الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذلك أن الحرام من ثمن المغنية لما كان مشاعا في جملة لم يحل له أن يأكل منه قليلا ولا كثيرا حتى يخرج الحرام منه فيخلص له الحلال؛ لأنه إذا أكل شيئا فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من الحرام، وإن كان باقي الثمن عنده وفيه وفاء بجميع الحرام، وذلك في التمثيل كرجل سرق دينارا من مال بينه وبين شريكه فأكله فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من مال شريكه حتى يتحلله منه أو يرده إليه.
وهذا هو معنى قول أصبغ في الرواية: وإلا حرم عليه الثمن كله، وثمن المغنيات حرام محرم، وبالله التوفيق.
قصة الشعر للمرأة
في قصة الشعر للمرأة قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول: أكره قصة الشعر للمرأة كراهية شديدة.
قال وكان فرق الرأس أحب إلى مالك فيما أظن.
قال محمد بن رشد: قصة الشعر للمرأة هو أن تترك على جبهتها ما أنسدل من الشعر إلى وجهها فتقصه على حاجبيها، وفرق الشعر هو أن لا تقصه فتقسمه بالمشط فتلقي نصفه إلى أحد الجانبين، والنصف الآخر إلى الجانب الآخر فتنكشف الجبهة من الشعر.
وإنما كره ذلك للمرأة لما جاء من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سدل ناصيته ما شاء الله ثم فرق بعد ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «كان أهل الكتاب يسدلون شعرهم، وكان المشركون يفرقون، وكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناصيته ثم فرق بعد» . ففي حديث ابن عباس هذا دليل على أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يترك في آخر أمره ما كان عليه
من موافقة أهل الكتاب في السدل إلا لشيء أمر به، فهذا وجه ما ذهب إليه مالك في كراهية القصة للمرأة.
ويدل على ما ذهب إليه من ذلك حديث «معاوية بن أبي سفيان إذ خطب الناس بالمدينة عام حج، فتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن مثل هذه ويقول إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم؛» لأن المعنى فيها، والله أعلم، أنها كانت قصة معمولة من شعر تضعها المرأة التي قد سقط شعرها على رأسها فينسدل على جبهتها مقصوصا ترائي به أنه شعرها، فنهى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك في حديث معاوية؛ لأنه من ناحية النهي أن تصل المرأة شعرها بشعر غيرها، وقد قال ابن عبد البر: إن معنى النهي في حديث معاوية هو أن تصل المرأة شعرها بشعر غيرها.
وقد جاء عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «لعن الواصلة والمستوصلة» . والذي قلته أبين من ظاهر الحديث، وبالله التوفيق.
مخارجة الأمة
في مخارجة الأمة قال ابن القاسم: ولا أرى بأسا أن يأمر الرجل جاريته أن تأتيه بالخراج وإن لم تكن لها صنعة، مثل أن تستقي الماء أو تحتطب وما أشبه ذلك، وقاله أصبغ، هذه صناعات، وإنما المكروه أن يهملها تأتي بالخراج من غير وجه معروف من وجوه الكسب، لا بعمل ولا بصنعة ولا بيع ولا ابتياع تؤديه وتكتسب به، فلعل هذه تكتسب بالزنا أو مهر البغي أو تأتي به، وكذلك قال عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها
كسبت بفرجها خوفا من ذلك إذا لم يكن لها عمل تكسب منه.
ونهى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مهر البغي فهو يدخل في هذا ولا يحل.
فإن كانت ذات صنعة بعينها إذا أهملت، وكيف أن تترك في الكسب بفرجها وفسادها أن تخارج ولا توكل ولا تعان عليه ولا تهمل ولا يدقق في ذلك بتأويل الصنعة، وهو يكون داعية ويكون عونا، مثل الجواري اللاتي تهمل تعمل الحجامة والمشط واللعب المجون ونحو ذلك، والفساد منهن فيه ظاهر ومتوقع، لا يؤمن ولا تخفى تهمته وظنونه، فلا أرى اتخاذهن لمثل هذا يحل، ولا إهمالهن ولا كسبهن فيه لأنه مشترك والله أعلم، وأراه عظيما من الفعل والعمل.
قال أصبغ قال ابن القاسم والغلام الصغير عندي ذو الصنعة مثل الجارية، يعني في الاستقاء والاحتطاب وشبههما، فلا بأس به ما لم يكلفهما في ذلك ما لا يقويان عليه.
قال وحدثني ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط أن حذيفة قام في الناس فقال: يا أيها الناس، انظروا في ضرائب أرقائكم فما طاب منها فكلوه، وإلا فاتركوه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا كله بين لا إشكال فيه ولا موضع للقول وبالله التوفيق لا شريك له.
دخول الحمام وأحكامه
في دخول الحمام قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن دخول الحمام فقال: إن وجدته خاليا أو كنت تدخل مع النفر يستترون ويتحفظون لم أر
بدخوله بأسا، وإن كان يدخله مع من لا يبالي لم أر أن تدخله وإن كنت متحفظا في نفسك.
قال أصبغ: أدركت ابن وهب يدخله مع العامة، ثم ترك ذلك، ثم كان يدخله مخليا.
قال محمد بن رشد: أما دخول الرجل الحمام إذا كان خاليا فلا كراهة فيه، وأما دخوله مستترا مع مستترين فقال في الرواية لا بأس بذلك أي لا حرج عليه في ذلك، وتركه أحسن.
فقد قال مالك في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب وقد سئل عن الغسل من الماء السخن من الحمام فقال: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغسل بذلك الماء.
ووجه الكراهة في ذلك وإن دخله مستترا مع مستترين مخافة أن يطلع على عورة أحد بغير ظن، إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع عامة الناس.
وأما دخوله غير مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ذلك ولا يجوز؛ لأن ستر العورة فرض، ومن فعل ذلك كان جرحة فيه.
والنساء في هذا بمنزلة الرجال، هذا هو الذي يوجبه النظر؛ لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة ما يجوز للرجل أن ينظره من الرجل، بدليل ما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» . وما روي أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يفضي رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة،» خرج الحديثين أبو داود، فجعل- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم المرأة مع المرأة فيما يجوز لها أن تنظر إليه منها كحكم الرجل مع الرجل فيما يجوز له أن ينظر إليه منه.
وقد أجمع أهل العلم فيما علمت على أن النساء يغسلن المرأة الميتة كما يغسل الرجال الرجل الميت، ولم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في غسل النساء ذوي محارمهن من الرجال، وفى غسل الرجل ذوات محارمه من النساء، حسبما ذكرناه في رسم الجنائز والصيد والذبائح من سماع أشهب من كتاب الجنائز.
وقال ابن أبي زيد في الرسالة ولا تدخل المرأة الحمام إلا من علة.
وقال عبد الوهاب في شرحها: هذا لما روي أن الحمام محرم على النساء، فلم يجز لهن دخوله إلا من عذر؛ لأن المرأة ليست كالرجل؛ لأن جميع بدنها عورة، ولا يجوز لها أن تظهر لرجل ولا امرأة، والحمام يجتمع فيه النساء ولا يمكن الواحدة أن تخليه لنفسها في العادة، فكره لها ذلك إلا من عذر.
هذا نص قول عبد الوهاب، وفيه نظر.
أما ما ذكره من أن الحمام محرم على النساء فلا أعلمه نصا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن كان ذلك من قول أحد من العلماء فمعناه في دخولهن إياه على ما جرت به عادتهن من دخولهن إياه غير مستترات.
وأما ما قاله من أن بدن المرأة عورة لا يجوز أن يراه رجل ولا امرأة فليس بصحيح، إنما هو عورة على الرجل لا على المرأة، بدليل ما ذكرناه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وما روي من أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: إنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين قبلك يدخلن الحمام مع نساء المشركين، فانه عن ذلك أشد النهي، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عورتها غير أهل دينها، وما أجمع عليه العلماء من أن النساء يغسلن النساء كما يغسل الرجال الرجال.
وإنما قال ابن أبي زيد إن المرأة لا تدخل الحمام إلا من علة لما جاء عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء» .
وإنما أمر، والله أعلم، أن تمنع النساء من دخوله إلا مريضة أو نفساء لأن إباحة ذلك لهن ذريعة إلى أن يدخلنه غير مؤتزرات [لا من أجل أن عليهن حرجا وإثما في دخولهن إياه مؤتزرات] فدخول النساء الحمامات مكروه لهن غير محرم عليهن.
وعلى هذا يتأول ما روي في ذلك عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعن عائشة، من ذلك حديث عائشة أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن دخول الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها بميازر» فيتأول أنه إنما لم يرخص في ذلك للنساء بدليل هذا الحديث حماية للذرائع في دخولهن إياه بغير ميازر؟ ومنها ما روي «عن عائشة: أنها أتتها نساء من أهل الشام فقالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قال: قلن: نعم، قالت: سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد هتكت ما بينها وبين الله، أو ستر ما بينها وبين الله؛» لأنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس أو الجسم إن تجردت عريانة، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال أو كان معها النساء في الحمام وشبهه، فقد قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.
وقد روي عن أم كلثوم قالت: أمرتني عائشة فطليتها
بالنورة ثم طليتها بالحناء من رأس قرنها إلى قدميها في الحمام من حضر كان بها.
قالت فقلت لها: ألم تكوني تنهين النساء عن الحمامات، قالت إني سقيمة، وأنا أنهى الآن أيضا أن لا تدخل امرأة حماما إلا من سقم، فدل ذلك من قولها وفعلها على أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم، وكانت تنهى عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض.
ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز ومع الصحة مكروه إذا كن مستترات متزرات؛ لأن بدن المرأة إنما هو عورة على الرجل لا على المرأة.
وإنما اختلف في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة؟ فقيل إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه [من المرأة، والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه] من ذوات محارمه، بدليل «قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فلولا أنها في النظر إليه بحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه لما أباح لها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الاعتداد عنده، وهذا بين والله أعلم، وبه التوفيق لا شريك له.
عمل الأسكركة وبيعها
في عمل الأسكركة وبيعها قال أصبغ: حدثنا أشهب بن عبد العزيز، عن الليث عن بكير بن الأشحم أنه كانت له مولاة تعمل الأسكركة وتبيعها، قال
فنهاها ووعظها وقال لها اتقي الله، فقالت سيدي فمن أين أعيش؟ قال لها ويلك، يرزقك الله إذا عصيته ولا يرزقك إذا أطعته.
قال محمد بن رشد: الأسكركة هي الغبيراء التي سئل عنها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما ذكره مالك في موطئه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، فقال لا خير فيها ونهى عنها.
وهو شراب يعمل من الأرز.
روي عن صفوان بن محرز قال، سمعت أبا موسى يخطب على هذا المنبر وهو يقول: ألا إن خمر أهل المدينة البسر والتمر، وخمر أهل فارس العنب، وخمر أهل اليمن البتع وهو العسل، وخمر الحبشة الأسكركة وهو الأرز.
وقد قيل في الأسكركة: إنه نبيذ الذرة، وقيل: إنها التي تسمى بمصر فقاع الشعير.
فالأسكركة وسائر الأنبذة والأشربة التي تسكر بمنزلة الخمر في تحريم القليل والكثير منها.
«سئل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن البتع قال: كل شراب أسكر فهو حرام» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . فلا يحل عمل شيء من الأنبذة المسكرة ولا بيعها؛ لأنها بمنزلة الخمر في تحريم عينها، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها» . وخالف أهل العراق في ذلك فأباحوا من
الأشربة المسكرة ما دون السكر، وقالوا الخمر المحرمة العين إنما هي خمر العنب.
ومنهم من قال خمر العنب والتمر، وتعلقوا فيما ذهبوا إليه من ذلك بما روي عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من غيرها أو من كل شراب.
وهذا لا حجة فيه؛ لأن بعض الرواة يقول فيها: والمسكر من غيرها أو من كل شراب على اختلاف الرواية في ذلك.
وقولهم خطأ لا وجه له؛ لأنهم خالفوا الآثار الثابتة عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك التي ذكرناها وتركوا القياس الذي يعتمدون عليه، وهو أن العلة التي من أجلها حرمت الخمر هي الإسكار والشدة المطربة المؤدية إلى العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة موجودة في الأنبذة المسكرة، فوجب أن يكون لها حكمها ووجود العلة فيها.
وإذا كان الذي لا يسكر لما دون عشرة أكواس من النبيذ إنما يحرم عليه الكأس العاشر وحده عندهم من أجل أنه سكر به، وجب بالقياس الصحيح أن تحرم عليه جميع العشرة الأكواس، إذ لم يسكر بالعاشر وحده، وإنما سكر بإضافته إلى التسعة المتقدمة.
ألا ترى لو اجتمع تسعة رجال على حجر فلم يقدروا على رفعه فجاء رجل عاشر فرفعه معهم لا يصح في عقل عاقل أن يقال إن العاشر هو الذي رفعه، وهذا أبين من أن يحتاج إلى بيانه، وبالله التوفيق.
انتقاص الخير من الناس
في انتقاص الخير من الناس قال أصبغ: وحدثنا أشهب بن عبد العزيز عن ابن لهيعة أن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: لقد كنا وما أحدنا أولى بديره من أخيه المسلم، ثم ذهب ذلك فكانت المواساة، ثم ذهبت المواساة فكانت العينة.
قال محمد بن رشد: يشهد بصحة قول ابن عمر هذا قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وقول عبد الله بن مسعود: ما من عام إلا والذي بعده شر منه ولن تؤتوا إلا من قبل أمرائكم، وليس عبد الله أنا إن كذبت.
وبالله التوفيق.
ما يلزم من تحسين الظن
في ما يلزم من تحسين الظن قال وحدثني أشهب [عن شخص] عن نافع بن عمر الجمحي أنه حدثهم عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب قال: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءا وهو يجد لها شيئا من الخير مصدرا، حدثناه أشهب مرارا.
قال محمد بن رشد: هذا كلام صحيح يشهد لصحته قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12] وقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وبالله التوفيق.
كراهة عمر رضي الله عنه أن يستأثر بمنفعة شيء في مال الله عن المسلمين
في كراهة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يستأثر بمنفعة شيء في مال الله عن المسلمين قال أصبغ وحدثنا [أشهب] عن سعيد بن عبد الله عن نافع
بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب أتي بمسك فجعل يقسمه ويجعل يده على أنفه يغطيه هكذا ووضع أشهب بذارعه وكمه على أنفه، فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك؟ فقال: وهل ينتفع من المسك إلا برائحته.
وقد فعله عمر بن عبد العزيز في خلافته.
قال محمد بن رشد: لأن هذا من فعلهما جميعا نهاية في الورع والزهد؛ لأن حرمان أنفسهما من أن يشتما ما يثور من رائحة المسك في قسمته لا يزيد في المسك ولا في رائحته ولا ينقص من ذلك شيئا، وبالله التوفيق.
البداية بالأيمن فالأيمن
في البداية بالأيمن فالأيمن وسئل أشهب: أيستحب أن يبتدئ الرجل بالأيمن فالأيمن في الكتاب والشهادات تكون في المسجد أو الوضوء وما أشبه ذلك؟ فقال: يستحب ذلك على مكارم الأخلاق، وأما الشيء في دين، يعني محض فقه أو علم، فلا.
قال محمد بن رشد: استحب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - ولم يوجبه في محض الدين والفقه والعلم، إذ قد يكون في غير اليمين من يكون أحق أن يبدأ به لعلمه وخيره وسنه، فإذا استوت أحوال المجتمعين أو تقاربت كانت البداية باليمين مما يستحب في مكارم الأخلاق، لما في ذلك من ترك إظهار ترفيع بعضهم على بعض بالتبدئة به.
وأما إذا كان فيهم العالم وذو الفضل
والسن فالسنة في ذلك أن يبدأ به حيثما كان من المجلس، ثم يناول هو من كان على يمينه كما فعل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذ أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشربه ثم أعطاه الأعرابي، وقال الأيمن فالأيمن» ولا يعطي الذي على يساره وإن كان أحق بالتبدئة من الذي على يمينه لعلمه وخيره وسنه إلا بعد أن يستأذنه في ذلك، كما فعل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يده.» وقوله في الرواية: أو الوضوء، يريد غسل اليد في الاجتماع للطعام، وبالله التوفيق.
اتباع عمر بن عبد العزيز سنن عمر بن الخطاب
في اتباع عمر بن عبد العزيز سنن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال أصبغ: سمعت أشهب يحدث أن عمر بن عبد العزيز كان لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب إلا أحب أن يعمل به، حتى لقد بلغه أن عمر بن الخطاب دعا على نفسه بالموت، فدعا عمر بن عبد العزيز على نفسه بالموت، فما لبث الجمعة حتى مات.
قال محمد بن رشد: كان عمر بن عبد العزيز يتبع عمر بن الخطاب
ويقتدي به في أقضيته وأفعاله.
وقد سمع عمر بن الخطاب وهو يقول: عمر عمر، من ذا عمر، يسير بسيرة عمر.
وذلك نحو ما جاء عنه من قوله وهو يخطب بالمدينة: يا سارية الجبل، حسبما مضى القول فيه في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم.
أما دعاء عمر بن عبد العزيز على نفسه بالموت فقد تكرر ذكر ذلك عنه، ومضى القول فيه في رسم البز ورسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
ما يحكى عن بعض المتقدمين قوله في سجوده
فيما يحكى عن بعض المتقدمين أنه كان يقوله في سجوده
قال أصبغ: سمعت أشهب يقول إنه سمع سفيان بن عيينة يحدث أن رجلا سمع من جوف الليل وهو ساجد فيما أحسب وهو يقول: يا رب إن كنت ساخطا علي فيا كرباه على سخطك، وإن كنت راضيا عني فيا سروراه وقلة شكراه.
قال محمد بن رشد: إنما يبعث على هذا القول شدة الخوف لله، واليقين بما عند الله، مع الاجتهاد في عبادة الله، وبالله التوفيق.
العبد بين الجنة والنار لا بد له من أحدهما
في أن العبد بين الجنة والنار لا بد له من أحدهما قال أصبغ: سمعت أشهب يحدث قال، قال مالك بن دينار: إنما هي النار والجنة.
وقال له محمد بن واسع: ليس هذا، إنما هي النار، أو رحمة الجبار.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، قال الله عز وجل:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] طريق الخير والشر، فإن عمل بطاعة الله صار برحمة الله عز وجل إلى رحمة الله، وإن عمل بمعاصيه استوجب العقاب من الله.
وقال عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] وقال: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185] وبالله التوفيق.
السوداء السائلة
في السوداء السائلة لمالك قال وسمعت أشهب يحدث قال: ما رأيت مالكا قط رافعا بصره إلى امرأة، وما هو إلا ناكس هكذا إذا أتته امرأة تسأله، وما رأيته قط رافعا بصره إلا مرتين في سوداوين: إحداهما امرأة خلف ابن عمر، وكانت سوداء وغدة أرسلتها مولاتها إليه في شيء أو قال تسأله عن شيء، وامرأة أخرى سوداء كبيرة أتته وهي ترعد فقالت: يا أبا عبد الله إن صاحبي، أو قالت ابني استرفعني دراهم فكانت إلى جنبي فنمت ثم قمت أكنس البيت فإذا بها فأخذتها فجعلتها تحت الحصير، فأتاني بعد ذلك فطلبها مني، فقلت ما دفعت إلي شيئا، فقال: بلى والله، فقلت لا والله ما أخذتها منك، فقال بلى، فقلت علي المشي إلى بيت الله، ثم ذكرت ما كان.
فقال لها مالك: عليك المشي فامشي، فقالت: يا أبا عبد الله ما أقدر، قال تركبين وتهدين، قالت: يا أبا عبد الله ما أقدر على شيء.
قال وهي في ذلك ترعد فزعة، فرأيت مالكا صعد فيها البصر وردده فقال: اذهبي
فليس عليك شيء.
فلما أدبرت قال مالك: لئن دخلت هذه الجنة ما ضرها سوادها شيئا، هذه في سوادها وحالها خائفة وجلة مما وقعت فيه، وأخرى أهيأ منها وأقبل وأنطق وأعقل وأعرف منها، لعلها لا تخاف ما خافت هذه، لئن دخلت هذه الجنة ما ضرها سوادها.
ثم قال أشهب بأثر ذلك: ما الدين أو ما الأمر إلا الخوف.
قال أصبغ: وهو الخشية، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] ، قال أصبغ: وبلغني عن ابن مسعود أنه كان يقول: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار به جهلا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يوجب عليها في يمينها بالله الكفارة لأنها كانت ناسية، فكانت اليمين لغوا، وأوجب عليها المشي إلى بيت الله لأنه لا يكون اللغو في المشي ولا فيما سوى اليمين بالله.
فلما قالت له إنها لا تقدر على [المشي، قال تركبين وتهدين، فلما قالت له إنها لا تقدر على] شيء وهي ترعد فزعة من أن تكون قد وقعت من الإثم فيما لا مخلص لها منه، قال لها لا شيء عليك، أي لا إثم عليك في ركوبك إذا لم تقدري على المشي، ولا في ترك الهدي إذا لم تقدري عليه، يريد حتى تجدي وتقدري، [بين ذلك قوله لها في سماع أشهب من كتاب الحج: وليس عليك عجلة حتى تجدي وتقوي] وأمرها أن تركب وتهدي ولم يقل بعد أن تمشي ما قدرت وهي إرادته، ولم يقل إنها ترجع ثانية، فيحتمل أن يكون إنما لم يأمرها بذلك لأنه رأى من حالها أنها لا تقدر على أن تمشي الطريق
كله في مرة واحدة ولا تقدر عليه في مرتين، إذ لم يختلف قوله في أن الحالف بالمشي إذا لم يقدر على أن يمشي الطريق كله في مرة واحدة وقدر عليه في مرتين، أن عليه أن يرجع ثانية لإتمام المشي، ويرى عليه مع ذلك الهدي لتفريق المشي.
وأهل المدينة سواه يرون عليه الرجوع ثانية دون الهدي، وأهل مكة يرون عليه الهدي دون الرجوع.
ومن أهل العلم من لا يوجب الهدي ولا الرجوع، ومنهم من لا يوجب عليه المشي باليمين ويرى فيه كفارة يمين، ومنهم من لا يرى فيه كفارة ولا شيئا.
ومذهب مالك أن ما لزم بالنذر يلزم باليمين.
وما ذكره عن مالك من أنه كان لا يرفع بصره إلى امرأة هو الواجب، لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30] وقد صرف رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجه الفضل إلى الشق الآخر لما أتته امرأة من خثعم تسفتيه وهو راكب خلفه فجعل ينظر إليها وتنظر إليه، وبالله التوفيق.
بيع الكتاب فيه التوراة والإنجيل
في بيع الكتاب فيه التوراة والإنجيل وسئل عن الكتاب تكون فيه التوراة أو الإنجيل أترى أن يبيعه من اليهودي أو النصراني؟ قال أصبغ: وكيف يعرف أنه توراة أو إنجيل؟ لا أرى أن يبيعه ولا يأكل ثمنه، ولا يحل لك أن تبيع لهم ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يحل له أن يبيع الكتاب الذي فيه التوراة أو الإنجيل من اليهود أو النصارى ولا يأكل ثمنه صحيح بين لا إشكال فيه؛ لأن دين الإسلام ناسخ لجميع الأديان، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] ،
والقرآن ناسخ لجميع الكتب المنزلة على من تقدم من الأنبياء- عليهم الصلاة السلام- فلا يحل أن يباع شيء منها ممن يعتقد العمل بما فيها ويكذب بالقرآن الناسخ لها، هذا ولو صح أنها توراة أو إنجيل، فكيف ولا يصح ذلك، إذ لا طريق إلى معرفة صحته، بل قد علم بما أعلم الله في محكم كتابه أنهم غيروا وبدلوا.
قال الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79] وقد أعلم الله عز وجل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل بالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنه مبعوث بنسخ ما تقدم من الشرائع سوى الإيمان والإسلام، قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146] يريد بالنعت الذي نعت لهم في التوراة والأناجيل.
وقال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] عرفوا أنه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نبي بصفته التي وصفه بها لهم في التوراة فبدلوا وغيروا وكفروا.
ويروى أنه كان من صفته في التوراة أنه أسمر ربعة، فكتبوا صفته آدم طويل.
وقيل: إنهم محوا اسمه منها.
فلو آمنوا بالتوراة والإنجيل على ما أنزلا على موسى وعيسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - لكانوا بالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مؤمنين، وبالله التوفيق لا شريك له.
الحض على نكاح ذات الدين
في الحض على نكاح ذات الدين ابن أنعم يرفعه إلى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكحوا المرأة لجمالها ولا لمالها فلعل جمالها لا يأتي بخير ولعل مالها لا يأتي بخير وعليكم بذوات الدين فاتبعوهن حيثما كن» . قال محمد بن أحمد العتبي: حدثنا محمد بن خالد بإسناده أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح المرأة لمالها فلعل مالها أن يطغيها، ولا لجمالها فلعل جمالها أن يرديها، وعليكم بذوات الدين فإنهن في النساء مثل الغراب الأعصم» .
قال محمد بن رشد: النهي من النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله: لا تنكحوا المرأة لجمالها نهي أدب وإرشاد لا نهي تحريم، إذ لا حرج على أحد من أن يرغب في نكاح ذات المال والجمال.
فمعنى الحديث إنما هو الحض على إيثار ذات الدين على ذات المال والجمال.
وقد جاء في غير هذا الحديث: تنكح المرأة لمالها ولجمالها فعليك بذات الدين، فقال: تنكح المرأة لمالها وجمالها على سبيل الإخبار لا على سبيل النهي، وحض على إيثار ذات الدين، وهو بين من هذا الحديث، وبالله التوفيق.
المدعو إلى الوليمة يقال له ائت معك بمن تحب
في المدعو إلى الوليمة يقال له: ائت معك بمن تحب قال: وإذا دعي الرجل إلى الوليمة وغيرها وقيل له: ائت معك بمن تحب، إنه لا بأس أن يستصحب من إخوانه من شاء.
قال محمد بن رشد: هذا بين أنه إذا قال له الداعي: ائت بمن تحب، أن له أن يستصحب من إخوانه من شاء، ولا يجب على المستصحب أن يصحبه إلا أن يشاء، إذ لم يقصد صاحب الوليمة إلى دعائه، فلا يلزمه الإتيان إليها على ما قاله مالك في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب النكاح في الرجل يدعوه صاحب الوليمة يقول له: اذهب فانظر من لقيت فادعه، أن من دعاه الرسول في سعة من إجابته، إذ لم يتعمده صاحب الوليمة ولا عرفه بعينه، وبالله التوفيق.
الذي يبيع زفته ممن يجعلها في أواني الخمر
في الذي يبيع زفته ممن يجعلها في أواني الخمر وما أشبه ذلك قال أصبغ: لا يبيع الرجل زفته لمن يجعله في أواني الخمر، وكذلك عنبه لمن يعصره خمرا ودابته لمن يركبها إلى الكنيسة، وكذلك عصيره لمن يخمره، وكذلك كبشه لمن يذبحه لعيده وكفره، وزيته لمن يجعله في الكنيسة، أو قصيله أو مرعاه لمن يريده للخنازير، أو الطوب لبنيان الكنائس، ولا يحل شيء من ذلك ولا المعاونة عليه.
قال محمد بن رشد: ساوى أصبغ بين هذه المس ائل وقال فيها كلها إنها لا يحل شيء منها، فعلى قوله يفسخ البيع فيها كلها ما لم يفت، فإن فات
حرم الثمن على البائع ووجبت عليه الصدقة به، وهو شذوذ من القول لا يوجبه القياس.
وفرق غيره من أصحاب مالك بينهما.
فأما بيع العنب ممن يعصره خمرا، وبيع العصير ممن يخمره، وبيع الزفت ممن يجعله في أواني الخمر فلا يجوز لفاعله، وهو آثم في فعله، ويتخرج في الحكم فيها على مذاهبهم إذا وقعت ثلاثة أقوال: أحدها أن البيع لا يفسخ إذا وقع، إذ لا فساد فيه في ثمن ولا مثمون، ويمنع المبتاع من عصر العنب وتخمير العصير إن كان مسلما، ويباع ذلك عليه إن كان نصرانيا؛ والثاني أن البيع يفسخ ما لم يفت، وإن فات مضى [بالثمن] ؛ والثالث أن البيع يفسخ ما لم يفت، وإن فات رد إلى القيمة، إلا أن يفوت عند المبتاع بالعصر على ما باعه عليه البائع فلا يرد إليه ما زاد الثمن على القيمة ويتصدق بذلك، فإذا مضى البيع بالثمن كان على البائع أن يتصدق من الثمن بما ازداد فيه من أجل بيعه على أن يعصر.
وأما كراء الدابة ممن يركبها إلى الكنيسة وبيع الكبش ممن يذبحه لعيده وكفره فاختلف في ذلك قول مالك: مرة أجازه، ومرة كرهه.
وقع اختلاف قوله في ذلك في سماع سحنون من كتاب السلطان.
وقد ذكرنا هناك وجه اختلاف قول مالك في ذلك.
فعلى القول بأنه كرهه يدخل في ذلك من الاختلاف ما ذكرناه في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا.
وحكم بيع الطوب لبنيان الكنائس أو الزيت لوقيدها أو المرعاة للخنازير حكم الذي يبيع شاته لتذبح في أعياد النصارى.
وقد تقدم ذكر ذلك، وبالله التوفيق.
اكتراء القيساريات المغصوبة أو المبنية بمال حرام والتجارة فيها
في اكتراء القيساريات المغصوبة أو المبنية بمال حرام والتجارة فيها وسئل أصبغ عن اكتراء القيساريات والحوانيت المغصوبة
والمبنية بالمال الحرام، وعن السكنى فيها والتجارات بالبز وغير ذلك، قال: لا أرى ذلك يحل.
وهذا مثل ما وصفت لك من كسب الحرام.
ومن اكتسب فيه شيئا فهو خبيث قليله وكثيره، وقال لا أرى القعود عندهم في تلك الحوانيت، ولا أرى أن تتخذ طريقا إلا المرة بعد المرة إذا احتاج إلى ذلك ولم يجد منه بدا.
وذكر أن ابن القاسم كان في جواره مسجد بني من الأموال الحرام، فكان لا يصلي فيه ويذهب إلى أبعد منه ولا يراه واسعا لمن صلى فيه.
والصلاة عظم الدين، وهذا أحق ما احتيط فيه، وأهل الورع يتقون هذا ودونه.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا إن الاكتراء في القيساريات المغتصبة والمبنية بالمال الحرام والتجارة فيها لا يحل، والكسب فيها خبيث قليله وكثيره، هو على أصله في أن المال الذي يشوبه حرام حرام كله، يلزم الصدقة بجميعه، وهو شذوذ من القول وتشديد فيه.
وإنما الذي يشبه أن يقال إنه ما لم يتمح منه بإخراج ما فيه من الحرام، ورده إلى أربابه إن عرفهم، أو الصدقة به عنهم إن لم يعرفهم، فلا يجوز له أن يأكل منه شيئا وإن كان فيما بقي منه ما يفي بما فيه من الحرام؛ لأن ما أكل منه فبعضه حرام؛ لأنه كله مشاع، فلا يطيب له منه شيء حتى يخرج منه الحرام فيرده إلى أربابه إن عرفهم، أو يتصدق به عنهم إن لم يعرفهم.
فإن كان أصبغ أراد هذا فلقوله وجه، وهو أن الحرام شائع في المال متيقن فيه حتى يخرج منه.
وأما إن كان أراد المال كله يصير عينه حراما لما خالطه من الحرام فلا يطيب له منه شيء ويلزمه أن يتصدق بجميعه فهو بعيد خارج عن الأصول.
والذي يوجبه النظر بالقياس، على الأصول ألا يحرم عليه شيء مما اكتسب بالتجارة في الحانوت من القيساريات [المغتصبة] ويلزمه كراء الحانوت، لأرباب القيسارية للمدة
التي مضت، ولا يحل له المقام فيه إذا علم أنها مغصوبة، وتكره معاملته وأكل طعامه ما لم يتمخ من الواجب عليه في ذلك لأهل القيسارية من غير تحريم؛ لأن ما عليه من التباعة في ذلك متعين في ذمته لا في المال الذي بيده على الصحيح من الأقوال.
وقد ذكرنا ما يجوز من معاملة من خالط الحرام ماله مما لا يجوز في مسألة ملخصة في هذا المعنى كتبتها لمن سألني ذلك من المريدين.
وأما إن كان أصل القيسارية حلالا وإنما بنيت بمال حرام فليس اكتراء حانوت منها للتجارة فيه بحرام، وإنما هو مكروه لا إثم في فعله ويستحب تركه؛ لأن البنيان لبانيه والحرام مترتب في ذمته.
وكذلك المسجد المبني من المال الحرام يستحب ترك الصلاة فيه كما كان يفعل ابن القاسم من غير تحريم؛ لأن التباعة في ذلك إنما هي على الباني.
وقد قيل إن سبيل المال الحرام الذي لا يعلم أصله سبيل الفيء لا سبيل الصدقة على المساكين، فعلى هذا القول تجوز الصلاة دون كراهة في المسجد المبني من المال الحرام المجهول أصله، وبالله التوفيق.
الذي يريد الغزو والجهاد وله عيال وولد
في الذي يريد الغزو والجهاد وله عيال وولد وسئل عن الرجل يريد الغزو والجهاد وله عيال وولد، أترى أن يفعل؟ قال أصبغ: إن كان يخاف عليهم الضيعة وليس عنده من يخلف لهم ولا من يقوم له بأمرهم إذا خرج فلا أرى له أن يخرج ويدعهم هكذا ضائعين بلا شيء، وإن كان عنده من يخلف لهم ويقوم بأمرهم ويكفيهم ذلك ولا عورة فيهم أن يخرج، فأرى أن يخرج ولا يدع ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله لمالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد؛ لأن قيامه على
أهله وولده وترك إضاعتهم واجب عليه، بخلاف الغزو والجهاد في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية؛ لأن فروض الأعيان لا تترك لفروض الكفاية؛ لأن الفرض على الكفاية إذا قيم به سقط عمن سواه وكان له نافلة، ولا يصح ترك فريضة لنافلة، وبالله التوفيق.
الغاصب يغتصب السلعة فيستهلكها وماله حرام
في الغاصب يغتصب السلعة فيستهلكها وماله حرام وفي رجل غصب رجلا متاعا وليس كسبه إلا الغصب والحرام، ولم يجد الرجل متاعه بعينه، فيحكم على الغاصب بثمنه، كيف يكون أخذه؟ أيتصدق به أم يتركه؟ قال أصبغ: يتبعه به دينا ولا يأخذه، أيأخذ ما في أيدي اللصوص مما اقتطعوا على الناس وهو يعرفهم ليست لهم أموال؟ ولا يحل أخذها.
أرأيت لو أن لصا قطع على قوم فأخذ متاعهم فتضرع إليه رجل منهم فرده عليه فلم يجد متاعه بعينه فأعطاه غيره أيأخذه؟ قال لا يحل له ذلك، قال: فإن رؤساء اللصوص ربما فعلوا هذا بالناس في الرد والعوض كما يسمع وفيما يسمع، فلا يحل لأحد أن يأخذ من غير متاعه شيئا.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا فيمن غصبه غاصب ليس كسبه إلا الغصب متاعا فلم يجده عنده بعينه فحكم له عليه بثمنه إنه لا يحل له أن يأخذه، هو على أصل مذهبه في أن من خالط ماله حرام فهو كله حرام، لا يحل أن يعامل فيه ولا أن يؤكل منه شيء.
وقد مضى بيان هذا من مذهبه في سماع عبد الملك، فكيف بمن لم يكن كسبه إلا الغصب.
وإنما قال إنه يتبعه به دينا رجاء أن يفيد مالا حلالا بميراث أو هبة فيجوز له عنده أن يأخذ من ذلك المال الحلال ثمن سلعته التي غصبه إياها.
والذي يوجبه القياس والنظر أنه يجوز له أن يأخذ قيمة متاعه الذي غصبه إياه أو جحده إياه وإن كان مستغرق
الذمة بالحرام.
وكذلك لو غصبه دنانير أو دراهم أو طعاما فغاب عليه ولم يعرف بعينه لساغ له أن يضمنه في ذلك كله المثل على ما يوجبه القياس والنظر.
لأنه لا يدخل على أهل بياعاته بما أخذ نقصا.
وأما لو جنى على دابة رجل فقتلها أو على ثوبه فخرقه أو أفسده لما ساغ له أن يضمنه القيمة في ذلك إلا على مذهب من يرى أن مبايعة من استغرق ذمته الحرام وقبول هبته وأكل طعامه جائز لوارثه سائغ؛ لأن الحرام قد ترتب في ذمته وليس في غير المال الذي بيده، إذ ليس هو المغصوب بعينه.
وكذلك لا يسوغ لأحد أن يأخذ منه أجرة في خدمته إياه، ولا لحجام إجارة في حجامته إلا على هذا القول؛ لأنهم يدخلون بذلك على أهل بياعاته نقصا.
ولو كان فيما يتعلق بماله لجرى ذلك مجرى مبايعته على الاختلاف الذي ذكرناه في سماع عبد الملك، وبالله التوفيق.
خدمة الرجل أصحابه في السفر
في خدمة الرجل أصحابه في السفر وسمعته يقول: خرج عمر بن الخطاب إلى الحج، فلما كان ببعض المناهل نام أصحابه فقام من الليل فعبأ على إبله وإبل أصحابه وهو يرتجز ويقول:
لا يأخذ الليل عليك بالهم ... والبس له القميص فيه واعتم
وكن شريك رافع وأسلم ... ولتخدم الأقوام حتى تخدم
قال محمد بن رشد: في هذا تواضع عمر بن الخطاب مع أصحابه وخدمته إياهم ومباشرته لهم وحسن جريه معهم، وما كان عليه من حسن الأخلاق وكرم الطباع.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم الليل الظامئ بالهواجر» وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بعثت لأتمم حسن الأخلاق» وقال: «من تواضع لله رفعه الله ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه» . وفضائله أكثر من أن تحصى، فهو من خيار الأمة الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] الآية، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54] . وبالله التوفيق.
السفر في طلب العلم
في السفر في طلب العلم وسمعته يقول: كان سعيد بن المسيب يخرج في طلب الحديث الواحد يبلغه الليالي والأيام.
قال محمد بن رشد: هذا من اجتهاده في طلب العلم وفضله، وبذلك ساد أهل عصره وكان يسمى سيد التابعين.
وقد مضى هذا في رسم الأقضية الأول من سماع أشهب، وفي رسم الأقضية الثاني أيضا، ومضى أيضا والقول فيه في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
التحليل من المظالم
في التحليل من المظالم قال: وكان سعيد بن المسيب لم يكن يحلل أحدا ركبه بمظلمة ولا جحده مالا ويقول: دعه، ميعاد ما بيني وبينه الآخرة.
وكان القاسم ابن محمد بن أبي بكر لا يركب أحد منه شيئا إلا حلله، وربما قام عليه الرجل في شيء يريد مخاصمته فيه فيقول له: خذ، فإن يكن لي فأنت منه في حل، وإن يكن لك فحقك أخذت.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
ثناء ابن هرمز على مالك
في ثناء ابن هرمز على مالك، وابن أبي سلمة قال: وكان ابن دينار يختلف إلى ابن هرمز، وكان غلاما، فكان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة يسألانه فيجيبهما، وربما سأله ابن دينار فلا يجيبه.
فوجد في نفسه لذلك، فتصدى له يوما في طريقه إلى المسجد، فلما مر به أخذ بلجام حماره وقال: يا أبا بكر: تجوز لنفسك أن تجيب مالكا وابن أبي سلمة فيما يسألانك، فإذا سألتك لم تجبني.
فقال له: يا ابن أخي أو قد كان ذلك؟ فقال له: نعم، فقال له ابن هرمز: إني رجل كبير، وأنا أخاف أن يكون نقص من علمي مثل الذي نقص من بدني، وهما عالمان، فإن أنا أخبرتهما بشيء عرفا ما يحملان، وإن يكن حسنا ذكراه.
قال محمد بن رشد: في هذا أنه لا يلزم العالم أن يجيب الناس في كل ما يسألونه عنه.
وقد كتب إلى بعض الفقهاء يسأل عن كفتي الميزان مم هي؟ فكتب إليه، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وسترد فتعلم، والسلام؛ وأن له ألا يجيب من أصحابه من سأله عما يخشى إذا أجابه فيه ألا يفهمه فهما صحيحا عنه فيحمله على غير وجهه.
وكان ابن هرمز إمام الناس في العلم، وكان قد ترك الفتوى قبل أن يموت، فقيل له: يرحمك الله لم تركت حظك من عظيم هذا الأمر؟ فقال: إني نظرت إلى جسدي فرأيته قد تغير، وقلبي إنما هو عضو من بعض أعضاء جسدي، فخشيت أن يكون قد تداخله من الوهن ما تداخل سائر جسدي، فتركت ذلك، وبالله التوفيق.
تفريق المرأة قصتها
في تفريق المرأة قصتها وسئل مالك هل يكره للمسلمة أن تفرق قصتها كما يصنعن نساء أهل الكتاب؟ فقال: لا.
قال محمد بن رشد: قد مضى في هذا السماع عن ابن القاسم أنه كان يقول: أكره القصة للشعر للمرأة كراهية شديدة.
قال: وكان فرق الرأس أحب إلى مالك، وهو يبين قوله في هذه الرواية، إذ لم يذكر فيه إلا أنه لم يكره للمرأة تفريق قصتها.
فالمعنى فيها أنه لم يكره ذلك لها، وأنه اختاره لها على السدل.
وقوله كما يصنعن نساء أهل الكتاب خلاف ظاهر ما روي «عن ابن عباس من أنه قال: كان أهل الكتاب يسدلون شعورهم، وكان المشركون يفرقون وكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناصيته ثم فرق بعد ذلك» . وقد يحتمل أن يكون حديث ابن عباس هذا في سدل
أهل الكتاب شعورهم في الرجال دون النساء، فلا يكون على هذا التأويل خلاف ما وقع في هذه الرواية من أن نساء أهل الكتاب كن يفرقن قصصهن، أي شعورهن، وبالله التوفيق.
مراتب الناس في العلم
في مراتب الناس في العلم وقال إنما الناس في العلم أربعة: فرجل علم علما فعمل به وعلمه، فمثله في كتاب الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] ؛ ورجل علم علما فعمل به ولم يعلمه، فمثله من كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] ؛ ورجل علم علما فعلمه وأمر به ولم يعمل به، فمثله في كتاب لله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] ؛ ورجل لم يعلم علما ولم يعمل به فمثله في كتاب بالله: ﴿إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: 44] . قال محمد بن رشد: قوله في العالم الذي علم علما فعمل به ولم يعلمه إن مثله في كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] معناه في الذين لم يعلموه فكتموه وجحدوه؛ لأن الآية إنما عني
بها علماء اليهود وأحبارها وعلماء النصارى لكتمانهم الناس أمر محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونبوءته، وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل، والبينات التي أنزلها عز وجل هي ما بين من أمر نبوة محمد ومبعثه وصفته في الكتابين اللذين أعلمنا الله أنهم وجدوه فيهما.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: 174] الآية عني بها أحبار اليهود الذين كتموا أمر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم يجدونه مكتوبا في التوراة بما كانوا أعطوا على ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: 174] إلى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175] فلا يتعلق الوعيد المذكور في الآية بالعالم إلا إذا كتم ما علمه الله تعالى من العلم وجحده.
وأما من علم وعمل به ولم يعلمه إلا لمن سأله في خاصته في شيء منه، فهو مثاب على علمه والعمل به، غير مؤاخذ على ترك الجلوس لتعليمه.
وهذا هو الذي شبهه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها» وبالله التوفيق.
اللعب المصورة وحكمها
في اللعب المصورة وسئل أصبغ عن اللعب المصورة يلعب بها النساء والجواري، أيحل لهن ذلك؟ قال: ما أرى بأسا ما لم تكن تماثيل مصورة مخروطة فلا يجوز؛ لأن هذا يبقى، ولو كانت فخارا أو عيدانا تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله، كمثل رقم الثياب بالصور لا بأس بها لأنها تبلى وتمتهن.
قلت أليس قد ذكر «عن عائشة أنها كانت تلعب بهن؟ فقال نعم، أخبرني بذلك عبد الله بن وهب يرفعه عن عائشة زوج النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: كان يأتيني جوار يلاعبنني بالبنات، فإذا رأين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استحيين وتقنعن فكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج ويسيرهن إلي» . فقلت أترى بعملها بأسا وببيعها بأسا؟ قال: أما الذي أجزت لك منها فلا أرى ببيعها بأسا.
قال محمد بن رشد: قوله ما أرى بأسا لما لم تكن تماثيل مصورة مخروطة، معناه لا بأس بها إذا لم تكن صورا مخروطة مجسدة على صورة الإنسان، وإنما كانت عظاما أو عيدانا غير مخروطة على صورة الإنسان إلا أنه عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق، فجاز ذلك لأنه أشبه الرقم.
هذا معنى قول أصبغ بدليل تشبيهه ذلك برقوم الثياب بالصور، إلا أنه علل ذلك بعلة فيها نظر، فقال لأنها تبقى، قال ولو كانت فخارا أو عيدانا تتكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله كمثل رقوم الثياب بالصور، لا بأس بها لأنها تبلى
وتمتهن.
والصواب أن لا فرق في ذلك بين ما يبقى أو يبلى فلا يبقى مما هو تمثال مجسد له ظل قائم يشبه الحيوان الحي بكونه على هيئته.
وإنما استخفت الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة لها ظل قائم يشبه الحيوان في أنها مجسدة على هيئتها، وإنما هي رسوم لا أجساد لها، ولا يحيى في العادة ما كان على هيئتها.
فالمحظور ما كان على هيئة ما يحيى ويكون له روح، بدليل قوله في الحديث: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» . والمستخف ما كان بخلاف ذلك مما لا يحيى في العادة ما كان على هيئته، فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري بها، لما جاء من أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كانت تلعب بها بعلم رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا ينكر ذلك عليها، بل كان يسرب الجواري إليها ما كان مشبها بالصورة وليس بكامل التصوير، وكلما قل الشبه قوي الجواز، وكل ما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه على ما قاله في الرواية، وبالله التوفيق.
يمر بالحائط أو بالجنان أيأخذ من ثمره
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد بن أبي الغمر: سئل ابن القاسم عن الرجل يمر بالحائط أو بالجنان أيأخذ من ثمره؟ قال: لا يصلح أن يأخذ من ثمره.
قيل له: فإن وجده في أصل الحائط قد سقط؟ قال وإن كان قد سقط.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحلب أحد ماشية أخيه إلا بإذنه» .
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم فأغنى ذلك عن إعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
سلخ الشاه الميتة
في سلخ الشاه الميتة قال ابن القاسم في الميتة تموت هل يحل للمسلم أن يبطش بها فيسلخها لينتفع بإهابها أم لا ينبغي للمسلم أن يمس الميتة؟ قال لا بأس أن يسلخ المسلم الميتة، ولا يصل إلى الانتفاع بها إلا بسلخها، وليطهر كل ما أصابه منها.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الميتة: ألا انتفعتم بجلدها، ولا سبيل إلى الانتفاع بجلدها إلا بسلخه عنها، وبالله التوفيق.
الانتفاع بجلد الميتة
في وجه الانتفاع بجلد الميتة وسئل عن جلد الميتة هل ينتفع به من غير دباغ للجام أو غير ذلك أم لا ينتفع به من غير دباغ كيف ذلك؟ قال قال مالك: ترك ذلك أحب إلي.
قال ابن القاسم: لا ينتفع به حتى يدبغ.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن جلد الميتة قبل الدباغ نجس لا تجوز الصلاة به ولا عليه.
واختلف في جواز بيعه والانتفاع به على
ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به، وهو مذهب ابن الماجشون والمعلوم من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك؟
والثاني: أنه يجوز بيعه والانتفاع به، وهو مذهب ابن وهب، ويقوم مثله من رواية ابن القاسم عن مالك في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من كتاب الصلاة في مسألة الصابون؟
والثالث: أنه لا يجوز بيعه ويجوز الانتفاع به، وهو دليل قوله في هذه الرواية: ترك ذلك أحب إلي.
ولا اختلاف في جواز الانتفاع به بعد الدباغ.
واختلف هل يطهر بالدباغ أم لا على قولين: فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه أنه لا يطهر بالدباغ إلا للانتفاع به خاصة، وقد رويت عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه آثار متعارضة في الظاهر، منها أنه: «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت؛» ومنها أنه قال: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» ومنها أنه: «أمر ألا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب» . فلم يحملها مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية ابن القاسم عنه على التعارض، وجعل ما روي عنه من أنه أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت مفسرا للحديثين الآخرين فقال: فمعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» أي طهر للانتفاع به، وقوله: إنه أمر ألا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، معناه قبل الدباغ.
هذا تأويل شيخنا الفقيه ابن رزق - رحمه لله- على مالك في هذه الأحاديث.
وقال ابن لبابة: بل أخذ مالك بحديث عائشة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت» وأسقط الحديثين الآخرين فلم يأخذ بهما.
وقول الفقيه أبي جعفر أولى؛ لأن حمل الأحاديث بالتأويل على أن بعضها مفسر لبعض واستعمالها كلها أولى من حملها على
التعارض وإسقاط بعضها.
وأكثر أهل العلم يقولون: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ طهارة كاملة، يجوز بها بيعه والصلاة بها عليه، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في سماع عبد الملك من كتاب الصلاة.
وفي المدونة دليل على هذا القول، وروى مثله أشهب عن مالك في كتاب الضحايا في جلود الأنعام خاصة.
وقد اختلف في جلد الخنزير فقيل: إنه لا يطهره الدباغ، وقيل: إنه يطهره لعموم الحديث.
وقد قال النضر بن شميل من أهل اللغة: إن الإهاب إنما هو جلد الأنعام خاصة، وما سواه من جلود الحيوان إنما يقال له جلد ولا يقال له إهاب.
وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر، وبالله التوفيق.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند العطاس والعجب بالشيء
في الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند العطاس والعجب بالشيء
وسئل عن الذي يرى الشيء يعجبه أو يعطس فيحمد الله عز وجل، أيكره له أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: لا، أنا آمره أن لا يصلي على النبي، إذا أقول له لا تذكر الله.
قيل له: إنه يذكر في ذلك حديث، قال ما أكثر ما تحدث به، كأنه لا يرى ذلك الحديث بشيء.
قال محمد بن رشد: قد أمر الله بالصلاة على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] ، فالصلاة على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الوجه الذي أمر الله به من التعظيم لحقه والرغبة في
الثواب في الصلاة عليه عند ذكره أو ذكر شيء من أمره مرغب فيه ومندوب إليه.
وأما الصلاة عليه عند العجب بالشيء للتعجيب به دون القصد إلى اكتساب الثواب في ذلك فهو مكروه، قاله سحنون في رسم يدبر ماله من سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين.
وأما الصلاة عليه مع حمد الله عند العطاس فيحتمل أن يكون الفاعل بذلك لم يرد به القربة ولا احتسب فيه الثواب ولا قصد به إلى تعظيم حق النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيكون ذلك من فعله مكروها؛ ويحتمل أن يكون لما عطس فحمد الله تذكر سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمر العاطس بحمد الله عند عطاسه وصلى عليه داعيا له على ما سنه من ذلك لأمته، فيكون ذلك من فعله حسنا مستحسنا.
ولما احتمل صلاته على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه الحال وجها صحيحا توقف في الرواية أن يقول: إنه يكره ذلك وقال: إن قلت ذلك كنت قد أمرته أن لا يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبالله التوفيق.
يرث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام وقد اختلط الحلال بالحرام
من نوازل سحنون وسئل سحنون عن الذي يرث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام وقد اختلط الحلال بالحرام، أترى له أخذه؟ فقال: أيهما الأكثر والغالب؟ فقيل له الحرام، فقال أحب إلي أن يتنزه عنه.
فقيل له: فالرجل يكون له المال قد ورثه عن أبيه من القرى والحوانيت وغير ذلك، وهو ممن يصحب السلطان ويلتبس بأمورهم ويأخذ من الجورة، هل يجوز أن أقبل منه صلة إن وصلني، أو أكل له طعاما؟ قال: إن كان الذي في يده من السلطان هو الأكثر فلا خير فيه، وأحب إلي أن ينزه نفسه عن أخذ صلته وإن كان الذي ورث أكثر إذا كان صاحب سلطان.
قال محمد بن رشد: قال في الذي ورث المال عن أبيه بعضه حلال وبعضه حرام إنه إن كان الغالب عليه الحرام فأحب إليه أن يتنزه عن ذلك يدل ذلك من قوله: على أنه له حلال بالميراث وإن كان الغالب عليه الحرام، إلا أنه استحب له أن يتنزه عنه، وأنه إن كان الغالب عليه الحلال فهو له سائغ حلال ليس عليه أن يتنزه عن شيء منه.
وقال في الذي يرث المال عن أبيه إنه إن كان يصحب السلطان ويلتبس بأمورهم ويأخذ من الجورة، فإنه إن كان الذي في يده من السلطان هو الأكثر فلا خير في قبول صلته ولا أكل طعامه، وإن كان الذي ورث هو الأكثر فأحب إليه أن يتنزه عن أخذ صلته وأكل طعامه؟ ففرق بين المال الذي جله حرام أو جله حلال بين الهبة والميراث، فأباحه بالميراث إلا أنه استحب أن يتنزه عنه إن كان جله حراما، ولم يبحه بالهبة والعطية إذا كان جله حراما، وقال لا خير فيه، واستحب أن يتنزه عن قبول الهبة منه إن كان جله حلالا.
والقياس أن ينزل الوارث في المال الموروث منزلة الموروث، فإن كان المال كله حراما لم يسغ له بالميراث ولزمه فيه ما كان يلزم موروثه من الصدقة على المساكين بجميعه؛ وإن كان بعضه حراما تصدق منه بمقدار الحرام، كان الأقل أو الأكثر، كما كان يلزم الذي ورثه عنه أن يفعله.
وقد قيل إنه يجوز قبول هبة المستغرق الذمة بالحرام وأكل طعامه.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المستغرق الذمة بالحرام لا يجوز قبول عطيته ولا أكل طعامه ولا يسوغ لوارثه ميراثه.
والثاني: أن المستغرق الذمة بالحرام يجوز قبول هبته وأكل طعامه ويسوغ لوارثه ميراثه.
والثالث: أن المستغرق الذمة بالحرام لا يجوز قبول هبته ولا أكل طعامه، ويسوغ لوارثه ميراثه.
وجه القول الأول أن ما عليه من الظلامات والتباعات لما كانت مستغرقة لما بيده من المال كان كمن أحاطت الديون بماله، لا تجوز هبته ولا عطيته ولا معروفه، ولا يسوغ لوارثه ميراثه، لكون ما عليه من التباعات أولى بماله،
لأنها كالديون عليه، وقال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] .
ووجه القول الثاني: أن ما عليه من الظلامات والتباعات وإن كانت مستغرقة لماله فليست متعينة فيه، إذ قد ترتبت في ذمته، فساغت عطاياه لمن أعطاه إياها وساغ ماله لوارثه، وكان هو المسئول المؤاخذ بما عليه من المظالم والتباعات إذ لم يؤدها أو لم يتمح منها في حياته.
ووجه القول الثالث أن ما عليه من المظالم والتباعات [أحق بماله؛ لأنه مأمور بردها منه عاص لله عز وجل في ترك] ذلك وتأخيره، فلا يجوز له فيه عطية ولا معروف، ولا يسوغ ذلك للمعطي.
فإذا لم يفعل ذلك حتى مات بقيت عليه التباعات يطلب بها في الآخرة، وساغ ماله لوارثه، إذ ليست التباعات التي عليه ديونا لمعينين يطلبونها فيجب إخراجها من ماله قبل الميراث.
وقد أفردنا للتكلم على حكم مال من خالط الحرام ماله في حياته وبعد وفاته مسألة حاوية لجميع وجوهها، فمن أراد الشفاء منها في نفسه طالعها، وبالله التوفيق.
سبب سكنى اليهود الحجاز
في سبب سكنى اليهود الحجاز
قال مالك: لم تكن اليهود تسكن الحجاز ولم تكن لهم دار إلا أنهم كانوا يجدون عندهم أن الله عز وجل يبعث نبيا من بين حرتين، فاتخذوا الحجاز دارا رجاء أن يكون منهم، فأخلف الله ظنهم في أنفسهم، وبعثه من غيرهم، صلوات الله وسلامه على محمد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، وبالله التوفيق.
ما يرتفع به القوم
فيما يرتفع به القوم قال سحنون: بلغني أن عروة بن الزبير قال لبنيه: يا بني إنه لم يرتفع قوم بمثل تقوى الله العظيم، ويرفع القوم مناكحهم، ولن يتضع قوم بمثل معاصي الله، وتضع القوم مناكحهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29] ، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] . ومثل هذا في القرآن كثير.
وقال عمر بن الخطاب: كرم المرء تقواه، ودينه حسبه.
وإذا كان التقى يرفع، فالمعاصي لا شك تضع، والمناكح أيضا ترفع وتضع، قال عروة بن الزبير؛ لأن الرجل إذا نكح إلى من هو أشرف منه تشرف بهم، وإذا نكح إلى أهل الضعة كان ذلك وصمة فيه تضع عند الناس منه، وبالله التوفيق.
النفقة من المال الحرام
في النفقة من المال الحرام قال سحنون: وبلغني عن عبد الله بن عامر بن كريز أنه قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أما لنا أجر في هذه المياه التي أجرينا والعقاب التي سهلنا؟ فقال له ابن عمر: أما علمت أن خبيثا لن يكفر خبيثا.
قال وبلغني أن عائشة أم المؤمنين مرت بموضع بناحية منى يقال له الياقوتة فقالت: ما هذا؟ فقيل لها هذه الياقوتة بناها
عبد الله بن عامر، قالت: [من أين؟] فإني والله لأعرفه صعلوكا، فقيل لها: فإن عثمان بن عفان ولاه اليمن أو بعض النواحي، فقالت؛ لا تسرق ولا تنفق في مثل هذا.
قال وبلغني أن عبد الله بن عمر عاد عبد الله بن عامر مع جماعة، فلما خف الناس قال له: يا أبا عبد الرحمن، ما ترى في هذه المياه التي أجريناها، والوعر الذي سهلنا؟ فقال له عبد الله بن عمر: سترد فتعلم، إن طابت المكسبة زكت النفقة.
وكان آدم يقول: كنا نسلا من نسل السماء، غير أن الخطيئة سبتنا، فليس لنا الفرح إلا الهم والحزن حتى نرجع إلى الدار التي منها سبينا.
قال محمد بن رشد: عبد الله بن عامر بن كريز هذا قرشي من بني عبد شمس بن عبد مناف، وهو ابن خال عثمان بن عفان، فعثمان بن عفان ابن عمته.
ولد في حياة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأتي به إليه، فجعل يتفل عليه ويعوذه، فتسوغ ريق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنه لمسقي، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء.
حدث عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يصح له سماع منه.
قال ذلك ابن عبد البر.
وكان عبد الله هذا كريما ميمون النقيبة كثير المنافق، فتح خراسان، وقتل كسرى في ولايته، وأحرم من نيسابور شكرا لله.
وهو الذي عمل السقايات بعرفة، وشق نهر البصرة، وكان واليا عليها لعثمان إلى
أن قتل عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وقول عبد الله بن عمر له فيما سأله عنه: أما علمت أن خبيثا لن يكفر خبيثا، معناه أن المال الخبيث وهو المأخوذ من غير حله إذا فعل الخير من بعضه لا يطيب له ذلك باقيه، وإنما يُطَيِّبُ له المالَ الخبيثَ المالُ الطيبُ، وذلك مثل أن يرث مقدار المال الخبيث أو يوهب له أو يتصدق به عليه فيتصدق به على المساكين تمحيا عن المال الخبيث الذي لا يعلم أهله، فيطيبه ذلك.
وكذلك إن لم يتصدق به على المساكين وصرفه في وجه من وجوه البر، كتسهيل العقاب وإجراء المياه على القول بأن حكم المال المأخوذ من غير حله المجهول أهله حكمه حكم الفيء لا حكم الصدقة.
وقوله في سؤاله الآخر: إن طابت المكسبة زكت النفقة، أخذه، والله أعلم، من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من «تصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، كان إنما يضع صدقته في كف الرحمن» الحديث.
وقد قيل في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] ، إن المراد بطيبات ما كسبتم التجارات والحلال، وإن المراد بالخبيث الحرام، أمروا أن يتصدقوا من الكسب الحلال، ونهوا أن يتصدقوا من الحرام، فإن الله لا يقبله.
وقد قيل في تفسير قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] وقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] إن معنى ذلك في الزكاة أن تؤدي زكاة العين من جيد العين، وزكاة التمر من طيب التمر لا من رديئه.
وقول عائشة لا تسرق ولا تنفق، معناه أنه لا يفي فعل الخير من المال