كتاب الأيمان بالطلاق الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ليست ممن يقدر على الإتيان، وقد ذهب ابن دحون إلى أن ما في سماع أشهب من كتاب النذور من أن من حلف ألا يدخل على فلان بيتا حياته فدخل عليه ميتا أنه حانث معارض لهذه المسألة، وذلك غلط ظاهر على ما بيناه، وإنما هي معارضة لما في رسم حمل صبيا من سماع عيسى على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: قالت لابنها انكح أم ولدك التي أعتقت عليك فقال هذه طالق البتة إن تزوجتها
مسألة وسئل: عن امرأة قالت لابنها: انكح أم ولدك التي أعتقت عليك، فقال: هذه طالق البتة إن تزوجتها إلا أن تعطيني عشرين دينارا، أفيصلح لأمه أن تعطيه إياها فإذا تزوجها نزعتها منه، فقال: ما أرى بأسا أن تنزعها منه بعد أن يتزوجها، فلتفعل.
قال محمد بن رشد: قال ابن نافع: هذا غلط، ولا أرى أن يعمل به، قال أبو محمد: إنما أراد مالك أنها لم تواطئه على ذلك، ثم إنه طاع لها بالرد بعد النكاح، وقوله صحيح لا وجه للمسألة سواء.
مسألة: قلت لامرأتي أنت طالق البتة إن لم أخرج من المدينة
مسألة قلت له: قلت لامرأتي: أنت طالق البتة إن لم أخرج من المدينة.
فقال: يخرج مخرج سفر ولا يخرج مخرجا هكذا، فقال: والله ما أردت نكاحها ولا أردت ضررها، فقال: إنا لنقول في مثل هذا: سافر ما تقصر فيه الصلاة، ثم قال له الروحا، قال أشهب: إذا ذهبت إليها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إذا لم تكن له نية في مكان بعينه يسير إليه، ولا في مقدار ما يتباعد من المدينة، ولا كان ليمينه بساط يحمل عليه أنه يبر بالخروج من المدينة، وقد اختلف في حد ذلك، فقال في هذه الرواية: إنه يخرج إلى مثل ما تقصر فيه الصلاة، يريد: ويقيم هناك الشهر ونحوه على حكم الحالف لينتقلن أنه ينتقل فيقيم الشهر ونحوه، فإن رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وهذا استحسان، والقياس أنه يخرج إلى موضع لا يلزمه فيه أن يأتي منه إلى الجمعة، فيقيم ما قل أو كثر ثم يرجع إن شاء، والأول أبرأ من الشك، ومثله لابن القاسم في المبسوطة، وعلى هذا يأتي قوله في مسألة رسم البراءة من سماع عيسى بعد هذا.
وقال أصبغ في أحد الكتب الخمسة في هذا: إنه استحسان أيضا، والقياس أنه لا يلزمه أن يخرج من المدينة إلا إلى منتهى أطرافها وهو حد ما يقصر فيه الخارج ويتم عند الوصول إليه الداخل، وقد قيل: إنه لا يبرأ إلا بالخروج عن جميع عملها وأن يجاوز ذلك حد ما تقصر فيه الصلاة، روى هذا القول عن ابن كنانة في المدنية.
وعلى هذه الأربعة أقوال يختلف فيمن حلف ألا يتزوج من بلد كذا، وتحصيل القول في ذلك: أن فيه قولين: أحدهما: أن يمينه تحمل على البلد، وجميع عمله حتى يريد الحاضرة نفسها، والثاني: أنه يحمل على الحاضرة نفسها حتى يريدها وعملها، فإن أرادها وعملها أو لم تكن له نية على القول الآخر، فقيل له: إنه لا يتزوج فيما تقصر فيه الصلاة، وهو أربعة برد، وقيل: إنه لا يتزوج في جميع عملها وإن تجاوز أربعة برد، وإن أراد الحاضرة نفسها أو لم تكن له نية على القول الآخر، فعلى الأربعة الأقوال المذكورة التي بينا وسمينا قائليها، وبالله التوفيق.
مسألة: يقول لرجل امرأته طالق إن لم أخاصمك إلى فلان فيعزل ذلك الوالي
مسألة وسئل: عن الذي يقول لرجل: امرأته طالق إن لم أخاصمك
إلى فلان، فيعزل ذلك الوالي أو يموت.
قال: لا أرى عليه شيئا، وأرى أن يخاصمه إلى الإمام الذي خلف بعده، وأرى أن ينوى، فإن قال نويت هذا المعزول نفسه أو الميت لم ير أن يخاصمه إلى الذي خلف، وإن قال لم أنو شيئا رأيت أن يخاصمه إلى الذي خلف بعده؛ لأنه إنما أراد مخاصمته وغيظه وضده وإدخال المشقة عليه، وإن قال لا أخاصمه إلى هذا الذي خلف بعده، قد مات صاحبي الذي حلفت عليه، قيل لا والله ما ذلك لك إن كان ذلك منه على وجه أن يخاصمه وأن يغيظه وأن يضر به، إلا أن يقول نويت هذا الذي عزل نفسه أو مات، فأرى ذلك له ولا أرى عليه شيئا إن لم ينو شيئا إذا خاصمه إلى الذي خلف بعده، وإنما أراد بالسلطان أن يبلغ مقاطع الحدود ومغيظته.
قيل له: أرأيت لو أقام شهرين بعد يمينه لا يخاصمه حتى مات ذلك الوالي أو عزل؟
قال: كنت أرى ذلك له إلا أن يتطاول ذلك جدا أو تدخله أناة شديدة.
قال محمد بن رشد: لم يراع مالك في هذه المسألة التسمية وحمل يمينه على ما يظهر من قصد الحالف خلاف قوله في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم.
وقوله: إلا أن يقول نويت هذا الذي عزل نفسه أو مات فأرى ذلك له، معناه: فأرى ذلك عليه ويؤخذ بما زعم أنه نواه، ويحنث إذا لم يرفعه إليه حتى مات أو عزل إلا أن يموت أو يعزل بحدثان ذلك؛ لأن نيته هذه عليه وليست له.
وقوله: أنه لو أقام شهرين بعد يمينه لا يخاصمه حتى مات أو عزل أن ذلك له ما لم يتطاول أو يدخله أناة شديدة، قال ابن دحون: إنه إن لم تأت له الخصومة في الشهرين، فأما إن تأتت له الخصومة في الشهرين ولم يخاصمه حتى عزل الحاكم أو مات فهو حانث إذا طال تأنيه جدا، وليس قول ابن دحون عندي بصحيح؛ لأنه ما لم تتأت له الخصومة وإن طال أمر ما عسى أن يطول فلا يحنث وإن كانت الخصومة متأتية له فهو حانث فيما دون الشهرين، فالمعنى في المسألة إنما هو أنه يصدق في الشهرين إن ادعى أن الخصومة لم تتأت له فيهما ولا يصدق في ذلك إذا طال جدا، والله أعلم.
مسألة: الرجل يجمع في نفسه على طلاق امرأته حتى يكون قد طلق نفسه
مسألة وسئل: عن الرجل يجمع في نفسه على طلاق امرأته حتى يكون قد طلق نفسه ولم ينطق به لسانه، أترى عليه طلاقا؟
فقال: إي والله في رأيي، وما هذا بوجه الطلاق.
قال محمد بن رشد: قوله: وما هذا بوجه الطلاق - معناه: ليس هذا من شأن الناس وعاداتهم أن يفعلوه، وهذا مثل قوله في هذا السماع من كتاب التخيير والتمليك: ليس يطلق الرجل بقلبه ولا ينكح بقلبه، أي: ليس بشأن الناس أن يفعلوه، إذ لا تأثير له في الحكم الظاهر، وقد كان الشيوخ
يحملون ذلك على أنه اختلاف من قول مالك، وأن ما في كتاب التخير والتمليك أصح مما في هذا الكتاب، وكذلك قال ابن دحون في هذه المسألة: إنها مسألة حائلة؛ لأن كل الروايات عن مالك: أنه لا يلزمه إلا ما حرك به لسانه أو كتبه بيده، فإن لم يحرك به لسانه، وليس ذلك على ما قال، بل هي مسألة صحيحة على الأصول؛ لأن الكلام باللسان والكتب باليد إنما هو عبارة عما في القلب يفيد الحكم الظاهر خاصة، وما أجمع عليه في قلبه من طلاق امرأته لازم له فيما بينه وبين الله وإن لم ينطق به لسانه ولا خط به بنانه، هذا هو الصحيح، وإن كان قد روى عبد الرحمن الأعلى عن ابن وهب عن مالك في الرجل يطلق بقلبه، قال: ليس عليه شيء حتى يكون الإفصاح، على أنه يحتمل أن يريد ليس عليه شيء في الحكم الظاهر، والله أعلم.
مسألة: فحلف البائع بطلاق امرأته البتة إن وضع من ثمن الجارية شيئا
مسألة وسئل: عمن باع جارية من رجل فسأله أن يضع له ثلاثة دنانير فحلف البائع بطلاق امرأته البتة إن وضع عنه دينارين ونصفا إلا أقل، فجاء أخو الحالف فقال: أغرم ما بقي ولا يختصمان.
فقال له مالك: أما شيء يكون عليك فلا، وأما شيء يكون من مال أخيك فنعم، يصالحه به عليك من مال نفسه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه إن كان أخو الحالف يقدم ذلك للحالف من مال نفسه على أن يتبعه بذلك، أو من مال أخيه الحالف فلا يبر الحالف بذلك؛ لأنه لم يصل إليه ما حلف عليه، فكأنه قد
وضع عليك عن المشتري، وإن كان يقدم ذلك من ماله عن المشتري للحالف فقد بر الحالف؛ لأنه قد وصل إليه ما حلف عليه ولم يضع منه شيئا للمشتري، وسواء اتبع الغارم المشتري بما غرم عنه أو وهبه له ولم يتبعه به، وبالله التوفيق.
مسألة: ادعى في الطلاق نية تشبه غير مخالفة لظاهر قوله
مسألة وسئل: عن عبدين كانت بينهما منازعة، فأخذ قيم سيدهما القيد ليجعله في رجل الظالم منهما، فقال له: لم تقيدني؟ أتخاف أن أبق منك؟ امرأتي طالق البتة إن أبقت منك إلا إلى أهلي، فأبى القيم أن يصدقه بيمينه وقيده، فكسر العبد القيد وفر إلى أهله كما قال، فأقام عندهم سنتين أو أكثر ثم أبق منهم إباقا بينا هو الإباق، فقال له أهله: أتخاف أن تكون قد حنثت؟ حلفت بالطلاق ألا تأبق، فقال العبد: لم أرد الإباق أبدا إنما أردت يومئذ ألا أبق إليكم، ففعلت.
فقال له مالك: ما أراه أراد إلا اليمين الأولى ألا يأبق من القيم نفسه إلا إلى أهله، إرادة أن يؤمنه مما يخاف، قال: أرى ألا عليه شيئا، وأرى عليه اليمين ما أراد إلا ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن من ادعى في الطلاق نية تشبه، غير مخالفة لظاهر قوله صدق فيها مع يمينه ونيته غير مخالفة لقوله، بل هي موافقة له؛ لأنه قال: امرأتي طالق إن أبقت منك، وهو لم يأبق منه، وإنما أبق من عند أهله بعد أن بر في يمينه إذ لم يأبق يومئذ، وهذا بين، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأتي طالق البتة إن كان أكل عندي فلان وفلان واستثنى سرا
مسألة وسئل مالك: عمن قال: امرأتي طالق البتة إن كان أكل عندي فلان وفلان، واستثنى سرا إلا تمرا.
فقال مالك: إني أخاف ألا يكون لسانك تكلم بذلك، إنما هو شيء وجدته في نفسك، فقال: بلى، قد تكلمت به كلاما في نفسي، فقال له: إنه أنطق لسانك، قال: نعم، ولكن قد كان شربا عندي مذقا، فقال له مالك: كم طلقتها؟ فقال: لم أقل شيئا، إنما قلت هي طالق، قال: أكنت طلقتها قبل اليوم شيئا؟ قال: نعم واحدة، فقال له: قد طلقتها واحدة وهذه اليمين ثانية، فقد طلقتها اثنين ولك عليها الرجعة، فتكون عندك على واحدة، ثم قال له: منذ كم حلفت؟ قال: منذ ستة أشهر، قال: قد حلت فاخطبها مع الخطاب ثم أنكحها نكاحا جديدا بعد أن تستبرئها بالعدة من مائك الذي مسستها فيه وهي مطلقة؛ لأنك لم تكن ارتجعت حتى حلت، قال: من ينكحنيها؟ قال: أبوك إن شئت بشهود وبينة وصداق جديد ثوب أو غير ذلك؛ لأنك قد أنكحتها مرة فينكحكها أبوك، وليس في ذلك بأس.
قال محمد بن رشد: المذق هو اللبن المضروب بالماء، فإنما أوجب عليه الحنث لشربهما إياه عنده إذا حلف أنهما ما أكلا عنده شيئا ولم يستثن إلا التمر؛ لأن يمينه ما أكلا عنده شيئا معناه ما طعما عنده طعاما، واللبن طعام، يجب به الحنث عليه إذا كانا قد شرباه، كما يجب به عليه لو أكلاه؛ لأن المعنى في الأكل والشرب سواء، إذ يجمعه اسم الطعم، إلا أن تكون له نية في أحدهما دون الآخر، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]،
ولو لم يشربا عنده المذق لم يجب عليه شيء إذ قد استثنى التمر إذا كان قد حرك به لسانه، وإن لم يعلم المحلوف عليه، وهذا على القول بأن اليمين على نية الحالف وأن الاستثناء لا ينفع إلا بتحريك اللسان، وقد مضى القول على الوجهين في رسم البز من سماع ابن القاسم، ولما رأى الطلاق واقعا عليه وأخبره أن له منذ حلف بالطلاق ستة أشهر، قال له: قد حلت فاخطبها مع الخطاب، معناه: على الغالب في أن العدة تنقضي في مثل هذه المدة.
وقوله: إنه يزوجها منه أبوه، ظاهره: وإن رضي به الولي لا يردها عليه، وإن لم يكن لها بولي، إذ قد زوجها منه أولا وليها، وهذا خلاف قوله في النكاح الأول من المدونة: إن النكاح الأول والآخر في ذلك سواء.
والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم في المرأة يزوجها أجنبي، فعلى القول بأن النكاح يفسخ، وإن رضي به الولي، لا يردها عليه الأجنبي.
وعلى القول بأن النكاح يجوز ولا يفسخ إذا رضي به الولي يردها عليه، وعلى القول بأن النكاح يفسخ وإن رضي به الولي لا يردها عليه الأجنبي، إذ قد علم رضا الولي به أولاً.
وقد روى أبو قرة، قال: سألت مالكا عن المرأة تختلع من زوجها ثم يراجعها في عدتها بغير إذن وليها، قال: [فقال: إن أحب] أحب إلي ألا يراجعها إلا بإذن وليها، فإن راجعها بغير ولي لم أفرق بينهما، وهي رواية شاذة، إذ لا اختلاف في المذهب في أن المرأة إذا زوجت نفسها يفسخ النكاح على كل حال، ولا يلتفت فيه إلى رضا الولي.
ووجهها على شذوذها: مراعاة العلة في إيجاب المولى في النكاح، وهي أنه لما كان النساء في نقصان فطرتهن لا يؤمن عليهن أن تميل نفوسهن إلى غير أكفائهن، فيلحق من ذلك الأولياء غضاضة، جعل من الحق لهم ألا يكون لهن أن يزوجن أنفسهن، فكان إرجاعهن أنفسهن إذا وقع على أزواجهن جائزا، إذ لا غضاضة على أوليائهن في ذلك، إذ قد زوجوهم أولا،
وقد تأول في هذه المسألة أن أبا الزوج كان من عصبة المرأة، فلذلك قال: يزوجكها أبوك.
وقوله: لأنك أنكحتها؛ مرة - يرد هذا التأويل، إذا لو كان من عصبتها لزوجها وإن لم ينكحها الزوج قبل ذلك إلا أن يكون ثَمَّ من الأولياء من هو أقصد منه، فيكون هو أولى بإرجاعها، وبالله التوفيق.
مسألة: أعار إنسانا زوج حمام فقال امرأته طالق البتة إن لم يكن فرخي
مسألة وسئل: عمن أعار إنسانا زوج حمام ذكرا وأنثى فأفرخا عنده، ثم جاء فأخذ منه حمامه، الذكر والأنثى الذي أعاره، ثم وجد عنده فرخا، فقال: هذا فرخي، فقال: امرأته طالق البتة إن لم يكن فرخي، فقال الآخر: والله ما هو فرخك.
فقال: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنه لفرخه بعينه يعرفه.
قال محمد بن رشد: يريد أنه يدين في اليمين فلا يحنث، ولا يأخذ الفرخ إذا حلف المستعير بالله إنه له، إذ هو المدعي عليه في الفرخ، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وقد مضى ما يبين هذا المعنى في رسم تسلف من سماع ابن القاسم، وإنما يحلف إذا طولب بحكم الطلاق، وقد قيل في مثل هذا النحو: إنه لا يمين عليه؛ لأنها يمين تهمة، وسنذكر الاختلاف في ذلك في رسم المكاتب من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
###: حلف بطلاق امرأته إن كلم ابنته أبدا ولا يدخل عليها أبدا
ومن كتاب الطلاق الثاني قال: وسئل مالك: عن رجل حلف بطلاق امرأته إن كلم ابنته أبدا ولا يدخل عليها أبدا.
قال: وأنا أريد تسليما في صحة أو عيادة في مرض، فمرض زوجها ونقله إليه وفتح بينه وبينها بابا، فكان يدخل عليه إذا خرجت، فإذا خرج دخلت ابنته حتى مات
الزوج، فجعل على الباب الذي بينه وبينها سترا، فسقط فدخل يصلحه وهي في الدار فقيل له في ذلك، فقال: إني لم أرد هذا، ثم لما أرادوا غسله دخل في بيت من الدار معها قريب منها، وقال: لم أرد هذا إنما أردت زيارة في صحة أو عيادة في مرض، فلما دفن ختنه، قال لامرأته، وابنته من وراء ذلك الباب الذي فتح قبل أن يستره: قولي لها: أعظم الله أجرك وأحسن عقباك، فقالت لها.
فقال مالك: أما تعزيته إياها فإن كان قال ذلك لامرأته وابنته تسمع، فأراه قد حنث ووجب عليه الطلاق، وهو يكلمها، وإنما هو وهي كهيئتي [وهيئتك] الآن وهذا الآخر، قلت لك أعظم الله أجرك وهو يسمع فما الكلام إلا هذا، قد كلمها، ولو أرسل إليها رسولا ولم تسمعه لم أر عليه الطلاق، وإذا قال لها ذلك وهي تسمعه فقد كلمها، وأما دخوله عليها فلا أرى عليه حنثا لأنه إنما حلف وهو ينوي زيارتها وعيادتها، فهو إنما دخل يصلح شيئا يسد سترا أو يضع شيئا، لم يدخل زائرا ولا عائدا، فلا أرى عليه حنثا في ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: فإن كان قال ذلك لامرأته وهي تسمع، فأراه قد حنث ووجب عليه الطلاق، معناه: إن كان قال ذلك لها وهو يريد أن يسمع ابنته المحلوف عليها، وهو صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن تكليم الرجل الرجل هو أن يعبر له عما في نفسه بلسانه عبرة يفهمها السامع، فإذا خاطب غيره وهو يريد كلامه فقد حصل مكلما له وإن لم يقبل عليه بكلامه، فوجب أن يحنث إلا أن ينوي في حلفه ألا يكلمه، يريد بكلام يقبل عليه به، فتكون له نيته في الفتوى، واختلف إن كلم غير المحلوف عليه وهو يريد أن يسمع المحلوف عليه فلم يسمعه، بدليل قوله في هذه الرواية
وهي تسمع أنه لا حنث عليه إذا لم تسمع، ومثله في سماع أبي زيد، ووجه ذلك: أنه لم يقبل بكلامه علية ولا أسمعه، فكأنه لم يكلمه، إذ لم يوجد منه معنى التكليم.
وقال عيسى بن دينار من رأيه في المدنية: إنه إن أراد أن يسمعه فهو حانث، سمعه أو لم يسمعه، وهو الأظهر؛ لأنه قد كلمه إذا أراد إسماعه لكلامه، وإن لم يقبل عليه بكلامه ولا سمعه، فوجب أن يحنث إلا أن يكون نوى في يمينه ألا يكلمه، يريد بكلام يقبل عليه به ويسمعه منه، كما أن من حلف ألا يكلم رجلا فكلمه من حيث يمكن أن يسمع كلامه فلم يسمعه أنه حانث إلا أن يكون نوى ألا يكلمه بكلام يسمعه منه، وسيأتي هذا المعنى في رسم سلف من سماع عيسى.
وأما إذا كلم غيره وهو لا يريد إسماعه فلا حنث عليه سمعه أو لم يسمعه قولا واحدا، وأما إذا كتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا فقرأ كتابه أو سمع رسالته، فقيل: إنه لا حنث عليه في الوجهين جميعا إذ لم يكلمه، وهو مذهب أشهب وابن شهاب وابن عبد الحكم؛ لأن التكليم إنما هو أن يعبر له عما في نفسه بلسانه عبارة يفهمها المكلم إذا أصغى إلى كلامه.
وقيل: إنه حانث في الوجهين جميعا؛ لأنه وإن لم يكلمه فقد وجد منه معنى الكلام وهو التفهيم، والأحكام إنما هي للمعاني لا للأسماء، فوجب أن يحنث إلا أن تكون له نية أنه أراد المشافهة فيهما فيكون له نيته.
وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وظاهر قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، وقد روى عن مالك: أنه لا يُنَوَّى فيهما جميعا، وتلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ [الشورى: 51].
وهو بعيد؛ لأن الصحيح في هذا الاستثناء إنما استثناء منفصل مقدر بـ "لكن".
وله في المدونة قول ثالث: أنه لا ينوى في الكتاب وينوى في الرسول، ومعناه: مع قيام البينة عليه؛ إذ لا اختلاف في أن من أتى مستفتيا تقبل منه نيته ويصدق فيها دون يمين وإن بعدت.
وقيل: إنه يحنث بالكتاب إلا أن تكون له نية في
المشافهة، ولا يحنث في الرسول، وهو ظاهر رواية أشهب هذه، وقول ابن الماجشون في الواضحة.
وقوله: وأما دخوله عليها فلا أرى عليه حنثا؛ لأنه إنما حلف وهو ينوي زيارتها أو عيادتها، فمعناه: إذا أتي مستفتيا، وأما مع قيام البينة عليه، فلا ينوى؛ لأنها نية مخالفة لظاهر لفظه، كالذي يحلف ألا يدخل بيتا، ويقول: نويت شهرا وما أشبه، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت من بيته إلا أن يقضي عليه السلطان
مسألة وسئل: عمن حلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت من بيته إلا أن يقضي عليه السلطان بذلك أو تخرج بغير إذنه، فيضربها خمسين ضربة، وكانت تسكن مع أمه، فاستعدت عليه، وقالت: لا أسكن مع أمك، فقضى لها السلطان بأن تخرج عنها، فنقلها.
فقال له: ليس عليه في ذلك شيء، ولكن اليمين عليه كما هي عليه في المنزل الذي انتقل إليه.
قال محمد بن رشد: في ظاهر هذه اليمين اضطراب من لفظ الحالف؛ لأن يمينه بطلاق امرأته البتة إن خرجت إلا أن يقضي عليه سلطان، يوجب أنها إن خرجت دون أن يقضي عليه بخروجها، تَبِينُ منه بالبتات، وزيادته في اليمين أو تخرج بغير إذنه فيضربها خمسين ضربة يقتضي حلفه ليضربنها إن خرجت بغير إذنه، ويوجب ألا يلزمه بخروجها بغير إذنه طلاقا، إلا ألا يضربها خمسين ضربة، وإنما إن خرجت بإذنه لم يلزمه طلاق، وهذا اضطراب شديد، فمعنى يمينه الذي يحمل عليه أنه أراد ألا يأذن لها أن تخرج إلا أن يقضي عليه بذلك سلطان، وأن يضربها خمسين
ضربة إن خرجت بغير إذنه، وعلى هذا يصح جوابه في المسألة: أنه إن قضى عليه السلطان بإخراجها من المنزل لم يحنث، ويكون اليمين عليه في المنزل الذي ينتقل إليه إذ لم يحنث بخروجها من ذلك المنزل بالقضاء، وهذا نحو ما في رسم إن خرجت ورسم أسلم من سماع عيسى في الذي يحلف لامرأته بطلاقها إن خرجت من داره، وكانت الدار بكراء، فأخرجها أهل الدار منها بانقضاء أمد الكراء أو أخرجها منها بأمر لم يستطع إلا الخروج والهرب منه - أن اليمين تلزمه في الدار التي انتقل إليها إلى انقضاء مدتها.
مسألة: حلف بالطلاق أو بالعتق ألا يدعها تخرج أبدا
مسألة قيل: إن من حلف بالطلاق أو بالعتق ألا يدعها تخرج أبدا، أترى أن يقضى عليه به في أبيها وأمها ويحنث؟
قال: لا أرى عليه ذلك إذا حلف.
قال محمد بن رشد: دليل قوله في هذه المسألة لا أرى ذلك عليه إذا حلف أنه لو لم يحلف لقضي عليه، وهو منصوص له بعد هذا في هذا الرسم، يريد: إلا أن تكون امرأة تؤمن في نفسها، على ما قال في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وقد قيل: إنه يقضي عليه حتى يمنع من الطرفين، كما لا يحنث حتى يحلف على الطرفين، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق أو العتق إن خرجت امرأته ألا يقضي عليه بذلك سلطان
مسألة وسئل: عن الذي يحلف بالطلاق أو العتق إن خرجت امرأته
ألا يقضي عليه بذلك سلطان يجب أن يقضي عليه بذلك، فقال: إني لأقول لمن حلف هكذا ألا يخبر السلطان أنه يجب ذلك، ولكن يخبره بخبره، فإذا قضى عليه السلطان فأرجو ألا يكون عليه شيء ولا حنث، ولا أرى بأسا أن يقضي عليه بذلك السلطان إذا علم أنه يجب ذلك.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن المواز، قيل لابن عبد الحكم: فإن جهل فأخبر الإمام بذلك؟ فقال: ما أشبهه أن يحنث، والقياس: أنه لا يحنث، أخبره هو بذلك أو غيره إذا امتنع من إخراجها حتى يقضي السلطان للمرأة عليه بإخراجها؛ لأن إرادته للقضاء عليه لا يخرج القضاء عليه من أن يكون قضى عليه لا في الحكم ولا في المعنى؛ لأن المرأة لا منفعة لها في إرادته لإخراجها إذا امتنع من إخراجها ولا يتوصل إلى الخروج مع امتناعه من ذلك إلا بالحكم أحب ذلك أو كرهه، وإنما خشي إذا أخبر السلطان أنه يجب أن يقضي عليه ألا يتقضى بحجج المرأة التي يوجب لها الإخراج، وهذا إن سامح فيه الإمام، فالإثم فيه عليه، ولا شيء على المقضي عليه، وإنما يحنث إن سامح في حجة داحضة تقوم بها المرأة، وهو قادر على إبطالها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول الحلال عَلَيَّ حرام ثم يحنث ويشهد عليه]
مسألة وسئل: عن الذي يقول: الحلال عَلَيَّ حرام، ثم يحنث ويشهد عليه، فيقول: إنما أردت من الطعام والشراب.
فقال: أرى أن يحلف، فقيل له: أرأيت إن قال واحدة؟ فقال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والاختلاف فيها
والقول عليها في سماع أصبغ من كتاب النذور، فلا معنى لإعادة ذلك، ويأتي فيها في آخر سماع سحنون من هذا الكتاب معنى زائد، سنتكلم عليه إذا مررنا به إن شاء الله.
مسألة: قال امرأته طالق إن خرج الخاتم من يدي حتى آخذ درهما
مسألة وسئل: عمن استرفي ثوبا ورهن عنده بجعله خاتم، فجاءت صاحبة الثوب بعد أخذها الثوب، فقالت: أعطني الخاتم، فقال: امرأته طالق إن خرج الخاتم من يدي حتى آخذ درهما، وقالت هي: جاريتي حرة إن أعطيتك درهما، فما المخرج لهما من ذلك؟
فقال: إن كان الرفا إنما حلف على أن يأخذ درهمه لا يبالي ممن أخذه، فلو أن إنسانا من الناس أعطاه درهما لكان ذلك لهما مخرجا.
قال محمد بن رشد: في قوله في هذه المسألة: إن كان الرفا حلف على أن يأخذ درهما لا يبالي ممن أخذه، فلو أن إنسانا من الناس أعطاه درهما لكان ذلك لهما مخرجا، نظر يدل على أنه إن لم تكن له نية هكذا فهو حانث إن أخذ الدرهم من غير صاحب الثوب، والصواب: أنه لا حنث عليه إن أخذ الدرهم من غير صاحبة الثوب إلا أن يكون نوى في يمينه ألا يأخذه إلا من صاحبة الثوب؛ لأن الحالف إذا لم تكن له في يمينه نية فهي محمولة على ما يقتضيه اللفظ، وهو حلف ألا يخرج الخاتم من يده حتى يأخذ درهما، ولم يخص صاحبة الثوب من غيرها، ولو كان إنما حلف ألا يخرج الخاتم من يده حتى يأخذ درهما من صاحبة الثوب فدفع إليه إنسان
درهما عنها من ماله ليبر قسمها للزمه أخذه وحنث في يمينه، إلا أن يقول: لم أرد صاحبة الثوب بعينها، وإنما قصدت أن يصل إلى درهمي وسميت صاحبة الثوب على العادة أن صاحب العمل هو الذي يؤدي أجره، فينوي في ذلك وإن كانت عليه بينة لأنها نية محتملة، ولو لم يؤد أحد عن المرأة الدرهم لكانت اليمين باقية على كل واحد منهما، يحنث هو إن أخذ أقل من درهم إلا ألا يحكم له عليها [إلا بأقل من درهم، فيقول: إنما نويت إلا ألا يحكم لي عليها] بدرهم، فينوى في ذلك، والذي يبر به إذا لم تكن له نية ألا يأخذ منها شيئا إذا لم يحكم له عليها إلا بأقل من درهم، وتحنث هي إن أعطته درهما بغير حكم باتفاق.
ويحكم على الاختلاف فيمن حلف ألا يفعل فعلا فقضى به عليه السلطان، وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها، ورسم حلف من سماع ابن القاسم، وسيأتي في آخر هذا الرسم وغيره أيضا، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأته طالق إن لم تكن الآن في البيت
مسألة وسئل: عن رجل قال له النقيب في القسم: امرأتك حاضرة، فقال: امرأته طالق إن لم تكن الآن في البيت، وذلك أنه خرج وتركها في البيت، فخرجت في الحجرة، فحلف أنها في البيت وهي في الحجرة.
فقال: ما أرى عليه طلاقا، الحجرة من البيت، أرأيت إن كانت في المغتسل أو الخزانة؟ ما أرى عليه طلاقا، الحجرة من البيت هي التي يكون فيها الإذن، وهي التي إذا سرق منها قطعت يد السارق، وإذا سرق من البيت فخرج به إلى الحجرة ثم
أخذ لم تقطع يده، فلا أرى عليه حنثا.
قال محمد بن رشد: حمل مالك هذه المسألة على البساط فلم يحنثه بمقتضى اللفظ وهو المشهور في المذهب، خلاف قوله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وخلاف قوله أيضا في رسم سلف من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، وخلاف ما في سماع سحنون من هذا الكتاب، وهو أصل مختلف فيه قد مضى عليه في أصل سلعة سماها، فلا معنى لإعادته.
مسألة: قوله لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله بعد يمينه بالطلاق ألا يتركه
مسألة وسئل مالك: عمن كانت بينه وبين رجل مخاصمة فحلف بطلاق امرأته ألا يتركه وليجهدن عليه، ثم قال له بعد: لا أخاصمك، قد وكلتك إلى الله، ثم ذكر يمينه بعد، فجاءه، فقال: ذكرت أن علي يمينا فيك، فهل تراه حانثا؟
قال: ما أراه إلا وقد حنث ووجب عليه الطلاق، فقال له المخاصم: إنه حين رجع إلي جعلت بيني وبينه رجلا وحلفت له بعتق ما أملك لأرضين بقضائه، وقضى عليه بالدينارين فسلفتهما ودفعتهما.
فقال له: فأرى أن يذهب إلى السلطان فتنهي إليه شهادتك ولا تطلب الدينارين، فإن أعطاكهما فلا تأخذهما منه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه تكلم في أولها على ما يجب عليه إذا أقر بقوله لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله، فأوجب عليه الطلاق بقوله لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله بعد يمينه بالطلاق ألا يتركه، وتكلم في أخرها إذا أنكر الحالف بالطلاق أن يكون قال لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله والمخاصم المقول له ذلك شاهد عليه به وهو يقول إنه قد
رجع إلى مخاصمته بعد أن قال له ذلك، فصالحه بدينارين ودفعهما إليه، فقال مالك: ينهي شهادته إلى السلطان ولا تطلب الدينارين ولا يأخذهما إن أعطاه إياهما، فتجوز شهادته عليه في الطلاق، وتطلق عليه امرأته إن كان معه شاهد غيره على قوله: لا أخاصمك وقد وكلتك إلى الله، أو يحلف إن لم يكن معه شاهد غيره وتكذيبه؛ لأنه إن طلب الدينارين وأراد الرجوع بهما عليه لسقوط دعواه عليه على المصالحة بقوله لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله لم تجز شهادته عليه في الطلاق لجره بها إلى نفسه مالاً؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه» ونظير هذا آخر مسألة سحنون في نوازله من كتاب الأقضية، فقف على ذلك، وإجازته شهادته عليه في الطلاق إن لم يطلب الدينارين وقد كانت بينهما خصومة، يحتمل أن يكون إنما شهد بعد أن وقع الصلح وارتفعت العداوة وأن أمرهما إلى سلامة، على ما روى أشهب عنه في سماعه من كتاب الشهادات، وتحتمل أن تكون الخصومة إنما كانت في الشيء اليسير الذي لا يورث العداوة على ما ذهب إليه ابن كنانة، ولو كان المخاصم إنما شهد عليه بقوله لا أخاصمك قد وكلتك إلى الله قبل أن يصالحه مما كان يخاصمه فيه ويدعيه عليه لم تجز شهادته عليه في الطلاق؛ لأنه يدفع عن نفسه بهذه الشهادة مخاصمة له، ويسقط عنه دعواه قبله، والدفع عنه جر إليه، ولا تجوز شهادة جار إلى نفسه إلا أن يحضر جميع ما كان يخاصمه فيه ويدعيه قلبه ويطوع بدفعه إليه وهو من اليسير الذي لا يورث الحقد والعداوة، على ما ذهب إليه ابن كنانة، فتجوز شهادته، والله أعلم.
مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يضطجع على هذا الفراش ففتق الفراش والتحفه
مسألة وسألته: عمن حلف بطلاق امرأته ألا يضطجع على هذا الفراش، ففتق الفراش والتحفه هو وامرأته.
قال: أراه قد حنث في رأيي، ونزلت بالمدينة فأفتاهم بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه يحنث؛ لأن الاضطجاع على الفراش انتفاع به، فإذا حلف ألا يضطجع عليه فهو في المعنى حلف ألا ينتفع به، والالتحاف به انتفاع به، فوجب أن يحنث بذلك، وهذا إذا لم تكن له نية، وأما إن كانت له نية أنه أراد الانتفاع بالاضطجاع خاصة دون الانتفاع بما سواه أو مجرد الاضطجاع دون الانتفاع بما سواه فيصدق في نيته مع يمينه، ولا يحنث بالالتحاف، وقد قيل: إنه إذا لم تكن له نية لا يحنث إلا بالاضطجاع الذي حلف عليه، وهذا على الاختلاف في حمل اليمين على المعنى دون اللفظ، وقد مضى القول على هذا المعنى في غير ما موضع، ومضى قبل هذه المسألة الاختلاف في مراعاة البساط إذا عدمت النية، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: بينه وبين جار له مقاولة فحلف بالطلاق لينتقلن عنه
مسألة وسئل: عن رجل كانت بينه وبين جار له مقاولة فحلف بالطلاق لينتقلن عنه.
فقال: ما وجه الشأن إلا أنه كره مجاورته، فإن كان كذلك فأرى أن ينتقل ولا يساكنه أبدا، وإن كان إنما أراد النقلة ترهيبا ثم يعود ولم يرد الفراق أبدا فإني أرى أن ينتقل ثم يقيم شهرا ثم يرجع إن بدا له هو وجه النقلة، وليس منزل يوم بنقلة.
قال محمد بن رشد: قوله ما وجه الشأن إلا أنه كره مجاورته يدل
على أنه محمول عنده إذا لم تكن له نية إلا أنه حلف ألا يجاوره فينتقل عنه ولا يجاوره أبدا، فيلزم على هذا إن قال إنما أردت الرحلة ترهيبا ثم يعود ألا يصدق في ذلك إن حضرته بينة إلا مع يمينه، وقد قيل: إن يمينه محمولة على الانتقال الذي حلف عليه حتى يريد ترك مجاورته،، فإذا أراد الانتقال على القول الأول أو لم تكن له نية على القول الثاني فالاستحسان إذا انتقل عنه أن يقيم شهرا، وكذلك يرجع، فإن رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث، قاله ابن القاسم في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، وقد مضى القول على ذلك هنالك، ولو رجع أيضا بعد أن أقام أكثر من يوم وليلة لم يحكم عليه بالحنث على قياس ما قاله في كتاب محمد في الحالف ليخرجن من المدينة، وقد مضى القول على ذلك في رسم الطلاق الأول من هذا السماع.
مسألة: يمنع امرأته الخروج
مسألة وسئل: عن الذي يمنع امرأته الخروج.
فقال: إني أرى أن يُقْضَى على الرجل في امرأته تشهد جنازة أبيها وأمها وتزورهم والأمر الذي تكون فيه الصلة والمصلحة، فأما شهود الجنائز واللعب والعبث فلا أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يقضى على الرجل في امرأته أن يدعها تخرج في جنازة أبيها وأمها وتزورهم هو مثل ما مضى من قوله قبل هذا في هذا الرسم بدليل خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يقضى عليه أن يأذن لها بالخروج إلى زيارة أبيها إلا أن يمنعها من زيارتها أيضا فيقضى عليه بأحد الأمرين، وأما خروجها في جنازة أبويها ومن أشبههما من قرابتها القريبة كالأخ والجد والعم فلا خلاف في أنه يقضى عليه بأن يأذن لها بالخروج إلى ذلك وإن كانت شابة، وهو معنى ما في كتاب الجنائز من المدونة، بخلاف خروجها إلى المسجد وإلى العيدين وإلى الاستسقاء، وقد
مضى تحصيل القول في هذا المعنى قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة، فأغنى ذلك من إعادته هنا، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق ألا يدعها تخرج أترى أن يقضى عليه في أبيها وأمها
مسألة قيل له: أرأيت إن حلف بالطلاق أو العتاق ألا يدعها تخرج أبدا، أترى أن يقضى عليه في أبيها وأمها فيحنث؟
قال: لا أرى ذلك عليه، إذا حلف.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة بعينها قبل هذا في هذا الرسم، ومضى القول فيها فلا معنى لإعادته.
مسألة: كانت امرأة صرورة فأرادت الحج أترى أن يقضى عليه في ذلك ويحنث
مسألة قيل له: أرأيت إن كانت امرأة صرورة فأرادت الحج أترى أن يقضى عليه في ذلك ويحنث؟
قال: نعم، إني أرى أن يقضى عليه بذلك، ولكن ما أدري ما تعجيل الحنث هاهنا؟ حلف أمس وتقول أنا أحج اليوم ولعله يؤخر ذلك سنة سنة.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن عبد الحكم أنه يؤخر سنة، وكذلك يقضى عليه، وهذا يدل أن الحج عنده على التراخي خلاف ما حكى ابن القصار عنه من أنه على الفور، إذ لو كان عنده على الفور لما شك في تعجيل تحنيث الزوج في أول عام، بل القياس يوجب أن يحنث الزوج في أول عام، وإن كان الحج على التراخي؛ لأن لها أن تعجله وإن لم يجب عليها تعجيله، ولما أخر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحج عاما واحدا للعذر المذكور في الحديث رأى على ما في كتاب ابن عبد الحكم أن يقضي عليها بالتأخير عاما واحدا؛ لأن يمين الزوج عذر، ولعلها إنما قصدت إلى
تحنيثه لا إلى تعجيل القربة بتعجيل الحج، فهذا وجه الرواية والله أعلم.
ولابن نافع عن مالك في المجموعة: أنه يستأذن أبويه في حج الفريضة العام وعام قابل، فإن أبيا فليخرج، وهذا بين في أن الحج عنده على التراخي خلاف ما له في كتاب ابن المواز أنه يحج الفريضة بغير إذنهما، وإن قدر أن يتراضاهما فعل، وإلى هذا ذهب سحنون في نوازله من كتاب الشهادات إذ لم ير أن يسقط شهادة من ترك الحج، وهو قوي عليه، حتى يتطاول ذلك السنين الكثيرة من العشرين إلى الستين، وإذا قلنا: إنه على التراخي، فله حال يتعين فيها، وهو الوقت الذي يغلب على الظن فواته بتأخيره عنه وهو يتعين عندي على من بلغ الستين؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «معترك أمتي من الستين إلى السبعين»، وإلى هذا الحديث نحا سحنون، والله أعلم.
وقد رددت هذا المعنى بيانا ووضوحا في غير هذا الديوان، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف بالطلاق على أمر ألا يفعله ولم يستثن إلا أن يقضى عليه السلطان
مسألة قلت: أريت إن حلف بالطلاق على أمر ألا يفعله، ولم يستثن إلا أن يقضى عليه السلطان، فقضى عليه، أترى أن يلزمه الحنث؟
قال: إي والله إني أرى ذلك لم يستثن لنفسه، وإنك لتجد من يحلف هكذا مغالبة للسلطان، فأرى عليه الحنث إلا أن يقول لم أرد هذا ولم أرد مغالبة السلطان، فأرى أن يحلف ويكون ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم من كتاب التخيير والتمليك من المدونة، ومثل ما مضى في رسم سلعة سماها، ورسم حلف من سماع
ابن القاسم، خلاف قول ابن الماجشون في الواضحة، وقد مضى القول على ذلك في الرسمين المذكورين، في رسم تسلف من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، فلا معنى لإعادة ذلك.
مسألة: قال لامرأته رأسي من رأسك حرام إن أخرجتك من عند أمك
مسألة وسئل: عمن قال لامرأته: رأسي من رأسك حرام إن أخرجتك من عند أمك إلا أن تخرجني أمك، فأخرجتني أمها.
فقال مالك: ومن يعلم أن أمها أخرجتك؟ فقال: الجيران، فقال له: ثبت ذلك عليها وأشهد على ذلك؟ قيل له: وترى قوله رأسي من رأسك حرام طلاقا؟ قال: إي والله، إني لأرى ذلك، قال مالك: وإن أخرجته أمها فليس عليه طلاق.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قال؛ لأن التحريم طلاق فهو يقع بالبعض كما يقع بالكل، لا فرق بين أن يقول الرجل لامرأته: أنا منك طالق وأنت مني طالق، وبين أن يقول لها: رأسي منك طالق ورأسك مني طالق، ورأسي من رأسك طالق، فكذلك لا فرق بين أن يقول الرجل لامرأته أنت علي حرام أو أنا عليك حرام، أو رأسي عليك حرام أو رأسك علي حرام.
وقوله رأسي من رأسك حرام مثل قوله رأسي على رأسك حرام؛ لأن حروف الجر قد تبدل بعضها ببعض، وكذلك القول في قوله وجهي من وجهك حرام.
وقد مضى ذلك والقول فيه في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك.
ويأتي للمسألة ذكر في سماعه أيضا من هذا الكتاب في رسم أوصى.
فإذا ثبت أن قول الرجل لامرأته: رأسي من رأسك حرام، طلاق - وجب إذا حلف بذلك ألا تخرج امرأته من عند أمها إلا أن تخرجه أمها، فأخرجها من عند أمها، وادعى أنه إنما أخرجها من عند أمها؛ لأن أمها أخرجته، وجب عليه أن يقيم البينة على ذلك كما قال مالك؛ لأن الطلاق ثلاث، قد وجب عليه بالحنث بإخراجها، إلا أن يقيم البينة على ما يسقط الحنث عنه، وبالله التوفيق.
###: كتاب الأيمان بالطلاق الثاني
###: قال لامرأة أنت طالق إن وطئتك الليلة وهو يرى أنها امرأته
من سماع عيسى بن دينار [من ابن القاسم] من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن رجلا مرت به امرأة في ظلمة الليل فوضع عليها يده فقال لها أنت طالق إن وطئتك الليلة وقد يرى أنها امرأته فإذا هي غير امرأته ووطئها قبل أن يعلم، أيحنث في امرأته؟ فقال: ليس عليه شيء لأنه وطئ غير امرأته.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة معارضة لما مضى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم، ومخالفة لما في أول مسألة من سماع عيسى من كتاب النكاح، والقولان قائمان من كتاب العتق الأول من المدونة في الذي دعا عبدا يقال له ناصح فأجابه مرزوق، فقال له: أنت حر، وقد مضى القول على ذلك في أول سماع عيسى من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
مسألة: قالت له امرأته مالي عليك حرام فقال وأنت علي حرام
مسألة وقال في رجل: قالت له امرأته: مالي عليك حرام، فقال: وأنت علي حرام.
فقال: إنما هو أحد وجهين، إن كان أراد بقوله ذلك لها أجل، إن مالك علي حرام وأنت علي حرام، يقول: إني إذا أوذيك وأستحل منك ما لا ينبغي، قال: إن كان هذا أراد فلا شيء عليه، وإن كان مثل ما يقول الرجل لامرأته: أنت علي حرام، فقد بانت منه.
قال محمد بن رشد: قوله بأنه يرى في قوله وأنت علي حرام أنه أراد بذلك إني أوذيك وأستحل منك ما لا ينبغي ولا يكون عليه شيء، معناه: إن كان جاء مستفتيا ولم تكن عليه بينة، وأما إن كانت عليه بينة فلا يصح أن ينوى في ذلك على أصولهم؛ لأن قوله: وأنت علي حرام، تصريح بتحريمها، والبساط الذي حرمت هي عليه مالها عاقبها هو بأن حرم عليه نفسها، فلا يقبل منه مع حضور البينة له أنه أراد بقوله معنى سوى ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ومتى تزوجت فلانة فهي طالق
مسألة وسمعته يقول: إن ومتى واحد، قال: ومن قال كل امرأة أتزوجها فضرب أجلا أو قال كل أعرابية أو من بنات فلان أو من الموالي، فهذا أبدا ترجع عليه اليمين وإن تزوجها عشرين مرة، ومن قال إذا جمع البلد أو الفخذ أو بنات الرجل أو ضرب أجلا ترجع عليه اليمين أبدا؛ لأني سمعت مالكا يقول: ويؤمر إذا جمع البلد أو الفخذ أو بنات الرجل أو ضرب أجلا.
قال محمد بن رشد: قوله إن ومتى واحد، يريد أنهما في قوله إن تزوجت فلانة فهي طالق ومتى تزوجت فلانة فهي طالق سواء في أن اليمين لا ترجع عليه إن تزوجها ثانية، يريد: إذا لم يرد بمتى معنى كلما؛ لأن متى في اللسان سواء [مع كلما] في أنها شرط، قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد إلا أنهما يفترقان في المعنى، فـ "إن" بمنزلة "إذا" لا تقتضي إلا مرة واحدة، و"متى" بمنزلة "متى ما"، يحتمل أن يراد بها مرة واحدة، ويحتمل أن يراد بها معنى كلما، فهي عند مالك محمولة على مرة واحدة إلا أن يريد بها معنى كلما، قاله في المدونة في متى ما، وهو معنى قوله هاهنا في متى ومهما تقتضي التكرار بمنزلة كلما، فهذا حكم هذه الألفاظ الستة إذا سمى المرأة، وأما إذا جمع البلد أو الفخذ أو بنات الرجل فإن اليمين ترجع عليه أبدا كما قال، بمنزلة مهما وكلما، فسواء قال إن تزوجت من بلد كذا أو من بنات فلان أو من فخذ كذا أو إلى أجل كذا، أو قال متى تزوجت من بلد كذا أو من نسب كذا أو إلى أجل كذا، أو قال في ذلك كله متى ما أو إذا، ترجع عليه اليمين أبدا بمنزلة مهما وكلما، ولا اختلاف في ذلك كله إذا كان بنات الرجل الذي سمى لا يحصين مثل بنات زهرة وبنات تميم، واختلف إذا كن يحصين على ما يأتي تفسيره في المسألة التي بعد هذه، وقوله ويؤمر إذا جمع البلد أو الفخذ أو بنات الرجل أو ضرب أجلا، معناه: أنه يؤمر بالطلاق كلما تزوج منهن أحدا إذا أبهم ولم يعين؛ لأنه كلما تزوجها تكرر وقوع الطلاق عليه فيها إذ لم يعينها، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأة إن تزوجتك أبدا فأنت طالق البتة فيتزوجها مرة
مسألة ومن قال لامرأة: إن تزوجتك أبدا فأنت طالق البتة فيتزوجها مرة فقد حنث وإن تزوجها بعد شيء فلا شيء عليه، وكذلك إن قال إن تزوجت فلانة وفلانة إذا سمى، فإن اليمين لا ترجع عليه إذا حنث فيها مرة واحدة، وإذا قال بنات فلان أو أخواته أو فخذا إذا قال ذلك هكذا مبهما لم ينص أسماءهن، فاليمين ترجع عليه أبدا، لو تزوجها بعد عشرين زوجا، وكذلك إذا قال إن تزوجتك أو أخواتك، أما هي فإذا تزوجها مرة فطلقت منه فإنه يتزوجها بعد
زوج ولا ترجع عليه اليمين، وأما أخواتها فإن اليمين ترجع عليه أبدا كلما تزوجهن.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يُبَيِّنُهَا ما مضى من القول في المسألة التي قبلها.
أما إذا قال إن تزوجت فلانة لامرأة سماها بعينها فهي طالق فلا اختلاف أنه إذا تزوجها وحنث فيها لا تعود عليه اليمين فيها إن تزوجها مرة أخرى، وسواء قال لامرأة بعينها إن تزوجتك فأنت طالق أو إن تزوجتك أبدا فأنت طالق، وإنما يفترق التأبيد من غير التأبيد في الطلاق.
فإذا قال الرجل لامرأته فأنت طالق أبدا فهي ثلاثة، واختلف إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق أبدا، فقيل: إنها ثلاث بمنزلة قوله أنت طالق أبدا، قاله ابن القاسم، ووقف في ذلك غيره، وقيل: إنها واحدة لاحتمال رجوع التأبيد إلى التزويج، وهو دليل ما في كتاب إرخاء الستور من المدونة، ويقوم مثله، بالمعنى من قول ابن القاسم في كتاب العتق منها في الذي يقول إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبدا فهو حر أنه لا يلزمه العتق إن دخل الدار إلا في كل مملوك كان في ملكه يوم حلف؛ لأنه رد التأبيد إلى الدخول خلاف قول أشهب في رده إياه إلى الملك.
وأما إن قال إن تزوجت من فخذ كذا أو من بلد كذا فهي طالق، أو قال: كل امرأة أتزوجها في أمد كذا فهي طالق وما أشبه ذلك فلا اختلاف في أن اليمين ترجع عليه فيمن تزوج منهن ولو تزوجها عشرين مرة؛ لأنه لما لم يسمها بعينها صارت بعد طلاقه إياها من جملة من حلف بطلاقها إن تزوجها.
وأما إن قال إن تزوجت من بنات فلان لرجل سماه بعينه ولم يسمهن بأسمائهن إلا أنه يمكن إحصاؤهن ومعرفتهن ففي ذلك اختلاف، قيل: إنهن لا يحملن محمل التعين، إذ لم يسمهن بأسمائهن، وترجع اليمين عليه فيمن تزوج منهن أبدا، وقيل: إنهن يحملن محمل التعيين وإن لم يسمهن لأنهن
يعرفن إذا طلب إحصاؤهن، فلا ترجع عليه اليمين فيمن تزوج منهن ثانية، والقولان قائمان من المدونة في الذي يوصى لأخواله وأولادهم في الوصايا للثاني منها، وبالله التوفيق.
###: يقول لامرأته كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق واحدة
ومن كتاب حمل صبيا على دابة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يقول لامرأته: كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق واحدة.
قال: فإن سمي فخذا أو قبيلة أو بلدا أو قال كل امرأة نصا مبهما فإنه إن تزوج امرأة طلقت عليه حين يتزوجها؛ لأن التي لم يدخل بها الواحدة تبينها، ثم تصير أيضا من كل امرأة، فإن تزوجها رجع أيضا عليه الطلاق كلما تزوجها، فليس يجد إلى تزويج امرأة سبيلا؛ لأنه حين يملك عقدتها طلقت عليه بواحدة فبانت منه.
فإن سمى امرأة بعينها، فقال: إن تزوجت عليك فلانة فهي طالق واحدة، فإنه إن تزوجها طلقت عليه بواحدة فإن نكحها بعد ذلك لم تطلق عليه، وقد قال ابن القاسم في سماع يحيى بن يحيى منه في كتاب الدور والمزارع في الذي يقول لامرأته: إن تزوجت عليك فلانة فهي طالق واحدة فإنه إن تزوجها طلقت عليه بتزوجها عليها وإنما نرى واحدة، أيجوز له أن ينكحها بعد أن تبين منه بتلك الواحدة؟ فقال: لا يجوز له نكاحها أبدا ما كانت عنده امرأته التي حلف بطلاق فلانة إن تزوجها عليها، وذلك أنه كلما تزوجها عليها لزمه الحنث ساعة يتزوجها ولو كان نكاحه إياها
بعد طلاقه إياها البتة وبعد زوج نكحها، فهي كلما عادت إليه ما كانت امرأته عنده فالطلاق يلزمه فيها؛ لأنه إنما ينكحها أبدا على امرأته التي حلف ألا ينكحها عليها.
قال: ومثل ذلك عندي أن يقول الرجل إن تزوجت فلانة بمصر فهي طالق، فكلما تزوجها بمصر فهي طالق ولو بعد أن يحنث فيها مرارا ويتزوج أزواجا فيمينه تلزمه، وإن نكحت بغير مصر فلا شيء عليه.
قيل له: فالرجل يحلف بطلاق فلانة إن تزوجها ولا يقول على امرأته فلانة، فيتزوج ويحنث فيها بالواحدة التي حلف بها أيتزوجها ثانية؟ قال: نعم، ولا شيء عليه، قلت: فما فرق أن يقول: إن تزوجت عليك فلانة فهي طالق، فألزمه الطلاق كلما عاد إلى تزويجها ما نكحها على امرأته تلك، ولم تلزم الذي قال إن نكحت فلانة فنكحها لم يلزمه الحنث إلا في أول نكاحه إياها، ثم أجزت له أن ينكحها ولا حنث عليه؟ فقال: إنما مثل الذي يقول إن نكحت عليك فلانة فهي طالق كالذي يقول إن نكحت فلانة في هذه السنة فهو طالق وحنث فيها أنه إن نكحت في بقية تلك السنة حنث أيضا حتى ينكحها بعد مضي السنة، قال: وكذلك هذا لا يزال حانثا حتى ينكحها بعد فراقه امرأته التي حلف ألا ينكح عليها فلانة، قال: ومثل الذي يقول إن نكحت فلانة ولا يقول على امرأته، فيضكحها ويحنث ثم ينكحها فلا يكون عليه حنث كمثل الرجل يقول امرأته طالق إن نكح فلانة فينكحها ويطلق امرأته بواحدة كما حلف، فإن طلق التي حنث من أجل نكاحه إياها ثم تروجها أيضا لم يحنث في امرأته بيمينه الأول لأنها قد انقضت بحنثه فيها بالنكاح الأول.
###: قال إن تزوجت فلانة فهي طالق
ومن كتاب (قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -):
لم يختلف قول ابن القاسم فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق - أنه لا يلزمه فيها الطلاق إلا مرة واحدة، واختلف قوله إن قال: إن تزوجت فلانة على فلانة أو في بلد كذا، أو في سنة كذا، أو ما أشبه ذلك، فمرة قال: إنه لا يلزمه فيها الطلاق إن تزوجها على فلانة أو في تلك البلدة أو في تلك السنة إلا مرة واحدة أيضا، ولا يتكرر عليه الطلاق إن تزوجها ثانية على فلانة أو في تلك البلدة أو في تلك السنة إلا مرة واحدة، وهي رواية عيسى هذه عنه على معنى ما في المدونة في الذي يحلف ألا يكلم فلانا عشرة أيام فيكلمه فيها ويحنث فيكفر أو لا يكفر، ثم يكلمه فيها مرة أخرى أنه لا شيء عليه.
ومرة قال إنه يلزمه فيها الطلاق كلما تزوجها على فلانة أو في تلك البلدة أو في تلك السنة، وهي رواية يحيى هذه عنه، وقد قيل: إن الطلاق يتكرر عليه فيها كلما تزوجها وإن لم يقل على فلانة، ولا في بلدة كذا، ولا في سنة كذا، وهو الذي يأتي على قول مالك في رسم حلف من سماع ابن القاسم في كتاب النذور من مسألة الوتر.
والقياس ألا فرق بين أن يقول على فلانة أو في بلدة كذا أو في سنة كذا أو لا يقول شيئا من ذلك، على معنى ما في المدونة
ورواية عيسى؛ لأن قول الرجل إن تزوجت فلانة فهي طالق إيجاب منه على نفسه طلاقها بشرط تزويجها، وقوله إن تزوجها على فلانة أو في بلد كذا أو في سنة كذا ليس فيه أكثر من زيادة وصف في الشرط، وزيادة الوصف في الشرط إنما تعود على تخصيص الشرط لا إلى تكثير المشروط وبتكرره يتكرر الشرط، ألا ترى أنه إن جمع الأوصاف كلها فقال إن تزوجت فلانة على فلانة وفي سنة كذا وفي بلدة كذا فهي طالق، لم يكن في زيادة الأوصاف تأثير في تكثير المشروط وتكرره بتكرر الشرط.
فإما أن يقال إن الطلاق لا يتكرر بتكرر الشرط وإن كان مقيدا بوصف على رواية عيسى هذه ومذهب مالك في المدونة، وإما أن يقال إن الطلاق يتكرر بتكرر الشرط وإن لم يكن مقيدا بوصف على رواية ابن القاسم عن مالك في مسألة الوتر.
ووجه رواية يحيى في تفرقته بين الوجهين: أنه حمل يمين الحالف على أنه إنما قصد بيمينه إلى ألا تكون زوجة له مع زوجته التي حلف ألا يتزوجها عليها، وإلى ألا تكون زوجة له في تلك السنة أو في تلك البلدة، وهذا إنما يصح إذا تبين القصد فيه ببساط يدل عليه أو سبب يعرف به، والله أعلم.
مسألة: المكره على اليمين
مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم في يمين المستكره: إذا كان إن لم يحلف فعل به شيء يخافه.
قال: إن كان عنده اليقين الذي لا يشك فيه من عذاب أو سجن أو قتل إن لم يحلف ضربه وعذبه رأيت ذلك مخرجا له إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: اتفق مالك وأصحابه فيما علمت أن المكره على اليمين لا يلزمه اليمين إذا كان إكراهه بشي يلحقه في بدنه من قتل أو ضرب أو سجن أو تعذيب إذا كانت يمينه فيما كان لله فيه معصية أو فيما ليس له فيه طاعة ولا معصية، وسواء هدد فقيل له إن لم يحلف فعل بك كذا وكذا، أو استحلف ولم يهدد فحلف فرقا من ذلك ما لم يحلف هو متطوعا باليمين قبل أن يستحلف.
واختلف إذا أكره على اليمين بشيء من ذلك فيما لله فيه طاعة مثل أن يأخذ الوالي الجائر الشارب أو السارق أو الزاني فيكرهه على أن يحلف ألا يشرب ولا يزني ولا يسرق أو يكره الأب ابنه على نحو ذلك فيما يريد تأديبه به، فقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يلزمه اليمين، وقال مطرف: تلزمه اليمين وهو اختيار ابن حبيب، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
واختلف هل يكون الإكراه على الأيمان بالأموال إكراها أم لا على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك ليس بإكراه، والثاني: أنه إكراه، وهو قول ابن الماجشون، وقاله أصبغ، إلا أنه استحب إن كان يسيرا ألا يحلف، والثالث: أن ذلك ليس بإكراه إلا أن يجتاح جميع ماله، والرابع: الفرق بين أن يأمن في جسده العقوبة إن لم يحلف مثل أن يقال له إن لم تحلف على هذا الشيء أنه ليس متاعك أخذناه، وبين ألا يأمن العقوبة في جسده مثل أن يهدده اللصوص بالضرب أو القتل على أن يطلعهم على ماله ليأخذوه، فهو إن لم يحلف ضربوه أو قتلوه، وإن أطلعهم على ماله ذهبوا فأخذوه وما أشبه ذلك، وهو قول مطرف.
وأما إذا دفع الرجل بيمينه عن غيره من يريد دمه أو ماله أو عقوبته،
فلم أجد في ذلك شيئا من قول قائل، ولا بد من تفصيل على مذهب مالك.
فإن كان إن لم يحلف وصل إلى قتل الرجل أو أخذ ماله ولم يلحقه هو أذى في نفسه وماله، وإن حلف تخلص ذلك منهم بيمينه، مثل أن يكون مستخفيا عنده في داره أو يكون ماله عنده، فيقال له: إن لم تحلف لنا بالطلاق أنه ليس في دارك أو أن ماله ليس عندك دخلنا فقتلناه إن وجدناه فيها أو أخذنا ماله إن وجدناه عندك، فهذا إن حلف لزمه الطلاق، وآخر في الرواة عن الرجل أو عن ماله وإن لم يحلف لم يكن عليه حرج.
وإن لم يكن له عنده مال ولا كان مستخفيا في داره إلا أنه يعلم مكانه ومكان ماله، فقيل له: إن لم تحلف أنك لا تعلم مكانه ولا مكان ماله فعلنا بك كذا وكذا من ضرب أو قتل أو سجن أو خشي ذلك على نفسه إن لم يحلف جاز له أن يحلف أنه ما يعلم موضعه إن أرادوا قتله، ولم تلزمه اليمين باتفاق لأنه في حكم المكره عليه إذ لا خروج له عنها إلا بإباحة نفسه أو بإباحة دم غيره، وذلك ما لا يحل له ولا يجوز.
وإما إن أرادوا أخذ ماله ولم يريدوا قتله فيجري الأمر في يمينه على أنه ما يعلم موضع ماله على الاختلاف المتقدم في الإكراه على الأيمان بالأموال؛ لأن إخباره بموضع مال الرجل إن لم يحلف كإخباره بموضع ماله للصوص إذا أجبروه على أن يحلف لهم، على أنه ليس له مال أو يخبرهم بموضعه ليأخذوه ضامن لمال الرجل إن أعلمهم بموضعه ولم يحلف.
وأما الإكراه على الأفعال فاختلف فيها في المذهب على قولين: أحدهما: أن الإكراه يكون في ذلك إكراها، وهو قول سحنون، ودليل ما
في كتاب النكاح الثالث من المدونة، والثاني: أن الإكراه لا يكون في ذلك إكراها ينتفع المكره به، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وذلك في مثل شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والسجود لغير الله، والزنا بالمرأة المختارة لذلك أو المكرهة له على أن يزني بها ولا زوج لها وما أشبه ذلك مما لا يتعلق به حق لمخلوق، وأما ما يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغصب وشبه ذلك فلا اختلاف في أن الإكراه غير نافع في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة: مات عن امرأته فجاء شهود عدول فشهدوا أنه قد طلقها
مسألة وقال: عن مالك في رجل مات عن امرأته فجاء شهود عدول لا يتهمون كانوا غيبا فشهدوا أنه قد طلقها منذ سنين وكانوا غيبا: أنها ترثه، ولو ماتت هي لم يرثها.
قيل له: فما الحجة أنها ترثه؟ قال: أرأيت لو كان قائما فشهدوا عليه أترجمه؟ قلت: لا، قال: أفما يدرينا ما كان يدرأ به عن نفسه، قال ابن القاسم: وهو رأيي وتعتد أربعة أشهر وعشرا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف ليقضين فلانا حقه غدوة أو قال بكرة أو قال غدا عشية بطلاق امرأته
مسألة وعن رجل حلف ليقضين فلانا حقه غدوة، أو قال بكرة أو قال غدا عشية بطلاق امرأته: قال: أما غدوة فإني أراه ما بينه وبين انتصاف النهار؛ لأن ذلك عند الناس مما يسمونه غدوة، وأما بكرة فإلى أن ترتفع الضحى إلا على ما يسمع أنه يقال جئناه بكرة وهو يكون قبل
نصف النهار، وأما العشي فإني أراه من وقت الظهر إلى المغرب وليس وقت الظهر الأول، ولكن من وسط الوقت، وذلك أن مالكا حدثني عن بعض من مضى، فقال: ما أدركت الناس يصلون الظهر إلا بالعشي، ولا شك أنهم لم يكونوا يؤخرون إلى آخر الوقت.
قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة وعن رجل، عطفا على المسألة التي فوقها لمالك، يدل على أن المسألة له، وله في أول الصلاة الأول من المدونة في غدوة مثل قوله هاهنا: إنه ما دام الفيء في نقصان فهو غدوة بعد، وتفرقته بين غدوة وبكرة بأن لا يكون بكرة إلا ارتفاع الضحى إلا على، صحيح، ومن الدليل على صحة ذلك- سوى ما ذكره في الرواية- من الناس لا يوقعون بكرة إلا على ما قبل نصف النهار قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 38]، وإنما جاءهم العذاب بعد ارتفاع الشمس بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: 73]، وإشراق الشمس ضياؤها، يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، ولو حلف ليقضين حقه صباحا لكان له سعة إلى ارتفاع الضحى إلا على قوله في بكرة؛ لأنهما سواء؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 38]، وفي كتاب ابن المواز في الحالف ليقضين حقه غدوة أو بكرة أنه يبرأ ما بينه وبين زوال الشمس، والأول أصح لما ذكرناه مما دل عليه كتاب الله، وقوله في العشي إنه من
وقت الظهر إلى المغرب، يريد: إلى قرب المغرب وهو وقت صلاة العصر، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18]، فـ"عشيا" العصر، و"حين تظهرون" الظهر، وكذلك المساء فيمن حلف ليقضين الحق فيه، بدليل قول الله عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، وانتهى قول مالك إلى قوله: فإني أراه من وقت الظهر إلى المغرب، وقوله: وليس وقت الظهر الأول إلى آخر المسألة تفسير لابن القاسم، بدليل قوله: وذلك أن مالكا حدثني، وسيأتي في سماع سحنون إذا حلف ليقضين حقه صلاة الظهر، وبالله التوفيق.
مسألة: حلف لرجل امرأته طالق البتة إن لم يقضك حقك الهلال
مسألة وعن رجل حلف لرجل امرأته طالق البتة إن لم يقضك حقك الهلال.
قال: لا أدري ما الهلال؟ إن كان إنما أراد الإهلال فله يوم وليلة، وإن كان إنما أراد إلى الإهلال فقد حنث إن لم يعطه قبل أن يهل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، إن الأمر يجب أن يحمل في ذلك على ما زعم أنه نواه، وهو مصدق في ذلك دون يمين وإن كانت على يمينه بينة؛ لأنه إن قال: أردت الإهلال فهو الظاهر من قوله الذي يحمل عليه إذا لم تكن نية، وإن قال: أردت إلى الهلال فهو مقر على نفسه يحنث بالغروب فلا وجه لتحليفه، وقد مضت هذه المسألة ونظائرها في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب النذور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: قال لامرأته أنت طالق البتة إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم أخوك
مسألة وعن رجل قال لامرأته أنت طالق البتة إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم أخوك من سفره فمات أخوها قبل أن يقدم.
قال: إن كانت له نية في ذلك أن يكون أراد في ذلك مثل ما يقدم إليه الحاج وشبه ذلك ولم يرد في ذلك الموت، وإنما أراد الأجل، فإذا أقامت إلى مثل ذلك ثم دخلت فلا شيء عليه، وإن لم تكن له نية فهو حانث إن دخلت.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن أنه إن نوى بيمينه ألا تدخل بيت أبيها إلا مقدار ما يقدم إليه الحاج فله نيته فتلزمه اليمين إلى ذلك الأجل، مات قبله أو بعده أو لم يمت، ولا خلاف في ذلك، إلا أنه يحلف على ذلك إن لم يكن مستفتيا، وكذلك إن لم ينو ذلك إلا أن ليمينه بساطا يدل عليه، على المشهور في المذهب من مراعاة البساط في الأيمان ولو كان إنما أراد استرضاء أخيها الغائب بذلك لسقطت عنه اليمين بموته مات قبل قدوم الحاج أو بعده؛ إذ قد علم أنه لا يسترضى بعد موته، وإنما الكلام عند عدم النية والبساط، فقال هاهنا: إن اليمين باقية عليه أبدا إن مات أخوها قبل أن يقدم ويكون حانثا متى ما دخلت، ومثله في سماع أصبغ من كتاب العتق في التي تحلف ألا تخرج إلى موضع سمته حتى يقدم زوجها من الحج؛ لأنه حمل اليمين على مقتضى اللفظ ولم يراع المعنى والمقصد، ويأتي على مراعاة ذلك ألا يحنث إذا مات إن دخلت بعد أن يمضي من المدة ما كان يمكنه القدوم فيه لو كان حيا، إذ قد علم من قصد الحالف أنه لم يرد بقوله: حتى يقدم إلا مع استمرار حياته، إذ لا
يمكن أن يقدم الميت، ولا أن يريد هو ذلك بيمينه، وعلى هذا يأتي قول مالك في أول مسألة من رسم الطلاق الأول من سماع أشهب، وقد مضى القول عليها هناك، وعلى هذا المعنى اختلفوا في الرجل يحلف بطلاق امرأته ألا يكلم إنسانا حتى يرى الهلال فعمي وذهب بصره قبل الهلال، فقيل: إنه لا يكلمه أبدا، وهو قول مالك في المبسوطة، وقيل: إنه يكلمه إذا رئي الهلال ولا شيء عليه؛ لأنه أراد ألا يكلمه حتى يَرى الهلال من حيث يُرى، وهو قول ابن الماجشون، وبالله التوفيق.
مسألة: قال امرأتك طالق لتدفعن إلي حقي غدا فيقول نعم فيحنث
مسألة وعن الرجل يكون له على الرجل الحق فيقول: امرأتك طالق أو عليك الطلاق لتدفعن إلي حقي غدا، فيقول: نعم، فيحنث، فيقول: أردت واحدة، ويقول صاحب الحق: أردت ثلاثا.
قال: القول قول صاحب الحق، وفي سماع عبد المالك بن الحسن أن القول قول الغريم.
قال محمد بن رشد: هذان القولان على اختلافهم في اليمين هل هي على نية الحالف أو على نية المحلوف له، وقد مضى القول على ذلك في رسم البز من سماع ابن القاسم وغيره، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
مسألة: الحالف بالطلاق أو بالمشي أو بالصدقة وما أشبه ذلك أن يفعل فعلا
مسألة وقال في رجل يحلف بطلاق امرأته واحدة ثم بالمشي إلى بيت الله وبالصدقة ليتزوجن على امرأته، فأراد أن يطلق امرأته واحدة ولا يطأها ويكون في سعة من المشي والصدقة حتى يتزوج فيقع ذلك عنه.
قال: ذلك له.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الحالف بالطلاق أو بالمشي أو بالصدقة وما أشبه ذلك، أن يفعل فعلا، لا يقع عليه الحنث إلا بعد الموت؛ لأنه في فسحة في فعل ما حلف ليفعلنه ما لم يمت، إلا أنه على حنث، فلا يجوز له الوطء إن كان حلف بالطلاق وله أن يُحنِّث نفسه فيما شاء من ذلك، فإن أراد إذا حلف بجميع ذلك أن يحنث نفسه في الطلاق وحده فيطلق امرأته واحدة كما حلف ليرتجع ويطأ كان ذلك له، فإن بر بالتزويج قبل الموت سقط عنه المشي والصدقة، وإن لم يبر حتى مات كانت الصدقة في ثلث ماله؛ لأن الحنث إنما وجب عليه بعد الموت، ولم يكن على ورثته في المشي شيء إلا أن يوصي بذلك فينفذ عنه المشي من ثلث ماله، وقيل: إنه يُهدى عنه هديان، ولا يُمشى عنه حسب ما مضى من القول في ذلك في رسم حلف الثاني من سماع ابن القاسم من كتاب الحج، هذا هو المشهور.
وقد قيل في الحالف ليفعلن فعلا إنه على التعجيل إلا أن يريد التأخير ويحنث إن أخر فعل ذلك الفعل الذي حلف ليفعلنه، وهو قول ابن كنانة ورواية عيسى عن ابن القاسم عن مالك في المدونة في الحالف لينتقلن أنه إن لم ينتقل تلك الساعة حنث، وهذا القول في الحالف على غيره ليفعلن أكثر، وهو لابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب العتق.
مسألة: حلف لرجل فقال امرأته طالق إن خرجت من الفسطاط
مسألة وقال في رجل حلف لرجل فقال: امرأته طالق إن خرجت من الفسطاط وأنت تسلني شيئا فأحاله على رجل فرضي بالحوالة، قال: لا بأس عليه ولا شيء عليه إن كان من أصل دين له على من أحاله، وإن لم يكن من أصل دين فهو حانث، وأما الضمان فلا يخرجه عن يمينه، ولو حلف ليقضينه حقه لم تنفعه الحوالة أيضا وإن كان من أصل دين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الحوالة من أصل دين يبريه