البيان والتحصيلصفحات 333-372
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الثامن

صفحات 333-372
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

سماع ابن القاسم القول في الأحنف بن قيس وقد قال له معاوية بما شرفت قومك ولست بأشرفهم ولا بأسنهم ولا.
بأيسرهم؟ قال: إني لا أتناول ما كفيت، ولا أضيع ما وليت، وقال: لو وجدت الناس كرهوا شرب الماء ما شربته.
وبالله التوفيق.

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم سلمة حين دخل بأم سلمة

في أمر رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بابنة أم سلمة حين دخل بأم سلمة قال مالك: لما «دخل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أم سلمة وعمار بن ياسر على الباب، ذهب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[ليدنو منها، فبكت الصبية، فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذيها فلما أخذتها وهدأتها ذهب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليدنو منها فبكت الصبية فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] خذيها، فسمع عمار بن ياسر فنادى نحن نأخذها، فأمر له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها» . قال محمد بن رشد: إنما أمر له بها رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه من ولاتها؛ لأنها مخزومية بنت أبي سلمة بن عبد الأسد الذي كان زوجا لأم سلمة قبل النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وعمار بن ياسر مولى لبني مخزوم؛ لأن أباه ياسرا تزوج أمة لبعض بني مخزوم فولدت له عمارا.
وذلك أنه قدم مكة مع أخوين له يقال

لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لهما سمية، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة.
فمن هاهنا هو عمار مولى بني مخزوم، فهو مولاهم وحليف لهم، وأبوه عربي لا يختلفون في ذلك، وبالله التوفيق.

الكاسيات العاريات ولبس الرجال الرقيق من الثياب

في الكاسيات العاريات، ولبس الرجال الرقيق من الثياب قال: وسألته عن حديث أبي هريرة: «كاسيات عاريات مائلات مميلات» فقال: أما كاسيات عاريات فلبس الرقاق، وأما مائلات مميلات فمائلات عن الحق مميلات من أطاعهن عن الحق من أزواجهن وغيرهم.
قال وسألته عن لبس الرجال الرقاق من الثياب، فقال: لباس الرجل كله يصير إلى الإزار، فلو لم يكن على الرجل إلا إزار لم يكن بذلك بأس.
فإذا كان الإزار رقيقا والقميص رقيقا فلا خير في ذلك، وإذا كان الإزار ثخينا والقميص رقيقا فلا بأس بذلك إذا كان قصدا ولم يكن على وجه السرف.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم على حديث أبي هريرة المذكور وقوله «كاسيات عاريات مائلات مميلات» الحديث، فأغنى ذلك عن إعادته هنا مرة أخرى.
وقول مالك في لبس

الرجال الرقيق إن الأمر يرجع في ذلك إلى الإزار صحيح؛ لأن بدن الرجل ليس بعورة.
فإذا اتزر بإزار ثخين جاز أن يلبس الثوب الرقيق الذي يصف؛ لأن بدنه ليس بعورة، بخلاف المرأة التي هي كلها عورة فجاء فيها الحديث، وبالله التوفيق لا شريك له.

السكنى في الأرض التي يعمل فيها بغير الحق ويسب فيها السلف

في كراهة السكنى في الأرض التي يعمل فيها بغير الحق ويسب فيها السلف قال وسمعته يقول: ما تنبغي الإقامة بأرض يعمل فيها العمل بغير الحق والسب للسلف.
قال أبو الدرداء لمعاوية حين قال سمعت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن مثل هذا، فقال معاوية ما كنت أرى بمثل هذا بأسا، قال أبو الدرداء: أخبرك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتخبرني عن رأيك، لا أساكنك بأرض أنت فيها، فخرج عنه.
قال مالك: فالناس كانوا يخرجون من الكلمة، وهذا يقيم على هذا من العمل بغير الحق به والسب للسلف، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] . قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم تفسير قوله عز وجل: ﴿يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] . والمعنى في كراهة السكنى في الأرض التي يعمل فيها بغير الحق ويسب فيها السلف بين؛ لأن العمل بغير الحق وسب السلف من المناكر التي يجب تغييرها والنهي عنها، فإذا لم ينه عنها واشتهر العمل بها لم يأمنوا أن تحل العقوبة بجميعهم.
فقد جاء: إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة

ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم.
وقول معاوية لأبي الدرداء حين باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن مثل هذا: ما كنت أرى بمثل هذا بأسا، لم يقصد بذلك مخالفة ما قاله النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما تأول قوله على أنه إنما نهى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التفاضل في بيع العين بالعين والتبر بالتبر والمصوغ بالمصوغ، فأجاز التفاضل بين العين والتبر وبين العين والمصوغ وبين التبر والمصوغ، وهو شذوذ وخلاف للجمهور؛ لأنهم حملوا نهيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التفاضل بين الذهبين وبين الورقين على عمومه.
فسأل صائغ عبد الله بن عمر فقال له: إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فأستفضل بذلك قدر عمل يدي، فنهاه عن ذلك وقال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم.
ففهم- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الدينار بالدينار لا فضل بينهما» [أن الدينارين المصوغين من الذهب لا فضل بينهما] وحكم أن ذلك عهد من النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم.
وقد جاء بيان ذلك فيما جاء من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أمر السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، وكل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربيتما فردا» وبالله التوفيق.

يكتب إلى أصغر منه هل يبدأ به

في الذي يكتب إلى أصغر منه هل يبدأ به؟ قال: وسئل عن الذي يبدأ في الكتاب بأصغر منه ولعله ليس بأفضل منه، أترى بذلك بأسا؟ فقال لا والله ما أرى بذلك بأسا، أرأيت إذا وسع له إذا جاء فجلس، أو لو سقي فأعطاه إياه، وقال إن أهل العراق يقولون لا تبدأ بأحد قبلك وإن كان أكبر منك أو أباك فعيب ذلك من قولهم عيبا شديدا.
قال مالك: جاء رجلان فأراد أحدهما أن يتكلم عند النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو أصغر، فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كبر كبر للذي هو أكبر منه.» قال وسمعت أن أبا بكر الصديق حين جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأبيه فقال له: «لو تركت الشيخ في منزله لجئناه» . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول فيه في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات، وفي موضعين من رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.

الحجامة وتساوي الأيام فيها

في الحجامة وتساوي الأيام فيها قال مالك: وتحدث أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قال: «إن كان دواء يبلغ الداء فالحجامة تبلغه» . قال مالك: وليس من أيام الجمعة يوم إلا وأنا أحتجم فيه، يوم الجمعة ويوم السبت، ويوم الأربعاء، الأيام كلها لله.
من أراد أن يحتجم أو يسافر أو يغرس فلا يتق من الأيام شيئا، فإن الأيام كلها لله، إن هذا الشيطان للإنسان عدو مبين.
وسئل مالك عن الحجامة لسبع عشرة وخمس عشرة وثلاث عشرة، فقال أنا أكره هذا ولا أحبه، كأنه يكره أن يكون لذلك وقت.
قال محمد بن رشد: معنى قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه» أي أن الحجامة من الأدوية التي [قد] تبلغ الداء؛ لأنه قد أعلم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، فليس قوله إن كان دواء يبلغ الداء شكا منه في ذلك، وإنما معناه إذا كان الدواء قد يبلغ الداء فإن الحجامة من الدواء الذي قد يبلغ الداء.
وقد مضى قبل هذا في هذا السماع القول في التشاؤم بالحجامة في بعض الأيام فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

رفع عمر بن الخطاب صوته في صلاته بسورة النبي عليه السلام

في رفع عمر بن الخطاب صوته في صلاته بسورة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فوق ما كان يفعل قال وسمعت رجلا صدقا يحدث أن عمر بن الخطاب قرأ

سورة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فرفع بها صوته، فقيل له لم رفعت صوتك بهذه السورة؟ فقال: أردت أن أذكرهن العهد.
قال مالك: يريد أزواج النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلت له: أي سورة؟ قال لا أدري أهي الصغرى أو الكبرى.
قال محمد بن رشد: الصغرى هي التحريم، والكبرى هي الأحزاب.
وقد مضى في رسم مرض وله أم ولد فحاضت هذا والكلام عليه، وبالله التوفيق.

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول للناس: أيها الناس، من كان هاهنا من أهل البلدان فليلحق ببلده، فإني أنساه هاهنا وأذكره في بلده، ومن كانت له قبل عامله مظلمة فلا إذن له علي.
قال محمد بن رشد: معنى أنساه هاهنا أي أتركه في العطاء فلا أعطيه مع من هاهنا من أهل البلد شيئا، وأذكره في بلده فأعطيه معهم، يريد أنه لا مزية لهم عنده في ترك بلادهم إلى هذا البلد.
وقوله إن من كانت له قبل عامله مظلمة فلا إذن له علي، معناه لا يحتاج إلى الاستئذان، فليدخل علي متى ما جلست للناس دون إذن، وبالله التوفيق.

الكراهة للمفتي أن يقول فيما يؤديه إليه اجتهاده في تحليل أو تحريم هذا حلال وهذا حرام

في الكراهة للمفتي أن يقول فيما يؤديه إليه اجتهاده في تحليل أو تحريم هذا حلال وهذا حرام قال مالك: لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلال وهذا

حرام، ولكن يقال أنا أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا، فكان الناس يكتفون بذلك ويرضون به، وكانوا يقولون إنا لنكره هذا وإن هذا ليتقى، لم يكونوا يقولون هذا حلال وهذا حرام.
قال: وهذا الذي يعجبني والسنة ببلدنا.
قال محمد بن رشد: قوله لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلال وهذا حرام، معناه فيما يرون باجتهادهم أنه حلال أو حرام، إذ قد يخالفهم غيرهم من العلماء في اجتهادهم.
فإذا قال المجتهد فيما يراه باجتهاده حلالا أو حراما إنه حلال أو حرام، أوهم السامع بأنه حلال أو حرام عند الجميع، فيحتاج أن يقيد قوله بأن يقول هو حلال عندي أو حرام عندي.
وهذا على القول بأن كل مجتهد مصيب للحق عند الله في حق اجتهاده.
وأما على مذهب من يرى أن الحق في واحد وأن المجتهد قد يخطئه وقد يصيبه، فلا يصح له أن يقول فيما يؤديه إليه اجتهاده من تحليل أو تحريم هذا حلال أو حرام بحال، إذ لا يدري على مذهبه لعله عند الله بخلاف ما قاله، فالصواب أن يقول أرى هذا مباحا أو أراه محظورا فيما تعبدني الله به في خاصة نفسي وأن أفتي به.
وإن علم أن السائل يكتفي منه بأن يقول له فيما يرى أنه لا يحل له أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا، ويكف بذاك عن استباحة ذلك الشيء، ساغ له أن يقتصر على ذلك القول فيه، وبالله التوفيق.

قول الرجل هلك الناس

ما جاء في قول الرجل هلك الناس قال وسألته عن قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قال هلك الناس فهو أهلكهم» قال ذلك فيما يرى [والله

أعلم] أن يقول ذلك الرجل تفضيلا لنفسه على الناس، يقول هلك الناس فلم يبق غيري.
وأما الذي يقول ذلك تحزنا على الناس ويقول هلك أهل هذه القرية وبادوا وذهب خيار الناس، على وجه التحزن، فإن ذلك من كلام الناس وهو حسن.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للحديث صحيح بين لا اختلاف فيه.
وقد مضى هذا الحديث والقول عليه في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

تفسير ما جاء في أن من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما

في تفسير ما جاء في أن «من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما» وسئل عن قول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما» قال: أرى ذلك في الحرورية.
فقلت له: أتراهم بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا.
قال محمد بن رشد: هذا حديث يحتمل وجوها من التأويل: أحدها أن يكون معناه أن من قال لصاحبه يا كافر معتقدا أن الذي هو عليه هو الكفر، فأحدهما على كل حال كافر، إما المقول له إن كان كافرا، وإما القائل إن كان المقول له مؤمنا.
لأنه إذا قال للمؤمن يا كافر معتقدا أن الإيمان الذي هو عليه كفر فقد حصل هو كافرا باعتقاده إيمان صاحبه كفرا.
والدليل

على ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5] . وأما إن قال للمؤمن يا كافر وهو يظنه كافرا ولا يعلم أنه مؤمن فليس بكافر وإنما هو غلط.
والثاني أن يكون معناه النهي عن أن يكفر الرجل صاحبه باعتقاد ما لا يتحقق أنه باعتقاده كافر؛ لأنه إن لم يكن باعتقاده ذلك كافرا كان القائل له ذلك قد باء بإثم ما رماه به من الكفر.
والثالث أن يكون معناه النهي عن أن يظن الرجل بأخيه المسلم أنه يعتقد الكفر ويظهر الإسلام فيقول له يا كافر؛ لأنه إن لم يكن كذلك باء بإثم تكفيره.
وقول مالك أرى ذلك في الحرورية يحتمل أن يريد بذلك أن الحرورية التي تكفر المسلمين بالذنوب [من القول] تبوء بذلك إما بالكفر على التأويل الأول إن كانت تعتقد أن الإيمان الذي عليه المسلمون كفر؛ وإما بالإثم على التأويل الثاني إن كانت لا تعتقد إيمان المسلمين كفرا، وهذا هو الأظهر؛ ويحتمل أن يريد أن من يكفر الحرورية من المسلمين يبوء بإثم ذلك إن لم يكونوا كفارا بما يعتقدونه.
وقد قال مالك في هذه الرواية لما قيل له أتراهم بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا.
وبالله التوفيق.

الثناء لا يكون عاملا إلا بعد المخالطة في السفر والمال

في أن الثناء لا يكون عاملا إلا بعد المخالطة في السفر والمال قال مالك: كان يقال في الزمان الأول إذا أثنى الرجل على الرجل: أصحبته في سفر؟ أشاركته في مال؟ قال فإن قال لا قيل له فلا تثن عليه.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه إن قال إذا سئل هل صحبه في سفر أو شاركه في مال نعم فثناؤه عليه تزكية له، وإن قال لا لم يكن عليه في ثنائه عليه بما ظهر إليه من ظاهر حاله إثم ولا حرج، ولم تصح بثنائه عليه شهادته له بالتزكية، وبالله التوفيق.

قول القاسم في ربيعة

في قول القاسم في ربيعة قال مالك: كان القاسم يسأل فيقول: سلوا هذا، يريد ربيعة، فإذا قام قال القاسم: أترون من مضى ضلوا عما يقول هذا، يكره ذلك له.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا، والله أعلم، أنه عاب عليه إجازة بعض ما كرهه من مضى والاحتجاج له، وبالله التوفيق

قول القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز فيما عرض عليه من المال

في قول القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز فيما عرض عليه من المال قال مالك: دخل عمر بن عبد العزيز [من] مكة، فلقي القاسم بن محمد خارجا إليها، فقال: إن معنا فضولا، فقال القاسم: إني امرؤ لا آخذ من أحد شيئا.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في وجه قول القاسم بن محمد هذا لعمر في آخر رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

ذنب المشاركة في القتل

18 -

في الذنوب وذنب المشاركة في القتل قال مالك، وقال القاسم بن محمد: إن الذنوب لاحقة بأهلها [قال مالك] وكان يقال: من لقي الله ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر.
قال محمد بن رشد: قول القاسم بن محمد إن الذنوب لاحقة بأهلها صحيح، يشهد لذلك قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] ، وقوله عز وجل: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: 18] ومعنى قول القائل من لقي الله عز وجل ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر، أي أن الذنوب وإن عظمت فهي تخف عند إضافتها إلى المشاركة في الدم؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] . وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93] . وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا» . وجميع الذنوب

تمحوها التوبة بإجماع سوى القتل، فإن أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المسلمين اختلفوا في قبول توبة القاتل.
وقد مضى الكلام على هذا في رسم يسلف في المتاع والحيوان المضمون من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

تواصي أزواج النبي عليه السلام في العسل الذي كان يشربه عند إحداهن

في تواصي أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في العسل الذي كان يشربه عند إحداهن قال مالك: «وكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينصرف من الصبح فيدخل على حفصة فيسلم عليها وعلى أزواجه كلهن، وكان بيت حفصة أقربها إليه، فكان يجلس عندها ويلعق عسلا كان عندها.
فتواصى أزواج النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهن ونفسنها لطول لبثه عندها، فقلن إذا جاء النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نقول إنا نجد منك ريح المغافير، فقالت زينب فلقد أردت أن أقوله قبل أن يدخل علي، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريح المغافير، ثم دخل عليهن واحدة بعد واحدة فقلن له ذلك.
وكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكره أن يوجد منه ريح شيء، فقال والله لا آكله أبدا.
فكانت عائشة إذا ذكرت هذا بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبكي ثم تبكي وتقول: منعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئا كان يشتهيه.» قال مالك: والمغافير شجرة تنبت بالوادي تشبه ريح العسل.
قال محمد بن رشد: قد جاء في التفسير عن عبد الله بن عتبة،

وابن أبي مليكة، أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرب عسلا عند زينب بنت جحش، فاجتمعت عائشة وحفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن تقولا له إنا نشم منك ريح المغافير.
والمغافير صمغ- متغير الرائحة، ويقال إنها بقلة واحدها مغفور- بضم الميم - فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له إني أشم منك ريح المغافير، فحرم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرب العسل.
وقيل إنه حلف على ذلك، وإن قول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] نزل في ذلك.
وقد ذكرنا هذا قبل هذا في هذا الرسم في هذا السماع، والله أعلم عند من شرب العسل منهما.
ويحتمل أن يكون شربه عند كل واحدة منهما من زينب وحفصة، وبالله التوفيق.

بيان المحروم من هو

في بيان المحروم من هو وسئل مالك عن المحروم من هو؟ فقال إنه ليقال، هو الفقير الذي لا يسأل ويحرم الرزق.
ثم سئل بعد ذلك أيضا فقال: سمعت أنه الفقير الذي يحرم الرزق.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك المحروم بأنه الفقير الذي لا يسأل صحيح؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 25] يدل أن السائل غير المحروم، إذ لا يعطف الشيء إلا على غيره لا على نفسه.
وكذلك القانع هو غير المعتر في قوله عز وجل:

﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] فالقانع الفقير المتعفف الذي يقنع ولا يسأل، والمعتر الذي يعتريك يسألك في كفه.
والبائس الفقير في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] هو الضعيف الفقير.
وقيل في الفقير إنه الذي به زمانة.
وقد اختلف في الفقير والمسكين في قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] فقيل الفقير الذي له البلغة، والمسكين الذي لا شيء له؛ وقيل الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له الشيء؟ وقيل الفقير الذي لا مال له وليس به زمانة، والمسكين الذي به زمانة؟ والفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل؟ وقيل الفقير من المهاجرين، والمساكين من غير المهاجرين، وقيل الفقير المسلم، والمسكين من أهل الذمة، وروي ذلك عن ابن عباس، وبالله التوفيق.

تفسير قول الله عز وجل ولا تنس نصيبك من الدنيا

في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77] قال: وسئل مالك عن تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77] ما هو؟ [قال وسئل] : عن ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] ما هو؟ قال أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه في شيء.

قال محمد بن رشد: رد مالك تأويل هذه الآية إلى معنى قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] وقد قيل في معنى قوله: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77] أي اعمل في دنياك لأخراك، ولا تترك حظك من الدنيا الذي هو طاعة ربك وعبادته، وأحسن فيما افترض الله عليك كما أحسن إليك.
وقيل معناه وأحسن في الدنيا بإنفاق مالك الذي أتاكه الله في سبيله ووجوهه، وسع به عليك، وبالله التوفيق.

تفسير الراسخين في العلم

في تفسير الراسخين في العلم قال: وسألته عن تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] أيعلم تأويله الراسخون في العلم؟ قال لا، إنما تفسير ذلك أن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] ثم أخبر فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] هو ليس يعلمون تأويله.
والآية التي بعدها أشد عندي قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] . قال محمد بن رشد: قد مضى القول على الراسخين في العلم من هم، وهل يعلمون تأويل المشتبهات أم لا، في رسم البز من سماع ابن القاسم، فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

الاجتماع في قراءة القرآن

في الاجتماع في قراءة القرآن قال وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون القرآن جميعا السورة الواحدة، فقال إني لأكره ذلك، ولو كان بعضهم يتعلم من بعض لم أر بذلك بأسا.
قيل له: أرأيت إن كان واحد منهم يقرأ عليهم؟ قال: لا بأس به.
قال وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون السورة الواحدة، فقال لا يعجبني هذا ولا أحبه، ولكن لو قرؤوا على رجل منهم واحد، أو قرأ عليهم رجل منهم لم أر بذلك بأسا.
فقيل له لا، بل يقرؤون جميعا على رجل منهم واحد، قال لا يعجبني ذلك وأنا أكره الذي بلغني عن بعض أهل الشام يجتمع النفر جميعا فيقرؤون السورة الواحدة، فقال لا يعجبني هذا ولا أحبه ولكن يقرأ عليهم رجل منهم ويقرؤون عليه واحدا واحدا، أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى؟ لم يكن يفعله أحد فلا يعجبني ولا أحبه.
قيل له فهل يجتمعون فيقرأ هذا من سورة وهذا من سورة ومعهم رجل إذا تعايا أحدهم فتح عليه؟ فقال ما يعجبني هذا ولا أحبه، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] وهؤلاء يقرؤون هذا من ناحية وهذا يقرأ من ناحية، هذا يشبه الاستخفاف بالقرآن، والذي بلغني عن بعض الناس من قراءته إياه منكوسا، والآية من هذه السورة والآية من هذه السورة، فلا يعجبني هذا ولا أحبه، ولكن يقرأ كل واحد منهم على رجل أو يقرأ عليهم رجل منهم.

قال محمد بن رشد: أجاز أن يقرأ الواحد على الواحد وعلى الجماعة، وهذا هو المختار المستحسن الذي لا اختلاف فيه.
وكره أن تقرأ الجماعة على الجماعة وعلى الواحد، وقد اختلف قوله في ذلك: فخففه في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في رسم سلعة سماها منه.
فوجه الكراهة في ذلك أنه إذا قرأت الجماعة على الواحد لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ما دام يصغي إلى غيرهم ويشتغل بالرد على من يصغي إليه منهم، فقد يخطئ في ذلك الحين ويظن أنه قد سمعه وأجاز قراءته، فيحمل عنه الخطأ ويظنه مذهبا له.
وكذلك إذا قرأت الجماعة على الجماعة؛ لأن كل واحد من الجماعة التي تقرأ عليها الجماعة لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ما دام يصغي إلى غيرهم ويشتغل بالرد على من يخطئ منهم.
ووجه تخفيف ذلك المشقة الداخلة على المقرئ بإفراد كل واحد من القراءة عليه إذا كثروا، ووجه تحسينه لذلك إنما معناه، والله أعلم، إذا كثر القراء عليه حتى لم يقدر أن يعم جميعهم مع الإفراد، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم، فهذا تأويل ما ذهب إليه مالك، والله أعلم.
وأما اجتماع الجماعة في القراءة في سورة واحدة أو في سور مختلفة دون أن يقرؤوا على أحدهم فهو من البدع المكروهة لم يختلف قول مالك في ذلك.
وقد مضى الكلام على ذلك في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى وبالله التوفيق.

تفسير الفصيلة

في تفسير الفصيلة قال [مالك] وسألته عن قول الله عز وجل:

﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 13] من هي؟ قال هي أمه.
قال محمد بن رشد: هذا قول الحسن؟ وقيل في فصيلته التي تؤويه إنها أدنى قبيلة منه، قال ذلك أبو إسحاق؛ وقال الكلبي الفصيلة أصغر من الفخذ سميت بذلك حين انفصلت من الفخذ، ثم العشيرة وهم بنو الأب الأدنى الذي يجمعهم.
قال والعشيرة كعبد مناف من قريش، والفضيلة كقصي بن كلاب، والفخذ كلؤي بن غالب.
وقال أبو عبيدة: فصيلته فخذه.
قال أبو جعفر، وابن الكلبي أعلم بذلك منه، وبالله التوفيق.

تفسير قوله عز وجل اهبطوا مصرا

في تفسير قوله عز وجل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: 61] وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61] أي مصر هي؟ قال: هي في رأيي بلاد فرعون.
قال محمد بن رشد: قرأ بعض من شذ عن السبعة مصر - بغير ألف- فعلى هذا لا يشكل أن المراد بها- مصر نفسها، [أي مصر فرعون] ، كما قال مالك، مثل قوله عز وجل: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] ولم يقرأ أحد من السبعة مصر بغير ألف؛ لأن القراءة بذلك تخالف المصحف.
وفي القراءة بالألف وجهان: أحدهما أن يراد بها مصر بعينها، أي مصر فرعون كما قال مالك: بجعل مصر اسما للبلد فصرف لأنه مذكر سمي به مذكر، والثاني أن يراد بها مصر من الأمصار لأنكم في البر البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي ولا في الفيافي، وقد قيل إن مصرا هذه الأرض المقدسة، وبالله التوفيق.

تفسير قوله عز وجل كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

في تفسير قوله عز وجل: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] وسئل مالك، عن قول الله عز وجل: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] أهو النوم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: الهجوع: النوم، كما قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - فمعنى ما وصفهم الله عز وجل به أنهم كانوا لا ينامون من الليل إلا قليلا لسهرهم فيما يقربهم من ربهم.
والتقدير على هذا كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وما صلة لا موضع لها من الإعراب، والقليل منصوب بيهجعون، فالمعنى كانوا يهجعون قليلا من الليل.
وقد تكون ما في موضع رفع كأنه قال كانوا قليلا من الليل هجوعهم.
وقد روي عن أنس بن مالك أنه قال في معنى الآية: كانوا يستيقظون ويصلون ما بين هاتين الصلاتين المغرب والعشاء، قال أي لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون فيها ولو شيئا.
فعلى هذا القول تكون ما جحدا، ويكون المعنى الإخبار عنهم بأنهم يسهرون قليلا من الليل ولا ينامونه.
والقول الأول أولى؛ لأن الله وصفهم بكثرة العمل وسهر الليل وقيامه في العبادة، وبالله التوفيق.

تفسير قول الله عز وجل ولذلك خلقهم

في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 119] قال وسألته عن قول الله عز وجل: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118] ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 119] أللاختلاف خلقهم؟ فقال:

أي خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك صحيح واضح؛ لأن الله تعالى خلق عباده لما يسرهم له مما قدره عليهم من طاعة وإيمان يصيرون به إلى الجنة، أو كفر وعصيان يصيرون به إلى النار، يتبين ذلك من تفسيره قوله إثر ذلك: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: 119] أي سبقت كلمة ربك ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119] أي من كلا الفريقين من الجنة والناس أجمعين، أي من بعضهم لا باستيعاب جميعهم؛ لأن من تدل على التبعيض.
وقوله في أول الآية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118] أي على ملة واحدة وهي الإيمان والإسلام مثل قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99] . وقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118] معناه ولا يزال من الناس من أهل ملل الكفر يختلفون فيما يدينون به من أنواع الكفر؛ لأنهم في ريب من أمرهم وشك لتكذيبهم الحق.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: 5] أي ملتبس، وعامة الناس كفار.
فقوله عز وجل: ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 119] وهم المؤمنون، استثناهم [الله عز وجل] من الناس فعلم بذلك أنهم لم يدخلوا في عموم قوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118] إذ لم يختلفوا فيما يختلف فيه الكفار من البعث والتوحيد والإقرار للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرسالة.
فقول من قال في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 119] إنه خلقهم للاختلاف، أو

إنه خلقهم للرحمة لا يصح، إذ لم يخلق جميعهم للاختلاف ولا للرحمة، بل خلق الكفار منهم للاختلاف.
والعذاب، والمؤمنين منهم للاتفاق والرحمة، وبالله التوفيق.

المصاحف لا تكتب على ما يخالف هجاء المصحف الأول

في أن المصاحف لا تكتب على ما يخالف هجاء المصحف الأول وسئل مالك: أرأيت من كتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ فقال لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى.
ومما يبين هذا عندي أنه هكذا أن براءة لما لم يوجد أولها لم يكتب فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لئلا يضع في غير موضعه، والناس كلما كتبوا في الألواح من القرآن من أول السورة أو آخرها كتبوا قبله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولم يحكم ذلك في المصحف حين لم يجدوا أول براءة.
قيل له أفرأيت تأليف القرآن كيف جاء هكذا وقد بدأ بالسور الكبار الأول فالأول، وبعضه نزل قبل بعض؟ فقال: أجل، قد نزل بمكة ونزل عليه بالمدينة، ولكن أرى أنهم ألفوه على ما كانوا يتبعون من قراءة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت له: أرأيت الذين يتعلمون القرآن في الألواح أترى أن يكتبوا فيها بسم الله الرحمن

الرحيم مع أول السورة ثم لا يكتبون بعد ذلك؟ فقال: لا، بل أرى كل ما كتب من القرآن شيئا أن يبدأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لأنه مما يتعلمه ليس يجعله إماما، وإنما الذي أكره أن يكتب فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول سورة في المصاحف لأنها تتخذ إماما، فلا أرى أن يزاد في المصحف ما ليس فيه.
وأما من يكتب في الألواح ما يتعلم فليكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في افتتاح السورة ووسطها وآخرها، كلما افتتح كتاب شيء منها افتتحه بكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ولا يزال إنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، فأما مصاحف صغار يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا كله بين، رأى أن يتبع في كتاب المصاحف هجاء المصحف القديم وأن لا يخالف ذلك، كما اتبع ما وجد فيه من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول سورة براءة، وكره النقط في الإمام من المصاحف والشكل على ما قاله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة؛ لأن النقط والشكل مما اختلف القراء في كثير منه، إذ لم يجئ مجيئا متواترا فلا يحصل العلم بأن ذلك نزل، وقد يختلف المعنى [باختلافه فكره أن يثبت في] أمهات المصاحف ما فيه اختلاف.
ورخص في صغار المصاحف التي يتعلم فيها الولدان أن تشكل وتنقط، وأجاز لمن كتب القرآن في اللوح أن يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في افتتاح السورة، يريد كانت براءة أو غيرها، وفي وسطها وفي آخرها.
وقوله وإنما

الذي أكره أن يكتب فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول سورة في المصاحف لأنه يتخذ إماما فلا أرى أن يزاد في المصحف ما ليس فيه، معناه في سورة براءة؛ لأن سورة براءة هي التي لم يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أولها، وأما سائر السور فبسم الله الرحمن الرحيم ثابت في أول كل سورة منها.
وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم الوجه في ترك كتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول سورة براءة، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

ما جاء في الحين

فيما جاء في الحين وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] أهو ما بين أن حمل به إلى أن وضعته أمه؟ فقال: لا، ولكن ما مضى قبل ذلك من الدهر كله، وقبل أن يخلق آدم.
وقيل هو حين يعرف وحين لا يعرف.
فمن الحين الذي لا يعرف هذا.
وقوله عز وجل: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: 44] فهذا الحين الذي لا يعرف ولا يدرى متى هو.
والحين الذي يعرف: قوله عز وجل: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 25] فهذا الحين الذي يعرف، وهو سنة.
قال محمد بن رشد: إنما سأله عن الحين في قوله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] هل هو ما بين أن حمل به إلى أن

وضعته أمه من أجل أن الإنسان لم يكن قبل ذلك إنسانا.
والتلاوة إنما هي ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] فقول مالك أن الحين ها هنا ما مضى من الدهر كله وقبل أن يخلق آدم، يقتضي أن قول الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] [مجاز من القول تقديره: هل أتى على عالم الإنسان حين من الدهر] لم يكن شيئا مذكورا خرج مخرج ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] أي واسأل أهل القرية.
وهل هنا ليست استفهاما، وإنما هي بمعنى التقرير والوجوب، فمعنى الكلام على هذا: ألم يعلم الإنسان بالنظر الصحيح أنه قد مضى دهر طويل قبل أن يخلق ولم يكن شيئا مذكورا عند أحد من الخلق؛ لأنه لم يزل في الأزل مذكورا معلوما عند الله أنه سيخلقه.
وقد قيل إن المراد بالإنسان ههنا آدم، وبالحين أربعون سنة [وهي المدة التي] كان فيها آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طينة لم ينفخ فيه الروح، روي ذلك عن ابن عباس.
ومعنى الكلام التقرير والتوبيخ وإقامة الحجة على من أنكر البعث، وكأنه معطوف على خاتمة السورة التي قبلها قوله فيها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] ألم يأت دهر طويل لم يكن الإنسان فيه شيئا مذكورا فقال إن من أحدثه بعد أن لم يكن، وكونه بعد عدمه، قادر على إحيائه وبعثه بعد موته، كما قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 62] وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [الإنسان: 2] أي ولد آدم، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2] يعني ألوانا

مختلطة، ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، والولد يكون منهما جميعا.
وبالله التوفيق.

الأشد ما هو

في الأشد ما هو؟ وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82] ما الأشد؟ قال: الحلم.
وقال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34] فالأشد ها هنا الحلم.
قيل له: فقوله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15] قال هذا شيء بعد شيء، فالأشد هو الحلم قال محمد بن رشد: اختلف في الأشد اختلافا كثيرا، فقيل الحلم وهو الذي ذهب إليه مالك وقال به جماعة منهم الشعبي، قال وذلك إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات؛ وقيل إنه عشرون؛ وقيل إنه ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين؛ وقيل أيضا ما بين سبعة عشر إلى أربعين.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: الأشد ثلاثة وثلاثون، والاستواء أربعون، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
والأشد جمع، واحده شد في قول الكسائي والفراء، إلا أن الفراء قال: لم أسمعه ولكني قسته على شد النهار وهو ارتفاعه، وبالله التوفيق.

ما جاء عن عمر بن الخطاب في السفر

قال مالك، وقال يحيى بن سعيد إن عمر بن الخطاب قال: لأن أموت ما بين شعبتي راحلتي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أموت على فراشي.
قال محمد بن رشد: اختار عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - السفر للتجارة على القعود؛ لأن الرجل يؤجر على طلب الربح في ماله ليعود به على عياله، أو ليستغني به عن الناس، أو ليفعل به خيرا.

حكاية عن سليمان بن عبد الملك

قال مالك: لما حضرت سليمان بن عبد الملك الوفاة دعا بنين له صغارا فعقد عليهم السيوف بحمائلها يريد لهم الخلافة، فرآهم يجرونها، فقال: إن بني صيبة صيفيون، أفلح من كان له ربعيون، ثم قال إن بني صيبة صغار، أفلح من كان له بنون كبار، فقال له عمر بن عبد العزيز: ليس كذلك، قال: قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] ، قال صدقت.
قال محمد بن رشد: فاستخلف عمر بن عبد العزيز، وكان استخلافه له فيما ذكر [على ما حكي] عن رجاء بن حيوة.
قال: لما وعك سليمان بن عبد الملك جعل العهد بعده- لبعض بنيه، وكان الذي عهد إليه غلاما لم يبلغ الحلم.
فقلت يا أمير المؤمنين، إنه مما يحفظ الخليفة في

قبره أن يستخلف على المسلمين رجلا صالحا مرضيا، قال صدقت، ومزق الكتاب الذي كان كتب بعهده، ثم قال: فما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت يا أمير المؤمنين هو غائب عنك بقسطنطينية، وأنت لا تدري أحي هو أم ميت، فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيك.
فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت أعلمه والله خيرا فاضلا، فقال هو كذلك، وإن وليته - ولن أولي أحدا غيره- ليكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن يكون أحدهم بعده، ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم، قال فجعل يزيد بن عبد الملك بعده فإن ذلك مما يسكنهم، فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين، فكتب: هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وليتك الخلافة بعدي، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم.
وختم الكتاب وجمع أهل بيته، فلما دخلوا عليه وسلموا قال لهم: هذا الكتاب عهدي وهو يشير إليه بيد رجاء بن حيوة، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا لمن سميت فيه، فبايعوا رجلا رجلا ثم خرجوا والكتاب مختوم في يد رجاء بن حيوة.
قال رجاء فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال لي: إني أخشى أن يكون هذا الأمر أسند إلي فأنشدك بالله وبما بيني وبينك إلا ما أعلمتني فنستدرك الأمر في حياته بالاستعفاء، فقلت: والله لا أخبرك بحرف، فذهب علي غضبان.
قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: أنشدك بالله وبما بيني وبينك إلا ما أعلمتني بهذا الأمر، فإن كان لي علمت، وإن كان لغيري تكلمت، فليس مثلي ممن يقصر به، فقلت والله لا

أخبرك بشيء مما أسر به إلي، فانصرف وقد يئس وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى.
فلما حضرته الوفاة قال: الآن يا رجاء فحولني إلى القبلة، فحولته إلى القبلة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
فلما قضى نحبه غمضته وسجيته بقطيفة خضراء، وأرسلت إلي زوجته كيف أصبح؟ فقلت هو نائم وقد تغطى، فنظر رسولها إليه فرجع وأخبرها، فقبلت ذلك وظنت أنه نائم، فجعلت على الباب من أثق به ووصيته أن لا يبرح حتى آتيه ولا يدخل على الخليفة أحد، وأرسلت إلى أهل بيت أمير المؤمنين، فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت بايعوا، فقالوا قد بايعنا مرة ونبايع أخرى.
فقلت هذا عهد أمير المؤمنين أن تبايعوا ثانية لمن سمى في هذا الكتاب، فبايعوا ثانية رجلا رجلا.
قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان ورأيت أني قد أحكمت الأمر، قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات أمير المؤمنين، فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم قرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك لا نبايعه أبدا، فقلت إذا والله أضرب عنقك قم فبايع، فقام يجر رجليه فبايع.
قال رجاء: فأخذت بضبعي عمر بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه، فكان يرجى لسليمان بن عبد الملك بتوليته [عمر بن عبد العزيز] وتركه ولده أن يؤجر على ذلك ويجازى به.
ولما غسل سليمان وكفن صلى عليه عمر بن عبد العزيز، فلما فرغ من كفنه أتي بمراكب.
الخلافة فقال: دابتي أوفق لي، فركب دابته وصرفت تلك الدواب.
ثم أقبل سائرا فقيل له: تعدل إلى منزل الخلافة، فقال فيه عيال أبي أيوب، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، فأقام في منزله حتى فرغ له، وبالله التوفيق.

ترك محمد بن مسلمة الدخول في الفتنة

في ترك محمد بن مسلمة الدخول في الفتنة قال مالك: كان يحيى بن سعيد يحدث أن محمد بن مسلمة صاحب النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وغيره لما كانت الفتنة اعتزلوا، فنزل محمد الربذة، فجاءه ناس من أهل العراق فجعلوا يحضونه ويقولون: تقوم بالناس وتنظر في أمورهم يحرضونه بذلك، فقال لأحدهم: قم إلى غمد سيفي هذا فسل سيفي منه، فقام فوجده قد كسره قطعة قطعة، فقال: إن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لي: «إذا رأيت من الأمور فاكسر سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك وعض على لسانك» . قال محمد بن رشد: محمد بن مسلمة هذا الأنصاري الخزرجي من فضلاء الصحابة، شهد بدرا وسائر المشاهد، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض غزواته على المدينة، فاعتزل الفتنة ولم يشهد الجمل ولا صفين.
وروي أنه إنما اتخذ سيفا من خشب وجعله في جفن وذكر أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره بذلك.
والذي فعل من ذلك هو كان الواجب عليه بما كان عنده فيه عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة سواه على ما روي ثلاثة: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، لم تبن لهم البصيرة في اتباع إحدى الطائفتين فكفوا؛

وسائرهم دخلوا فيها بما ظهر لهم من البصيرة باجتهادهم، فكلهم محمود؛ لأنهم فعلوا الواجب عليهم في ذلك باجتهادهم، فلا يتأول على أحد منهم غير هذا، إذ هم خير أمة اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه، وأثنى عليهم في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الآية وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] إلى قوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29] وبالله التوفيق لا شريك له.

حكاية عن عمر بن عبد العزيز

قال: قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: اشتر لي [ثوب] فرو بدينار، فاشتراه ثم جاءه به فلبسه، ثم قال له: أما زدت شيئا؟ فقال: لا، فقالت امرأته فاطمة بنت عبد الملك: إن عندنا لكذا وكذا فروا يأبى أن يلبس منها شيئا، ومن الأشياء يأبى أن يقرب منها شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا من تواضعه وورعه وقنوعه بالدون من اللباس في خلافته، معلوم من سيرته.
فقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم أنه أمر رجلا يشتري له ثوبا بستمائة درهم للحاف فسخطه، فلما ولي أمر ذلك الرجل أن يشتري له كساء بسبعة دراهم، فلما جاءه به أخذه فلبسه ثم تعجب لحسنه، فضحك الرجل، فقال له: إني لأظنك أحمق تضحك من غير شيء، قال: إنما ضحكت لمكان اللحاف الذي أمرتني أن

أشتريه بستمائة درهم، قال فمضت ساعة ثم قال: أخشى أن لا يشتري أحد ثوبا بستمائة درهم وهو يخاف الله.
وترك أيضا في خلافته أن يخدم على ما مضى في الرسم المذكور، فكان يدخل بعد المغرب فيجد الخوان موضوعا عليه منديل فيتناوله فيقربه إليه ويكشف المنديل فيأكل ويدعو عليه من كان معه، وبالله التوفيق.

ما يروى من الكرامات

فيما يروى من الكرامات قال مالك: سمعت أن قوما أخذوا شاة فذبحوها فنهاهم عن أخذها رجل، فأبوا إلا أن يفعلوا.
فلما ذبحوها كسلوا عن إصلاحها فتركوها، فقال: قد نهيتكم عن ذبحها فأبيتم ثم تركتموها تفسد باطلا، ثم قام هو فأصلحها وعملها لهم حتى فرغ منها، ثم قال لهم: هاكم كلوا وأبى أن يأكل معهم شيئا منها.
فقالوا له تعال كل معنا، فأبى أن يفعل وانطلق ينام تحت شجرة، فانتبه وعنده رطب من أرض الروم في أرض ليس فيها رطب.
قال محمد بن رشد: ما فعل الرجل من إصلاح الشاة كيلا تفسد فلا ينتفع بها إن تركت حسن من الفعل يؤجر عليه فاعله عليه؛ لأنه يصير بإصلاحها لهم قد أطعمهم إياها.
وأما انتباهه وعنده الرطب فذلك- إن صح- كرامة له.
وكرامات الأولياء يصدق بها أهل السنة لجوازها في العقل، والعلم بوجودها في الجملة من جهة النقل المتواتر وإن لم يثبت شيء منها بعينه تواترا في جهة ولي من الأولياء في غير زمن النبوءة، وبالله التوفيق.

ذكر بعض ما جرى يوم الحرة

في ذكر بعض ما جرى يوم الحرة قال مالك: قال يحيى بن سعيد: سمعت سعيد بن المسيب يقول: دخل علي يوم الحرة فرسان منهم بخيولهم المسجد فجلسوا معي يتحدثون.
قال محمد بن رشد: قد مضى ذكر يوم الحرة وما جرى فيه في رسم نذر من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

استئذان عمر رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها في أن يدفن مع النبي

في استئذان عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في أن يدفن مع النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصاحبه قال مالك: قال عمر بن الخطاب حين حضرته الوفاة: إني كنت استأذنت عائشة إذا مت أن أدفن في بيتها فقالت: نعم، وإني لا أدري لعلها قالت ذلك من أجل سلطاني، فإذا مت فاسألوها ذلك، فإن قبلت فادفنوني فيه، وإن أبت فانصرفوا بي.
قال مالك: بلغني أن عائشة كانت تدخل البيت الذي فيه قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر حاسرة، فلما دفن فيه عمر لم تكن تدخله إلا جمعت عليها ثيابها.
قال محمد بن رشد: ليس في استئذان عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لعائشة في أن يدفن في بيتها معنى يشكل لأنه بيتها، فلو منعت من ذلك لكان حقا من حقها، وإنما لم تكن تدخل البيت منذ دفن فيه حاسرة لما جاء به القرآن وتواترت به الآثار من أن الأرواح لا تموت بموت الأجسام، وأن الأجسام هي التي تموت بقبض الأرواح منها وهي الأنفس والنسم.
قال الله

عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] وقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27] ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28] ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 30] وقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» . وقال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» . وقد جاء في الأرواح أنها باقية في القبور وأنها تطلع رؤوسها، وأن أكثر إطلاعها يوم الخميس وليلة الجمعة وليلة السبت.
فلما لم تأمن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن تكون روح عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بفناء قبره في الوقت الذي تدخل البيت، لم تدخله إلا وقد جمعت عليها ثيابها.
وهذا منها نهاية في الورع والتوقي، وليس بلازم؛ لأن الستر إنما يلزم من الأحياء في الدنيا حيث أمر الله به، لا من أرواح الموتى، وبالله التوفيق.

ما ذكر من ترك الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

فيما ذكر من] ترك الصلاة في مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال مالك: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لم تترك الصلاة في مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ كان إلا ثلاثة

أيام: يوم قتل عثمان، ويوم الحرة، قال مالك: ونسيت اليوم الثالث.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

اغتباط الرجل بما يصيبه مما يؤجر عليه

في اغتباط الرجل بما يصيبه مما يؤجر عليه قال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما أغبط رجلا لم يصبه أذى في هذا الأمر.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله في هذا الأمر بث العلم أن يصدع بالحق فيه وإن كره ذلك المقول له من الأمراء حتى يصيبه من قبله مكروه وأذى؛ لأن الذي يصيبه في ذلك هو خير ساقه الله إليه.
قال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يصب منه» وبالله التوفيق.

أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض

في أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أول من تنشق عنه الأرض قال مالك: سمعت أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فأجد موسى متعلقا بالعرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم كفته الصعقة الأولى» . قال محمد بن رشد: كذا وقع هنا هذا الحديث محذوفا، وكماله على ما خرجه البخاري من رواية أبي هريرة قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم والذي اصطفى محمدا على العالمين، في قسم يقسم به، وقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم وجه اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من أفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله.» وفي غير هذا الحديث: «فلا أدري أصعق فيمن صعق أم أخذته الصعقة الأولى» . وفي غيره: «فلا أدري أحوسب بالصعقة التي صعقها أم أفاق قبلي» ويريد بقوله في الحديث فإن الناس يصعقون أي يموتون بالنفخة الثانية، وهي نفخة الصعق؛ لأنها ثلاث نفخات: نفخة

الفزع، قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] ، والنفخة الثانية نفخة الصعق، قال الله عز وجل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: 68] ؛ والنفخة الثالثة نفخة البعث، قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] فيموت بالنفخة الثانية نفخة الصعق كل حي من الإنس والجن وغيرهم وروح كل ميت إلا من شاء الله.
وقد اختلف في هذا الاستثناء فقيل المراد به أرواح الشهداء إذ لا يفزعون في النفخة الأولى ولا يموتون في النفخة الثانية، وقيل المراد به جبريل وميكائيل وملك الموت، روي ذلك كله عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يأمر الله عز وجل ملك الموت فيقبض روح ميكائيل، ثم يقول لملك الموت مت فيموت، ثم لجبريل مثل ذلك.
وقد قيل إن المستثنى في نفخة الفزع أرواح الشهداء، وفي نفخة الصعق جبريل وميكائيل وملك الموت.
وقوله في الحديث: «فلا أدري أكان فيمن صعق وأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» فمعناه فلا أدري أكان روحه فيمن صعق إذ قد مات قبل النفخ في الصور.
وصعقة موسى الأولى التي شك النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكون جوزي بها في صعقة النفخ هي صعقة الطور، إذا سأل ربه أن يريه النظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: 143] الآية إلى قوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143] . وقد اختلف في هذه الصعقة فقيل إنه غشي عليه ثم أفاق،

وقيل بل مات ثم رد الله عز وجل عليه روحه، والله أعلم، وبالله التوفيق.

سيرة عمر رضي الله عنه في قسم المال

في سيرة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قسم المال قال مالك: حدثني زيد بن أسلم أنه قال، قال ابن الأرقم لعمر بن الخطاب إن ها هنا حليا ومناطق وظمان مما كان لفارس أفلا تقسمه؟ قال بلى، إذا رأيتني فارغا فأذني، فأذنته يوما فقال: ائتني به، قال فنقلته إليه في القفاف.
فلما رآه رأى شيئا عجيبا فوضعه بين يديه وقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما حببت إلينا، ثم تلا هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14] الآية، ثم قال: اللهم قني شره، وارزقني أن أنفقه في حله، مرتين، فما برح حتى قسمه كله.
قال مالك: وقال ذلك الرجل جمعوا فأوعوا، فلا ذهبوا بما جمعوا ولا أقاموا فيه.
قال محمد بن رشد: ابن الأرقم هذا هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث القرشي الزهري، كان على بيت المال لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مدة خلافته كلها، وسنين من خلافة عثمان حتى استعفاه فأعفاه.
أسلم عام الفتح، وكتب للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يكتب عنه إلى بعض الملوك فيأمره أن يطينه ويختمه وما يقرؤه عليه لأمانته عنده.
وروي أنه ورد على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتاب فقال: من يجيب عني فقال عبد الله بن الأرقم أنا، فأجاب عنه وأتى به إليه فأعجبه

وأنفذه.
وكان عمر حاضرا فأعجبه ذلك منه وقال أصاب ما أراد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يزل ذلك له في نفسه حتى ولي فاستعمله على بيت المال، وكتب أيضا لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.

القصاص للعبد من سيده

في القصاص للعبد من سيده «سئل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن العبيد فقال: يقتص لهم منكم يوم القيامة توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم فيقتص لهم منكم.
فسئل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الولد فكأنه قال ليس الولد مثل ذلك لا يكسى ويعرى ولا يشبع ويجوع» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، والحمد لله وبه التوفيق لا شريك له.

قول القاسم بن محمد في سعيد بن المسيب

قال مالك: وسئل القاسم بن محمد في علمه وفضله عن شيء فقال للسائل: هل سألت أحدا؟ قال نعم، عروة، فقال: هل سألت سعيدا؟ فقال نعم، قال فما قال لك؟ فأخبره، فقال له

القاسم فأطعه فهو سيدنا وخيرتا.
قال محمد بن رشد: إقرار القاسم بن محمد لسعيد بن المسيب بالتقدم والخير خير منه وفضل، فلا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أهل الفضل، وبالله التوفيق.

الدجالين الذين يبعثون قبل الساعة

في الدجالين الذين يبعثون قبل الساعة قال مالك: قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون أكثر من ثلاثين.» قال وسمعت بعض الناس يقول: كلهم يقول أنا رسول الله.
قال محمد بن رشد: قوله حتى يبعث دجالون، معناه حتى يبعث على الناس ابتلاء لهم واختبارا.
وفي غير هذا الحديث حتى «يخرج ثلاثون دجالا كذابا كلهم يكذب على الله ورسوله أحدهم الأعور الدجال ممسوح العين كأنها عنبة طافية.» وهذا بين في المعنى، رواه عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمرة بن جندب.
وقد روي عن أبي بكرة أنه قال: «أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه شيئا، ثم قام رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الناس فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال أما بعد في شأن هذا الرجل الذي قد أكبرتم في شأنه فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة على كل نقب من أنقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح.» ولم يذكر في هذا الحديث أنهم دجالون كما قال في الحديث الذي قبله، فيحتمل أن يكونوا غيرهم، ويحتمل أن يكونوا هم، وصفهم في الحديث الأول بالدجل لأنهم في كذبهم كالدجال في كذبه، ولم يصفهم به في الحديث الثاني، وبالله التوفيق.

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم سلمة حين دخل بأم سلمةالكاسيات العاريات ولبس الرجال الرقيق من الثيابالسكنى في الأرض التي يعمل فيها بغير الحق ويسب فيها السلفيكتب إلى أصغر منه هل يبدأ بهالحجامة وتساوي الأيام فيهارفع عمر بن الخطاب صوته في صلاته بسورة النبي عليه السلامحكاية عن عمر بن عبد العزيزالكراهة للمفتي أن يقول فيما يؤديه إليه اجتهاده في تحليل أو تحريم هذا حلال وهذا حرامقول الرجل هلك الناستفسير ما جاء في أن من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهماالثناء لا يكون عاملا إلا بعد المخالطة في السفر والمالقول القاسم في ربيعةقول القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز فيما عرض عليه من المالذنب المشاركة في القتلتواصي أزواج النبي عليه السلام في العسل الذي كان يشربه عند إحداهنبيان المحروم من هوتفسير قول الله عز وجل ولا تنس نصيبك من الدنياتفسير الراسخين في العلمالاجتماع في قراءة القرآنتفسير الفصيلةتفسير قوله عز وجل اهبطوا مصراتفسير قوله عز وجل كانوا قليلا من الليل ما يهجعونتفسير قول الله عز وجل ولذلك خلقهمالمصاحف لا تكتب على ما يخالف هجاء المصحف الأولما جاء في الحينالأشد ما هوما جاء عن عمر بن الخطاب في السفرحكاية عن سليمان بن عبد الملكترك محمد بن مسلمة الدخول في الفتنةحكاية عن عمر بن عبد العزيزما يروى من الكراماتذكر بعض ما جرى يوم الحرةاستئذان عمر رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها في أن يدفن مع النبيما ذكر من ترك الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلماغتباط الرجل بما يصيبه مما يؤجر عليهأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرضسيرة عمر رضي الله عنه في قسم المالالقصاص للعبد من سيدهقول القاسم بن محمد في سعيد بن المسيبالدجالين الذين يبعثون قبل الساعة
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل