الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المكتسب من غير حله بإثم كسبه من غير حله؛ لأنه إذا فعل ذلك نزل أصحاب التباعات له على الأجر في ذلك وخلص هو من إثم إمساكه فيما بينه قبل، فصحت بذلك توبته فيما بينه وبين خالقه، وبقي مرتهنا بإثم إمساكه عن أربابه وظلمه لهم في ذلك.
وأراد عبد الله بن عمر بما ذكره من أن آدم كان يقوله التحريض على التمحي من التباعات والتوبة منها، والله أعلم، وبه التوفيق.
الحض على تعلم العلم ونشره
في الحض على تعلم العلم ونشره قال ابن القاسم: سمعت مالكا إذا ودعناه ربما قال لنا غير مرة: اتقوا الله وانشروا هذا العلم ولا تكتموه وعلموه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لا اختلاف في أن نشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] [معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم درجات،؛ لأن من آمن ولم يؤتى العلم لا تستوي درجته مع درجة من آمن وأوتي العلم.
وإنما رفع الله درجات الذين أوتوا العلم بتعليمهم إياه، وقد قال أبو هريرة: من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما.
وروي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر» . ومعناه في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية لا
في الموضع الذي يكون متعينا على الأعيان.
وروي: أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن «أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها» معناه في الفرائض، وأما النوافل فطلب العلم أفضل منها، بدليل الحديث الأول.
وقد روي عن مالك أن الصلاة أفضل من القعود لمذاكرة العلم، وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل من الصلاة، وليس ذلك باختلاف من قوله، ومعناه أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، وأن الصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه في خاصة نفسه، من صفة وضوئه وصلاته وصيامه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة.
وأما كتم العلم فلا يحل ولا يجوز، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] ، وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» أو كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.
الإيمان قول وعمل
في أن الإيمان قول وعمل قال فقلنا لمالك: فالإيمان قول وعمل أو قول بلا عمل؟ قال مالك: بل قول وعمل.
قال ابن القاسم وحدثني عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن ابن ذكوان عن الأوزاعي قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فرقتان من أمتي في النار مكذب بقدر الله
ومفرق بين إيمان وعمل» . قلت فهل كان مالك يقول لا تكفروا أهل التوحيد بذنب، ولا تشركوهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: لما سأله عن الإيمان هل هو قول وعمل أو قول بلا عمل فقال بل قول وعمل، أوجب أن الإيمان لا يكون إلا بالقول مع العمل، وأنه لا يكون بالقول وحده إذا تجرد عن العمل، وهو صحيح؛ لأن العمل ينقسم على قسمين: أحدهما عمل القلب، والثاني عمل الجوارح.
فأما عمل القلب فإنه شرط في صحة الإيمان؛ لأن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب بأن الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
فمن قال بلسانه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولم يعتقد تصديق ذلك بقلبه فليس بمؤمن.
وأما أعمال الأبدان من الوضوء والصلاة وسائر الطاعات، فإنها ليست بشرط في صحة الإيمان، وإنما الإيمان، هو شرط في صحتها إذا وجبت عليه بدخول وقتها؛ لأن الرجل إذا أسلم وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له واعتقد تصديق ذلك بقلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان بإجماع من أهل العلم إن مات بفور ذلك قبل أن تجب عليه الصلاة بدخول وقتها كان من أهل الجنة، وإن لم يمت حتى وجبت عليه الصلاة بدخول وقتها لم تصح له الصلاة إلا بمقارنة الإيمان لها الذي هو شرط في صحتها كما ذكرناه.
هذا ما لا اختلاف فيه ولا امتراء في صحته.
وإن ترك الصلاة فلم يصلها بسهو أو نوم أو غفلة أو نسيان لم يقدح ذلك في صحة إيمانه، وكذلك إن تركها عمدا وهو مقر بفرضها ووجوبها لم يقدح ذلك أيضا في صحة إيمانه إلا أنه آثم عاص لله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في
اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع شيئا منهن استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة» بيانا لما في كتاب الله عز وجل من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] . فقول مالك إن الإيمان لا يكون إلا بقول مع العمل، معناه مع عمل القلب وهو التصديق، لا مع عمل الأبدان على ما بيناه.
فقول من قال من أهل السنة إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، معناه أن هذا هو الإيمان الكامل الذي يكون العبد به مؤمنا في الظاهر والباطن؛ لأنه مؤمن عند الله في الباطن بما يعلمه من إخلاص قلبه، وهو مؤمن عندنا في الظاهر بما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته؛ لأن ما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته ليس بإيمان، وإنما هو دليل على الإيمان، فيحكم له بحكمه بما ظهر إلينا من قوله وفعله.
ولو قال أنا مؤمن وأبى أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وأبى أن يصلي، لم نصدقه في أنه مؤمن واستتبناه، فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى، وإلا قتلناه.
ولما كانت الشهادة والصلاة لا تكون واحدة منهما طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها الذي هو التصديق الحاصل في القلب، جاز أن يسمى كل واحد منهما إيمانا.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنها كانت بالإيمان الذي هو شرط في صحتها.
وقوله في الحديث: «فرقتان من أمتي في النار مكذب بقدر الله ومفرق
بين إيمان وعمل» فالمكذبون بقدر الله هم القدرية الذين يقولون إنهم خالقون لأفعالهم لا قدرة لله على منعهم مما يريدون أن يفعلوه، والمفرقون بين الإيمان والعمل هم المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو الواجب دون.
ما سواه من الأعمال، وإنه لا يضر مع الإيمان ترك عمل من الأعمال.
وظاهر ما في الحديث من قوله في الفرقتين إنهما في النار، أنهما يخلدان فيها كفارا بما يعتقدانه من ذلك.
ويحتمل أن يكون معناه أنهما في النار غير مخلدين فيها، إذ ليسوا بكفار لإقرارهما بالتوحيد والشهادة.
وقد اختلف في تكفيرهم بمآل قولهم، فقيل: إنهم لا يكفرون بذلك، وهو قول مالك في هذه الرواية، ودليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الخوارج وتتمارى في الفوق، وفيما روي في الفرق، وقيل إنهم يكفرون بذلك، وهو قوله في سماع ابن القاسم من كتاب المرتدين والمحاربين، وبالله التوفيق.
بعض ما روي من الرؤيا
فيما روي من الرؤيا قال سحنون سمعت ابن القاسم يقول: أخبرني سليمان بن القاسم قال: سمعت أبا السمحاء يقول: أتاني آت في منامي فقال: نعم عمل الحج لولا المناهل.
وبلغني أن عبد الله بن جعفر رأى في منامه أنه أهدي له طبق فيه رأس خنزير عليه منديل لا يلصق به، فلما أصبح أهدي إليه تمر من حلوان عليه منديل لا يلصق به.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في الكتاب سمعت أبا السمحاء، وصوابه سمعت أبا السمح.
وتأويل ما قيل له في منامه، والله أعلم، أنه نبه
على شيء فعله من المكروه في بعض مناهله التي نزل فيها في طريقه إلى الحج على سبيل التحذير له أن لا يعود إلى فعل مثل ذلك.
وذلك في المعنى مثل ما رأى عبد الله بن جعفر من أنه أهدي له طبق فيه رأس خنزير عليه منديل لا يلصق به؛ لأن ذلك تنبيه له في منامه على التوقي من قبول شيء يهدى له من غير حله، فكان ذلك التمر الذي أهدي له حين أصبح من تمر حلوان.
وحلوان: قرية من قرى مصر، وكان التمر الذي أهدي إليه من مال مغصوب منها والله أعلم.
ورأيت في جامع المستخرجة المنسوبة لابن أبي زيد وقد وصل بما قيل لأبي السمح في منامه من قوله نعم عمل الحج لولا المناهل، يريد أنها مغصوبة وذلك لا يستقيم، إذ لا يصح أن يقال فيما قيل للرجل في منامه إن القائل لك في منامك كذا وكذا أراد به كذا وكذا، إذ ليس ما يكلم به في منامه بكلام على الحقيقة ولا ما يراه في منامه بمرئي على الحقيقة، وإنما هي تشبيهات وتمثيلات يراها الرائي في منامه فتعبر على ما يظهر من معانيها.
فقد رأى الملك بحضرة يوسف - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: 43] ، فعبرها يوسف - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بما ظهر إليه من معانيها بأنها سنون سبع تأكل ما رفع الناس فيها سنون سبع جدبة.
ورأى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة أحد في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة.
وقد يكون من الرؤيا ما يخرج على ما يراه
الرائي دون تأويل ولا تعبير، من ذلك ما أخبر به النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه رأى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في سرقة من حرير.
جاء «عن عائشة أنها قالت، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أريتك في المنام مرتين إذا رجل يحملك في سرقة حرير، ويقول هذه امرأتك فاكشف عنها، فإذا هي أنت فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه» . ومعنى قوله: إن يكن هذا من عند الله يمضه، أي إن تكن هذه الرؤيا من الرؤيا التي هي على وجهها دون تأويل ولا تعبير يمضه.
ويحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن هذا من عند الله فهو ماض لا شك فيه، وبالله التوفيق لا شريك له.
ما ذكر في فضل ابن القاسم
في ثناء ابن وهب على ابن القاسم
قال وسمعت ابن وهب يقول لما مات ابن القاسم قال: أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة، ما رحت رواحا ولا غدوت غدوا قط إلى هذا المسجد مسجد الفسطاط أريد أن أستر به نفسي إلا وجدته قد سبقني إليه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، ولا يعرف الفضل لأولي الفضل إلا أولو الفضل، وبالله التوفيق.
ما أوصى به علي بن الحسين
فيما أوصى به علي بن الحسين وسمعت سفيان بن عيينة يقول: هلك علي بن الحسين
بموضع يقال له سكن، فأوصى أن تعتق كل أمة له ذات ولد حي من رأس ماله، وكل أم ولد ليس لها ولد تعتق من ثلثه، وهلك عن اثنين وعشرين فرجا، وكان يقطع كميه عند أطراف أصابعه.
قال محمد بن رشد: فيما أوصى به علي بن الحسين من عتق بعض أمهات أولاده من رأس ماله وبعضهن من ثلثه، دليل على أن الحكم كان في وقت وصيته بجواز بيع أمهات الأولاد، وهو مذهب داود القياسي والرافضة وأهل الظاهر.
واحتج من نصر قولهم بقول الله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ، روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بن الخطاب، ثم نهانا عمر عن بيعهن» . وهذا كله لا حجة لهم فيه: أما الآية التي احتجوا بظاهرها من القرآن قوله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] فإنه يتخصص بما جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله عند ولادة مارية القبطية لابنه إبراهيم: أعتقها ولدها، يريد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ثبت لها حرمة بسبب ولدها، فلا تعود إلى الرق أبدا أو لا يجوز بيعها ولا هبتها، لا أنها بتلت حريتها؛ لأنه بقي له فيها الاستمتاع طول حياته، بدليل ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حديث ابن عباس أنه قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعده» . وهذا قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وكافة فقهاء الأمصار.
وقد كان بين الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في ذلك اختلاف، فذهب منهم إلى إجازة بيعهن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري.
وقال عبد الله بن
مسعود: تعتق من نصيب ولدها، إلى أن فحص عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن أمرهن وكشفه، فاجتمع هو ومن بقي من العشرة ومن المهاجرين والأنصار على أنهن متعة لساداتهن ما عاشوا، ثم هن بعد موتهم أحرار من رءوس أموالهم، فانعقد الإجماع على هذا من حينئذ، واستمر الأمر عليه إلى أيام عبد الملك بن مروان، إلا ما يذكر من رجوع علي بن أبي طالب أيام خلافته إلى إجازة بيعهن في الدين، ثم اضطرب في أمرهن، ففحص عبد الملك عن ذلك فأخبره الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أمضى ما وصفت عنه، فأقر ذلك وكتب به إلى البلدان.
وقوله: إنه كان يقطع كميه عند أطراف أصابعه مما يستحب؛ لأنه من التواضع الذي يبعد عن الكبر.
وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم أن سعد بن معاذ مر بعائشة وهي في أطم من الأطام وعليه درع مفاضة مشمرة الكمين فأعجبها ذلك وقالت: ما أخاف على الرجل إلا من أطرافه.
وقد مضى الكلام على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.
ما يروى من فضل ابن القاسم
فيما يروى من فضل ابن القاسم وسمعته يقول: حج ابن القاسم سبع عشرة حجة، ما كانت تبلغ نفقته في حجته إلا عشرة دنانير وما يشبهها.
قال وسمعت ابن القاسم يقول: ما خرجت إلى مالك إلا وأنا عالم بقوله.
قال سحنون يريد أنه يعلم من عبد الرحمن وطلب وسعد، وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك.
قال محمد بن رشد: كان ابن القاسم - رَحِمَهُ اللَّهُ - من أحدث
أصحاب مالك بمصر سنا وأحدثهم طلبا وأعلمهم بعلم مالك وآمنهم عليه، وكان من الخيار الفضلاء.
قال يحيى بن يحيى: تذاكرنا يوما مع ابن القاسم هذا الأمر، فكلنا قال الورع أشد ما في هذا الدين، فقال لنا ابن القاسم: ما هو عندي كذا، فقلت له: يا أبا عبد الله، كيف ذلك؟ فقال لي: لأنا أمرنا ونهينا، فمن فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه كان أورع الناس.
فقلت له: يا أبا عبد الله، لقد خفف الله عليك ما ثقل على غيرك، فأي شيء وجدت من هذا الأمر أثقل؟ فقال: ما وجدت شيئا أثقل علي من مكابدة آخر الليل.
قال يحيى بن يحيى: لما قرأنا كتب أسد على ابن القاسم وضع أشهب يده في مثلها فخالفه في جلها أو في أكثرها، فقلت لابن القاسم: يا أبا عبد الله، لو أعدت نظرك في هذا الكتاب، فإن صاحبك قد خالفك، [فما وافقك عليه أقررته، وما خالفك] فيه أجدت النظر فيه وأنعمت، فقال لي: سأفعل إن شاء الله.
فلما كان بعد أيام تقاضيته، فقال لي: يا أبا محمد، نظرت في مقالتك فوجدت إجابتي يوم أجبت كانت لله وحده، فرجوت أن أوفق، وإجابتي الساعة إنما تكون نقضا على صاحبي فأخاف أن لا أوفق في الأجوبة والرد فتركت ذلك، وبالله التوفيق.
ما ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الغيرة من النساء
فيما ذكر عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الغيرة قال سحنون أخبرني سفيان بن عيينة عن أبي طوالة قال: اشتكى رجل إلى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غيرة امرأته، فقال له عمر: إني لأخرج لحاجة فيقال لي إنما خرجت إلى فتاة بني فلان، فقال له ابن مسعود: أوما علمت أن إبراهيم قد
شكا إلى الله ما كان يجد من غيرة سارة، فأوحى الله عز وجل إليه أن ألبسها على ما كان فيها إلا أن تجد جرحة في دينها.
قال محمد بن رشد: في هذا أن النساء يدركهن من الغيرة على الرجال ما يدرك الرجال من الغيرة على النساء.
فينبغي أن يعذر النساء فيما يدركهن من ذلك، إذ هو أمر يغلبهن ولا يثرب عليهن فيه، كما كان يفعل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما كان يقال له في ذلك على جزالته ومهابته، وعلى ما أوحى الله عز وجل به إلى إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيما شكا إليه من غيرة سارة، وبالله التوفيق.
فضل شهود صلاة الجماعة
في فضل شهود صلاة الجماعة
وحدثني عن الحماني قال، حدثنا إسماعيل بن عباس عن عمارة بن عرية عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى أربعين ليلة في جماعة لا تفوته الركعة الأولى أعتقه الله من النار» .
قال محمد بن رشد: فضائل الصلاة أكثر من أن تحصى.
قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] ، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] ، وسئل النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها،
وقال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا» وقال: «إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه» يريد أن الصلوات تكفر السيئات.
وقال عثمان بن عفان سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها» وبالله التوفيق.
معاملة من لا يؤتي زكاة ماله
في معاملة من لا يؤتي زكاة ماله وسئل أصبغ: هل يجوز الاشتراء من طعام رجل يعلم أنه لا يخرج زكاته؟ وهل يجوز البيع منه بالناض وهو ممن لا يزكي؟ فإن اشترى مشتر أو باع ما الذي يجب عليه حتى يطيب له ما اشترى فيما بينه وبين الله تعالى؟ وهل ترى إن ادعى مشتري هذا الطعام أن تركه إخراج الزكاة عيبا وأراد فسخ البيع هل يكون القول قوله، ويرد إذا كان بمكان لا يجبر السلطان الناس على إخراج الزكاة؟ وكيف إن كان له مال أو لم يكن؟ قال أصبغ: أرى ماله كله فاسدا لا يجوز أن يؤكل منه شيء دون شيء ولا يشرب، ولا يجوز أن يباع ولا
يشترى؟ فلا يبايع فيه ولا يعامل، وإن عامله فيه أحد رأيت أن يخرجه كله ويخرج منه ويتصدق به، كمال عاصر الخمر والمربي والغاصب والظالم، فهذا غاصب ومتعد على أموال المساكين وابن السبيل وسبيل الله وسائر السهمان إذا حبسه كان كمن غصبه وخلطه بماله وكسب به وعليه وفيه ولم يميز شيئا من شيء، فهو فاسد كله.
وقد سمعت سفيان بن عيينة وذكره فقال: ليس من ظلم واحدا كمن ظلم الناس أجمعين، فإذا حبس الزكاة فهو كمن ظلم الناس أجمعين؛ لأن فيه حق الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين وفي سبيل الله والرقاب وغير صنف، فهو ظالم لهؤلاء أجمعين.
قال وسمعت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول في قول الله تعالى وتبارك: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141] ، قال هي للناس وللسلطان مقسومة، الذي يحبسه والذي يتعدى فيه فيأخذه بغير حقه أو يضعه في غير حقه.
قال وحدثنا ابن القاسم يرفع الحديث وبلغه «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين دفع من عرفة وبلغ الشعب نزل فبال، ثم نادى بوضوء فتوضأ، ثم قال: لا وضوء لمن لا صلاة له ثلاث مرات، ثم قال: لا صلاة لمن لا زكاة له ثلاث مرات.
مانع الزكاة في النار» والمتعدي فيها كمانعها.
قال المتعدي فيها بأخذها وحبسها عن
حقها فاسد كله.
وإن عرف منه منع الزكاة رأيت للمشتري الرد؛ لأني لا أطيب له الحبس، فإذا لم أطيب له الحبس جعلت له الرد.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا إن مال الذي لا يؤدي زكاة ماله فاسد كله لا يجوز أن يؤكل منه شيء ولا يشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب لا يجوز أن يباع ولا يشترى، وإن من عامله فيه يتصدق بجميعه، هو على قياس قوله المعلوم من مذهبه الذي ذكرناه عنه في سماع عبد الملك بن الحسن من أن المال الذي خالطه الحرام حرام كله، تجب الصدقة بجميعه، ويجب على من أخذ منه شيئا بمعاملة أن يتصدق بما أخذ، وهو تشديد على غير قياس.
والقياس أنه لا يلزمه أن يتصدق منه إلا بمقدار الحرام، وأن معاملته فيه جائزة، وهو مذهب ابن القاسم.
وكذلك قبول هبته يجوز على مذهبه إذا كان الحلال من ماله أكثر من الذي وهب منه.
ووجه قول أصبغ أن ماله كله إذا لم يؤد زكاته فاسد لا يجوز أن يؤكل منه شيء ولا يشرب، يريد لا هو ولا غيره، هو أنه لما كانت الزكاة الواجبة للمساكين شائعة فيه قد عزم على اقتطاعها وغصبهم إياها كان إذا أكل منه قليلا أو كثيرا قد أكل حقه وحقهم، فحرم ذلك عليه، بخلاف إذا أكل منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو ينوي أداءها مما بقي؛ لأن هذا إنما يكون عليه إثم تأخير الزكاة لا أكثر.
وكذلك إذا وهب لأحد منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو عازم على اقتطاعها لا يسوغ على مذهبه لمن علم ذلك أن يقبله؛ لأنه يكون قد أخذ فيما وهب له ما فيه حظ للمساكين، بخلاف إذا وهب لأحد منه شيئا قبل أن يؤدي زكاته وهو ينوي أداءها مما بقي؛ لأن هذا يسوغ للموهوب له أن يقبله ويكون على الواهب إثم تأخير الزكاة لا أكثر.
وأما قول أصبغ إن من أخذ منه شيئا بمعاملة أو هبة يجب عليه أن يتصدق بجميعه فلا وجه له؛ لأن الواجب عليه في ذلك إنما هو أن يتصدق على المساكين بما وجب لهم منه، وهو ربع عشره.
وقد مضى بيان هذا في سماع
أصبغ في تكلمنا على ما جاء عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن ثمن المغنيات حرام.
وقد مضى في سماع عبد الملك بن الحسن القول فيما احتج به من قوله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] فلا وجه لإعادته.
وقوله في الحديث الذي احتج به من قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا وضوء لمن لا صلاة له» بين لا إشكال فيه؛ لأن الوضوء إنما يفعل للصلاة أو لما لا يصح فعله إلا بطهارة، فإذا لم يفعل ما يفعل الوضوء من أجله لم ينتفع بالوضوء.
وأما قوله: «لا صلاة لمن لا زكاة له» فمعناه أنه لا ينوب فعل الصلاة عن فعل الزكاة، أي لا يكفر فعل الصلاة ترك الزكاة، فتكون الصلاة إذا لم يزك صلاة توجب له الدخول في الجنة، كما توجب لمن صلى وزكى، أو لمن صلى ولم تجب عليه زكاة.
ومساواته في الرواية بين المتعدي في أخذها وحبسها بين؛ لأن حابسها آخذ لها ومتعد في ذلك، فهو كالمتعدي في أخذها ممن لا تجب عليه.
وقوله في آخر المسألة: وإن عرف منه منع الزكاة رأيت للمشتري الرد؛ لأني لا أطيب له الحبس، فإذا لم أطيب له الحبس رأيت له الرد، صحيح على أصله في أن من لم يؤد زكاة ماله لا تجوز معاملته ويجب على من عامله الصدقة بجميع ما أخذه منه.
فسواء على مذهبه ابتاع منه الطعام الذي لم يؤد زكاته أو باع منه شيئا بدنانير لم يؤد زكاتها له الرد في الوجهين جميعا.
وقد قيل: ليس له أن يرد في الوجهين جميعا، وهو الذي يأتي على قول غير ابن القاسم في المدونة في الذي يبيع الثمرة بعد أن وجبت فيها الزكاة فيجدها المصدق في يد المشتري، أنه لا سبيل له عليها وإن كان البائع عديما، وقيل: إن ذلك له في الطعام الذي ابتاعه، وليس ذلك له فيما باع منه بدنانير، وهو الذي يأتي على مذهب من لا يجيز بيع الثمرة بعد وجوب الزكاة فيها بالطياب، ولا بيع الزرع بعد وجوب الزكاة فيه بالإفراك لوجوب الزكاة] ، في عين الثمرة
وعين الزرع.
ولا اختلاف بينهم في أن من باع أو اشترى من مستغرق الذمة بالحرام وهو لا يعلم، أن له الرد؛ لأن من حقه أن يقول: لم أرض بمعاملة مستغرق الذمة بالحرام، وبالله التوفيق.
يستعين الرجل من أهل الغنا أهل ناحيته منهم الغني والفقير فيعينونه في الحرب
من سماع عبد الملك بن عمر بن غانم قلت لمالك: القوم يستعينون في الحرب، يستعين الرجل من أهل الغنا أهل ناحيته منهم الغني والفقير فيعينونه، وذلك أمر ذائع عندنا، قال: لا بأس به.
قلت: ما يخشى أن تكون استعانته إياهم من المسألة التي تكره؟ قال: لا، لعمري ما بهذا بأس أن يستعين رجل دابة رجل يركبها أو شيئا من متاعه على وجه المعروف، بل أكره ترك هذا يضيق الرجل الإسلام، وهذا من الأخلاق الحسنة.
قال قلت: فالرجل يسأل امرأته أن تضع عنه صداقها على غير إكراه لها ولا إضرار منه بها، ولكن على وجه الطلبة فتفعل، هل ترى بهذا بأسا؟ فقال: قد أعطاها منه شيئا؟ فقلت: نعم أعطاها النقد وبقي المهر.
قال: ليس بذلك بأس، قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] .
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ ليس شيء مما ذكره من معنى المسألة المكروهة وإنما هو من المعروف الذي ينبغي للناس أن
يتوامروه فيما بينهم، قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237] ، وبه التوفيق.
وضع المرأة جمة الشعر على رأسها
في وضع المرأة جمة الشعر على رأسها فقال مالك: يا أبا عبد الله، المرأة تضع الجمة من الشعر على رأسها، قال: لا خير في ذلك.
قلت: فخرق تجعلها على قفاها وتربط الوقاية عليها؟ قال ليس من عملهن شيء أخف عندي من الخرق.
قلت ترجو أن لا يكون بالخرق بأس؟ قال أرجو.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في سماع أصبغ فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق لا شريك له.
النشرة بالأشجار والأدهان
في النشرة بالأشجار والأدهان قال وسألته عن النشرة بالأشجار والأدهان، قال: لا بأس بذلك قد سحرت عائشة فيما بلغني فأقامت أياما، ثم أتيت في منامها فقيل لها خذي ماء من ثلاث آبار يجري بعضها إلى بعض فاغتسلي به، قال ففعلت فذهب عنها ما كانت تجد.
قال محمد بن رشد: المعنى في جواز هذا بين؛ لأن الأدهان والأشجار قد يكون فيها دواء ينفع من ذلك المرض مع ما يذكر عليها من أسماء الله رجاء التبرك بها، وذلك من نحو الرقى بكتاب الله عز وجل وأسمائه الحسنى، فلا وجه لكراهة ذلك، إذ قد جاء جواز ذلك في الآثار الثابتة عن
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من ذلك ما ذكره مالك في موطئه: أنه «دخل على رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسقم- بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما ما لي أراهما ضارعين، فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين» . وما حدث به نافع بن جبير «عن عثمان بن أبي العاص: أنه أتى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عثمان: وبي وجع قد كان يهلكني، قال: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: امسحه بيمينك سبع مرات، وقل أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد، قال ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم» وبالله التوفيق.
صفة السلام على القبر
في صفة السلام على القبر قيل كيف يسلم على القبر؟ قال: تأتيه من قبل القبلة حتى إذا دنوت منه سلمت وصليت عليه، ودعوت لنفسك ثم انصرفت.
قيل له: هل أذكر أبا بكر وعمر؟ قال: نعم إن شئت.
قال محمد بن رشد: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] فالصلاة
على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض في الجملة لا تختص بالصلاة في مذهب مالك وكافة العلماء.
وقال الشافعي: إذا لم يصل المصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد الآخر بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة.
قال وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه، وتقلد ذلك أصحابه ومالوا إليه وناظروا عليه.
ومن حجتهم أن الله عز وجل أمر بالصلاة على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأن يسلم عليه تسليما [ثم جاء الأمر منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد فعلمهم فيه كيف يسلمون عليه تسليما، بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وكان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد قال لهم: إنه يقال في الصلاة لا في غيرها، وقالوا له: قد علمنا السلام عليك، يعنون في التشهد، فكيف الصلاة عليك؟ فعلمهم الصلاة، وقال لهم السلام كما قد علمتم، فدلهم على أن ذلك قرين التشهد في الصلاة.
قالوا: وقد وجدنا الأمة بأجمعها تفعل الأمرين جميعا في صلاتها، فلا يجوز أن يفرق بينهما، ولا تتم صلاة إلا بهما.
وروايته عن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه وسائر المسلمين قولا وعملا.
وحجة من لم يجعل ذلك من فرائض الصلاة حديث ابن مسعود: أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ بيده فعلمه التشهد إلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقال له: إذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم وإن شئت أن تقعد.. وصفة السلام على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قبره كالسلام عليه في تشهد الصلاة: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته؛ والصلاة عليه فيه كالصلاة عليه بعد التشهد في الصلاة قبل التسليم، إلا أنه يقول ذلك بلفظ المخاطب.
ومعنى الصلاة عليه الدعاء له، إلا أنه يخص هو وسائر الأنبياء بلفظ الصلاة دون الدعاء، لقول الله عز وجل: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] ، فيقول: اللهم صل على محمد ولا يقل اللهم ارحم محمدا واغفر لمحمد وارض عن محمد، ولا يقل اللهم صل على فلان، ويقول اللهم ارحم فلانا واغفر له وارض عنه.
هذا هو الاختيار ألا يُصلّى على غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ومن أهل العلم من أجاز الصلاة على غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واستدل بما ذكره مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى أبي بكر وعمر، وبما جاء في الحديث من قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وقوله: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته.
ومعلوم أن أزواجه وآله وذريته غيره.
وبما جاء عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه كان إذا أتاه أحد بصدقته صلى عليه، لقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103] فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللهم صل على آل أبي أوفى إذ أتاه أبو أوفى بصدقته.
قال عبد الله بن أبي أوفى: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى» . والأظهر أن يخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصلاة دون من سواه، إلا أن يضاف إليه في الصلاة عليه، كما جاء في الحديث من قوله: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وقوله: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته.
ولم يتابع جميع الرواة يحيى بن يحيى على روايته: فيصلي على النبي وأبي بكر وعمر.
ورواية ابن القاسم: فيصلي على النبي ويدعو لأبي بكر وعمر، وهو دليل قوله في هذه الرواية؛ لأنه قال فيها: قيل له هل أذكر أبا بكر وعمر؟ قال: نعم إن شئت، ولم يقل فيها، قيل: له هل يصلي على أبي بكر وعمر.
وأما صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على من كان يصلي عليه ممن كان يأتيه بصدقته فلا دليل فيه للمخالف؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا بخلاف غيره؛ لأن الله عز وجل أمره بذلك، وبالله التوفيق.
صيد الحيتان
في أنه لا كراهة في صيد الحيتان قال حسين بن عاصم: سألت ابن القاسم عن صيد الحيتان لذوي المروءات والحال، هو أخف عندك أم صيد البر؟ قال لا أرى لأحد صيد البر إلا لأهل الحاجة إليه الذين عيشهم ذلك، وصيد البحر والأنهار عندي أخف من ذلك، وكأني رأيته لا يرى بأسا في صيد الحيتان.
قال محمد بن رشد: كره مالك الصيد على وجه التلهي به إلا لمن اتخذه مكسبا أو رجل قرم إلى اللحم، غنيا كان أو فقيرا.
وكان الليث يكره التلهي به أيضا ويقول: ما رأيت حقا أشبه بباطل منه، يعني أنه حق لحلاله،
وأنه يشبه الباطل لما فيه من اللهو والطرب.
واستخفه في رواية مطرف وابن الماجشون، عنه لمن يسكن البادية؛ لأنه لا غنى لهم عنه، وكرهه لأهل الحواضر ورأى خروجهم إليه من السفه والخفة.
وإنما خفف ابن القاسم في هذه الرواية صيد الحيتان ورآه بخلاف صيد البر، إذ ليس فيه من اللهو وإتعاب الجوارح في غير منفعة مقصودة ما في صيد البر، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل لهو يلهو به الإنسان باطل إلا ثلاث، وهي ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه» .
قرى طنجة التي غلب عليها البربر
في قرى طنجة التي غلب عليها البربر قال: وسألته عن قرى طنجة التي غلب عليها البربر العرب وأخرجوهم منها بالفتنة والغلبة عليها فيها فتظلهم الشجر، أترى بالأكل منها بأسا؟ قال لا أرى لأحد أكلها؛ لأنها عندي على وجهين: إما أن تكون كانت في أيدي العرب غصبا فلا أحب لأحد أن يأكل منها، أو كانت في أيديهم حلالا وهي اليوم غصب فلا أرى أن يؤكل منها.
قال محمد بن رشد: لا تخلو هذه القرى التي قد غصب أهلها إياها وغلبوا عليها من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون أهلها الذين غصبوا إياها معروفين هم أو ورثتهم، والثاني أن لا يكونوا معروفين إلا أنه يمكن أن يعرفوا ويوجدوا إن طلبوا، والثالث أن يكون قد باد أهلها لطول العهد ويئس من أن يعرفوا أو يعرف أحد من تصيرت إليهم بالوراثة.
فأما الحال الأولى: فحكم الثمرة فيها حكم أعيان المغصوب، لا يحل لأحد أن يأكل منها قليلا ولا كثيرا عند أحد من العلماء، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» .
وأما الحال الثانية: فحكم الثمرة فيها حكم اللقطة الواجب فيها أن تباع وتوقف أثمانها وتعرف، فإن لم تعرف جرى الأمر في جواز أكلها على اختلاف أهل العلم في جواز أكل اللقطة للملتقط بعد التعريف، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» . فمالك يكره له أكلها وإن كان محتاجا إليها، ويرى الصدقة له بها أفضل؟ ومن أهل العلم من يبيح له أكلها وإن كان غنيا؛ ومنهم من لا يبيح له أكلها إلا إذا كان فقيرا؟ ومنهم من لا يبح له أكلها إلا إذا كان غنيا يكون له بها وفاء إن جاء صاحبها.
وأما الحال الثالثة: وهي التي تكلم في الرواية عليها فحكمها حكم اللقطة بعد التعريف بها واليأس من وجود صاحبها، الاختيار له ألا يأكلها قولا واحدا، وهو قوله فيها: فلا أحب لأحد أن يأكل منها.
وقد قال في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد في نحو هذه المسألة: أرجو ألا يكون بذلك بأس.
وقد مضى القول عليها هناك، وبالله التوفيق.
ما أوى إلى برج الرجل من حمام غيره
فيما أوى إلى برج الرجل من حمام غيره قال حسين: سألت ابن القاسم عن البروج تتخذ للحمام فتبنى فيها الكوى خارجا من جداره، فيأوي الحمام إلى البرج في
داخله وخارجه إلى حمام قد وضعها الرجل في برجه، فلا تعرف الحمامات بعينها، ما ترى في أكل فراخ حمام البرج التي أوت إليه؟ قال: إن عرف شيئا منها بعينها وعرف ربها ردها إليه إن استطاع، وإن لم يستطع ردها وعرف موضعها، فإذا فرخت رد فراخها على صاحبها، وإن ازدوجت حمامة له مع حمامة لجاره وهو يعرفها فلم يستطع ردها عليه ولا أخذها وعرف عشها التي تفرخ فيه هي وحمامته، رد على جاره فرخ حمامته.
قال قلت له: وإن كانت حمامة جاره ذكرا؟ قال: نعم؛ لأنه إنما يكون ذلك على وجه الحضانة وليس على وجه البيض، كذلك قال من أرضاه من أهل العلم.
قال: وكذلك كل حمامة خارج البرج في كواهن لصاحب البرج، وكل عصفور أوى إلى كواه فيه فراخه، وله أن يمنع كواه من غيره.
وسئل ابن كنانة عن نحل يجده الرجل في شجرة أو في صخرة هل ينزع عسلها؟ فقال: إذا لم يعلم أنها لأحد فلا بأس بذلك.
قال مالك: وأكره أن ينصب الرجل جبحا في مكان قريب من جباح الناس وحيث ترعى نحلهم وتسرح.
وقال ابن كنانة لا يحل لك أن تأكل عسل جبح نصبه غيرك لا في عمران ولا قفار، ولا يحل لك أكل حمام غيرك إذا عرفته بعينه.
قال محمد بن رشد: ما أوى إلى برج الرجل من حمام برج غيره فلم يعرفه بعينه أو عرفه فلم يقدر على أخذه فلا بأس.
عليه فيه وإن عرف صاحبه، هذا ما لا اختلاف فيه أعلمه.
واختلف إذا عرفه وقدر على أخذه ولم يعرف صاحبه، فظاهر قوله في هذه الرواية لا شيء عليه فيه، وهو قوله فيها وإن عرف شيئا منها بعينها وعرف ربها ردها إليه، وهو دليل قول ابن كنانة: ولا يحل لك أكل حمام غيرك إذا عرفته بعينه، ونص قول ابن حبيب في
الواضحة أنه إن جهل صاحبه فلا شيء عليه فيه ولا في فراخه.
وقد قيل إنه إذا عرفه وقدر على أخذه ولم يعرف صاحبه إنه يعرفه كاللقطة ولا يأكله، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم، حكى فضل عنه أنه قال: لا ينصب لشيء من حمام الأبراج ولا يرمى، ومن صاد منه شيئا فعليه أن يرده أو يعرفه ولا يأكله.
وحكم فراخها إذا عرف عشها حكم ما عرفه وقدر على أخذه، إن عرف صاحبه رده عليه، وإن لم يعرفه فعلى ما تقدم من الاختلاف.
وأما إذا ازدوجت حمامة له مع حمامة لجاره، فقال في الرواية: إنه يرد على جاره فرخ حمامته، فيأخذ أحد الفرخين، كانت حمامة جاره ذكرا أو أنثى، يريد ويكون لصاحب الحمامة الأنثى على صاحب الحمامة الذكر مثل بيض حمامته.
وهذا على قياس ما روى سحنون في سماعه من كتاب الشركة عن ابن القاسم عن مالك في الرجل يأتي بحمامة أنثى ويأتي الآخر بذكر على أن تكون الفراخ بينهما، أن الفراخ تكون بينهما لأنهما تعاونا جميعا على الحضانة، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى على صاحب الحمامة الذكر بمثل بيض حمامته حسبما ذكرناه هناك.
وهو على قياس القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب [العمل ويأتي في هذه المسألة على قياس القول بأن الزرع في المزارعة لصاحب] الزريعة أن تكون الفراخ لصاحب الحمامة الأنثى منهما، ويكون عليه لصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة.
وقول ابن كنانة إن للرجل أن يأخذ عسل النحل الذي يجده في شجرة أو في صخرة إذا لم يعلم لأحد صحيح؛ لأنه كالصيد يكون لمن وجده.
وقول مالك أكره أن ينصب الرجل جبحا في مكان قريب من جباح الناس وحيث ترعى نحلهم وتسرح، معناه إذا خشي أن يدخل فيه نحل جباح الناس ولم يتحقق ذلك، وأما لو تحققه لما جاز ذلك له ولوجب عليه إذا علم ذلك أن يرد
العسل إلى صاحب النحل، ولا يكون له في ذلك إلا قيمة كراء جبحه، وبالله التوفيق.
يأخذ غرسا من شجر غيره بغير إذنه
في الذي يأخذ غرسا من شجر غيره بغير إذنه وقال ابن كنانة: أكره أن يأخذ الرجل من شجر غيره غرسا بغير إذنه.
قال محمد بن رشد: أما إذا أخذ من شجر غيره ملوخا يغرسها في أرضه وكان ما امتلخ منها لا قيمة له ولا ضرر فيه على الشجرة التي امتلخت منها، فهذا الذي كرهه ابن كنانة، والله أعلم.
وأما إذا كان لما امتلخ منها قيمة أو كان ذلك يضر بالشجرة التي امتلخت منها فلا يجوز لأحد أن يفعله إلا بإذن صاحب الشجر.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» فإن فعل ذلك بغير إذنه دالة عليه بسبب بينه وبينه يقتضي الإدلال عليه، فعليه أن يتحلله من ذلك، فإن حلله وإلا غرم له قيمته عودا مكسورا يوم امتلخه، وليس له أن يقتلعه ويأخذه، وعليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجر التي امتلخ ذلك منها.
وإن فعل ذلك غصبا وتعديا بلا إذن من صاحبه ولا دالة عليه ممن يستوجب الدالة، فله أن يقتلعه ويأخذه وإن كان قد علق، إلا أن يكون بعد طول زمان وبعد نماء وزيادة بينة، فلا يكون له أن يأخذه بعينه، وتكون قيمته يوم امتلخه من شجره عودا منها مكسورا.
وإن كان أضر بالشجر كان عليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجر.
هذا قول أصبغ في الواضحة.
وقال سحنون: إنما يكون أولى بغرسه إذا كان إن قلعه وغرسه نبت، وأما إن كان لا ينبت إن قلعه وغرسه فإنما
له قيمته، ولا سبيل له إلى قلعه.
وكان ربيعة يقول في مثل هذا: إن نبت فإنما له قيمته أو غرس مثله.
وأما إن قلع من بستانه غرسا يغرسه في أرضه دالة على صاحب البستان، فله أن يقلعه ويأخذه وإن كان قد نبت وعلق، إلا أن يتطاول وينمى نماء بينا فلا يكون له قلعه، وتكون له قيمته يوم اقتلعه نابتا؛ لأن دالته عليه -إذا كان من أهل الدالة- شبهة تمنع من قلعه.
ولو كان اقتلعه غصبا غير مدلي لكان صاحب الغرس أحق بغرسه وإن كان قد نبت في أرضه وطال زمانه وثبتت زيادته؛ لأنه شيؤه بعينه أخذه حيا فنما وزاد ونبت، فهو كالصغير يغتصب أو يسرق ثم يجده صاحبه وقد كبر وشب ونما- وزاد فهو أبدا أحق به وسواء كان مما ينبت إن غرس بعد قلعه من أرض الغاصب أو مما لا ينبت هو أحق به إلا أن يشاء أن يسلمه ويأخذ قيمته نابتا يوم قلعه فيكون ذلك له، حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ، وبالله التوفيق.
ما يبقى في الكرم بعد قطافه أو في الفدان من الزرع بعد حصاده
فيما يبقى في الكرم بعد قطافه، أو في الفدان من الزرع بعد حصاده
وسئل ابن كنانة عن الكرم يقطف أو الزيتون يجنى أو الزرع يحصد، هل يجوز لأحد أن يأكل بقيته؟ قال: إن كان أهله تركوه لمن أخذه فلا بأس بأكله، وإن كانوا إنما يريدون الرجعة إليه فلا يجوز لأحد أخذه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والمعنى فيه بين إن علم أن صاحبه تركه لمن أخذه من فقير أو غني.
وأما إن خشي أنه إنما تركه لمن أخذه من المساكين، فلا ينبغي لغني أن يأكل منه شيئا، وبالله التوفيق.
ابتياع الكلب الضاري
في ابتياع الكلب الضاري وسئل ابن كنانة فقيل له: هل يكره للرجل أن يبتاع الكلب كما يكره للبائع بيعه، فإن الرجل ربما احتاج إلى كلب لغنمه أو لصيد؟ قال: البائع في ذلك أضيق حالا؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن ثمن الكلب» . وأما المشتري فإن احتاج إلى ذلك فيما يجوز له اقتناؤه من الكلاب فلا بأس بابتياعه، وذلك ربما عسرت الهبة والمعروف ووقعت الحاجة إلى ذلك.
قال محمد بن رشد: إجازة ابن كنانة لاشتراء الكلب الضاري هو مذهب ابن القاسم، روى أبو زيد عنه في سماعه من كتاب جامع البيوع أنه قال: لا بأس باشتراء الكلاب كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها.
وذلك نحو قول أشهب في المدونة في الزبل المشترى يجوز في شرائه من البائع؛ لأن الحاجة قد تدعوه إلا شراء الكلب للصيد وشبهه مما جوز له اتخاذه له، وكذلك الزبل إذا لم يجد من يعطيه ذلك دون ثمن ولا حاجة بأحد إلى بيعه؛ لأنه إذا لم يحتج إليه تركه لمن يحتاج إليه.
وسحنون يجيز بيعه، قال ويحج بثمنه.
وهو قول ابن نافع، وقد روي ذلك عن ابن كنانة، وهو قول جل أهل العلم والصحيح في النظر؛ لأنه إذا جاز له الانتفاع به وجب أن يجوز بيعه وإن لم يحل أكله كالحمار الأهلي الذي لا يجوز أكله ويجوز بيعه لما جاز الانتفاع به.
ومن الدليل على ذلك أيضا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من أجر عمله كل يوم قيراط» . والاقتناء لا يكون إلا بالشراء.
وما روي عن النبي - صلى الله
عليه وسلم من رواية ابن عمر: أنه «نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا» يحتمل أن يكون معناه حين كان الحكم في الكلاب أن تقتل كفها ولا يمسك شيء منها، على ما روي «عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتل الكلاب فخرجت لأقتلها لا أرى كلبا إلا قتلته حتى أتيت موضع كذا وسماه فإذا فيه كلب يدور ويلهث فذهبت أقتله فناداني إنسان من جوف البيت يا عبد الله ما تريد أن تصنع فقلت: إني أريد أن أقتل هذا الكلب، قالت: فإني امرأة بدار مضيعة وإن هذا الكلب يطرد عني السباع ويؤذنني بإلجائي فأت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاذكر ذلك له، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت ذلك له فأمرني بقتله» . ثم جاء عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه «أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية» وأنه قال: «من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم» فنسخ بذلك أمره الأول بقتل
الكلاب عموما.
وأما الكلب الذي لا يجوز اتخاذه فلا اختلاف في أن بيعه لا يجوز، وأن ثمنه لا يحل.
روي عن ابن عباس عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ثمن الكلب حرام» وبالله التوفيق.
يبيع العنب ممن يعصره خمرا
في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا، أو السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، وما أشبه ذلك وقال ابن كنانة: لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرا، لا من نصراني ولا من مسلم، ولا يباع السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، ولا تباع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، لا تباع الخشبة ممن يتخذ منها صنما.
قال: وأكره أن يكون الإنسان عونا على الإثم، قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] ، وأما أن يتهمه ببعض ذلك ولا يدري ما يراد به فلا بأس أن يبيعه منه.
قال ابن كنانة: أكره أن يبيع الرجل القمح ممن يعمل منه شرابا مسكرا، وقال ابن كنانة: يكره أن يبيع الرجل السلاح من أحد يعلم أنه يقاتل الأنفس بغير حق مشتهرا بذلك معروفا به.
قال محمد بن رشد: قال ابن كنانة في هذه الرواية إنه لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرا لا من مسلم ولا من نصراني؛ لأنه
يكره أن يبيع القمح ممن يعمل منه شرابا مسكرا، ولم يتكلم على حكم البيع إذا وقع، ولا على ما يلزم البائع في التوبة مما صنع.
والذي يدل عليه قوله فيه: إنه مكروه ولا ينبغي لأحد أن يفعله أن البيع لا يفسخ إذا وقع، إذ ليس فيه فساد في ثمن ولا مثمون.
وقد باء بالإثم في ذلك لأنه عون على الإثم، وقد نهى الله عز وجل عن التعاون على الإثم والعدوان، فيجب عليه أن يتوب إلى الله من ذلك ويستغفره ويتصدق بما ازداد في ثمنه ببيعه ممن يتخذه خمرا.
وقد قيل: إن البيع يفسخ، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة.
واختلف على القول بأنه يفسخ إن فات بمغيب المبتاع عليه، فقيل: يمضي بالثمن ويتصدق البائع بما ازداد في ثمنه إذا باعه ممن يعصره خمرا، وقيل: تصحح بالقيمة، ويجب إذا صحح بها أن لا يرد على المبتاع ما زاد الثمن على القيمة، ويتصدق بذلك إلا أن يعلم أن المبتاع لم يتخذه خمرا.
وبيع العنب ممن يعصره خمرا من المسلمين أشد من بيعه من النصارى، إذ قد قيل في النصراني إنه غير مخاطب بشرائع الإسلام إلا بعد الإسلام، فلا يكون على هذا القول المسلم إذا باع عنبه من نصراني معينا على إثم.
وحكم بيع السلاح ممن يقاتل بها المسلمين حكم بيع العنب ممن يعصره خمرا من المسلمين.
وحكم بيع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، والعود ممن يتخذ منه صنما حكم بيع العنب من النصراني ليتخذ منه خمرا، وبالله التوفيق.
شرب العصير الذي أريد به الخمر قبل أن يصير خمرا
في إجازة شرب العصير الذي أريد به الخمر قبل أن يصير خمرا، وكراهة معالجة العصير لئلا يتخمر وقال ابن كنانة: لا بأس بشرب العصير وإن عصر لخمر، كان
الذي يعصره مسلما أو نصرانيا.
قال: وأكره أن يعالج العصير حتى يستبطئ هريره وغليانه يستحله بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إذ ليس يحرم العصير قبل أن يكون خمرا [فيما نوي فيه من أن يجعل خمرا] ، إذ لا تحرم النية الحلال ولا تحل الحرام.
وإنما كره معالجة العصير حتى يبطئ هريره وغليانه فيستحل بذلك مخافة الذريعة إلى استحلال الحرام، وبالله التوفيق.
يقول لامرأته إن لم تضعي عني مهرك فأنت طالق إن لم أتزوج عليك
في الذي يقول لامرأته إن لم تضعي عني مهرك فأنت طالق إن لم أتزوج عليك وسئل ابن كنانة عن الذي يقول لامرأته إن لم تضعي عني مهرك فأنت طالق إن لم أتزوج عليك، فتضع عنه، هل ترى ذلك حلالا؟ قال: لا؛ لأنه خيرها بين أن تضع عنه مهرها وبين أن يضر بها، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] .
قال محمد بن رشد: قوله إن ذلك لا يحل له بين، إذ لم تضع ذلك عنه عن طيب نفسها، وإنما وضعته عنه مخافة أن يلزمه الطلاق إن لم يضرها بالتزويج عليها، فيلزمها الوضيعة ويقضي عليها بها ولا يكون لها الرجوع فيها إن طلقها، [أو تزوج عليها، بمنزلة أن لو قال لها: أنت طالق إن لم تضعي عني مهرك، فوضعته عنه، فلما وضعته عنه طلقها] ويؤمر أن يستحلها من ذلك أو يرده عليها من غير قضاء يقضى به عليه.
ولو سألها أن تضع عنه
صداقها دون أن يحلف على ذلك بطلاق، فلما وضعته عنه طلقها بحدثان ذلك لكان لها أن ترجع عليه بما وضعت عنه؛ لأنها إنما وضعت ذلك عنه رجاء استدامة العصمة، فلما لم يتم لها المعنى الذي وضعت الصداق عنه بثمنه لسببه وجب لها الرجوع به.
والذي قال لزوجته أنت طالق إن لم تضعي عني صداقك، أو أنت طالق إن لم تضعي عني صداقك لأتزوجن عليك فوضعته عنه، ليس لها أن ترجع فيه وإن طلقها بفور ذلك أو تزوج عليها؛ لأن الذي وضعت عنه الصداق بسببه قد حصل لها وهو سقوط اليمين عنه بطلاقها، أو بطلاقها إن لم يتزوج عليها، فلو شاءت نظرت لنفسها فقالت له: لا أضع عنك الصداق إلا على أن لا تطلقني بعد ذلك ولا تتزوج علي.
وقد مضى هذا المعنى في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب طلاق السنة، وبالله التوفيق.
شرب المرأة الدواء لتعجيل الطهر من الحيضة
في كراهة شرب المرأة الدواء لتعجيل الطهر من الحيضة
قال ابن كنانة؛ يكره ما بلغني أن النساء يصنعنه ليتعجلن به الطهر من الحيض من شرب الشجر والتعالج بها وبغيرها.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهية ذلك لها ما يخشى أن تدخل على نفسها في ذلك من الضرر بجسمها بشرب الدواء الذي قد يضر بها، وبالله التوفيق.
ما يجب اجتنابه من الحرير للرجال
فيما يجب اجتنابه من الحرير للرجال قال وسألت عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الرجل
تكون له القطيفة من الحرير أو الشملة من الحرير فيلتحفها بالليل، وتكون له الوسادة من حرير يتكئ عليها ويجلس، فهل الجلوس على الحرير والالتحاف به عند النوم يحرم كتحريم لباسه؟ أم إنما الشدة في لباسه؟ فقال: أما ما يبسط فلا بأس به، وقد فعله الناس.
وأما ما يلبس فمنهي عنه، واللحف من اللباس، فاجتنب من ذلك ما أنت تجتنبه من لباس البز.
قال محمد بن رشد: أجمع أهل العلم على أن لباس الحرير المصمت الخالص محرم على الرجال، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حلة عطارد: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له» وبما جاء عنه من أنه قال: «أحل لإناث أمتي لبس الحرير والذهب وحرم على ذكورها» . واختلفوا في استعمال الرجال له في غير اللباس كالبسط والارتفاق وشبهه، فرخص فيه بعض العلماء، منهم عبد الملك ابن الماجشون في هذه الرواية.
والذي عليه الأكثر والجمهور أن ذلك بمنزلة اللباس، بدليل حديث مالك الذي رواه عن إسحاق بن أبي طلحة «عن أنس بن مالك: أن جدته مليكة دعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لطعام [صنعته له] فأكل منه، ثم قال قوموا حتى أصلي بكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فصلى عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصلينا وراءه» . فسمى أنس الجلوس عليه لباسا، فوجب أن يكون حكمه حكم
اللباس.
ومن جهة المعنى أن الحرير إنما جاء النهي عنه من جهة التشبه بالكفار؛ فوجب أن يجتنب الجلوس عليه من ناحية التشبه بهم، وكذلك الالتحاف به لأنه لباس للملتحف به، بخلاف ستور الحرير المعلقة في البيوت لا بأس بها لأنها إنما هي لباس لما ستر بها من الحيطان.
واختلف في العلم من الحرير في الثوب، فمن أهل العلم من أجازه لما جاء من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن الحرير وقال لا تلبسوا منه إلا هكذا وهكذا، وأشار بالسبابة والوسطى» . وروي إجازة ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مثل الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع، وكرهه جماعة من السلف.
وكذلك اختلف السلف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في لباس الخز وما كان في معناه، فمنهم من أجازه، ومنهم من كرهه.
وقد مضى تحصيل القول فيه في أول مسألة من سماع ابن القاسم.
واختلف أيضا في إجازة لباس الحرير في الحرب، فأجازه جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك، لما في ذلك من المباهاة بالإسلام والإرهاب على العدو، ولما يقي عند القتال من أدل وغيره من السلاح، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وحكاه ابن شعبان عن مالك من رواية عيسى عن ابن القاسم عنه، خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم حلف من سماعه من كتاب الجهاد.
فإن استشهد وهو عليه نزع عنه على مذهب من لا يجيز له لباسه في الجهاد وبالله التوفيق لا شريك له.
[الخمر تَتَخلل أو تُخلل]
في الخمر تَتَخلل أو تُخلل قال ابن خالد: قلت لابن القاسم: فالذي يتعمد عصر خمر، ثم يتخلل في يديه، قال: لو تعمد أن يخلل الخمر فتخللت كانت الخمر حلالا.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بين أهل العلم في أن الخمر إذا تخللت من ذاتها تحل وتطهر، وإنما اختلفوا إذا خللت هل تؤكل أم لا؟ على اختلافهم في وجه المنع من تخليلها، إذ قد قيل: إن المنع من تخليلها عبادة لا لعفة، أو قيل: بل منع من ذلك لعلة، وهي التعدي والعصيان في اقتنائها، وقيل: بل العلة في ذلك التهمة لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب عليها، فيحكم عليه بإراقتها لذلك، ولا يمكن من تخليلها.
فعلى القول بأن المنع من تخليلها عبادة لا لعلة، لا يجوز تخليلها في مرضع من المراضع، ويخرج جواز أكلها إذا خللت على قولين جاريين على اختلافهم في النهي هل يقتضي فساد المنهي عنه أم لا يقتضيه؟ وعلى القول بأن المنع من تخليلها لعلة، يجوز تخليلها إذا ارتفعت العلة، فمن رأى العلة في ذلك التعدي والعصيان في اقتنائها أجاز لمن تخمر له عصير لم ترد به الخمر أن يخلله، وقال أنه إن خلل ما عصى في اقتنائه لم يأكله عقوبة؟ ومن رأى العلة في ذلك التهمة لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب عليها، أجاز للرجل في خاصة نفسه أن يخلل ما عنده من الخمر على أي وجه كان ويأكله، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل وأن يبادر إلى إراقتها كما فعل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في حديث أنس.
فيتحصل في جواز تخليل الخمر ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز
دون تفصيل، والثاني: أن ذلك جائز دون تفضيل على كراهة، والثالث: الفرق بين أن يقتني الخمر أو يتخمر عنده عصير لم يرد به الخمر.
وفي جواز أكلها إن خللها على مذهب من يجيز له تخليلها في حلل ثلاثة أقوال أيضا: الجواز، والمنع، والفرق بين أن يخلل ما اقتنى من الخمر، أو ما تخمر عنده مما لم يرد به الخمر؛ وهذا قول سحنون، والقولان الأولان لمالك، وبالله التوفيق [لا شريك له، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا] .
خاتمة
كمل السفر السابع بتمام الجزء التاسع من الجامع من كتاب البيان والتحصيل تأليف الإمام القاضي الأوحد العلم أبي الوليد ابن رشد - رَحِمَهُ اللَّهُ - ونفعه، وعند ذلك تم جميع الديوان، والحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد نبيه المصطفى خاتم المرسلين، والرضى عن أصحابه الخلفاء المهتدين.
وكان تمامه عشية يوم الثلاثاء الموفي عشرين من صفر من سنة ثنتي عشرة وسبعمائة انتسخه لنفسه محمد بن محمد بن محمد بن عياش القرطبي وفقه الله وعفا عنه.