البيان والتحصيلصفحات 159-199
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التجارة إلى أرض الحرب

صفحات 159-199
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الأحكام بين المسلم والكافر في الهدنة

من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجر قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قيل له: أرأيت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فهو ليس في هذا ذكر دية فقال: إنما كان ذلك في حرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل مكة يكون فيهم رجل مؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس عليهم دية؛ لأنه يقول جل وعز: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72]، وأما قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] فإنما ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهرهم خطأ لم يهاجر، فإن ديته على المسلمين يؤدونها إلى قومه الذين كان بين أظهرهم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجلا آخر أتيا النبي عليه

السلام في الهدنة مسلمين، فرده رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم، فكما كان لهم أن يردوه إليهم، فكذلك كانت ديته لهم لو قتل خطأ، ومما يبين ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] الآية، يقول: إن حبسوا عنكم مهرا كان لكم قبلهم، ثم عاقبتموهم فحبستم عنهم مهرا كان لهم قبلكم مثل ما صنعوا ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ [الممتحنة: 11] فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان أنفق على امرأته التي هربت منه إلى الكفر، وذلك قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ [الممتحنة: 11] الآية، فكان الذي بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وبينهم ميثاق وهدنة في أشياء اصطلحوا عليها، منها أن يرد [إليهم] إلى الكفار من جاء إلى النبي مسلما من الرجال في الهدنة، وكان من حكم الله أن جاءت امرأة منهم ترغب في الإسلام لم يرجعها إليهم، وكان عليها أن تعطي زوجها الكافر ما كان ساق لها من مهر، وإن فاتت منا امرأة إليهم كان عليهم أن يعطونا مثل ما أنفق عليها زوجها وذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 10] ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10]، وحرم على المسلمين فروج أولئك الكوافر، ومنعنا أن نرجع المسلمة منا إليهم لا يستحلها الكافر، وحرمت على زوجها الكافر، وعلى غيره من الكفار، فمن هنالك اتبعوا بالمهر واتبعناهم بالمهر، وذلك قوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10]

فأما الرجال في الهدنة، فإنهم كانوا يردون إليهم، فكما كان يرد إليهم الرجال في الهدنة، ومهور النساء في الهدنة وغير الهدنة، فكذلك كانت لهم دية مؤمن قتل بين أظهرهم خطأ ممن أسلم، ولم يخرج من عندهم حتى كانت الهدنة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة سأل ابن القاسم مالكا في أولها عن المعنى الذي من أجلها سقطت الدية في المؤمن المقتول خطأ إذا كان بين قومه الكفار، إذ قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ولم يذكر في ذلك دية، يريد دية لجماعة المسلمين الذين يرثونه على الحكم في أن دية الخطأ تكون لورثة المقتول فأعلمه أن الآية منسوخة، يريد بقوله عز وجل: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75]، وأن ذلك إنما كان في أول الإسلام حين كانت الهجرة مفترضة وكان الميراث منقطعا بين من هاجر، وبين من آمن ولم يهاجر، لقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] ولما أكمل جوابه عما سأله عنه تكلم على بقية الآية فقال: وأما قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] الآية، فإنما ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وبين المشركين أنه أصيب مسلم كان بين أظهرهم بها قوله، فبين مذهبه في أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] أي: وإن كان المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق واحتج بذلك بما قاله من أن ذلك إنما كان في الهدنة التي كانت بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وبين المشركين على ذلك وعلى أن يرد إليهم من جاء من عندهم مسلما، فكانت لهم

دية من قتل منهم من المسلمين، كما كان لهم أن يردوا إليهم بالشرط الذي شرطوه، وهو اعتبار صحيح؛ لأن إعطاءهم دية المسلم المقتول أيسر من رده إليهم، ولعلهم يقتلونه على إسلامه أو يفتنونه عن دينه، وقصده بهذا الاحتجاج الرد على أهل العراق فيما يذهبون إليه من أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] أي: وإن كان كافر من قوم بينكم وبينهم ميثاق من الكفار فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة؛ لأنهم يجعلون ذلك حجة لما يذهبون إليه من أن المسلم يقتل بالكافر، فيقولون: قد أوجب الله في قتل الكفار خطأ الدية والكفارة، فلما تساوى المسلم والكافر في القتل خطأ في وجوب الدية والكفارة وجب أن يتساويا في القتل عمدا في وجوب القصاص، وحجة مالك صحيحة، وقوله في تأويل الآية أصح؛ لأنه ظاهر التلاوة، إذ نص في أولها على المؤمن، ثم قال في أخرها: وإن كان، فكان الظاهر من قوله أنه أراد، وإن كان المؤمن المذكور أولا لا أنه ابتدأ كلاما آخر بحكم كافر لم يتقدم له ذكر، فلا يوجب الكفارة في قتل الكافر خطأ، وإنما يستحبها مراعاة للخلاف، وحجته في أن المؤمن لا يقتل بالكافر قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر» يريد ولا يقتل أيضا ذو عهد إذا عوهد.
ويحمل أهل العراق الحديث على أن فيه تقديما وتأخيرا فيقولون: معنى لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر أي بكافر حربي عندهم ليس بمعاهد، وقولهم بعيد لوجهين: أحدهما؛ أن التقديم والتأخير مجاز، وحمل الحديث على المجاز لا يصح مع إمكان حمله على الحقيقة، والثاني: أن الإخبار بأن المسلم والمعاهد لا يقتلان بالحربي لا فائدة فيه، إذ قد تقرر علم وجوب قتله، وما في ذلك من عظيم الأجر، فكيف يشكل على أحد ارتفاع القصاص في ذلك حتى يحتاج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلى الإخبار بذلك.
وأما قوله في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] إن المعنى في ذلك، إن حبسوا عنكم مهرا كان لكم قبلهم، ثم عاقبتموهم فحبستم عنهم مهرا كان لهم

قبلكم مثل ما صنعوا ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 11] أي فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان أنفق على امرأته، وأن ذلك مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: 11] الآية، فليس ببين، إذ ليس في معاقبتهم بحبس مهرهم عنهم ما يؤدون منهم مهورهم قال عز وجل: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] ثم قال بعد ذلك ما معناه: فإن سألتم فلم تعطوا فآتوه مما تغنمون.
قال مسروق: وكذلك إن ذهبت إلى غير ذي عهد يعطى زوجها المهر من الغنائم، وذلك كله منسوخ بما نزل في براءة من فسخ العهود التي كانت بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وبين المشركين، وقد روي أن قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، نزل في حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه حين استشهد ومثل به، فأقسم النبي عليه السلام أن يمثل بجماعة من الكفار، فالآية دالة بحملها على عمومها دون أن تقصر على ما روي من سببها على أنه لا يجب أن يعاقب المرء إلا بمثل ما اجترم من القتل أو الجراح وأخذ المال، وأنه لا يجب أن يعاقب الكفار في حبسهم المهور الواجبة عليهم إلا بأن يحبس عنهم المهور الواجبة لهم، وأما أن يجعل حبس المهور عنهم شرطا في دفع مهور أزواج المسلمين كما قال مالك في الرواية، فإنه بعيد، وقوله: فكان الذي بين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وبينهم ميثاق وهدنة في أشياء اصطلحوا عليها منها أن يرد إليهم من الكفار من جاء إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من الرجال في الهدنة، وكان من حكم الله إن جاءت امرأة منهم ترغب في الإسلام لم يرجعها إليهم يدل على أن حكم الله تعالى الوارد في سورة الممتحنة بأن لا يرجعن إليهم مطابق لما صالحهم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أن يرد إليهم من جاءه من عندهم مسلما من الرجال، وقد اختلف في ذلك فقيل: إن الصلح وقع على أن يرد إليهم من جاءه من عندهم مسلما من الرجال والنساء، ففسخ الله من الشرط في النساء ونسخه، فكان ذلك نسخا للسنة بالقرآن، ومن الدليل على هذا، ما روي من أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لما تم صلحه مع أهل مكة بالحديبية، وختم الكتاب الذي فيه العهد جاءته سبيعة بنت الحارث مسلمة وجاء زوجها

فقال: يا محمد ردها علي فإن ذلك في شرطنا عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف، فنزلت: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] الآيات، فلم يردها عليهم، وأعطاه مهره، ولا يوجد في شيء من الآثار أن الشرط وقع نصا على أن يرد إليهم الرجال والنساء، ولا على أن يرد عليهم الرجال دون النساء، فيحتمل أن يكون الشرط وقع على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، وأراد النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بذلك الرجال دون النساء، وأراد به المشركون الرجال والنساء، فلما قدمت سبيعة مسلمة طلبها زوجها واحتج بظاهر ما في الكتاب، فمنع الله عز وجل من رد النساء على ما يوجبه ظاهر اللفظ، وأقر الحكم على ما أراده النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من أن لا يرد إليهم إلا الرجال، إذ لم ينص فيه على رد النساء، وزاد فيه أن يعطوا مهور من قدم من عندهم من النساء، ويسألوا مهور من مضى إليهم من نساء المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] الآية، فعلى هذا يصح ما روي في هذا المعنى، ويرتفع الخلاف، ويكون معنى قول مالك: إن الصلح وقع على أن يرد إليهم من جاء من عندهم مسلما من الرجال على ما أراده النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ونواه، لا على أن ذلك كان صريحا في الصلح، إذ لو كان صريحا فيه لم يقل زوج سبيعة ما قال، والله أعلم بحقيقة ذلك كيف كان.
وقوله في آخر المسألة: فكما كان يرد إليهم الرجال في الهدنة ومهور النساء في الهدنة وغير الهدنة غلط في الرواية؛ لأن المهور إنما كانت ترد في الهدنة على ما ذكرناه من حكم الله بذلك لا في غير الهدنة، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: قوله: وغير الهدنة ليس بمستقيم؛ لأن رد الصدقات التي أخذ النساء المهاجرات من أزواجهن لم يكن إلا في الهدنة خاصة، بذلك وقعت الهدنة بينهم أن يرد المسلمون صدقات من أتاهم من النساء مسلمات إلى الكفار، ويرد الكفار صدقات من أتاهم من النساء مرتدات إلى المسلمين، وليس قوله بصحيح، إذ لو وقعت الهدنة بينهم على ذلك لما طلب زوج سبيعة ردها بما في كتاب الصلح، وإنما كانت المطالبات

بينهم بالمهور بحكم الله على ما ذكرناه لا بالشرط، والله أعلم، وهو الموفق بفضله.

قوم من تجار العدو يأتون المسلمين وقد تقدم إليهم ألا ينزلوا إلا بموضع مسمى لهم

ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها وسئل مالك: عن قوم من تجار العدو يأتون المسلمين، وقد تقدم إليهم ألا ينزلوا إلا بموضع مسمى لهم، فيأتون دونه فينزلون بالموضع، فيريدون أن يستقوا الماء، فيمنعون من ذلك حتى يقاتلوا فقال: إذا منعوا كيف يبلغوا؟ ما أرى أن يقاتلوا، هذه أمور مشكلة، وإنه ليقال: لا يهرق دما أو لا يهراق إلا عن أمر يستبين صحته، فلا أحب لأحد أن يقاتل في مثل هذا ولا يقتل أحدا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن منعهم من استقاء الماء منع لهم من النزول في الموضع الذي أذن لهم بالنزول فيه، إذ لا يستغنون في موضع نزولهم عن الماء، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»، فنهى عن منع فضل الماء لما فيه من منع الكلأ، فكذلك هذه المسألة، وبالله التوفيق.

الرجل يبتاع من رقيق العجم فيريد بيعهم من النصارى قبل أن يسلموا

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن الرجل يبتاع من رقيق العجم من السودان والصقالبة فيريد بيعهم من النصارى قبل أن يسلموا، قال: ما أعلمه حراما، ولا يعجبني أن يفعله أحد، إن كانوا صغارا فلا يجوز بيعهم من اليهود والنصارى، وإن بيعوا منهم فسخ بيعهم، وإن كانوا كبارا فلا بأس ببيعهم منهم، وإنما فرق بين الصغار والكبار أن

الصغار يجبرون على الإسلام، وأن الكبار لا يجبرون، هكذا سمعت.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن بيعوا منهم فسخ بيعهم، أمر مختلف فيه، فما ها هنا خلاف ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة وما في سماع يحيى بعد هذا من كتاب السلطان لأشهب من أنهم يباعون عليه، ولا يفسخ البيع، ومثل قول سحنون في نوازله من كتاب جامع العيوب وما في كتاب المديان والشفعة من المدونة، وابن الماجشون يرى أن البيع في ذلك لا ينعقد، فعلى قوله: إن ماتوا في يده قبل أن يفسخ البيع كانت مصيبتهم من البائع، وإن أعتقهم أو باعهم من مسلم لم ينفذ شيء من ذلك، وتفرقته في جبرهم على الإسلام بين أن يكونوا صغارا أو كبارا خلاف ظاهر ما في سماع أصبغ بعد هذا، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الجنائز، وفي أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة، فمن أحب الوقوف على الشفاء من ذلك تأمله هناك، وبالله التوفيق لا رب غيره، والحمد لله كثيرا.

الديباج يباع من الروم

ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: وسئل مالك عن الديباج يباع من الروم، قال: إن كانوا لا يتخذونه عدة للقتال، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أنه لا يجوز أن يباعوا شيئا مما يستعينون به في حروبهم على المسلمين من ثياب ولا صفر ولا حرير ولا شيء من الأشياء، وإنما يجوز أن يباع منهم من العروض ما لا يتقوى به في الحروب ولا يرهب به في القتال من الكسوة ما يقي الحر والبرد، ومن الطعام ما لا يتقوت به مثل الزيت والملح وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.

أعياد الكنائس يجتمع المسلمون إليها يحملون إليها الثياب والأمتعة

ومن كتاب أوله تسلف في المتاع والحيوان المضمون وسئل مالك عن أعياد الكنائس يجتمع المسلمون إليها يحملون

إليها الثياب والأمتعة وغير ذلك يبيعون فيها يبتغون الفضل، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد كره مالك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح والصيد أن يباع منهم الجزرة إذا علم أنهم يريدون ذبحها في أعيادهم وكنائسهم، وأن يكروا الدواب ليركبوها إلى أعيادهم، وهو خلاف ما هنا، إذ لا فرق بين المسألتين، وقد وقع الاختلاف من قوله في مسألة الكراء منصوصا في سماع سحنون من كتاب السلطان كره ذلك مرة وأجازه أخرى.
واختلاف قوله جار عندي على الاختلاف في كونهم متعبدين بالشرائع، فيكره على القول بأنه عاص لله في إقامة عيده للمسلم أن يكون عونا له على الإثم والعصيان، ولا يكره له ذلك على القول: بأنه ليس بعاص لله في ذلك إلا بعد الإيمان، وعلى هذا أجاز في سماع زونان للرجل أن يسير بأمته إلى الكنيسة، وقد حكى ابن مزين عن أصبغ أن ذلك لا يجوز، فعلى قوله: إن فعل يلزمه أن يتصدق بجميع الثمن، ولا يلزمه ذلك على مذهب مالك، وإنما يستحب له على أحد قوليه أن يتصدق بما زاد في الثمن بسبب بيعهم ذلك لأعيادهم.

قوم أرادوا أن يبيعوا أمة ومعها ابن لها حر صغير لا يستغني عن أمه

ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما المال وقال مالك في قوم أرادوا أن يبيعوا أمة ومعها ابن لها حر صغير لا يستغني عن أمه، قال مالك: أرى ألا يفرق بينه وبين أمه، وأن لا يباع إلا ممن يشترط عليه أن لا يفرق بينه وبين أمه وأن تكون مؤنته عليه، وقال مالك: وإن بيعت بغير أرضها فلا أرى بأسا.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة: أن البائع أعتق الولد وهو صغير؛ لأن من أعتق صغيرا فعليه نفقته حتى يبلغ، فلما كانت على البائع نفقته ولم يجز له أن يفرق بينه وبين أمه لم يجز له بيع الأم إلا ممن يشرط عليه أن لا يفرق بينه وبين أمه، وأن تكون مؤنته عليه، يريد إلى أن يبلغ حد

التفرقة، قاله ابن القاسم في العشرة، يريد وترجع عليه هو النفقة إذا بلغ حد التفرقة إلى أن يبلغ، وفي جواز هذا البيع اختلاف: أجازه هنا وفي كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، قال في العشرة استحسانا لئلا يترك الصبي بغير نفقة فيهلك أو يمنع سيد الأمة من البيع فيضر به، قال: فإن مات الصبي لم يجب للبائع على المشتري شيء؛ لأنه لم يرد بذلك إلا كفاية المئونة لا التزيد في الثمن، وقال سحنون: لا يجوز البيع إلا عند الضرورة من فلس أو شبه ذلك، وقيل: إن البيع لا يجوز بحال؛ لأنه غرر، إذ لا يدرى هل يعيش الصبي إلى حد التفرقة أو يموت قبل ذلك، وقيل: البيع جائز، وإن مات الولد قبل الإثغار رجع البائع على المبتاع بقدر ذلك من قيمة الأم، وهو الذي يأتي على ما في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ولو اشترط أن تكون النفقة مضمونة على المبتاع إلى حد الإثغار إن مات الولد قبل ذلك لجاز البيع باتفاق، والله أعلم.
وقد اختلف في التفرقة فروى ابن غانم عن مالك أن حدها الاحتلام في الرجال والمحيض في النساء، وقال ابن عبد الحكم وغيره لا يفرق بينهما أبدا، وإن ضرب على لحيته على ظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا توله والدة على ولدها ولا يفرق بين الوالدة وولدها»، واختلف أيضا في التفرقة هل هي من حق الأم أو من حق الولد؟ فذهب ابن القاسم أن ذلك من حق الولد، فلا يفرق بينهما وإن رضيت الأم بالتفرقة، وهو معنى ما في المدونة وقول ابن نافع على ظاهر الآثار في النهي عن التفرقة مجملا، وقال ابن عبد الحكم في كتابه: إن التفرقة بينهما جائزة إذا رضيت الأم، وهو قول أشهب وروايته عن مالك في رسم الوصايا، وقد قيل: إن ذلك دليل ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، فانظر في ذلك وتدبره وبالله التوفيق.

الخروج إلى أرض الشرك في البر والبحر للتجارة

ومن كتاب اغتسل على غير نية وسئل مالك عن الخروج إلى أرض الشرك في البر والبحر

للتجارة فقال: لا أحب ذلك ولا أراه له، قد جعل الله لكل نفس أجلا تبلغه، ورزقا تنفذه، وهو يجري عليه أحكامهم، فلا أرى له ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أحب ذلك له، ولا أراه معناه: لا يحل ذلك ولا يجوز، فقد قال مالك: لم يكن من شأن العلماء - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، وكانوا يكتفون بأن يقولوا: لا بأس بهذا، وفي هذا سعة ولا أرى هذا، ولا أحب، وإني لأكرهه وما أشبه هذا، ويكتفي بذلك منهم، فعلى هذا أتى جوابه في هذه المسألة، والله أعلم.
ومن الدليل أن ذلك لا يجوز إجماع أهل العلم على أن من أسلم ببلد الحرب، فواجب عليه أن يخرج منه إلى بلد الإسلام ولا يقيم حيث تجري عليه أحكام الكفر، فإذا كان الخروج واجبا عليه مفروضا كان الدخول إليه حراما عليه محظورا، فمن فعل ذلك طائعا غير مكره وهو عالم بأن ذلك لا يحوز له كان ذلك جرحة فيه، وسقطت إمامته وشهادته، قال ذلك سحنون، وينبغي أن يحمل على التفسير لما في كتاب الولاء والمواريث من المدونة من إجازة شهادتهم لاحتمال أن يكونوا رمتهم الريح إلى بلاد العدو، ولم يذهبوا إليها للتجارة طائعين، ويحمل أيضا أن يكون إنما أجاز شهادتهم إذا عرفت توبتهم من ذلك، إذ يبعد أن تجاز شهادة من يدخل إلى بلد الحرب للتجارة وطلب الدنيا، وهو عارف بأن ذلك لا يجوز له، وأن أحكام الشرك تجري عليه، وبما هو أقل من هذا، يجرح الشاهد وتسقط شهادته، وقد كره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - السكنى ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، ويعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر على هذا نفس صحيح الإيمان.

اشتراء النوبة والبجة

من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون من كتاب أوله بيوع وكراء قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عن

اشتراء النوبة والبجة، فإن بيننا وبين النوبة والبجة هدنة، تعطينا النوبة رقيقا ونعطيهم طعاما، وتعطينا البجة إبلا ونعطيهم طعاما وهم يتسابون، فهل نشتري منهم شيئا من رقيقهم؟ فقال: كان يقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنه لن يترك أحد شيئا لله، فوجد فقده، قال: وقال عبد الله بن عمر، وكان من أئمة الناس: إني لأحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الله بن عمرو بن العاص: «كيف لك إذا بقيت في حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، فقال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: عليك بما تعرف، ودع ما تنكر عليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم، قال لي: وانظر لنفسك، وعليك بالبين المحض»، قلت له: إنهم يبعثون إلينا برقيق من رقيقهم، فهل نشتري من رقيقهم التي يبعثون إلينا بهم للصلح الذي بيننا وبينهم فقال: "لا أدري ما هذا ولا ما هذا التفصيل بين هذا وهذا، وليس كل من فصل أصاب ". قال محمد بن رشد: إذا كانت الهدنة بيننا وبين أهل الحرب على أن لا نقاتلهم ولا نسبيهم، فلا إشكال في أن ذلك ليس بعهد يمنعنا من شراء أولادهم منهم، ولا من شرائهم ممن سباهم في أن ذلك عهد يمنعنا من شرائهم ممن سباهم ومن شراء أولادهم، وإذا أعطيناهم أمانا وعهدا على أن يدخلوا إلينا في تجارة وينصرفون، أو على أن ندخل نحن إلى بلادهم في تجارة، وننصرف عنهم، فلا إشكال أيضا في أن ذلك ليس بعهد يمنعنا من شراء أولادهم منهم، ولا من شرائهم ممن سباهم، وأما إذا هادناهم على أن نتداخل للتجارة مهادنة مستمرة فهذا الذي رأى اشتراءهم ممن سباهم من مشتبهات الدين الذي تركه وجه

الخلاص وطريق السلامة، واستدل على ذلك بقول عبد الله بن عمر: إني لأحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه، وبقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لعبد الله بن عمرو بن العاص: «فانظر لنفسك، وعليك بالبين المحض؛» لأنه حمل قوله له على عمومه في جميع الأشياء، وإن كان مساق الحديث إنما هو على التحذير من الفتن التي وقعت بعده ألا يدخل منها في مشكل، وقد دخل فيه على ما أداه إليه اجتهاده مع عزم أبيه عليه في ذلك، فشهد مع معاوية حرب صفين، ثم ندم على ذلك لما ظهر إليه من البصيرة في خلاف رأيه الأول، فاستغفر الله عز وجل من ذلك مخافة أن يكون قد قصر أولا في اجتهاده مع قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فانظر لنفسك وعليك بالمحض البين»، وفي هذا الحديث علم جليل من أعلام النبوءة؛ لأنه أعلم عبد الله بما يكون بعده من الفتن وحضه على ما يصنع فيها في خاصة نفسه من الأخذ بالبين المحض، فانتهى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى ما حضه عليه، ورجع عما دخل فيه إذ بان له خلاف ما كان ظهر إليه، ولا فصل كما قال من شراء بعضهم من بعض إذا سبوهم، وشراء رقيقهم الذي يبعثون بهم فيما صولحوا عليه إذ كان أولئك الرقيق الذين يبعثون بهم من سبي بعضهم بعضا، وبالله التوفيق لا إله إلا هو.

التجارة في النبل والسيوف والسلاح

ومن كتاب البيوع الأول قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك عن التجارة في النبل والسيوف والسلاح، قال: لا بأس بذلك، ولم تزل الناس يجيزونه إلا أن يخاف أن يصل إلى العدو.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن السلاح لا يحل أن يباع من العدو، ولا ممن يحمله إلى العدو، فلا يحل للرجل أن يتجر فيه إذا علم أنه يصل إلى العدو، مثل أن يكون الذين يبتاعونه منه يخرجون إلى بلد يحمل منه للعدو، ويكره ذلك إذا خاف أن يصل إليهم، قاله مالك في سماع أشهب من

كتاب اللقطة، وهو معنى قوله في هذه الرواية، وكذلك تكره له التجارة فيه في حين الفتن التي تكون بين المسلمين إذا خشي أن يصل شيء منه إلى من يناوئ به الإسلام، ولا بأس بالتجارة فيها إذا أمن أن يصل منها شيء إلى العدو، أو إلى من يناوئ المسلمين، فإن باع السلاح من العدو، أو ممن يناوئ المسلمين ويخرج به عليهم، أو ممن يحمل ذلك إليهم وهو عالم بذلك ومضى ذلك وفات، ولم يعلم من باعه منه ولا قدر على رده، فقد اختلف فيما يلزمه بينه وبين ربه في التوبة من ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها؛ أنه يلزمه أن يتصدق بجميع الثمن، وهذا على القول في أن البيع غير منعقد، وأنها باقية على ملكه؛ لوجوب رد الثمن على هذا القول إلى المبتاع إن علمه، والصدقة به عليه إن جهله كالربا، والثاني: أنه لا يلزمه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمته لو بيع على وجه جائز، وهذا على القول بوجوب فسخ البيع في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوات.
والثالث: أنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاستحباب مراعاة للاختلاف، وهذا على القول بأن البيع إن عثر عليه لم يفسخ، ويباع على المبتاع، وبالله التوفيق.

الروم إذا قدموا علينا برقة بالرقيق جعلوا من كل صنف عشرة

ومن كتاب الزكاة وسئل مالك فقيل له: الروم عندنا إذا قدموا علينا برقة بالرقيق جعلوا من كل صنف عشرة، فجعل ذلك أصنافا، ثم بدأ بأول صنف، فاختار منهم الرومي رأسا، ثم أخذ المسلمون من التسعة الباقية رأسا يختارونه منها، ثم يأتي إلى الصنف الآخر الثاني، فاختار منهم المسلمون رأسا ثم أتى إلى الصنف الثالث، فبدأ الرومي فاختار منهم رأسا، ثم اختار المسلمون من التسعة الباقية رأسا هكذا يفعلون، قد أحكموا ذلك وجعلوا كل صنف على حدته، فقال: أحكموه إحكام سوء.
قال محمد بن رشد: إنما عاب هذا الفعل؛ لأن الغرر فيه بين فلا يجوز ذلك؛ «لنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الغرر» وإنما الواجب في ذلك أن يقسم

الرقيق بينهم وبين المسلمين على سنة قسم الرقيق بين الشركاء؛ لأن المسلمين قد حصلوا إشراكهم فيها بالعشر باعوا أو لم يبيعوا، وهذا في أهل الحرب فتقوم كلها، فيضرب عليها بالسهام، فيخرج للمسلمين ما خرج في العشر بالقيمة رأس أو بعض رأس أو رؤوس، وبالله التوفيق.

المصاحف توجد في كنائس الروم بأرض العدو من مصاحفهم والصلب الذهب والورق

من سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى بن دينار: وقال ابن القاسم: في المصاحف توجد في كنائس الروم بأرض العدو من مصاحفهم والصلب الذهب والورق، فقال: أما الصلب فيكسرونها، ثم تقسم ولا تقسم صلبا، وأما المصاحف فتمحى.
قال محمد بن رشد: قد قال في غير هذا الموضع في المصاحف: إنها تحرق كما روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه فعل بالمصحف إذ جمع الناس على مصحف واحد، فإن كان ينتفع بها بعد محوها فمحوها أولى لبقاء المنفعة فيها للمسلمين، وإن كان لا منفعة فيها بعد محوها، فحرقها أولى؛ لأنه أقل عناء، ولا تترك على حال دون أن تحرق أو تمحى، إذ لا يجوز أن تقرأ؛ لأنها مغيرة محرفة كما أخبر الله في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]، وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: 79].

مسألة: الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه وهذه امرأة هذا

مسألة وقال ابن القاسم في الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه، وهذه امرأة هذا، يقول ذلك ثم يريد المشتري بعد ذلك أن

يفرق بينهما، إنه ليس له أن يفرق بينهما، قال: وإن باعهم الذين يجلبونهم أيضا يعني الربانيين على هذا أيضا، وقالوا: إن هذا زوج هذه، وهذه امرأة هذا أقرهم على ذلك، وليس له أن يفرق بينهما، وهذا الذي ليس فيه اختلاف من أحد.
قال محمد بن رشد: قوله في الإمام إذا باع الرجل والمرأة من السبي على أنهما زوجان: إنه ليس للمشتري أن يفرق بينهما هو على ما ذهب إليه ابن حبيب في الواضحة من أن السباء يبيح فسخ نكاح الزوجين، فإن أسلما أو أسلم أحدهما قبل أن توطأ أقرا على نكاحهما، ولم يفسخ ثبتا سبيا معا أو مفترقين خلاف قول ابن القاسم وأشهب في المدونة: إن السباء يهدم نكاح الزوجين سبيا معا أو مفترقين، فعلى قولهما فيها لا سبيل إلى تركهم على ذلك النكاح إلا بنكاح جديد من مالكهم.
وذهب ابن المواز إلى أن السباء لا يهدم نكاح الزوجين ولا يبيح فسخه سبيا معا أو مفترقين، فإن سبيت الأمة على مذهبه، ثم سبي زوجها أو قدم بأمان قبل أن توطأ بالملك فهو أحق بها، وذهب ابن بكر إلى أنه إن سبيت هي قبله فسخ النكاح بسببها، وإن سبي قبلها أو سبيا معا فاستبقا الزوج أقرا على نكاحهما، فهي أربعة أقوال: أحدها؛ إذا تقدم سبي أحدهما فلا فرق بين أن يسبى الآخر بعد ذلك، أو يقدم بأمان في حكم فسخ النكاح يجري ذلك على الاختلاف المتقدم، وإذا تقدم قدوم أحدهما بأمان، ثم سبي الآخر بعده فلا ينفسخ النكاح بإجماع، ويخير إن كانت هي التي قدمت أولا للرق الذي أصابه بالسباء ويعرض عليها الإسلام إن كانت هي التي سبيت آخرا إلا أن تعتق، إذ لا يصح أن تكون زوجة لمسلم وهي أمة كافرة؛ لقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] الآية، وبالله التوفيق.

حربي يقول لمعسكر المسلمين إن أعطيتموني امرأتي فلكم عندي أربعة من المسلمين

ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل ابن القاسم عن رومي سبيت امرأته فأتى حتى وقف قريبا من عسكر المسلمين فقال لهم: إن أعطيتموني امرأتي فلكم عندي أربعة من المسلمين أعطيكموهم نصهم بأسمائهم، فقالوا له: نعم، فذهب] فأتى بواحد، ثم آخر ثم آخر ثم جاء، فقال لهم: لم أقدر على الرابع، قال ابن القاسم: إما أن يعطوه امرأته، وإما أن يردوا إليه الثلاثة، قال عيسى: أحب إلي أن يردوا إليه امرأته، ولا يعطوه الثلاثة، ولا ينبغي لهم غير ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم ليس على ظاهره من التخيير بين الأمرين، وإنما معناه أنه لا بد من أحد الوجهين، فإذا لم يصح أحدهما لزم الثاني، وقول عيسى مبين لذلك؛ لأن قوله في أوله: أحب إلي ليس على ظاهره، ومعناه الوجوب، بدليل قوله في أخره: ولا ينبغي لهم غير ذلك، وهذا إذا كان لم يبرم العقد بينهم وبين الرومي على أن يعطوه امرأته ويعطيهم الأربعة من المسلمين، وإنما قالوا له: إن جئتنا بهم أعطيناك امرأتك، ولو انبرم العقد بينهم على هذا لكان الواجب إذا تحقق أنه لم يقدر على الرابع أن يكون له أن يأخذ امرأته، ويكون عليه قيمة ربعها على حكم الاستحقاق فيمن باع أمة بأربعة أعبد، فأعتق المشتري الأمة واستحق أحد الأعبد.
ولو لم يتحقق أنه لم يقدر عليه لكان من حق المسلمين أن يحبسوا المرأة حتى يأتي بالرابع على أصولهم في أن من حق البائع أن يمسك سلعته حتى يستوفي جميع ثمنها.

مسألة: الربانين ما يؤخذ منهم في التجارة

مسألة وسئل ابن القاسم عن الربانين: ما يؤخذ منهم؟ فقال: الذي تأخذ به من ذلك إنما هو صلح ما اصطلحوا أن ينزلوا عليه من ثلث

أو ربع أو خمس أو عشر أو ما كان من الإمام في ذلك، قيل له: فإن نزلوا على العشر بصلح، فلم يوافقهم البيع ثم أرادوا الرجوع برقيقهم ومتاعهم فقال: يؤخذ منهم العشر، ولا يشبهوا أهل ذمتنا إذا أتوا لتجارة، فلم يوافقهم البيع أولئك لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يبيعوا، قال ابن القاسم في سماع سحنون، وأصبغ ويمنعون من الوطء إن كان معهم جواري يحال بينهم وبين وطئهن حتى يباعوا للشرك الذي للمسلمين معهم باعوا أو لم يبيعوا أو فيما مات أو نقص، قال ابن القاسم: إلا أن يكونوا صولحوا على دنانير أو دراهم فلا يمنعوا من الوطء، وإن دخلوا من ذلك الموضع إلى غيره من سواحل المسلمين قبل أن يبيعوا لم يؤخذ منهم إلا ما أخذ.
قال محمد بن رشد: قوله في الربانيين إنه يؤخذ منهم إذا قدموا للتجارة ما صولحوا عليه هو مثل قوله في المدونة وروايته عن مالك خلاف رواية علي بن زياد عنه فيها أن في تجار أهل الحرب العشر.
ولا اختلاف في أن للإمام أن يمنعهم من دخول بلاد المسلمين للتجارة حتى يصالحوه على ما يأخذ منهم، وأنه إن صالحهم على أكثر من العشر لزمهم، ولم يكن لهم أن يؤدوا العشر، وإن صالحهم على أقل من العشر لزمه ولم يكن له أن يأخذ منهم أكثر مما صالحهم عليه، وإن أنزلهم على غير اتفاق ولا عادة جروا عليها أخذ منهم العشر، ولم يكن للإمام أن يزيد منهم على العشر ولا لهم أن ينتقصوه منه على القول: بأن ما صولحوا عليه يجب عليهم بدخولهم إلى بلاد المسلمين باعوا أو لم يبيعوا، وهذا لم يختلف فيه قول مالك ولا قول ابن القاسم، فاختلاف قول مالك في رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد عنه في المدونة إنما يعود في هل للإمام أن ينزلهم ابتداء على أقل من العشر، أو دون اتفاق ويأخذ منهم العشر أم لا؟ فله ذلك على رواية ابن القاسم: وليس له ذلك على رواية علي بن زياد، فإن فعل لم يكن بين الروايتين اختلاف في أنه إن أنزلهم على أقل من العشر لم يكن له أن يأخذ منهم العشر، ولا في أنه إن أنزلهم دون اتفاق ولا جري عادة

جروا عليها أن يكون له أن يأخذ منهم أكثر من العشر إلا أن يرضوا بذلك، ولا أقل منه إن طلبوا ذلك؛ لأنه يكون تاركا لبعض حق المسلمين.
وأما على قول ابن وهب في سماع أصبغ وأشهب في كتاب ابن المواز أنه لا يلزمهم أن يؤخذ منهم العشر، ولا ما صالحوا عليه إلا أن يبيعوا، فإن أنزلهم الإمام على غير إتقان ولا عادة جروا عليها فيصالحهم ما لم يبيعوا أو ينصرفوا، ولا يأخذ منهم شيئا، فإن لم يصالحهم حتى باعوا أخذ منهم العشر على كل حال، وقوله: إنهم يمنعون من الوطء صحيح؛ لأن المسلمين قد حصلوا إشراكا لهم بنفس نزولهم، وإن لم يبيعوا خلاف قول ابن وهب وأشهب.

مسألة: الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأيام

مسألة قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: تطرح الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأيام إذا لم يوف لهم.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك في طرح الضيافة عنهم هو ما فسره به عيسى بن دينار في تفسير ابن مزين قال: يقول: إذا تعدى عليهم الإمام، وأخذ منهم أكثر من فرض عمر فلا يحل لأحد من المسلمين أن يستضيفهم، ولا يأكل لهم شيئا، وهو تفسير صحيح؛ لأن عمر إنما أوجب عليهم أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا على أن يؤدوا المقدار الذي فرضه عليهم، فصار ذلك المقدار شرطا في وجوب الضيافة عليهم لمن مر بهم من المسلمين، فإذا لم يوف هم بالشرط، وأخذ منهم أكثر من ذلك سقطت عنهم الضيافة، فلا يحل لأحد أن يستضيفهم، ولا يأكل لهم شيئا.

مسألة: الجزية على أهل الذمة

مسألة قال مالك: ولا أرى أن يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعين درهما على أهل الورق، فلا أرى أن يزاد عليهم، وإن أيسروا، واحتج بقول عمر:

قد فرضت لكم الفرائض، وسننت لكم السنن.
قال محمد بن رشد: المروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه فرض الجزية على أهل الذمة أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل الورق، وذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.
والذي كان يفرض عليهم في الأرزاق على ما حكى ابن وهب نحو قفيز قمح وثلاثة أثمان زيت في كل شهر، وشيء من عسل وكسوة لم يحد ذلك، فإرادته أنه لا يزاد عليهم فيما فرضه عليهم في الأرزاق مع الذهب أو الورق كما لا يزاد عليهم في الذهب ولا في الورق، والله أعلم، ولا اختلاف أعلمه في أنه لا يزاد عليهم على ما فرضه عمر، وإن أيسروا ولا ينقصونهم منه ما كان فيهم محتمل لذلك، فإن لم يكن فيهم محتمل لحمل المفروض عليهم في الأرزاق مع الذهب والورق لم يكن عليهم إلا الذهب أو الورق، واختلفوا إن ضعفوا عن حمل الأربعة دنانير أو الأربعين درهما، فقيل: إنه يسقط عنهم الجميع، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم، وقيل: إنهم يلزمون من ذلك بقدر احتمالهم ولا حد في ذلك، قاله القاضي أبو الحسن، وقيل: إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم، وهذا في أهل العنوة الذين غلبوا على بلادهم وأقروا فيها لعمارة الأرض وفيمن استأمن على أن يكون من أهل ذمة المسلمين، وفيمن صولح على أداء الجزية مجملا دون تفسير، فإن صولحوا على أقل من ذلك أو أكثر مضى ذلك، ولزم الصلح على ما وقع عليه من قليل الجزية وكثيرها، هذا قول ابن حبيب وغيره: إن الجزية الصلحية لا حد لها في عدد ولا توقيت، وإنما هي على ما صالحوا عليه من قليل أو كثير على أن يدخلوا إلى بلاد المسلمين أو يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين، وتؤخذ الجزية منهم عن يد وهم صاغرون، وهو كلام فيه نظر، والصحيح أنه لا حد لأقلها يلزم أهل

الحرب الرضى به؛ لأنهم مالكون لأمرهم، وأن لأقلها حدا إذا بذلوه لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتلهم؛ لقوله عز وجل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29] الآية ولم أر لأحد من أصحابنا حدا في ذلك، والذي يأتي على المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة، فإذا بذل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتالهم، وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك، وإن كانوا أغنياء، وقال الشافعي: أقل الجزية دينار، فإذا بذل الأغنياء دينارا حرم قتالهم، ولا قدر لأكثرها، يريد أنه ليس لكثرة ما يبذلونه في الصلح حد لا يجوز للإمام أن يتجاوزه بخلاف أهل العنوة الذي لا يجوز للإمام أن يتجاوز فرض عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

أسلف النصراني النصراني خمرا أو خنازير فأسلم المسلف

ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وقال ابن القاسم: إذا أسلف النصراني النصراني خمرا، أو خنازير فأسلم المسلف كان عليه قيمة تلك الخنازير أو الخمر، وكذلك النصرانية تنتقد في صداقها خمرا أو خنازير، ثم تسلم قبل أن يبتنى بها وقد فات في يديها، فإنه يكون عليها غرم قيمة تلك الخنازير وتلك الخمر، قلت: فإن كان ذلك الخمر والخنازير عندها قائمة بعينها؟ قال: أرى أن تغرم قيمة ذلك وتكسر الخمر وتقتل الخنازير، قلت: فإن أسلم الذي أسلف الخمر والخنازير هل عليه أن يأخذ تلك الخنازير، فيقتلها أو تلك الخمر فيهريقها؟ قال ابن القاسم: أحب إلي أن تؤخذ الخمر والخنازير، فتكسر الخمر وتقتل الخنازير.
قال محمد بن رشد: قوله في النصراني الذي يسلفه النصراني الخمر والخنازير، فيسلم إن عليه قيمة تلك الخنازير أو الخمر صحيح على قياس قوله

في المدونة وغيرها في أن المسلم إذا استهلك الخمر للنصراني أن عليه قيمتها؛ لأنه بإسلافه مستهلك للخمر الذي دفع إليه، إذ لا يقدر أن يؤدي إليه خمره ولا خنازيره بعد إسلامه، ولم يذكر متى تقوم إن كان يوم قبضها أو يوم أسلم أو يوم يحل عليه السلف إن كان مؤجلا، والذي يجب أن يكون عليه قيمة ذلك يوم الحكم إن كان السلف حالا، وإن كان مؤجلا لم يحل بعد فقيمته يوم الحكم على أن يقبض عند أجله، وحكى ابن حبيب عن مالك من رواية مطرف عنه أنه لا شيء عليه إذا أسلم على أصله أيضا في المسلم يستهلك الخمر للنصراني إنه لا شيء عليه فيها، وكذلك النصرانية تنتقد في صداقها خمرا أو خنازير، فتسلم قبل البناء تشبه مسألة القرض؛ لأنها بإسلامها قبل البناء ينفسخ النكاح ويجب عليها أن ترد للزوج ما قبضت منه وهي لا تقدر على ذلك لإسلامها، فتلزمها القيمة، وذلك أبين إذا أسلمت والخمر والخنازير قائمة بيدها في الاستهلاك، ولا يجب عليها شيء على رواية مطرف عن مالك المذكور في الوجهين، وأما إذا أسلم الذي أقرض الخمر والخنازير فأخذ ذلك من النصراني، وقتل الخنازير وإراقة الخمر أولى من ترك ذلك كما قال وبالله التوفيق.

مسألة: أسلم نصراني إلى نصراني دنانير في خمر أو خنازير فأسلم أحدهما

مسألة قال: ولو أسلم نصراني إلى نصراني دنانير في خمر أو خنازير فأسلم أحدهما؟ قال: إذا أسلم الذي أسلم إليه الثمن رد الثمن إلى صاحبه، فإذا أسلم صاحب الثمن، فإن مالكا قال فيها: لا أدري، أخاف أن أظلم الرومي إن قضيت عليه برد الدنانير وعليه خمر أو خنازير، ولكن أرى أن تؤخذ الخمر منه وتكسر على المسلم، وتؤخذ الخنازير، فتقتل أو تطرح في مكان لا يخلص أحد إلى أكلها، يحتمل أن يكون من قول مالك، فيكون هو جوابه الذي ترجح عنده من الوجهين في المسألة بعد وقوفه فيها، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم خلافا لماله في المدونة من أنه يقضى عليه برد رأس المال

بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم، قلت: فإن رضي النصراني أن يرد عليه دنانيره؟ قال: ذلك حلال لا بأس به.
قال محمد بن رشد: توقف مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا أسلم الذي له السلم وقال: أخاف أن أظلم الرومي إن قضيت عليه بخلاف ما عليه، ولم يتوقف إذا أسلم الذي عليه السلم، وهو يقضي للذمي بخلاف ماله؛ لأن له خمرا أو خنازير، وهو يقضي عليه أن يأخذ دنانير، والفرق بين الموضعين أنه إذا أسلم الذي له السلم لم يمكن أن يقضى على الذمي بما عليه؛ لأن ما عليه يجوز له ملكه، فلما كان يمكن أن يقضى عليه بما عليه خشي أن يظلمه إن قضى عليه بخلاف ما عليه، وإذا أسلم الذي عليه السلم لم يمكن أن يقضى عليه بالخمر والخنازير؛ لأنه مسلم لا يحل له ملك ذلك، فلما لم يكن ذلك كان القضاء عليه برد رأس المال ضرورة يبيح أن يقضى للذمي بخلاف ماله، كمن أسلم فيما له إبان فانقضى الإبان قبل أن يأخذ سلمه أنه يقضى له برأس ماله، إذ لا يمكن أن يقضى له بماله وقوله: ولكن أرى أن تؤخذ الخمر عنه، فتكسر على المسلم وتؤخذ الخنازير فتقتل وتطرح في مكان لا يخلص أحد إلى أكلها، يحتمل أن يكون من قول مالك، فيكون هو جوابه الذي ترجح عنده من الوجهين في المسألة بعد وقوفه فيها، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم خلافا لماله في المدونة من أنه يقضى عليه برد رأس المال بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني، وأما إذا رضي النصراني المسلم إليه أن يرد على المسلم الذي أسلم إليه دنانيره فلا إشكال في أن ذلك حلال جائز كما قال، ولا يلزم المسلم ذلك إذا قال: أنا أريد أن آخذ الخمر أو الخنازير فأهريق الخمر، وأقتل الخنازير على القول بأن ذلك هو الذي يوجبه الحكم.

مسألة: نصراني أعطى نصرانيا دينارا في دينارين إلى شهر فأسلم أحدهما

مسألة قلت: فلو كان نصرانيا أعطى نصرانيا دينارا في دينارين إلى شهر فأسلم أحدهما أو جميعا؟ قال: إن أسلما جميعا لم يكن لصاحب

الدينار إلا ديناره، وإن أسلم صاحب الدينار لم يحل له أن يأخذ إلا ديناره، وإن أسلم الذي عليه الديناران كان عليه غرم الدينارين إلى النصراني.
قال محمد بن رشد: أما إذا أسلما جميعا أو أسلم الذي أسلم الدينار، فلا اختلاف في أنه لا يحل للمسلم إلا أن يأخذ ديناره، وإن أسلم صاحب الدينار لم يحل له أن يأخذ إلا ديناره، وإن أسلم الذي عليه الدينار لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279] الآية.
وأما إذا أسلم المسلم إليه، فقال ابن القاسم في المدونة إنه يرد إلى المسلم ديناره بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني خلاف قوله ها هنا، واختلاف قوله في هذه المسألة جار على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؟ فقوله ها هنا على أنهم غير مخاطبين بشرائع الإسلام؛ لأنك إذا قلت: إن الربا لا يحرم على الذمي وجب أن يحكم له به على الذي أسلم، وإذا قلت: إنه يحرم عليه لم يجز أن يحكم له به على الذي أسلم؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يؤكل الربا كما لا يجوز له أن يأكله، وتوقف فيها مالك في المدونة وقال: أخاف أن أظلم الذمي إن قضيت له بدينار وله ديناران إذ لم يترجح عنده أحد القولين على الآخر.

مسألة: تسالفا الخمر والخنازير ثم أسلما جميعا

مسألة قال: وكذلك إذا تسالفا الخمر والخنازير إذا أسلما جميعا لم يكن على الذي عليه الخمر ولا الخنازير قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: وهذا عندي إذا أسلما معا أو أسلم المسلف قبل المسلف، وأما إن أسلم المسلف قبل المسلف فينبغي على قياس قول ابن القاسم في أول الرسم أن يكون عليه قيمة الخمر أو الخنازير للمسلم؛ لأن ذلك قد وجب له عليه بإسلامه قبل أن يسلم هو، فلا يسقط حقه بإسلامه، وقد

مضى ما يدل على صحة هذا في أول الرسم لمن تدبره.

مسألة: نصراني أصدق نصرانية خمرا وخنزيرا وأسلم الزوج قبل البناء

مسألة قلت: فإن أسلمت النصرانية التي أخذت في صداقها الخمر والخنازير وأسلم زوجها قبل أن يبتني بها هل ترى أن يدخل بها بذلك الصداق، ويقدم لها ما يستحلها به؟ قال: النكاح ثابت، وأحب إلي أن يقدم إليها ما يستحلها به، قال عيسى: الذي آخذ به في هذا- وقد اختلف فيه- القول: أنه إذا دفع إليها ذلك، ثم أسلم قبل البناء، فإنه يدفع إليها ربع دينار ويلزمه النكاح، وإذا لم يدفع ذلك إليها حتى أسلم، فإنه يدفع إليها صداق مثلها ويلزمه النكاح، وإذا دفع إليها ودخل بها، ثم أسلم فلا شيء عليه، وإذا دخل بها ولم يدفع ذلك إليها وأسلم فإنه يعطيها صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا، وعيسى بن دينار في النصراني يتزوج النصرانية على خمر أو خنزير، فيدفع ذلك إليها، ثم يسلمان قبل البناء هو مثل قول بعض الرواة في كتاب النكاح الثالث من المدونة إن النكاح ثابت، ولا خيار للزوج فيه، وخلاف له فيما يكون على الزوج؛ لأنه لم يوجب فيه على الزوج شيئا، واستحب ها هنا ابن القاسم أن يقدم إليها ما يستحلها به، وأوجب ذلك عليه عيسى، وخلاف لقول ابن القاسم في الكتاب المذكور من المدونة في الوجهين؛ لأنه قال فيه: إن شاء أن يدفع إليه مثلها ويدخل فذلك له، وإن أبى فرق بينهما، ولم يكن له عليه شيء، كمن نكح على تفويض، ولم يختلفوا إذا أسلما قبل البناء، وقبل أن يدفع ذلك إليها في أنه مخير بين أن يدفع إليها صداق مثلها ويدخل أو يفرق بينهما ولا شيء عليه، وأما إذا أسلما بعد البناء أو بعد أن دفع إليها ذلك، فلا اختلاف في أن النكاح ثابت ولا شيء عليه، واختلف إن كان إسلامهما بعد الدخول، وقبل أن يدفع إليها ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يدفع إليها صداق مثلها، وقال سحنون: لا

شيء عليه، فهذا تحصيل هذه المسألة؛ لأنها تنقسم على أربعة أقسام يتفق على الوجهين منها، وهما إذا كان إسلامهما قبل الدخول وقبل القبض، أو بعد الدخول وبعد القبض، ويختلف في الوجهين منهما، وهما إذا كان إسلامهما قبل الدخول وبعد القبض أو بعد الدخول وقبل القبض على ما قد ذكرناه في ذلك كله.
وقول ابن القاسم في هذه المسألة في المدونة يأتي على قياس قول ابن أبي حازم، وابن دينار في النصرانيين يتبايعان الخمر والخنزير فيسلمان أو أحدهما قبل أن يقض البائع الثمن إنه ليس له قبضه بعد الإسلام، وقول بعض الرواة فيها وقول ابن القاسم وعيسى بن دينار في هذه الرواية يأتي على قياس قول أشهب والمخزومي وابن المواز إن له قبضه بعد الإسلام فتدبر ذلك.

مسألة: لحكم المسلمين أن يقضي بين أهل الذمة فيما يتظالمون فيه من الأموال

مسألة قلت: فهل لحكم المسلمين أن يقضي بين أهل الذمة فيما يتظالمون فيه من الأموال أو من البيوع والرهون والغصب؟ فقال: نعم، ذلك الذي يحق عليه، قلت: ففي أي شيء يترك الحكم بينهم؟ قال في حدودهم وعتقهم وطلاقهم وبيع الربا التي يتبايعون بها من الدرهم بالدرهمين، ونحو هذا ونكاحهم ووجه غير واحد، وأما القتل والجراح والغصب والأموال التي يتظالمون بها فإن على حكم المسلمين أن ينظر بينهم.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا موافق لما في المدونة وغيرها لمالك وأصحابه لا اختلاف بينهم في أن على حكم المسلمين أن يحكم بينهم فيما يتظالمون فيه، وأنه مخير فيما سوى ذلك من حدودهم ونكاحهم وطلاقهم وبيوع الربا التي يتبايعون بها فيما بينهم إن ترافعوا إليه إن شاء حكم بينهم في ذلك، وإن شاء ترك لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] الآية إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42] أي بحكم التوراة؛ لأن الآية نزلت في تحكيم اليهود النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في اللذين

زنيا منهم فحكم عليهما بالرجم على ما في التوراة، فوجب أن يقاس على ذلك ما كان في معنى الحد من سائر شرائعهم، وأن يكون الإمام مخيرا في الحكم بينهم في ذلك إن حكموه فيه، وأما ما يتظالمون فيه فمن الحق على الإمام أن يحكم بينهم في ذلك، ويكف بعضهم عن بعض، وإن لم يحكموه في ذلك ويكف غيرهم أيضا عن ظلمهم؛ لأنه إنما أخذ الجزية منهم على ذلك، فهو من الوفاء بالعهد لهم، ولا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، وقد قيل: إن قوله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] معناه عند مالك فيما يتظالمون فيه، وقيل: إن معناه في غير التظالم من الحدود وغيرها، وإن المراد بذلك إن حكمت على ما توجبه الآية الأخرى من التخيير، وأصح ما قيل في هذا أن قوله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] معناه وأن احكم بينهم بما أنزل الله في التوراة إن حكمت، وأن قوله عز وجل: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48] في القرآن إن حكمت، وأن هذه الآية ناسخة الحكم بالتوراة لا التخيير في الحكم، إذ قد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحكم بينهم إلا بما في القرآن، وقد قيل: إنهما ناسختان للتخيير في الحكم، وإنه لا يجوز للإمام ردهم إلى حكامهم إذا حكموه، وذهب إلى هذا بعض أهل العراق، وهو بعيد؛ لأن النسخ حكم مبتدأ لا يكون معطوفا على ما قبله، فعطف هاتين الآيتين على آية التخيير يدل على أنهما غير ناسختين لآية التخيير، والله أعلم.

مسألة: نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة هل يحل النظر لشعورهن

مسألة وسئل ابن القاسم: عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر هل يحل للرجل أن ينظر إلى شعورهن؟ فقال: لا يحل لمسلم أن ينظر إلى شعورهن ولا إلى شيء من عوراتهن، فقيل له: أليس هن بمنزلة الإماء؟ قال لا: بل هن حرائر؛ لأن دية من قتل

منهن خمسمائة، ومن أسلم منهن كان حرا، فهن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار.
قال محمد بن رشد: حكم لأهل العنوة في هذه الرواية بحكم الأحرار، ووجه ذلك أنه جعل إقرارهم في الأرض لعمارتها من ناحية المن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] والمن العتاقة، فعلى هذا تكون لهم أموالهم إذا أسلموا، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة، واحتج بظاهر قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أسلم على شيء فهو له» خلاف رواية سحنون بعد هذا.
وتفرقة ابن المواز في ذلك بين ما كان بأيديهم يوم الفتح، وبين ما استفادوه بعد الفتح ليست جارية على قياس؛ لأن إقرارهم لعمارة الأرض إن كان عتقا لهم، فيجب أن يكون ما كان لهم من مال تبعا لهم بمنزلة ما استفادوه بعد ذلك، فلا ينزع منهم بإسلامهم، وإن لم يكن عتقا لهم، فلا يكونون بإسلامهم أحرارا ولا يكون لهم شيء من أموالهم، ووجه قول ابن المواز أنه جعل حكم ما كان لهم من المال يوم الفتح حكم الأرض في سقوط ملكهم عن ذلك كله، وذلك خلاف قول ابن القاسم في المسألة التي في رسم إن خرجت بعد هذا في الجارية التي بيعت في المغانم، ومعها دنانير أو دراهم إنها تكون للجيش إلا أن يستثنيه المبتاع على الحديث، فجعل العبد ملكا لما سبي معه من ماله حتى ينتزع منه، وقوله: لأن دية من قتل منهن خمسمائة يريد من حساب خمسمائة؛ لأن دية الرجال منهم خمسمائة والنساء على النصف من ذلك.

اشترى جارية من الخمس فوجد معها مالا

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق وسئل ابن القاسم عمن اشترى جارية من الخمس، فوجد معها مالا ما يصنع به؟ ولم يستثنه بمثل الاشتراء، قال ابن القاسم: إذا كانت دنانير أو دراهم أو أمرا لا يشبه أن يكون من هيئتها ولباسها

فإنه لجماعة الجيش، وذلك أن الليث بن سعيد حدثني عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله عن عمر عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «من باع عبدا فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
قال محمد بن رشد: ظاهر دليل هذه الرواية إن ما كان من هيئتها ولباسها، فإنه للمبتاع، وإن كان كثيرا خلاف ما مضى في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد.
والذي في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد هو الصحيح [إذ] لا يصح أن يكون للمبتاع من هيئتها ولباسها إذا كان كثيرا إلا إذا كان ذلك عليها عند البيع وعلم بذلك البائع على ما قد بيناه في سماع أشهب.
قال ابن دحون: فلو أراد رد ما معها من مال ليس من هيئتها ولباسها، فوجد الجيش قد تفرق أخذه لنفسه، وقيل: يتصدق به، وقد مضى القول على هذا المعنى في مسألة الصليب من سماع أشهب.

يدخل أرض العدو ويشتري امرأته جاهلا بها أو عالما أنها امرأته

ومن كتاب أوله: إن أسلم وله بنون صغار وسئل ابن القاسم: عن الرجل يدخل أرض العدو، ويشتري امرأته جاهلا بها أو عالما أنها امرأته؟ قال إذا اشتراها وهو لا يعلم أنها امرأته كان ما اشتراها به دينا عليها يتبعها به، فإن كان اشتراها وهو يعلم أنها امرأته، فلا شيء عليها؛ لأنه كان يخلصها لنفسه.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يفدي امرأته من أرض العدو، وهو يعلم أنها امرأته: إنه لا يتبعها بما فداها به هو على معنى ما في المدونة في المكاتب يؤدي كتابته ومعه امرأته إنه لا يرجع عليها بشيء، قال ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك وعن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم إلا أن يكون فداها بأمرها، وطلبها فإنه يرجع عليها، قال فضل: معناه أن تقول له

افدني، وأعطيك الفداء، فيكون من جنس السلف، وظاهر قول ابن حبيب: أنه يرجع عليها بما فداها به إذا فداها بأمرها، وإن لم تقل له افدني وأنا أعطيك الفداء خلاف ما ذهب إليه فضل، وكذلك إذا فدى من بلاد الحرب من يعتد عليه، وهو عالم لا يرجع علميه بما فداه به على معنى ما في المدونة إذا كان معه في الكتابة، فأداها أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن حبيب في الواضحة أيضا إلا أن يفديه بأمره، فيرجع عليه، واختلف إذا فداه وهو لا يعلم أنه ممن يعتق عليه، فقال ابن حبيب: إنه لا يرجع عليه بخلاف الزوجة، وقال سحنون: إنه يرجع عليه كالزوجة، وأما ذوو المحارم الذين لا يعتقون عليه، فجعل ابن حبيب في الواضحة سبيلهم كسبيل الزوجين لا يرجع من فدى منهم صاحبه من بلد الحرب، وهو عالم به عليه بما فداه به إلا أن يأمره بذلك، وعلى معنى ما في المدونة في الذي يؤدي كتابته، ومعه فيها من ذوي محارمه من لا يعتق عليه أنه يرجع عليه إذا فداه من بلد الحرب علم به، أو لم يعلم أمره، أو لم يأمره كما لأجنبيين، وأما ذوو الرحم الذين ليسوا من ذوي المحارم، فلا اختلاف أعلمه في أنهم كالأجنبي، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة على المذهب، وقد مضى في أول سماع أشهب من كتاب الجهاد ما في خارجه من الخلاف في ذلك.

النفر من العدو ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيد المسلمين أو بعض الأحرار

ومن كتاب أوله يدبر ماله وسئل ابن القاسم عن النفر من العدو ينزلون بأمان، فإذا فرغوا سرقوا عبيد المسلمين أو بعض الأحرار، واحتملوهم فذهبوا بهم، ثم رجعوا وهم معهم، فنزلوا على أمان، ولم يعرفوا فأرادوا أن يبيعوهم، قال: لا يتركوا وذلك، وأرى أن ينزعوا منهم، ولا يتركوا أن يبيعوا الأحرار، ويطؤا المسلمات، فكلم في ذلك، وقيل: إنهم قد صاروا حربا حين رجعوا إلى بلادهم، وقد حازوهم، واستأمنوا فنزلوا على أمان، فهو بمنزلة ما حازوا من أموال المسلمين، ثم استأمنوا وهو في أيديهم، فأبى ذلك وقال: ينتزعون منهم ولا يتركون أن يطئوا المسلمات ويبيعوا

الأحرار وعبيد المسلمين، وإنما مثل ذلك عندي مثل ما لو نزلوا بأمان فداينوا المسلمين ثم هربوا وخرجوا والدين عليهم، ثم رجعوا ونزلوا بأمان أليس يقضى عليهم بتلك الديون؟ قال: نعم يقضى عليهم وتؤخذ منهم، وكذلك هذا عندي.
رجع ابن القاسم، وقال: لا إلا أن يخرجوا من أيديهم، وأرى أن يوفى لهم؛ لأنهم قد أحرزوهم ولا يتبعوا بما داينوا عليه المسلمين؛ لأن العهد والأمان شديد.
قال محمد بن رشد: ولا ينبغي للإمام أن ينزلهم على قول ابن القاسم الأول على أن لا يؤخذ منهم شيء من ذلك إن سألوا الأمان على ذلك، فإن فعل ولم تكن به قوة على محاربتهم إن ردهم إلى مأمنهم أنفذ الشرط لهم، ولم ينتزع منهم شيئا من ذلك، من أجل ذلك إنهم قد نصوا ذلك نصا قاله ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن حبيب.
وهذا نحو ما روي عن ابن القاسم في أهل الحرب يقدمون بأمان للتجارة، فيشترطون ألا يرد عليهم إلا من جنون، أو جذام أو برص أن لهم شرطهم خلاف قول سحنون، وقال ابن الماجشون: لا ينفذ لهم الشرط، ويخيرهم الإمام على كل حال بين أن يؤخذ ذلك منهم، أو يردهم إلى حالهم من الحرب، وروى ابن وهب أن الشرط باطل، فيأخذ الإمام ذلك منهم كله ولا يخيرهم بين أن يطوعوا بذلك أو يردهم إلى حالهم من الحرب، ولم يقل ابن القاسم هل للإمام في القول الثاني إذا اطلع على ما في أيديهم من هذه الأشياء أن يخيرهم بين أن يردوها طوعا أو يردهم إلى حالهم من الحرب كما قال في آخر رسم الكبش من سماع يحيى في أهل الذمة، وينبغي أن يكون ذلك له قياسا عليها، وإن كان ذلك في أهل الذمة أبين لما قد ذكرناه فيها من المعنى، وبالله التوفيق.

الاشتراء من أرض الكنيسة تكون عرصة الكنيسة أو حائطا

ومن كتاب النسمة وسئل مالك عن الاشتراء من أرض الكنيسة تكون عرصة الكنيسة أو حائطا، فباع ذلك أسقف أهل تلك البلدة وهو الناظر لها

والقائم عليها، فهل ترى للرجل أن يتعمد الاشتراء منها؟ فقال: لا إن كانت تلك القرية أخذت عنوة بغير صلح، فلا ينبغي للأسقف أن يبيع منها شيئا، ولا يشتري أحد منه؛ لأنها فيء الله على المسلمين، وإن كانت مما افتتح بصلح، فلا أرى بأسا إذا كانوا يودون ما عليهم من الصلح أن يبيعوا ما شاءوا.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم في هذه الرواية للرجل أن يشتري من أسقف البلدة الناظر فيها والقائم عليها ما باع من عراص الكنائس والحوائط المحبسة عليها إذا كانت الأرض أرض صلح، ومنع من ذلك في رواية أصبغ بعد هذا، فوجه إجازته لذلك في هذه الرواية أنهم أهل ذمة أقروا في بلادهم وأخذت منهم الجزية على أن يخلى بينهم، وبين إقامة شرائعهم وفعل ما يستبيحون فعله في أديانهم، فإذا قالوا: إن من ديننا جواز بيع عراص الكنائس والحوائط المحبسة عليها جاز ابتياع ذلك منهم كما يجوز ابتياع أرض من مات، وماله ممن قالوا: إن هذا هو وارثه في ديننا، وإن كان غير وارث عندنا، وسنتكلم في رواية أصبغ على وجه منعه من ذلك إذا مررنا بذلك إن شاء الله، وأما أرض العنوة، فلا يجوز لهم أن يبيعوا منها شيئا؛ لأن جميعها فيء الله على المسلمين: الكنائس وغيرها، وقد اختلف إذا تركوا فيها لعمارتها، فقيل: إنها تهدم، وقيل: إنها لا تهدم، ويباح لهم عمارتها على أنها ملك للمسلمين لا لهم، وبالله التوفيق.

الأسير من العدو يصير لرجل من المسلمين فيفدي نفسه من سيده بوصيفة

ومن كتاب الجواب وسألته عن الأسير من العدو يصير لرجل من المسلمين، فيفدي نفسه من سيده بوصيفة يدفعها إليه، فتستحق حرة يستحقها رجل أنها ابنته أصابها العدو، وقد لحق الأسير بأرضه أو لم يلحق، قال ابن القاسم: الجارية حرة ثم لا يتبع بشيء قليل ولا كثير؛ لأن الأسير وماله للمسلمين، فإن كان في ماله أحرار أو حرة وقد كان أحرزهما

في أرضه خلي سبيلهما، ولم يكن عليهما شيء، وكانا كما غنم المسلمون من ذلك مما كان العدو قد سبوه وأحرزوه، فهذه الجارية في مسألتك حرة على كل حال متى ما علم بذلك لا يتبع بشيء لا بثمن ولا بقيمة، ويرجع السيد على العلج بقيمة الجارية، بمنزلة عبد اشترى نفسه من سيده بجارية، أو مكاتب قاطع سيده بجارية فاستحقت فسيده يرجع عليه بقيمتها قيمة الجارية، فكذلك الأسير، وليس الأسير الذي يسبى فيما كان من الأحرار بمنزلة الذي يدخل بأمان، فإذا دخل بأمان وهم معه فهم له مال من ماله لا يعرض لهم فيه ولا يحال بينه وبين بيع ولا وطء، فإن اشتراهم أحد فهم أحرار لا يسترقون، ويتبعهم المشتري بالأثمان بمنزلة ما اشترى منهم بدار الحرب ويخرج بهم سواء.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن الأسير الذي صار لرجل من المسلمين فدى نفسه من سيده بوصيفة له ببلد الحرب على أن يستخرجها ويدفعها إليه، فتستحق حرة إذا استخرجها ودفعها إليه، ولهذا قال: إن السيد يرجع عليه بقيمتها كالعبد يشتري نفسه من سيده بجارية يريد موصوفة، فتستحق أن السيد يرجع عليه بقيمتها، والوجه في ذلك أنها لم تكن عنده يوم افتدى بها نفسه حكم لها بحكم الموصوفة، ولو كانت عنده يوم فدى بها نفسه بأن تكون كانت سبيت معه، فلم تنزع منه حتى بيعت معه من هذا الرجل، فأخذها منه وسرحها لم يكن له عليه رجوع بقيمتها على مذهبه في المدونة فيمن أعتق عبده على جارية بيده فاستحقت بحرية منه أو ملك أنه لا رجوع له عليه بقيمتها؛ لأنه كأنه إنما انتزعها منه وأعتقه، وقوله: إن الجارية حرة بكون الأسير ملكا للمسلمين بالسباء إذا كان قد أحرزها في بلاد الحرب خلاف قول ربيعة في المدونة في الذي اشترى عبدا من الفيء، فدل سيده على ماله في أرض العدو أن ذلك المال مال حرب ليس للسيد، ولا للعبد فيه شيء ولا للجيش، إذا كان إنما دله عليه في جيش آخر، وخلاف مذهب ابن القاسم

وروايته عن مالك في الذي أسلم في بلاد الحرب، وخرج مسلما وخلف أهله وماله وولده في بلد الحرب، فغزا المسلمون تلك الدار، فأصابوا أهله وماله وولده في بلد الحرب أنهم فيء لذلك الجيش، مثل قول بعض الرواة في كتاب النكاح: إن ملكه لا يسقط عن ماله فهو أحق به إن أدركه قبل القسم بغير الثمن وبعده بالثمن، وأما قوله في الذي يدخل بأمان، وبيده أسرى للمسلمين: إنه لا يعرض لهم فيه ولا يحال بينه وبينهم في بيع ولا وطء، فهو معلوم من مذهب ابن القاسم، وقد تقدم ذلك والقول فيه في سماع سحنون من الجهاد وفي غير ما موضع.

باع من حربي في عهدة سلعة بدينار أو أسلفه دينارا فسبي الحربي

ومن كتاب العتق وقال ابن القاسم في رجل باع من حربي في عهدة سلعة بدينار أو أسلفه دينارا، فسبي الحربي وأخذ له مال هل يكون المسلف أو البائع أحق بماله من الجيش، وإن كان الحربي قد استودع مسلما وديعة أو كانت له عليه دنانير من سلف أو بيع، قال: أما ما كان له من مال عند مسلم من وديعة أو بيع أو سلف أو غير ذلك، فحيثما وجد له مال فهو فيء لجميع المسلمين، فإن كان عليه دين، فغرماؤه أحق به إذا كان على ما ذكرت مما كان له في الإسلام من وديعة، أو دين وكل ما لم يوجب عليه بخيل، ولا ركاب، فأما ما أوجف عليه بالخيل والركاب، فالمسلمون أحق به من غرمائه وهو لهم.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع أصبغ بعد هذا سواء والفرق بين ما كان له في بلد الإسلام، وبين ما غنم من ماله في بلاد الحرب أن من عامله أو أسلفه إنما عامله أو أسلفه على ما خرج به إلى بلد الإسلام لا على ماله في بلاد الحرب لامتناعه فيه، فلم يتعين له فيه حق، وقد وجب ذلك لمن غنمه لقوله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية ولا

يعارض هذا ما في آخر كتاب التفليس من المدونة في المرتد يهرب بماله إلى بلد الحرب، فقاتل مع المشركين، فغنم المسلمون ماله أنه يبدأ فيه بما عليه من الديون، ويكون الباقي فيها للجيش؛ لأن الغرماء إنما عاملوه على ماله الذي هرب به، وقد كان وجب لغرمائه من الحق أن يبدءوا بحقوقهم فيه، فليس هروبه بالذي يسقط حقهم فيه، ولو هرب إلى بلاد الحرب بغير مال، فاكتسب فيه مالا وغنم المسلمون لما وجب لغرمائه فيه حق على هذا التعليل، ولو أن الحربي على قياس هذا لما استأمن عامل الناس، فاستسلفهم واشترى منهم بالديون، ثم هرب بماله إلى بلد الحرب فغنمه المسلمون، وعلم أنه المال بعينه الذي هرب به وعامله عليه المسلمون لوجب أن يبدءوا فيه بديونهم، ويكون الباقي فيئا لجميع المسلمين على حكم مال المرتد إذ ليس بملك معين على أصلهم فيما وجد في الغنيمة من أموال المسلمين أنه يقسم، وإن علم أنه للمسلمين إذا لم يعلم صاحبه بعينه وبالله التوفيق.

علجين من أهل الحرب خرجا إلى دار الإسلام برقيق لهما فأسلم أحدهما

ومن سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن علجين من أهل الحرب خرجا إلى دار الإسلام برقيق لهما ومنها ما من بلادهما، فلما خرجا إلى دار الإسلام أسلم أحدهما فقال: لو أقاما على النصرانية جميعا أو أسلما جميعا قسمت بينهما كل ما كان في أيديهما مما تداعيا فيه إلا أن يعرف ذلك في يد أحدهما دون صاحبه، فأما إذا أسلم أحدهما، فأمر المقيم على دينه إلى الإمام، والإمام فيما كان في أيديهما على مثل دعوى النصراني.
وإن أقر النصراني أنه لا حق له في الرقيق والمتاع، وقد كان يعرف جميع ذلك في أيديهما لم ينتفع المسلم بذلك الإقرار؛ لأنه بمنزلة العبد، ولكن للإمام أن يقاسم المسلم إذا لم يعرف

لواحد منهما دون صاحبه، قيل له: فإن أنكر أولئك الرقيق أن يكونوا لهما أو في أيديهما أو ادعوا الحرية.؟ قال: فهم أجمعون بمنزلة واحدة لا يرق أحد منهم لصاحبه إلا أن يقوم لأحدهم بينة أن هؤلاء الرقيق أو بعضهم معروفون في يديه يستحقهم بذلك، قال ابن القاسم: ومن أسلم منهم فماله له، ولا سبيل عليه، ومن أقام على دينه وخرج بغير عهد فأمره إلى السلطان أن يضرب عليه الجزية أو يصنع في أمره أحسن ما يراه نظرا للعامة.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة والذي تكلم عليه فيها أن العلجين خرجا برقيق لهما بغير عهد ولا أمان، ولو خرجا بأمان وعهد لم يكن للإمام في رقيقهما كلام أسلما، أو لم يسلما، أو أسلم أحدهما؛ لأنها أموالهما لا يصح انتزاعها منهما أسلما أو لم يسلما فيقسمانها بينهما على كل حال، وإذا كانا قد خرجا بغير عهد ولا أمان، فأمرهما إلى السلطان؛ لأنهما وما في أيديهما من الرقيق فيء لأهل الإسلام أسلما أو لم يسلما؛ لأن من خرج بغير عهد، فأخذه الإمام فالنظر فيه إليه بما ينظر فيه في الأسرى إن رأى أن يقتله قتله، وإن رأى أن يسترقه استرقه، فإن أسلم حرم قتله، وبقي رقيقا للمسلمين، فقوله في هذه الرواية إن أسلما جميعا قسمت بينهما كل ما كان في أيديهما، وإن أسلم أحدهما فأمر المقيم على دينه إلى الإمام، ومن أسلم منهم فماله له ولا سبيل عليه معناه إذا كان إسلامهما أو إسلام من أسلم منهما قبل أن يعثر عليه، وبهذا التأويل تستقيم المسألة؛ لأن من أسلم منهما قبل أن يعثر عليه، فهو حر يكون له ماله، ولا سبيل إلى استرقاقه، ومن لم يسلم حتى عثر عليه وأخذ يكون هو وماله فيئا للمسلمين، وإن أسلم بعد ذلك، إلا أن قوله: لو أقاما على النصرانية جميعا [قسمت بينهما] كل ما كان في أيديهما، فإنه لفظ وقع على غير تحصيل، ويحتمل أن يكون معناه إذا رأى الإمام من النظر أن يعقد لهما الذمة، ويضرب عليهما الجزية ويقر أموالهما بأيديهما، فهذا مما للإمام أن يفعله إن رآه وجه النظر

على ما قد مضى في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الجهاد.

مسألة: الرجل يصيب العدو امرأته ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداة

مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يصيب العدو امرأته، ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداة أو التجارة، فيجد امرأته فتقول له: افدني وأنا أضع عنك مهري، ففداها ثم خرج بها أيكون مهرها موضوعا عنه؟ فقال: إن كانت قالت له: افدني ولم توقت شيئا للفدية لم يحل ما تعاملا عليه، فداها بمثل الذي كان عليه أو أقل أو أكثر من صنفه، أو من غير صنفه؛ لأنهما تخاطرا إذا لم تنص شيئا معلوما في فديتها تضع المهر به، فالمهر له لازم وغرم ما افتداها به لازم للمرأة تؤديه إلى الرجل، قال: فإن نصت شيئا معلوما يفديها به، فإنه ينظر إلى ما كان عليه من المهر، وإن كانت عليه دنانير، وسألته أن يفديها بدراهم لم يصلح ذلك بقليل الدراهم، ولا كثيرها إلا أن تقبض هي الدراهم على وجه المصارفة والاقتضاء للذي عليه من المهر، فيتصارفان فيه قبل أن يفترقا، ثم تدفع ذلك إليه يفديها به، قال: وكذلك إذا كان المهر دراهم، فسألته أن يفديها بدنانير تنصها؛ لأن الصرف يدخله وهو لا يحل إلا بالمناجزة وذلك إذا كان المهر حالا، قال: وإن كان الذي عليه الدنانير، فأمرته أن يفديها بدنانير على أن تضع المهر عنه، فإن كان المهر حالا فلا بأس أن يفديها بمثل الذي عليه لها من دنانير المهر، وبأقل وبأكثر بعد أن ينص ما يفديها به، فيخرجان من حد المخاطرة والقمار، وذلك إذا نصت ما تفدى به من الدنانير على أن تضع عنه مهرا حالا من دنانير، فإن كان الذي سألت أن تفدى به أقل من مهرها، فقد رضيت أن تقتضي من دين لها حال بعضه وتترك بعضه، وإن كان قدر المهر، فهو الاقتضاء بعينه، وإن نصت أكثر من المهر فرضي الزوج بذلك وهو حال عليه

فهو رجل قضاها حقها وتطوع لها بالزيادة في افتدائها، قال: وإن كان المهر دنانير أو دراهم لم تحل بعد لم يصلح له أن يفتديها بأقل من الذي عليه؛ لأنه إن كان بأقل كان من وجه الوضيعة عنه على تعجيل القضاء، وإن كان أكثر، فلا خير فيه؛ لأنه يدخله بيع الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل، وهو مما لا يحل، قال: وإن كان الذي عليه من المهر عروضا، فأسلك بها سبيل الذهب والورق إن أرادت أن يفتديها بمثل تلك العروض في جودتها وجنسها، ولا بأس إذا كانت عليه دنانير أو دراهم أن يفتديها من العروض بما أحب من قليل أو كثير، حل أجل المهر أو لم يحل إذا نصت ما تفتدي به من المهر، وكذلك إذا كان المهر عروضا، فلا بأس أن يفتديها بما أحب من العروض المخالفة التي عليه أو بالدراهم والدنانير بأقل من ذلك أو أكثر حل أجل المهر، أو لم يحل إذا كان في جميع ما وصفت لك تعجيل الفدية ولا يؤخرها، فإن تأخرت فيما أجزت له من اختلاف العروض واختلاف الدنانير والدراهم والعروض لم يصلح؛ لأن الدين بالدين يدخله، وإن كان المهر الذي عليه طعاما لم يصلح أن يفديها شيء من الأشياء غير صنف ذلك الطعام لا بقليل الفدية، ولا بكثيرها؛ لأن بيع الطعام قبل الاستيفاء يدخله، ولا بأس أن يفتديها من الطعام بمثل الذي وجب عليه لها من صنفه في قدر مكيلته حل أجل المهر أو لم يحل، وإن لم يحل الأجل لم يصلح أن يفتديها بأقل من المكيلة من صنف الطعام ولا بأكثر من المكيلة.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وإن كان المهر دنانير أو دراهم لم تحل بعد ففداها بأكثر مما عليه، فلا خير فيه لأنه يدخله بيع الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل وهو مما لا يحل، ليس بصحيح؛ لأنه عجل لها حقها وزادها فلا يدخله شيء؛ لأن له أن يعجل العين بخلاف العرض، ولو كان المهر الذي عليه عرضا لم يجز أن يفتديها بأكثر منه ولا بأقل؛ لأنه في الأكثر حط عني

الضمان وأزيدك، وفي الأقل ضع وتعجل، وفي قوله آخر المسألة: ولا بأس أن يفتديها من الطعام بمثل الذي وجب عليه لها من صنفه في قدر مكيلته حل أجل المهر، أو لم يحل نظر؛ لأن من أسلم إلى رجل في طعام فلا يجوز له أن يأخذ منه في غير البلد قبل الأجل مثل طعامه، فلا يصح قوله إلا إذا أعطى الطعام في البلد الذي كان عليه الطعام فيه، وسائر المسألة كلها صحيح على أصولهم في البيوع بينة المعنى فلا وجه للكلام فيها.

يهلك من أهل الصلح والعنوة ممن لا يدع وارثا يرثه أيرثه المسلمون

ومن كتاب الصلاة وسئل ابن القاسم: عمن يهلك من أهل الصلح والعنوة ممن لا يدع وارثا يرثه أيرثه المسلمون عامة؟ فقال: أما أهل الصلح، فميراث من لا وارث له منهم من ذوي قرابته لأهل مواده لا يكون من مواريثهم شيء للمسلمين، وذلك أن موته لا يضع عمن بقي من أصحابه شيء مما صالحوا عليه فميراثه لهم وجزيته عليهم، وأما أهل العنوة فإن من مات منهم ولا وارث له من ذوي قرابته فميراثه للمسلمين، قيل له: كيف يعرف إن كان ترك وارثا أو لا وفرائضهم في سنتهم مخالفة لفرائضنا؟ فقال: ترد ذلك إلى أساقفتهم، فإن قالوا: ليس له وارث يرثه في ديننا من ذوي قرابته أخذ ميراثه للمسلمين، وإن قالوا: ترثه خالته أو عمته أو ذات رحم من جميع ماله في ديننا وفرائضنا، وإن تباعدت قرابتها وقرابة من ورثه من أساقفتهم من رجال قرابته أو نسائهم فذلك إليهم يدينونه.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل العنوة: إن من مات منهم ولا وارث له من ذوي قرابته، فميراثه للمسلمين هو مثل ما في سماع يحيى أيضا من كتاب الاستلحاق أنهم في موارثيهم وأهل الصلح سواء ومثل ما في الواضحة، وهذا يأتي على رواية عيسى عن ابن القاسم التي تقدمت في هذا الكتاب: أنهم أحرار ولا ينظر إلى شعور نسائهم، وتكون دية من قتل منهم

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
الأحكام بين المسلم والكافر في الهدنةقوم من تجار العدو يأتون المسلمين وقد تقدم إليهم ألا ينزلوا إلا بموضع مسمى لهمالرجل يبتاع من رقيق العجم فيريد بيعهم من النصارى قبل أن يسلمواالديباج يباع من الرومأعياد الكنائس يجتمع المسلمون إليها يحملون إليها الثياب والأمتعةقوم أرادوا أن يبيعوا أمة ومعها ابن لها حر صغير لا يستغني عن أمهالخروج إلى أرض الشرك في البر والبحر للتجارةاشتراء النوبة والبجةالتجارة في النبل والسيوف والسلاحالروم إذا قدموا علينا برقة بالرقيق جعلوا من كل صنف عشرةالمصاحف توجد في كنائس الروم بأرض العدو من مصاحفهم والصلب الذهب والورقمسألة: الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه وهذه امرأة هذاحربي يقول لمعسكر المسلمين إن أعطيتموني امرأتي فلكم عندي أربعة من المسلمينمسألة: الربانين ما يؤخذ منهم في التجارةمسألة: الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأياممسألة: الجزية على أهل الذمةأسلف النصراني النصراني خمرا أو خنازير فأسلم المسلفمسألة: أسلم نصراني إلى نصراني دنانير في خمر أو خنازير فأسلم أحدهمامسألة: نصراني أعطى نصرانيا دينارا في دينارين إلى شهر فأسلم أحدهمامسألة: تسالفا الخمر والخنازير ثم أسلما جميعامسألة: نصراني أصدق نصرانية خمرا وخنزيرا وأسلم الزوج قبل البناءمسألة: لحكم المسلمين أن يقضي بين أهل الذمة فيما يتظالمون فيه من الأموالمسألة: نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة هل يحل النظر لشعورهناشترى جارية من الخمس فوجد معها مالايدخل أرض العدو ويشتري امرأته جاهلا بها أو عالما أنها امرأتهالنفر من العدو ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيد المسلمين أو بعض الأحرارالاشتراء من أرض الكنيسة تكون عرصة الكنيسة أو حائطاالأسير من العدو يصير لرجل من المسلمين فيفدي نفسه من سيده بوصيفةباع من حربي في عهدة سلعة بدينار أو أسلفه دينارا فسبي الحربيعلجين من أهل الحرب خرجا إلى دار الإسلام برقيق لهما فأسلم أحدهمامسألة: الرجل يصيب العدو امرأته ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداةيهلك من أهل الصلح والعنوة ممن لا يدع وارثا يرثه أيرثه المسلمون
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل