كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شجر بينه وبين أختانه أمر فقالوا طلق أختنا فقال إن ارتحلت عني اليوم فهي طالق
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار
وسئل عن رجل شجر بينه وبين أختانه أمر فقالوا: طلق أختنا، فقال: إن ارتحلت عني اليوم فهي طالق، فأتى إليها إخوتها فقالوا: إن زوجك قد طلقك، فأخذوا متاعها ورحلوها ومتاعها إلى أنفسهم وهي لا تعلم ما كان من أمر زوجها ولا ما قال، إلا ما قال لها إخوتها إن زوجك قد طلقك، فلما كان بعد يوم أو يومين أو ثلاث أخبرت بالذي كان من أمر زوجها، فقالت والله ما علمت ولا انتقلت من هواي إلا أنهم قالوا إن زوجك قد طلقك.
فقال: إن علم ذلك وشهد على ما قالت، أو ادعته بالشهود فلا طلاق عليه.
مسألة: قال إن ارتحلت عني امرأتي فهي طالق
مسألة لسحنون في كتاب ابنه أنها طالق وإن علم ذلك وشهد عليه لم ينفعه، ووقع قوله أيضا في بعض الروايات من الكتاب، وقول ابن القاسم أظهر على المشهور في المذهب من مراعاة المقاصد في الأيمان في أن الزوج إنما أراد فيما يظهر من مقصده أنها طالق
إن ارتحلت عاصية له في ارتحالها عنه راضية بفراقه، فإذا لم ترتحل إلا وهي تظن أنه طلقها على ما أخبرها به إخوتها لم يقع عليه طلاق، وقول سحنون يأتي على مراعاة ما يقضيه اللفظ دون الاعتبار بالمعنى، ونحوه ما وقع في رسم البز من سماع ابن القاسم، وقد قال ابن دحون: إن قول سحنون أحسن قال: لأنه يلزم علي قول ابن القاسم في رجل قال إن سألت امرأتي الطلاق طلقتها فأتي إليه فقيل له: قد سألت الطلاق وكذب له فطلق ألا يلزمه ذلك، ولا اختلاف أنه يلزمه وإن ثبت أنه كذب له، فإن قيل إنما يلزمه؛ لأنه كان عليه أن يتثبت، قيل له: وكذلك المرأة.
قال محمد بن رشد: ولا يلزم ابن القاسم ما ألزمه سحنون لأن المسألتين مفترقتان لأن هذا الذي كذب له، وقد أخطأ على نفسه في تطليق زوجته فلا عذر له في الخطأ على نفسه في ذلك الذي قال إن ارتحلت عني امرأتي فهي طالق قيل إن الطلاق يقع عليه بمجرد الارتحال دون مراعاة المعنى الذي يظهر من قصد الحالف، وإليه ذهب سحنون على معنى قول مالك في مسألة رسم البز من سماعه، وقيل إن الطلاق لا يقع عليها إذا لم ترتحل على الوجه الذي أراد وإلى هذا ذهب ابن القاسم وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن كان شرب مسكرا
مسألة قال ابن القاسم: لو أن رجلا أخذ وبه رائحة شرب فقال امرأته طالق إن كان شرب خمرا، فشهد عليه أنها رائحة مسكر فقال ما أردت إلا الخمر بعينها.
فقال: ينوي في ذلك ويكون القول قوله، ولو قال امرأته طالق إن كان شرب مسكرا فقد جمع كل شيء، فإن شهد عليها
أنها رائحة مسكر فقد لزمه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه ينوي في ذلك ويكون القول قوله مع قيام البينة عليه هو مثل ما في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود خلاف قول ابن القاسم في رسم يسلف من سماع عيسى من كتاب النذور لأنه قال هناك إنه لا ينوي إلا إذا أتى مستفتيا، وقد مضى القول على المسألة هنالك مستوفى فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
مسألة: حلف بطلاق امرأته البتة إن كان بغاه عند رجل
مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته البتة إن كان بغاه عند رجل فشهد عليه شاهد أنه قد بغاه عند ذلك الرجل وشهد ذلك الرجل أنه قد بغاه عندي، أما ترى أن يلزمه الطلاق؟ قال: نعم أرى أن يلزمه الطلاق لأنه لا يتهم الذي أقر عنده في شيء من أمره، وإنما هو بمنزلة الرجل يحلف ما بغيتك عند فلان وفلان، فشهد فلان وفلان بعد اليمين أنه بغاه عندهما فتطلق عليه امرأته بشهادتهما.
قال محمد بن رشد: المسألة صحيحة، والحجة فيها ما ذكر من أنه لا يتهم الشاهد في شهادته أنه بغاه عندي إذ ليس في ذلك وجه يظهر من وجوه التهمة التي تبطل به الشهادة، وأما قياسه إياها على المسألة التي ساقها عليها فليس بقياس صحيح؛ لأنها هي المسألة بعينها، ولا يقاس الشيء على نفسه، وإنما يقاس على غيره بمعنى يجمع بينهما في وجوب الحكم وانتفائه، وهو ظاهر لا يخفى وضوحه وبالله التوفيق.
مسألة: حلف غريما له بطلاق امرأته أن يقضيه إلى أجل
مسألة وسئل عن رجل حلف غريما له بطلاق امرأته أن يقضيه إلى أجل فلما حل الأجل قال الذي حلفه قد قضاني وليس على ذلك بينة إلا قوله.
فقال: إن كان من أهل الصدق وممن لا يتهم حلف مع شهادة صاحب الحق وحبس امرأته، وإن كان من أهل التهم لم يقبل ذلك منه حتى يأتي بشهيدين أنه قد قضاه، قال سحنون وروى ابن حبيب عن مالك أنه قال: إنما هذا إذا لم تكن على أصل يمينه بينة إلا إقرار منه بأنه حلف بطلاق امرأته أن يقضيه فقد قضاه ويقر له رب الحق، مثل ما يقول حلفت بالطلاق لأضربن فلانا فقد ضربته، أو لأعطين فلانا كذا وكذا فقد أعطيته، فالقول قوله في هذا كله بلا بينة إذا لم تكن على أصل بينة فيكون عليه الخروج بالبينة، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته هنا وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لامرأته بطلاقها إن خرجت من داره فأتاها سيل
مسألة وقال ابن القاسم: قال مالك في رجل حلف لامرأته بطلاقها إن خرجت من داره فأتاها سيل أو أمر لم تستطع إلا الخروج أو الهرب عنه أو أخرجها صاحب الدار إن كانت بكراء فانقضى أمد الكراء، قال مالك لا حنث عليه إذا خرجت من أمر لم تستطع غير ذلك، فإذا رجعت رجع اليمين عليها، وإن ارتحل بها إلى دار غيرها فاليمين تلزمه حيث سكن.
قال محمد بن رشد: قوله ون تحول بها إلى دار غيرها معناه أن يتحول بها إلى دار غيرها حين أخرجها السيل عنها أو صاحب الدار بانقضاء أمد الكراء، وقد مضى هذا في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب، وأما لو تحول بها باختياره يحنث بذلك خلاف ما ذهب إليه ابن دحون، وقد
مضى القول على ذلك في رسم إن خرجت فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاقها ألا يغرم في خياطة ثيابها شيئا
مسألة وسئل عن رجل كسى امرأته ثيابا قطعها لها ودفعها لها إلى الخياط، ثم هاج بينه وبين امرأته شيء فحلف بطلاقها ألا يغرم في خياطتها شيئا فأراد أن يفتكها فيبيعها أو يحبسها لنفسه أو أراد بعض من يحق عليه مثل أخيه أو غيره أن يفتك تلك الثياب من الخياط من عنده.
قال: لا بأس أن يفتكها أخوه أو غيره ولا يفتكها هو لنفسه ولا لبيع إلا أن تكون نيته أراد ألا يفتكها لها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال لأن اليمين يجب أن تحمل على ما يقتضيه عموم اللفظ من ألا يفتكها لنفسه ولا لها ولا أحد سواهما ولا لوجه من الوجوه إلا أن تكون له نية أنه أراد ألا يفتكها لها فتكون له نيته يريد ويصدق فيها مع يمينه وإن كانت عليه بينة لأنها نية محتملة لا تبعد بل تشبه، وأما افتكاك غيره للثياب من ماله للزوجة أو له فلا إشكال في أنه لا حنث عليه في ذلك لأنه لم يحلف إلا على ألا يفتكها هو وبالله التوفيق.
مسألة: له على رجل عشرة دنانير قائمة فتقاضاه فقال ليس لك عندي إلا دنانير
مسألة وسئل عن رجل كان له على رجل عشرة دنانير قائمة فتقاضاه، فقال: ليس لك عندي إلا دنانير بخروبة خروبة، فحلف بطلاق امرأته ألا ينقصه من القائمة شيئا، ولم تكن عليه بينة، فخاصمه فلم يعد عليه إلا بدنانير بخروبة خروبة.
فقال: إن كان حلف ألا ينقصه فليأخذ ما قضى له به ولا
ينقص له من حقه شيئا ولا يضع عنه منه شيئا، والله بينه وبينه، وإن كان أراد أن لا يأخذ منه إلا عشرة قائمة فلا يأخذ منه إلا عشرة قائمة.
قال محمد بن رشد: قوله وإن كان حلف ألا ينقصه يريد إن كان نوى إلا ينقصه باختياره شيئا من القائمة فليأخذ ما قضى له به ولا ينقص له من ذلك شيئا ولا يضع عنه منه شيئا، وقوله وإن كان أراد ألا يأخذ منه إلا عشرة قائمة يريد أو لم تكن له نية فلا يأخذ منه إلا عشرة قائمة، فإن لم يقض له عليه إلا بدنانير خروبة خروبة حنث إن أخذها إلا أن يحكم عليه بأخذها بسؤال الغريم ذلك، فيجري ذلك على الاختلاف فمن حلف ألا يفعل فعلا فقضي عليه به، وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها ورسم حلف من سماع ابن القاسم، وفي آخر سماع أشهب وبالله التوفيق.
مسألة: عليه حق لرجل فاتخذ عليه طلاق امرأته البتة أن يؤديه لأجل سماه
مسألة وسئل عن رجل كان عليه حق لرجل فاتخذ عليه طلاق امرأته البتة أن يؤديه لأجل سماه، وللحالف وكيل يتقاضى له ويبيع له ويبتاع ويقوم بجميع حوائجه، فغاب الحالف عند الأجل فقضى عنه هذا الوكيل، هل ترى قضاه مخرجا ليمينه؟.
قال: لا يخرجه قضاؤه من يمينه إلا أن يكون أمره بذلك، قال: [ولو كان لصاحب الحق مثل هذا الوكيل الذي وصفنا فغاب المحلوف له عند الأجل فقضى الحالف وكيله هذا] كاف مخرجا من يمينه.
قال محمد بن رشد: إنما قال إن الحالف لا يبرأ إذا قضى عنه
وكيله على البيع والابتياع والقيام بجميع حوائجه، من أجل أنه ليس بوكيل له على أن يقبض عنه، فهو في ذلك كالأجنبي، ولو كان وكيل له مفوض إليه أو على أن يقبض عنه ديونه فيبر إذا قضى عنه بغير علمه، وقد مضى هذا المعنى في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من كتاب النذور، وسيأتي في سماع سحنون إذا قضى عنه السلطان من ماله، وقوله ولو كان لصاحب الحق مثل هذا الوكيل الذي وصفنا فغاب المحلوف له عند الأجل فقضى الحالف وكيله هذا كان مخرجا من يمينه، يريد ويبر الحالف بذلك من الدين الذي عليه لأنه وكيل يتقاضى فيبرأ الحالف من الدين الذي عليه بدفعه إليه، فدليل هذه الرواية أنه لا يبر في اليمين إلا بدفعه إلى وكيل إليه القبض فيبرأ من الدين بالدفع إليه خلاف ما في العشرة لابن القاسم أنه إذا دفع إلى وكيل له في ضيعته بر في اليمين، ولم يبرأ من الحق، وهو معنى ما في المدونة، وظاهر ما فيها أن ذلك يكون مخرجا له من يمينه، وإن كان يصل إلى السلطان، وكان القياس إذا لم يبرأ بذلك من الحق إلا أن يكون مخرجا له من يمينه إلا أن لا يصل إلى السلطان الذي يبرأ بالدفع إليه من الدين الذي عليه، وإلى هذا ذهب ابن لبابة، وساق ذلك على معنى ما في المدونة وأن يكون إذا أحضر الذهب وأتى به وأشهد على إتيانه به مخرجا له من الحنث، وإن لم يدفعه إلى هذا الوكيل الذي لا يبرأ بالدفع إليه كما يكون ذلك مخرجا له من الحنث مع العدول إذا لم يكن له وكيل ولا وصل إلى السلطان وبالله التوفيق.
مسألة: يكون تحته أربع نسوة فيحلف بالطلاق البتة إلا يحلف بالطلاق فيطلق واحدة
مسألة وسئل عن الرجل يكون تحته أربع نسوة فيحلف بالطلاق البتة إلا يحلف بالطلاق فيطلق واحدة من نسائه، هل ترى عليه حنثا؟.
قال لا حنث عليه لأنه لم يحلف.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن من طلق لم يحلف
بطلاق، ولو حلف بطلاق البتة إلا يطلق فحلف بالطلاق وحنث لحنث؛ لأن من حلف بالطلاق وحنث فقد طلق، وقد مضى بيان هذا في رسم يوصي قبل هذا وبالله التوفيق.
قال لامرأته أنت علي كظهر أمي وهو يريد الطلاق
ومن كتاب العشور قال ابن القاسم: من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي وهو يريد الطلاق فهي ثلاث ولا ينوى لا تنفعه نيته إن نواها واحدة أو اثنتين.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن سحنون عن أبيه أن له ما نوى من الطلاق، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب الظهار فيستغنى بذلك عن إعادته هنا وبالله التوفيق.
نازعت زوجها فقالت له والله لأسيلن الخرق على ساقيك فقال لها أنت طالق
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وسئل عن امرأة نازعت زوجها فقالت له: والله لأسيلن الخرق على ساقيك، فقال لها: أنت طالق لتعلمن من يفعل ذلك بي.
قال ابن القاسم أخاف أن يكون قد حنث حين قال لتعلمن من يفعل ذلك بي إنما هو من قال لتعلمن من ذا الذي يفعله بي من هو؟ حتى يسيل عن ساقي ما قلت..
قال محمد بن رشد: المقصد المعلوم من إرادة المرأة، بهذا القول إنما هو ليفعلن به أشد ما يكون من النكال وأقبحه لا حقيقة ما ذكرت؛ إذ قد علم أنها لا تملك ذلك ولا هو داخل تحت استطاعتها، ويمين الزوج خرجت جوابا لها على ذلك بمعنى أنك لتعلمين أن الذي يقدر على أن
يبلغ ذلك مني معدوم غير موجود لمنزلتي ومكانتي ومهابتي وقدرتي على الدفاع عن نفسي، فلذلك خشي ابن القاسم عليه الحنث فيما بينه وبين الله، وأما الحكم عليه بالطلاق فلا يصح إلا أن يقر على نفسه أنه أراد بكلامه ما يوجب الحنث عليه والله أعلم.
حلف بالطلاق ليقضين رجلا حقه إلى أجل فحبس الحالف في السجن
ومن كتاب جاع وسئل عن رجل حلف بالطلاق ليقضين رجلا حقه إلى أجل فحبس الحالف في السجن، فأرسل إلى صاحبه أن يجيئه فأبى أن يجيئه، قال يقضي السلطان ويدع ذلك يرتكص ولا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: قوله يقضي السلطان معناه يوكل من السجن من يقضي السلطان ويكون ذلك مخرجا له من يمينه، وإنما يصح ذلك إن كان المحلوف له قد غاب عن البلد، وأما إن كان حاضرا فالسلطان يحضره ويجبره على قبض حقه إلا أن يكون مما لا يجبر على قبضه كعارية غاب عليها فتلفت عنه وما أشبه ذلك فيبرأ من يمينه على دفع ذلك إليه بدفعه إلى السلطان وبالله التوفيق.
مسألة: اشترى لامرأته ثوبا بدينار فسخطته فقال لها أنت طالق إن رددته
مسألة وسئل عن رجل اشترى لامرأته ثوبا بدينار فسخطته فقال لها: أنت طالق إن رددته إن كسوتك ثوبا بدينار وهو ينوي بأكثر أو بأقل فذهب إليه ليرده فلم يقبله البائع أو بدا له في رده بعد اليمين.
قال هو سواء بدا له أو أبى أن يقيله ليس يلزمه من يمينه شيء حتى يقيله، ومثلها لي قال: أرأيت لو كان قال: امرأته طالق إن لم ترده فذهب به ولم يقبله البائع أليس قد حنث؟ فهذا يعلم أن الرد إنما هو القبض له من البائع، قلت فلو كان بائع الثوب
اتخذ عليه طلاق امرأته حين باعه ألا يرده عليه، فأتى به ليرده فلم يقبله منه؟ قال، هذا حانث قبله أو لم يقبله؛ لأنه إنما كره البائع شغبه ورده، فإذا رده فهو حانث، فهذه الوجوه تختلف، وإنما تحمل على ما كان قبلها على شبهها ومساقها.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان البائع هو الذي استحلف المشتري ألا يرده عليه فلا اختلاف في أنه يحنث بقيامه إياه عليه في الرد قبله أو لم يقبله قضي له عليه برده أو لم يقض له بذلك، وأما إذا لم يسأل ذلك البائع وإنما حلف إلا يرده لشيء جرى له مع غيره فقال هاهنا: إنه لا يحنث إلا بقبول البائع له أورده إياه عليه بالحكم، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ وروايته عن ابن القاسم وحكى عن أصبغ أيضا في موضع آخر أنه إذا رده فقد لزمته اليمين قبله البائع أو لم يقبله، قال عبد الملك: وهذا بين عندنا، وأما إذا حلف ليردنه فلا اختلاف في أنه لا يبر إلا بقبول البائع له أو الحكم بذلك عليه؛ لأن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق فتزوج أخته جاهلا بها
مسألة وسئل عن الرجل يقول لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق فتزوج أخته جاهلا بها، هل يخرجه ذلك من يمينه؟ قال: لا يخرجه ذلك من يمينه قلت: فلو قال امرأتي طالق إن لم نشتر عبدا مملوكا فاشترى أباه؟ قال: لا يخرجه ذلك من يمينه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن نكاح أخته لا يحل له المقام عليه، فلا يبريه إذ لا يبر إلا بنكاح لو شاء أن يقيم عليه أقام من أجل أن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وكذلك لو تزوج تزويجا حراما يفسخ قبل الدخول وبعده، كالذي يحلف ليشترين سلعة فيشتريها شراء فاسدا فيعثر عليه قبل أن يفوت فيفسخ البيع في الذي اشترى أباه أحرى ألا
يبر بشرائه إذ لا يقع عليه ملك وبالله التوفيق.
مسألة: أراد أن يتزوج امرأة فقالت له أمه إنها أختك من الرضاعة قد أرضعتها
مسألة وسئل عن رجل أراد أن يتزوج امرأة فقالت له أمه: إنها أختك من الرضاعة قد أرضعتها، وتحت الرجل امرأة أخرى، فقال الزوج: امرأته التي تحته طالق إن كانت لي حلالا إن لم أتزوجها.
فقال: أرى أن تطلق امرأته التي تحته ولا يتزوجها، فإن اجترأ وتزوجها لم يقض عليه بطلاقها لأنه لا يكون في الرضاع إلا امرأتان.
قال محمد بن رشد: المسألتان مفترقتان بأن الأولى لها بساط فينوى بها مع قيام البينة، والثانية لا بساط لها فلا ينوى فيها إلا إذا جاء مستفتيا.
وبالله التوفيق.
حلف بالطلاق ألا يستعير من رجل سماه شيئا فاستعار من امرأته
ومن كتاب النسمة
وقال في رجل حلف بالطلاق ألا يستعير من رجل سماه شيئا فاستعار من امرأته، هل تراه حانثا؟.
قال: إن كان استعار من امرأته مالا من مالها فلا شيء عليه، وإن استعار منها مالا لزوجها فأعارته فهو حانث.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه حمل يمينه على أنه إنما كره الانتفاع بشيء من ماله إما لخبث أصله وإما لأن لا يكون عليه بذلك منة، فلذلك قال إنه يحنث إن كان استعار منها، ما هو لزوجها فأعارته ولو كان لم يحلف إلا من أجل أنه كره أن يرده، لا لما سوى ذلك لما كان عليه حنث في استعارته من امرأته ما هو من مالها أو ماله، والله أعلم.
مسألة: أتاه يستسلفه دراهم فقال امرأته طالق إن كان في تابوتي دنانير
مسألة قال ابن القاسم في رجل أتاه يستسلفه دراهم، فقال امرأته طالق إن كان في تابوتي دنانير ومعي دينار، وفي تابوته دينار ومعه دينار، وإنما أراد أن يقول امرأته طالق البتة إن كان في تابوته دراهم أو معي دراهم، فأخطأ فقال ذلك.
فقال لا شيء عليه ولا يحنث.
وكذلك لو أراد أن يقول امرأته طالق إن لم يكن كلم عبد الله بن عبد الرحمن أمس أو لقيه، فأخطأ فقال امرأته طالق إن لم يكن لقي عبد الرحمن بن عبد الله أمس وكلمه فهذا لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: المسألتان مفترقتان بأن الأولى لها بساط فينوى بها مع قيام البينة، والثانية لا بساط لها فلا ينوى فيها إلا إذا جاء مستفتيا.
وبالله التوفيق.
مسألة: قال إن صليت ركعتين فامرأتي طالق فصلى ركعة وانصرف
مسألة قال ابن القاسم في رجل قال إن صليت ركعتين فامرأتي طالق، فصلى ركعة وانصرف.
قال ابن القاسم: هو حانث تطلق عليه لأنه قد صلى ولا ينوى، وكذلك إن قال إن صمت غدا فامرأتي طالق فبيت الصيام فطلع الفجر وهو مجمع على الصيام ثم أفطر بعد طلوع الفجر فهو حانث أيضا.
ولو أحرم ولم يركع كان حانثا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحنث وقع عليه بالشروع في الصلاة والصيام، فتركه التمادي على ذلك لا يسقط عنه ما قد لزمه من الطلاق، وقوله ولا ينوى معناه مع قيام البينة، وأما لو أتى مستفتيا وقال إنما نويت أنها طالق إن أتممت ركعتين أو صوم النهار وعلى ذلك عقدت يميني
فكانت له نيته فيما بينه وبين ربه إن كان صادقا وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ألا يكلم رجلا فكاتبه ثم رد الكتاب قبل أن يصل إليه فخرقه
مسألة قال ابن القاسم من حلف ألا يكلم رجلا فكاتبه ثم رد الكتاب قبل أن يصل إليه فخرقه ولم ينفذه فلا حنث عليه ولا شيء، وكذلك قال لي مالك وقال ابن وهب مثله.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه إن رد الكتاب قبل أن يصل إليه لا يحنث إذ لا يحنث الحالف إلا بقراءة المحلوف عليه كتابه لا بوصوله إليه، ولو وصل إليه فأخذه وأمسكه ولم يقرأه لم يحنث الحالف إلا أن يكون معنونا فإنه يحنث بقراءة العنوان، وقوله في المدونة عقب هذه المسألة وهو آخر قوله لا يعود عليها، إذ لا اختلاف فيها، وإنما يعود على المسألة التي قبلها، سواء كتبه مجمعا على إرساله أو غير مجمع على ذلك، بخلاف المسألة التي تأتي بعدها في كتاب الرجل إلى امرأته بالطلاق وبالله التوفيق.
مسألة: كتب بطلاق امرأته ثم بدا له فحبس الكتاب
مسألة قال ابن القاسم قال مالك في رجل كتب بطلاق امرأته ثم بدا له فحبس الكتاب.
قال: إن كتبه مجمعا على الطلاق فقد حنث حبسه أو لم يحبسه وإن كان إنما كتبه ليتخير فيه وينظر ويستشير فإن رأى أن يمضيه أمضاه، وإن رأى أن يحبسه حبسه فلا شيء عليه إذا حبسه، قال ابن القاسم: وإن أخرجه من يده فهو حانث وإن رده وأدركه قبل أن ينتهي لم ينفعه، قال ابن وهب مثل ذلك كله، وقد قال: هو حانث إلا أن يكون حين أخرج الكتاب من يده إلى
الرسول غير عازم فله أن يرده إن أحب ما لم يبلغها.
قال محمد بن رشد: الرجل في كتابه إلى امرأته بالطلاق محمول على الإجماع إذا لم تكن له نية، فإذا كتب الرجل إلى امرأته بالطلاق فليس له أن يحبس الكتاب إلا أن يكون كتبه على أن يستشير وينظر فإذا أخرج الكتاب من يده وهو مجمع على الطلاق أو وهو لا نية له فليس له أن يرده، وأما إن كان أخرجه من يده على أن يرده إن أحب فقيل: له أن يرده، وقيل ليس له أن يرده على ما ذكر هاهنا من الاختلاف في ذلك، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في سماع أشهب من كتاب طلاق السنة وفي سماع أصبغ من كتاب التخيير والتمليك فلا معنى لإعادة ذلك هنا وبالله التوفيق.
حلف بطلاق امرأته ألا يدخل بيت فلان فيدخل داره ولم يدخل البيت
ومن كتاب الرهون وعن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يدخل بيت فلان فيدخل داره ولم يدخل البيت أنه إن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن ولو سرق منها شيء قطع سارقه فإني أرى إذا دخل فقد حنث، وإما إن كانت دارا جامعة لناس شتى تدخل بغير إذن ولو كان سرق منها شيء لم يقطع سارقه إنما هي كالطريق فلا أراه حنث، قال ابن القاسم: لا شيء عليه إلا أن يكون نوى الدار إلا أن يكون قال منزله، فإن الدار هي المنزل إلا أن تكون دارا مشتركة فيكون هذا التفسير فيها.
قال محمد بن رشد: مالك هو المسئول المجيب، وقوله أظهر من قول ابن القاسم؛ لأنه على المشهور في المذهب من اعتبار المعاني في الأيمان وترك الاقتصار على مجرد الألفاظ؛ لأن الحالف ألا يدخل بيت رجل إنما يريد ألا يدخل مسكنه، ومسكنه هي داره التي ينفرد بسكناها ولا يشاركه أحد فيها حتى يجب القطع على من سرق منها كما يجب على من
سرق من بيته الذي يبيت فيه، وعلى هذا يأتي قوله في مسألة التغيب من آخر سماع أشهب، وأما ابن القاسم فراعى لفظ البيت وحمل يمين الحالف عليه فلم ير عليه في دخوله داره حنثا ما لم يدخل بيتا مبيته، وإنما يحنث عنده بدخول الدار إذا حلف على ألا يدخل منزله إلا أن تكون دارا مشتركة فلا يحنث إلا بدخول ما لم يشاركه أحد فيه وهو شاذ في المذهب، وسيأتي من قوله في سماع أبي زيد خلاف قوله هنا مثل قول مالك والمشهور في المذهب والله أعلم.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يستخدم خادم فلان فأعتقت الخادم
مسألة وقال في رجل حلف بطلاق امرأته ألا يستخدم خادم فلان فأعتقت الخادم، فاستعانها بعد العتق قال: يدين أيضا، إن كان إنما أراد ألا يميز عليه بخدمتها فإنه يستخدمها إذا أعتقت، وإن كان إنما كانت يمينه على استخدامها أبدا لشيء كرهه من الخادم بعينها فلا يستخدمها، وإن كان إنما أراد ألا يستخدم لذلك الرجل خادما للمن ثم عتقت فليستخدمها ولا بأس، قيل له: أرأيت إن لم تكن له نية؟ قال ابن القاسم: وإن لم تكن له نية فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم لم يدر فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: حلف على رجل ألا يأويه وإياه سقف بيت فجمعهم المسجد
مسألة وسئل عن رجل حلف على رجل ألا يأويه وإياه سقف بيت فجمعهم المسجد.
قال: لا أرى في ذلك طلاقا وذلك ما لا يستطيع غيره، ولم يكن المسجد من البيوت التي نوى.
قال محمد بن رشد: اعتل لقوله في هذه المسألة بعلتين: إحداهما: قوله: وذلك ما لا يستطيع غيره، وذلك أنه لما كانت المساجد من البيوت التي لا يصح التحجير فيها، وكان الحالف من أجل ذلك قد علم أنه لا يمكنه التوقي من أن يجامعه فيه المحلوف عليه في المسجد، حمل يمينه على أنه إنما أراد ألا يأويه وإياه سقف بيت يمكنه التوقي في أن يجامعه فيه، والثانية: قوله: ولم يكن المسجد من البيوت التي نوى وذلك أن المساجد وإن كانت بيوتا في لسان العرب بدليل قول الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] فليست بيوتا في عرف كلام الناس؛ إنما البيوت عندهم في عرف كلامهم بيوت السكن فحمل يمينه على عرف الناس لا على ما يقع عليه اسم بيت في اللسان العربي، فعلى هذه العلة لا يحنث إذا اجتمع معه في الحمام، خلاف قوله في سماع أبي زيد وهذا أصل مختلف فيه في المذهب، والقولان قائمان من المدنية، قال فيها في الذي يحلف ألا يأكل لحما فأكل لحم الحوت إنه حانث إلا أن تكون له نية لأن الله سماه لحما، وإن كان اللحم في عرف كلام الناس إنما يوقعونه على لحم ذوات الأربع.
وأما ما في سماع أبي زيد من أنه لا يحنث إذا جامعه في سقيفة فيها طريق في مروره بها فلا يحنث باتفاق، إذ ليست السقيفة التي تحتها الطريق ببيت في اللسان ولا في عرف الكلام إلا أن يقصد إلى الاجتماع معه فيها فيحنث إن كان إنما قصد هذا اجتنابه وترك مجامعته بالجلوس وغيره، وإن لم يكن نوى ذلك فلا حنث عليه عند ابن القاسم، ولكن لا يحنث عنده إذا دخل معه تحت ظل شجرة أو جدار أو شيء، قاله في المدونة وقال ابن نافع فيها: إنه حانث إن دخل معه تحت ظل جدار أو شجرة أو شيء، وأما إن حلف ألا يجمعه وإياه سقف ولم يقل سقف بيت فقال ابن حبيب: إنه لا يجامعه في مقعد ولا موقف لا تحت سقف ولا في صحراء إلا أن يريد ترك مجامعته في البيوت المسكونة وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لامرأته بالطلاق ثلاثا ألا يكسوها وكانت لها ثياب مرهونة عند رجل
مسألة وعن رجل حلف لامرأته بالطلاق ثلاثا ألا يكسوها وكانت لها ثياب مرهونة عند رجل فافتكها لها أو حلف إلا يطعمها وكان لها طعام مرهون فافتداه لها، قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: أرى الطلاق قد وقع عليه بأنها قد طعمت ولبست ولقد عرضتها على مالك فردها علي وأنا أراه أنه حانث إلا أن يكون نوى استحداث ثياب يشتريها أو طعاما يشتريه سوى ذلك فإن كانت تلك نيته وقال: لم أرد هذا وإنما أردت استحداثا لم ير عليه شيئا، وإن لم تكن له نية فهو حانث.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في المدونة في هذه المسألة وقول ابن القاسم فيها: إنه حانث إلا أن يكون أراد الشراء صحيح بين، إذ لم يحلف على الشراء فيحمل عليه حتى يريد ما سواه، وإنما حلف ألا يكسوها، وإذا افتك لها الثياب فكأنه قد كساها إذ لم تصل إلى لباس الثياب إلا بافتدائه لها، وأيضا فقد صار ممتنا عليها بلباسها الثياب، والظاهر من يمينه أنها من ناحية المن وبالله التوفيق.
مسألة: خرجت امرأته تزور بعض أهلها فحلف زوجها بطلاقها واحدة ألا يرسل إليها بنفقتها
مسألة قال ابن القاسم في رجل خرجت امرأته تزور بعض أهلها فحلف زوجها بطلاقها واحدة ألا يرسل إليها بنفقتها حتى تكون هي التي ترسل، فمكث زمانا فكرهت أن ترسل فاستدانت على نفسها بنفقة ثم طلبت النفقة من زوجها بكل ما غابت عنه، وقال الزوج: أنت الذي تركت ذلك حين لم ترجعي إلى بيتك ولم تطالبه مني.
إن لها النفقة لكل ما غابت، وذلك أنه لو شاء أن ينقلها إلى
نفسه نقلها ومنعها أن تستدين، ولو حلف بطلاقها البتة لرأيت أن لها النفقة أيضا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى لها النفقة لكل ما غابت وذلك أنه لو شاء أن ينقلها إلى نفسه نقلها، يدل على أنه لو أرسل إلى نقلها فأبت من الانتقال إليه وغلبته على ذلك لم يكن لها أن تتبعه بما أنفقت على نفسها واستدانته، فلا نفقة للناشز على زوجها بدليل هذه الرواية، وفي شرح الأبهري الكبير أن ذلك إجماع من أهل العلم؛ إذ الامتناع بالاستمتاع ومنها، وفي كتاب محمد بن المواز عن مالك أن لها النفقة، قال في امرأة غلبت زوجها فخرجت من منزله فأرسل إليها فلم ترجع فامتنع من النفقة عليها حتى ترجع فأنفقت على نفسها ثم طلبته بذلك، قال: ذلك لها عليه يغرمه لها، وإلى هذا ذهب سحنون في كتابه لأنه فرق بين أن تنشز عنه مدعية للطلاق أو بغضة فيه، فقال: إن نشزت عنه بغضة فيه فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده، وذهب ابن الشقاق إلى أنها لا نفقة لها قياسا على مذهب ابن القاسم في المدونة في التي تغلب زوجها فتخرج من منزله في عدتها من الطلاق البائن وتسكن غيره أنها لا كراء لها على الزوج في البيت الذي سكنته، وليس ذلك بصحيح لأن ابن القاسم قد فرق بين المسألتين في كتاب ابن المواز، فأوجب للناشز النفقة بخلاف مسألة العدة، والفرق بينهما بيّن؛ لأن السكنى إنما يتعين لها في المسكن الذي طلقها فيه لا في ذمته فليس لها أن توجب في ذمته ما لم يجب لها فيها، وقالوا: إن الاختلاف في هذا جارٍ على اختلافهم في النفقة على الزوجات هل هو واجبة بحق العقد أو بحق الاستمتاع، ولا يستقيم ذلك لأنها لو وجبت بحق العقد لوجبت للصغيرة التي لا يوطأ مثلها على زوجها الصغير والكبير، ولو وجبت بحق الاستمتاع لسقطت النفقة عن الزوج في زوجته إذا حدث بها بعد الدخول داء لا يقدر معه على الوطء أو مرضت مرضا لا يمكن معه جماعها، فالمعنى في ذلك عندي إنما هو أن النفقة لما كانت مرة يعتبر فيها
الاستمتاع دون العقد ومرة يعتبر فيها العقد دون الاستمتاع اختلف فيها أيهما يغلب في الناشز، وعلى هذا اختلفوا في الكبير يتزوج التي لا يوطأ مثلها فمن غلب في النفقة حق الاستمتاع لم يوجب لها نفقة عليه حتى يدعى إلى الدخول وهو المشهور في المذهب، ومن غلب حق العقد رأى لها النفقة حتى يحال بينه وبين الدخول، وهو دليل ما في الزكاة الثاني من المدونة وتفرقة من فرق في ذلك بين اليتيمة وغير اليتيمة استحسان إذ لا يخرج موجب النفقة لها عن أخذ القولين والله أعلم.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا ينفع فلانا فأمر غلامه أن يسقيه فسقاه
مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته ألا ينفع فلانا فأمر غلامه أن يسقيه فسقاه، ولم يكن ذلك في نيته أن يسقيه وإنما أراد ألا ينفعه، إني أرى الطلاق قد وقع عليه.
وذلك أن سقيه إياه منفعة، إلا أن تكون له نية من سلف أو غيره.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه قد عم جميع وجوه المنافع بقوله ألا ينفع فلانا فوجب أن يحنث إلا أن تكون له نية في وجه من وجوه المنافع، دون غيره فيصدق في ذلك مع يمينه، وإن قامت عليه بينة؛ لأنها نية محتملة غير مخالفة لظاهر قوله وبالله التوفيق.
مسألة: قال إن لم أحج فامرأتي طالق البتة ولم يسم العام الذي يحج فيه
مسألة وقال في رجل قال: إن لم أحج فامرأتي طالق البتة ولم يسم العام الذي يحج فيه: إنه لا يطأ امرأته ولا ينبغي له ذلك حتى يحج، فإن قال بيني وبين ذلك زمانا قيل أحرم واخرج، فإنها إن رفعت ذلك ضرب لها أجل المولي، قلت: فإن لم يحج من عامه وعليه من الزمان ما يحج مثله، قال ابن القاسم: إن رضيت امرأته أن تقيم معه بغير مسيس فليحج متى شاء، وإن رفعت أمره أو طلبت المسيس قيل له أحرم، وإن كان ذلك في المحرم، فإن أبى أن يحرم ضرب له أجل المولي فإن أحرم في ذلك الأجل لم
يفرق بينه وبين امرأته وإن مضت أربعة أشهر ولم يحرم طلقت عليه.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية مثل ظاهر قول ابن القاسم في المدونة إن الحالف بطلاق البتة إن لم يحج يمنع من الوطء من يوم حلف، وإن لم يأت بعد إبان خروج الناس إلى الحج، فإن رفعت امرأته أمرها إلى السلطان ضرب له أجل المولي، قال غيره في المدونة: إذا تبين ضرره بها، وقيل له: اخرج وأحرم وإن كان ذلك في المحرم، ومعنى ذلك على ما قاله عيسى بن دينار إذا وجد صحابة، وأما إذا لم يجد صحابة فلا يؤمر بالإحرام ولا يضرب له أجل المولي، وفي المسألة قول ثان وهو أنه لا يمنع من الوطء ولا يضرب له أجل المولي حتى يأتي وقت إبان خروج الناس إلى الحج، روى ذلك ابن نافع عن مالك، فإن ضرب له أجل الإيلاء وخرج فأدرك الحج قبل انقضاء أجل الإيلاء فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله، وإن انقضى أجل الإيلاء قبل وقت الحج لم يطلق عليه حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى وقت الحج فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه بالإيلاء، وإن لم يضرب له أجل الإيلاء ولا خرج حتى فاته الحج ضرب له أجل الإيلاء أيضا وقيل له: اخرج وأحرم على القول الأول، وأما على القول الثاني فقيل: إنه يطلق عليه وهو قول ابن القاسم، وقيل: إنه يرجع إلى الوطء حتى يأتي وقت إبان خروج الناس إلى الحج، وهو قول أشهب وقيل: إنه لا يرجع إلى الوطء أبدا ويضرب له أجل الإيلاء متى ما قامت به امرأته وفي المسألة أيضا قول ثالث وهو أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى أن يفوته الحج، فإذا خشي فواته وقامت به امرأته ضرب له أجل المولي وقيل له: اخرج فإن خرج فأدرك الحج بإسراع السير بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يدرك الحج طلق عليه بالإيلاء إن كان قد انقضى أجله أو عند انقضائه إن كان لم ينقض بعد، وفي المسألة أيضا قول رابع وهو أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى أن يفوته الحج، فإذا فاته الحج وقامت به امرأته ضرب له أجل الإيلاء، فإن خرج لم تطلق عليه بانقضاء أجل الإيلاء حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى
وقت الحج فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن أتى وقت الحج فلم يحج طلق عليه بالإيلاء، وإن لم يخرج حتى انقضى أجل الإيلاء طلق عليه بالإيلاء، وهذان القولان الثالث والرابع من المدونة، وإن كان يوم حلف لم يبق بينه وبين وقت الحج ما يدرك فيه الحج فلا يمنع من الوطء ولا يدخل عليه الإيلاء في بقية ذلك العام، وهو دليل قوله في الرواية، فإن لم يحج من عامه وعليه من الزمان ما يحج في مثله فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يدعها تخرج شهرا إلا لنقلة من منزل إلى منزل
مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يدعها تخرج شهرا، إلا لنقلة من منزل إلى منزل فأراد أن يخرج بها إلى قرية ثم يرجع قال: لا أرى أن يخرج بها إلا أن يريد الخروج بها من ذلك المنزل.
قال محمد بن رشد: قوله إلا أن يريد الخروج من ذلك المنزل معناه إلا أن يريد الانتقال من ذلك المنزل، وذلك لا يكون إلا بأن ينتقل عنه انتقالا صحيحا بجميع متاعه، فإذا فعل ذلك فلا حنث عليه، قال في سماع أبي زيد: وذلك إذا كان لخروجه مكث طويل شهرا أو نحوه، وذلك أنه حد من حلف لينتقلن من هذا المنزل استحسانا ولو رجع فيما دون الشهر لم يحنث على ما مضى القول فيه في آخر رسم من سماع أشهب وفي غيره وبالله التوفيق.
مسألة: يأمر امرأته أن تعمل عملا ويقول أنت طالق إن لم تفرغي منه
مسألة وقال في الرجل يأمر امرأته أن تعمل عملا ويقول أنت طالق إن لم تفرغي منه إلى أن أرجع إليك إن لم أهجرك أنه يهجرها ثلاثة أيام، يعني إذا لم تفرغ قبل رجوعه، فإن لم يهجرها فهو حانث.
قال محمد بن رشد: قد حكى ابن حبيب خلاف هذا عن ابن القاسم أنه لا يبر إلا بأن يهجرها شهرا، ولو قال إن لم أطل هجرانك لبر على القول الأول بالشهر، وهو قول ابن الماجشون، وعلى القول الثاني لا يبر إلا بأن يهجرها سنة، ولو قال أن أهجرك حينا أو زمانا لبر بالسنة واختلف في الدهر، فقيل فيه السنة، وقيل أكثر من السنة، روي ذلك عن مالك، وقال مطرف السنتان في الدهر قليل وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة
مسألة وقال عن مالك في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة إنها طالق ساعتئذ، قال ابن القاسم: وإن لم أدخل الجنة عندي مثله.
قال محمد بن رشد: ساوى ابن القاسم بين أن يحلف الرجل بالطلاق أنه من أهل الجنة وبين أن يحلف ليدخلن الجنة في أن الطلاق قد وجب عليه، ومثله في المبسوطة لمالك إذا حلف على ذلك حتما، وقال الليث بن سعد: إنه لا شيء عليه، ونزع بقول الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] وإليه ذهب ابن وهب ولا يخلو الحالف على هذا من أن يريد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار أو أنه من أهل الجنة الذين لا يخلدون في النار أو لا تكون له نية في شيء من ذلك، فأما إن أراد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار فتعجيل الطلاق عليه بين ظاهر؛ لأن المسلم لا يسلم من مواقعة الذنوب، إذ لا يعصم منها الأنبياء فضلا عمن سواهم، قال الله عز وجل لنبيه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وفي وصية الخضر لموسى: واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد
عامل شرا، ولا يدري الحالف هل يغفر الله له ذنوبه أم لا؟ لأنه عز وجل يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] فالحالف على هذا إنما هو حالف على أن يغفر الله ذنوبه، فهو حالف على غيب لا يعلمه إلا الله، ولا اختلاف في إيجاب تعجيل الطلاق على من حلف، فلا ينبغي أن يختلف على هذا الوجه، وأما إن أراد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يخلدون في النار فالمعنى في يمينه إنما هو لا يكفر بعد إيمانه ولا ينتقل عن إسلامه وليثبتن عليه إلى الموت، الحالف على هذا حالف ليفعلن ما أمر به من الثبوت على الإسلام حتى يأتيه الموت وهو عليه، قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] أي اثبتوا على إسلامكم حتى يتوفاكم ملك الموت فهذا بين أنه لا شيء عليه؛ لأنه إنما هو حالف ألا يكفر وأن يثبت على إسلامه، فهو في التمثيل كمن حلف بالطلاق أن يقيم في هذه البلدة ولا يخرج منها حتى يأتيه الموت فلا شيء عليه، لا يجب عليه الطلاق إلا بالخروج من البلدة، فكذلك هذا لا يجب عليه الطلاق إلا بالكفر، فلا ينبغي أن يختلف في هذا أيضا، وأما إن لم تكن له نية فالظاهر من مذهب مالك وابن القاسم أن يمينه تحمل على الوجه الأول فيعجل عليه الطلاق، والأظهر أن يفرق بين اللفظين فيحمل قوله: إن لم أكن من أهل الجنة على الوجه الأول فيعجل عليه الطلاق، والأظهر فيه أنه لا يطلق القول على أحد أنه من أهل الجنة إلا إذا لم يدخل النار، ويحمل قوله إن لم أدخل الجنة على الوجه الثاني فلا يكون عليه شيء؛ لأن الظاهر من قوله إن لم أدخل الجنة إن لم أدخلها أصلا، فهو بمنزلة ما لو قال: إن خلدت في النار، وذلك يرجع إلى أنه إنما حلف ألا يكفر وأن يثبت على إيمانه، وأما قول الليث بن سعد وابن وهب فمعناه عندي أنهما حملا يمينه إذا لم تكن له نية على الوجه الثاني، ولهذا قال إنه لا شيء عليه، ولا يصح أن يتأول عليهما أنهما حملا يمينه على الوجه الأول ولم يوجبا عليه الطلاق؛ لأن ذلك يخرج إلى الإرجاء الصريح ومن
الحق أن ينزها عن أن يتأول عليهما ما يخرج إلى هذا فالاختلاف في هذا بين مالك والليث إنما يعود إلى ما يحمل عليه يمينه إذا لم تكن له نية وبالله التوفيق.
مسألة: قال كل ثيب أنكحها فهي طالق ثم قال بعد ذلك كل بكر أنكحها فهي طالق
مسألة وقال في رجل كل ثيب أنكحها فهي طالق، ثم قال بعد ذلك كل بكر أنكحها فهي طالق أنه يجوز له نكاح الصنف الذي حلف عليه آخرا ولا يجوز له نكاح الصنف الأول وهو رأي ابن القاسم، وأما مالك فليس قوله، سمعت مالكا يقول: لا ينكح واحدة منهما ولست أراه بارا أن ينكح الآخرة منهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم أظهر، وقد وقع له مثله في آخر رسم الصلاة من سماع يحيى؛ لأن اليمين لازمة له في الصنف الأول، فهو يجوز له نكاح شيء منه فكان بمنزلة من قال بعد ذلك كل امرأة أنكحها بأرض الإسلام فهي طالق وهو لا يقدر على الدخول إلى أرض الحراب، أو بمنزلة من قال كل امرأة أتزوجها إلا بالصين فهي طالق وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأتي طالق لأن رؤي الليلة الهلال إن صمت غدا مع الناس فرئي الهلال تلك الليلة
مسألة وعن قوم اجتمعوا في منزل فذكروا هلال رمضان فقال بعضهم: هو يرى الليلة، فقال رجل منهم: امرأتي طالق لأن رؤي الليلة الهلال إن صمت غدا مع الناس، فرئي الهلال تلك الليلة فخرج الرجل من جوف الليل إلى سفر فأفطر وخرج إلى سفر تقصر فيه الصلاة ويجوز في مثله الفطر.
قال: أرى عليه الطلاق إلا أن يكون نوى ذلك فيدينه وإن كانت عليه بينة فله نيته.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن
الظاهر من مقصده أنه لم ينو ذلك، وأنه إنما أراد أن يخالف الناس فيما يجب عليه من الصيام ورؤيته إياه فيفطر وهو مقيم، فإن كان نوى ذلك فيدين في نيته يريد مع يمينه، وإن كانت عليه بينة لأنها نية محتملة لا تخالف ظاهر قوله وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق إلى ألف سنة أو خمسمائة سنة
مسألة قال ابن القاسم: إنا نقول فيما بلغنا ونظنه من قول مالك، من قال لامرأته أنت طالق إلى ألف سنة أو خمسمائة سنة لا طلاق عليه، وإنما الطلاق في الأجل الذي يطلق به عليه ساعتئذ كل أجل كان يبلغه أعمار الناس، فكل أجل لا تبلغه الأعمار فليس بطلاق.
قال محمد بن رشد: قوله: فأما كل أجل لا تبلغه الأعمار فليس بطلاق يريد الأعمار الذي يعمر إليها المفقود على الاختلاف الذي بينهم في ذلك وقد مضى هذا في رسم سلف وبالله التوفيق.
مسألة: قال قد حلفت بالطلاق حتى إن امرأتي مني حرام
مسألة قال ابن القاسم وسئل مالك عن رجل قال: قد حلفت بالطلاق حتى إن امرأتي مني حرام.
قال: يحلف بالله ما أراد الطلاق وما امرأته معه حرام ويخلى بينهما.
قال محمد بن رشد: قال ابن دحون في هذه المسألة إنها مسألة حائلة لا أصل لها في الفتيا إذ كان يجب أن يتبين منه بإقراره وإلى هذا ذهب ابن زرب فجعل أول مسألة من رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى مخالفة لها، وليس كما قاله؛ إذ ليس ذلك بإقرار صريح لأنه لم يقر أنه
حنث، فاحتمل عند مالك أن يكون أراد أنه خشي على نفسه الحنث لكثرة أيمانه بالطلاق فلذلك نواه مع يمينه والله أعلم.
مسألة: يحلف لامرأته بطلاق كل امرأة ينكحها عليها فهي طالق البتة فيتزوج عليها سرا
مسألة وسئل عن الرجل يحلف لامرأته بطلاق كل امرأة ينكحها عليها فهي طالق البتة، فيتزوج عليها سرا لا يعلم بذلك ثم يموت وقد علم الشهود بذلك أو لم يعلموا، فقام الشهود أترثه هذه المرأة التي تزوج عليها؟.
قال: أما إذا علموا فلا شك أنها ترثه، وأما إذا لم يعلموا فقد اختلف فيه ورأيي أنها ترثه.
قال محمد بن رشد: قوله: وقد علم الشهود بذلك أو لم يعلموا، علموا بتزويجه ودخوله عليها أو لم يعلموا بذلك فورثها منه إذا علم الشهود بذلك فلم يقوموا عليه حتى مات؛ لأنه أسقط شهادتهم بترك قيامهم بها، وكذلك لو ماتت هي لورثها هو إذا كان منكرا لليمين؛ لأن الشهادة قد بطلت بترك قيامهم بها، وسحنون لا يرى ترك قيامهم بالشهادة لاختلاف الناس في لزوم اليمين بالطلاق قبل النكاح وهو قول مالك في رواية أبي ضمرة من سماع حسين بن عاصم من كتاب الشهادات قوله فيه: فأما الشهادة بالحنث فإن ذلك ماضي، وإنما ورثها منه إذا لم يعلم الشهود من أجل أن القيام عليه إنما كان بعد موته لا من أجل اختلاف الناس في اليمين إذ لم يقل بذلك ولا رعاه، ولو ماتت هي لم يرثها هو على هذا التعليل، وهو قول مالك في رسم حمل صبيا قبل هذا، ولو كان القيام عليه قبل موته لم يتوارثا إذ لم يراع في ذلك الاختلاف في اليمين، وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه جعل عليها العدة ثلاث حيض فدل ذلك على أنه لا ميراث بينهما، ويأتي على ما في سماع أبي زيد من أنه لا يفرق بينهما إذا دخلا مراعاة الاختلاف أنهما يتوارثان أيضا مراعاة للاختلاف، وقد مضى في رسم إن خرجت ما فيه بيان لما ذكرناه وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إلى سنة إلا أن يبدو لي ألا أطلقك
مسألة وسئل مالك عن الذي يقول لامرأته أنت طالق إلى سنة إلا أن يبدو لي ألا أطلقك أو يقول لعبده أنت حر إلا أن يبدو لي ألا أعتقك، فهذا كله سواء الأجل وغير الأجل في هذا سواء أراها طالقا وأراه حرا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو بين لا اختلاف فيه لأن قوله في الطلاق والعتق بعد أن أوقع ذلك على نفسه معجلا أو إلى أجل: إلا أن يبدو لي بداء منه في الطلاق والعتق الذي أوجبه على نفسه وذلك لا يجوز له، ولو قال امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو أو إلا أن أرى غير ذلك لكان ذلك له، وقد مضى في رسم أوصى القول بالاستثناء في مشيئة الله باليمين بالطلاق كله، وتدبر افتراق المعاني فيه تصب إن شاء الله.
حلف بالطلاق في خصومة بينه وبين رجل ألا يفارقه حتى يبلغ أقصى حقه
ومن كتاب البراءة
وسئل عن رجل حلف بالطلاق في خصومة بينه وبين رجل ألا يفارقه حتى يبلغ أقصى حقه في خصومته معه فوجد شاهدا واحدا قيل له احلف مع شاهدك وخذ حقك فنكل عن اليمين.
فقال إن كان حقا يعلمه فنكل فهو حانث وإن كان لا يعلم أحق هو أم باطل إلا بشهادة الشاهد من موروث وقع له أو لغيره فترك اليمين فهو أيضا حانث، وإن كان يعلم يقينا أنه لا حق له عليه وإنما أراد غيظه وأراد ألا يأخذ منه شيئا تلك نيته فترك اليمين فلا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
مسألة: قول الرجل امرأته طالق ثلاثا إن لم أطلقها عند رأس الهلال واحدة
مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يحلف بالطلاق البتة ليطلقها رأس الهلال واحدة ثم أراد أن يتعجل تلك التطليقة فيطلقها قبل رأس الهلال هل ترى ذلك يخرجه من يمينه إن فعل؟ أو قال أنت طالق واحدة إن لم أطلقك عند رأس الهلال واحدة، هل الواحدة أو البتة في ذلك سواء؟.
قال: إن طلقها قبل رأس الهلال التطليقة التي جعل عند رأس الهلال لم يكن عليه إلا تطليقة واحدة، ولو لم يطلقها أيضا كانت طالقا واحدة ساعة تكلم بذلك ولم يؤخر إلى رأس الهلال ولو أبى إذا حلف بالله وقف فقيل له إما أن تطلق الساعة واحدة أو طلقت عليك البتة.
قال محمد بن رشد: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قول الرجل امرأته طالق ثلاثا إن لم أطلقها عند رأس الهلال واحدة، ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن القاسم هذا إنه إن عجل عليه التطليقة التي جعل عند رأس الشهر [لم يكن عليه غيرها يأتي على مذهبه في المدونة في الذي يقول امرأتي طالق إن لم أطلقها أنه يعجل عليه الطلاق، والثاني أنه إن عجل الطلقة التي جعل عند الشهر لم يلزمه غيرها وإن أبى أن يعجلها ترك ولم يوقف على الطلاق، فإن لم يطلق حتى يحل الشهر بانت منه بالثلاث، وهو قول أصبغ وسحنون، وعليه يأتي ما في سماع أبي زيد من كتاب التخيير والتمليك؛ والثالث أنه لا يوقف حتى يأتي الشهر فيبر بالطلاق عنده أو يحنث، وإن عجل التطليقة قبل أن يأتي الشهر] لم يخرجه ذلك من يمينه ولم يكن له بد من أن يطلق عند رأس الهلال وإلا حنث، وهو قول المغيرة، وقد مضى تحصيل القول وبيانه في هذه المسألة في رسم حلف من سماع ابن القاسم من
كتاب التخيير والتمليك وفي رسم أوصى من سماع عيسى منه حاشى قول المغيرة هذا، وبالله التوفيق.
مسألة: ضايقه أبوه في شيء فحلف بالطلاق ألا يدخل تلك القرية سنة إلا عابر سبيل
مسألة وقال ابن القاسم في رجل ضايقه أبوه في شيء وكان ساكنا معه في قرية فحلف بالطلاق ألا يدخل تلك القرية سنة إلا عابر سبيل، فقدمها مجتازا فبات ليلة ثم أصبح غاديا أو قدمها في أول النهار فرحل عنها من يومه أو مع الليل أو بعد العصر.
قال: إن كان وجهه حين مر بها لغيرها لم يتعمد في الخروج إلى ذلك الموضع إرادة المرور بها إلا لحاجته إلى موضع غيرها ثم نزل بها مجتازا فلا بأس بما أقام إذا كان لا يقيم إلا كما يقيم المسافر لصلاح حاجته وما لا بد له كما يصنع الناس في المناهل، وليس في ذلك وقت إذا لم تكن إقامته للمنزل خاصة، وإن أراد الإقامة فلا بأس أن يتباعد عنها.
وحد ما يتباعد الخمسة أميال والعشرة ونحوها.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا حلف ألا يدخل القرية إلا مجتازا فلا بأس عليه في إقامته بها لصلاح حاجته إذا مر عليها مجتازا عليها إلى غيرها صحيح بيّن في المعنى لا اختلاف فيه، ولا حد على ما ذكر ولو حبسه بها كريه اليوم بعد اليوم لم يحنث ما لم ينو أن يقيم بها إقامة تلزمه إتمام الصلاة بها، وأما قوله: إذا أراد الإقامة بها فإنه يتباعد عنها الخمسة الأميال والعشرة أميال ونحوها فقد مضى في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب ما في حد ذلك من الاختلاف فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
قال لختنه زوج ابنته إني أسألك حاجة فاحلف لي بالطلاق أن تقضيها
وفي كتاب الجراب وسألته عن رجل قال لختنه زوج ابنته إني أسألك حاجة
فاحلف لي بالطلاق أن تقضيها، فحلف بطلاق امرأته البتة أن يقضيها، فقال له: طلق ابنتي فطلقها واحدة، فقال الأب: إنما أردت البتة كيف الأمر في هذا؟
قال ابن القاسم: القول قول الختن وهي البتة إذا كان كلامه ذلك كلاما واحدا كما ذكرت على المراجعة والنسق، وهي طالق على كل حال ثلاثا قد حلف له بالبتة ليفعلن وقد أراد الأب البتة حين راجعه في كلامه فقال إنما أردت البتة، وإنما سألتك البتة فهي البتة وإن افترقا وتداعيا بعد ذلك فقال الزوج: إنما سألتني واحدة وقد طلقتها، وقال الأب بل سألتك البتة فالقول قول الزوج والبينة على الأب؛ لأنه مدعى عليه بطلاق البتات، والزوج منكر فالقول قول الزوج ويحلف.
قيل لسحنون ما تقول في عبد قال لسيده إني أسألك حاجة أفتقضيها لي؟ قال: نعم، فقال له العبد: فاحلف لي أن تقضيها لي، فقال له السيد: امرأته طالق إن لم أقضها لك، فقال له العبد: فاعتقني.
قال: لا يلزمه عتقه وليس بحانث لأن هذه ليست من الحوائج التي يقضيها الناس، ولا يسألونها، قيل له: فلو قال له العبد لما أسعفه المولى بقضاء حاجته قال ما أقول لك؟ فقال المولى: امرأته طالق إن لم أقل ما تقول، قال العبد: قل أنت حر، قال أراه حانثا إن لم يقل كما قال العبد؛ إلا أن يستثني السيد بيمينه إلا أن تقول أنت حر.
قال محمد بن رشد: لم يتكلم ابن القاسم على مسألة سحنون في الذي استحلف سيده بالطلاق أن يقضي له حاجته، فلما حلف له قال اعتقني ويشبه ألا يخالفه ابن القاسم فيها لأن المسألتين مفترقتان بأن العبد
سأل العتق لنفسه ولم يسأله له غيره، وسأل الطلاق للمرأة غيرها ولم تسأله هي لنفسها؛ لأن من أعتق لا يقال له في عرف التخاطب إنه قضيت له حاجة بعتقه، وكذلك الطلاق لأنهما أعلى بأن يسميا حاجة في حق المعتق والمطلقة، وإنما يصح أن يسميا حاجة في حق من سأل ذلك لهما لغرض يكون له فيه، قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: 68].
وأما سحنون فساوى بين المسألتين، وذلك أن له في كتاب ابنه في مسألة ابن القاسم أن الزوج لا يلزمه الطلاق وإن قال: لم أظن أنك تسألني مثل هذا؛ لأن هذا ليس من الحوائج التي يتعارف الناس سؤالها إلا أن يكون جرى من الكلام ما يظن أنه أراد بحاجته الطلاق.
وذهب ابن دحون إلى أن يرد قول ابن القاسم إلى قول سحنون فقال: إنما ألزمه ابن القاسم الطلاق لأنه أسعفه فيما سأله، ولو قال له ليست هذه من الحوائج التي تنقضي لما لزمه شيء على ما فسره سحنون في مسألة العبد.
والصواب أن ابن القاسم يوافق سحنون في مسألة العبد ويخالفه فيما له في كتاب ابنه في مسألة الطلاق للفرق الذي ذكرناه بين المسألتين والله تعالى الموفق.
والظاهر من قول سحنون أن السيد إذا استحلفه العبد بالطلاق أن يقول مثل قوله، فقال له العبد: قل أنت حر، فإنه إن قال ذلك لزمته حرية العبد، وان لم يقله لزمه طلاق امرأته، وهذا يأتي على القول بأن العتق يلزم باللفظ دون النية، وعليه يأتي قول أشهب في مسألة ناصح ومرزوق من كتاب العتق الأول من المدونة، وعلى قول القاسم لا يلزمه الحرية وإن قال ذلك إلا أن يقوله وهو يريد بذلك الحرية على طريقة الإسعاف وبالله التوفيق.
مسألة: عبد قال كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق
مسألة وسألته عن العبد يقول كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق، أو يقول كل امرأة أنكحها في أرض الإسلام فهي طالق، والحر يقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
قال ابن القاسم: أما العبد الذي قال كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق، فإن ذلك يلزمه لأن ذلك أجل، بمنزلة الذي يقول كل امرأة أتزوجها ما دامت أمي حية فهي طالق فهو على مثل ما قال؛ لأن ذلك أجل فهو بمنزلة أو أشد، فإن قلت إن ذلك حرم النساء كلهن ما دام عبدا فليس له أن يحرم النساء جميعا، فإن هذا أيضا قد حرم النساء جمعا ما دامت أمه باقية، وإنما لزمهما ذلك من قبل أنه أجل حياة أمه والحرية كأنها أجل إلا أن يخاف العنت ولا يقدر على التسرر فلا بأس أن ينكحها، وأما الذي قال كل امرأة أتزوجها بأرض الإسلام فإن كان يقدر على الدخول في أرض الحرب فعل وإلا لم أر بأسا أن ينكح، وأما الذي قال كل حرة أتزوجها بأرض الإسلام فهي طالق فهو كما قال قد حرم عليه الحرائر لأنه قد أبقى لنفسه من النساء الإماء ونكاح الإماء له حلال.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما بني عليه أصل المذهب من أن من حلف بطلاق ما يتزوج فحنث أو طلق ذلك من غير يمين يلزمه إذا خص ولا يلزمه إذا عم، والتخصيص يكون بالأعيان وبالأزمان وبالبلدان وبالانتساب فمن التخصيص بالأعيان أن يخص الحرائر دون الإماء أو الإماء دون الحرائر أو الأبكار، دون الثيب والثيب دون الأبكار، ومن التخصيص بالأزمان أن يقول كل امرأة أتزوجها إلى أجل كذا وكذا مما يبلغه عمره على ما مضى في رسم الرهون وغيره أو ما دمت عبدا
أو ما دام فلان حيا وما أشبهه ذلك، فهذا يلزمه إلا أنه يباح له التزويج إن خشي العنت على نفسه ولم يكن له من المال ما يتسرر به؛ لأنه قد حرم على نفسه جميع النساء في هذه الحال، ومن التخصيص بالبلدان أن يقول كل امرأة أتزوجها في مصر أو فيما عدا مصر وما أشبه ذلك، ومن ذلك أن يقول كل امرأة أتزوجها بأرض الإسلام فهي طالق وهو يقدر على الدخول في أرض الحرب، إلا أن هذا يختلف فيه، فقال ابن القاسم هو تخصيص يلزمه، وقال أصبغ ليس بتخصيص فلا يلزمه، كمن استثنى عددا يسيرا من النساء أو من قرية صغيرة، وأما إن كان لا يقدر على الدخول إلى أرض الحرب فلا يلزمه لأنه كالعموم، وقد اختلف فيمن استثنى نسوة سماها عشرا أو نحوها، فقال ابن القاسم: فهو كالعموم لا يلزمه ذلك، وقال مطرف: إن كان فيما استثنى أيضا لا زوج لها يحل له نكاحها في الحال لزمته اليمين، وقال ابن الماجشون: إن كان فيمن استثنى يحل له نكاحها يوما بعد زوج أو بعد طلاق زوج، وإن لم يكن فيهن من يحل له نكاحها في هذه الحال لزمته اليمين، قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم رخصة وتوسعة، وقول مطرف استحسان، وقول ابن الماجشون هو القياس وبالله التوفيق.
ومن التخصيص بالأنساب أن يقول كل امرأة أتزوجها من قريش أو إلا من قريش وما أشبه ذلك وبالله التوفيق.
قال لامرأته إن أمكنتني من حلق رأسك فلم أحلقه فأنت طالق البتة
ومن كتاب إن أمكنتني من حلق رأسك
قال ابن القاسم في رجل قال لامرأته إن أمكنتني من حلق رأسك فلم أحلقه فأنت طالق البتة، قلت فإن أراد أن يحلق بعد ذلك وأمكنته امرأته قال: لا ينفعه ذلك وقد حنث، وقاله ابن وهب.
قال محمد: هذا بين على ما قال لأنه علق الحلق، بالتمكين في يمينه وأوجب الطلاق على نفسه بتركه الحلق بعد
التمكين فوجب أن يحنث إذا أمكنته فلم يحلق، كما لو قال أنت طالق إن أمكنتني من حلتا رأسك لأحلقنه، فأمكنته فلم يحلق ثم أمكنته مرة أخرى فحلق لبر في يمينه، وإن لم تمكنه من الحلق لم يكن له أن يطأها حتى يحلق رأسها، فإن طلبته بحقها في الوطء ضرب له أجل الإيلاء فإن حل الأجل ولم يحلق طلق عليه بالإيلاء، وإن حلق في الأجل بر في يمينه وسقط عنه الإيلاء، وإن لم تطلبه بحقها في الوطء ولا حلق حتى مات أحدهما توارثا.
لأن الحنث لا يقع عليه إلا بعد الموت إلا أن ينوي ليحلقن رأسها ساعة أمكنته من ذلك فيحنث بذلك، وقد قيل إنه محمول على التعجيل حتى يريد التأخير، والأول هو المشهور في المذهب، ولا فرق بين أن يقول الرجل امرأتي طالق إن لم أحلق رأسها وبين أن يقول امرأتي طالق لأحلقنه إن أمكنتني فأمكنته إذا لم يرد بذلك التعجيل، يبين هذا الذي ذكرناه قول مالك في أول سماع أشهب من كتاب النذور في الذي حلف إن أبق عبده ليضربنه فأبق فلم يضربه ثم أبق مرة ثانية فضربه أنه يبر بذلك وبالله التوفيق.
مسألة: قال الرجل لامرأته أنت طالق يوم يجيء أبي
مسألة وقال مالك إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق يوم يجيء أبي فإنه يمس امرأته حتى يجيء أبوه فإن جاء أبوه طلقت عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ومثله في المدونة وغيرها وهو مما لا اختلاف فيه لأنه طلاق إلى أجل قد يكون وقد لا يكون، ولو طلقها إلى أجل لا بد أن يكون مثل أن يقول امرأتي طالق إذا مات فلان أو يموت فلان لعجل عليه الطلاق، واختلف إذا طلقها إلى أجل الأغلب منه أن يكون مثل أن يقول امرأتي طالق إذا حاضت فلانة وهي في سن من تحيض، فقال ابن القاسم يعجل عليه الطلاق، وقال أشهب لا يعجل عليه،
واختلف في ذلك أيضا قول مالك وبالله التوفيق.
مسألة: قال المدين قد قضيتك فإذا أنكرت فأنا آتيك بحقك غدا فحلف له بالطلاق
مسألة وسئل عن رجل كان عليه خراج أرض فتعلق به فتحمل به رجل فغاب المتحمل به، فتعلق بالحميل فأتى بثلث دينار، فقيل له إن على صاحبك نصف دينار، فقال: لا والله لا أعرف إلا ثلث دينار، قيل له: اغرم السدس، فقال أنا آتيكم به غدا، قيل له احلف لنا بطلاق امرأتك أن تأتينا غدا بسدس دينار أو بصاحبنا، فحلف بالطلاق فخرج من عنده، فلما كان بالباب لقيه متقاضي الخراج الذي دونه، فشكى إليه وأخبره، فقال: لا والله ما على صاحبك إلا ثلث دينار، فارجع معي فرجع معه إلى الذي استحلفه، فقال له: لم ألزمت هذا بنصف دينار وليس على صاحبه إلا ثلث دينار؟ فقال له صاحبه الذي استحلفه: اذهب ليس عليك شيء، فخرج من عنده وذهب الأجل ولم يقضه.
قال: أراه قد حنث، قال: وكذلك لو أن رجلا تعلق برجل في حق له فقال له: قد قضيتك، وقال صاحب الحق: ما قضيتي، فقال المطلوب: أما أنا فقد قضيت، فإذا أنكرت فأنا آتيك بحقك غدا، فحلف له بالطلاق، ثم نظر صاحب الحق في كتاب تقاضيه أو ذكر أنه قد تقاضاه منه، فقال له: اذهب ليس لي عليك شيء قد وجدت ما ادعوت عليك باطلا أنه لا يخرجه من يمينه إلا أن يوفيه الحق وإلا حنث، ثم يرده عليه.
قلت فإن قامت للحالف بينة أنه قد قضاه ذلك الحق؟ قال: لو شهد له أبو شريح وسليمان بن القاسم لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه الحق ثم يرده إليه.
قال ولقد بلغني عن مالك في رجل أسلف أخاه عشرة دنانير، واتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه إلى شهر فمات أخوه المسلف قبل الشهر وليس له وارث إلا أخوه الحالف المستسلف، قال: أرى أن يأتي السلطان فيقضيها إياه ثم يردها عليه، قلت أفترى أنت ذلك؟ قال: نعم، إني لأستحسنه قلت: فلو لم يفعل أكنت تراه حانثا؟ قال: أحب أن يفعل، ولو وقع لم أره حانثا، وكذلك الذي يشتري الرأس ويكون ثمنه إلى أجل فيحلف بالطلاق أن يوفيه الثمن إلى أجل فيجد بالعبد عيبا يرد به أو يستحق بيديه قبل الأجل أنه لا يخرجه من يمينه حتى يوفيه الثمن إلى أجل فيعثر على البيع فيفسخ قبل الأجل لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه ما حلف له عليه.
قال ولو كان أعطاه درهما في درهمين إلى أجل ثم حلف بالطلاق أن يوفيه إلى الأجل ففسخ البيع بينهما قبل الأجل لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه ما حلف له عليه ثم رعه إليه.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها من شرح واحد فجرى فيها على أصل واحد وحملها على ما يقتضيه اللفظ ولم يراع في شيء منها المعنى الذي يظهر أن الحالف قصد إليه في يمينه وإن كان في بعضها أبين منه في بعض ما أذكر، أما الحميل الذي حلف ليعطين النصف الدينار الذي ادعى عليه من قبل المتحمل عنه، والغريم الذي حلف ليقضين الحق الذي ادعى عليه أنه لم يقضه فالمعنى فيهما جميعا سواء، وذلك أن كل واحد منهما حلف ليؤدين ما ادعى عليه به وهو يعلم أنه لا شيء عليه من ذلك، فالمعنى في يمين كل واحد منهما أنه إنما حلف ليؤدين إلى المحلوف له ما يدعي أن له قبله ليتخلص من دعواه ومطالبته إياه، فوجب على مراعاة المعنى إذا أقر أنه لا حق له قبله ولا مطالبة له عليه ألا يحنث إن لم يدفع إليه ما كان يدعيه قبله إذ قد برئ منه وتخلص من مطالبته إياه
بإقراره أنه لا حق له ووجب على ما يقتضيه لفظ يمينه من أنه حلف ليدفعن إليه ما يدعيه قبله إن حنث لا سيما وهو إنما حلف ألا يدفعن ذلك إليه وهو يعلم أنه لا شيء له قبله منه، وأما الذي اشترى العبد بثمن إلى أجل فيحلف أن يؤدي الثمن إلى ذلك الأجل فيجد به عيبا يجب به رده فالمعنى في يمينه أنه حلف ليؤدين حقا عليه فيما يظن فوجب على مراعاة المعنى إذا وجد عيبا وسقط عنه الثمن ألا يحنث إذا لم يدفع إليه الثمن إلى الأجل إذا لم يحلف أن يتطوع بدفع ما ليس عليه ووجب على ما يقتضيه لفظ يمينه من أنه حلف ليدفعن إليه الثمن إلي الأجل أن يحنث إن لم يدفعه إليه حتى حل الأجل، والحنث في هذه أبين منها في المسألتين اللتين قبلها لأن الثمن إنما سقط عنه باختياره إذ لو شاء أن يلتزم العيب لالتزمه ولعله قد كان مغتبطا وإنما ردة فرارا من القضاء الذي عليه، ومن أصولهم أن الحنث يدخل بأقل الوجوه وقد تقدمت هذه المسألة في رسم إن خرجت وأما المتسلف الذي حلف ليؤدين السلف إلى الذي أسلفه إياه إلى أجل فمات المسلف قبل الأجل والحالف المستسلف وارثه فلا اختلاف في أن اليمين قد سقطت عنه سقوط السلف الذي حلف ليقضيه إلى الأجل، واستحسان مالك أن يقضي السلطان ثم يرده عليه ضعيف؛ لأن دفعه إليه على أن يأخذه منه لغو لا فائدة فيه ولا معنى، ولا هو من الذي حلف عليه لا في لفظ ولا في معنى؛ إذ لم يدفع إلى من حلف ليدفعن إليه ولا حقا واجبا هو عليه، وأما الذي يشتري السلعة بثمن إلى أجل فيحلف ليؤدين الثمن إلى ذلك الأجل فيوجد البيع حراما أو تستحق السلعة فإن كان الحالف عالما بفساد البيع أو أن السلعة ليست للبائع، دخل في ذلك الاختلاف الذي ذكرناه في المسألتين الأولتين يحنث علي مراعاة اللفظ إلا أن يدفع الثمن ثم يرده إليه، وليس معنى ذلك أن يدفع إليه على أن يرده عليه لأن الدفع على هذا الوجه ليس بدفع، وإنما معناه أن يدفعه
إليه على ما حلف عليه ليبر في يمينه دون شرط، فإن رده إليه قبله منه، وإن أبى أن يرده عليه فقام عليه فيه حلف أنه لم يرده عليه إلا وهو ينوي أن يقوم عليه فيأخذه منه إذا خلص من يمينه ولا يحنث على مراعاة المعنى، وأما إن لم يكن عالما بفساد البيع ولا بأن السلعة ليست للبائع فالأظهر سقوط اليمين عنه بسقوط الثمن عنه بالاستحقاق أو بالفساد قياسا على مسألة السلف، وقد قيل إن اليمين لا تسقط عنه ويحنث إن لم يدفع ما حلف بدفعه إلي الذي حلف ليدفعنه إليه على مقتضى لفظه في اليمين وهو بعيد، والذي سلف دينارا في دينارين إلى أجل يحلف على قضائهما يجري على قياس هذا في التفرقة بين أن يعلم بحرام ذلك أو لم يعلم وبالله التوفيق.
مسألة: اتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه المائة إردب السلف إلى الأجل
مسألة قال ولو أن رجلا سلف عشرة دنانير، في مائة إردب إلى أجل واتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه المائة إردب إلى الأجل، فلما كان قبل الأجل قال: إني أخاف أن لا يكون عندي طعام فهل لك أن يقيلني أو تصالحني على أمر، فأقاله أو صالحه، ثم أخبر أنه قد لزمه الحنث ولا يخرجك ما صنعت من ذلك.
فقال لصاحب الحق إنما أرد عليك ما صالحتك إن كان صالحه أو العشرة الدنانير التي أقلتك منها، ويكون الطعام لي عليك إلى أجله، فلا ينفعه ذلك وقد حنث؛ لأن هذا بيع حادث كل واحد منهما ملك أمره إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل؛ لأن الصلح وإلا قاله قد لزمتهما وليس لواحد منهما أن يرد ذلك وقد ثبت ذلك عليهما، وقد حنث صاحب اليمين ولا ينفعه أن يرد عليه ما أخذ منه، ويكون الطعام عليه إلى أجله، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قوله لأن الصلح والإقالة قد لزمتهما وأن الذي صالح ليس له أن يرد ما صالحه كلام وقع على غير تحصيل، إذ لا يجوز
قبل الأجل في الطعام المسلم فيه إلا الإقالة خاصة، فإذا صالح قبل الأجل على دنانير أقل أو أكثر من رأس المال أو على دراهم أو على عروض أو على طعام من صنف ما له عليه أقل أو أكثر أو من غير صنف ما له عليه فهو صلح حرام لا يحل ولا يجوز، ولا يحنث الحالف به لأن الطعام الذي حلف لنوفينه إلى الأجل ثابت عليه على حاله لا يسقط عنه بالصلح لأن الواجب فسخه وأن يرد عليه ما قبض منه من ذلك كله.
وأما إذا أقاله من الطعام قبل الأجل على رأس ماله فقال هاهنا إنه قد حنث ومعنى ذلك إذا كانت الدنانير التي أخذ في رأس ماله ليس فيه وفاء بالطعام الذي كان عليه على ما مضى في رسم إن خرجت قبل هذا، وعلى معنى ما في المدونة حسبما بيناه في الرسم المذكور وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لامرأتين له إنهما طالقتان إن دخلتما هذه الدار فدخلتها إحداهما
مسألة وقال ابن القاسم في رجل يقول لامرأتين له إنهما طالقتان إن دخلتما هذه الدار فدخلتها إحداهما: أنها طالقتان جميعا لأن مالكا قال في رجل قال لامرأتيه أنتما طالقتان إن دخلتما دار فلان ودار فلان فدخلت إحداهما الدارين إن الطلاق لزمه فيهما جميعا، أو قال لامرأتيه أنتما طالقتان إن مسستكما فمس إحداهما: قد لزمه فيهما جميعا، أو حلف بالطلاق إن أكل هذين القرصين فأكل واحدا إنه حانث إن أكل منهما شيئا وهو الذي سمعنا ورأينا، وأما قول من قال تطلق عليه واحدة منهما حتى تفعل الأخرى وأما أن تطلق التي دخلت منهما [فهذا ما لم يقله أحد من مشرقي ولا من مدني وإنما الذي قال أهل المشرق إنه لا يطلق عليه] واحدة منهما حتى تفعل الأخرى، وأما أن تطلق التي دخلت فهذا لا يستقيم.
قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك وهو قول أحد من