البيان والتحصيلصفحات 46-85
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان بالطلاق الأول

صفحات 46-85
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حتى يبلغ أقصى ما فيها، فإنما أراد ألا يسامحه في ترك شيء مما يحكم له به عليه، والله الموفق.

مسألة: عوتب في أمه فحلف بالطلاق أني ما علمتها إلا فظة غليظة

مسألة وسئل: عن رجل حلف بطلاق امرأته البتة وعوتب في أمه في شيء من أمرها فحلف بالطلاق أني ما علمتها إلا فظة غليظة عليه تحريمه مالها.
قال: يدين في يمينه، ويحلف على ما حلف عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه يدين ويحلف، وإن قامت عليه البينة باليمين وطولب بها لأنها نية محتملة ليست بمخالفة لظاهر قوله، ولو أتى مستفتيا لم يكن عليه شيء.

مسألة: قال لزوجته أمام الشهود أنت طالق البتة ثلاثا إن أذنت لك

مسألة وسئل: عن رجل قالت له امرأته وعنده شهود: ايذن لي أن أذهب إلى أهلي، فقال: أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، إن أذنت لك، فقالوا: قد طلقت، فقال: إنما أردت أن أسمعها وأردد اليمين عليها ولم أقطع كلامي.
فقال: ما أظنها إلا وقد بانت منه وقد ألبس، وإن ما فيه ما ترى من الإشكال وما هو بالبين.
قال ابن القاسم: أرى أن يحلف أنه ما أراد إلا أن يفهمها ويسمعها، ولا يكون القول قوله.

قال محمد بن رشد: الواجب في هذه المسألة على المشهور في المذهب من مراعاة البساط في الأيمان ألا يلزمه طلاق ولا يمين؛ لأنها لما سألته الإذن إلى أهلها دل ذلك على أنه إنما أراد بقوله الحلف بالطلاق ألا يأذن لها فيما سألته الإذن فيه، لا تبتيل الطلاق إذ لم تسأله ذلك.
ولو سألته ذلك، فقال لها: أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، أنت طالق البتة، إن أذنت لك إلى أهلك - لوجب أن تبين منه بالثلاث قولا واحدا، ويجعل قوله أن أذنت لك إلى أهلك ندما منه، وإنما يصح هذا الاختلاف على القول بأن البساط لا يراعى في الأيمان.
وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم سلعة سماها، وقد وقعت هذه المسألة في رسم سلف دينارا من سماع عيسى معراة من البساط.
وقال مالك فيها: إن الطلاق لزمه، أذن لها أو لم يأذن لها.
ودينه ابن القاسم مع يمينه مثل قوله هاهنا، وعلى قوله في المدونة لا يمين عليه، فقد قال فيها: من قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار - أنه ينوى إن دخلت الدار في أنه إنما أراد واحدة، فلم ير عليه طلاقا إلا أن تدخل الدار، وذلك على أصله فيها فيمن أقر بالنفقة لرجل، وقال: إن البنيان له أو بالخاتم.
وقال: إن الفص له إن قوله مقبول إذا كان الكلام نسقا متتابعا، وقد روى أصبغ عنه في كتاب المديان والتفليس فيمن قال لفلان علي ألف دينار وعلى فلان وفلان: إنها كلها عليه وإن كان الكلام نسقا واحدا متتابعا، بخلاف قوله لفلان علي وعلى فلان وفلان ألف دينار، وخالفه أصبغ، فلم ير عليه إلا ثلاث.
الهدف: إذا كان الكلام متتابعا، فرواية أصبغ هذه عنه على قياس قول مالك في مسألة الطلاق، وقوله من رأيه على قياس قول ابن القاسم في المدونة، وإيجاب

ابن القاسم عليه اليمين استحسان مراعاة للخلاف، وهو أحسن الأقوال وأولاها بالصواب عند عدم البساط، والله أعلم.

مسألة: حلف بطلاق امرأته في دين أنه إذا وقع قسمه في دينه ليقضين ذلك الحق

مسألة وسئل: عن رجل حلف بطلاق امرأته البتة في دين عليه أنه إذا وقع قسمه في دينه ليقضين ذلك الحق.
فقال: لا أرى عليه شيئا حتى يأخذ القسم، فإذا أخذ القسم ووقع في يديه فليدفع ذلك، فإن هو تهاون في قبضه بتوليج أو تثاقل أو ترك لذلك أو داهن في ذلك وهو يقدر على أخذه فأرى عليه الطلاق، فإن هو غلب على القسم فلم يقدر على أخذه ولم يكن فيه منه مداهنة، فلم أر عليه طلاقا.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه إن فرط وتهاون في ذلك حتى مضى الوقت الذي كان يقبضه فيه لو جد في قبضه أن الطلاق يلزمه وإن لم يأمن من قبضه بعد، قال ابن المواز: وقد قيل: إنه لا يحنث حتى يرتفع العطاء وينقطع الإعطاء، فأما ما دام يرجو فلا حتى ييئس من أخذ ذلك.
وجه قول مالك: مراعاة المعنى، وذلك إنما قصد ألا يمطله بحقه، وعلى ذلك وقعت يمينه، فإذا ترك اقتضاء القسم الذي حلف ليقضينه منه حتى مضى وقته المعهود، فقد مطله وحنث، والله اعلم.
ووجه ما في كتاب ابن المواز: اعتبار اللفظ دون مراعاة المعنى، وهو أصل مختلف فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: دابتين كانتا له ولامرأته ولابنته فقال الحلال علي حرام إن انتفعت بشيء منهما

مسألة وسأل مالكا رجل: عن دابتين كانتا له ولامرأته ولابنته، فقال: الحلال علي حرام إن انتفعت بشيء منهما.
فقال: يسلم ذلك إليهما فيبيعانهما ولا أحب له أن يجعل ثمنهما في شيء ينتفع به ولا في دابة أخرى ولا يجعله في كسوة أحد ممن يلزمه كسوته ويكف عنه بذلك الكسوة التي كانت تلزمه ولا في شيء مما تلزمه النفقة لا بد له منه، ولكنهما يجعلا فيه بعد هذا فيما شاءا لا يفرض لهما فيه ولا يدخلان ثمنه في شيء مما يرفع به النفقة عنه، قال أصبغ بن الفرج: إنما معنى هذا في فتيا مالك أن الحالف أراد أن يسلمه ذلك إليهما، فأما من حلف على ثوبه أو عبده ألا ينتفع به فليحبسه ولا يبعه ولا يهبه ولا يتصدق به؛ لأنه إذا فعل فقد انتفع به، وهذا إذا حلف ألا ينتفع بشيء من ثمنه، فإن لم يرده فلا بأس أن يبيعه وينتفع بثمنه ويهبه إن شاء.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا إذا اعتبرته متناقض يرد آخره أوله، أما قوله أولا: إنما معنى هذا في فتيا ملك أن الحالف أراد أن يسلم ذلك إليهما، فأما من حلف على ثوبه أو عبده ألا ينتفع به فليحبسه ولا يبعه ولا يهبه ولا يتصدق به لأنه إذا فعل ذلك فقد انتفع به فهو صحيح؛ لأنه معنى قول مالك على ما قال؛ لأن من حلف ألا ينتفع بشيء ولم تكن له نية في وجه من وجوه الانتفاع ولو كان ليمينه بساط مذكور يحمل عليه، ولا مقصد مظنون يرد إليه فالواجب أن يحمل الانتفاع على عمومه في كل شيء، فلا ينتفع به في وجه من وجوه المنافع ولا بثمنه ولا بهبته ولا يتصدق به ولا يعتقه إن كان عبدا؛ لأن ذلك كله انتفاع، ولا يبرأ إلا بحبسه دون انتفاع أو إهلاكه فيما لا يحمل عليه في الدنيا ولا يثاب عليه في الأخرى، وأما قوله آخرا: وهذا إذا حلف ألا ينتفع بشيء من ثمنه فإن لم

يرده فلا بأس أن يبيعه وينتفع بثمنه ويهبه إن شاء، فهو نص منه على أنه إذا حلف ألا ينتفع به ولم ينو ترك الانتفاع بثمنه فله أن يبيعه وينتفع بثمنه، وذلك خلاف قوله أولا؛ لأنه حمل الانتفاع على الانتفاع بعينه دون الانتفاع بثمنه لقوله به، فاتبع ظاهر اللفظ ولم يراع المعنى، وهو خلاف المشهور في المذهب، وبالله التوفيق.

مسألة: أجير زرع حلف لا خان فدرى أندرا ثم عمد إلى التبن فأعاده

مسألة وسئل مالك: عن مملوك بذي المروة وسيده بالعراق وله خلفاء بالمدينة، فكان بين العبد وبين رجل من أهل ذي المروة مشاتمة، فقال له الرجل الساكن بذي المروة: إنك لخائن، فحلف له المملوك بطلاق امرأته البتة، وكانت للمملوك امرأة حرة: إن كنت خنت تمرة واحدة، فشهد عليه أنهم رفعوا تمرا من مربد إلى مربد فبقي في أسفل المربد نوى، فقال له الحفاظ الذين معه: اشتر لنا به لحما نأكله، وكان قدر صاع، وشهد عليه أنه استخبأ يوما رطبا هو وصاحب له، فأخذ كل إنسان منهم بعضه فذهب به إلى منزله، فقال الغلام: إنما حلفت على الخيانة، فأما كل شيء وسع علي فيه فلم أرده ولم أحلف عليه، فقال وكلاء الرجل الذي بالعراق: هذه أشياء قد وسعنا للقدمة فيها يأكلون من الرطب والنوى.
قال مالك: أرى أن يحلف العبد بالله الذي لا إله إلا هو أنه ما حلف بطلاق امرأته إلا على تمر يبيعه فيختان ثمنه أو يسرقه، فأما ما أصبت مما وسع علي فيه فلم أحلف عليه، إذا حلف فلا شيء عليه.

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ما جرت العادة أن أرباب الأموال يسامحون القدمة فيه ولا ينكرونه عليهم إذا هم فعلوه، محتمل ألا يكون الحالف أراده، إذ ليست بخيانة محضة، فنواه في ذلك مع يمينه، وذلك صحيح على الأصول، ومن هذا المعنى في كتاب ابن المواز: وعن أجير زرع حلف لا خان، فدرى أندرا، ثم عمد إلى التبن فأعاده فخرج له منه شيء فأخذه، فإن كان ذلك التبن تركه ولا يريد معاودته فلا شيء عليه، وهو مثل السنبل يلقط خلف الحصاد.
قال أبو محمد: وذلك إذا علم بذلك رب الزرع، يريد أبو محمد: إذا علم أن تبن الزرع إذا دري يعيد دروه من شاء لا يمتنع منه فيستوي في ذلك الأجير وغيره، فلا يكون حانثا، والله أعلم.

مسألة: قال لامرأته إن تزوجت ما عشت فكل امرأة أتزوجها طالق البتة

مسألة وسئل مالك: عن رجل قال لامرأته: إن تزوجت ما عشت فكل امرأة أتزوجها طالق البتة، فطلق امرأته وأراد أن يتزوج.
قال مالك: أرى أن يدين، فإن كان إنما أراد وهي عندي على وجه ما يرضي به امرأته فأرى أن يحلف ويتزوج، وإن كان إنما أراد ما عاشت ولم ينو في ذلك ما كانت عندي فأرى ذلك يلزمه.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن كان إنما أراد ما عاشت ولم ينو في ذلك ما كانت عندي معناه ونواه مع يمينه وإن كانت نيته مخالفة لظاهر لفظه، لكون النية في ذلك محتملة لكونها زوجة، أو لو لم تكن زوجة له، فقال: إن تزوجت ما عاشت فلانة فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم أراد

أن يتزوج قبل أن تموت، وقال: إنما أردت ما عاشت وكانت زوجة لفلان وما أشبه ذلك لم ينو في ذلك مع قيام البينة عليه، ولم يكن له أن يتزوج ما عاشت إلا أن يخاف على نفسه العنت، وبيان هذا في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، وقد مضى في آخر رسم من كتاب أوله شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح القول في هذه المسألة إذا كانت اليمين فيها شرطا في أصل العقد فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: حلف بالطلاق أن لا يدخل لهما في شيء فذهب يريد الإصلاح بينهما

ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال مالك: في رجل دخل بين ابني عم له بصلح فاتهماه جميعا في أمرهما، فحلف بطلاق امرأته البتة إن دخل في أمرهما بشيء، ثم إنه اجتمع أحدهما مع رجل آخر، فكان يذكر له أمره، والرجل الذي حلف قاعد، فقال له الرجل: يا فلان، للحالف اذهب ادع لي فلانا حتى أسمع من كلامهم، فذهب الحالف فلم يجده.
فقال مالك: إن كان إنما أراد الكلام والإصلاح فيما بينهما ولم يرد بذلك المشي ولم يحلف عليه فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إن لم تكن له نية فهو حانث؛ لأن ذهابه ليدعوه إلى من يريد الإصلاح بينهما دخول في أمرهما.
وقوله: إنه إن كان لم يرد المشي ولم يحلف عليه، فلا أرى عليه شيئا.
معناه: وعليه اليمين، إلا أن يأتي مستفتيا على ما تقدم من أصله في غير ما مسألة، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لها إن فوضت لك شيئا فأنت طالق البتة ثم قال لمعلمه ادفع إليها إجارتي

مسألة وسأله حايك: عن امرأة له قال لها: إن فوضت لك شيئا فأنت طالق البتة، ثم قال بعد ذلك لمعلمه: ادفع إليها إجارتي،

فسأل مالكا عن ذلك ولم تكن قبضت شيئا.
فقال: الأمر تفويض، ولا أرى الطلاق إلا قد لزمه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: طلق امرأته واحدة وهو مريض ثم صح وخرج ثم مرض فطلقها أخرى

مسألة وسئل مالك: عن رجل طلق امرأته واحدة وهو مريض ثم صح صحة بينة وخرج، ثم مرض فطلقها أخرى.
قال مالك: أرى أن ترثه ما دامت في العدة ولا ترثه بعد انقضاء العدة.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأنه لما صح صحة بينة بعد أن طلقها كان بمنزلة ما لو طلقها وهو صحيح، فوجب ألا ترثه إلا ما دامت في العدة، ولا يعتبر بالطلاق الثاني في المرض؛ لأنه ليس يقاربه، ومثل هذا في المدونة، وهو مما لا اختلاف فيه، وبالله تعالى التوفيق.

مسألة: قال لها أنت طالق البتة إن كنت اشتريت الحمام لمن تظنين

مسألة وسئل مالك: عن رجل نهته امرأته عن صحابة قوم كانوا يلعبون بالحمام، فدخل عليها يوما معه حمام، فقالت له: أخبرني لمن اشتريت هذه الحمام، فأبى أن يخبرها، فقالت: ما أظنك كتمتني إياه إلا أنك اشتريته لمن نهيتك عنه، فقال لها: أنت طالق البتة إن كنت اشتريته لمن تظنين.
قال: أرى أن يحلف لها في ذلك ما اشترى لمن تظن إن طاوعها على اليمين.

قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال أنه لا يمين عليه إلا إن شاء، يتطوع لها باليمين تطييبا لنفسها؛ لأنها لو ادعت عليه أنه طلقها لم يلزمه يمين بدعواها، فكذلك إذا ادعت عليه أنه حلف حانثا، فكيف إذا لم يحقق عليه الدعوى، وإنما اتهمته أنه كذبها وحلف حانثا، وبالله التوفيق.

حلف بطلاق امرأته البتة ألا يكلم أخا له عشرة أيام وكان حلفه ضحوة

ومن كتاب البز وسئل مالك: عن رجل حلف بطلاق امرأته البتة ألا يكلم أخا له عشرة أيام، وكان حلفه ضحوة، أترى أن يعتد بذلك اليوم؟ قال: أحب إلي أن يلغي ذلك اليوم ولا يعتد به، قال ابن القاسم: وهو رأيي.
قال محمد بن رشد: القياس ألا يلغي بقية ذلك اليوم وأن يعد عشرة أيام من تلك الساعة، وهو قول مالك الأول، وعليه يأتي جوابه في هذه المسألة؛ لأنه استحب أن يلغي ذلك اليوم فلا يكلمه حتى تمضي عشرة أيام بعد انقضاء بقية ذلك اليوم؛ لأنه أبرأ من الحنث مراعاة للقول بأن الواجب إلغاء بقية ذلك اليوم، وهذا القول الذي رجع إليه مالك، فلو كلمه بعد عشرة أيام من تلك الساعة لم يحنث عنده؛ لأنه استحب إلغاء ذلك اليوم ولم يوجبه، ولو حلف على قياس هذا ليكلمنه في هذه العشرة الأيام فلم يكلمه حتى انقضت عشرة أيام من تلك الساعة حنث، وقد مضى القول على اختلاف قول مالك في هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب طلاق السنة، ومضى في سماع سحنون من كتاب النذور ما يزيد ذلك بيانا، فلا وجه لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف على زوجته بطلاقها ألا تخرج من بيته سنة إلا بإذنه

مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف على زوجته بطلاقها ألا تخرج من بيته سنة إلا بإذنه، فكان يأذن لها كلما أرادت أن تخرج، ثم

سافر ثلاثة أشهر فأذن لها عند خروجه أن تخرج حيث أحبت، ثم قدم فأقام فأرسلت أم امرأته إليها أن ايتني، فقالت: إن زوجي ليس هاهنا، وقد حلف ألا أخرج إلا بإذنه، فإذا جاء استأذنته في ذلك، فمر الرجل بأم امرأته فقالت له: ألا تأذن لفلانة تأتيني، فإني أرسلت إليها، فقالت: لا أستطيع أن أخرج حتى يأذن لي زوجي، فقال لها زوج ابنتها: نعم وكرامة، أنا آذن لها وأرسلها إليك، ثم خرج زوج ابنتها من عندها فأرسلت إليها أمها، فقالت: لا أستطيع أن أخرج، فقالت لها أمها: إنه قد أذن لك، فخرجت إلى أمها قبل أن يدخل زوجها بيته أو تكلمه في ذلك، فما ترى عليه؟ قال مالك: إن كان قال لها ذلك وهو يريد أني قد أذنت لك وتلك نيته فلا أرى عليه شيئا، وإن لم يكن نوى في قوله أنا آذن لها وأرسلها إليك الإذن في ذلك فأراه قد حنث.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إن ذلك ليس بإذن إلا أن يريد بذلك أني قد أذنت لها، وأما قوله إنه حانث إن لم يرد بذلك الإذن فيدخل في ذلك اختلاف بالمعنى؛ لأنها لم تخرج عاصية لزوجها في الخروج بغير إذنه، وإنما خرجت لما أخبرتها أمها أنه قد أذن لها، فيحنث على مقتضى اللفظ لأنها قد خرجت قبل الإذن، ولا يحنث على اعتبار المعنى؛ لأن معنى يمينه ألا تعصيه بخروجها دون أن يأذن لها، ألا ترى أنه لو أذن لها فخرجت بعد أن أذن لها ولم تعلم بالإذن لحنث لكونها عاصية بالخروج، إذ لم تعلم بالإذن، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في أول مسألة من رسم أسلم من سماع عيسى، وسيأتي القول عليها هنالك إن شاء الله.

مسألة: منت عليه بثوب اشترته بدين حلف ألا يلبسه حتى يكتب عليه الثمن

مسألة وسئل: عن رجل كان تزوج امرأة فاشترت امرأته ثوبا بدين

فكسته زوجها فمنت عليه بذلك، فقال: أنت طالق البتة إن لبسته حتى تكتبي علي ثمنه، فدعت مولاة امرأته جارية لها كاتبة فكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت بذلك عليه امرأته مع المولات وأشهدت بذلك مولاتها لزوجته، ثم أخذه ولبسه وباعه.
فقال له: ما أردت بذلك؟ فقال: أردت أن أدفع ثمنه من عندي، فقال: أرى أن تدفع إلى صاحب الثوب ثمنه وتكتب له بذلك كتابا ولا تدفع إلى زوجتك الثمن وأرجو ألا شيء عليك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنها لما منت عليه بالثوب الذي اشترته بدين حلف ألا يلبسه حتى يكتب عليه الثمن ليدفعه إلى البائع من عنده إذا حل الأجل على ما أخبر الحالف أنه أراد، فرأى مالك أنه قد بر بكتاب زوجته عليه الثمن لنفسها إلى ذلك الأجل، ولم ير عليه حنثا في أخذه ولباسه بعد أن كتب عليه الثمن؛ لأنه إنما كتبه على نفسه لها وهو يريد أن يدفعه إلى بائع الثوب على ما نوى.
وقوله: أرى أن يدفع إلى صاحب الثوب ثمنه يريد إذا حل الأجل ويكتب له بذلك كتابا يريد على نفسك من الآن إنما هو استحسان ليس على أنه يحنث إن لم يفعل ذلك؛ لأن اللباس قد وقع بعد أن انحلت اليمين عنه بكتابه الثمن على نفسه على ما حلف عليه، فقوله في آخر المسألة: وأرجو ألا يكون عليك شيء، معناه: في أخذك الثوب ولباسه بعد أن كتبت على نفسك الثمن لزوجتك، وليس معناه أرجو ألا شيء عليك إن دفعت إلى صاحب الثوب ثمنه إذا حل الأجل وكتبت له على نفسك كتابا من الآن؛ لأن لباس الثوب قد وقع، فإن كان لم يحنث فلا يحنث بعد، وإن كان قد حنث فلا يزول عنه الحنث، وهذا بين والحمد لله.

مسألة: قال امرأتك طالق البتة إن كنت فعلت كذا وكذا قال نعم

مسألة وسئل مالك: عن رجل لقيه رجل، فقال له: إني أخبرت أنك

فعلت كذا وكذا، قال: لم أفعل، قال: فامرأتك طالق البتة إن كنت فعلت كذا وكذا، قال: نعم امرأتي طالق البتة إن كنت فعلت، واستثنى في نفسه إلا كذا وكذا، الذي استحلفه عليه.
قال: إن كان شيئا إنما وسوس به نفسه لم يحرك به لسانه، ما أراه إلا وقد حنث، ورأيته إن كان تكلم به فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: ورأيته برئ إن كان تكلم به فلا شيء عليه، معناه: وإن لم يعلم بذلك المحلوف له، قاله ابن القاسم من سماعه في كتاب النذور، وهو نص على نية الحالف، لا على نية المحلوف له، ومثله لابن وهب في سماع عيسى وزونان، خلاف قول ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى، وخلاف ما في رسم الصلاة من سماع يحيى، وقد اختلف في هذا اختلافا كثيرا قد مضى تحصيله في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، ومضى هناك أيضا الاختلاف في الاستثناء دون تحريك اللسان، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

###: حلف بطلاق امرأته وغاضبته إن هو خرج في سفر لم يرجع إليها سنين

ومن كتاب باع غلاما بعشرين دينارا وعن رجل حلف بطلاق امرأته وغاضبته إن هو خرج في سفر لم يرجع إليها سنين.
قال: إن أراد بلدا مثل مصر ويخرج إلى غيرها فلا أرى عليه شيئا، وإن لم يرد موضعا فأرى اليمين عليه إن خرج من المدينة إلى سفر من الأسفار.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه إذا لم ينو بلدا بعينه

فاليمين له لازمة إن خرج إلى ما تقصر فيه الصلاة من الأسفار، وإنما يختلف لو قال: إن خرج من المدينة ولم يقل في رسم سفر على ما يأتي القول فيه في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب، إن شاء الله.

مسألة: تحمل برجل فقال له الحميل إني لأخشى أن تغرمني

مسألة وعن رجل تحمل برجل، فقال له الحميل حين أراد أن يتحمل به: إني لأخشى أن تغرمني، فقال له: امرأته طالق البتة إن أغرمتك منها شيئا، فلما حل الحق أراد الحميل أن يسلفها إياه؛ لأنه إذا سلفها إياه فقد غرمها عنه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن معنى يمينه لا أغرمتك منها شيئا إلا وديتها أنا فلا تغرمها أنت، فإذا لم يؤدها إلا من ماله فكأنه قد أغرمه إياها، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لأخيه امرأته طالق إن نفعتك بشيء فاشترى لامرأته لحما بدرهم

مسألة وعن رجل قال لأخيه: امرأته طالق إن نفعتك بشيء، فاشترى لحما بدرهم فبعث به مع غلام له إلى بيته فأخطأ فدفعه إلى أخيه، فأتى إلى بيته فسألهم عن اللحم، فقالوا له: لم يأتنا شيء، فسأل الرسول فإذا هو قد دفعه إلى أخيه.
قال مالك: لا أرى عليه شيئا وأرى أن يطلب الرسول بالثمن ويطلبهم الرسول بالثمن، يريد لأخيه، قال سحنون: لا

يكون للرسول أن يتبع الأخ بشيء؛ لأنه أفاته ثم يدعى الغلط فلا يقبل منه، قال عيسى: إذا تجافى الحالف عن إغرام الرسول وتجافى الرسول عن إغرام الأخ لم يحنث أيضا، وإن تجافيا جميعا عن إغرام الأخ حنث، وهو قول أصبغ وغيره من أهل العلم.
قال محمد بن رشد: لم يثبت قول سحنون في جميع الروايات، ووجه أنه حمله على التعدي ولم يصدقه فيما ادعاه من الغلط، وإذا حمل على التعدي كان حكمه حكم الوكيل يهب مال موكله أو يحابي فيه فيفوت ذلك.
وفي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن رب المال يرجع على الوكيل إن كان له مال، فإن لم يكن له مال رجع على الموهوب إن كان له مال، فإن لم يكن لواحد منهما مال رجع على أيهما أيسر أولا، وليس لمن رجع عليه منهما أن يتبع صاحبه بشيء، وإن أيسرا جميعا لم يكن له أن يتبع إلا الوكيل، بمنزلة إذا كانا جميعا موسرين ابتداء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وعليه يأتي قول سحنون هذا.
والثاني: أنه يرجع على الموهوب له إن كان له مال، فإن لم يكن له مال رجع على الوكيل إن كان له مال، فإن لم يكن لواحد منهما مال رجع على أيهما أيسر أولا، فإن رجع على الوكيل كان للوكيل أن يتبع الموهوب له، وإن رجع على الموهوب له لم يكن للموهوب له أن يتبع الوكيل، وهو معنى غير قول ابن القاسم، وهو أشهب في المدونة، وإذا كان للوكيل إذا رجع إليه أن يرجع على الموهوب له فالقياس على هذا إذا كانا موسرين أن يكون صاحب المال مخيرا في أن يتبع من شاء منهما؛ لأن الموهوب غريم غريمه، فله أن يتبعه ويدع غريمه، وقد روى ذلك عن أشهب.
والقول الثالث: أنه ليس لرب المال أن يتبع إلا الوكيل، فإن وجده معدما وكان الموهوب له موسرا فرجع عليه رجع الموهوب له على الوكيل، وهذا القول هو معنى ما حكاه أشهب

عن بعض أهل المشرق، ونحا هو إليه في سماع أصبغ من كتاب البضائع والوكالات، وأما إذا صدق الرسول في أنه أخطأ باللحم على ما ذهب إليه مالك فلا اختلاف في أن له أن يطلب الرسول ويطلبهم الرسول بما طلب به، وان أراد أن يترك الرسول وبطلب الأخ، فذلك له إن رجع على الرسول ورجع الرسول على الأخ، فله هو أن يرجع عليه لأنه غريم غريمه.
وقال: إن الرجوع في ذلك يكون بالثمن، وذلك إذا كانت القيمة مساوية للثمن؛ لأن الواجب في ذلك الرجوع بالقيمة لا بالثمن الذي اشترى به، هذا إن كان اللحم جزافا، وأما إن كان وزنا فلا يكون الرجوع إلا بالمثل؛ لأن من تعدى على وزن فعليه المثل، ولو كان إنما أرسل باللحم مع غلامه على ما استفتح به المسألة لرجع بمثل اللحم أو قيمته إن كان جزافا على أخيه، ولم يكن في ذلك كلام، وقول عيسى تفسير لقول مالك؛ لأن الحالف إذا أغرم الرسول وتجافى الرسول عن إغرام الأخ الحالف، وإنما نفعه الرسول، وإذا أغرم الرسول الأخ وتجافى الحالف عن إغرام الرسول فإنما نفع الحالف الرسول لا الأخ الذي حلف على ألا ينفعه، وبالله التوفيق.

###: كسا امرأته ثوبا فسخطته فحلف بطلاقها البتة إن هي لبسته

ومن كتاب نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن رجل كسا امرأته ثوبا فسخطته فحلف بطلاقها البتة إن هي لبسته، فذهب به ليرده على صاحبه فبعثت جارية لها فاتبعته حتى علمت موضعه ثم أرسلت فاشترته وقطعته درعا فلبسته.
قال مالك: أرى أن يُنَوَّى، فإن قال: إنما أردت ألا أكسوها أنا ولا تلبسه من مالي ولم أرد أن تتداوله الأسواق، أو أبيعه ثم تشتريه، أو تكساه فتلبسه، وإنما كانت نيتي من عندي، فلا أرى

عليه حنثا، ويحلف على ذلك، وإن لم تكن له نية ولم ينو شيئا من هذا فأرى أن قد طلقت عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن اليمين إذا عريت عن النية ولم يكن لها بساط عمل على مقتضى اللفظ، وأن من ادعى فيما يحكم به عليه من الأيمان نية محتملة غير مخالفة لظاهر لفظه نوي فيها مع يمينه إذا حضرته البينة ولم يأت مستفتيا، وبالله التوفيق.

مسألة: كان يسأل رجلا عشرة دنانير إلى أجل وحلف بطلاق امرأته إن لم يقضه

مسألة وسئل: عن رجل كان يسأل رجلا عشرة دنانير إلى أجل وحلف بطلاق امرأته إن لم يقضه، فأراد أن يرهنه فيها سواري ذهب.
قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب القائم من المدونة وغيرها أن من حلف ليقضين رجلا حقه لا يبر بالرهن ولا بالقضاء الفاسد؛ لأن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد قيل: إنه يبر بالرهن وبالقضاء الفاسد وإن نقض، وهو قول أشهب في سماع أصبغ من كتاب النذور، وقد مضى القول على هذا المعنى مستوفى في أول مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.

مسألة: قال أنت طالق البتة إن خرجت في حق حتى أحج فأراد سفرا في ذي القعدة

مسألة وسئل: عن امرأة خرجت إلى بيت أهلها بغير إذن زوجها فعاتبها زوجها في ذلك، فقالت: إنما خرجت في حق أديته، فقال: أنت طالق البتة إن خرجت في حق حتى أحج، فأراد سفرا

في ذي القعدة، فأمرها أن تلحق بيت أهلها فخرجت إليهم.
قال مالك: لا أرى هذا حقا ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، فلا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف لرجل بالطلاق البتة أن يقضينه حقه إلى أجل يسميه

مسألة وعن رجل يحلف للرجل بالطلاق البتة أن يقضينه حقه إلى أجل يسميه إلا أن يحب أن ينظره فيأتي الأجل فينظره شهرا ثم يقول له بعد حلول ما أنظره إليه: ما علي يمين.
قال مالك: اليمين عليه إن لم يقضه حنث.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة وما يتخرج فيها من الاختلاف في رسم حلف ليرفعن أمرا، فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بطلاق امرأته البتة إن أنفق عليها شهرا إلا أن يرى غير ذلك

مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف بطلاق امرأته البتة إن أنفق عليها شهرا إلا أن يرى غير ذلك فجاءته وهو يتغذى فأكلت معه وتركها تأكل معه.
فقال له: أردت أن تأكل معك؟ قال: نعم، قال: إن كان ذلك الذي نويت ورأيت فلا شيء عليك، كلام فيه نظر،

وأراه وقع على غير تحصيل، إذ لا يضره إلا أن تكون له نية؛ لأن قوله: إلا أن يرى غير ذلك - يحمل إذا لم تكن له نية، على أنه إنما أراد بذلك إلا أن أنفق عليها، لا على أنه أراد بذلك إلا أن ألا أطلقها؛ لأن رد الاستثناء إلى الإنفاق له فائدة، وهو أقرب مذكور، ورده إلى الطلاق لا فائدة فيه؛ لأنه برى، والبرى في الطلاق لا يصح ولا ينفع مع أنه أبعد مذكور، ويترك أن يتحمل على ما فيه الفائدة، وهو أقرب مذكور، وهذا ما لا إشكال فيه ولا اختلاف، ونحوه في كتاب العتق الأول من المدونة، وإنما يختلف إذا قال امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يشاء الله، فقيل: إن الاستثناء لا ينفعه وإن رده إلى الفعل، والصواب: أنه ينفعه إلا أن يرده إلى الطلاق، وسيأتي القول على هذا إن شاء الله.

###: حلف فقال حرم علي ما حل لي في رجل يشتمه إن لم يكتب بينة ويرفعها

ومن كتاب المحرم يأخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك: عن رجل حلف، فقال: حرم علي ما حل لي في رجل يشتمه إن لم يكتب بينة ويرفعها، أفترى إذا رفعها أن يخرج عن يمينه أم حتى يخاصمه ويقاعده؟

فقال: بلى حتى يخاصمه ويقاعده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن معنى ما حلف عليه أن يثبت عليه سبه إياه ويوبخه بتوقيفه إياه على ذلك وتقريره عليه، فلا يبر إلا ببلوغ الغاية في ذلك بالمخاصمة والمقاعدة، فإن تجافى بعد هذا عما يتعين له عليه في سبه إياه من الأدب لم يحنث، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لها إن خرجت بك من موضعك إلا برضاك فأنت طالق فرضيت

مسألة وسئل مالك: عن رجل حلف لامرأته من غير شرط يكون لها عليه إن خرجت بك من موضعك إلا برضاك فأنت طالق البتة، فرضيت وأشهدت بذلك أنها راضية غير مكرهة ولا مضطرة ولا مغلوبة على أمرها راضية بذلك مسلمة له راغبة في رضاه.
قال مالك: أرى إن خرجت معه عن رضا منها فلا شيء عليه، ولكن أرى عليه إن أرادت منه أن يردها إلى الموضع الذي أخرجها إليه بعد رضاها وتسليمها ذلك إلى الموضع الذي خرجت منه أن ذلك يلزمه.
قيل له: وإن هو خرج بها برضاها إلى موضع ولم يجد ما يردها به ولم يقو على ذلك؟ قال: لا أرى أن يخرجها إلى موضع إن سألته ذلك وطلبته.
قال سحنون: لا يلزمه ذلك أن يردها إلا أن يكون شرط لها أن يردها.
قال محمد بن رشد: قد اختلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: أحدهما: قول مالك: هذا إنه يلزمه أن يردها إذا سألته ذلك فإن لم يفعل حنث وإن كان تطوع لها باليمين.
والثاني: أنه لا يلزمه أن يردها وإن كان اليمين شرطا في العقد، وهو قول ابن القاسم في رواية سحنون عنه الواقع في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح.
والقول الثالث: الفرق

بين أن يتطوع لها باليمين أو يكون شرطا عليه في أصل العقد، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه، وقد مضى هذا كله والقول فيه مستوفى بعلله في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم في كتاب النكاح، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: لم يشهد للمرأة على زوجها بالطلاق إلا شاهد واحد

مسألة وسألته امرأة: عن زوج لها كان يضربها وكان يخبرها أن بني عم له يحملونه على ذلك، وأنه كان بينه وبينها كلام وضربها، فقالت له: هذا عمل بني عمك يحملونك على هذا، قال: أنت طالق البتة، إن كانوا قالوا لي شيئا، فقالت له: اتق الله فإنها الفروج، أنت كنت تخبرني أنهم هم الذين يحملونك، قال: فإني وهمت حين حلفت، ورجل يشهد على مقالته.
قال: أرى أن يستحلف بالله فيما يدعي، لو شهد عليه رجل آخر حلف مع الذي شهد عليه أنه قال وهمت لرأيت ذلك فراغا من الأمر، يريد بذلك أن تطلق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن شهادة الرجل الواحد عليه بهذه المقالة كشهادته عليه بالطلاق، وإذا لم يشهد للمرأة على زوجها بالطلاق إلا شاهد واحد فلا يلزمه إلا اليمين، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه، وبالله التوفيق.

###: مسألة مرض فذهب عقله فطلق امرأته ثم أفاق فأنكر ذلك

مسألة أوله مرض وله ولد، وسئل عن رجل مرض فذهب عقله

فطلق امرأته ثم أفاق فأنكر ذلك وزعم أنه لم يكن يعقل الذي صنع، وأنه كان لا يعلم شيئا من ذلك.
قال: أرى أن يحلف ما كان يعقل ويخلى بينه وبين أهله.
قال محمد بن رشد: وإنما يكون ذلك إذا شهد العدول أنه كان يهدي ويتخبل عقله، وأما إذا شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله فلا يقبل قوله، ويمضي عليه الطلاق، قاله ابن القاسم في العشرة، وكذلك الحكم في السكران، وقد مضى القول في حكم السكران في أول كتاب النكاح مستوفى، وقد تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب طلاق السنة، ومضى القول عليها هناك، وبالله التوفيق.

###: حلف لها في جارية ألا يطأها وهو ينوي برجله على بطنها

ومن كتاب أوله قال سحنون قال أشهب وابن نافع سئل مالك: عمن ابتلي من امرأة بالغيرة فحلف لها في جارية ألا يطأها، وهو ينوي ألا يطأ برجله على بطنها.
فقال: أكره أن يفعل ذلك، وذلك يسوق إلى غير ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم أبي زيد من كتاب النذور من اللغو في اليمين، وهو على وجهين: أحدهما: أن يلغز فيه لمن يحلف له متعدرا من شيء أو متمخيا منه أو تطيبا لنفسه في غير حق يتعلق له قبله كنحو هذه المسألة، إذ لا حق لامرأته في ترك وطء أمته.
والثاني: أن يلغز له على وجه المكر والخديعة في حق يتعلق له قبله، فأما الوجه الأول ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لا ينتفع بلغزه؛ لأن اليمين على نية المحلوف له، وهو قول مالك في التخيير والتمليك من المدونة في الذي

يحلف للسلطان طائعا، فيقول: امرأتي طالق وزعم أنه أراد امرأة كانت له قبل.
والثاني: أنه ينتفع به وتكون له نيته فيه، إلا أن ذلك يكره له أن يفعله مخافة أن يكون ذلك ذريعة إلى استسهاله على وجه المكر والخديعة، وهو قول مالك في هذه الرواية.
والثالث: أنه ينتفع به وتكون له نيته فيه، ولا يكره له أن يفعله، والى هذا ذهب ابن حبيب.
وأما الوجه الثاني ففيه قولان: أحدهما: أنه لا ينتفع بلغزه؛ لأن اليمين على نية المحلوف له.
والثاني: أنه ينتفع بلغزه وتكون له نيته فيه، وهو آثم في فعله، وسواء كان لغزه في اليمين بالله وما لا يحكم به عليه من المشي وشبهه، أو فيما يحكم به عليه من العتق والطلاق، غير أنه إن كان فيما يحكم به عليه من العتق والطلاق وطولب باليمين فادعى الإلغاز فيه استظهر عليه في ذلك باليمين، كانت عليه في اليمين بينة أو لم تكن، إذا كان مقرا باليمين، وأما إن أنكر اليمين فلما ثبت عليه ادعى الإلغاز فيه فلا يصدق، ويقضي عليه بما ظهر من يمينه، وقد مضى بيان هذا في رسم الرهون من سماع عيسى من كتاب النذور.

مسألة: قال امرأتي طالق إن كان يدخل بطون العباد شيء أخبث من الشراب المسكر

مسألة وسئل: عمن قال: امرأتي طالق إن كان يدخل بطون العباد شيء أخبث من الشراب المسكر.
فقال مالك: الدم والميتة ولحم الخنزير، وما هذا عندي باليمين، ثم تفكر فيها طويلا، ثم قال: لو طلقتها واحدة ثم ارتجعتها، فقيل له: إنها ليست عنده إلا بواحدة، فقال: قال الله عز وجل في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]، وليس هذا في الخمر، يأخذ دينارا بدينارين يأكله، إذا أخذه الذي يشرب الخمر جلد وخلي، وإذا أخذه الذي يأكل الميتة عذب عذابا أليما، فأرى أن يفارق امرأته، قال: أترى أن يفارقها؟ قال: نعم.

قال محمد بن رشد: حمل مالك يمين الحالف بالطلاق على أنه لا يدخل بطون العباد شيء أخبث من الشراب المسكر، على أن المعنى فيه أنه لا يدخل بطونهم شيء هو أشد في التحريم وأعظم في الإثم وأكبر في الجرم من الشراب المسكر، ولذلك رأى الطلاق قد لزمه.
وقيل: من أجل أنه رأى الربا أشد تحريما وأعظم إثما وأكبر جرما، بدليل ما توعد الله به في الربا، ولم يذكر في الخمر مثله، فعلى هذا التأويل لو حلف الحالف أنه لا يدخل بطون العباد أخبث من الربا [لم يحنث.
وقيل: إنه إنما رأى الطلاق قد لزمه من ناحية الشك أنه لا يدري أي المحرمات أخبث، أي أشد في التحريم وأعظم في الإثم، بدليل قوله: وما هذا عندي بالبين، فعلى هذا التأويل لو حلف أنه لا يدخل بطون العباد أخبث من الربا] لحنث أيضا، وهو أولى التأويلين لعدم النص في ذلك، وهذا صحيح إذا أراد الحالف هذا المعنى الذي حمل عليه مالك يمينه أو كان ثم بساط يدل عليه.
وأما إذا عريت يمينه من نية أو بساط فلا ينبغي أن يحنث؛ لأن الخبث القائلة والشر والخبيث نعت كل فاسد، وفي الخمر معاني خبيثة ليست في سائر المحرمات من ذهاب العقل وإيقاع البغضاء والعداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما ذكر الله تعالى، فيجب أن تحمل يمين الحالف بهذه اليمين إذا لم تكن له نية، على أنه أراد أنه لا يدخل بطون العباد شيء أشد عليهم وأضر بهم في دينهم ودنياهم من الشراب المسكر فلا يحنث؛ لأن من سكر جهل على الناس وسفه في ماله واستسهل الجرائم وعطل الفرائض، وقد روي أن سبب يمين هذا الحالف هو أنه رأى سكرانا في بعض أزقة المدينة يروم تناول القمر ليدخله في كميه، وفي بعض هذا بيان.

مسألة: الأحق بالحضانة

مسألة وسئل: عمن فارق امرأته وله منها بنت فطرحتها إليه ولحقت

بأهلها فتأيمت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت لا تعرض للبنت ولا تريدها حتى ماتت، فلما ماتت قامت أمها تطلب البنت، بنت ابنتها لتأخذها.
فقال: ألذلك سنة؟ إذا كان لذلك سنة أو أكثر من ذلك أو أشباه ذلك فلا أرى ذلك لها، قد تركها وعضدها وإن كان ليس ذلك إلا يسيرا فإن ذلك لها.
وفي كتاب الطلاق: أن الأم نفسها أرادت أن تأخذ ولدها بعد تركها إياه، فقال مالك: إن كانت تركتهم من علة مثل أن تكون مرضت وانقطع لبنها فذلك لها، وإن كان على غير ذلك فليس ذلك لها، قال ابن نافع: وللجدة أن تأخذها إذا كانت في موضع أبيها.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في هذين الرسمين من هذا السماع من كتاب طلاق السنة وفي غيره من المواضع منه ومن غيره، ومضى القول عليها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أيضا، فلا فائدة في إعادته، وبالله التوفيق.

###: جعل ليمينه بالطلاق على الفعل أجلا بعد أن كان أبهم يمينه أولا إلى غير أجل

ومن كتاب الطلاق الثاني وسئل: عن مريض قال لامرأته: أنت طالق البتة إن لم تقومي علي؛ لأنكحن عليك أرفق بي منك أو أخرج إلى أنطابلس، فلم تقم عليه، ثم لقي رجلا فأخبره بيمينه، فقال له الرجل: ألا جعلت ليمينك أجلا، قال: فإني أشهدكم أنها طالق البتة، إن لم أتزوج عليها إلى ثلاث سنين، أو أخرج إلى أنطابلس.
قال: فليفِ بما جعل على نفسه، قيل له: إنه قد جاء الأجل ولم يفعل، قال: ليس ذلك له، قال أشهب فيها: يحال بينها وبينه،

ويضرب له أجل المولي ولا يطأها إلى الأجل لأنه قد عقد على نفسه اليمين الأول إلى غير أجل، فإذا انقضت الأربعة الأشهر وقف فقيل له: تزوج أو اخرج إلى أنطابلس وإلا فرق بينكما، فإن لم يفعل طلق عليه بالإيلاء تطليقة، فإن انقضى أجل الثلاث سنين ولم يفعل شيئا مما حلف عليه وهي في بقية من عدتها من طلاق الإيلاء حنث، فطلق عليه بالبتة؛ لأن الحنث دخل عليه وهي امرأته، وإن لم تنقض السنون الثلاث حتى خرجت من العدة فقد بانت منه بلا طلاق ولا طلاق عليه بالبتة؛ لأن الحنث دخل عليه بها، وقال ابن نافع: يحنث بهذه الآخرة إذا انقضى الأجل ولم يفعل ما حلف عليه.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الذي جعل ليمينه بالطلاق على الفعل أجلا بعد أن كان أبهم يمينه أولا إلى غير أجل: فليف بما جعل على نفسه، يدل على أنه فيما يؤمر به من على ما كان عليه قبل أن يجعل ليمينه أجلا، فلا يجوز أن يطأ؛ لأنه على حنث باليمين الأولى.
والوجه في ذلك: أنه ليس له أن يسقط عن نفسه حكم اليمين الأولى من أنه فيها على حنث لا يجوز له الوطء يضرب له الأجل في يمينه الثانية على القول بأن من حلف بالطلاق ليفعلن فعلا إلى أجل يجوز له أن يطأ إلى ذلك الأجل إذ قد اختلف في ذلك.
وقوله لما قيل له إنه قد جاء الأجل ولم يفعل - ليس ذلك له معناه ليس له أن يفيء بعد الأجل بفعل ما حلف عليه ليفعلنه إلى الأجل ويقع عليه الحنث بمضي الأجل، فقول أشهب تفسير لقول مالك، ومعناه: أنه يضرب له أجل المولي إن رفعته امرأته إلى السلطان وطلبته بحقها في الوطء، وقد بقي من الأجل أكثر من أربعة أشهر، فإن ضرب له أجل الإيلاء فطلق عليه فانقضت الثلاث سنين قبل أن تنقضي عدتها ولم يفعل شيئا مما حلف عليه وقع عليه الحنث بالطلاق، وإن انقضت عدتها من طلاق الإيلاء قبل حلول الأجل لم يلزمه بحلول الأجل شيء إلا أن يكون قد تزوجها قبل حلوله فترجع عليه اليمين ويحنث بحلوله إن لم يفعل ما

حلف عليه قبله، وقول ابن نافع يحنث بهذه اليمين الآخرة إذا انقضى الأجل ولم يفعل ما حلف عليه، معناه: إن بقيت على حالها لم ترفع أمرها إلى السلطان وإلا طلق عليه بالإيلاء، فهو صحيح أيضا ليس بخلاف لقول مالك.
وقد تأول ابن أبي زيد على مالك في قوله: فليفِ بما جعل على نفسه أن له أن يفيء قبل الأجل وبعد، وإنه لا يحنث بعد بانقضاء الأجل، وأن قوله: ليس ذلك له - معناه: ليس له من يمينه مخرج إلا بالفيء بفعل ما حلف عليه، وقال: إنما يصح ظاهر جواب مالك على أنه جعل الأجل للتزويج وأبهم الخروج إلى أنطابلس بلا أجل، فهذا لا يطلق عليه إذا مضت الثلاث سنين، ويدخل عليه الإيلاء إن رافعته، وهو تأويل بعيد، ومعناه: لو صح صحيح على أصولهم.

مسألة: حلف المرأة بالطلاق

مسألة وسئل مالك: عمن كانت بينه وبين امرأته محاورة فتحالفا، فقال لها زوجها: ليس هذا بشيء، ولكن احلفي بالطلاق، فقالت: أنت طالق إن لم يكن كذا وكذا.
فقال: ليس للنساء طلاق.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن الطلاق إلى الرجال ليس إلى النساء منه شيء، لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: 231]... الآية، وما أشبه هذا من الآيات، إلا أن تملك نفسها أو تخير في أمرها، فتختار نفسها، فيجب لها ذلك على السنة فيه، لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ [الأحزاب: 28] الآية، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في النصف من السنة امرأتي طالق البتة إن فعلت كذا وكذا هذه السنة

مسألة وسئل: عمن قال في النصف من السنة: امرأتي طالق البتة إن فعلت كذا وكذا هذه السنة.
فقال: إن كان نوى ما بقي من السنة فذلك له، وإن لم يكن نوى شيئا فليستقبل من يوم حلف اثني عشر شهرا.
قال محمد بن رشد: إنه إن لم ينو شيئا فليستقبل من يوم حلف اثني عشر شهرا، ولم يذكر هل يلغي بقية ذلك اليوم أو يحسب من تلك الساعة، وقد مضى الاختلاف في ذلك والقول فيه في رسم البز من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وكذلك من قال: لله علي أن أصوم هذه السنة، يصوم اثني عشر شهرا من ذلك اليوم، إلا أن ينوي بقية تلك السنة، وقد مضى في رسم بع ولا نقصان عليك من كتاب الصيام ذكر الاختلاف الحاصل بين ابن القاسم وأشهب هل يعد ذلك اليوم ولا يقضيه، أو لا يعده كأنه يقضيه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

###: سئل البائع أن يضع من ثمنها فحلف بالطلاق ألا يضع عنه

ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل مالك: عن موصى إليه باع ثلاثة أشياء من مال البيت بثمانية عشر دينارا ودرهمين فيمن يزيد، فأغلاها فيما يقولون بثلاثة دنانير، فسئل البائع أن يضع من ثمنها فحلف بالطلاق ألا يضع عنه، فسأله أن ينظره، فقال: إن لم يدخل علي في يميني شيء فقد أنظرته، فَأُفْتِيَ ألا شيء عليه في يمينه فأنظره، فجاءني أخو امرأته فأوقفتها عنه.
فقال: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما هذا الذي أراد، وما أراد إلا ألا يضع عنه من الثمن شيئا، وأنه لم يرد إلا أن ينظره، فإذا حلف على ذلك فلا شيء عليه.

قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الحالف لا يخلو أن يريد بيمينه لا يضع عنه ألا يرفقه أو أن يريد بها ألا يضع عنه خاصة لا أن ينظره، أو ألا يكون له نية، فأما إذا نوى بيمينه ألا يضع عنه ألا يرفقه فهو حانث إن أنظره؛ لأنه إذا أنظره فقد أرفقه، وأما إذا نوى ألا يضع عنه خاصة لا ألا ينظره فلا حنث عليه إن أنظره.
واختلف إن كانت يمينه بما يقضي به عليه من الطلاق أو العتاق فطولب بذلك هل يصدق فيما ادعى أنه نواه بيمين أو بغير يمين؟ فقال مالك في هذه الرواية: إنه يستحلف، وقيل: إنه يصدق بغير يمين، وهو الذي أفتي به الحالف على ما ذكر في الرواية، وأما إذا لم تكن نية فظاهر الرواية أنه لا حنث عليه على مقتضى اللفظ إن أنظره، ويستظهر عليه باليمين أنه إن لم تكن له نية إن كان مطلوبا؛ لأنه يتهم أن يكون نوى ألا يرفقه على القول في لحوق يمين التهمة، وقيل: إنه حانث على المعنى؛ لأن مقصد الحالف ألا يضع ألا يرفق، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، وأما إذا حلف ألا ينظره فوضع عنه فلا حنث عليه قولا واحدا؛ لأن النظرة يخشى منها هلاك جملة الحق بمغيبه أو فلسه، فوجب ألا يحنث حملت يمينه على المعنى أو على مقتضى اللفظ، وبالله التوفيق.

مسألة: قال لامرأته إذا قدمنا إلى المدينة فدخلنا الدار فأنت طالق

مسألة وسئل مالك: عن رجل قال لامرأته بمكة وهما يريدان المدينة: إذا قدمنا إلى المدينة فدخلنا الدار فأنت طالق إن خرجت منها سنة، فقدمت فدخلت دارا أو دارين قبل أن تدخل منزل زوجها وخرجت منه إلى دارها، أترى عليه حنثا؟

قال: لا حنث عليه فيما دخلت من دار فخرجت منها قبل أن تصير إلى منزله، فإذا صارت إلى منزله ثم خرجت قبل انقضاء السنة حنث، قيل له: إنها قدمت نهارا؟ قال: تستقبل السنة من الليلة التي تأتي، قيل له: إنها دخلت منزلا غير منزله الذي يسكن فيه ثم خرجت إلى منزله، قال: أحب إلي ألا ينزلها حتى يقدم بها إلى منزله، قيل له: إنه أنزلها على أهل له تسلم عليهم ثم تصير إلى منزله، قال: فأنا آمره ألا يفعل فأحب إلي ألا ينزلها إلا منزله، ثم تخرج حتى تتم السنة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة؛ لأن يمينه إنما وقعت على المنزل الذي يريد سكناه بها في المدينة، كان له أولها أو لغيرهما بكراء؛ لأنه لما قال: فدخلت الدار؛ معرفة بالألف واللام - علم أنه إنما أراد دار السكنى، فحملت على ذلك، ووجب أن لا يكون عليه شيء فيما سوى ذلك المنزل من الدور إن دخلت شيئا منها قبل أن تصير إلى ذلك المنزل، ولم تحمل يمينه على استغراق جنس الدور إذ لا يحمل مثل هذا اللفظ على استغراق الجنس إلا إذا عدم العهد، ولو قال فدخلنا دارا للزمته اليمين في أي دار دخلت، وقوله: إنها تستقبل السنة من الليلة التي تأتي هو على الاختلاف الذي قد مضى القول عليه في أول رسم البز من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.

مسألة: حلف بالطلاق على أخته ألا يدخل عليها بيتا ما دام زوجها زوجها

مسألة وسئل: عن رجل حلف بالطلاق على أخته ألا يدخل عليها بيتا ما دام زوجها زوجها، فأقام سنين لا يدخل عليها، ثم

غاب زوجها ومرضت فانتقلتها أمها إلى بيتها تمرضها فدخل عليها.
قال: ما يعجبني، وأحب إلي ألا يدخل عليها، قال: إنها عندنا منذ شهرين، فقال: أحب ألا يدخل عليها، قيل له: أحب إليك ألا يدخل عليها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله ما يعجبني وأحب إلي ألا يدخل عليها تجاوز في اللفظ؛ لأن وجوب الحنث عليه بين بدخوله عليها في أي بيت كانت ما دامت في عصمة ذلك الزوج؛ لأنه لما قال بيتا بلفظ النكرة كان ذلك عموما في جميع البيوت إلا أن تكون له نية، ولو حلف ألا يدخل عليها بيتها لم يكن عليه شيء في دخوله عليها بيت أمها إذا انتقلت إليه لتمرض ونحو ذلك، وكذلك لو حلف ألا يدخل عليها البيت على قياس ما مضى في المسألة قبل هذه.

مسألة: دعوت امرأتي إلى فراشي وامتنعت علي فأردت أن أضربها

مسألة ولقد قال لنا مالك: لقد جاءني رجل مرة يسألني فقال: إني دعوت امرأتي إلى فراشي وامتنعت علي فأردت أن أضربها فما ترى؟ فقلت له: والله ما أراك أن تفعل، قد يكون للنساء العذر والعلة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا يجوز له أن يضربها إلا أن يتحقق أنه لا عذر لها في الامتناع منه في ذلك الوقت وإنما تذهب إلى الإضرار به في منعه بما أحله الله له من الاستمتاع بها الذي تكحتر

عليه نشوزا عليه، قال الله عز وجل: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34]... الآية، معناه: تعلمون ذلك وتخافون زيادته.

مسألة: حلف أن يطأ امرأته الليلة فعالجها ولم يعالج وطأها حتى أصبح

مسألة وقد جاءني رجل فقال: إني دعوت امرأتي في جوف الليل إلى فراشي فأبت، فقلت لها: أنت طالق البتة إن لم أصبك قبل الصبح، فجاءتني فأمكنتني من نفسها فعالجتها حتى مللت فلم أستطيع لها، بهذا قد ابتلى إلا أنه قال: إني استثنيت فقلت إلا ألا أقدر على ذلك، فعالجتها حتى قريبا من الصبح فلم أستطع لها فنمت حتى أصبحت فلم أر عليه شيئا، قيل: لم يقدر على إصابتها وقد استثنى الذي استثنى لو لم ينم حتى يصبح، فقلت له: أراك قد نمت، فلا أدري ما هذا.
قال محمد بن رشد: لم يعذره مالك في هذه المسألة وإن كان مغلوبا على ترك الوطء بعدم الاستطاعة إذ لم ير عليه شيئا من أجل أنه استثنى ألا ألا أقدر كما لا يعذره إذا غلب على ترك الفعل الذي حلف ليفعلنه بالنسيان، ولعمري أن بينهما فرقا؛ لأن النسيان للناسي فيه سبب، إذ لم ينس إلا بالاعتراض عن استدامة تذكر ذلك الشيء، فإذا نسي فعل ما حلف ألا يفعله، فقد كان في ذلك تفريط لزمه فيه الحنث، والذي حلف أن يطأ امرأته الليلة فعالجها ولم يعالج وطأها حتى أصبح لم يكن منه تفريط، فقد كان القياس أن يكون في حكم المكره لا يحنث، كمن حلف ألا يفعل فعلا فأكره على فعله، غير أنهم فرقوا في الأيمان في الإكراه على

فعله وعلى ترك الفعل على قياس، ويحتمل أن يكون إنما أوجب عليه الحنث لأنه خشي أن يكون قد وقع منه تقصير في استدعاء اللذة بقلبه وصرف همته إلى ذلك دون أن يحيل فكره إلى معنى آخر؛ لأن هذا هو سبب الإنعاظ في جرى العادة، ألا ترى أن من خطرت ببابه خطرة في الصلاة فانعظ يومر أن يتذكر أمر الموت وما بعده ليكسر ذلك منه ما نابه من الإنعاظ، فلا يكون على هذا التأويل قوله في هذه الرواية خارجا عن القياس، ويكون على أصله في النسيان، ومن أهل العلم سوى مالك من يرى أنه مغلوب بالنسيان، فلا يرى عليه به حنثا في الفعل ولا في الترك، ويحتج بقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وعما استكرهوا عليه» وبقوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا لا يلزم لأن المراد بذلك رفع الحرج في ترك الواجبات وفعل المحظورات على سبيل النسيان، لا فيما يلزم فيه الحنث مما لا يلزم فيه الحنث، وبالله التوفيق.

مسألة: تحريم الحلال هل يعد يمين

مسألة وعن ثلاثة نفر ابتاعوا غنما فتقاووها بينهم، فاشترى أحدهم شاتين من الغنم بثمانية وأربعين درهما، فجزوا الغنم، ثم جاء الذي ابتاع الشاتين إلى أحد شريكيه، وهو الذي كان ابتاع الغنم وأشركهما، فقال له: هذه دراهمك ثمانية وأربعون درهما،

فقال له الشريك: بل عليك ثمانية وأربعون درهما ونصف درهم، فقال: الحلال علي حرام إن كان علي إلا ثمانية وأربعون درهما، فدعا الشريك شريكهما الثالث، فقال: كم علي في ثمن الشاتين؟ فقال: ثمانية وأربعون درهما ونصف درهم، فقال: ما علي إلا ثمانية وأربعون درهما في ثمن الشاتين.
فقال له مالك: أنت على يقين من يمينك أنك لم تشتر هاتين الشاتين إلا بثمانية وأربعين درهما، فقال: نعم، فقال له مالك: إنك قد كنت حنثت قد حرمت عليك امرأتك، أرأيت إن لم يكن يلزمك هذا النصف على من يكون؟ فقال: يكون علينا ثلاثة، فقال: إن لم ترد شهادتهما بشيء فقد حنثت، فقال: ما أرد شهادتهما بشيء إلا أنهما كانا شريكين لي، فهما يجران لأنفسهما، فقال له: سلهما على شهادتهما وكررها عليهما، فلعلهما يثبتان على الشهادة، ويقولان: كنا نظن ذلك، فقال: قد ثبت الشهادة، فقال: إن لم ترد شهادتهما بشيء جازت شهادتهما عليك، فحرمت عليك امرأتك، فقال: بأي شيء أرد شهادتهما؟ ما أستطيع ذلك إلا أنها لي شريكان، فقال: إن لم ترد شهادتهما بشيء جازت شهادتهما عليك، فحرمت امرأتك، وإنما يكون على كل أحدهما دانق، فلا يتهمان في دافق على هذا فترد شهادتهما عنك بذلك، فإن لم ترد شهادتهما بشيء فقد حنثت، فقال له بعد ذلك بيوم: يا أبا عبد الله، أرأيت أن الحنث قد وقع علي بشهادتهما وهما يجران لأنفسهما لِيَسَارَةِ ذلك وأنهما لا يتهمان في

شهادتهما من أجل دانق؟ فقال: نعم، وما يثبت ذلك له؟ ولكن رأيت أن العدل لا يتهم في شهادته حتى يرد في دانق يجره إلى نفسه، ولقد قلت أن ايتني بهما، فقال: يأبيان، ولست أدري أعدلان هما أم لا؟ فقال: إنما يتكلم في مثل هذا على العدالة، فقال: جاءني جازر أسود وكلهم جازر ولا أراهما إلا مثله، فإن كانا عدلين فلا أرى أن يتهما في مثل هذا، قيل له: أرأيت عليه الحنث بشهادتهما إذا كانا عدلين؟ أفرأيت ذلك النصف يقع عليه أم يطرح، فقال: لا أدري، ولقد قلت أرأيت هذا النصف إن لم يكن عليك على ما هو؟ فقال: هو علينا جميعا، وما أراه إلا وقد أصاب.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الحالف لما نازعه شريكه في ثمن الشاتين فحلف بالحلال عليه حرام أنه لم يشترهما إلا بثمانية وأربعين درهما، قامت زوجته أو أحد بسببها يَدَّعِي عليه الحنث وشهد له شريكاه أنه اشترى منهما الشاتين بثمانية وأربعين درهما ونصف، فأجاز مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - شهادتهما عليه في الحنث بالحلال عليه حرام ولم يتهمهما في أنهما يجران إلى أنفسهما بشهادتهما بما يجب لهما من النصف الدرهم وهو ثلثان ليسارة ذلك كما قال في المدونة في الشاهد يشهد في الوصية وقد أوصي له فيها باليسير أن شهادته فيها جائزة فساوى في هذه الرواية في هذا، بين الوصية وغير الوصية، وهو القياس، وقال مالك للحالف: أنت على يقين أنك لم تشتر هاتين الشاتين إلا بثمانية وأربعين درهما؟ فلما قال له: نعم، سكت عن الجواب في ذلك وهو لا شيء عليه فيما بينه وبين الله إن كان صادقا، وقال له: إنك قد حنثت وحرمت عليك امرأتك، يريد في الحكم الظاهر، بشهادة شريكيك عليك أنك اشتريت الشاتين

بثمانية وأربعين درهما ونصف إن لم ترد شهادتهما بشيء، فلعلهما لا يثبتان الشهادة.
فلما أخبره أنهما يثبتان الشهادة وأنه لا يقدر على رد شهادتهما إلا بأنهما شريكان له يجران إلى أنفسهما، لم ير ذلك مما يرد به شهادتهما ليسارة ذلك.
فوقف أشهب على ذلك بعد ذلك بيوم، وقال له: يا أبا عبد الله، أرأيت أن الحنث قد وقع عليه بشهادتهما وهما يجران لأنفسهما ليسارة ذلك، وأنهما لا يتهمان في شهادتهما من أجل دانق، فقال: نعم وما يثبت ذلك له؟ يريد للحالف، ولكن رأيت العدل لا يتهم في شهادته حتى يرد في دانق يجره إلى نفسه.
ووقفه أيضا هل يثبت على الحالف النصف بشهادتهما إن كانا عدلين ووجب عليه الحنث بها؟ فقال له: لا أدري.
ويتخرج على قولين: أحدهما: أنه يثبت عليه النصف بشهادتهما فيكون لهما منه ثلثاه وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في المدونة في مسألة الشاهد يشهد في الوصية قد أوصي له فيها بشيء يسير، وهو قول مالك في رواية مطرف عنه.
والثاني: أنه لا يثبت عليه لهما من النصف شيء بشهادتهما، وهو قول ابن الماجشون في مسألة الوصية، وقد قيل: إن شهادتهما لا تجوز في الطلاق لجرهما إلى أنفسهما بشهادتهما ما يجب لهما من نصف الدرهم، وهو الذي يأتي على ما في المدونة؛ لأنه لم يجز فيها شهادة الشاهد لغيره إذا شهد لنفسه فيها بيسير إلا في الوصية، فهذه ثلاثة أقوال: أحدهما: أن شهادتهما تجوز في الطلاق والمال؛ لأن شهادتهما في المال في ضمن شهادتهما بالطلاق.
والثاني: أن شهادتهما تجوز في الطلاق ولا تجوز في المال، إذ لا تجوز شهادة أحد لنفسه في قليل ولا كثير.
والثالث: أن شهادتهما تجوز في الطلاق، ولا في

المال.
وفي المسألة قول رابع: أنهما إن طلبا المال بطلت شهادتهما في الطلاق، وإن لم يطلباه جازت شهادتهما في الطلاق، وهو الذي يأتي على ما في رسم الطلاق الثاني بعد هذا، وفي آخر نوازل سحنون من كتاب الأقضية.
وفي هذه المسألة معنى يجب أن يوقف عليه ويعرف وجهه، وهو أن الحالف لم يحلف بالحلال عليّ حرام أنه لم يشتر الشاتين إلا بثمانية وأربعين درهما إلا تكذيبا لشريكه فيما ادعاه عليه من أنه ابتاعهما بثمانية وأربعين درهما ونصف، ومن قولهم: إن من حلف تكذيبا لشهادة الشهود فلا يطلق عليه بشهادتهم، فكان القياس ألا تطلق عليه بشهادتهما؛ لأنه إنما حلف تكذيبا لأحدهما، والوجه في ذلك أنه أقر على نفسه باليمين ولم يثبت أنه حلف تكذيبا لأحدهما، وقد قيل: إن معنى المسألة أنه أنكر اليمين فشهد عليه بها الشريكان لزوجته، والأول هو الأظهر من لفظ المسألة.
ويلزم على قياس قول مالك في هذه المسألة لو شهد رجلان على رجل أنه حلف بالطلاق ما لأحد عليه حق، وإن لهما عليه ثلث درهم - أن تطلق عليه بشهادتهما ليسارة خطب ما شهدا به لأنفسهما، وبالله التوفيق.

###: قال لها إن كلمت فلانا فأنت طالق ثم قال لها إن كلمت فلانا سنة فأنت طالق

ومن كتاب الأقضية وعن رجل قال لامرأته: إن كلمت فلانا فأنت طالق، ثم أقام أياما، فقال لها: إن كلمت فلانا سنة فأنت طالق، ثم أقام أياما، فقال: إن كلمت فلانا فأنت طالق، ثم إنه كلمته كم تطلق عليه؟ قال: أرى أن ينوى، فإن كان إنما أراد بذلك تطليقة واحدة يرددها عليها ويعلمها إياها يتهددها بذلك، فلا طلاق علية إلا

تطليقة واحدة، قيل له: أفترى عليه فيما يزعم أنه نوى اليمين، فقال: نعم، أرى عليه اليمين لو نوى ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الحالف طولب بهذه اليمين وهو مقر بها، فلهذا أوجب عليه اليمين فيما ادعى أنه نواه، ولو أتى مستفتيا غير مخاصم لصدق فيما ادعى أنه نوى دون يمين، وهو معنى ما في المدونة، وذلك أن طلاق الرجل امرأته وحلفه بالطلاق في مجالس شتى وأيام مفترقة لا يخلو من أربعة أحوال: أحدها: أن يأتي مستفتيا في ذلك غير مخاصم فيه ولا مطلوب به، والثاني: أن يطلب بذلك وهو مقر به على نفسه، والثالث: أن تقوم عليه البينة بذلك فيقر ولا ينكر، والرابع: أن ينكر فتقوم عليه البينة.
فأما إذا أتى مستفتيا في ذلك غير مخاصم فيه فذكر أنه قال امرأتي طلاق أو طالق إن فعلت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنه كرر ذلك ثانية وثالثة في أيام مفترقة فهذا يلزمه ثلاث تطليقات إلا أن تكون له نية أنه أراد بذلك تطليقة واحدة فرددها عليها إعلاما لها وتوبيخا وتقريرا وما أشبه ذلك، فتكون له نيته دون يمين.
وأما إذا طولب بذلك وخوصم وهو مقر به على نفسه وادعى أنه أراد بذلك تطليقة واحدة فينوى في ذلك مع يمينه على ما تأولناه في هذه المسألة.
وأما إذا قامت عليه البينة بذلك فأقر ولم ينكر وادعى أنه أراد واحدة فقيل: إنه لا ينوى لأن البينة قد حضرته، وهو قول ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الشهادات، وظاهر قول ربيعة في الأيمان بالطلاق من المدونة أن الشهادة في الطلاق لا تلفق إذا اختلفت المجالس، وقيل: إنه ينوى وتكون واحدة لاحتمال أن يكون أراد طلقة واحدة

فأشهد بها في أوقات شتى، والى هذا ذهب إسماعيل القاضي، وهو الذي يأتي على معنى ما في المدونة من أن الشهادات على الطلاق تلفق إن اختلفت المجالس، ومثله في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الشهادات.
وهذا الاختلاف عندي إنما هو إذا شهدت كل واحد من البينة أنه قال: أشهدكم أنها طالق، فأما إن شهدت أنه قال أشهدكم أني قد طلقتها فإنه يُنَوَّى قولا واحدا، يقوم ذلك من قول أصبغ في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الشهادات.
وأما إن أنكر الطلاق جملة فلما شهدت عليه البينة ادعى أنه أراد واحدة فلا يُنَوَّى ويلزمه ثلاث تطليقات، هذا هو المشهور، وقد تخرج أنه ينوى بعد الإنكار على ما في رسم الكبش من سماع يحيى بعد هذا من هذا الكتاب، وعلى ما مضى في كتاب التخيير والتمليك، وفي رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم، ورسم الطلاق من سماع أشهب، ورسم الكبش من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يكلم ابنته أبدا ولا يشهد لها محيا ولا مماتا

مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يكلم ابنته أبدا ولا يشهد لها محيا ولا مماتا أبدا ولا يدخل لها بيتا، فخرج مع امرأته يبلغها بيت ابنتها حتى إذا كان ببعض الطريق قعد وذهبت امرأته إليها فأخبرتها أن أباها خارج، فخرجت إليه فقبلته واعتنقته وأرسلت إليه طعاما وشرابا، فأتي به فأبى أن يطعمه، فقال له بعض

من معه: ليس عليك شيء وأنت لم تحلف إلا تطعم لها طعاما فكل ولقمته بكفها وسقته بيدها.
فقال: لا أرى عليه حنثا، هو لم يكلمها ولا دخل منزلها، قيل له: إن منزلها في حائط ومن دونه حائط، فلما انتهى إلى الحائط الأدنى جلس هنالك حتى خرجت إليه، فقال: لم تقولوا لي هذا ولست أدري ما هو؟ فأما قولك الأول فلا أرى عليه حنثا، قيل له: فإن في يمينه ألا يشهد لها محيا ولا مماتا أبدا، ثم قد أكل من طعامها وشرب من شرابها ولقمته بكفها وسقته بيدها، فقال: ما فهمت هذا منه، وهذا مشكل ولست أدري ما هو؟ قال محمد بن رشد: القياس في هذه المسألة ما أجاب به أولا من أنه لا حنث عليه لأنه حلف ألا يكلمها ولا يدخل لها بيتا ولا يشهد لها محيا ولا مماتا أني مشهد ولا جنازة ولم يفعل شيئا من ذلك ثم توقف لما قيل له إن منزلها في حائط داخل حائط، وأنه لما انتهى إلى الحائط الأدنى إلى منزلها جلس هنالك حتى خرجت إليه، وخشي أن يكون الحائطان جميعا في حكم منزلها لما كان داخلهما على أصله من أن من حلف ألا يدخل بيت رجل يحنث بدخول منزله، وهو إغراق لمؤنه إنما يحنث بدخول المنزل من حلف ألا يدخل البيت؛ لأن المنزل وهو الدار مسكن كما أن البيت مسكن، وليست الحوائط بمساكن، وابن القاسم لا يرى أن يحنث بدخول الدار من حلف ألا يدخل البيت، على ما يأتي في رسم الرهون من سماع عيسى، فكيف بهذا؟ وخشي أيضا أن يكون معنى يمينه اجتناب أمرها كله، فيحنث بأكل طعامها وإطعامها إياه بيدها، والأمحص أنه لا حنث بذلك؛ لأنه قد سمى جميع ما حلف عليه وليس هذا من معناه، والله أعلم.

###: حلف ليضربن عبده فمات العبد قبل أن يضربه

ومن كتاب الطلاق الأول وسئل: عمن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت على أختك بيتها أبدا حتى تأتيك هي وبناتها، فماتت أختها قبل أن تأتيها فأرادت شهودها والذهاب إلى بيتها.
فقال: قد ماتت، فلا أرى بأسا أن تذهب إليها، ولا أرى عليه طلاقا إذا كان بناتها قد جئنها، هي الآن من أهل القبور.
قال محمد بن رشد: كان القياس في هذه المسألة أن يحنث بدخولها عليها وهي ميتة قبل أن تأتيها وهي ميتة وإن كان بناتها قد جئنها إذا كانت قد أقامت قبل أن تموت لمكنها فيه الإتيان، كمن قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا حتى يفعله فلان فمات قبل أن يفعله، وقد أقام ما لو شاء أن يفعله فعله أن اليمين عليه باقية، ولما قال في رسم حمل صبيا من سماع عيسى في الذي يقول لامرأته: أنت طالق إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم الحاج وشبه ذلك، وفي سماع أصبغ من كتاب العتق في نحو ذلك، وكمن حلف ليضربن عبده فمات العبد قبل أن يضربه، وقد أقام ما لو شاء أن يضربه أنه حانث، إذ لا اختلاف فيمن حلف ألا يدخل على فلان بيتا أبدا أنه حانث إن دخل عليه بيتا، وإنما اختلف إذا حلف ألا يدخل عليه بيتا ما عاش فدخل عليه بعد أن مات، وقد مضى وجه الاختلاف في ذلك في سماع أشهب من كتاب النذور.
ووجه ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة: أنه حمل يمينه على معنى ما ظهر إليه من إرادته، وهو أنه أراد ألا تبتدي أختها بالدخول عليها مع قدرتها هي على الإتيان إليها، ومعنى قوله: هي الآن من أهل القبور، أي:

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
مسألة: عوتب في أمه فحلف بالطلاق أني ما علمتها إلا فظة غليظةمسألة: قال لزوجته أمام الشهود أنت طالق البتة ثلاثا إن أذنت لكمسألة: حلف بطلاق امرأته في دين أنه إذا وقع قسمه في دينه ليقضين ذلك الحقمسألة: دابتين كانتا له ولامرأته ولابنته فقال الحلال علي حرام إن انتفعت بشيء منهمامسألة: أجير زرع حلف لا خان فدرى أندرا ثم عمد إلى التبن فأعادهمسألة: قال لامرأته إن تزوجت ما عشت فكل امرأة أتزوجها طالق البتةمسألة: قال لها إن فوضت لك شيئا فأنت طالق البتة ثم قال لمعلمه ادفع إليها إجارتيمسألة: طلق امرأته واحدة وهو مريض ثم صح وخرج ثم مرض فطلقها أخرىمسألة: قال لها أنت طالق البتة إن كنت اشتريت الحمام لمن تظنينحلف بطلاق امرأته البتة ألا يكلم أخا له عشرة أيام وكان حلفه ضحوةمسألة: حلف على زوجته بطلاقها ألا تخرج من بيته سنة إلا بإذنهمسألة: منت عليه بثوب اشترته بدين حلف ألا يلبسه حتى يكتب عليه الثمنمسألة: قال امرأتك طالق البتة إن كنت فعلت كذا وكذا قال نعممسألة: تحمل برجل فقال له الحميل إني لأخشى أن تغرمنيمسألة: قال لأخيه امرأته طالق إن نفعتك بشيء فاشترى لامرأته لحما بدرهممسألة: كان يسأل رجلا عشرة دنانير إلى أجل وحلف بطلاق امرأته إن لم يقضهمسألة: قال أنت طالق البتة إن خرجت في حق حتى أحج فأراد سفرا في ذي القعدةمسألة: حلف لرجل بالطلاق البتة أن يقضينه حقه إلى أجل يسميهمسألة: حلف بطلاق امرأته البتة إن أنفق عليها شهرا إلا أن يرى غير ذلكمسألة: قال لها إن خرجت بك من موضعك إلا برضاك فأنت طالق فرضيتمسألة: لم يشهد للمرأة على زوجها بالطلاق إلا شاهد واحدمسألة: قال امرأتي طالق إن كان يدخل بطون العباد شيء أخبث من الشراب المسكرمسألة: الأحق بالحضانةمسألة: حلف المرأة بالطلاقمسألة: قال في النصف من السنة امرأتي طالق البتة إن فعلت كذا وكذا هذه السنةمسألة: قال لامرأته إذا قدمنا إلى المدينة فدخلنا الدار فأنت طالقمسألة: حلف بالطلاق على أخته ألا يدخل عليها بيتا ما دام زوجها زوجهامسألة: دعوت امرأتي إلى فراشي وامتنعت علي فأردت أن أضربهامسألة: حلف أن يطأ امرأته الليلة فعالجها ولم يعالج وطأها حتى أصبحمسألة: تحريم الحلال هل يعد يمينمسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يكلم ابنته أبدا ولا يشهد لها محيا ولا مماتا
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل