كتاب الجامع التاسع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المفتين من التابعين في المدينة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتاب الجامع التاسع من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده في المفتين من التابعين في المدينة وسمعته يذكر عن مالك أنه كان بهذا البلد، يعني المدينة، أربعة عشر من تابعي أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفتون في هذا الشأن.
فقيل لابن القاسم: أتسميهم؟ فقال: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وهذان إماما الناس من التابعين، وقد اختلف الناس في أعلمهما: فأما ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومن أخذ بناحيتهما وأهل الكوفة فكانوا يقولون سليمان أفقههما، وأما مالك بن أنس ومن أخذ بناحيته فيقولون سعيد.
ثم ذكر ابن القاسم سليمان قال كان أعلم بالحلال والحرام، قال ولم يأت أحد من التابعين من الأحاديث والسنن بمثل ما جاء به سعيد وعبيد الله بن عبد الله.
ثم عدد القاسم، وسالما، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومحمد بن علي بن حسين، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
قال والصنف الآخر من التابعين في العبادة بشر بن سعيد، وكان يجالس عمر بن
الخطاب، وعطاء بن يسار، وتلك الطبقة.
ثم كان من تابعي هؤلاء الأربعة عشر صفوان بن سليم، وأبو حازم بن دينار، وابن المنكدر.
قال وكان من تابعي الأولين في العلم ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن هرمز، وأبو الزناد، وتلك الطبقة، إلا أن ربيعة كان تابعا [لبعض] أصحاب النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أدرك أنس بن مالك وسمع منه، وأبو حازم قد أدرك بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال محمد بن رشد: كذا وقع عن بشر بن سعيد أنه كان يجالس عمر بن الخطاب، وفي بعض الكتب أنه كان يجالس عبد الله بن عمر، وهو الصواب، لأنه لم يدرك عمر بن الخطاب.
وذكر مالك أن المفتين من التابعين، يريد من كبار التابعين، أربعة عشر، سمى منهم ابن القاسم ثلاثة عشر رجلا، اشتهر منهم بالعبادة بشر بن سعيد، وعطاء بن يسار.
والرابع عشر أراد، والله أعلم، أنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، لأنه ذكر أنه تابع للأولين في العلم، ومن التابعين لأنه أدرك أنس بن مالك، وبالله التوفيق.
ما يذكر من نجابة عمر بن عبد العزيز
فيما يذكر من نجابة عمر بن عبد العزيز وسمعت ابن القاسم يذكر عن حفص بن عمر أن عمر بن عبد العزيز كان يؤتى به إلى عبد الله بن عمر وهو صغير، قال ابن القاسم: ابن خمس سنين ونحو ذلك بعدما عقل، قال فيدعو له ويمسح على رأسه فيرجع إلى أمه فيقول لها: يا أمه إني أحب أن أشبه خالي، فتقول له يا بني، أنى لك أن تشبه عبد الله بن عمر.
قال محمد بن رشد: كان عبد الله بن عمر من أخوال عمر بن عبد العزيز، لأن أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب الذي نازعت جدته في حضانته عمر بن الخطاب على ما جاء من أنه وجده يلعب بفناء المسجد فأخذه بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكرالصديق: خل بينها وبينه.
قال: فما راجعه عمر الكلام.
وهذا أصل في أن الجدة للأم أحق بالحضانة من الأب، وبالله التوفيق.
ما يحكى من فضائل عبد الله بن عمر
فيما يحكى من فضائل عبد الله بن عمر قال وذكر عن حفص أيضا أن عبد الله بن عمر كان له غلام، قال قد سماه، وبرذون يحتطب عليه ويستقي عليه الماء، ويركبه عبد الله بن عمر في حاجة إن نابته.
قال فدخل على الغلام يوما فقال يا فلان كيف أصبحت؟ قال أصبح الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت وهذا البرذون، قال فقال: اذهب فأنت حر فأعتقه.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما جاء عنه من أنه كاتب غلاما له يقال له يربى بأربعين ألف درهم، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له حتى أدى خمسة عشر ألفا، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك وعبد الله بن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ويعتقهم.
ارجع إليه فقل قد عجزت.
فجاء إليه بصحيفته فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت، فهذه صحيفتي امحها.
فقال لا والله، ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها ففاضت عين عبد الله بن عمر ثم قال: اذهب فأنت حر.
فقال:
أصلحك الله، أحسن إلى ابني، فقال: هما حران، فقال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي، قال هما حرتان، فأعتقهم خمستهم جميعا في مقعده.
وقعت هذه الحكاية عنه في المكاتب من المدونة.
ويروى أنه انتهى عدد من أعتق من العبيد ألف رأس، وأنه حبس ألف فرس، واعتمر ألف عمرة، وحج ستين حجة، وأفتى الناس ستين سنة.
وقد مضى في سماع ابن القاسم أنه عاش سبعا وثمانين سنة، رحمة الله عليه ورضوانه.
خير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم
في خير الأمة بعد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وسألت مالكا عن خير هذه الأمة بعد نبيها، فقال: أبو بكر، أو في ذلك شك؟ قد أمره رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصلاة ومعه غيره، وأمره على الحج ومعه غيره.
قال: وسألت مالكا مخليا أنا وابن وهب عن التفضيل بين علي وعثمان، فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به إلا يكف عن ذلك، يريد التفضيل بينهما.
فقلت لمالك: فأبو بكر وعمر؟ قال ليس في ذينك شك، يريد ليس في تفضيلهما على جميع أصحاب النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس بعد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شك.
قال محمد بن رشد: الذي عليه أهل الخير والدين والفضل أن أفضل الناس بعد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، بدليل اجتماع أهل الشورى على تقديم عثمان على علي في الخلافة، وهو مذهب مالك على ما روي عنه في ذلك أيضا، خلاف ما تدل عليه هذه الرواية من أن مذهبه التوقيف عن التفضيل بين عثمان وعلي، وليس ذلك بصريح، إذ لم ينص على
أنه يعتقد ما حكاه عمن أدرك ممن يقتدى به من الكف عن التفضيل بينهما.
فيحتمل أن يكون حكى ذلك عمن أدرك ممن يقتدي به في الرواية، وهو يعتقد تفضيل عثمان على علي بما بان له بقول من يقتدي به في العلم، أو لما بلغه عمن لم يدرك ممن هو أرفع مرتبة ممن أدرك.
وقد وقعت هذه الحكاية في كتاب الديات من المدونة بخلاف هذا اللفظ، ونصه: قال ابن القاسم فقلت لمالك: فعلي وعثمان أيهما أفضل؟ فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، يعني عليا وعثمان، ويرى الكف عنهما، وفي بعض الروايات: ورأيته يرى الكف عنهما.
فقوله ويرى الكف عنهما يحتمل أن يكون من قول مالك حكاية عمن أدركه ممن يقتدي به، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم حكاية عن مالك.
فإن كان من قول مالك حكاية عمن أدرك ممن يقتدي به فهو مثل ما في هذه الحكاية من قوله ما أدركت أحدا ممن أقتدي به إلا يكف عن التفضيل بينهما، وقد مضى الكلام على ذلك، [وإن كان] من قول ابن القاسم حكاية عن مالك فهو نص منه في التوقف عن التفضيل بينهما على ما حكاه عمن أدرك ممن يقتدي به، بخلاف المروي عنه من تفضيل عثمان على علي.
فإن كان اختلف قوله في ذلك فقد قيل إن القول الذي رجع إليه هو تفضيل عثمان على علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وليس في التوقف عن التفضيل بينهما شيء من الطعن على واحد منهما، وإنما هو إقرار لهما بالفضل جميعا.
ثم الفضل بعد هؤلاء الأربعة لبقية العشرة: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكلهم بدريون.
ثم التقدم بعد هؤلاء العشرة لبقية أهل بدر؛ ثم أهل بيعة الرضوان، وهم أصحاب الشجرة الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]
الآية، وكان فيهم أيضا ممن شهد بدرا خلق كثير، ثم جملة المهاجرين الأولين، ثم الأنصار.
ومنهم من اتفق له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها، ثم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، لقول الله عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10] . ولا اختلاف في أن أمة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الأمم، قال الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] أي خيارا عدولا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] يريد يوم القيامة.
كما أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الأنبياء والرسل وخاتم النبيين وسيد المرسلين، ورسول رب العالمين المبعوث إلى الخلق أجمعين.
وقد مضى الكلام على هذا في رسم سن من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
وطء المرأة في غير مخرج الولد
في وطء المرأة في غير مخرج الولد
قال وسألت مالكا عن وهاطء في وهدبر مخليا، فقوه عهوه هوبوس بل حندل، وعه كن وهكا وهبورد، قال مالك وما أدركت أحدا ممن أقتدي به يشك فيه.
قال مالك حدثني ربيعة بن أبي
عبد الرحمن عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به.
قال ابن القاسم: والمدنيون يذكرون الرخصة فيه عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال ابن القاسم: فيما أعلم، وتلا هذه الآية: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 165] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: 166] . قال مالك: أو في ذلك شك؟ أو ما تقرأ قول الله عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] . قال: أي شيء أبين من هذا؟ وقال ابن القاسم أيضا قال الله عز وجل: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: 37] وقوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] أنى وأين واحد، كأنه تأول ذلك على أنه أين شئتم.
ومثل ذلك ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: 37] من أين لك هذا.
قال ابن القاسم: إلا أني لا أحب أن لي ملء هذا، يعني المسجد الأعظم، وأني أفعله، قال: وما آمر به، وقد جاءني غير واحد يستشيرني في ذلك فأمرته ألا يفعل، إلا أن العلماء يتكلمون في ذلك فما أخبرك وأخبرني مطرف عن مالك في الوطء في اهدبر ونل هوغسن حهيل وهوون ينزه، وقال تكلمنا لئلا نحرم ما ليس بحرام.
قال: وقال لي مالك: وليس هذا بكلام يتكلم به عند كل من جاء.
قال محمد بن رشد: سأل ابن القاسم مالكا في هذه الرواية عن الوطء في الدبر مخليا، فقال: حلال لا بأس به عنده أحل من الماء البارد، ثم مشى في الكلام إلى أن قال: وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] أنى وأين
واحد.
ثم قال في آخر المسألة: وأخبرني مطرف عن مالك في الوطء في الدبر أنه لا غسل عليه إلا أن ينزل، فكتب ذلك كله في الكتاب على ما كتبه مصحفا معمى بقلب الأحرف، جعل الألف مكان الواو، والواو مكان الألف حيث وقع من الكلام، وفعل ذلك في الهاء واللام، وفي العين والحاء، وفي الكاف والميم، وأبقى سائر الحروف على حالها.
فإذا تدبرت التعمية التي وقعت في الرواية على هذا الذي ذكرته أتى لك الكلام على ما حكيت، وفعل ذلك لئلا يقرأه كل أحد فيستبيحه الناس وليس بأمر متفق عليه، قد حرمه جماعة من العلماء، منهم الليث بن سعد، فإنه كان يرى إحلال هذه المسألة حراما، ومنهم ابن وهب فإنه قال كل من أتى امرأة في غير مخرج الولد ومن حيث تكون الحيضة فهو ملعون عند الله عز وجل.
وإنما قال ذلك، والله أعلم، لما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في محاشهن، ملعون من أتى النساء في غير مخارج الأولاد» إلا أنه حديث ليس من صحيح الحديث.
وقد اختلف في ذلك قول مالك، فروي أنه قيل له حمل عنك أنك تبيح ذلك، فقال كذب علي من قاله، أما تسمع الله تبارك وتعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع، لا يكون الوطء إلا في موضع الولد.
وهذا القول أصح في النظر، لأنه إذا لم يجز الوطء في الفرج في حال الحيض من أجل الأذى بنص قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]
وجب أن لا يجوز الوطء في الدبر من أجل ما فيه من الأذى الذي هو بمنزلة دم الحيض أو أشد منه.
وعلى قياس هذا القول تأتي رواية مطرف عن مالك أن الغسل لا يجب في ذلك إلا بالإنزال.
والذي يأتي على قياس إباحة ذلك أن يجب الغسل فيه وإن لم ينزل إذا جاوز الختان الشرج، وعليه يأتي ما وقع في كتاب الإيلاء من المدونة من أن المولي يكون فايئا بالوطء في الدبر ويسقط عنه به الإيلاء.
وللخلاف الحاصل في هذه المسألة قال مالك في هذه الرواية: وليس هذا بكلام يتكلم به عند كل من جاء.
والذي خشي مالك من هذا أن يسمع قوله بتحليل ذلك فيشيع في الناس فيستبيحه العوام دون امتثال ما يلزم كل واحد منهم في ذلك من تقليد من يستفتيه.
وإذا استفتى فقد يستفتي من يرى خلاف مذهبه في ذلك فيكون أخذه بمذهبه أخلص له، لأن ما اختلف العلماء في تحليله وتحريمه فالأخذ بتحريمه أحوط، لأنه من المتشابه الذي قال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» الحديث.
وقد مضى في رسم التسليف في الحيوان والطعام المضمون من سماع ابن القاسم الكلام على معنى قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] وبالله التوفيق.
شراء الماء وحكمه
ومن كتاب أوله إن خرجت قال: ولا بأس باشتراء الماء إذا منعته ولم تقو عليه، فقلت إنهم يبيعونه منا على سقي دواب مسماة بدرهم، ومن الدواب ما يشرب الكثير ومنها ما يشرب القليل ومنها ما لا يشرب شيئا، فقال لا
بأس بذلك على وجه الضرورة.
قال محمد بن رشد: قوله لا بأس باشتراء الماء إذا منعته ولم تقو عليه، معناه لا بأس على البائع في بيعه، إذ له أن يمنعه ولا يمكن منه أحدا إلا بثمن، وذلك في مثل [الشراء] من البئر أو العين تكون في داره أو في جنانه الذي قد حظر عليه، لأن من حقه ألا يدخل أحد في داره أو في جنانه لاستقاء الماء منه إلا بإذنه، كان ذلك فيه فضل عن حاجته أو لم يكن.
وأما إن كانت البئر والعين في أرضه التي لا ضرر عليه في الدخول فيها لاستقاء الماء منها فاختلف فيما يفضل من ماء ذلك عن حاجته هل له أن يبيعه أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أن له أن يبيعه وأن يمنعه إلا بثمن، وجد له ثمنا عند سواه أو لم يجده، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية والمشهور في المذهب، وقيل ليس له أن يمنعه إلا أن يجد له ثمنا عند سواه، فإن لم يجد له ثمنا عند سواه لم يكن له أن يحبسه عنه وهو لا يحتاج إليه، والثالث أن ليس له أن يبيعه ولا أن يمنعه إذا لم يحتج إليه وإن وجد له ثمنا، وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى على ظاهر قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا يمنع فضل بئر ولا يمنع رهو ماء، فقال: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلأ.
وقد مضى هذا والقول فيه في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب السداد والأنهار.
وفي قوله في بيع الماء على سقي دواب مسماة إن ذلك لا بأس به على وجه الضرورة وإن كان منها ما يشرب القليل ومنها ما يشرب الكثير ومنها ما لا يشرب شيئا، يريد بالضرورة المشقة التي تلحق المتبايعين في اشترائه على الكيل، فأجيز ذلك لهذه الضرورة كما أجيز شراء الصبرة من الطعام جزافا لمؤنة الكيل ومشقته، لأن الغرر في ذلك يسير، إذ لا تسلم البيوع من يسير الغرر.
ولو اشترى منه سقية دابة واحدة وهما لا يدريان هل تحتاج إلى الشرب أم لا لما جاز لكثرة الغرر في ذلك.
ونظير هذا إجازة شراء لبن الشياه العدد الشهر والشهرين جزافا، بخلاف شراء لبن الشاة الواحدة جزافا الشهر والشهرين، وبالله التوفيق، لا شريك له.
طعام الفجأة
ومن كتاب النسمة وسئل ابن القاسم وابن وهب عن طعام الفجأة هل بلغك فيه شيء، يغشى الرجل القوم وهم يأكلون فيدعونه هل يأتيهم؟ فقالا: حسن جميل أن يجيبهم إذا دعوه، وإن غشيهم ولم يدعوه فلا يأكل لهم شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا مما ينبغي للرجل أن يعمل فيه بما يظهر إليه من حال الذين غشيهم يأكلون فدعوه للأكل معهم، إن ظهر منهم إليه استبشارهم بقدومه عليهم وسرورهم بأكله معهم استحب له أن يجيبهم إذا دعوه، وإن ظهر إليه منهم أنهم كرهوا غشيانه إياهم يأكلون وهم إنما دعوه استحياء منهم كره له أن يجيبهم، وإن لم يتبين له منهم أحد الوجهين كان له جائزا أن يجيبهم من غير استحباب ولا كراهة، وبالله التوفيق.
التاريخ من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك
وقال مالك إنما التاريخ من مقدم رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن التاريخ إنما هو من مقدم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة، وهو تاريخ الهجرة.
وكان قدومه المدينة ضحى يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل يوم الإثنين الثامن من شهر ربيع الأول.
وولد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفيل يوم الإثنين لثمان خلت من ربيع الأول، وبعث أيضا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الإثنين لثمان أيضا خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، فكان بين مولده إلى أن بعثه الله أربعون سنة [تامة، ومن مبعثه إلى أول المحرم من السنة التي هاجر فيها اثنتا عشرة سنة] وتسعة أشهر وعشرون يوما، ذكر ذلك الخوارزمي.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وكانت بدر يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين.
وقال ابن عبد البر: الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان، وما رأيت من ذكر أنها كانت يوم الإثنين إلا في هذا الخبر من رواية ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، وبالله التوفيق.
إيمان الكافر وتوبة المسلم
في إيمان الكافر وتوبة المسلم قال ابن القاسم: تذاكرنا مع عبد الرحمن بن خالد إيمان
الكافر ورجوعه إلى الإسلام، وما ذكر الله عز وجل في كتابه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] ، وذكرنا ذنوب أهل الإسلام فقال: إني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالا في هذا من أهل الكفر، ولقد بلغني أنه يقال إن توبة المسلم كالإسلام بعد الإسلام.
قال محمد بن رشد: المعنى في قول عبد الرحمن بن خالد إني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالا في هذا من أهل الكفر بين، لأن الكافر يغفر له بإسلامه ما سلف من آثامه، فيكون كمن ولد حينئذ لا حسنة له ولا سيئة عليه، والمؤمن إذا تاب تغفر له ذنوبه التي سلفت وآثامه، وتبقى له حسناته.
وإنما قال أرجو ذلك ولم يطلق القول بأنه أفضل منه دون أن يقيده بالشك والرجاء من أجل أن من الذنوب ما لا تكفرها التوبة، وهي ما كان منها يتعلق به حق بمخلوق، لأن الظلامات لا تصح التوبة منها إلا بردها إلى أربابها أو تحللهم منها، فلا يدري التائب إذا كانت عليه ظلامات هل تفي بها حسناته أم لا، فإن وفت بها دون زيادة ولا نقصان كانت حاله في توبته كحال الكافر في إسلامه، وإن وفت بها وزادت عليها كانت حاله أفضل من حال الكافر في إسلامه، وإن لم تف بها كانت حال الكافر في إسلامه أفضل من حاله، لأن الكافر إذا أسلم يسقط عنه بإسلامه جميع الآثام والتباعات، ويحتمل أن يكون إنما علق ذلك بالرجاء ولم يطلق القول بأن حال المسلم إذا تاب أفضل من حال الكافر إذا أسلم من أجل أنه قيل إن قبول الله عز وجل لتوبة التائب من عباده لا يقطع بها في حق كل تائب، لاحتمال أن لا يكون قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: 25] عاما في كل تائب، ويكون معناه فيمن سبق له من الله أنه يقبل توبته.
وعلى هذا ينبغي للعبد إذا تاب أن يرغب
إلى الله عز وجل في قبول توبته.
والذي عليه الجمهور أن الآية على عمومها في قبول الله عز وجل توبة كل تائب، وكذا سائر الآيات الواردة في هذا محمولة على عمومها في حق كل تائب، منها قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم: 8] ، وعسى من الله عز وجل واجبة، قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25] . والتوبة النصوح هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، قاله عمر بن الخطاب.
وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الندم توبة» وأنه قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وروي عن الشعبي أنه قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] . فإذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب، فإذا تاب الرجل من الذنب فإن ندم عليه ونوى ألا يعود إليه بنية صحيحة ثم لم يعد إليه كان قد تاب توبة نصوحا، فاستوجب بذلك ما وعده الله به من الغفران وإدخال الجنة.
وإذا تاب من الذنب بأن ندم عليه ونوى بنية صحيحة أن لا يعود إليه غفر له ذنبه الذي تاب منه، فإن عاد إليه لم تكن توبة نصوحا، فحصل له بذلك الوعد بتكفير إثم الذنب الذي تاب منه، ولم يحصل له الوعد منه تعالى بدخول الجنة وكان في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
وقد روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من استغفر من ذنبه غفر الله له ما لم يعد إليه» ومعنى هذا، والله أعلم، إذا استغفر الله منه ولم يتب منه بالندم عليه والعزم على ألا يعود إليه، وبالله التوفيق.
الاستيناس ما هو
ومن كتاب أوله باع شاة
وسألته عن الاستيناس ما هو؟ فقال: التسليم.
قلت: فالرجل يؤذن له في مثل دار فيدخل في الدار بإذن، فإذا جاء إلى باب البيت أترى أن يستأذن؟ قال: ليس ذلك عليه إذا أُذن له مرة، وقال الاستيذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع.
قلت: ما هذا؟ قال: تسلم ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا فانصرف.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن الاستيناس هو السلام بعيد، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: 27] فلو كان الاستيناس هو التسليم لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا، وذلك لا يصح.
وقد روى ابن وهب عن مالك أن الاستيناس هو الاستئذان، وهو الصحيح الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، أن معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا، وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس من أنه قال: إنما هو حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وغلط الكاتب.
واستدلوا على ذلك بقراءة أبي بن كعب وابن عباس والأعمش (حتى تستأذنوا) . وقال جماعة منهم أيضا إن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح [والتنخم] وما أشبه ذلك حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم.
وقال أبو جعفر الطبري: الذي أراه، والله أعلم، أن الاستيناس استفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد، وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم.
وقد
حكي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار.
وقال الفراء والكسائي: في الكلام تقديم وتأخير، معناه حتى تسلموا وتستأذنوا، وهو أن يقول السلام عليكم أدخل؟ وقال حتى تستأنسوا أي تستأذنوا وتعلموا من في الدار هل هو ممن يجوز أن يدخل عليه أم لا، من قول العرب اذهب فاستأنس هل ترى من أحد.
قال محمد بن رشد: وإنما قال الفراء والكسائي إن في الكلام تقديما وتأخيرا لما روي عن ابن عباس من أنه كان يقرؤها كما كان أبي ابن كعب وابن مسعود يقرآنها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وليس تقديم السلام على الاستئذان على ما جاء في هذه القراءة بالذي توجبه البداية بالتسليم قبل الاستئذان كما قالا من أنه يقول السلام عليكم أدخل؟ لأن الواو لا توجب الرتبة، وإذا لم توجب رتبة فالبداية بما بدأ الله به من السلام أو الاستئذان إنما هو استحسان، لقول رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحج: «نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا» . وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر بن الخطاب، فروي أنه قال: السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل، السلام عليكم أأدخل؟ وروي أنه قال: يستأذن أبو موسى، يستأذن أبو موسى، يستأذن عبد الله بن قيس.
وإذا كان قد قرئ حتى تستأذنوا وتسلموا، وحتى تسلموا وتستأذنوا، وكان الثابت بين اللوحين الذي يقطع أنه قرآن ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور: 27] وكان معنى حتى تستأنسوا حتى تستأذنوا على ما روى ابن وهب عن مالك وقال إنه قول أكثر أهل التفسير، كان الصواب أن يقدم الاستئذان، فإن أذن له في الدخول سلم على من في البيت ودخل، لأنه قبل أن يؤذن له لا يدري على من يسلم، وقد لا يكون في البيت أحد يسلم عليه، لا كما قال في الرواية من أن معنى ما جاء في الحديث من أن الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع، هو أن يسلم
ثلاث مرات فإن أذن لك وإلا انصرفت.
وقد روي عن ابن عباس «أن عمر قال: أتيت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في مشربة له فقلت السلام عليك يا رسول الله أيدخل عمر؟» . وروي أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام» . ففي هذا الحديث البداية بالسلام قبل الاستئذان، فيحمل على أن المعنى فيه إذا وقف على باب البيت فعلم من فيه ممن يصلح له الدخول عليه.
وأما إذا وقف على الباب فلم يعلم من في البيت ولا هل فيه من يصلح له الدخول عليه أم لا، ولا هل فيه أحد أم لا، فالبداية بالاستيناس، وهو الاستئذان، على ما روى ابن وهب عن مالك أظهر وأولى على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
لا شريك له.
بشر بن سعيد وبعض فضائله
من سماع من كتاب أوله نقدها نقدها وسمعته يقول كان بشر بن سعيد رأس العُبَّاد، كما كان سعيد بن المسيب رأس الفقهاء.
قال وكذلك كنت أسمع.
قال محمد بن رشد: قد مضى ذكر فقهاء المدينة وعبادهم في أول رسم أوصى فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
[تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم]
في تسري عَبِيد عبد الله بن عمر في أموالهم
قال ابن القاسم: حدثني عبد الله بن عمر عن نافع قال: كان عَبِيدُ عَبدِ الله بن عمر يتسرون من أموالهم ولا يستأذنونه.
قال وسألنا مالكا عن ذلك فقال مثله.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب النكاح الأول من المدونة.
ومعنى ذلك أنه كان قد أذن لهم في التجارة، لأن العبد المحجور عليه لا يجوز له بيع ولا شراء إلا بإذن سيده.
وفي هذا دليل على أن العبد يملك، على ما قاله مالك وذهب إليه، خلاف ما ذهب إليه من خالفه في ذلك من فقهاء الأمصار، إذ لو لم يملك وكان ماله لسيده لما حل له أن يتسرى فيه، إذ لم يبح الله الوطء إلا بنكاح أو ملك يمين فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] وبالله التوفيق.
وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز
في وصية القاسم بن محمد لعمر بن عبد العزيز وما قاله له فيما عرض عليه
وسمعته يذكر عن مالك قال: التقى عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد في حج أو عمرة، فقال له أوصني، فقال له القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر، فقال له عمر بن عبد العزيز: إن معنا فضلا من أزواد وأمتعة، أفلا نأمر لك بها؟ فقال له القاسم: إني امرؤ لا أرزأ أحدا شيئا.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والقول عليه في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادة القول فيه، وبالله التوفيق.
كراهة الأخذ بالرخص
في كراهة الأخذ بالرخص وسمعته يحدث عن بعض الحكماء أنه قال: لو كانت لي
نفسان أخذت بالرخص فقدمت إحداهما، فإن كان الأمر على ذلك وإلا رجعت على نفسي الأخرى فاستعنيت، إنما هي نفس واحدة.
قال محمد بن رشد: ليس معنى هذا في الرخص التي رخص الله فيها لعباده في كتابه أو على لسان رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من التعجيل في يومين من قوله عز وجل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] ، أو من الفطر في رمضان في السفر وما أشبه ذلك، إذ لا اختلاف في أن الأخذ بالرخص في مثل هذا جائز، بل قد قيل إن ذلك أفضل لما جاء من أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى شدائده.
وإنما معناه فيما اختلف العلماء فيه فأجازته طائفة منهم وحظرته أخرى، فهو إن أخذ بقول المحظرين لذلك الشيء فلم يستبحه سلم، وإن أخذ بقول من أجازه فاستباحه لم يأمن من مواقعة الخطأ والوقوع في المأثم.
فلو كان له نفسان كما قال لم يبال من إثم الواحدة إذا سلمت له الثانية من الإثم.
وأما وليس له إلا نفس واحدة فمن الحظ له الاحتياط لها، وبالله التوفيق.
الاجتهاد في العبادة
في الاجتهاد في العبادة وسمعته يحدث عن سليمان بن القاسم قال: يقولون لي: لو رفقت بنفسك، والله لأنا بما أنا فيه ألذ من أهل افتضاض العذارى لعذاراهم.
وسمعته يحدث عن محمد بن يحيى الإسكندراني عن رجل كان يصلي في البحر ويتعلق بالحبل، وأنه غلبته عيناه فنام، فلما استيقظ قال لرجل: ما منعك أن توقظني؟
قال رحمتك، قال لو رحمتني لأيقظتني.
قال محمد بن رشد: أما قول سليمان بن القاسم ما قاله مما أخبر به عن نفسه فالمعنى فيه أنه قاله تنشيطا لغيره لا قاصدا إلى الإخبار بذلك عن نفسه، لأن ذلك مما يكره للرجل أن يخبر به عن نفسه.
وأما ما كان يفعله الرجل من صلاته في البحر وتعلقه بالحبل فهو مكروه من الفعل لما يخشى على صاحبه من الانقطاع، وقد «قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المرأة التي سمعها تصلي وقيل له: إنها لا تنام الليل، فكره ذلك حتى عرفت الكراهية في وجهه، ثم قال: إن الله لا يمل حتى تملوا اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة» وقال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . وكان أحب العمل إليه الذي يدوم عليه صاحبه، وبالله التوفيق.
ما يروى من فضل عمر بن عبد العزيز وشدة خشيته لله
فيما يروى من فضل عمر بن عبد العزيز
وشدة خشيته لله عز وجل وسمعته يحدث عن مالك أن عمر بن عبد العزيز كان رجلا عيشه هذه القطاني، وأنه أكل يوما عدسا وشرب عليه ماء ثم استلقى فضرب على بطنه فقال: بطين بطيء عن أمر الله يتمنى على الله منازل الأبرار، شك ابن القاسم في ضرب بطنه عن مالك.
قال محمد بن رشد: في هذا بيان ما كان عليه عمر بن عبد العزيز
من الخوف لله عز وجل مخافة التقصير في أمره، مع الرجاء فيما عنده من أن يحله محل الأبرار.
وهذا هو الواجب أن يكون الرجاء والخوف في قلب الرجل سيين، فلا يأمن من عذابه ولا يقنط من رحمته، وبالله التوفيق.
تحسين بناء المساجد
في تحسين بناء المساجد وذكر من أقام قبلة مسجد الفسطاط ومسجد الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
وسمعته يقول: المساجد كلها الوليد بناها، يعني كسرها وبنى هذا البناء.
قال: وسمعت أنه أقام قبلة هذا المسجد مسجد الفسطاط الكبير نحو من سبعين رجلا من أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتوا عليه بالتحرم والحبال.
وسمعته يحدث عن مالك أن جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هو الذي أقام لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبلة مسجده.
قال محمد بن رشد: قوله كسرها وبنى هذا البناء، يريد أنه هدمها وبناها فحسن بناءها.
وتحسين بناء المساجد وتحصينها مما يستجب، وإنما الذي يكره تزويقها بالذهب وشبهه والكتب في قبلتها، لأن ذلك مما يشغل المصلين ويلهيهم عن الصلاة.
وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها، ورسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
ولابن نافع وابن وهب في المبسوطة إجازة تزويق المساجد وتزيينها بالشيء الخفيف ومثل الكتابة في قبلتها، ما لم يكثر ذلك حتى يكون مما نهي عنه من زخرفة المساجد.
وقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب القول في إقامة جبريل للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبلة مسجده فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تفسير قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا
ومن كتاب العرية قال سفيان في هذه الآية: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] يقول: قولوا أسلمنا مخافة السباء والقتل.
قال محمد بن رشد: نفى الله عز وجل الإيمان بهذه الآية وأوجب لهم الإسلام، فدل ذلك دليلا ظاهرا على أن الإيمان غير الإسلام، لأن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب، والإسلام هو إظهار الإيمان بالنطق بالشهادة والأعمال الظاهرة من الصلاة وغيرها.
فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فالإسلام أعم من الإيمان.
وهذا في بلاد الإسلام حيث يجب على المؤمن إظهار إيمانه.
وأما في بلاد الكفر حيث لا يمكنه إظهاره فهو مؤمن غير مسلم، إذ لا يمكنه إظهار سلامه.
قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28] وقال: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] . وقد قيل إن الإيمان والإسلام اسمان واقعان على معنى واحد.
واحتج من ذهب إلى هذا القول بقول الله عز وجل، وقوله الحق: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36] وهذا لا حجة فيه، لأن المؤمنين مسلمون، فسماهم مرة باسم الإيمان ومرة باسم الإسلام.
والكلام في هذا يتسع، وقد أشبعنا القول فيه في صدر كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
رفع الأصبع ورفع اليدين في الدعاء ومدهما
في رفع الأصبع، ورفع اليدين في الدعاء ومدهما قال سفيان: الإخلاص رفع الأصبع عند الشهادة، والدعاء رفع بطون الأيدي، والابتهال مد اليدين.
قال محمد بن رشد: [يريد] أن رفع الأصبع عند الشهادة لله عز وجل بالوحدانية دليل على الإخلاص له بذلك، ورفع بطون الأيدي إلى الله إنما يكون [في الدعاء والرغبة إليه، وأن مد الأيدي يكون] عند الابتهال في ذلك.
وهذا كله بين ليس فيه ما يخفى، وبالله التوفيق.
يحلف على امرأته في ثوب اشتراه ألا تدرعه
في الذي يحلف على امرأته في ثوب اشتراه ألا تدرعه قال ابن القاسم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عمر بن الخطاب أن رجلا اشترى لامرأته ثوبا فأتى به فسخطته فقال لها: أنت طالق إن تدرعته، فرجع به فرده، فدست المرأة خادمها فاشترته فأخذته فتدرعته.
فلما جاء زوجها ليدخل قالت له [إليك] قد حرمت عليك، هذا الثوب قد تدرعته.
فأتى عمر بن الخطاب فقال: قد حرمت عليك.
وقال مالك بن أنس: إن كان نوى أن لا تدرعه من قبله فلا شيء عليه، وإلا فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قول عمر بن الخطاب قد حرصت عليك، يريد
قد حنثت فيما قد حلفت به من الطلاق، لأنها طلقة رجعية فلا تحرم عليه، ومن حقه أن يرتجعها.
وقول مالك إن كان نوى أن لا تدرعه من قبله فلا شيء عليه وإلا فهو حانث، ليس بخلاف لقول عمر بن الخطاب، إذ لا اختلاف في أن الحالف إذا نوى أن لا تدرعه من ماله فلا حنث عليه إذا تدرعته من مالها.
وإنما يختلف إذا لم تكن له نية.
فوافق مالك في هذه الرواية عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أنه حانث ولم ينظر إلى بساط يمينه.
ويأتي في هذه المسألة على القول بمراعاة البساط في اليمين إذا لم تكن للحالف نية أن لا حنث عليه.
وقد اختلف في هذا قول مالك على ما هو منصوص عنه في غير ما مسألة من كتاب الأيمان بالطلاق من العتبية وغيره، وبالله التوفيق.
رؤية الله عز وجل يوم القيامة
ومن كتاب بع ولا نقصان عليك في رؤية الله عز وجل يوم القيامة قال ابن القاسم قال أبو السمح لمالك: يا أبا عبد الله، أنرى الله يوم القيامة؟ قال نعم.
نجد الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] ويقول لقوم ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] . قال وحدثني ابن أبي حازم عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن دون الله يوم القيامة سبعين ألف حجاب، منها حجب من ظلمة ما يفتقها بصر شيء، وحجب من نور ما يستطيع بصرها شيء، وإن منها لحجابا من
ماء لا يسمع صوت ذلك الماء أحد لا يربط الله عز وجل على قلبه إلا خلع.
قال محمد بن رشد: الذي عليه أهل السنة والجماعة من الموحدين أن رؤية الله عز وجل جائزة غير مستحيلة، وأن المؤمنين يرونه في الآخرة بأبصار وجوههم على ما جاء به القرآن وتواترت به عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآثار، خلاف ما ذهب إليه أهل الزيغ المعتزلة والقدرية والخوارج والجهمية من أن رؤية الله عز وجل مستحيلة لا تجوز عليه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
فمن الدليل الواضح على جواز رؤية الله عز وجل أن موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد سأل ذلك ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] على ما أخبر الله عز وجل به عنه في كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42] ومن المستحيل أن يسأله ما يعلم أنه لا يجوز في صفته أو أن يجهل هل يجوز ذلك في صفته أم لا، فتكون المعتزلة أعلم بصفات الله تعالى وما يجوز عليه مما لا يجوز منه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ودليل ثان هو قوله عز وجل: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103] لأنه عز وجل تمدح بأن الأبصار لا تدركه، فلو كان من المستحيل أن تدركه الأبصار لم يكن له في ذلك مدح، وإنما كان المدح له في ذلك لانفراده بخلق الآفة في الأبصار التي تمنع من إدراكه في الدنيا مع جواز ذلك عليه.
وكما هو قادر على خلق الآفة في الأبصار المانعة من رؤيته في الدنيا، فكذلك هو قادر على رفع الآفة من أبصار المؤمنين يوم القيامة حتى يروه على ما نطق به القرآن وتواترت به السنن والآثار.
وإذا جازت عليه الرؤية بما ذكرناه وجبت له، إذ لا يقول أحد إنها تجوز عليه ولا تجب
له، وإنما يقول أهل الزيغ والتعطيل إنها لا تجوز عليه.
ومن الدليل على وجوب رؤية المؤمنين له يوم القيامة قوله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] ، وهو نص في النظر إليه حقيقة لا يحتمل المجاز.
وقوله عز وجل في الكفار مهددا لهم: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] ، فلو كان هذا أمرا عاما للمؤمنين والكافرين لم يكن فيه تهديد للكافرين.
وقوله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] ، على ما قاله أهل التفسير: إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، لأن الحسنى مستغرق لجميع الإحسان بدخول الألف واللام فيه، فالزيادة على ذلك يجب أن تكون من غير جنس المزيد عليه، ولا شيء يمكن أن يشار إليه في ذلك سوى رؤية الله عز وجل.
ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه الثبت الثقات عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونقلوه عنه نقلا متواترا من رواية أبي بكر الصديق وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله البجلي، وغيرهم: أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر في ليلة القدر لا تضامون في رؤيته، وفي بعض الآثار: لا تضارون في رؤيته.
وفي بعض الآثار ليس دونه حجاب.
وأجمعت الأمة على أن الكافرين محجوبون عن الله تعالى يوم القيامة.
وإنما اختلفوا في المؤمنين، فقال أهل الزيغ إنهم لا يرونه، وقال أهل السنة والجماعة إنهم يرونه على ما بيناه وصححناه، إلى أن نشأ رجل من أهل البصرة يعرف بأبي الحسن بن سالم، وكان من الوعاظ الذين يظهرون النسك ويظنه العوام من أهل العلم، فسألوه عن هذه المسألة فحملته الأنفة وما يعتقده العوام فيه من أنه من أهل العلم على أن أجاب فيها بغير علم، فأخطأ وقال: إن الكافرين يرون ربهم يوم القيامة، وأبى أن يرجع عن بدعته، وتبعه قوم على ذلك حتى قويت شوكتهم وصار قولهم مذهبا يذكر، والله أسأله العصمة برحمته.
وقول عبد الله بن عمرو بن العاص إن دون الله تعالى يوم القيامة سبعين ألف حجاب منها حجب من ظلمة ما يفتقها بصر شيء إلى آخر قوله، المعنى فيه أن الله تعالى يحجب الكفار عن رؤيته بهذه الحجب وبما يخلقه فيهم من المنع من إدراكها، لا أن الله تعالى يحتجب عنهم بهذه، إذ ليس بمحتجب ولا محجوب عن خلقه بشيء، لأن الحجاب إنما يستر الأجسام المخلوقة التي يحتوي عليها وتكون أكثر منها.
ويشهد لهذا الذي قلناه ويؤيده قوله عز وجل: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] فجعل الكفار هم المحجوبين عن رؤيته بما خلق فيهم من الحجب والمنع منها، ولم يصف نفسه بالاحتجاب ولا بأنه هو المحجوب.
وقد روي أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مر بقصاب وهو يقول: لا والذي احتجب بسبعة طباق، فقال له علي: ويحك يا قصاب، إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء، ولكن حجب خلقه عنه، فقال له القصاب: أفلا أكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟ قال لا، لأنك حلفت بغير الله تعالى، وبالله التوفيق.
ما رئي لمالك من الرؤيا
فيما رئي لمالك من الرؤيا قال عيسى وسمعت سليمان بن يزيد يحدث أنه قال، سمعت ابن الدراوردي يحدث قال: رأيت في منامي أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعطي مالكا خاتمه، قال فأتيت مالكا فأخبرته بذلك وهو في مجلس ربيعة.
قال محمد بن رشد: تأويل هذا ما كان عليه- رَحِمَهُ اللَّهُ - من اتباع سنته والتمسك بها، وتركه لمخالفة ما صح عنده منها، وبالله التوفيق.
السنة لا تعارض برأي
في أن السنة لا تعارض برأي وحدث عن مالك عن ابن شهاب أنه قال: دعوا السنة تمضي لا تعارضوا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن السنة تمضي ولا تعارض برأي، يريد إذا صحبها العمل.
وأما ما كان من السنن التي اتصل العمل بخلافها فيقدم ما اتصل به العمل عليها، لأن اتصال العمل بخلافها دليل على نسخها.
وإذا عارض القياس ظاهر السنة تؤولت على ما يوجبه القياس.
واختلف إن لم يمكن تأويلها على ما يوجبه القياس على الأصول أيهما يقدم؟ فذهب مالك على ما حكاه ابن القصار إلى تقديم القياس عليها إذا كانت من السنن المروية من طريق الآحاد التي لا يقطع على صحتها، وذهب أبو حنيفة إلى تقديم السنة على القياس، وبالله التوفيق.
اشتغال الإمام عن الفقه بأمور المسلمين
في اشتغال الإمام عن الفقه] بأمور المسلمين وحدثني عن الثقة عن المغيرة بن أبي عبد الرحمن المخزومي أنه سمع مالك بن أنس يقول قال عمر بن عبد العزيز: من كان له شغل سوى هذا الشأن فإنه من شغلي الذي كتب الله لي أن ألزم، فعامل منه بما عملت ومقصر عنه عما قصرت، فما كان خيرا أتيته فبعون الله ودلالته، والله أرغب في تزكيته، وما كان سوى ذلك، فإني أستغفر الله لذنبي العظيم.
قال محمد بن رشد: معنى قول عمر هذا أنه أشقق من الاشتغال بأمور المسلمين عن التفقه، وخشي التقصير فيما اشتغل فيه من ذلك فاستغفر الله عز وجل منه.
ومعنى قوله أستغفر الله لذنبي العظيم، أستغفر الله العظيم لذنبي، لأن الكلام فيه تقديم وتأخير.
وقد مضت هذه الحكاية في صدر سماع أشهب، وبالله التوفيق.
كراهة كثرة الكلام
في كراهة كثرة الكلام قال وقال مالك: دخل رجل منا، يعني أهل العلم، على رجل من أهل الأدب، يعني الملوك، فلما خرج من عنده قيل له: كيف رأيت فلانا؟ قال: أما لولا أنه يأتي بكلام سنة في ساعة.
قال مالك: ليس كثرة الكلام إلا في النساء والخدم.
قال ابن القاسم: قعد أعرابي في مجلس ربيعة، فتكلم ربيعة وأكثر، فكأنه وصله بشيء، فقال للأعرابي: ما تعدون البلاغة؟ قال الأعرابي: قلة الكلام.
قال: فما تعدون فيه العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إن البلاغة والفصاحة إنما هي في قلة الكلام مع إدراك الصواب به واستيفاء المعاني فيه.
ومن عي الرجل ألا يقدر على أن يعبر عما في نفسه بكلام وجيز حتى يأتي فيه بكلام طويل يكون فيه ما يستغنى عنه [فقد يخفى الصواب في خلاله على السامع له، فمن العي أن يأتي بكلام كثير فيما يستغنى عنه] باليسير.
ومن
التقصير أيضا ألا يأتي إلا بكلام يسير لا يستفاد منه ما قصد إلى بيانه.
وقد حكي أن بعض الأمراء كتب إليه ملك الروم كتابا يرهب فيه عليه، فأغاظه ذلك وأمر كتابه بمراجعته، فكتب كل واحد منهم وأطنب وطول، فلم يستحسن شيئا من ذلك، وكتب إليه: الجواب ما ترى لا ما لا تسمع، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 42] ، والسلام على من اتبع الهدى.
ومن معجز كلام الله تعالى في البلاغة قوله: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44] وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] وكله معجز لا يقدر أحد أن يأتي في معنى منه بكلام يشبهه أو يقرب منه في الفصاحة، وبالله التوفيق.
تفسير قول الله عز وجل أو يأخذهم على تخوف
في تفسير قول الله عز وجل: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] قال ابن القاسم: قرأ عمر هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] فقال: ما التخوف؟ ما التخوف؟ ما التخوف؟ فأقام كذلك زمانا فأتاه أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين إن ابني يتخوفني
مالي، فقال له عمر: وما يتخوفك؟ قال يتنقصني مالي، فكبر عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحمد الله.
قال محمد بن رشد: قد روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: ما كنت أعرف معنى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] ، حتى سمعت قول الشاعر يصف ناقة وإن السير ينقض سنامها بعد تمكنه واكتنازه:
تخوف السير منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن
ومعنى التنقص في قوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] أن يتنقصهم في أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم.
وقيل إن المعنى أو يأخذهم [على تخوف أي أو يأخذهم] بعد أن يخيفهم، بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها.
وأن يكون التخوف بمعنى التنقص على ما جاء في الحكاية عن عمر بن الخطاب أظهر من تفسير الآية، لأن الله عز وجل ذكر فيها أصناف الإهلاك، فمنها أن يهلكهم بانتقاص ثمراتهم وأموالهم، وبالله التوفيق.
كثرة الحسد في الناس
في كثرة الحسد في الناس وحدثني عن ابن القاسم عن الثقة أن عمر بن الخطاب قال: ما من أحد عليه من الله نعمة إلا وله عليها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لقال قائل لولا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، وقد مضى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم القول في الحسد وتبيين الجائز منه من المحظور فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
قول القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعدل
في القائل لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اعدل وحدثني ابن القاسم عن مالك «أن رجلا وقف على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له: اعدل يا محمد، فقال له: ومن يعدل ويحك» .
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث بأكمل مما وقع ها هنا قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب والقول عليه هناك فلا وجه لإعادته.
وبالله التوفيق.
أهل البدع هل يخرجون ببدعهم من الإسلام
في أهل البدع هل يخرجون ببدعهم من الإسلام؟ وقال ابن داود عن ابن كنانة أنه قال: أهل الأهواء أهل بدع وضلالة، وليس ذلك بالذي يخرجهم عندنا من الإسلام.
قال محمد بن رشد: قول ابن كنانة هو قول أصحاب مالك: أشهب، والمغيرة، وغيرهم، أن أهل البدع والأهواء لا يكفرون بمآل قولهم، ولا يعيد الصلاة من صلى خلفهم على ما وقع من ذلك في رسم يدبر ماله من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين.
ودليل هذا القول قول
رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتتمارى في الفوق، فأخبر- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يشك في خروجهم من الدين، ومن شك في خروجه من الدين فلا يحكم أنه خرج منه إلا بيقين.
وقد جاء عن مالك ما يدل على أنه حكم لهم بحكم الكفار بمآل قولهم، وهو تأويله فيهم قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] على ما وقع له في أول سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين.
وهذا ليس على عمومه في جميع أهل البدع والأهواء، إذ من البدع والأهواء ما لا يكفر معتقده بإجماع، وهو ما لا يؤول بمعتقده إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه، وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ حتى يؤول به ذلك إلى الكفر، فهذا لا يكفر بإجماع.
وهذا مثل الذي يعتقد أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
ومنها ما هو معتقده كافر بإجماع، وهو ما كان كفرا صريحا، كالذي يقول إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النبي علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وما أشبه ذلك.
ومنها ما يختلف في تكفير معتقده بمآل قولهم، وذلك مثل القدرية الذين يقولون إنهم قادرون خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون مشيئة الله وإرادته، وإن الله لم يرد الكفر ولا العصيان ولا شاءه ولا قدره عليهم ففعلوه بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم [دون مشيئة الله عز وجل وإرادته] وفي مثل
المعتزلة الذين ينكرون صفات ذات الباري جل وتعالى من علمه وحياته وكلامه وإرادته إلى ما سوى ذلك من الأشياء التي تسد عليهم طريق المعرفة بالله جل وتعالى، وأشباههم من الروافض والخوارج والمرجئة، لأن هؤلاء ونحوهم هم الذين يختلف في تكفيرهم بمآل قولهم.
فيرى من يكفرهم بمآل قولهم على من صلى خلفهم إعادة الصلاة في الوقت وبعده، ويستتيبهم أسروا بدعتهم أو أعلنوها على ما قاله في رسم يدير ماله من سماع عيسى من الكتاب المذكور، فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بالمرتد.
ولا يرى من لا يكفرهم بمآل قولهم إعادة الصلاة على من صلى خلفهم ولا استتابتهم، وإنما يفعل بهم كما فعل عمر بن الخطاب من ضربه أبدا حتى يموت.
ومنهم من استحب له إعادة الصلاة في الوقت، ومنهم من يفرق بين أن يكون الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة أو غيره من الناس حسب ما مضى القول فيه في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
أول ما يرفع من أعلام الإسلام
في أول ما يرفع من أعلام الإسلام وحدثني شيخ من أعلام المدينة أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يرفع الحديث إلى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أول ما يرفع من أعلام الإسلام كرم الأخلاق والحياء والأمانة» . قال محمد بن رشد: قوله أول ما يرفع معناه أول ما يذهب من الناس فلا يوجد فيهم، وبالله التوفيق.
ما تقع به الحرمة
فيما تقع به الحرمة وحدثني عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: إذا نظر الرجل إلى امرأة مما أحل الله له تلذذا فهي حرام على أبيه وعلى ابنه وعلى كل من تحرم عليه ما مس وإن كان لم يكن نظر إلا إلى وجهها.
وقال مالك: ما يحرم بالنكاح فهو محرم بملك اليمين.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك أن نظر الرجل تلذذا إلى شيء من محاسن المرأة التي تحل له بنكاح أو شبهة نكاح أو ملك يمين يحرمها على أبيه وعلى ابنه، وتحرم عليه أمها وابنتها.
وقال ابن أبي ليلى والشافعي: لا يحرم شيء منهن بالنظر حتى يلمس، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والليث.
وقال الثوري: إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لامسها.
وقال الحسن لا يحرم إلا بالوطء.
واختلف في ذلك عن قتادة، واختلف في ذلك أيضا قول الشافعي: روي عنه أنه لا يحرمها إلا الوطء، وبه قال داود، واختاره المزني من قول الشافعي.
ولا اختلاف فيما دون الوطء من الحرام أن الحرمة لا تقع به.
وإنما اختلف هل تقع الحرمة بالوطء الحرام من الزنى، اختلف في ذلك قول مالك.
قال في الموطأ إنه لا يحرم، وهو قول ابن شهاب وربيعة والليث بن سعد، وإليه ذهب الشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس قال في ذلك: لا يحرم الحرام الحلال.
وقال في المدونة: إنه يحرم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي؛ واختلف في ذلك عن سعيد بن المسيب.
وكان عطاء يفسر قول ابن عباس: لا يحرم الحرام الحلال، أن معناه أن الرجل إذا زنى بالمرأة لا يحرم عليه نكاحها [وقد أجمع فقهاء الأمصار على أن الرجل إذا زنى بالمرأة لا يحرم عليه نكاحها] بعد الاستبراء، فنكاح أمها وابنتها أحرى أن لا يحرم، وبالله التوفيق.
التوسع في الإنفاق
في التوسع في الإنفاق وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال الله تبارك وتعالى لابن آدم أنفق أنفق عليك» . قال محمد بن رشد: قد مضى هذا الحديث والقول فيه في الرسم الأول من سماع أشهب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
أتي بخبيض فأدخله في فيه ثم طرحه
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
قال ابن القاسم: حدثني سليمان بن القاسم أن عمر بن الخطاب أتي بخبيض فأدخله في فيه ثم طرحه فقال: ما تبقى حسنات امرئ أدخل هذا في جوفه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه لما لاكه فوجد انصياغه وطيبه لم يرد أن يأكله مخافة أن تدعوه نفسه إليه فيصير له أكله عادة، فيصير بذلك من المسرفين المذمومين بظاهر قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] ، فكره أكله لهذا، لا أن أكله حرام، فمن أكله لم يأثم، ومن تركه على الوجه الذي تركه عليه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أجر.
وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في رسم البز من سماع ابن القاسم.
وقوله ما تبقى حسنات من أدخل هذا في جوفه، معناه إن أكله كان من المسرفين في الإنفاق على نفسه، وكان ذلك سببا إلى أن يشح فلا يجود
بما كان يجود به، فلا تبقى حسناته على المرتبة التي كانت عليه من الكثرة، وبالله التوفيق.
الخمر يكون من التمر
في أن الخمر يكون من التمر وحدثني عن ابن القاسم عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أن الله حين أنزل تحريم الخمر لم يكن بالمدينة خمر إلا خمر التمر» .
قال محمد بن رشد: في هذا نص على أن الخمر تكون من التمر خلاف ما ذهب إليه بعض أهل العراق من أن الخمر المحرمة لا تكون إلا من عصير العنب، وما سواه من الأنبذة والأشربة النيئة والمطبوخة ليس بخمر، فما دون السكر منها حلال، على ما روي عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من غيرها.
ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين إنما هي خمر العنب والتمر خاصة، على ما روي النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الخمر من الكرمة والنخلة» . ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين إنما هي الخمر التي من عصير العنب، وأن نقيع التمر والزبيب المخمر من غير طبخ بمنزلة الخمر في تحريم العين بخلاف سائر الأنبذة والأشربة، للحديث المذكور.
وقولهم خطأ صراح ترده السنة الثابتة عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قوله: «كل شراب أسكر فهو حرام» وقوله: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . والقياس الصحيح أنه لا فرق فيه بين
الأنبذة المسكرة وبين الخمر لوجود علة التحريم فيها، وهو الإسكار الذي دل على أنه هو العلة في التحريم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وحديث ابن عباس لا حجة لهم فيه، لأن بعض رواته يقول فيه: والمسكر من غيرها.
وعندنا أن كل ما خامر العقل فهو خمر محرم العين، كان من العنب أو من غيره من الأشياء، وبالله التوفيق.
وصف الرجل نفسه بما هو عليه
في وصف الرجل نفسه بما هو عليه
وحدثني سليمان بن يسار عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أنه كان يقول: ما أبقى ذكر جهنم للدنيا في قلبي فرحا ولا حزنا.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه الحكاية عنه في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم عن مالك عنه، وزاد فيها قال مالك: ما يعجبني أحد يقول مثل هذا.
ومضى الكلام على ذلك هنالك فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
أداء الأمانة
في أداء الأمانة وحدثني [عن] سليمان بن القاسم، عن النبي- صلى
الله عليه وسلم- أكثر ظني وأنا شاك أنه قال: «لا تجحد من جحدك وأد الأمانة إلى من ائتمنك» وبه يفتي مالك ويأخذ.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في الذي يستودع الرجل الوديعة فيجحده فيها، ثم يستودعه وديعة أو يأتمنه على شيء هل يحل له أن يجحده فيها ويقتطعها لنفسه فيما جحده من وديعته على أربعة أقوال في المذهب؛ أحدها المنع من الأخذ، وهو قول مالك في المدونة اتباعا لظاهر الحديث؟ والثاني الكراهة لذلك، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، والثالث الإباحة، وهو قول ابن عبد الحكم، ومذهب الشافعي؛ والرابع استحباب الأخذ، وهو مذهب ابن الماجشون، كان عليه دين أو لم يكن، وقيل إنما هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يكن له أن يأخذ إلا قدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة.
وأظهر الأقوال إباحة الأخذ، لأن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أباح ذلك لهند بنت عتبة [بن ربيعة] بن عبد شمس لما شكت لرسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن زوجها أبا سفيان بن حرب لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لأن معنى قوله بالمعروف أن تأخذ مقدار ما يجب لها ولا تتعدى فتأخذ أكثر مما يجب لها.
وكذلك تناول قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تخن من خانك» أي لا تتعد! فتأخذ أكثر من الواجب لك فتكون قد خنته أخرى كما
خانك هو أولا، لأن من أخذ حقه الواجب له فليس بخائن، بل فعل المعروف الذي أباحه رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند، فعلى هذا يخرج الحديثان جميعا ولا يحملان على التعارض، وبالله التوفيق.
ما يروى من الكرامات
فيما يروى من الكرامات قال وقال مالك: رأى يعقوب بن عبد الله بن الأشج في المنام وهو في لجة البحر غاز أنه أدخل الجنة فشرب فيها لبنا، فلما استيقظ أخبر أصحابه ثم تقيأ فقاء لبنا، فلما نزلوا الساحل لقوا العدو فاستشهد.
قال محمد بن رشد: هذا من الكرامات الجليلة، وكرامات الأولياء يصدق بها أهل السنة لجوازها في العقل، والعلم بوجودها في الجملة من جهة النقل المتواتر [وإن لم يثبت منه شيء بعينه بنقل التواتر في جهة ولي من الأولياء في غير زمن النبوة] وقد ذكرنا هذا في الرسم الأول من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
ما يزع الله بالإمام
فيما يزع الله بالإمام قال وقال مالك قال العبد الصالح عثمان بن عفان: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن، يعني ما يكف الناس عنه بالحدود.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك لقول عثمان صحيح، والمعنى فيه أن الذين ينتهون من الناس عن محارم الله مخافة السلطان أكثر من الذين