، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات، وكان أمية بن خلف ممن يعذبه ويوالي عليه بالعذاب والمكروه، فكان من قدر الله أن قتله بلال يوم بدر، فقال فيه أبو بكر الصديق أبياتا منها قوله:
هنيئا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت ثارك يا بلال
ذكر هذا ابن عبد البر في كتاب الصحابة على حسب ما أتى من ذلك في السير.
ومنهم عامر بن فهيرة، كان مولدا مرت مولدي الأزد، أسود اللون مملوكا لطفيل بن عبد الله بن شجرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر من الطفيل فأعتقه وأسلم قبل أن يدخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها إلى الإسلام، وكان يرعى الغنم في ثور، ثم يروح بها على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر في الغار، وكان رفيقا لهما في هجرتهما إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة، وهو ابن أربعين سنة، قتله عامر بن الطفيل، ويروى عنه أنه قال: رأيت أول طعنة طعنتها عامر بن فهيرة مورا خرج منها.
وروي: أنه طلب يومئذ في القتلى فلم يوجد، فكانوا يرون أن الملائكة رفعته.
وبقية السبعة المذكورين: أم عبس، وزبيرة ويروي وزنيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان، فرد الله إليها بصرها، والنهدية أعتقها وبنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت: حل؟ أنت أفسدتهما، فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما، هما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أونفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها، قال: وذلك إن شئتما.
ومر بجارية بني مؤمل حي من بني عدي بن كعب، وكانت مسلمة وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك وهو يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها، وروي: أن أبا قحافة قال لأبي بكر: يا بني، إنك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك
ويقومون دونك، فقال أبو بكر: يا أبي إني إنما أريد ما أريد، فيتحدث ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال له أبوه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 6] إلى قوله: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: 19] ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: 20] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 21] ، وبالله التوفيق.
ما جاء في القدر
قال: وسمعت مالكا يقول لرجل: سألتني عن القدر؟ فقال له الرجل: نعم.
قال: يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] حقت كلمة ربك ليملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال.
قال محمد بن رشد: هذه آية بينة في الرد على أهل القدر كما قال، وذلك لأنهم يقولون: إن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالطاعة وأرادها منهم، ونهاهم عن المعصية ولم يردها منهم، فلم يكن ما أراد من الطاعة وكان ما لم يرد من المعصية؛ لأن العباد عندهم خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون إرادة ربهم وخالقهم، وذلك ضلال بين وكفر صريح عند أكثر العلماء، لأنهم يلحقون العجز بالله تعالى، بأن يكون ما لا يريد ويريد ما لا يكون، والجهل به أيضا، لأنهم إذا كانوا هم الخالقون لأفعالهم بمشيئتهم فلا يعلم وقوعها منهم على قولهم حتى يفعلوها، وهذا كفر صريح وتكذيب لقوله عز وجل في غير ما آية من كتابه، من ذلك قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99] ،
وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125] ، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30] ، وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] وقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] ، والآيات في الرد عليهم أكثر من أن تحصى وأبين من أن تخفى، وقد قال عون بن معمر: سمعت سعيد بن أبي عروة وكان يذهب مذهب أهل القدر، يقول: ما في القرآن آية أشد علي من قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: 155] ، قال: فقلت: القرآن يشق عليك، والله لا أكلمك أبدا، فما كلمه حتى مات، فرحم الله عون ابن معمر، والآثار في ذلك عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - متواترة لا تحصى، من ذلك قوله: «كل شيء بقدر» ، وقوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها [لتستفرغ صحفتها] ، ولتنكح فإنما لها ما قدر لها» ، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» ، وقول آدم لموسى في حديث محاجته له: «أتلومني على أمر قد قدر عَلَيَّ قبل أن أخلق» ، وقد مضى هذا كله في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين لتكرار المسألة هناك، وبالله التوفيق.
ما جاء في أن لله عبادا أهل عافية في الدنيا والآخرة
في أن لله عبادا أهل عافية في الدنيا والآخرة قال مالك: إن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «إن لله عبادا أهل عافية في الدنيا والآخرة» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا الحديث بين، لأنك قد تجد الرجل يكون له المال الحلال من ميراث أو غيره، فيكون مدة حياته معافى في بدنه وماله، ويكون مع هذا من أهل الخير والصلاح، فينقلب من خير إلى خير، وبالله تعالى التوفيق.
مناداة النبي عليه السلام لأهل قليب بدر من المشركين
في مناداة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأهل قليب بدر من المشركين قال مالك: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهل قليب بدر من المشركين: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: 44] قالوا: يا رسول الله، إنهم أموات أفيسمعون، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنهم ليسمعون ما أقول» . قال محمد بن رشد: وقد روي أنه قال: «ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون» ، ومن هذا المعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه: «إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين» ، وقد قيل: المعنى في ذلك أنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حقا، لا أنهم يسمعون ما يقال لهم؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80] ، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] ، وهو قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، والأظهر أن يحمل الحديث على ظاهره من أنهم سمعوا ما قاله لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ قد علم بتظاهر الآثار أن الميت إذا مات يعاد إليه الروح ويفتن في قبره بمسائلة منكر ونكير، ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة، وقد قيل: إن الآيات المذكورات إنما وردت في الكفار على المثل بأنهم لا ينتفعون بما يسمعونه كما لا ينتفع الموتى بما يسمعونه.
ما جاء في أهل بدر
17 -
ما جاء في أهل بدر قال مالك: بلغني أن «جبريل قال للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: إنهم خيارنا.
قال: إنهم كذلك فينا» .
قال محمد بن رشد: يريد أن من شهد بدرا من الملائكة الذين أمد الله بهم نبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - والمؤمنين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: 123 - 124] ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125] هم خيار الملائكة، كما أن من شهدها منكم خياركم، وهذا نهاية في الفضل لأهل بدر، وبالله التوفيق.
صفوان حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاه هل كان مسلما أم لا
في صفوان حين أعطاه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أعطاه، هل كان مسلما أم لا؟ وسئل مالك: عن صفوان حين أعطاه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما أعطاه، أكان مسلما أو مشركا؟ قال: ما سمعت فيه شيئا ولا أراه إلا مشركا، لقد قال: لرب من قريش خير من رب من هوازن.
وما هذا بكلام مسلم، وكان من أشدهم قولا حين قال صفوان: لقد أكرم الله أمية حين لم ير هذا الأسود فوق الكعبة، قال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، إن تكلمت بلغته هذه الحصباء، وقال رجل من آل خالد بن أسيد: ما أحد لهذا الأسود؟ يريد بلالا، قال: وكان سهيل بن عمرو من أشدهم قولا، قال لهم: يا قوم دعوا هذا، فإن كان من الله أمضاه الله.
قال محمد بن رشد: قوله حين أعطاه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما أعطاه يريد من غنائم حنين، وذلك أنه أعطى منها عطايا وافرة لأشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، فأعطى منها لصفوان بن أمية مائة بعير، وكذلك أعطى لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة بعير، وكانوا أشرافا فأعطاهم يتألفهم ويتألف قومهم بهم، وكذلك أعطى لجماعة سواهم من المؤلفة قلوبهم مائة بعير، منهم أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو.
وقول صفوان "لرب من قريش خير من رب هوازن " الذي استدل به مالك على أنه لم يكن يومئذ مسلما، قاله يوم حنين، وذلك أنه حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فمر رجل من قريش بصفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجبرونها أبدا، فقال له صفوان: أتبشرني بظهور الأعراب؟ فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن، وكان صفوان قد هرب من مكة يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشهد معه حنينا والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، أسلمت يوم الفتح قبل صفوان بشهر، ثم أسلم صفوان، فَقُرَّا على نكاحهما، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وهو أحد المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم.
والمؤلفة قلوبهم قوم من صناديد مضر كان النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يعطيهم من الزكاة أيضا يتألفهم على الإسلام ليسلم بإسلامهم من وراءهم؛ لأن الله تعالى جعل لهم فيها سهما، وقد مضى الكلام على هذا في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب زكاة العين، وبالله التوفيق.
سن عبد الله بن عمر
في سن عبد الله بن عمر وحكاية عن سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال مالك: سنو عبد الله بن عمر سبع وثمانون سنة، قال
مالك: بلغني أن سعيد بن المسيب لما حبس بعث إليه أهله بخبز ولحم، فقال سعيد: لا أذوقه، أرأيت الأقراص الأربعة التي كنت آكلهن فابعثوا بهن إلي، قال: وكان معهم رجل في الحبس يبعث إليه أهله الألوان من الطعام، فقال له سعيد: أرأيت ما تريد أن تبرح من هذا الموضع.
قال محمد بن رشد: المعنى فيما فعله سعيد بن المسيب من تركه لأكل ما أرسل إليه من الخبز واللحم هو أنه أراد ترك التنعم في السجن بشيء من الطعام ليكون أجره في السجن موفورا، وكان سجنه والله أعلم، أما إذ دعاه جابر بن الأسود الزهري عامل المدينة إلى بيعة ابن الزبير فأبى أن يبايع له حتى يجتمع الناس عليه، فضربه ستين سوطا، وإما إذ دعا عبد الملك بن مروان الناس إلى البيعة للوليد بعده ثم سليمان بعد الوليد، فبايعوا وكتب إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يأخذ لهما بيعة الناس بالمدينة ففعل، وبايع الناس لهما إلا سعيد بن المسبب فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حي، فضربه هشام ضربا مبرحا وألبسه ثياب شعر وسرحه إلى ثنية بالمدينة، كانوا يقتلون ويصلبون عندها، فظن سعيد أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه وبلغ عبد الملك خبره، فقال: قبح الله هشاما فيما فعل، لكان أخرج إلى صلة وجهه من أن يضربه، فإنا لنعلم أن ابن المسيب ما عنده شقاق ولا خلاف، وبالله التوفيق.
ما كان عليه عمررضي الله عنه من التفقد لأحوال رعيته
فيما كان عليه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من التفقد لأحوال رعيته قول مالك: إن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مر بحمار
عليه لبن فوضع عنه طوبتين، قال: فأتت سيدته عمر فقالت: يا عمر، ما لك ولحماري إنك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟
وسئل مالك: عن حديث عمر بن الخطاب حين ذكر رقيق الحوائط إذ كان يخرج إليهم فيخفف عن ثقلهم ويزيد في رزق من أقل له، أكان ذلك في رقيق الناس؟ قال: نعم وغيرهم من الأحرار من عمل ما لا يطيق، فقلت له: فإن الولاة عندنا يوكلون الشرط، فمن مر به بحمل ثقيل من جمل أو بغل أن يخففوا عنه، قال: أرى أن قد أصابوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ... » الحديث، وقد قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لهذا الحديث وما كان في معناه: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه.
ما عفا الله عنه فلم يذكره بتحليل ولا تحريم
فيما عفا الله عنه فلم يذكره بتحليل ولا تحريم قال مالك: سمعت من أرضى به يأثره عن غيره: "إن الله تبارك وتعالى أحل حلالا وحرم حراما وأشياء عفا عنها الله فدعوها".
قال محمد بن رشد: هذا يدل على أنه لا يستباح إلا ما أباحه الله تعالى، وأن المسكوت عنه محظور، وقد قيل: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
وجه القول الأول من طريق النظر: أنه قد ثبت أن الأشياء ملك مالك، والأصل أنه لا يستباح ملك أحد إلا بإذنه.
ووجه القول الثاني: أن خلق الله له دليل على الإباحة؛ إذ يقول: ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] ، فوجب أن يكون ما عدا هذا مما لم يثبت فيه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نهي مباحا، وبالله تعالى التوفيق.
تفسير الراسخين في العلم
في تفسير الراسخين في العلم وسئل مالك: عن تفسير ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] ، قال: العالمون العاملون بما علموا المتبعون له.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الراسخ في العلم: إنه العالم العامل بما علم المتبع له، معناه: أنه العالم المتحقق بما علم العالم العامل به المتبع له - هو معنى ما روي من «أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، سئل: مَنِ الراسخ في العلم؟ فقال: " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به قلبه، وعف بطنه، فذلك الراسخ في العلم» ، ويشهد بصحة هذا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] لأنه كلام يدل على أنه من لم يخش الله فليس بعالم.
وقد اختلف في قوله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] .
فقالت طائفة: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابهات،
والكلام يتم عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] ، أي: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون مع العلم بتأويله: آمنا به.
وقالت طائفة: المتشابهات مما استأثر الله بعلمها، فلا يعلم تأويلها إلا الله، والكلام يتم عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] ، ثم يحسن الوقف، ثم يبدأ القارئ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] ، وهذا هو نص قول مالك في رسم البيوع الأول من سماع أشهب بعد هذا.
وقد اختلف في المتشابهات التي عناها الله بقوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] ، ما هي؟ فقيل: إن المتشابهات من القرآن منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
وقيل: إنه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت نزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك مما لا يعلم أحد إلا الله تعالى، وكذلك الحروف المقطعة مثل "الم والمص" وما أشبه ذلك، فعلى هذين القولين لا يعلم تأويل المتشابهات إلا الله.
وأما من قال في المتشابهات: إنها المشكلات من الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب وإنما جاءت فيه مجملة غير مفسرة ولا مبينة، فالراسخون في العلم يعلمون تأويلها بما نصب الله لهم من الأدلة على معرفتها، وبينه لهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - منها؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] ، والمعنى في ذلك: أنه
عز وجل نص على بعض الأحكام وأحال على الأدلة في سائرها، وأما المحكم فهو البين الذي لم ينسخ وبالله التوفيق.
حكم أرض العنوة
في حكم أرض العنوة
قال مالك: وبلغني أن بلالا كلم عمر بن الخطاب في هذا المال في الشام في قسمه، وكان من أشد الناس عليه كلاما فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم، فقال: اللهم اكفنيهم، قال مالك: وبلغني أنه ما حال الحول وواحد منهم حي، قال ابن القاسم: وإنما كان بلال وأصحابه سألوا عمر أن يقسم الأرض التي أخذت عنوة بين الناس فأبى ذلك عليهم عمر، قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: ليس من الشأن قسم الأرض، ولكن تترك لحالها، قال مالك: وكل ما افتتح بعد عمر من العنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر، قال لي سحنون: وحدثنا ابن القاسم عن ابن كنانة أنه كان يقول ذلك، قال سحنون: وأخبرني به ابن نافع عن مالك.
قال محمد بن رشد: ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس أرض خيبر وقسمها بن الموجفين عليها بالسواء، وأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الشام؛ ليكون ذلك في أعطية المقاتلة وأرزاق المسلمين ومنافعهم.
فقيل: إنه استطاب أنفس المفتتحين لها، فمن سمح بترك حقه منها أعطاه فيه الثمن، فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في أرض خيبر، وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق وقال: إن أقر أهلها فيها لعمارتها كانت ملكا لهم بدليل ما روي أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وضع الخراج على بياضها وسوادها؛ إذ لو كانت للمسلمين لكان وضع الخراج
على سوادها بيعا للثمرة قبل أن تخلق.
وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطا الموجفين عليها، وإنه تأول في ذلك قول الله عز وجل في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] الآية، وإلى هذا ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه خلافا للشافعي في قوله: إنها تقسم كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض خيبر.
وقد اختلف على هذا في آية الفيء وآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، فقيل: إنهما محكمتان على سبيل التخيير في أرض العنوة بين أن تقسم كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض خيبر مبينا لآية الأنفال أنها على عمومها، وبين أن تبقى كما أبقاها عمر بدليل آية الحشر، وإلى هذا ذهب أبو عبيد، وهو قول أكثر الكوفيين: إن الإمام مخير بين أن يقسمها كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض خيبر وبين أن يبقيها كما فعل عمر في سواد العراق.
وقيل: إن آية الحشر ناسخة لآية الأنفال؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي.
وقيل: إن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال ومفسرة لها، ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من المغانم، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما قسم أرض خيبر؛ لأن الله وعدها أهل بيعة الرضوان، فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: 20] فهي مخصوصة بهذا الحكم
دون سائر الأرضين المغنومة.
وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر فيها أهلها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر وسوقوا في السواد، ووضع عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام، وهو وجه قول مالك في المدونة: لا علم لي بجزية الأرض وأرى أن يجتهد الإمام في ذلك ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه، أي إن لم يثبت عنده مقدار ما وضع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عليها من الخراج؛ لأنه إنما توقف في مقدار ذلك، [وقيل: إنه إنما توقف هل عليها خراج أم لا خراج عليها وتترك لهم يستطيعون بها على أداء الجزية دون خراج؟] [فيما خراج أم لا معينون بها؟] وقيل: إنه إنما توقف فيما يوضع عليها من الخراج هل يسلك به مسلك الفيء أو مسلك الصدقة، قال ذلك الداودي، وحكى عن ابن القاسم أنه قال: والذي ينحو إليه مالك أن يسلك به مسلك الفيء، وهذا التأويل أبعد التأويلات عندي، وذهب ابن لبابة إلى أن جزية الأرض توضع فيما أوقف الأرض له الإمام، فقال: إنما توقف مالك فيما يصنع فيها، إذا لم يدر لماذا أوقفها الإمام، ولا إن كانت افتتحت عنوة بقتال أو عنوة بغير قتال، واحتار هو إذا جهل ذلك أن تحمل على أنها افتتحت عنوة بقتال أو عنوة بغير قتال، فتكون أربعة أخماس ذلك لورثة من افتتحه إن عرفوا، وإلا كان سبيل ذلك كله سبيل الخمس، وبالله التوفيق.
ما ذكر في بلال
فيما ذكر في بلال قال مالك: بلغني أن بلالا ذكر له أن عمر بن الخطاب غضب غضبا شديدا، فقال: لو كنت عنده لم أزل أقرأ عليه القرآن
حتى يسكن، قال مالك: بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لبلال: «إني رأيت أني دخلت الجنة، وأني سمعت خشفا أمامي.
فقلت: من هذا؟ فقيل لي: بلال» ، فزعم أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لما ذكر له ذلك بكى.
قال محمد بن رشد: إنما قال بلال: لو كنت عند عمر حين غضب لقرأت عليه القرآن حتى يسكن؛ لعلمه أنه كان وقافا عند كتاب الله، فأراد والله أعلم أنه كان يقرأ عليه من القرآن ما يعظه في غضبه، مثل قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] ، ومثل قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] ، ومثل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ، وما أشبه ذلك من المواعظ في الغضب، وفي رؤية النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لبلال في الجنة شهادة له بها؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وبكاؤه حين أعلمه بما رآه له كان شوقا إلى الجنة، والله أعلم.
متى وقعت غزوة تبوك
في أن غزوة تبوك كانت بعد الفتح قال مالك: كانت غزوة تبوك بعد الفتح.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما قاله؛ لأن الفتح كان في رمضان سنة ثمان، وكانت غزوة تبوك بعد ذلك في رجب من سنة تسع، وهى آخر غزوة غزاها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد مضى قبل هذا ذكر هذا، وبالله التوفيق.
رغبة عمر في فعل الخير
في رغبة عمر في فعل الخير قال مالك: قال عمر بن الخطاب: أتراني لو حملت سمراء الشام إلى الجار أيأخذونها مني؟ ثم فقالوا: نعم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أيأخذونها في الجار فأكون قد أحسنت إليهم في ذلك وكفيتهم مؤنة نقلها، فقالوا: نعم، وبالله التوفيق.
قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
في قدوم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم المدينة
قال مالك: لما أن قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة نزل قباء فسمع به غلام من اليهود وهو على نخلة يجني رطبا ومعه قفة له، فتركها، ثم نزل حتى أتاه فرآه ثم رجع، فقالت له أمه: تركت متاعك وخرجت إلى هذا الرجل كأنك خرجت إلى موسى؟ قال: هو أخوه، قالت أمه: أفتتبعه؟ قال: لا والله لا أتبعه أبدا.
قال محمد بن رشد: قد ذكره أصحاب السير أن أول من رآه حين قدم المدينة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل من اليهود، وكان قدومه على ما ذكر يوم الإثنين حين استوت الشمس لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، فنزل بقباء، وقد قيل غير ذلك، وكان أكثر أهل المدينة قد خرجوا ينظرون إليه، فلما ارتفع النهار وقلصت الضلال واشتد الحر يئسوا منه فانصرفوا، فكان أول من رآه هذا الرجل من اليهود.
وهو في نخل له، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء يعني حظكم، فخرجوا وتلقوه ودخل معهم المدينة فنزل على سعيد بن خيثمة، وقيل: على كلثوم بن الهرم، ونزل أبو
بكر على حبيب بن إساف، وقيل: على خارجة بن زيد، وكلاهما من بني الحارث ابن الخزرج.
وكان من شأن هذا اليهودي الذي رأى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أول من رآه مع أمه ما ذكره في الحكاية من قوله: إنه أخو موسى يريد في النبوة، وقسمه أنه لا يتبعه؛ لأن اليهود قد كانوا عرفوا أنه نبي بنعت الله لهم إياه في التوراة، لكنهم كفروا به لأنهم كانوا يرجون أن يكون منهم، فلما كان من غيرهم حسدوه فكفروا به، قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] وبالله التوفيق.
قتل أمية بن خلف
في قتل أمية بن خلف
قال مالك: أسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وأراد به الفداء، فرآه بلال، فقال: لا نجوت إن نجا، فحرض عليه فقتله ابنا عفراء.
قال محمد بن رشد: كان أمية بن خلف ممن تولى كبر بلال بالعذاب بمكة على الإسلام، ولذلك حرض على قتله حتى قتله.
وقد حكى ابن عبد البر في كتابه الصحابة أن بلالا قتله حسب ما ذكرناه قبل هذا، فقد يحتمل أن يكون قتله إليه من أجل أنه كان سببه بتحريضه على ذلك، والله أعلم.
تواضع أهل الشرف في الإسلام
في تواضع أهل الشرف في
الإسلام قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال لأبي سفيان بن حرب: احمل علي هذا الحجر، فحمله، فحمد الله عز وجل عمر على ذلك، فقال: ما لك؟ كأنه أراد بذلك اختباره لقدر أبي سفيان في الجاهلية.
قال مالك: ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في مشية رآه يمشيها فعاتبته أمه في ذلك فقال: إنه يجد في نفسه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن التواضع محمود والكبرياء مذموم، قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» وبالله التوفيق.
تمني علي درجة عمر في الخير
في تمني علي درجة عمر في الخير قال مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما سجَّى على عمر بن الخطاب قال علي بن أبي طالب: ما تحت الخضراء ولا فوق الغبراء أحد كنت أحب أن ألقى الله بصحيفته غير هذا المسجى على سريره، وتكلم بذلك علي وعمر مسجى عليه في سريره.
قال محمد بن رشد: في هذا تفضيل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لعمر على عثمان، وهو الذي عليه أهل السنة.
والحق أن أفضل الصحابة: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وقد روي هذا عن مالك، وروي عنه أيضا الوقوف عن تفضيل بعضهم على بعض، وروي عنه أيضا تفضيل أبي بكر على عمر والوقوف عن المفاضلة بين علي وعثمان، والأول هو الذي يعتمد عليه من مذهبه والله أعلم.
الفتيا لمن لم يطلب
في كراهية الفتيا لمن لم يطلب
العلم حق طلبه
قال: وسمعت مالكا يقول: قال ابن هرمز ما طلبت هذا الأمر حق طلبه إذ استفتي، قال مالك: وهذا يفتي ولا يعلم ولم يتعلم ولم يطلب هذا الأمر حق طلبه، ولم يطلب هذا الأمر ممن يعرفه، فأنكر على مثل هؤلاء أن يفتوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن ما يتعين على المعنى من الاجتهاد في الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب ولا في السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة يفتقر إلى القياس برد الفرع إلى الأصل بالمعنى الجامع بينهما، ووضع الأدلة في ذلك مواضعها، وذلك يخشى التقصير فيه ممن طلب الأمر حق طلبه فكيف بمن لم يطلبه حق طلبه وبالله التوفيق.
فضل حكيم بن حزام رضي الله عنه
في فضل حكيم بن حزام
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
قال مالك: بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المؤلفة، فتصدق بذلك بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: قد قيل في حكيم بن حزام: إنه لم يكن من المؤلفة قلوبهم؛ فإن كان منهم على ما في هذه الحكاية فهو من الفضلاء
منهم، وكفى بعنوان فضله تصدقه بما أعطاه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في جملة المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم قد حسن بعد ذلك إسلامهم حاشى عيينة بن حصن، فلم يزل مغمورا عليه، وأما سائرهم فيتفاضلون في الخير، منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله كحكيم بن حزام، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون ذلك في الفضل، وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وبالله تعالى التوفيق.
تم الجزء الرابع من الجامع
يتلوه إن شاء الله الكتاب الخامس