كتاب الجامع الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«نِعْمَ الرَّجُلُ أبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عمَر بْنُ الْخطَّاب، نِعْمَ الرجُلُ أبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجراح، نِعْمَ الرَّجُلٌ مُعَاذُ بْنُ جَبلٍَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، نِعْمَ الرجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ بْنِ شَمَاسٍ، نِعْمَ الرَّجُل عُمَرُو بْن الْجَمُوحَ» .
قال محمد بن رشد: في هذا الحديث تقديم أبي بكر الصديق على عمر بن الخطاب، وليس في قوله: نِعْمَ الرَجُلُ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجرَّاح بعد قوله عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، دليل على أنه أفضل الناس بعده، والذي عليه عامة أهل السنة، وكافة علماء الأمة، أن أمة نبينا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أفضل الأمم، كما أنه هو أفضل الأنبياء والرسل، وخاتم النبيين، وسيد الخلق أجمعين، وأَن أفضل أصحابه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثمِ عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وقد روي هذا عن مالك نصاَ وقيل: إنه الذي رجع إليه بعد أن كان وقف في عثمان وعلي، فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة على أنه كلام محتمل للتأويل، لأن قوله: ويرى الكف عنهما يحتمل أن يكون من كلام ابن القاسم، حكاية عن مالك، ويحتمل أن يكون من قول مالك، حكاية عمن أدرك ممن يقتدي به ولعله يريد في الرواية، لا في العلم والفقه، ولعلَّه قد صح عنده عمَّن لم يدرك ممن هو أرفع مرتبةً ممن أدرك تفضيل عثمان على علي، فأخذ بذلك، على ما روي عنه منصوصاً عليه، وقد وقع في بعض الروايات، ورأيته يرى الكف عنهما، فيكون هذا تأويلاً من ابن القاسم على مالك، والتأويل قد يخطئ ويصيب.
ثم يقدم بعد هؤلاء الخلفاء في التفضيل، بقية العشرة، الذين شهد لهم رسول اللًه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجنة، وهم الزبيرُ بن العوَّام، وطلحة بن عُبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عوف، وسعدُ بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسعيد بن زيد.
وهؤلاء العشرة كلهم بدريُون، ثم التقدم بعد هؤلاء العشرة في الفضل لبقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم أصحاب الشجرة ومنهم من اتفقت له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها، ثم مَنْ أنْفَقَ مِن بَعْدِ الْفَتح وَقَاتَلَ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ومن أهل العلم من ذهب إلى أن من مات في حياة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الشهداء، مثل حمزة، وجعفر، وسعد بن معاذ، ومصعب بن عمير، أو مات في حياته وإن لم يكن من الشهداء، كعثمان بن مظعوّن الذي قال فيه رسول اللًه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلبَّسْ مِنهَا بِشَيْءٍ» أفْضَل مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدهُ.
وإياه اختار ابن عبد البر ومن حجتهم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشَهَدَاءُ أحَدُ هَؤُلَاءِ اشهد عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصدَيقُ: ألَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِم أسْلَمْنَا كَمَا أسْلَموا وَجاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بَلَى وَلَكِنْ لَا أدرِي ما تُحْدثونَ بَعْدِي» . وهذا لا حجة لهم فيه، لأن الحديث ليس على عمومه في أبي بكر وغيره، لأن العموم قد يراد به الخصوص، كقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ أشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرٍ» . وإنما أراد الكافر منهم دون المؤمن، فالقول الأول هو الصحيح، ويؤيده ما روي عن ابن عمر أنه قال: كُنَّا نفاضل على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنقول: أبو بكر ثم عثمان، ثم نسكَت، وباللَّه تعالى التوفيق.
التوصية بالقبط
في التوصية بالقبط قال مالك: عَن ابْنِ شِهَاب، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكَ أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا افتَتَحْتُمْ مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِالقِبْط خَيْراَ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً» قال: وكان يقال: أم إسماعيل بن إبراهيم آجرُ منهم.
قال محمد بن رشد: في هذا الحديث علم من أعلام النبوءة، لأنه أعلم فيه بما يكون من افتتاح مصر بعده، والرحم الذي للقبط هو ما ذكره من أن أم إسماعيل منهم.
وأما قوله: إِنَّ لهُم ذِمَّةً وَهم يومئذ لا ذمة لهم، لأنهم أهلُ حرب، فمعناه: إِن لهم ذماماً برحمهم، يجب مراعاتها لهم إذا عوهدوا أو مُلكوا ويقال: هَاجَرَ وَآجَر، وذلك واحدٌ، مثل أرقت الماء وهرقت الماء.
واللَّه الموفق.
ما جاء من أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء
فيما جاء من أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء قَالَ مَالِكٌ عَن نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْكَافِرُ يأكلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يأكلُ فِي مِعي وَاحِدِ» .
قال محمد بن رشد: هذا من المجاز على غير حقيقة اللفظ، لأن عدد أمعاء الكافر والمؤمن سواء، فإنما هو مَثَلٌ ضربه في قلة الأكل من كثرته، على سبيل الاستعارة.
وهو كثير.
من ذلك قوله عز وجل: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4] واختلف في تأويله، فقيل: إنه على ظاهره في مقدار أكل المؤمن من أكل الكافر، ومعناه: في الرجُل بِعَيْنِهِ الَذِي ضَافَ النَّبيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وهُوَ كَافِرٌ، فَأمَرَ لَهُ النَّبيُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا ثَمّ بِأخْرَى فَشَرِبَه، ثُمَ بِأخْرَى فَشَرِبَهُ، حًتّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْع شِياهٍ، ثمَ إِنَّهُ أصْبَحَ فَأسْلَمَ فَأمَرَ لَهُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِأخْرَى فَلَمْ يَسْتَتمَّها فقال ذلك القول، فكان مقصوراً على ذلك الرجل الذي كان سببه، ولم يكن على عمومه في كل مسلم وكافر، وقيل: ليس على ظاهره في مقدار أكل المؤمن من أكل الكافر إذ قد يكون الكافر قليل الأكل، والمؤمن كثير الأكل، وقد كان يطرح لعمر صاع من تمر فيأكله، حتى يأكل حشفه، وَمَن يُساويه في جودة الإيمان؟ وإنما معناه: إِنَّ الكافر يرغب في الدنيا ويستكثر منها، ولا يؤثر على نفسه، إذ لا يعتقد القربة بذلك، والمؤمن يدخر فيها، ولا يستكثر منها، ويطوي بطنه عن جاره، ويؤثره على نفسه، أي إن هذا هو فعل المؤمن الممدوح إيمانه، وهذا أولى ما قيل في تأويل الحديث.
وقد قيل: المعنى فيه إِن المسلم يسمي اللَّه تعالى على طعامه ليضع له البركة به، والكافر لا توضع له البركة في طعامه أي لا يسمي اللَّه عز وجل واللَّه أعلم.
[ما جاء في أنَّ الحُمّى مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ]
في أنَّ الحُمّى مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ قال مالك: عَن نَافِعٍ عَن ابن عُمَرَ إِنَّ النَّبيً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْحُمّى مِنْ فيْح جَهًنّمَ، فأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» .
قال محمد بن رشد: أعلم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بهذا الحديث أن ما يجده المحموم من حر الحمى هو من حر جهنم، كما أعلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ما يجده الناس من شدة الحر، هو من فيح جهنم، فوجب الِإيمان بذلك، وأن اللَّه عز وجل يبتلي المؤمن بالحمى من فيح جهنم، ليثيبه على ذلك، وقد كان مجاهد يقول في قول اللَّه عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] أن ورود المؤمن هو ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض، وذلك حظ من النار.
وروي ذلك في حديث عَنْ أبِي صَالِحٍ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُود رَجلاً مِنْ أصْحَابِهِ وَعِكاً وَأنَا مَعَهُ ثُمِّ قَالَ: إِنَ اللَّهَ عًزّ وَجَلَّ قَالَ: هِيَ نَارِي أسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُون حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَة» .
ما يروى عن ابن عمر أنه كان يدعو به
فيما يروى عن ابن عمر أنه كان يدعو به قال مالك عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول: اللَّهُمَّ أذهِبْ عَنِّي الرَجْزَ.
قال محمد بن رشد: الرجز العذاب، قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 135] أي العذاب الذي أرسله عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع.
وقد يراد بالعذاب وسوسة الشيطان، لأنها مُؤدية إلى
العذاب.
قال عز وجل: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11] إلى قوله: ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11] أي وسوسته، وهو الذي أراد ابن عمر بما دعا به.
واللَّه أعلم، لأن من سلم من وسوسة الشيطان بعصيانه، وترك طاعته، فقد نجا، واستوجب جنة المأوى.
فخير ما يدعو به العبد ويرغب فيه إلى ربه أن يعصمه من الشيطان الرجيم.
وباللَّه التوفيق.
وصايا عمر بن الخطاب
فيما ذكر عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أوصى به عن زيد بن أسلم أنَّ عمرَ بْنَ الْخَطَّاب قَالَ: أوصِيكُم بِالأنْصَارِ خَيْراً وأوصِيكُم بِالْعَرَب خَيْراً وَأوصِيكُم بَأهل الذِّمَةَ خَيْراً.
وقال مالك عن يحيى بن سعيدَ، أن عمر بن الخطاب كان يقول: مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَعْمُرْهَا، ومن كان له مال فليصل فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب.
قال محمد بن رشد: المعنى في توصيته بمن وصى بهم أن يُحفظوا ويُراعوا ويُحسَن إِلى مُحسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم.
وإنما أوصى بالأنصار لتقدمهم في الِإسلام، وسابقتهم فيه، ولأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أوصى بهم، وَدَعَا لَهُم وَلِأبْنَائِهِم، فَقَالَ: «اللَّهًمَّ اغْفِرْ لِلأنْصَارِ، وَلأِبْنَاء الأنْصَارِ» . وإنما خص العرب بالتوصية بهم دون غيرهم، من العجم، لمكانتهم من النسب، ولما خشِي أن يُجْهَلَ عليهم، لما في كثيرٍ منهم من الجهل، وإنما أوصى بأهل الذمة مخافة أن تُستخف إذايتُهم من أجل كفرهم.
وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَداً أوْ ذِمِّيَاَ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وإنَّ رَائِحَتَها لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» . وإنما
أوصى الناس بحفظ أموالهم بالقيام عليها، مخافة أن يضيعوها اتكالاً منهم على أعطيات الِإمام.
وقد نهى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن إِضَاعَةِ الْمَال.
وهذا من إضاعته.
وقد قيل في تأويله غيرُ ما وَجْهٍ.
وقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَيُوشِكُ أن يَأتِيَ مَن لَا يُعْطِي إِلاَّ مَنْ أحبَّ.
معناه: فيغلب على الظن أن ذلك يكون فكان كما غلب على ظنه.
وقد كان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول الشيء على ظنه، ويرأسه، فيكون على ما قال.
من ذلك قوله: " وَافَقْتُ ربِّيِّ فِي ثَلَاثٍ.
منها: آيَةُ الْحِجَابِ، وآيَةُ فِدَاءِ الأسْرَى، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ " وقد قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَيَكُونُ بَعْدِي مُحَدَّثُونَ، فَإِن يَكُنْ فَعُمَرُ، فَقَال: إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ عَلَى قَلْبِ عمَرَ وَلِسَانِهِ بِالصِّدْقِ» وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كنّا نَعُدّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ على لِسان عُمر.
وأما قوله: أدركْ أهلَك فقد احترقوا للذي سأله عن اسمه، فقال حمزة: فقال: ابن من؟ قال: ابن شهاب.
قال: مِمّن؟ قال من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيتها؟ قال: بذاتِ لظى.
فكان كما قال، فإنما ذلك واللَّه أعلم من معنى قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّ الْبَلاَءَ مًوَكَّلٌ بِالْقَوْل» . وباللَّه التوفيق.
ما يقاتل عليه الناس
فيما يقاتل عليه الناس قال مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْت أن أقَاتِلَ النَّاسَ حًتّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلّاَ اللَّهَ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي مَاءهُم وأَمْوَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ» .
قال محمد بن رشد: معنى قوله: " حَتَّى يَقُولُوا لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ " أي حتى يسلموا فيقولوا لا إلهَ إلّاَ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ويلتزموا سائر قواعد الِإسلام.
وهي الصلاة والزكاة والصيام، وحج بيت الله الحرام، من استطاع إليه سبيلاً، لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بُنيَ الِإسْلَامُ عَلَى خَمْس شَهَادَة أَن لَا إله إلاَّ الله وَإقَام الصَّلاَةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْم رَمَضَانَ، وَحَجِّ بَيْتِ اللِّهِ الْحَرَام» لَا أن قتالهم يحرم بمجرد قول لا اله إلا الله فقد قال أبو بكر الصديق: والله لأقَاتِلَنَّ من فرَّق بَيْنَ الصَلاَةِ وَالزَّكَاةِ.
وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ذُكر في بعضها مع شهادة أن لا اله إلا اللَّه الصلاة، وفي بعضها الصلاةُ والزكاة، وفي بعضها الصيام والصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان.
وأداءُ الخمس وهو بين ما ذهبنا إليه من أنَّ الشرائع داخلة في الحديث بالمعنى، وإن لم تذكر فيه.
وقد ذهب بعض من تكلم على معاني الحديث أن ما روي في هذا الحديث من اختلاف الألفاظ فيه، محمولة على ظاهرها من التعارض، لأن المعنى فيها أنها مرتبة على الأزمان، لأن الفرائض كانت تَنْزِلُ شيئاً بعد شيء، فالحديث الذي لم يذكر فيه شيء من الشرائع، كان في أول الإسلام قبل فرض الصلاة، والحديث الذي ذكر فيه الصلاة، ولم يذكر فيه الزكاة، كان قبل فرض الزكاة، والحديث الذي ذكر فيه الزكاة والصلاة، ولم يذكر فيه صيام رمضان كان قبل فرض صيام رمضان.
والحديث الذي ذكر فيه صيام رمضان متأخراً عن الأحاديث الأول، والذي ذكرناه وذهبنا إليه في تأويل الحديث أولى والله أعلم.
ومعنى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ " أي أنه
هو يحاسبهم بما يعلمه من صدق نياتهم في ذلك، إذ لا يعلم حقيقة ذلك سواه.
فإن اعتقدوا بقلوبهم ما قالوه بألسنتهم، كانوا مسلمين مؤمنين، وانتفعوا بإسلامهم، وإن لم يعتقدوه بقلوبهم، لم ينتفعوا بإسلامهم.
وقد تكلمنا في صدر كتاب المقدمات على حكم الِإيمان والِإسلام والفرق بينهما عند من رآه وبالله التوفيق.
ترك غسل الجمعة
في جهل تارك غسل الجمعة قال مالك: بلغني عن ابن مسعود أنه سئل عن شيء فقال: لئن جهلت هذا لأنا أجهل من تارك غسل يوم الجمعة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأنه لا يترك سنة الغسل يوم الجمعة إلا من جهل السنة في ذلك، ولم يعرف قدرها لمن التزمها، ولم يضيعها من الفضل في ذلك، أو علمه فحرم التوفيق.
وَقَدْ وَبَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَاب عُثْمَانَ بْن عَفانَ، إذْ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَيَّةُ سَاعَةِ هَذِهِ؟ فَقَالَ يَا أميرَ الْمُؤْمِنِين: انْقَلَبْتُ مِن السُّوقِ، فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَمَا زِدْت عَلى أن تَوَضَّأت، فَقَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَن رسولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يَأمرُ بِالْغُسل.
وبالله تعالى التوفيق.
هل يكون الرجل أحق بمجلسه إذا قام عنه ثم رجع إليه
في هل يكون الرجل أحق بمجلسه إذا قام عنه ثم رجع إليه؟ وسئل مالك عن الرجل يقومُ من المجلس، فقيل له: إن بعض الناس يزعم أنه إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع إليه، إنه
أحق به، فقال سمعت في ذلك شيئاً، وإنه لحسن إن كان إتيانه قريباً، وإن تباعد ذلك حتى يذهب بعيداً ونحو ذلك، فلا أرى ذلك له.
وإن هذا لمن محاسن الأخلاق.
قال محمد بن رشد: قوله: وإنه لحسن إن كان إتيانه قريباً، معناه: إذا قام عنه على أن لا يرجع إليه، وأما إن قام عنه على أن يرجع إليه فهو أحق به إن رجع بالقرب، فتحصيل هذا أنه إن قام عنه على أن لا يرجع إليه فرجع بالقرب، حسُن أن يقوم له عنه من جلس بعده فيه، وإن لم يرجع بالقرب، لم يكن ذلك عليه في الاستحسان، وإن قام عنه على أن يعود إليه فعاد إليه بالقرب، كان أحق به، ووجب على من جلس فيه بعده أن يقوم له عنه، وإن لم يعد إليه بالقرب، حسُن أن يقوم له عنه مَن جلس فيه بعده، ولم يجب ذلك عليه.
وبالله التوفيق.
ما جاء في أن المرء مع من أحب
قال مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: عَن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ «إنَّ أعرابِياً أدْرَكَ النبيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَة؟ فَقَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا، قَالَ لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ لأنِّي قَلِيلُ الصَّلَاةِ، قَلِيلُ الصِّيَام، إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإنَّكَ مَعَ مَن أحببت» .
قال محمد بن رشد: قوله: إني لقليل الصلاة، قليل الصيام، معناه في النافلة لا في الفريضة، لأن من ترك بعض الصلاة المفروضة، والصيام المفروض، مضيِّعاً لذلك أو مفرطاً فيه فمذهب ابن حبيب فيه أنه كافر.
وذهب غيره إلى أنه لا يكون كافراً بترك شيء من الشرائع إلا بترك الصلاة خاصة، تعلقاً بظاهر ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من قوله: مَن
تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَن تَرَكَ الصَلَاةَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلهُ، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ حُشِرَ مَعَ هَامَانَ وَقَارُونَ) . والصحيح أنه لا يكون كافراً وإن تركها مضيعاً لها أو مفرطاً فيها، إذا كان مقراً بفرضها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْم وَاللَّيلة، مَن جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيًعْ مِنْهُن شَيئَاَ اسْتِخْفَافاً بِهَن، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أن يُدْخله الجنةَ، ومَن لَم يأتِ بِهِن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وإن شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ، فإنما يستحق الرجل بتضييع الصلوات اسم الفسق، لا اسم الكفر.
وقوله في الحديث: كَان لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْد أَن يدخله الجنة، معناه: ابتداءً دون أن يعذبه بإدخال النار، وقوله: فَلَيْس لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إن شَاءَ عَذبَهُ، وإن شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجنًةَ معناه: إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة، وإن شاء أدخله الجنة ولم يعذبه، لأن من مات على الِإيمان، فلا بد له من دخول الجنة، لأنهُ إن دخل النار، فلا بد أن يخرج منها بالشفاعة على ما تظاهرت به الآثار وبالله التوفيق.
سؤال الناس النبي عليه السلام الاستقاء
في سؤال الناس النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الاستقاء وسمعت مالكاً يقول: «أُتي إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقيل له: يَا نَبيَّ اللَّهَ: اسْتَسْقِ لَنَا فَدَعَا اللَّهَ لَهُم فَسُقُوا.
ثمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ قابِل، جَاؤُوهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِينَا، فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ سَقْيَ الْكُفَّارِ؟» .
قال محمد بن رشد: في هذا دليل على صحة رواية أبي
المعصب عن مالك، إن الاستسقاء على سنة الاستسقاء من البروز إلى المصلى لا يكون إلا عند الحطمة الشديدة، ولا يؤثر عنه ولا عن أصحابه فيما علمت خلاف ذلك، فيحمل على البيان للمذهب، ويشهد لصحتهما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنمَا اسْتَسْقَى حِينَ جَاءَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه: هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادْعُ الله وبالله التوفيق.
[ما جاء في أن لله عباداً أهل عافية في الدنيا والآخرة]
قال مالك وبلغني أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: «إنَّ لَلّهِ عباداً أَهْلَ عَافِيَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، إذ قد يكون الرجل يرزق المال الحلال فيعيش منه العيش الحسن، ويؤدي حق الله، ويقيم فرائضه من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويجتنب محارمه، ويعافيه الله في بدنه طول حياته، ثم يميته على الِإيمان، فيكون معافيه في الدنيا والآخرة وبالله التوفيق.
الحلف بالله على الصدق
في الحلف بالله على الصدق قال مالك: بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه: إنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ: لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إلاَّ وَأَنْتُم صَادِقُونَ، وَأَنَا أَقُولُ لَكُم لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ صَادِقِينَ وَلَا كَاذِبِينَ، قُولُوا: بَلَى وَنَعَمْ.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول عيسى ابن مريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن شرعه مخالف لشرع موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبله فيِ إباحة الحلف بالله عز وجل على الصدق، ومخالف لشرعنا أيضاً، لأن اللَّه تعالى قد أمر نبيه بالحلف باسمه في غير ما آيةٍ فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: 53] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] وقال: قُلْ: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثيراً ما يحلف لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَلَا وَمُقَلِّب الْقُلُوب.
وَلا وجه لكراهة ذلك، لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شَك أن في ذكر الله تعالى على قصد التعظيم له أجراً عظيماً، ويحتمل أن يكون عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنما كره لهم اليمين بالله صادقين وكاذبين، مخافة أن يكثر منهم، فيكون ذريعةً إلى حلفهم بالله على ما لم يقولوه يقيناً أو يواقعوا الحنث كثيراً ويقصروا في الكفارة، فيواقعوا الإثم من أجل ذلك، لا من أجل اليمين بالله.
وقد مضى في آخر سماع أشهب من كتاب النذور، لتكرر المسألة هناك.
وصية لقمان لابنه
في وصية لقمان لابنه قال مالك: وبلغني أن لقمان قال لابنه: يا بُنَيِّ جَالِس الْعُلَمَاءَ، وَزَاحِمْهُم بِرُكْبَتِكَ، فَلَعَلَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِم فَتصيبك مَعَهُم، وقال له في الفجار، في مجالستهم، مثل ما قال له في العلماء في الرحمة لئلاَّ ينزل عليهم سخط فيصيبك معهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين واضح ليس فيه ما يشكل وبالله تعالى التوفيق.
[ما جاء في الِإبار]
قال مالك: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَعْض الْحَوَائِطِ وَهُم يَأبرُون النَّخْلَ وَيُلَقِّحُونَهَا، فَقَالَ: " مَا عَلَيْكُمْ أَلّاَ تَفْعَلُوا " قالَ: فترك الناس الإبار في ذلك العام، فلم تطعم النخل، فشكوْا ذلك إلى رسول اللًّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " إِنَّما أنَا بَشَر، فَاعْمَلُوا بِمَا يُصْلِحُكُم» .
قال محمد بن رشد: التلقيح وضع الذكور في الأنثى.
وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، يقرب بعضها من بعض منها: أنه قال: «مَا أَظنّ هَذَا يُغْنِي شَيْئاً وَلَوْ تَرَكُوهُ لَصَلُحَ، أَوْ لَا لِقَاحَ، أَوْ مَا أَرَى اللِّقاح شَيْئاً فتركوه فشيص فأخبر به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " مَا أنَا بِزَارِعٍ وَلَا صِاحِبِ نَخْلٍ، لَقِّحُوا أو قال: " إنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً، وَالظَّنُّ يَخْطِئُ وَيُصِيبُ أَو لا تؤاخِذُوني بِالظَّنِّ، وَلَكِن إذَا حًدّثْتًكُم عَنِ اللَّهِ شَيْئاً فَخُذُوهُ، فَإنِّي لَنْ أكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» . فقال الطحاوي فيما روي من ذلك كله: إنه ليس باختلاف تعارض، وإنما معناه أنه قال ما قال من ذلك لقوم بعد قوم، فحكى كل واحد منهم ما سمع، ولم يكن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ممن يعاني ذلك ولم يكن من بلد فيه نخل، فاتسع له أن ينفي ما توهم بالظن استحالته، وهو أن يكون الِإناث من غير الحيوان يأخذن من الذكور شيئاً، ولم يكن ذلك إخبار منه عن وحي.
هذا معنى قول الطحاوي والذي أقول به في ذلك إنه إنما قال للذين رآهم يأبرون النخل ويلقحونها ما قال لهم مما روي عنه في ذلك أنه قاله لهم لما علمه من أنه لا تأثير لشيء من
المخلوقات في شيء منها بإفساد ولا إصلاح.
وإنما الله هو المفسد المصلح، الفاعل لكل شيء، إلا أنه تعالى قد أجرى العادة بأن يفسد من المخلوقات، وأن يصلحها عند مباشرة غيرها لها، ويعلم ذلك من الناس من جرَّبه، فوجد العادة مستمرة عليه، كالأطباء الذين يعلمون الأدوية النافعة من الضارة لتجربتهم وتجربة من تقدم من أسلافهم، ولا يسلم من ذلك سواهم ممن لم يجرب من ذلك ما جربوه، فكذلك إبار النخل وتلقيحه، علِم الانتفاع به من جربه من أهل النخل بطول التجربة، ولم يعلمه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذ لم تتقدم له به تجربة، فقال لهم ما قال، مما هو مذكور في الآثار.
وقولي كالأطباء الذين يعلمون الأدوية النافعة من الضارة، تَجَوُّزٌ في العبارة، إذ ليس الأدوية على الحقيقة بنافعة ولا ضارة، وإنما النافع والضار الله رب العالمين.
حكم الصفرة للرجل
في إنكار النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصفرة للرجل، وإقادته من نفسه قال مالك: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلاً فيه أثَرُ صُفْرَةٍ، فَطَعَنَهُ بقدحٍ كَانَ مَعُه، فَقَالَ: له: أوْجَعْتنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَطَرَحَ الْقَدَحَ إلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ: " اسْتَقِدْ " فَقَالَ لَهُ الرجُل: إنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَعَلَيْكَ قَمِيصٌ، وَلَيْسَ عَلَيَّ قميصٌ.
قال: فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمِيصَ عَنْهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُقَبِّلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ» .
قال محمد بن رشد: قوله: وبهِ أثَرُ صُفرَة معناه والله أعلم وبه ودع من زعفران، ففي طعنِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه لِما رأى به من ذلك على ما يدل عليه ظاهر الحديث، دليل على أن ذلك لا يجوز له، إذ لا ينكر على أحد ما يجوز له أن يفعله.
وهذا نحو ما جاء عنه صلى الله
عليه وسلم من رواية أنس بن مالك: «أنه نَهَى أن يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» وهو معارض لحديث أنس بن مالك في الموطأ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُول اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ أثرْ صُفْرَةٍ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ أنَّهُ تَزَوَّجَ.
الحديث إلى قوله: أوْلِمْ وَلَوْ بشَاةٍ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يُنكر عليه ما رأى به من أثر الصفرة، كما فعل بالرجل الذي طعنه بالقدح.
ولتعارض هذه الآثار اختلف العلماء هل يكره للرجل أن يصفر لحيته بالزعفران، ويلبس الثياب المصبوغة؟ فذكر مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ، وَالْمَصْبُوغَ بالزّعْفَرَانِ.
وجاء ذلك عن جماعة من السلف، وأخذ به مالك وأصحابه، فأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران للرجال.
وإنما كره ذلك مالك في الإِحرام.
وقد سئل ابن شهاب عن الخلوق، فقال قد كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتخلقون، ولا يرون بالخلوق بأساً.
وكره الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما أن يصبغ الرجل ثيابه ولحيته بالزعفران.
وقال ابن شهاب هذا جائز عند أصحابنا في الثياب دون الجسد، وهو قول ثالث في المسألة.
وإقادة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرجل الذي طعنه بالقدح من نفسه تواضعاً منه لله بأن أعطى من نفسه ما لم يجب عليه، إذ لم يفعل به إلا ما كان له أن يفعله به، لمخالفته ما كان قد علمه من أمره والله أعلم.
لكنه لما قال له: قدْ أوجعتني خشي أن يكون قد تجاوز القدر الذي كان أراده خطأً منه.
والخطأ ليس بمسئول عنه، فتنحى من ذلك بالِإقادة من نفسه تطوعاً من غير
أن يجب ذلك عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم فمر به ابن غزية حليف بني عدي ابن النجار وهو مستنصل من الصف فطعن في بطنه بالقدح، وقال: استوِ في الصف يا سواد، فقال: أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني قال: فكشف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بطنه.
فقال.
استقد.
قال: فاعتنقه وقبل بطنه.
فقال: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يا سَوَادُ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له بخير وقاله» .
وقع هذا الحديث في البر لابن هشام فإن كان حديث الجامع، على ما يدل عليه ظاهره من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنما طعن الرجل من أجل ما رأى به من الصفرة، فهو حديث آخَر، في رجل آخَر، ويحتمل أن يكون هو الحديث بعينه، ويكون المعنى فيه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى الرجلَ يريد سواد بن غزية، وفيه أثر صفرة خارجاً عن الصف يوم بدر، فطعنه بقدح كان بيده، ليعتدل في الصف.
الحديث.
وقوله: فجعل الرجل يقبل ذلك الموضع، إشارة منه إلى الموضع الذي كشفه له ليستقيد منه.
وبالله تعالى التوفيق.
ما جاء من أن رسول الله لم ينتقم قط لنفسه
فيما جاء من أن رسول الله لم ينتقم قط لنفسه قال مالك: بلغني «أن عائشة قالت: مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلّي اللهُ عَلَيْهِ وَسلّمَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ أتَى إِلَيْهِ إِلّاَ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتقِم لِلّهِ مِنْهَا» .
قال محمد بن رشد: يشهد لما قالته عائشة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4] «وسئلت عائشة عن خُلقِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قالت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ» تريد أنه كان جبل على ما حَض الله عليه في القرآن من العفو والصفح.
والتفضل والإِحسان بقوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] فكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحلمُ عمن جهل عليه، ويعفو عمن ظلمه، فلا ينتقم إلا لله، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْتُ لأتَمِّم حسن الأخْلَاقِ» وبالله التوفيق.
التحذير من الدخول في الفتن
في التحذير من الدخول في الفتن
قال مالك: وبلغني أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان مجالس رجل من الأنصار يسمى أبا جُهَيْم، قال: فكان عبد الله ابن عمرو بن العاص يحدثه عن الفتن، فلما كانت الفتنة، بلغ أبا جهيم الذي كان من عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال: دخل فيما دخل فيه.
وقد كان يحدثني بما يحدث به في الفتن.
إن لله علي أَلَّا أكلمه أبداً.
قال: فقدم عبد الله بن عمرو بن العاص فلقي الرجل فكلمه فأبى ثم كلمه فأبى فقال عبد الله: أنَا أعْرِفُ لم تركت كلامي لما كنت أُحدثك؟
قال محمد بن رشد: أبو جُهَيم هذا هو والله أعلم عبد الله بن جهيم الأنصاري الذي روى عن النبي عليه السلام في المارِّ بَيْنَ يَدَي
الْمُصَلي أنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَمُرَ بَيْنَ يَدَيْهِ ويحتملّ أن يكون أبو جهيم بن الحرث بن الصمة الأنصاري الذي روى عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه أتى من نحو بير جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه شيئاً، حتى أتى على جدار، فمسحَ بوجهه ويديه، ثم رد عليه.
وعبد الله بن عمرو بن العاص من فضلاء الصحابة، ولد لأبيه عمرو وهو ابن بضع عشرة سنة، وأسلم قبله، وكان يسرد الصوم، ويقوم الليل، فشكاه أبوه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وإن لأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَإِنَّ لَزَوْجك عَلَيْك حَقاً قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وأفْطِرْ صُمْ ثَلَاثَةٌ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ، قَالَ: فَإنِّي أطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهُ في الصِّيَام حَتَى قَالَ لَهُ: لَا صَوْمَ أفضَلُ مِنْ صَوْم دَاوُودَ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» «ونازل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضاً في ختم القرآن فقال: " اخْتمْهُ في شَهْرٍ، فَقَالَ: إِنِّي أطِيقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعه حَتَّى قَالَ: لَا تَقْرَأهُ فِي أقلَّ مِنْ سَبْع» وروي في أقلَّ مِنْ خَمْسٍ والأكثر على سبع.
فوقف عند ذلك فكان لَمَّا أسنَّ يقول: وددت أنَّي قبلت رخصة رسول الله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. والذي كان يحدث به أبا جُهَيم عن الفتن هو ما روي عن النبي عليه السلام من التحذير منها نحو قوله: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِد فِيها خَيْر مِنَ الْقَائِم، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الساعِي مَن تَشَرَّفَ لَهَا تَستَشْرِفُه وَمَنْ وَجَد فيهَا مَلْجأً وَمَعَاذَاً فَلْيَعُذْ بِهِ ".» وقوله: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفِّاراً يَضرِب بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ» وما أشبه ذلك من الآثار المروية في ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإِنه كان حافظاً لآثاره، لأنه استأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكتب حديثَه فأذِنَ له في ذلك، فكان واقفاً عليه وحافظاً له.
والذي دخل فيه من أمر الفتنة وهجره عليه أبو جُهيم، هو شهوده صفين وقتاله مع معاوية.
وقد ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ، وليس ذلك مما يقدح في عدالته، لأنه لم يفعل ذلك إلا وهو على بصيرة من أمره فيما أداه إليه اجتهاده.
وقد روي أنه اعتذر من ذلك وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا بسهم، وأنه إنما شهدها لعَزْم أبيه عليه في ذلك، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «أطع أبَاكَ» . وإنما أطاعه بما عرض عليه من الحجة التي ظهرت عليه حينئذ، لا أنّه أطاعه ويعتقد أنه على خطأ.
هذا ما لا يحل أن يتأول عليه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأنه لا طَاعَةَ لأَحدٍ في مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ثم اعتذر بعد ذلك من الأمر، إذ ظهر له خلاف رأيه الأول فيه، فهو محمود في كِلتي الحالتين، وَعتْبُ أبي جُهيم عليه، إنما كان إذ لم يتورع عن ذلك.
وقد كان في سعة منه.
وإن كان يرى حينئذ أن معاوية على صواب لأنه رآه مغرراً إذ من يقاتل على الاجتهاد فيما لا نص فيه، فقد تذكره البصيرة في خلاف رأيه، وهو قد نشب في القتال، فتذكره الحمية مما دخل فيه من القتال فيتمادى عليه،
فيكون قد وقع في الحرج، والتوقي من ذلك هو الحظ، كفعل أحد ابني آدم، إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28] ولا شك أنه رجع إلى تكليمه إذ بين له الوجه الذي دخل فيما دخل فيه من أجله، فهو الذي يدل عليه قوله له: أنا أعرف لما تركت كلامي لما كنت أحدثك به، لأن المعنى في ذلك، أنا أعرف ذلك، وإنما دخلت فيما دخلت فيه لوجه كذا والله أعلم.
[التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته]
في التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته قال مالك: بلغني أن ابن عمر باع من رجلين تبناً، قال: فكان يكيل لهما، وقعد إلى جنب حائط في ظله، فذهب الظل عنهما، وأصابت ابن عمر الشمس، فقال له الرجل: إن لو انصرفت عن الشمس، فإنا لا نزيد على حقنا.
فقال: أما إني لا أرى إلا وقد صدقتكما، ولكن القعود في الشمس أحب إلي من ظن السوء.
قال مالك عن قطن بن وهب عن عمه، أنه سمعه يقول: كنت مع عمر بن الخطاب حتى إذا كنا بالرَّوْحَا أو قريباً من الروحا، رأى عمر بن الخطاب راعياً فعدل إليه من الطريق برواحله، حتى دنا منه، ثم قال: يا راعي إني رأيت مكاناً هو أكلأ من هذا المكان الذي أنت فيه، فانتقل إليه وهو مكان كذا وكذا، ألا وإن كل راع مسئول عن رعيته.
ثم انصرف.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذين الحديثين بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيحتاج إلى بيانه وبالله التوفيق.
التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد
في التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد وقال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: أُحَذِّرُكُم مَا
مَالَتْ إِلَيْهِ الأهْوَاء وَالزَّيْغَ الْبَعِيدَ.
قال محمد بن رشد: إنما حذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من اتباع الهوى لقوله عز وجل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] والزيغ البعيد هو الِإغراق في القياس، والغلو في الدِّين، وكلاهما مذمومان، لأنك لا تكاد تجد الِإغراق في القياس إلا مخالفاً للسنة، والغلو في الدِّين منهي عنه.
قال عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 77] وبالله التوفيق.
حكاية بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى
قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: إني لست متبوعاً ولكن متَّبِعاً، ولست بقاض ولكن منفَذ، ولست بخير من أحدكم ولكنَي مِن أثقَلِكم حملاً.
قال مالك: ورفعوه إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: " مَنْ «أحْدَثَ في المدينَةِ أوْ أَوَى مُحْدِثاَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالُمَلاَئِكَةِ والنَّاس أجْمَعِينَ» . قال مالك: يريد من عمل بمعاصي الله، أو أوى أهل المعاصي في رأي.
قال مالك: بلغني أن المِسْوَر بن مخرمة، دخل على مروان، فجلس معه.
قال: فسأله مروان عن شيء، أو ابتدأَهُ به المسور فقال له: بئس ما قلت، فركضه مروانُ برجله، قال: فخرج المسور، قال: ثم إن مروان نام فأتِيَ في المنام، فقيل له: ما لك وللمسور؟ ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: 84] ، قال
فأرسل مروان إلى المسور فقال: إني قد زجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى، فقال له المسور: ولقد نهيت عني في اليقظة والمنام، وما أراك تنهى.
قال مالك: كان في المسجد مجلس من أهل الفضل فيما مضى والفقه، فكان الرجلان يأتيان في الأمر يكون بينهما، فيدليان بحججهما، فإذا رأوا أن أحدهما أظلمُ، قالوا له: ما نراك إلا أظلم.
ووعظوه.
فإن انتهى، وإلا حصبوه بالحصباء كلهم، حتى يقوم من عندهم وباللَّه التوفيق.
ما روي عن النبي عليه السلام في سعد بن معاذ
في قول مالك فيما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في سعد وسألت مالكاً عن الحديث الذي يذكره الناس عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في سعد بن معاذ.
فأنكره وقال: إني أنهاك أن تقوله، وما يدعو أمرأ أن يتكلم بهذا ولا يدري ما فيه من التغرير.
وقال مالك: حدثنيِ يحيي بنِ سعيد قال: لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْت سعد بْنِ مُعَاذ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَا نزَلُوا الأرْض قَبْلَهَا.
قال محمد بن رشد: إنما نهى مالك أن يتحدث بهذا الحديث وهو ما رُوي أنّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ويتكلم به، مخافة أن يَشِيعَ في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، لظنهم أنّ العرش إذا اهتز أي تحرك، تحرك الله بتحركه، كالجالس منا على كرسيه إذا تحرك الكرسي تحرك هو بتحركه.
وليس عرش الرحمن بموضع استقرار له، إذ ليس في مكان، ولا مستقر بمكان، تعالى
عن ذلك ذو الجلال والِإكرام.
وقد اختلف في تأويل الحديث، فقيل: بأن المراد بالعرش سريره الذي حمل كلليه، فيكون المعنى فيه: إِن الله أحياه معجزة للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأفهمه منزلته عند الله، فاهتز هيبة له، كما أحيا الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ صنع له الكرسي فحنَّ إليه وجأر، حتى ارتجَّ له المسجد، وقيل: إن المراد به عرش الرحمن، وذلك مذكور في بعض الآثار، فقيل على هذا المعنى فيه: إنه اهتز حملته استبشاراً لقُدومه عليهم.
خرج مَخْرَجَ: وَاسْأْل الْقَرْيَةَ أي أهلها.
وَمَخْرَجَ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبًّنَا وَنُحِبُّه» . أي يحبنا أهله ونحب أهله.
وقيل المعنى فيه، اهتز حقيقة بأن أحياه الله، وأفهمه منزلته عنده، فتحرك هيبة له، ولا يلحق ذلك الله عز وجل، إذ ليس بمستقر عليه ولا يحويه مكان.
وبالله التوفيق.
ما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر
فيما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر قال مالك: بلغني أن عبد العزيز كتب إلى ابنه عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة: إنَّه لا دين لمن لا نية له، ولا جديد لِمَن لا خِلقَ له، ولا مال لمن لا رفق له، وكأنه بلغه عنه إسرافٌ في الكسوة.
فلقد رؤي بعد كتاب أبيه إليه، وإِن ثوبه لمرقوع.
قال محمد بن رشد: قوله لا دين لمن لا نية له صحيح، يشهد له قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنيَّاتِ» ومعناه نفي الانتفاع بالعمل دون نية، لا نفي العمل، فمن أسلم ولم تكن له نية في أعماله، فهو ضعيف الدِّين، ليس له دين ممدوح، وقوله: لا جديد لمن لا يلبس الخلق، حكمة صحيحة منه، لأنه إِن لم يضن ثوبه الجديد بالخلق خلق الجديد بسرعة، فلم يكن له جديد.
وقوله: لا مال لمن لا رفق له،
صحيح أيضاً لأن من لا يرفق بماله، هلك سريعاً.
وفي الحديث المحفوظ: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ، يُحِبًّ الرِّفْقَ وَيرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لاَ يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، فَإذَا رَكِبْتُم هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ، فَأنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإنْ كَانَتِ الأرْضُ جَدْبَةً، فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنقْيِهَا فإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْل مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ» وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قَطَعَ، وَلَا ظَهْراً أبْقَى» وبالله التوفيق.
أول من أحدث القتل
أحاديث بينة في المعنى قال مالك: بلغني أن ابن آدم الذي قتل أخاه حمله على عنقه، قال: فَبَعَثَ اللهُ الغرابَ، قال: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة: 31] قال ابن القاسم بلغني أن ما من قتيل يقتل إلا ضوعف عليه العذاب، لأنه أول من أحدث القتل.
قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً قال: حدثني أبو الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أنْفِقْ عَلَيْكَ» ، حدثنا مالك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أذِنَ لِي أنْ أحَدِّثَ عَن مَلَكِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أذُنِهِ وَعاتِقِهِ لمجرَى الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» .
قال محمد بن رشد: هذه أحاديث بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى فلا وجه لتكلف القول بما هو بيِّنٌ يُدْرَى.
التكبير في الفطر والأضحى
في التكبير في الفطر والأضحى قال سحنونٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن نَافِعٍ عَن كُثَيِّرَ بْن عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِي، عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَكانَ من أصْحَاب رَسُول اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «أن النبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأضْحَى وَالْفِطْرِ، فِي الرَّكْعَةِ الأولَى سَبْعاً قَبْلَ الْقِرَاءةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْساً قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة قبل هذا في رسم كتب عليه ذكر حق فلا وجه لِإعادته.
أخذ زكاة الفطر من أهل البادية
في أخذ زكاة الفطر من أهل البادية قال ابن القاسم: وحدثني عبد الله بن نافع عن كُثير بن عبد الله عن رِبح بن عبد الرحمن عَنْ أَبى سَعِيِدِ الْخُدْري «أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أخَذَ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ أهْل البَادِيَةِ» .
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأبي حنيفة.
وقال الليث بن سعد ليس على أهل العمود زكاة الفطر أصحاب الخصوص والمظال، وإنما هي على أهل القرى.
وهو قول ضعيف، لأنه كما يستوي الحاضرة والبادية في جميع شرائع الدين، من الصلاة والصيام، وزكاة العين والحرث والماشية، فكذلك يلزم أن يستويا في زكاة الفطر.
وبالله التوفيق.
ما جاء في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة
في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة قال: وبلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حماهُما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني سجد لما في بطنك، لتفضيل عيسى، فإن الله جعله يُحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشٌ إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيُحتاج إلى بيانه.
وبالله التوفيق.
[ما جاء في أَن الدعاء لا يرد القدَر]
في أَن الدعاء لا يرد القدَر قال: وحدَّثني مالك أن ابناً لعبد الملك بن مروان مرض، فكأنَّهم رقوا له.
قال: فقالت أُمه لو أخرجته إلى القراء والناس يدعون له.
قال: فخرج، ثم إنه مات، قال: فدخل عليها عبد الملك.
فقالت: قد دُعي له فمات، قال عبد الملك: إن لِلَّهِ عَزَائِمَ مِنْ قَضَائِهِ لَا مَرْدُودَ لَهَا.
قال محمد بن رشد: قول عبد الملك، إن لله عزائم من قضائه لا مردود لها، كلام ليس بمحصل، لأن فيه دليلاً على أنَّ له عزائم من قضائه يردها الدعاء، والدعاء لا يرد القضاء، إذ لا يدعو الداعي، ولا يجاب لدعائه إلّاَ بأمر من الله.
قد سبق به القضاء.
فقد علم اللهُ في أَزله، من يدعو فيجيب دعاءه، ومن يدعو فلا يجيب دعاءه.
ومن لا يدعو إذا لم يوفقه للدعاء.
وعلم أن من قضى عليه أَن يدعو فيجيب دعاءه فيما دعا به وسأَله لو سبق قضاؤه ألَّا يدعو في ذلك الشيء لم يكن إذ لم يدع فيه،
لأن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، إذ قدْ قدَّره وقضى به ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان.
قال عز وجلّ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] وهم لا يردون، إذ قد سبق في علم الله أَنهم لا يردون، فقد يود الرجل الشيء ويُحِب أَن يكون، فيدعو فيه، فيجيب الله دعاءه فيه، ويكون بما سبق من قضاء بذلك، وقد لا يجيب دعاءه ولا يكون إذا كان قد سبق من قضاء الله أَن ذلك لا يكون، وقد لا يدعو فيه فيكون أيضاً.
ولا يكون بما سبق أيضاً من قضائه بأن ذلك لا يكون، أَو يكون.
فلو قال عبد الملك بن مروان: إن عزائِم الله وقضاياه لا مردود لها، لكان قوله صحيحاً، وإن لم يستجب للداعي فيما دعا فيه، أُجر في دعائه.
فكتبت له به حسنات وكفرت عنه سيئات.
لأنَه عبادة من العبادات.
موقع الحسنة من قلب المؤمن
في موقع الحسنة من قلب المؤمن
قال مالك: وبلغني أن ابن مسعود قال: لأن أَعلم أَن اللهَ قد قبِل مني حسنة، أحبُّ إلي ممَّا على الأرض.
قال محمد بن رشد: هذا اعتقاد صحيح، لأن ما على الأرض جميعاً لو كان له يموت ويتركه.
والجزاء من الله عزَّ وجلّ على الحسنة المقبولة سرمداً أبداً لا نهاية له، فينبغي لكل مسلم أَن يُسر بقبول الله تعالى له حسنة واحدة أكثر ممَّا يسر بمتاع الدنيا كله لو أعطيه، وأَمكن أن يملكه وينفعه، لأنه متاع قليل، يموت ويتركه.
وبالله التوفيق.
[المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه]
في المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه؟ وسُئل مالك عن عمل أَهل الشرك، أَبلغك أَنهم ما عملوا من خير كتب لهم بعد أن يسلموا حسناتٍ؟ فأنكر ذلك وقال: لا
أدري ما هذا؟ وإنما الأعمال بالنية فأما اليهود والنصارى يعملون الآن، فإذا أسلموا كتب لهم، فأنكر ذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في أن الكافر لا يثاب إذا أسلم بما عمله من الخير في حال كفره، صحيح، واحتجاجه في ذلك بقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات» . بين واضح، لاسيما بما في الحديث من قوله فيه: «وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» والكافر ما عمل في حال كفره من صلة رحم أو فعل معروف، أو عتق رقاب أو قرا ضيف فإنما يريد بذلك أن يحمد بذلك ويشكر عليه، فليس له بما فعله من ذلك إلا ما نوى به، وإذا كان المسلم لا يكون له بما عمله إذا لم يرد به وجه الله إلا ما نواه من أمر دنياه، فأحرى ألا يكون للكافر إلا ذلك، ويؤيد هذا ما روي «عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله: إن أبي كان يفعل كذا وكذا ويصل الرحم.
قال: إن أباك أراد أمرا فأدركه» . أي إنما كان ذلك منه لمعنى قد بلغه وناله في دنياه، فلا ثواب له عليه في أخراه وقد ينتفع بذلك ولده من بعده، فيكون له به شرف عند الناس وحرمة، ويؤيد هذا ما روي من «أن سلمان بن عامر أتى النبي عليه السلام فقال: إن أبي كان يقري الضيف، ويفعل ويفعل، وإنه مات قبل الإسلام، فقال: " لن ينفعه ذلك ". فلما ولى قال علي الشيخ، فلما جاء قال إن ذلك لن ينفعه، ولكن في عقبه، إنهم لن يفتقروا ولن يذلوا ولن يجزوا.» والمعنى في رده إياه والله أعلم أنه أراد أن يبين له أن قوله لن ينفعه ذلك، إنما أراد بذلك أنه لا ينفعه في الآخرة، ولم يرد أن المنفعة بذلك في الدنيا تنقطع بموته، إذ قد ينتفع بذلك عقبه من بعده، فيكون لهم به حرمة يراعون من أجلها ويتمكنون من
اكتساب المال بسببها، فيبين له آخرا ما أجمله من قوله أولا، وقد قيل في تأويل رده: إنه إنما كان لوحي أتاه به الملك في الحين.
والذي قلته أولى والله أعلم.
وما روي «عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرأيت أمورا كنت أتحدث بها في الجاهلية، من صدقة وعتاقة وصلة رحم، هل لي فيها من أجر؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أسلمت على ما أسلفت من خير.» يحمل على أن ذلك الخير هو الخير الذي يناله في دنياه من المحمدة والشكر والثناء وينتفع به ولده من بعده.
فيحظى عند الناس من أجله.
وبالله التوفيق.
النهبة حكمها
في النهبة قال مالك: أخبرني شيخ قديم قال: لما كانت فتنة ابن الزبير انتهب الناس تمرا من تمر مال الله، قال: فاشترت أمي ذلك الثمر، فعملت منه خلا حتى طاب وذهبت الفتنة، فأمرتني أمي أن أذهب إلى ابن عمر فأسأله عن ذلك، فذهبت إلى ابن عمر فسألته عنه فأفتاني أن أهرقه، ولا آكله، قال مالك: أرى ابن عمر إنما كرهه لموضع النهبة.
قال محمد بن رشد: وجه فتوى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المرأة أن تهرقه ولا تأكله، هو أن الثمر الذي عملته منه هو من مال الله، فكان الحق منه أن يقسمه الإمام بالاجتهاد، فلما لم تكن هي ممن لها الاجتهاد في ذلك، لم يأمرها بالتصدق به، ورأى لها الخلاص أن تهرقه ولا تأكله، لأن تصدقها به من غير أن يكون لها الاجتهاد في ذلك، من جنس النهبة التي وقعت فيه أولا.
والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفتاه بإراقته وترك أكله، عقوبة لها على ما فعلت من عملها إياه من التمر المنهوب ولم يأمرها بالصدقة، لئلا يظن ظان أنها تصدقت به على ملكها، فتكون مأجورة في فعلها، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك الفعل، وهذا من
نحو ما قيل فيمن يفعل ما لا يجوز له من تخليل الخمر إنها لا تؤكل وتهرق، ولا يتصدق بها.
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بإكفاء القدر يوم خيبر من لحوم الحمر الأهلية، إنما كان من أجل أنها كانت نهبة.
وأما ما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فتكون فيه النهبة، فكرهه مالك بكل حال، لظهور الآثار الواردة عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في ذلك.
من ذلك نهيه عن النهبة، وأنه قال: «النهبة لا تحل» وأنه قال: «من انتهب فليس منا» وفي ذلك تفصيل أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب حرام، لا يحل ولا يجوز، لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يؤكل.
فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل فقد أخذ حراما، وأكل سحتا لا مرية فيه.
ودخل تحت الوعيد.
وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه، فهذا كرهه مالك، وأجازه غيره.
وتأول أن نهي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عن الانتهاب، إنما معناه انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه، بدليل ما روي عن عبد الله بن قوط قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحب الأيام إلى الله يوم النحر ثم يوم القر» فقرب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدنات خمسا، أو ستا فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفقهها، فقلت للذي كان إلى جنبي: ما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟ قال: قال: " من شاء اقتطع ". وما روي من «أن صاحب هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال يا رسول الله: كيف أصنع بما عطب من الهدي فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " انحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها» . لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أباح في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم الهدي أن يأخذ منهم من شاء ما أخذ، من غير مقدار ولا قسم معلوم، وفي هذا بيان إن شاء الله.
تحريق رحل الغال
في تحريق رحل الغال وسئل مالك عن الحديث الذي جاء فيه من غل أحرق رحله.
فأنكر ذلك وقال لا حرق في الإسلام، ولا يحرق رحل رجل في الإسلام.
قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء بإحراق رحل الغال حديث شاذ لم يأخذ به مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار ولا قال بذلك من الفقهاء إلا مكحول، وقوله شاذ بعيد في النظر إذ لا يحل إهلاك مال أحد بذنب من الذنوب، وإن قتل.
وإن صح الحديث، فمعناه أنه كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات في الذنوب بالأموال.
من ذلك ما روي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في مانع الزكاة أن خذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا.
وما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ في حريسة الجبل، أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال.
وما روي عنه من أن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن أخذه سلبه ثم نسخ ذلك كلها بالإجماع، على أن ذلك لا يجب، وأن العقوبات إنما تجب في الأبدان، وقد روي أنه يجب عليه مع حرق رحله، ضرب عنقه.
حكى «أن مسلمة بن عبد الملك، دخل أرض الروم فغل رجل، فبعث مسلمة إلى سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يقول: " من أخذتموه قد غل فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه» وهذا ما لم يقل به أحد من فقهاء الأمصار، ويعارضه القرآن قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 38] فإذا لم يجب على السارق في سرقة ما لا حظ له فيه، ضرب عنقه، فأحرى ألا يجب ذلك على من سرق من المغنم الذي له فيه حظ.
وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: أن يكفر بعد إيمان أو يزني بعد إحصان أو يقتل نفسا بغير نفس» فاقتضى ذلك إسقاط القتل عمن سوى هؤلاء الثلاث نصا، فلا يصح أن يوجب القتل على الغال بهذا الحديث، وإن صح إلا أن يعلم أنه كان بعده، فيكون ناسخا له، لأنه إذا احتمل أن يكون قبله وأن يكون بعده، لم يصح أن يحمل على أنه كان بعده، لأن الدماء محظورة فلا تباح إلا بيقين.
ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة
في ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة قال مالك: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلى الجمعة انصرف من المسجد ولم يركع بعدها في مقامه شيئا.
قال مالك: والإمام يفعل ذلك، فأما الناس، فمن شاء ركع، ومن شاء لم يركع، قال ابن القاسم: وأحب إلى غير الإمام أن يرجع إلى بيته فيصلي ركعتين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم حلف قبل هذا مستوفى فلا معنى لإعادته.
المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم
في المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم وحدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كمثل ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط، قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قال: فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قيراطين.
قال: فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا.
قال: فإن فضلي أوتيه من أشاء» .
قال محمد بن رشد: في هذا الحديث مثلان، ضربهما النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أحدهما في مقدار مدة أمته، من سائر الأمم، وهو قوله في أول الحديث: إنما أجلكم فيما خلا من الأمم، كمثل صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن نسبة مدة أمته، من نسبة مدة سائر الأمم كنسبة مدة ما بين العصر إلى المغرب من نسبة مدة جميع النهار، وذلك نحو الربع في المقادر.
والمثل الثاني في مقدار أجور
أمته، من أجور أهل التوراة، والإنجيل.
وهو قوله: " وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا " إلى آخر الحديث.
فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن أجور أمته ضعف أجور أهل التوراة وضعف أجور أهل الإنجيل، وإن كانوا أقل عملا منهم؛ لأن مدتهم أقصر مدة منهم.
وهذا في الجملة، والمعنى فيه على التفصيل، والله أعلم، أن لمن آمن بالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وعمل بما شرعه إلى أن توفي، من الأجر ضعف ما لمن آمن بموسى وعمل بما شرعه، إلى أن توفي، وضعف ما لمن آمن بعيسى وعمل بما شرعه إلى أن توفي أيضا، وقد خرج البخاري هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، من غير رواية مالك معناه وإن خالفت ألفاظه ألفاظه، وخرجه من رواية يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى بما يخالف لفظه ومعناه، من الأجراء الآخرين الذين عملوا من العصر إلى المغرب، يستوجبون أجر الفريقين جميعا الذين عملوا من أول النهار إلى نصف النهار، ومن نصف النهار، إلى حين صلاة العصر، ويذهبان غما ولا شيء لهما.
وهذا المثل إنما ضربه صلى الله عليه فيمن آمن بموسى من أهل التوراة، وكان على شرعه، إلى أن بعث عيسى، فلم يؤمن به، وفيمن آمن من أهل الإنجيل بعيسى، وكان على شرعه، إلى أن بعث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فلم يؤمن به؛ لأن هذين يبطل أجرهما جميعا، الأول بكفره بعيسى، والثاني بكفره بمحمد عليه السلام، ويكون لمن آمن بالنبي عليه السلام ضعف ما كان يكون لمن آمن بموسى ولم يدرك عيسى ولا كفر به، وضعف ما كان يكون لمن آمن بعيسى، ولم يدرك نبينا عليه السلام، ولا كفر به.
وأما من آمن بموسى وكان على شرعه إلى أن بعث عيسى فآمن به، أو كان على شرع عيسى إلى أن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فآمن به، فله أجره مرتين، على ما جاء فيما كتب به النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلى هرقل، وبالله التوفيق.
أنكر لون ولده
في الذي أنكر لون ولده وحدثني عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن رجلا من أهل المدينة أتى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فقال: يا رسول الله، ولدت امرأتي غلاما أسود.
فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا.
قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: فأراه عرقا نزعه، قال: فلعل ابنك نزعه عرق» .
قال محمد بن رشد: زاد في حديث آخر: ولم يرخص له في الانتفاء منه.
وهو المعنى فيه.
فلا اختلاف فيمن أقر بوطء امرأته فجاءت بولد لما يلحق به، ولم يستبرئها، فأنكر لونه أنه يلزمه، ولا يكون له أن ينفيه عن نفسه؛ لأن اللعان لا يكون إلا على ستة أوجه، الثلاثة منها متفق عليها، وهي أن ينفي حملا لم يكن مقرا به ويدعي الاستبراء، أو يدعي رؤية لا مسيس بعدها في غير ظاهرة الحمل، أو ينكر الوطء جملة، فيقول: لم أطأها قط، أو منذ مدة كذا وكذا، لما لا تلحق به الأنساب.
والثلاث المختلف فيها هي أن يقذف زوجته ولا يدعي رؤية، أو ينفي حملها ولا يدعي استبراء، أو يدعي رؤية ولا مسيس بعدها في حامل بينة الحمل.
وفي هذا الحديث إثبات الحكم بالقياس؛ لأن القياس إنما هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه.
وبالله التوفيق.
الاستعانة بالمشرك على قتال العدو
في الاستعانة بالمشرك وحدث عن مالك، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن
عبد الله بن دينار، عن عروة بن الزبير، «عن عائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنها قالت: خرج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين رأوه، فلما أدركه قال: يا رسول الله: جئتك لأتبعك، وأصيب معك، فقال له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: أرجع فلن أستعين بمشرك، قالت عائشة: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال كما قال أول مرة، فقال: لا، أرجع فلن أستعين بمشرك، قالت.
فرجع، ثم أدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، قال: فانطلق» .
قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في كتاب الجهاد من المدونة، وأخذ به مالك وأصحابه، فلم يجيزوا للإمام أن يستعين بالكفار على قتال العدو، ولا أن يأذن لهم في الغزو مع المسلمين، ولا منفردين أيضا؛ لأنه وجه من العون، ولأنهم يستبيحون فيه ما لا يجوز في الغزو على ما قاله أصبغ في نوازله؛ لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لن أستعين بمشرك» . ولما روي من «أن الأنصار قالوا يوم بدر: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا حاجة لنا فيهم» . وهو نص قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الجهاد.
قال: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو.
ودليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم.
وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حنينا والطائف، خلاف قول أصبغ في نوازله إنهم يمنعون من ذلك أشد المنع.
وقد ذكر أبو الفرج عن مالك أنه لا بأس على الإمام أن يستعين بالمشركين في قتال المشركين إذا احتاج إلى ذلك.
وهو دليل قوله للأنصار: لا حاجة لنا فيهم.
وقد روي عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أنه لما بلغه جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد استعان بيهود النضير.
فقال لهم: (إنا وأنتم أهل كتاب، وإن لأهل الكتاب النصر على أهل الكتاب، فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحا» فإن غزوا بإذن الإمام أو بغير إذنه منفردين تركت لهم غنيمتهم ولم تخمس، وإن غزوا مع المسلمين في عسكرهم، لم يكن لهم في الغنيمة نصيب، إلا أن يكونوا متكافئين أو يكونوا هم الغالبين فتقسم الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة.
وأهل الكتاب وغيرهم عند مالك سواء في هذا.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم أجازوا الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين عبدة الأوثان والمجوس، وصحح الآثار على ذلك.
قال: وإنما لم يستعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحلفاء الأنصار من يهود، للحلف الذي كان بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق؛ لأنهم خرجوا بذلك من حكم أهل الكتاب، وهو من التأويل البعيد، ولا بأس بأن يستعار السلاح من الكفار، كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وأجاز ابن حبيب أن يقوى الإمام على من سالمه من أهل الحرب على من لم يسالمه منهم بالقوة والسلاح أن يسايروا عسكر المسلمين ما لم يكونوا في داخله وبسبيل أهله.
وقد مضى في أول سماع يحيى من كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.
في الرؤيا والحلم
وحدثنا محمد بن أحمد العتبي، عن عيسى بن دينار، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الذي يكرهه في منامه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنها لا تضره» . قال عيسى: وقال لي ابن وهب مثل هذا، إلا أنه قال: يقول: «أعوذ بالله بما عاذت به ملائكة الله ورسوله من شر ما رأيت في منامي أن يصيبني منه شيء أكرهه في الدنيا والآخرة وليتحول على شقه الآخر» .
قال محمد بن رشد: الحديث الذي ذكره موسى عن عيسى بن دينار هو في الموطأ مسند من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي قتادة بن ربعي أنه سمع النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله» . الحديث.
فزاد فيه الصالحة.
وهو يبين ما في الحديث.
والمعنى فيه أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا وفي الآخرة، لا مدخل فيها للشيطان.
وهي من الله جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة، إذا رآها الرجل الصالح.
وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من سبعين جزءا.
والمعنى في هذه التجزئة، أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا التي هي على الصفة المذكورة، يتخرج على ما يعبر به مما يخطأ في تأويله.
فلا تخرج على ما يعبر يكون جزءا من خمسة وأربعين أو من ستة وأربعين أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في الإخبار
بالمغيبات.
وهذا هو الفرق بين الأنبياء وبين رؤيا سائر الناس؛ لأن رؤيا سائر الناس قد يخطأ في تأويلها فلا تخرج على ما تعبر.
وقد يصاب في تأويلها فتخرج على ما تعبر.
وما يصاب في تأويله منها هو الجزء من النبوءة، لكونه في معنى النبوءة.
فالرؤية الصالحة المبشرة من الله عز وجل، جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث، إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها، وإن كانت من الله عز وجل، إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة، ولا من ستة وأربعين، ولا من سبعين.
والرؤيا المكروهة تنقسم على قسمين: منها رؤيا من الله عز وجل، قد يصاب في تعبيرها فتخرج على ما يعبر به، وقد يخطأ في تعبيرها فلا تخرج على ما تعبر به، ولا يقال فيها أيضا: إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين.
ومنها حلم من قبل الشيطان، يحزن به الإنسان لا يضر رائيه، فأمر الرجل إذا رأى في منامه ما يكرهه أن يستعيذ بالله من شر ما رأى، فإذا فعل ذلك موقنا بما روي في ذلك لم يضره ما رأى، أو المعنى في ذلك أن الله لا يوفقه للاستعاذة مما رأى إلا بيقين صحيح، إلا فيما هو من تحزين الشيطان، وفيما هو بخلاف ما تأوله مما كره.
وقد يصرف الله عنه ما كرهه مما رآه في منامه، وإن كان من الله، بالاستعاذة منه، كما يصرف عنه سوء القدر بالدعاء الذي سبق في علمه أنه يصرف به على ما تقدم القول فيه قبل هذا الرسم، وبالله التوفيق.
تم الجزء الثاني من الجامع بحمد الله.