كتاب الجامع الثامن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الاقتصاد في الملبس
في الاقتصاد في الملبس قال مالك: قالت ابنة العوام أخت الزبير لزوجها حكيم بن حزام، وكان كثير المال، ما لك لا تلبس لباس الناس اليوم؟ قال: وما ترين ينقصني، وإزاري قطري، وردائي معافري، وقميصي ملائي، وعمامتي حرمانية.
قال محمد بن رشد: الشهرتان في اللباس مذمومتان، والاقتصاد فيها هو المختار.
روى شعبة عن أبي إسحاق «عن أبي الأحوص عن أبيه أنه أتى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قشف الهيئة، فقال له رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل لك مال؟ قال نعم، قال من أي المال؟ قال من كل من الإبل والخيل والرقيق، قال فكل ما آتاك الله من مال فلير عليك» . وقال عمر: إني لا أحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب.
والقارئ هو العابد الزاهد، لأن القراء عندهم هم.
ومن هذا كان يقال للخوارج قبل خروجهم القراء لما كانوا عليه من العبادة والاجتهاد.
ففي قول عمر هذا ما يدل على أن الزهد في الدنيا والعبادة ليس بلباس الخشن الوسخ من الثياب، وقد قال- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: - إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم.
«وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الذي نزع البردين الخلقين ولبس الجديدين: ما له- ضرب الله عنقه- أليس هذا خيرا له» وبالله التوفيق.
في إباية حكيم أخذ العطاء من عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
قال مالك: وكان عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يدعو حكيم بن حزام إلى عطائه فيأبى أن يأخذه ويقول: قد تركته على خير منك.
قال مالك: وسمعت «أن حكيما سأل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[شيئا] فقال: إن خيرا لك ألا تأخذ من أحد شيئا، قال: ولا منك؟ قال: ولا مني، قال: فلا آخذ من أحد شيئا أبدا» فتركه لذلك.
قال محمد بن رشد: لم يكن ترك الأخذ من النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيرا من الأخذ منه من أجل أن في الأخذ منه كراهة، وإنما كان ذلك خيرا له من أجل أنه إذا تركه فقد آثر به غيره ممن يعطاه.
وقد مضى الكلام على هذا المعنى في موضعين من رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
كراهة المحدثات من الأمور
في كراهة المحدثات من الأمور قال مالك وكان عبد الله بن مسعود يقول: خير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها.
قال محمد بن رشد: هذا بين، لأن المحدثات بدع، والبدع ضلال، وبالله التوفيق.
ترك أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الحديث
في ترك أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الحديث
قال مالك: قال لي عبد الله بن أبي بكر: ما مات أبي حتى ترك الحديث.
قال محمد بن رشد: [يريد] أنه تركه، والله أعلم، لما أسن فخشي أن يكون حفظه قد ضعف لما يلحق مع الكبر من كثرة النسيان.
وقد روي أن ابن هرمز ترك الفتوى فقيل له في ذلك فقال: إني أجد في جسمي ضعفا والقلب بضعة من الجسم، وأنا أخشى أن يكون قد ضعف فهمي كما ضعف جسمي، وبالله التوفيق.
الستة الملعونين من هم
في الستة الملعونين قال أشهب بن عبد العزيز: حدثني ابن أبي الموالي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ستة لعنهم الله وكل نبيء مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمحل ما حرم الله والتارك لسنتي، والمتسلط في الأرض بالجبروت يذل بغير الحق من أعز الله ويعز من أذل الله، والمستأثر بالفيء المستحل له» . قال محمد بن رشد: اللعن الخزي والطرد والإبعاد من الرحمة، ومن لعنه الله فقد استوجب النار ببعده من الرحمة، وبالله التوفيق.
ما جاء من الدنيا خضرة حلوة
فيما جاء من الدنيا خضرة حلوة قال مالك: قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدنيا خضرة حلوة من أخذها بحقها بورك له فيها.
ورب متحول في مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار.
ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل لا يشبع» .
قال محمد بن رشد: قوله الدنيا خضرة حلوة معناه صورة الدنيا وما خلق الله عز وجل فيها من الشهوات التي أعلم أنه زين حبها للناس بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: 14] ، الآية، حسنة موفقة.
وقوله من أخذها بحقها معناه من اكتسب المال فيها من وجهه بورك له فيه.
وقوله ومن أخذها بغير حقها معناه من خلط في اكتساب المال فيها ولم يتوق في ذلك.
وقوله كان كالآكل لا يشبع معناه أن من هذه صفته يرغب ولا يقنع.
وجاء في صحيح
البخاري «أن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع» . فنقول بمجموع الحديثين إن من جمع المال من وجهه وأخذه من الإمام بسخاوة نفس بورك له فيه، وإن من خلط في جمع المال ولم يتوق فيه وأخذه من الإمام بطلب له واستشراف إليه ورغبة فيه وحرص عليه لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، أي يرغب ولا يقنع.
وفي معناه ضرب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المثل للذي سأله أيأتي الخير بالشر؟ فقال: «إن الخير لا يأتي بالشر» ، وإنه كلما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت.
يقول إن جمع المال بالحرص عليه والرغبة فيه قد يهلك صاحبه إن لم يؤد حق الله فيه ويعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل، فشبه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأبوال والأرواث التي تشفي آكلة الخضر من الحبط والسقم بالصدقات التي تكفر عن صاحب المال الإثم وترفع عنه الحرج.
وأما المتخوض في مال الله ورسوله الذي له النار فهو الذي يجمع المال من غير حله ولا وجهه ويمسكه ولا يتصدق به ولا يتوخى من شيء منه، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
ما جاء عن عمر بن الخطاب في التجارة
4 -
ما جاء عن عمر بن الخطاب في التجارة قال مالك: قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتجارة لا تفتننكم هذه الحمراء على دنياكم.
قال أشهب: كانت قريش تتجر، وكانت العرب تحقر التجارة، والحمراء يعني الموالي.
قال محمد بن رشد: أباح الله تبارك وتعالى التجارة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] يريد التجارة في مواسم الحج.
فالتجارة مباحة للرجل إذا استغنى عنها ولم يحتج إليها، ومستحبة كما قال عمر بن الخطاب إذا احتاج إليها للنفقة على نفسه أو على من يجب عليه الإنفاق عليه.
أو لخير ينوي أن يفعله مما يعود عليه منها، وبالله التوفيق.
ما هو قلب الشيخ شاب فيه
فيما هو قلب الشيخ شاب فيه قال أشهب: وحدثنا مالك عن ربيعة عن شيخ من أهل الطائف أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «قلب الشيخ شاب في حب اثنين حب الحياة وحب المال» .
قال محمد بن رشد: يريد في الغالب، وإن وجد شيخ لا يحب الحياة ولا يرغب في المال فنادر، وبالله التوفيق.
تفسير قول الله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم
في تفسير قول الله تعالى
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]
قال مالك: وأخبرني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن اليهود قالوا إن الرجل إذا أتى امرأته مدبرة جاء ولده أحول، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] .
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا قبل هذا في رسم التسليف في الحيوان والطعام من سماع ابن القاسم والكلام عليه فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق لا شريك له.
فيما ذكر من قراءة ابن مسعود
قال مالك: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: 43] ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] ، فجعل الرجل يقول طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن مسعود هذا أنه لما لم يحسن القارئ أن يقول طعام الأثيم قال له طعام الفاجر على جهة التفسير.
وهذا يدل
على ما قيل من أن القراءة التي تنسب إلى ابن مسعود إنها قراءة كان يقرئها على وجه التفسير لأصحابه لا على أنها قرآن.
وقد قيل إنها قراءة لم تثبت، إذ إنما نقلت نقل آحاد، ونقل الآحاد غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع به، وهو النقل الذي ينقله الكافة عن الكافة، فما لم يقطع عليه أنه قرآن لمخالفته مصحف عثمان المجتمع عليه لا تباح قراءته على أنه قرآن، إذ حكمه حكم ما يروى عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأحاديث والأخبار، فلا تجوز الصلاة به.
وكذلك قال في المدونة: إن من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أعاد في الوقت وبعده، وإن علم وهو في الصلاة قطع وخرج.
فيجب على الإمام أن يمنع منه ويضرب عليه ولا يبيح قراءة سوى ما ثبت بين اللوحين في مصحف عثمان، على ما وقع في أول سماع عيسى من كتاب السلطان، وبالله التوفيق.
الأعمال لا تصح إلا بالنيات
في أن الأعمال لا تصح إلا بالنيات قال مالك: أخبرني يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن الحارث التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث والكلام عليه في رسم
سن من سماع ابن القاسم قبل هذا فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
الهدية للنصراني
ومن كتاب القضاء من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون بن سعيد في الهدية للنصراني قال أشهب: قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي الرجل لجاره النصراني هدية مكافأة؟ فقال ما يعجبني ذلك، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1] .
قال محمد بن رشد: قوله مكافأة له، يريد مكافأة له على ما لا يجب عليه أن يكافئه عليه مما يلزمه أن يعتمده معه في مجاورته إياه، لا مكافأة له على هدية أهداها إليه، إذ لا ينبغي له أن يقبل منه هدية، لأن مقصود الهدايا إنما هو التودد بها، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» فإن أخطأ وقبل منه هديته وفاتت عنده فالأحسن أن يثيبه عليها حتى لا يكون له.
عليه فضل في معروف صنعه معه، وبالله التوفيق لا شريك له.
تفسير قوله تعالى وجعلكم ملوكا
ومن كتاب الأقضية
في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: 20] قال أشهب: وسمعت مالكا يقول: تأويل هذه الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: 20] أي يكون للرجل مسكن يأوي إليه، والمرأة يتزوجها، والخادم تخدمه، فهذا أحد الملوك الذين ذكر الله عز وجل.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن ابن عباس وغيره في تفسير ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: 20] أي أحرارا.
وقد مضى ذلك بزيادة بيان فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم.
وقال الحسن: وجعلكم ملوكا أي أحرارا، لأنهم كانوا في قوم فرعون بمنزلة أهل الجزية فينا، فأخرجهم من ذلك الذل.
وقال الكلبي في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: 20] ، كان منهم في حياة موسى اثنان وسبعون نبيا.
وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20] فيما ظلل عليهم من الغمام وأنزل عليهم من المن والسلوى وأشباه ذلك مما أوتوا، وبالله التوفيق.
القران في التمر
في القران في التمر وسئل عن الذي يقرن التمرتين جميعا في الأكل اثنتين
[اثنتين، قال:] إن كان هو أطعمهم فنعم، فقيل له هم شركاء، فقال لا أرى ذلك، هو يستأثر عليهم.
قيل أفيجزي عنه أن يعلمهم بذلك فيقول إني آكل تمرتين تمرتين، فقال: من الناس من لا يقدر على هذا، وهذا لا يقدر على ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
الحجامة في الأيام كلها
في الحجامة في الأيام كلها،
وكراهة ترك العمل في يوم الجمعة وسئل مالك هل يكره الاطلاء يوم الأربعاء ويوم السبت؟ فقال: لا، والله ما أرى به بأسا أن يطلي ويحتجم ويسافر وينكح يوم الأربعاء والسبت، والأيام كلها لله.
وأرى أمرا عظيما أن يكون من الأيام يوم لا يحتجم فيه ولا ينكح فيه ولا يطلى فيه ولا يسافر فيه، فلا بأس بذلك، فليحتجم ولينكح وليطل وليسافر في أي الأيام شاء، وإني لأحتجم في السبت والأربعاء كثيرا.
ولقد بلغني أن أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت والنصارى الأحد، ولقد قال عمر ابن الخطاب لذلك الرجل وكان صالحا: أهذه الساعة؟ قال كنت في السوق.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام في كراهية ترك الحجامة في شيء من الأيام في مواضع من هذا السماع، والقول في كراهية ترك العمل في
يوم الجمعة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي
في أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي قال مالك: كان النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: 176] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: 219] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: 105] هذا في كتاب الله كثير.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه كثير موجود في القرآن وهو أيضا في السنن الثابتة عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثير أكثر من أن يحصى.
من ذلك حديث الموطأ في اللعان إذ «سأل عاصم بن عدي رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[لعويمر عن الرجل يجد مع أمرأته رجلا، فكره رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ما سأله عنه فلم يجبه على سؤاله، فأعلم بذلك عاصم لعويمر، فأتى عويمر فسأل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها.
قال سهل بن سعد الساعدي راوي الحديث: فتلا عنا وأنا مع الناس عند رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وحديث البخاري في «الرجل الذي أتى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بالجعرانة فقال له: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت عنه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاءه الوحي، فلما سري عنه قال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» وبالله التوفيق.
طلب العلم والحث عليه
في طلب العلم وسئل عن طلب العلم أفريضة؟ فقال: لا، والله ما كل الناس كان عالما، وإن من الناس من أمره أن لا يطلبه، ثم قال من الغد: قد سئلت أطلب العلم فريضة؟ فقلت: أما على كل الناس فلا.
قال محمد بن رشد: سئل أولا عن طلب العلم أفريضة هو؟ فقال: لا والله، يريد أنه ليس بفريضة على جميع الناس كالصلاة والصيام وما أشبه ذلك من العبادات التي هي من فرائض الأعيان.
وقوله إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، يريد أن من الناس من هو قليل الفهم لا تتأتى له المعاني
على وجوهها، وإذا سمع الشيء حمله على خلاف معناه، ومن كان بهذه الصفة فالحظ له أن يترك الاشتغال بطلب العلم إلى ما سواه من ذكر الله سبحانه وقراءة القرآن والصلاة، فهو أعظم لأجره.
وفي قوله من الغد أما على كل الناس فلا، يدل على أنه فريضة على بعضهم، فهو عنده فريضة على من كان فيه موضع للإمامة.
فقد روى عنه ابن وهب أنه كان جالسا معه فحضرت الصلاة فقام إليها، فقال له: ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه، وهو على سائر الناس فرض على كفاية.
قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] . ومن للتبعيض، فإذا قام به بعض الناس سقط الفرض عن سائرهم إلا ما لا يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته وصومه وحجه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة، فإن ذلك واجب عليه لا يسقط عنه الفرض فيه بمعرفة غيره به، وبالله التوفيق.
ربط الخيط في الأصبع للتذكرة
في ربط الخيط في الأصبع للتذكرة، وتعليق الحرزة من الحمرة، وتعليق الكتاب للحمى والاسترقاء وسئل عن الذي يربط في أصبعه الخيط يستذكر به فقال: ما أرى به بأسا.
وسئل عن الذي يعلق الحرزة من الحمرة فقال: أرجو أن يكون خفيفا.
قيل له: فالذي يكتب له القرآن من الحمى؟ فقال لا بأس به وما سمعت فيه شيئا.
وسئل أيرقى الرجل ويسترقي؟ فقال لا بأس بذلك بالكلام الطيب.
قيل أيغلق شيئا من هذه الكتب أو يعلقها؟ قال كذلك أيضا إن كان ما لا بأس به فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما ربط الخيط في الأصبع لتذكر الحاجة فقوله فيه إن ذلك لا بأس به بين، إذ ليس فيه أكثر من السماجة عند من يبصره ويراه ولا يعلم وجه مقصده فيه ومغزاه.
وخفف تعليق الحرزة من الحمرة لأن ذلك إنما هو من ناحية الطب، وقد قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء» . وأما تعليق التمائم بالقرآن وذكر الله فأجازها مالك مرة في المرض وكرهها في الصحة مخافة العين أو لما يتقى من المرض، وأجازها مرة بكل حال في حال الصحة والمرض.
ومن أهل العلم من كره التمائم على كل حال، كان فيها ذكر الله أو لم يكن، في حال الصحة وفي حال المرض، لما جاء في الحديث من أن «من تعلق شيئا وكل إليه ومن علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له» . ومنهم من أجازها على كل حال في حال المرض، ومنع منها في حال الصحة لما روي عن عائشة من أنها قالت: ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة.
وقد مضى هذا المعنى في رسم [كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، ومضى الكلام عليه مستوعبا في رسم] الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة.
وأما الرقى بكتاب الله عز وجل وذكره فإنه جائز لا كراهة فيه، بل هو مرغب فيه ومندوب إليه ومستحب فعله.
ذكر مالك في موطأه عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث.
قالت فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها.» «وعن عثمان بن أبي العاص أنه أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبه وجع قد كاد يهلكه، فقال له رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امسحه بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد.
قال فقلت ذلك فأذهب الله عنى ما كان بي، فلم أزل أمر بها أهلي وغيرهم» . وقد أمر- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاسترقاء من العين «فقال في ابني جعفر بن أبي طالب وقد دخل عليه بهما فرآهما ضارعين، فقالت له حاضنتهما إنه تسرع إليهما العين، فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين» «ودخل- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيت أم سلمة وفي البيت صبي يبكي، فذكروا له أن به العين فقال: ألا تسترقون له من العين» .
التداوي بالبول والخمر
في التداوي بالبول والخمر وسئل عن الذي تكون له القرحة أيغسلها بالبول والخمر؟ فقال: إذا أنقى ذلك بالماء بعد فنعم له ذلك، وإني لأكره الخمر في كل شيء الدواء وغيره، يعمد إلى ما حرم الله في كتابه وذكر نجاسته يتداوى به.
ولقد بلغني أن هذه الأشياء أشياء يدخلها من يريد الطعن في الدين والغض عليه.
فقيل له: فالبول عندك أخف؟ فقال نعم.
فقيل له: أفرأيت الذي يشرب بول الإنسان يتداوى به؟ فقال ما أرى ذلك ولكن لا بأس ببول البقر والغنم والإبل أن يشرب.
فقلت له: كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله؟ فقال لي أنت قلت هذا من عندك ولم أقلها لك، ولكن أبوال الأنعام التي ذكر الله، الثمانية الأزواج
الذي ذكر الله تبارك وتعالى في كتابه وجعل يتقرب إليه بها.
قال محمد بن رشد: إنما رأى غسل الجرح بالبول أخف من غسله بالخمر، لأن الله تبارك وتعالى قال في الخمر إنها رجس وأمر باجتنابها حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] فاقتضى ظاهر الأمر باجتنابها بحمله على مقتضاه من العموم الشرب وغيره؛ والبول لم يأت فيه ذلك إلا أنه نجس بالإجماع، فحرم التداوي بشربه وجاز الانتفاع به في غسل الجرح وشبهه، قياسا على ما أجازته السنة من الانتفاع بجلد الميتة النجس.
وفرق في هذه الرواية بين أبوال الأنعام وأبوال ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان، فقال ابن لبابة: معنى ذلك في التداوي بشربها لا في طهارتها، وهو تأويل محتمل، والقياس إذا استوت عنده في الطهارة أن تستوي في إجازة التداوي بشربها، وإذا افترقت عنده في إجازة التداوي بشربها أن تفترق عنده في الطهارة، فالتفرقة بين أبوال الأنعام وأبوال ما يؤكل لحمه من غيرها في الطهارة وفي جواز التداوي بشربها مع استوائها في الطهارة استحسان.
ووجه التفرقة بينهما في الطهارة هو أن الأصل كان في جميع الأبوال أن تكون نجسة قياسا على أبوال بني آدم، فخصص من ذلك أبوال اللقاح بالسنة، وأبوال سائر الأنعام بالقياس على ما خصصته السنة، وبقي أبوال سائر الحيوان على الأصل في النجاسة.
ووجه التفرقة بينهما في التداوي بشربها مع استوائهما في الطهارة مراعاة قول المخالف في أنها كلها نجسة، فلا يشرب منها في الدواء إلا ما أجازته السنة، وهي أبوال الأنعام.
وقد مضى في الرسم الأول من سماع أشهب زيادة في معنى هذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
السيد ليس من أسماء الله عز وجل
في أن السيد ليس من أسماء الله عز وجل وسئل هل كان أحد بالمدينة يكره أن يقول العبد لسيده يا سيدي؟ فقال لا، ولم يكره ذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25] وقال تبارك وتعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] فلم يكره ذلك.
قيل يقولون إن السيد هو الله، قال فأين في كتاب الله أن الله هو السيد؟ هو الرب، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28] وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24] قيل: أفتكره أن يدعو الرجل فيقول يا سيدي؟ فقال: غير ذلك أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وما دعت به الأنبياء.
قيل: ذلك أحب إليك من أن يقول يا سيدي؟ فقال نعم، لا أحب أن يقول يا سيدي، وغير ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا قبل هذا في رسم البز من سماع ابن القاسم وفي كتاب الصلاة من رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب منه فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
الإخوة اثنان فصاعدا
في أن الإخوة اثنان فصاعدا قال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدا.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله مضت السنة، أي مضت الطريقة
التي درج الناس عليها في قوله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] ، أن الإخوة اثنان فصاعدا، فهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس.
وهذا قول جماعة الفقهاء إلا ابن عباس فإنه كان لا يحجب بأخوين، وحجته أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11] . وقول جميع أهل اللغة أن الأخوين جماعة كما أن الإخوة جماعة، لأنك إذا جمعت واحدا إلى واحد فهما جماعة يقال لهما إخوة.
وحكى سيبويه أن العرب تقول قد وضعا رحالهما تريد رحلي راحلتهما.
وكتاب الله عز وجل أولى ما احتج به في ذلك، قال عز وجل: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] ، ولم يقل قلباكما؟ وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: 40] . ولم يقل ما تعبدان.
فإن ترك المتوفى أبوين وأخوين فللأم السدس، وما بقي للأب، إذ لا يرث الإخوة معه شيئا لأنه أحق بالتعصيب منهم.
ولا اختلاف في هذا إلا ما يروى عن ابن عباس أنه كان يعطي الإخوة هنا السدس الذي منعوا الأم أن تأخذه، وهو شاذ خلاف ما أجمع عليه الفقهاء من أن الإخوة لا يرثون مع الأب، وبالله التوفيق.
كراهة الصوف الغليظ
في كراهة الصوف الغليظ قال وقال مالك في لباس هذا الصوف الغليظ: لا خير في الشهرة، ولو كان المرء يلبس ذلك مرة ويطرحه أخرى إذا رجوت ألا يكون به بأس، فأما أن يعاهد عليه حتى يعرف ويشهر فإني أكرهه ولا
أحبه.
ومن ثياب القطن ما هو أخشن في اللباس وأبعد في الشهرة ومن رخص الثمن في مثل نصف ثمن هذا الصوف، فلا أحب ذلك ولا أستحسنه.
وقد روي «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى على رجل أطمارا فقال له: هل لك من مال؟ فقال نعم قد آتاني الله من أنواع المال كله، فقال له رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فلير عليك مالك» . قال مالك: وسمعت «أن رجلا قال لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إني أحب أن يحسن ثوبي ويحسن صوتي ونحو ذلك أفذلك من الكبر يا رسول الله؟ فقال لا، ولكن الكبر من سفه الحق وغمط الناس» .
قال محمد بن رشد: الشهرة في اللباس مذموم مكروه، والاقتصاد في ذلك هو المختار والمستحب، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] وقد مضى الكلام على هذا المعنى قرب آخر الرسم الأول من هذا السماع، وبالله التوفيق.
السفر في طلب العلم
في السفر في طلب العلم قال مالك حدثني رجل أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الليالي في طلب الحديث الواحد.
قال محمد بن رشد: هذا من اجتهاده في طلب العلم وفضله، وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين.
وقد مضى هذا والقول
فيه في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
الاطلاء في العشر
في الاطلاء في العشر قال مالك عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وجمهور العلماء، وكرهه جماعة من أهل العلم لما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة فأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» . وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم الرطب باليابس من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
فيما هو من شأن ابن آدم
قال مالك: من شأن ابن آدم ألا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم ينسى، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله عز وجل علما.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين لا يخفى.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: 85] وقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: 6] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: 7]
وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24] . وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إني لأنسى أو أنسى لأسن» وقال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها الحديث» وقال عز وجل: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] ، وبالله التوفيق لا شريك له.
شكوى الرجل همه إلى الله
في شكوى الرجل همه إلى الله قال مالك قال ذلك الرجل [يدعو] وهو في بيته يصلي: اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي.
قال مالك وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] .
قال محمد بن رشد: الرجل المشار إليه، والله أعلم، هو الربيع بن خثيم.
ومعنى قوله اللهم إني أشكو إليك ما أفقد من عقلي: اللهم إني أشكو إليك ما أغلب عليه من أمري فأقصر فيما يلزمني من طاعة ربي، ومن الفكرة فيما أمر به من الاعتبار بمخلوقاته والاستدلال بها على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله.
من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]
، وقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] الآية وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: 58] الآيات إلى قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 73] وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] ومثل هذا كثير في القرآن أكثر من أن يحصى.
ومعنى الشكوى إلى الله الرغبة إليه في التجاوز والعفو وكشف البلوى والضر.
وقول مالك في تفسير قوله وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] يدل على صحة تأويلنا عليه في المعنى الذي يشتكي به إلى الله، لأن المعنى فيه يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل حتى تعرفوا ذلك بقلوبكم وتهتدوا إليه، لأن الفرقان في كلام العرب مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق فرقا وفرقانا، وبالله التوفيق.
رواية المغازي
في رواية المغازي وسئل عن من روى مغازي النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأشعارها، هل ترى بذلك بأسا؟ قال لا أرى به بأسا، وأتقي أن يروى باطلا، فإن الناس قد أكثروا.
قال محمد بن رشد: قد أنكر في أول رسم من سماع ابن القاسم كتاب المغازي وقال: ما أدركت الناس، يريد أهل الفقه، يكتبونها، قال ولا أرى أن تكتب ولا أحب أن أكتبها ولا أبتدع [في] ذلك.
وإنما كره
كتابها مخافة مواقعة الكذب فيها، إذ ليس في سياقها بطولها فائدة فقه من تحليل أو تحريم يعتد الناس بحفظه والتفقه فيه، كالأحاديث المروية عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأحكام، وبالله التوفيق لا شريك له.
خصاء البهائم
في خصاء البهائم وسئل مالك عن خصاء البهائم الغنم والبقر فقال: ليس بحضائها بأس لطيب اللحم.
قال ابن القاسم: أجاز ذلك ولم يره من المثلة المنهي عنها، لما في ذلك من صلاح اللحم.
وقد تقدم ذلك في هذا السماع، وبالله التوفيق.
اللعب بالشطرنج
في اللعب بالشطرنج وسئل عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء، وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب والسن عن الباطل.
وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: أما آن أن تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم فمكثت زمانا طويلا وأنا أظن أن ستنهاني؟ فقلت له: لما كان عمر بن الخطاب لا يزال يقول فيكون، فقال لي نعم في رأيي.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
صفة أرباب العلم
ومن كتاب الأقضية في صفة أرباب العلم وسئل عن قول كعب لابن سلام في العلم: ما نفاه من صدرهم بعد أن علموه؟ فقال الطمع، فقال ما ذاك النفي وهو في قلوبهم وهم يعلمونه؟ فقال هم يعلمونه ولكن نفيه من صدوهم بسلوكهم غير سبيله وتركهم العمل به، وهو مما كان يستعاذ منه، - لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» . قال محمد بن رشد: قد مضى بيان هذا والقول فيه في الرسم الأول من هذا السماع وفي رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
الانتعال قائما
في الانتعال قائما وسئل مالك هل ترى بأسا أن ينتعل الرجل قياما؟ فقال لا.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا وما جاء فيه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم.
وإنما لم ير مالك به بأسا لأنه إنما يخاف على فاعل ذلك السقوط لقيامه على الرجل الواحدة ما دام ينتعل الثانية، لأن النهي إنما جاء فيه لهذا المعنى، والله أعلم.
فإذا أمن الرجل من ذلك جاز له أن يفعله، وبالله التوفيق.
كراهة الكحل للرجل
في كراهة الكحل للرجل وسئل عن الكحل للرجل بالنهار فقال: ما يعجبني أن يكتحل الرجل بالليل ولا بالنهار، إلا أن تكون تأخذه علة فيكتحل، وإنما الكحل من أمر النساء، وما أدركت أحدا من الناس يكتحل هكذا إلا من ضرورة، ولربما وجدت الشيء فاكتحلت به فجلست في البيت ولم أخرج منه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا فيما تقدم، والمعنى فيه بين، لأن في الاكتحال التشبه بالنساء، ويكره للرجال التشبه بالنساء، وللنساء التشبه بالرجال، لما جاء في ذلك، وبالله التوفيق.
مواكلة النصراني ومصادقته وتكنيته
في مواكلة النصراني ومصادقته وتكنيته وسئل مالك عن مواكلة النصراني في إناء واحد، قال تركه أحب إلي وأما حرام فلا أراه، ولا يصادق نصراني.
وسئل عن النصراني يكنى بأبي حكيم أيكنى بها؟ قال هم يكتنون ويتسمون، هذا اسم وهذه كنية، ومنهم من يسمى باسم نبي هارون وموسى، فكأنه لم ير بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: الوجه في كراهة مصادقة النصراني بين، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] ، فواجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به ويجعل معه إلها غيره ويكذب رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومواكلته في
إناء واحد تقتضي الألفة بينهما والمودة، فهي تكره من هذا الوجه وإن علمت طهارة يده.
وأما تكنيته بأبي حكيم وبغيره من الكنى، فإذا كانت الكنية له كالاسم الذي يعرف به فتكنيته بها مباحة، إذ ليس في ذلك قصد إلى إكرامه وترفيعه، وقد قال الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] فلم يكن ذلك ثناء من الله عز وجل عليه ولا ترفيعا له، بل مقته بذلك وأوعده بما أوعده به.
وأما تكنيته إذا كان له اسم يعرف به فمكروه، لأن تكنيته ترفيع به وإكرام له، وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وإصغارهم لمحاربتهم الله عز وجل ورسوله.
وقد وقع في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان أنه قد كان يرخص في ذلك، والترخيص ليس بإباحة.
وإنما يرجع اختلاف قوله في ذلك إلى قوة الكراهة وضعفها، ولا حجة في إباحة ذلك دون كراهة، «لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصفوان بن أمية: انزل أبا وهب» لأنه إنما قال ذلك له استئلافا له رجاء أن يسلم.
وكذلك قوله للذي كان يقبل عليه بحديثه من عظماء المشركين إذ دخل عليه عبد الله ابن أم مكتوم: يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسا، لأنه إنما أقبل عليه بحديثه وكناه رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه، وبالله التوفيق.
الخروج لطلب العلم
في الخروج لطلب العلم قال وسئل فقيل له: يا أبا عبد الله، أترجو لمن خرج في طلب هذا الفقه والعلم في ذلك خيرا؟ فقال: نعم، لمن حسنت نيته، وهدي لخيره، وأي شيء أفضل منه، قال الله تبارك
وتعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] ولكن الناس قد خلطوا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أنه إنما يرجى الخير لمن خرج طالبا للعلم إذا حسنت في ذلك نيته، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات» معناه إنما الأعمال التي يثاب عليها فاعلها ما خلصت فيه النية لله عز وجل.
فطلب العلم مع خلوص النية في ذلك من أفضل أعمال البر وأجل نوافل الخير، قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وقال: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» وروي: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع» . والآثار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، وبالله التوفيق.
قرط الذهب للصبي
في قرط الذهب للصبي وسئل عن قرط الذهب للصبي [الصغير] ، قال تركه أحب إلي في الغلمان.
قال محمد بن رشد: الكراهة في هذا بينة، لأن الصبي وإن لم يكن متعبدا فوالده متعبد فيه، فكما لا يحل له أن يسقيه الخمر، فكذلك لا ينبغي له أن يحليه بالذهب ولا يلبسه الحرير، فإن حلاه بالذهب أو ألبسه الحرير لم يأثم، وإن ترك ذلك ولم يفعله لما جاء من تحريم ذلك على الذكور دون الإناث أجر.
وأما إن سقاه خمرا أو أطعمه خنزيرا فهو آثم في ذلك كما لو شرب هو الخمر وأكل الخنزير أو الميتة من غير ضرورة.
والفرق بين أن يسقيه الخمر ويكسوه الحرير، أن الخمر لا يحل تملكها ولا شربها لذكر ولا أنثى ولا صغير ولا كبير، بخلاف الحرير والذهب، وبالله التوفيق.
جواز الكي
في جواز الكي وسئل عن الكي في اللقوة؟ فقال ما أرى بذلك بأسا، بلغني أن الناس كانوا يكتوون، واكتوى ابن عمر من اللقوة، وكوي سعد ابن زرارة وكان من أحد النقباء في زمن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال محمد بن رشد: كذا وقع في الموطأ سعد بن زرارة، وإنما هو أسعد بن زرارة، وقال فيه إنه اكتوى في زمن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وسلم- من الذبحة فمات.
وقد روي عن أنس بن مالك «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كوى أسعد بن زرارة من الشوصة» والمعروف إنما هو من الشوكة الذبحة.
وروي أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر به أن يكوى من الشوكة طوق عنقه بالكي، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات.
وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مات: «بئس الميت ليهود يقولون ألا دفع عنه، ولا أملك له ولا لنفسي شيئا» . وروي «عن أنس بن مالك قال: كواني أبو طلحة ورسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أظهرنا، فما نهانا عنه» . وروي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية ابن عباس أنه قال: «إن كان الشفاء ففي ثلاث، أو قال الشفاء في ثلاث في شربة عسل أو كية نار أو شرطة محجم» . وبعض رواته يزيد فيه: «وما أحب أن أكتوي» . وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه نهى عن الكي» من رواية عمران بن حصين قال: «سمعت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن الكي» قال فما زال البلاء بنا حتى اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا.
قال عمران وكان يسلم علي، فلما اكتويت فقدت ذلك، ثم راجعه بعد ذلك السلام.
فيحتمل أن يكون معنى
ذلك أنه نهى عن الكي في أمر ما أو في علة ما، أو أنه نهى عنه نهي أدب وإرشاد إلى التوكل على الله عز وجل والثقة به، فلا شافي سواه، ولا شيء إلا ما شاءه.
ومن الدليل على ذلك ما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية مغيرة بن شعبة أنه قال: «ما توكل من استرقى أو اكتوى» يريد، والله أعلم، ما توكل حق التوكل، لأن من لم يسترق ولا اكتوى أشد توكلا وإخلاصا للتوكل منه.
ويعضد هذا قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم وهم الذين لا يسترقون [ولا يكتوون] ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» . ومن هذا المعنى ما روي أن رجلا من العرب شاور عمر بن الخطاب في أن يكوي ابنه، فقال له لا تقرب ابنك النار، فإن له أجلا لا يعدوه.
ومنه ما روي «عن جابر بن عبد الله قال: اشتكى رجل منا شكوى شديدة، فقال الأطباء لا يبرأ إلا بالكي، فأراد أهله أن يكووه، وقال بعضهم لا حتى نستأمر رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستأمره فقال لا يبرأ، فلما رآه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: هذا صاحب بني فلان؟ قالوا نعم، قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن هذا لو كوي قال الناس إنما أبرأه الكي» . وقد اكتوى جماعة من السلف، منهم خباب.
قال قيس بن أبي حازم: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبعا في بطنه، وقال قيس عن جرير أقسم علي عمر لأكتوين.
واكتوى ابن عمر وكوى ابنه وهو محرم.
وكوى الحسن بن علي نجيبة له قد مال سنامها على جنبها، فأمر أن تقطع وتكوى، وبالله التوفيق.
كراهة رفع البناء على البيت
في كراهة رفع البناء على البيت قال مالك وكان مكروها ممنوعا أن يشرف أحد ببنائه على بناء الكعبة.
قال محمد بن رشد: هذا يكره من ناحية التعظيم للبيت والحرمة له، وبالله التوفيق.
في سلام الذي يمر بقبر النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ -
قال وسئل مالك عن المار بقبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أترى أن يسلم كلما مر به؟ قال نعم، أرى ذلك عليه أن يسلم عليه إذا مر به، وقد أكثر الناس من ذلك.
فأما إذا لم يمر به فلا أرى ذلك.
قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فقد أكثر الناس في هذا.
فأما إذا مر بقبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأرى أن يسلم عليه، فأما إذا لم يمر عليه فهو في سعة من ذلك.
قال وسئل عن الغريب يأتي قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، ولكن إذا أراد الخروج.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه إنما يلزمه أن يسلم عليه كلما مر به وليس عليه أن يمر به ليسلم عليه إلا للوداع عند الخروج، ويكره له أن يكثر المرور به والسلام عليه والإتيان كل يوم إليه، لئلا يجعل القبر بفعله
ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه.
وقد نهى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد.
اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وبالله التوفيق.
تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه
في تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه وسئل عن تقبيل الرجل يد أبيه أو عمه فقال: لا أرى أن يفعل، وإن ذلك ليكره، إن الذين مضوا لم يفعلوا ذلك بأحد.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه مستوفى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
الوليمة يدعى إليها الرجل وفيها اللعب
في الوليمة يدعى إليها الرجل وفيها اللعب وسألته عمن يدعى إلى وليمة وفيها إنسان يمشي على الحبل وآخر يجعل على جبهته خشبة كبيرة ثم يركبها إنسان وهي على جبهته، فقال أرى أن لا يؤتي، وأرى أن لا يكون معهم.
قيل له: أرأيت إن دخل ثم علم بهذا، أترى له أن يخرج؟ قال نعم، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140] .
قال محمد بن رشد: اللعب في الوليمة هو من ناحية ما رخص فيه
من اللهو، وقد اختلف فيما رخص فيه من ذلك هل الرخصة فيه للنساء دون الرجال.
أو للرجال والنساء؟ [فقال أصبغ في سماعه من كتاب النكاح إن ذلك إنما يجوز للنساء دون الرجال، وإن الرجال لا يجوز لهم عمله ولا حضوره، وهو ظاهر ما في هذه الرواية.
والمشهور أن عمله وحضوره جائز للرجال والنساء] ، وهو قول ابن القاسم في رسم سلف دينارا من سماع عيسى من كتاب النكاح.
ومذهب مالك خلاف قول أصبغ، إلا أنه كره لذي الهيئة أن يحضر اللعب.
وقد اختلف فيما جوز من ذلك في العرس هل هو من قبيل الجائز الذي تركه أحسن من فعله فيكره فعله لما في تركه من الثواب، لا أن في فعله حرجا أو عقابا؟ أو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه في أنه لا حرج في فعله ولا ثواب في تركه، وبالله التوفيق.
هيئة العمامة
في هيئة العمامة وسئل عن العمامة أترخى بين الكتفين شيئا؟ وهل يسدل بين يديه؟ فقال: لم أر أحدا ممن أدركت وهو يرخي بين كتفيه منها شيئا وهو يسدل بين يديه، وقد كنت ألبسها فأسدلها بين يدي وأدخل الذي يكون من طيها خلفي أحشو به العمامة، ولم أتركها إلا منذ قدم علينا ولاة بني هاشم، فتركناها خوفا من خلافهم، لأنهم لا يلبسونها.
وقد كان من قبلهم لا يدعونها حتى إن الإمام ليخطب بها في كل جمعة في الشتاء والصيف، وهي لباس العرب ليست
تلبسها الأعاجم.
وقد رأيت ربيعة وابن هرمز يعتمان، ولم يكن واحد منهما يرخي بين كتفيه منها شيئا، ورأيتهما يسدلانها بين أيديهما، ولست أكره إرخاءها من خلفه لأنه حرام، ولكن هذا أجمل، ولم أر أحدا ممن أدركت يرخي بين كتفيه منها شيئا إلا عامر بن عبد الله بن الزبير، فإني رأيته يرخي بين كتفيه من عمامته.
وقد بلغني أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين انصرف من الخندق وضع عنه السلاح، ولا أدري اغتسل أم لا، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، أتضعون اللامة قبل أن تخرجوا إلى قريظة؟ لا تضعوا السلاح حتى تخرجوا إلى قريظة.
فصاح رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الناس أن لا يصلي أحد إلا في بني قريظة، وذلك لصلاة العصر، فصلى بعض الناس بعد فوات الوقت، ولم يصل بعضهم حتى لحقوا بني قريظة اتباعا لقول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرئي يومئذ جبريل في صورة دحية معتما قد سدلها بين كتفيه.
قال مالك وقال ربيعة إني لأجد العمة تزيد في العقل.
قال مالك: حدثني ابن المطلب أنه رآه أبوه بغير عمة فانتهره وزجره واشتد عليه وقال تدع العمة!
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا اعتم يسدل عمامته بين كتفيه.
قال نافع: وكان ابن عمر يسدل عمامته بين كتفيه.
قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالما يفعلان ذلك، فلا وجه لكراهة ذلك إلا ما ذكره مالك من أن ذلك أجمل.
وقول ربيعة إني لأجد العمة تزيد في العقل، ليس على ظاهره بأنها تزيد في العقل حقيقة.
والمعنى في ذلك أن لابسها سلك من أجل لباسه إياها مسلك العقلاء.
وذلك أنها لما كانت من هيئة
العلماء والخيار، وأهل السمت والوقار، رأى لابسها من العار على نفسه أن يخالف طريقهم في السمت والوقار، فالتزم من ذلك فوق ما كان يلتزمه قبل، وبالله التوفيق.
سن عيسى ابن مريم عليه السلام
في سن عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: يا ابن الثلاثين مضت الثلاثون فماذا تنتظر؟ قال: ومات ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قال محمد بن رشد: قوله ومات ابن ثلاث وثلاثين سنة، معناه خرج من الدنيا ورفع إلى الله عز وجل وهو في هذا السن، قال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ﴾ [النساء: 156] ، يعني اليهود، ﴿عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 156] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] إلى قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: 157] أي ما قتلوا العلم بذلك يقينا، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] ، معناه حيا على ما قاله جماعة من أهل التفسير، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 158] . وسينزل في آخر الزمان على ما تواترت به الآثار، من ذلك ما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي وإنه نازل لا محالة فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع الخلق بين ممصرتين إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس كأن رأسه يقطر ماء وإن لم يصبه بلل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام حتى تقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسد مع الإبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا» . ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] أي رفع روحه إليه بعد أن مات ويحييه في آخر الزمان فينزله إلى الأرض على ما جاءت به الآثار، فيكون قول مالك على هذا ومات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على الحقيقة لا على المجاز، وبالله التوفيق.
مرور عبد الله بن عمر على راعي غنم فسأله أن يبيعه شاة
ومن كتاب البيوع الأول قال: ومر عبد الله بن عمر على راعي غنم فسأله أن يبيعه شاة، فقال لم أؤمر، فقال عبد الله وما علم أربابك، فقال له الراعي: فأين الله؟ فعجب ابن عمر ولم يزل في نفسه يسأل عنه حتى ابتاعه فأعتقه.
قال محمد بن رشد: في هذا الرغبة في عتق الفاضل الخير من العبيد، وأن عتقه أفضل من عتق من دونه في الفضل.
وهذا إذا استوت أثمانهما، وأما إن كان أحدهما أعلى ثمنا والآخر أحسن دينا فالأعلى ثمنا أفضل.
وإنما اختلف في عتق النصراني والمسلم إذا كان النصراني أعلى ثمنا أيهما أفضل؟ وبالله التوفيق.
تفسير قول الله عز وجل وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه
في تفسير قول الله عز وجل:
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62]
قال وسمعته يقول: سمعت أن هذه الآية نزلت في يوم الخندق: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] .
قال محمد بن رشد: وقد قيل في تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: 62] الجمعة والعيدين والاستسقاء وكل شيء تكون فيه الخطبة، لم يذهبوا حتى يستأذنوا الرسول.
وقوله عز وجل: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: 62] قيل فيه إنه كناية عن الغائط والبول، وإنه إنما قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62] وإن كان قد وجب عليه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى من بعده الإذن في ذلك إكراما منه له وإعظاما لمنزلته.
والأظهر أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: 62] ما يعرض لهم من حوائج دنياهم، فله أن يأذن لمن شاء منهم في ذلك وأن ذلك كان في الغزو، فكان المنافقون يتسللون لواذا بغير إذن، وكان المؤمنون لا ينصرف أحد منهم في حاجة تعرض له إلا بإذن، فأثنى الله عز وجل على المؤمنين بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: 62] ، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] وتوعد المنافقين بقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] ، وبالله التوفيق.
المراد بالمحروم
في المحروم وسئل مالك عن المحروم فقال: إنه ليقال هو الفقير الذي لم يسأل ويحرم الرزق، ثم سئل بعد ذلك أيضا فقال: سمعت أنه الفقير الذي يحرم الرزق.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه في أول رسم من هذا السماع.
في تفسير قول الله عز وجل: ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك
وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] ما هو؟ قال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه في رأي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول عليه أيضا في آخر الرسم الأول من هذا السماع، وبالله التوفيق.
تفسير قول الله عز وجل والراسخون في العلم
في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] قال وسألته عن قوله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] أيعلم تأويله الراسخون في العلم؟ فقال لا، إنما تفسير ذلك أن الله قال:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] ثم أخبر فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] وليس يعلم تأويله إلا الله.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم البز من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
قول الرجل لأخيه في العيد تقبل الله مني ومنك
في قول الرجل لأخيه في العيد:
تقبل الله مني ومنك وسئل مالك هل يكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله مني ومنك وغفر الله لنا ولك، ويرد عليه أخوه مثل ذلك، فقال لي: لا نكره مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف وابن كنانة أنه سئل عن ذلك فقال: لا أعرفه ولا أنكره، يريد أنه لا يعرفه في السنة، ولا ينكره لأنه قول حسن.
قال ابن حبيب: وقد رأيت ذلك يقال لمن أدركت من أصحاب مالك فيردون منه ولا يستنكرونه، إلا أني لم أرهم يبدؤون به أحدا.
قال ولا بأس أن يبدأ به لإخوانه، لأنه إن كان فطرا فهو على إثر خاتمة الصيام وأداء الفطرة، وإن كان أضحى فهو على إثر صيام العشر وعلى إثر التضحية.
وإنما اشتقه من اشتقه أولا من دعاء الناس بعضهم لبعض بذلك في الحج أيام الحج، فاستفاض في غيرهم.
ومنه اشتق أيضا القول الذي جرى في كلام الناس في الأضحى: أدركت ما أدرك الصالحون، معناه أدركت الحج كما أدركه الحجيج في هذا اليوم، وذلك أن