كتاب الاستحقاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
العبد في يديه بشيء، ويرجع هذا الذي استحق العبد من يده على أخيه الذي بقي العبد في يديه، فيأخذ منه ثلثه، ويبقى ثلثاه، فإن أخذ لهذا المستحق ثمن، كان ثلثا الثمن للذي استحق العبد من يديه، وثلثه للذي بقي العبد عنده، فإن لم يؤخذ له ثمن لم يكن للذي استحق العبد في يديه إلا ثلث العبد الباقي.
قال الإمام القاضي: المعنى في هذه المسألة أن العبيد الثلاثة، تساوت قيمتهم، فأقسموهم بالقرعة؛ لأن القسمة بالقرعة هي التي يختلف فيها، هل هي تمييز حق أو بيع من البيوع؟ ويتخرج فيها على القول بأنها تمييز حق ثلاثة أقوال؛ أحدها قول ابن القاسم هذا، وهو قول مالك في سماع أشهب، من كتاب القسمة؛ أن كل واحد منهم يضمن حقه الذي تميز له بالقسمة، فتكون مصيبته منه إن مات في يديه، فاستحق نصيب أحدهم، لم يكن للمستحق منه أن يرجع عليه بشيء، ولا كان له هو أن يرجع على من بقي حظه في يديه بشيء؛ لأن القسمة قد مضت فيما بينه وبينهما جميعا، لتلاف جميع حظه الذي تميز له بالقسمة في يديه بغير سببه، وتنتقص القسمة فيما بين الذي استحق نصيبه من يديه، وبين الذي بقي العبد في يديه، فيرجع عليه بثلثه؛ لأنه باع منه ثلثه بثلث العبد الذي استحق من يديه، فإن أخذ لهذا العبد المستحق ثمن، كان ثلثاه للمستحق منه، وثلثه للذي رجع عليه بثلث العبد، فيكون للمستحق منه العبد، ثلث العبد، الباقي، وثلثا الثمن، فاستويا لانتقاص القسمة فيما بينهما.
وهذا إذا كان الثمن مثل قيمة العبد فأقل، وأما إن كان أكثر من قيمة العبد، فالزائد على قيمته بينهم أثلاثا.
قال ذلك ابن عبدوس، وهو صحيح؛ لأن الزائد على قيمته لم يدخل في القسمة، وقد اختلف على هذا القول؛ إذا لم يمت العبد، وإنما
فوته الذي هو بيده بالهبة أو الصدقة أو العتق أو البيع، فقيل: إنه يضمنه بالتفويت للمستحق منه، فيكون له أن يرجع عليه بالقيمة يوم القسمة، وهو قول أشهب، وقيل: إنه لا يضمنه بشيء من ذلك، وإنما للمستحق منه في أن يرجع في عينه إن وجده عند الموهوب له، أو المتصدق عليه، وكذلك يرجع في عينه إن كان قد أعتق، ويقوم على المعتق إن كان موسرا، ويكون في البيع مخيرا بين أن يرجع في عين العبد عند المشتري، فيرجع المشتري بما ينوب ذلك من الثمن على البائع، وهو قول سحنون.
والقول الثاني: إن القسمة تنتقص فيما بين المستحق منه، وبين الذي بقي العبد في يديه، وفيما بين المستحق منه، وبين الذي مات العبد في يديه، ولا تنتقص فيما بين الذي مات العبد في يديه، وبين الذي بقي العبد في يديه، فيكون على هذا القول ضمان ثلث العبد الذي مات من المستحق منه، وضمان ثلثيه من الذي مات في يديه؛ لأنه مات وثلثه للمستحق منه العبد، فمنه ضمانه، وثلثاه من الذي مات العبد في يديه، ثلث هو له، فكانت مصيبته منه، وثلث عاوض به الذي بقي العبد في يديه، فكانت مصيبته منه أيضا؛ لأن القسمة فيما بينه وبين لم تنتقص، فإن قبض للعبد المستحق ثمن على هذا القول، كان بين جميعهم أثلاثا، ويكون للمستحق العبد من يديه ثلث العبد الباقي، فيصح له ثلث العبد، وثلث الثمن.
وللذي بقي العبد في يديه، ثلثا العبد وثلث الثمن، وللذي مات العبد فيه ثلث الثمن.
حكى هذا القول ابن عبدوس، ولم يسم قائله.
والقول الثالث: إن القسمة تنتقص بين جميعهم، فتكون مصيبة العبد الذي مات منهم كلهم، ويكون العبد الباقي بينهم، وإن قبض في العبد المستحق ثمن كان بين جميعهم أيضا.
وهذا هو مذهب ابن الماجشون، أو أبيه عبد
العزيز، على ما وقع من اختلاف الرواية في ذلك، في سماع يحيى من كتاب القسمة، وكذلك على هذا القول إن استحق من نصيب أحدهم يسيرا أو كثيرا، وجد بحظه عيبا تنتقص القسمة بين جميعهم.
وأما على القول بأن القسمة بيع من البيوع، فلا اختلاف في أن الذي استحق العبد من يديه، يرجع على العبد، بقي العبد في يديه بثلثه، وعلى الذي مات العبد في يديه، بثلث قيمته يوم صار إليه بالقسمة، فإن قبض للمستحق ثمن كان بين جميعهم أثلاثا، وإنما يختلف على هذا القول؛ إذا استحق اليسير من نصيب أحدهم أو الكثير، فقيل: إذا استحق الكثير؛ أن القسمة تنتقض، ويرد المستحق منه ما بقي في يديه، ويرجع على أشراكه فيما في أيديهم، إن كان قائما، أو في قيمته إن كان فائتا.
وقيل: إنها لا تنتقض، فلا يكون له أن يرد الباقي في يديه، وإنما له أن يرجع على أشراكه فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه، إن كان قائما بقدر ما استحق من يديه، وإن كان قد فات ما بأيديهم، رجع عليهم بقيمة ذلك، دنانير أو دراهم.
وأما إذا استحق اليسير، فلا تنتقض القسمة، ويرجع على أشراكه فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه بقدر ما استحق من نصيبه، إن كان ما بأيديهم لم يفت بوجه من وجوه الفوت، فإن كان قد فات رجع عليهم بقدر ذلك دنانير أو دراهم، وقيل: ليس له أن يرجع عليهم فيما في أيديهم، فيشاركهم فيه، وإن كان قائما، وإنما له الرجوع عليهم بقيمة ذلك دنانير أو دراهم، وهذا الاختلاف كله في هذا الوجه في المدونة.
وكذلك اختلفا أيضا في القسمة على التراضي بعد التعديل والتقويم، بغير قرعة، هل هي تمييز حق أو بيع من البيوع؟ وأما القسمة على التراضي دون تقويم ولا تعديل، ولا قرعة، فلا اختلاف في أنها بيع من البيوع، فلها
حكمه في العيوب والاستحقاق، على ما قد ذكرناه في القسمة بالقرعة على القول بأنها بيع من البيوع، والأظهر في قسمة القرعة أن تكون تمييز حق، وفي قسمة التراضي بعد التعديل والتقويم أن تكون بيعا من البيوع، وبالله التوفيق.
كان بيده فرن إلى أن مرض فأوصى بذلك الفرن لامرأة بحضرة إخوته
من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك بن الحسن: سألت عبد الله بن وهب عن رجل كان بيده فرن يغتله بحضرة إخوته، إلى أن مرض، فأوصى بذلك الفرن لامرأة من الناس، بحضرة عامة إخوته، فلم ينكروا عليه، ولم يدعوا فيه، ثم صح من ذلك المرض، فاحترق سقف الفرن، فأنفق فيه وحده، وأصلح بعض الفرن وزاد فيه، وكان يأخذ خراجه، ويرفق فيه من أحب إلى أن هلك، فلما هلك ادعى إخوته أن الفرن بينهم وبين أخيهم الهالك، وأقاموا البينة أن الفرن كان لأبيهم.
واحتج ورثة الهالك أن الفرن كان في يديه حتى هلك بما نصصت من وصيته فيه، بحضرة عامتهم، وإصلاحه إياه وحده، وأخذه خراجه دونهم، فهل يكون الفرن للذي كان بيده على هذه الحال دون ورثة أبيه أم لا؟ قال: إن كان يلي الفرن بجميع ما وصفت، وكانوا كبارا يلون أنفسهم ليسوا بصغار أو سفهاء، يولى عليهم، وكان حوزه ذلك السنين التي تكون حيازة، العشرة ونحوها وما أشبهها أو أكثر منها، فهو له إذا كان حيا، وادعاه دونهم، ولورثته من بعده إن كان ميتا، وإن أقاموا البينة على الأصل أنه لأبيهم لم ينتفعوا بذلك؛ إذا كان كذلك، وإن لم يكن على ما وصفت لك في الحيازة أو كانوا صغارا لا ينظرون إلى أنفسهم، أو تحت يديه أو غيبا غيبة طويلة أو بعيدة، وأثبتوا أن أصله كان لأبيهم، مات وترك ميراثا بين
جميعهم، ثبتت حقوقهم فيه، ولم يضرهم ما كان من ولايته إياه، وقيامه به.
وقال أشهب: أرى أن الفرن للمرأة التي أوصى لها به، ولا أرى للميت فيه شيئا ولا لإخوته؛ لأنه قد حازه دونهم.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير ابن وهب وصيته بالفرن بحضرة عامة إخوته حيازة عليهم، والله أعلم من أجل أنه لم يعين ولا سمى من لم يحضر ذلك منهم ولا علم؛ لأن كل واحد منهم يقول: أنا ممن لم أحضر ولا علمت، ولو ثبتت عليهم كلهم أنهم حضروا وصيته له، فلم يغيروا، ولا أنكروا ولا ادعوا فيه حقا؛ لكان ذلك حيازة عليهم، أو على من ثبت عليه ذلك منهم، وإن كانت الوصية قد بطلت عنده فيه بإصلاحه إياه، وتعبيره له بالزيادة فيه، خلاف ما ذهب إليه أشهب.
وهذا على الاختلاف فيمن أوصى لرجل ببقعة ثم بناها، هل يكون ذلك نقضا للوصية أم لا يكون ذلك نقضا لها؟ ويكون الموصى له شريكا فيها مبنية بقيمة القاعة، وكذلك يكون الورثة مع الموصي لها بالفرن أشراكا فيه بالزيادة، على مذهب أشهب، لا بما أنفق في إصلاحه؛ إذ لا اختلاف في أن الوصية بالدار أو الفرن ونحوه، لا تبطل بالرم والإصلاح، وقول ابن وهب: إن العشرة الأعوام حيازة في الفرن بين الإخوة الأوراث، مع التغيير بالبنيان، والانفراد بالاستغلال، هو مثل القول الذي رجع عنه ابن القاسم، في رسم الكبش من سماع يحيى.
وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته.
وقد مضى القول في مراعاة تحديد العشرة الأعوام في الحيازة في رسم شهد، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته ذكر ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: يكونون في المنزل وفيه بور فزرع البعض ذلك بحضرة أشراكه
مسألة وسألت عبد الله بن وهب عن القوم يكونون في المنزل، ولذلك المنزل بور وشعر، فاخترق بعض أهل ذلك المنزل في ذلك
البور خرقا فزرعه وعمره بحضرة أشراكه، وأقام في يديه، نحوا من ثمان سنين أو عشرة، أو أكتر من ذلك إلى ما بينه وبين عشرين سنة، بحضرة أشراكه لم يغيروا عليه ولم ينكروا، ثم بدا لهم في طلب ذلك البور، ومحاصة صاحبه فيه وأرادوا أن يردوه بورا، ومرعى لعامتهم، كما كان أول مرة، فاحتج صاحب البور بعمارته له، منذ زمان طويل بحضرتهم، وهو مقر أنه كان بورا، وقال: هي أرض اعتمرتها منذ زمان طويل بحضرتكم، أو كان صاحب تلك الأرض قد هلك وورثها ورثته، فادعوا أنهم ورثوا عن أبيهم أرضا، كان يعتمرها منذ زمان، بحضرتكم فقامت عليهم البينة، أن تلك الأرض كانت من البور الذي كان بين أهل القرية كلهم، حتى اخترقها أبوهم الهالك، فهل ترد إليه حاله الأول بورا، كما كان أول، أو يستحقه الذي هو في يديه بطول عمارته؟ فقال: إن كانت الشعر أو البور معروفا للقوم، أو كان المخترق مقرا بذلك، أعطوه قيمته صحيحا إن كان اعتمر بذلك بعلمهم ومعرفتهم، وهم يرونه لا يغيرون عليه، وذلك إذا كانوا كبارا هالكين لأنفسهم، فإن كانوا صغارا ليس لمثلهم إذن، فقيمته منقوضا، وإن كان البور ليس معروفا لهم، ولا مشهودا عليه، وأنكر وهو في يديه، يحوزه ويعتمله السنين التي في مثلها الحيازة، فلا حق لهم فيه.
قال محمد بن رشد: قوله: فاخترق بعض أهل ذلك المنزل في ذلك البور يدل على أن للمخترق فيه حقا؛ إذ هو منهم.
وهذا هو الذي قال فيه ابن القاسم في آخر سماع يحيى: إنهم فيه أعذر في السكوت منهم في الأرض العامرة.
وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، ولم ير مشاركتهم لهم في الشعر شبهة، توجب أن يكون له
قيمة ما عمر فيها قائما، إن كان عمره بغير علمهم ولا إذنهم.
وهذا مثل ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم.
وفي ذلك اختلاف قد ذكرناه، هناك.
وقوله: إنه إن كان عمره بعلمهم ومعرفتهم أعطوه قيمته صحيحا ظاهره، طالت المدة أو قصرت، فهو خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في تفرقته بين أن يقوموا عليه بحدثان البنيان، أو بعد أن يمضي من المدة ما يرى أنه بني إلى مثلها، مثل رواية المدنيين عن مالك، في أن من بنى في أرض رجل بإذنه أو بعلمه، فله قيمة بنيانه قائما، وفي قوله في آخر المسألة: وإن كان البور ليس معروفا لهم، ولا مشهودا عليه، فأنكر وهو في يده، يحوزه ويعتمله السنين التي في مثلها الحيازة، فلا حق لهم فيه؛ نظرا لأن البور؛ إذا لم يكن لأهل المنزل فيه حق، فهو موات، يكون لمن أحياه بالعمارة، والإحياء على حكم إحياء الموات، فيما قرب وفيما بعد، حسبما مضى القول فيه في رسم القضية من سماع أشهب من كتاب السداد، والأنهار ولا يستحق شيئا من ذلك على جماعة المسلمين، بطول الحيازة، كما يستحق على الواحد منهم بها ماله وملكه، وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.
مسألة: تكون في يديه دابة فتعرفها رجل يزعم أنها سرقت منه ويقيم البينة
مسألة قال: سألته عن الرجل تكون في يديه دابة، فتعرفها رجل، يزعم أنها سرقت منه، فقيم عليها البينة، أنها مسروقة منه، وأنها منتوجة عنده، أو عند الذي ابتاعها منه، فيزعم الذي ألفيت في يديه أنه ابتاعها من رجل من أهل بلدة أخرى، فيكتب له القاضي إلى قاضي البلد، الذي زعم أن بائعه بها، بما قامت عنده لمدعيها من البينة عليها، وأنها منتوجة عنده، أو عند من ابتاعها منه إلى أن أنشدها
مسروقة، وأنه قد قضي بها له، ليرد بذلك رأس ماله من بيعه، فإذا ورد بذلك الكتاب على القاضي، أتاه ببيعه، فعرف الدابة وأقر ببيعها أعداه عليه بما كتب به إليه ذلك القاضي، ثم يزعم الذي أعدى عليه، أنه ابتاعها من رجل في كورة أخرى، ويسأل أن تدفع إليه الدابة، ويضع قيمتها على يدي عدل، ليدرك رأس ماله بها.
وكتب له القاضي الذي كتب إليه بعد وضع قيمتها، إلى قاضي البلد الذي زعم أن بائعه به، فيأتيه ببائع الدابة فيعرفها، ويقر ببيعها، ويزعم أنها منتوجة عنده، ويقيم عليها البينة أنها منتوجة عنده، فكتب ذلك القاضي إلى الذي كتب إليه، أنه لم يجد سبيلا إلى الإعداء عليه، بما قامت عنده من البينة أنها، منتوجة عنده، فيلتمس هذا أن يرجع بما غرم من قيمتها على من أخذ ذلك منه.
ويحتج ذلك بدعوى الأول، وما قامت عليه بينة، فأي الأمرين يحملها عليه؟ قال: إن كانت بينة الأول الذي أقام عند القاضي الأول على النتاج أعدل من بينة الآخر الذي أقام أيضا البينة على النتاج عند القاضي الآخر، أو كانتا في العدالة سواء، فالأول أحق بها، ترد إليه، ويعدى مشتريها والمستحقة من يديه على بائعه، وبائعه على بائعه على ذلك الأصل أبدا كما هو، وإن كانت بينة الآخر على النتاج أعدل البينتين وأبرزها في الصلاح والعدالة، فالحق حقه، ولا حق للأول وينفذ البيع بين من تبايعاهما أجمعين، ويرد إلى المستحق من يديه، ويتم البيع فيه بينهم على ما تبايعوا من واحد إلى واحد.
قال محمد بن رشد: المسئول في هذه المسألة ابن وهب، والله أعلم؛ لأنه قال في أولها: وسألته عطفا على المسألة المتقدمة له.
وقول فيها: إنه إن تكافأت البينتان في العدالة، فالبينة بينة الأول، وهو أحق بها، وينفذ البيع بينهم بالأثمان، وتبطل بينة الثاني خلاف مذهب ابن القاسم
وروايته عن مالك؛ لأن المال المتنازع فيه، لا يكون عندهما مع تكافئ البينتين للذي هو في يديه، إلا إذا جهل أصل كونه في يديه، والأول الذي أقام البينة على النتاج، قد علم أصل كون الدابة في يديه، وهو قضاء القاضي الأول له بها بما ثبت عنده من ملكه لها، وأنها منتوجة عنده قبل الإعذار إلى هذا الآخر الذي أقام أيضا البينة على النتاج، فهو حكم لم يتم بعد، فلا تراعى يده؛ لأن اليد على الحقيقة إنما هي للثاني؛ لأنه المدعى عليه لما قد باعه مما كان في يديه بوجه مجهول، فهو بمنزلة المستحقة من يديه الدابة، لو كان هو الذي أقام البينة على النتاج، فالواجب في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؛ إذا تكافأت البينتان في العدالة، أن تكون البينة بينة الثاني التي أقام على النتاج، وتبطل بينة الأول، وترد الدابة إلى الذي استحقت من يديه أولا، وينقض الحكم الذي حكم به القاضي الأول للمدعي الذي أقام البينة عنده على النتاج، ويرجع كل من رجع عليه بما أخذ منه على الذي أخذه منه، وقول ابن وهب في هذه المسألة، هو مثل قول غير ابن القاسم في كتاب الولاء والمواريث من المدونة في الذي يأخذ مال رجل، ويدعي أنه وارثه، ثم يأتي رجل آخر غيره، ويدعي أنه وارثه، ويقيمان جميعا البينة على دعواهما أن البينة بينة للذي المال بيده.
وقد وقع في المبسوطة لأصبغ وسحنون: أن الدابة تكون بينهما إذا تكافأت البنيتان في العدالة، يريدان فينفذ الاستحقاق في نصفها، ويكون التراجع بينهم فيه، على حكم من ابتاع دابة فاستحق من يديه نصفها، ويكون مخيرا بين أن يرد النصف الباقي في يده، ويرجع بجميع الثمن، وبين أن يمسك النصف، ويرجع على البائع منه بنصف الثمن، ثم يرجع هو على من باع منه بنصف الثمن الذي دفع إليه أيضا، وهو قول ثالث في المسألة، على غير الأصول؛ لأن المال المدعى فيه لا يكون بين المتداعيين، عند تكافئ البينتين إلا إذا كان بأيديهما جميعا، أو لم يكن بيد واحد منهما، واليد التي يجب اعتبارها في مسألتنا هذه، إنما هي يد الثاني على ما بيناه.
أرأيت لو كان حاضرا عند إقامة الأول البينة عليها أنها
منتوجة عنده، فأقام هو البينة عليها أيضا أنها منتوجة عنده، أليس كانت تكون بينته أعمل؟ فلا فرق بين أن يغيب حتى يحكم له بها، وبين أن يكون حاضرا؛ لأن الحجة قد أرجئت له لمغيبه.
وهذا كله بين، والحمد لله.
وإذا كانت بينة الثاني أعمل، وجب أن ترجع الدابة إلى الذي كانت استحقت من يديه، فيرد كل واحد منهم الدابة إلى الذي أخذها منه، ووضع له فيها القيمة، فيأخذ منه الثمن الذي دفع إليه، والقيمة التي وضع له، حتى ترجع الدابة إلى الذي استحقت من يديه، فيأخذ القيمة التي وضع لمستحقها، وإن تلفت القيمة الموضوعة في شيء من هذا، فمصيبتها من الذي وضعها إذا كانت على يدي عدل، وإن كانت عنده ضمنها، إلا أن تكون له بينة على ضياعها، على حكم ما يغاب عليه من الرهان، وإن تلفت الدابة في شيء من هذا بيد أحد ممن سار بها، فلربها المستحقة من يده أكثر القيم الموضوعة، ولهذا الوجه تفسير دقيق، قد فرغنا من بسطه وشرحه في مسألة مشخصة، سئلت عنها منذ مدة، فبينت وجه القول فيها بيانا شافيا، فتركت ذكر ذلك هنا اختصارا واكتفاء لما مضى من القول؛ إذ لم أقصد في هذا الشرح إلى تفريع مسائله، كراهة التطويل، وبالله التوفيق، اللهم لطفك.
اشترى عبدا معينا وقبضه وآخر موصوفا إلى أجل فاستحق العبد القائم
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع والعيوب قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن رجل اشترى عبدا قائما بعينه وقبضه، وعبدا آخر موصوفا معه إلى أجل، بمائة دينار، فاستحق العبد القائم، قال: ينظر في قيمة الذي نقد، والذي إلى أجل، كم كان نصيب كل واحد منهما من المائة؟ على قدر بعد الأجل وقربه، وعلى صفة ذلك إن اختلفت الصفة، ثم يقسم ذلك بينهما، ثم يرد ما أصاب الذي استحق بقدر ذلك، ويثبت البيع فيما
بقي، إلا أن يكون هذا المستحق وجه الشراء وكثرته، وفيه الفضل فيما يرى الناس، فينفسخ البيع كله، وترد المائة.
وقاله أصبغ بن الفرج، وهي حسنة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ووجه العمل في ذلك أن يقوم العبد القائم يوم وقع الشراء، ويقوم العبد المسلم فيه، بأن يقال: كم يسلف في عبد على تلك الصفة إلى مثل ذلك الأجل، وإلى من تكون ذمته في الأمانة والثقة؟ مثل ذمة المسلم إليه في العبد، فإن كانت قيمة العبد في التمثيل ثلاثين، وما يسلم في مثل العبد المسلم فيه على ما وصفناه ستين، ثبت السلم له على المسلم إليه، ورجع عليه بثلث المائة للعبد المستحق، وإن كانت قيمة العبد ستين، وما يسلم في مثل العبد المسلم فيه ثلاثين، كان بالخيار بين أن يرجع بجميع المائة، وينتقض السلم، وبين أن يرجع بثلثي المائة، ويثبت له السلم، وبالله التوفيق.
له عبد مملوك وكان في يديه منزل فيه بنيان وغرس معروف
ومن كتاب الأقضية قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن رجل له عبد مملوك، وكان في يديه منزل فيه بنيان وغرس معروف؛ إنه لمولاه، فأعتقه وفي يديه ذلك المنزل والأرض، ثم أقام بعد عتقه عشرين سنة، يبني ويهدم ويزرع حتى مات، وترك أولادا صغارا، فطلب مولاه المنزل، وهل ينتفع الموالي بحوزهم؟ قال: إن المولى أحق به، ولا ينتفع الموالي بالحوز في مثل هذا إذا عرف ذلك كان لمولاه، وليس الموالي والولد مثل الأجنبيين، شأنهم أضعف من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم لابن القاسم في رسم الكبش، من سماع يحيى، من أن المولى الأسفل في الحيازة، بمنزلة المولى
الأعلى، وبمنزلة الأختان والأصهار على حكم القرابة خلاف ما مضى في رسم شهد، من سماع عيسى، من أن الموالي والأصهار في الحيازة، بمنزلة الأجنبيين.
وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تم كتاب الاستحقاق بحمد الله تعالى، وحسن عونه.