الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ومن كتاب أوله يدير ماله قال وسألت مالكا عن الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش، فقال لا تتحدث به، وما يدعو الإنسان أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التعزيز.
وعن الحديث إن الله خلق آدم على صورته، وعن الحديث في الساق، وذلك كله قال ابن القاسم: لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا، فقلت له: إن الله تبارك وتعالى يضحك، فلم يره من هذا وأجازه وقال: قد جاء فيه حديثان وحديث ينزل مثل ذلك، وقال هو على شيء، وهو في كل مكان، وهو ملء كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84] .
قال محمد بن رشد: حديث سعد بن معاذ في العرش الذي أشار إليه هو ما يروى عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ،» وأنه قال: «اهتز له عرش الرحمن» . وما يروى من أن أمه بكت وصاحت لما أخرجت جنازته، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ولدك أول من ضحك الله له واهتز له العرش» وما يروى من «أن جبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء إلى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: من هذا العبد الصالح الذي مات وفتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش، قال فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا سعد بن معاذ قد مات» .
والحديث في الساق الذي أشار إليه هو ما روي أنه «يتجلى للخلق [فيلقاهم] فيقول من تعبدون فيقولون ربنا فيقول هل تعرفون ربكم فيقولون سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه» وفي بعض الآثار: «إذا عرفنا بنفسه عرفناه.
قال فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله جل ذكره ساجدا» . وإنما نهى مالك أن يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي
جاء بأن الله خلق آدم على صورته، ونحو ذلك من الأحاديث التي يقتضي ظاهرها التشبيه مخافة أن يتحدث بها فيكثر التحدث بها وتشيع في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها.
وسبيلها- إذا صحت الروايات بها- أن تتأول على ما يصح مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه، كما يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه، وهو كثير، كالإتيان في قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: 210] ، والمجيء في قوله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] والاستواء في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] . وكما يفعل أيضا بما جاء من ذلك في السنن المتواترة، كالضحك، والتنزيل، وشبه ذلك مما لم يكره روايتها لتواتر الآثار بها، لأن سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها على ما ينتفي به تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه سواء.
وأبعدها كلها من التشبيه ما جاء من أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ، لأن العرش مخلوق خلق من خلق الله عز وجل، فلا يستحيل عليه الحركة والاهتزاز، وإضافته إلى الله تعالى إنما هي بمعنى التشريف له، كما يقال: بيت الله وحرمه، لا بمعنى أنه يحل فيه وموضع لاستقراره، إذ ليس في مكان ولا مستقرا بمكان، فقد كان قبل أن يخلق المكان، فلا يلحقه عز وجل باهتزاز عرشه ما يلحق من اهتز عرشه من المخلوقين وهو جالس عليه من تحركه بحركته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ويحتمل أن يكون الكلام مجازا فيكون المراد بتحرك العرش تحرك حملته استبشارا وفرحا بقدوم روحه، وهذا جائز في كلام العرب أن يقال: اهتز المجلس لقدوم فلان عليه، أي اهتز أهله لقدومه، كقوله عز
وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يريد أهلها، ومثل قول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هذا جبل يحبنا ونحبه» أي يحبنا أهله ونحب أهله.
وقد قيل: إن المراد باهتزاز العرش سريره الذي حمل عليه؛ وهذا يرده النص الذي في بعض الآثار من إضافة العرش الذي اهتز بموته إلى الرحمن عز وجل.
وأما قوله في حديث الساق: فيكشف عن ساق، فلم يضف الساق فيه إلى أحد، ومعناه عن شدة، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في اللغة على معنى شدة الأمر كما قال الشاعر:
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42] أي عن شدة من الأمر.
وقال الحسن في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: 29] أي التفت ساق الدنيا بساق الآخرة؛ وقال الضحاك: معناه أمر الدنيا بأمر الآخرة؛ وقال عمر بن الخطاب: أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة، وذلك أمر عظيم.
وأما قوله: إن الله خلق آدم على [صورته] فإنه يروى على وجهين: أحدهما أن الله خلق آدم على صورته، الثاني أن الله خلق آدم على، صورة الرحمن.
فأما الرواية: إن الله خلق آدم على صورته، فلا خلاف بين أهل النقل في صحتها لاشتهار نقلها وانتشاره من غير منكر لها ولا طاعن فيها.
وأما الرواية: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، فمن مصحح لها ومن طاعن عليها، وأكثر أهل النقل على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة، توهم أن الهاء ترجع إلى الله عز وجل فنقل الحديث على ما توهم من معناه.
فأما الرواية المحفوظة وهي: إن الله خلق آدم على صورته فتحتمل وجوها من التأويل: منها أن الهاء من قوله: إن الله خلق آدم على صورته عائدة على رجل مر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه وأبوه أو مولاه يضرب وجهه لطما ويقول قبح الله وجهك، فقال: «إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» . وقد روي أنه سمعه يقول: قبح الله وجهك فزجره النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك بقوله ذلك وأعلمه به أنه قد سب آدم لكونه مخلوقا على صفته، ومن دونه من الأنبياء أيضا.
ومنها أن الكناية في قوله على صورته ترجع إلى آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولذلك ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون معنى الحديث وفائدته الإعلام بأن الله عز وجل لم يشوه خلقه حين أخرجه من الجنة بعصيانه كما فعل بالحية والطاووس اللذين أخرجهما منها معه، على ما روي من أنه سلب الحية قوائمها وجعل أكلها من التراب، وشوه خلق الطاووس؛ والثاني أن يكون معناه وفائدته إبطال قول الدهرية الذين يقولون إنه لا إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، ولا دجاجة إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من دجاجة، لا إلى أول؛ والثالث أن يكون معناه وفائدته إبطال قول أهل الطبائع والمنجمين الذين يزعمون أن الأشياء بتأثير العناصر والفلك والليل والنهار، فأعلم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا الحديث أن الله عز وجل هو المنفرد بخلق آدم على ما كان عليه من الصورة والتركيب والهيئة لم يشاركه في شيء من ذلك فعل طبع ولا تأثير فلك، وخص آدم بالذكر تنبيها على سائر المخلوقات لأنه أشرفها.
فإذا كان الله عز وجل هو المنفرد بخلقه دون مشاركة فعل طبع أو تأثير فلك، فولده ومن سواهم على حكمه كذلك.
وقد قيل في ذلك وجه رابع وهو أن فائدة الحديث تكذيب القدرية فيما زعمت من أن صفات آدم منها ما خلقها الله تعالى، ومنها ما خلقها آدم لنفسه، فأخبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتكذيبهم وأن الله خلق آدم على جميع صورته وصفاته ومعانيه وأعراضه.
وهذا كما تقول: عرفني هذا الأمر على صورته إذا أردت أن تعرفه على الاستيفاء والاستقصاء دون الاستثناء.
وقد قيل فيه وجه خامس وهو أن يكون معناه إشارة إلى ما يعتقده أهل السنة من أن الله عز وجل خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا، فخلق آدم على ما علمه وأراد أن يكون عليه من أنه يعصي ثم يتوب فيتوب الله عز وجل عليه.
ففي الحديث دليل على أن أحوال العبد تتغير على حسب ما يخلق عليه وييسر له من الخير والشر، وأن كل شيء بقضاء وقدر.
وقد قيل إن الكناية في قوله على صورته راجعة إلى بعض المشاهدين من الناس، وأن المعنى في ذلك والفائدة فيه هو الإعلام بأن صورة آدم كانت على هذه الصورة إبطالا لقول من زعم أنها كانت مباينة لخلق الناس على الحد الزائد يخرج عن المعهود من متعارف خلق البشر، إذ لا يأتي ذلك من وجه صحيح يوثق به.
وأما الرواية الثانية التي جاءت وهي: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فقد ذكرنا أن بعض أهل النقل لا يصحح الرواية بذلك، وأن الراوي لها ساق الحديث على ما ظنه من معناه.
وقد قال بعض الناس إن ذلك لا يصح أيضا من طريق اللسان، لأن الاسم إذا تقدم فأعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير أن يعاد الاسم.
ألا ترى أنك تقول إذا أخبرت عن ضرب رجل لعبده: ضرب زيد غلامه ولا تقول: ضرب زيد غلام زيد، لأنك لو قلت ضرب زيد غلام زيد لفهم من قولك أنه لم يضرب غلامه وإنما ضرب غلام
رجل آخر اسمه زيد؛ وليس ذلك بصحيح، لأن القرآن قد جاء بذلك، قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85] ولم يقل: إلينا، فإنما يضعف الحديث من جهة النقل، ومع ضعفه فله وجوه كثيرة محتملة ينتفي بها التشبيه عن الله عز وجل:
منها أن يكون المراد بالصورة الصفة، لأن آدم موصوف بما يوصف به الله عز وجل من أنه حي عالم قادر سميع بصير متكلم، ولا توجب مشاركته له في التسمية والوصف تشبيهه به، لأن صفة الله عز وجل قديمة غير مخلوقة، وصفات آدم مخلوقة محدثة؛ وتكون فائدة الحديث على هذا الإعلام بتشريف الله إياه بأن أبانه عن الجمادات وعن سائر الحيوانات.
ومنها أن تكون إضافة الصورة إليه إضافة تشريف وتخصيص، لأن الإضافة قد تكون بمعنى التشريف والتخصيص على طريق التنويه بذكر المضاف إذا خص بالإضافة إليه، وذلك نحو قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: 13] فإنها إضافة تخصيص وتشريف تفيد التحذير والردع من التعرض لها.
ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29] ، وقوله في المسلمين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] إلى ما وصفهم به.
وقول الناس للكعبة: بيت الله، وللمساجد بيوت الله، فشرفت صورة آدم بإضافتها إلى الله عز وجل من أجل أنه هو اخترعها وخلقها على غير مثال سبق، ثم سائر وجوه الشرف التي خص بها آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من فضائله [المعلومة] المشهورة.
فالتشبيه منتف عن الله عز وجل بهذا الحديث على جميع الوجوه، من إعادة الضمير في صورته إلى الله عز وجل، أو إلى
آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أو إلى من خرج عليه الحديث على ما روي من أنه خرج على سبب، أو إلى بعض المشاهدين، والحمد لله رب العالمين.
وقد ذهب ابن قتيبة إلى التمسك بظاهر الحديث فقال: إن لله صورة لا كالصور، وكما أنه شيء لا كالأشياء؛ فأثبت لله تعالى صورة قديمة زعم أنها ليست كالصور، ثم قال: إن الله جل ذكره خلق آدم على تلك الصورة، فتناقض في قوله وتوغل في تشبيه الله عز وجل بخلقه، فهو خطأ من القول لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه.
وأما قول ابن القاسم في هذه الرواية: وهو كل شيء وهو في كل مكان- وهو ملء كل شيء، فهو كلام غير محصل لا يصح أن يحمل على ظاهره، فيقال إن قوله وهو كل شيء معناه وهو خالق كل شيء، وإن قوله وهو في كل مكان معناه وهو عالم بما في كل مكان، وإن قوله وهو ملء كل شيء معناه وهو قيوم كل شيء، أي لا يستغني شيء من الأشياء في قيامه عنه، وبه التوفيق، لا شريك له.
سؤال عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمن
وفي كتاب القطعان قال ابن القاسم عن العمري «أن عائشة قالت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسول الله من المؤمن؟ قال الذي إذا أصبح سأل من أين قرصته، قالت يا رسول الله من المؤمن؟ قال الذي إذا أمسى سأل من أين قرصته، قالت يا رسول الله لو علم الناس أنهم كلفوا علم ذلك لتكلفوه قال قد علموه ولكنهم غشموا بالمعيشة غشما» .
قال محمد بن رشد: سؤال عائشة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المؤمن؟ معناه من المؤمن الممدوح بالإيمان، إذ لا يقال فلان مؤمن على سبيل المدح له إلا إذا كان حسن الإيمان يتوقى به من الآثام.
وقوله: سأل من أين قرصته في الغداء والعشاء، معناه بحث عمن اشتريت له منه حتى يعلم إن كان طيب المكسب أم لا، فلا يأكل إلا ما تيقن أنه لا تباعة لأحد عليه فيه، بتوقيه المتشابه وتركه ما يربيه إلى ما لا يربيه.
وإنما ذكر القرصين اللذين لا فضل فيهما عما يحتاج إليه ليبين بذلك أن ما فيه فضل عما لا بد له منه فذلك عليه فيه آكد، فهذا معنى الحديث عندي، والله أعلم، وبه التوفيق، لا شريك له.
قول ابن مسعود المراء لا تؤمن فتنته
في سماع يحيى من كتاب الأقضية قال يحيى وأخبرني ابن أبي كثير عن ابن عيينة أنه قال: كان ابن مسعود يقول: المراء لا تؤمن فتنته، ولا تفهم حكمته.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن المراء هو مخالفة الرجل في القول ومنازعته فيه، والذهاب إلى تصويب قوله بإقامة الحجة على خصمه.
وهذا من الفعل المذموم، لأن من قصد إليه لم يأمن أن يفتتن بقوله ولا يفهم وجه قول خصمه بالحرص على الرد عليه.
ولا ينبغي لأحد أن يناظر أحدا إلا ليتبين له الحق هل هو فيما يعتقده فيثبت عليه، أو فيما يقوله مناظره فيصير إليه، وبالله التوفيق.
الإسلام يسر كله
في سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب أخبرنا محمد بن أحمد عن عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب عن مالك أنه قال: سمعت رجلا من أهل العلم يذكر أن الإسلام يسر كله، وأن غيره من الأديان عسر كله.
قال محمد بن رشد: هذا قول صحيح يشهد بصحته قول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وبالله التوفيق.
المراد بالأوابين
في الأوابين قال ابن وهب في الأوابين هو العبد يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وقال: الأواب الحفيظ الذي إذا ذكر الله استغفره.
قال محمد بن رشد: قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25] ، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: 32] ، وقال عن سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30] يعني أنه رجاع إلى طاعة الله تواب إليه مما يكرهه منه؛ لأن أوابا فعال من أبنية التكثير، كما تقول: ضراب وصوام وقوام وقوال.
والفعل منه آب يؤوب أي رجع.
ومعنى قول ابن وهب في الأواب إنه العبد يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، معناه كلما وقع
في ذنب تاب منه ولم يعد إليه ورجع إلى طاعة ربه، لا أنه الذي يتوب من الذنب ثم يعود إليه بعينه ثم يتوب منه.
وقال مجاهد في الأواب الحفيظ: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر منه.
وروي عن ابن عباس أنه الذي حفظ ذنوبه ثم رجع عنها، وبالله التوفيق.
معاملة الذي يعمل بالربا ويبيع الخمر
في معاملة الذي يعمل بالربا ويبيع الخمر قال وسألته عن المسلم إن كان معروفا بأكل الربا والعمل به وببيع الخمر، هل ترى أن يتسلف منه أو يقبض الدين منه؟ فقال: شأن المسلم عندي أعظم من شأن النصراني إذا كان المسلم معروفا بأكل الربا والعمل به وببيع الخمر لم أر لأحد أن يتسلف منه ولا يقتضي دينه منه ولا يخالطه ولا يؤاكله.
قال ابن وهب قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تخالطن إلا مؤمنا» .
قال محمد بن رشد: قوله في المعروف بأكل الربا والعمل به وببيع الخمر إن شأن المسلم في ذلك أعظم من شأن النصراني، يريد أشد من شأن النصراني في معاملة كل واحد منهما، صحيح.
وإنما كانت معاملة المسلم الذي يعمل بالربا ويبيع الخمر أشد من معاملة النصراني وهو يبيع الخمر ويعمل بالربا، من أجل أنه غير مخاطب بالشرائع على الصحيح من الأقوال، بدليل إجماعهم على أنه إذا أسلم يحل له ما أربى فيه في حال كفره، وثمن ما باع فيه من الخمر.
وقد أمر الله أن تؤخذ الجزية [منهم] ، وكره مالك في
كتاب الضحايا من المدونة أن يتسلف الرجل من النصراني دينارا باع به خمرا أو يبيع به منه شيئا، مراعاة للقول بأنهم مخاطبون بفروع الشرائع، ولم يحرمه.
والقياس جوازه؛ لأنه لو أسلم لحل له ذلك الدينار.
ولم ير في هذه الرواية ابن وهب لأحد أن يتسلف من المعروف بأكل الربا أو بيع الخمر شيئا ولا يقبض منه دينا ولا يخالطه ولا يؤاكله، ومعناه إذا كان الغالب على ماله الحلال، وابن القاسم يجيز ذلك، وهو القياس؛ وأصبغ يحرمه، وهو تشديد على غير قياس؛ لأنه جعل ماله كله حراما لأجل ما خالطه من الحرام، فأوجب عليه الصدقة بجميعه وقال: إن من عامله فيه وجب عليه أن يتصدق بجميع ما أخذ منه.
وأما إن كان قد غلب على ماله الربا وثمن ما باع من الخمر فلا يعامل ولا تقبل هديته ولا يؤكل طعامه، قيل على وجه الكراهة، وقيل على وجه التحريم.
ولو ورث سلعة أو وهبت له لجاز أن تشترى منه وأن تقبل منه هبة باتفاق.
واختلف إن كان الربا وثمن الخمر قد أحاط بجميع ما بيده من المال في مبايعته ومعاملته على أربعة أقوال قد ذكرناها ووجه كل قول منها في مسألة قد شخصناها في هذا المعنى حاوية لجميع وجوهها ومعانيها، فتركت ذكرها هنا اختصارا.
ومعنى قوله في الحديث الذي احتج به: «لا تخالطن إلا مؤمنا» أي لا تخالطن في الأخذ والإعطاء إلا مؤمنا ممدوح الإيمان لتورعه عن اكتساب الحرام، وبالله التوفيق.
تفسير آية الصدقة
في تفسير آية الصدقة قال وسألته عن تفسير قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] ، فقال: الفقراء المتعففون وهم
أهل فاقة وحاجة؛ والمساكين الذين يسألون الناس على الأبواب والطرق وهم السائلون؛ والعمال الذين يستعملون عليها ويشخصون فيها؛ والمؤلفة قلوبهم قوم كان النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتألفهم إلى الإسلام بالصدقة من الزكاة؛ وفي الرقاب المكاتبون، والغارمين ناس كانت تكون عليهم الديون فلا يجدون ما يقضون به دينهم، [فأمر الله تعالى نبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعطوا من الزكاة ما يقضون به دينهم] ؛ وفي سبيل الله: الغازي في سبيل الله، وابن السبيل: المنقطع به الذي لا يجد دابة لركبها ولا ثمنا يتكارى به.
قال محمد بن رشد: قد مضى في آخر أول رسم من سماع أشهب في الفقراء والمساكين ستة أقوال: أحدها قوله في هذه الرواية: إن الفقير المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين المحتاج الذي يسأل، وهو أظهرها.
ولا اختلاف في أن العاملين عليها هم الذين يستعملون عليها ويشخصون فيها كما قال في الرواية.
وأما المؤلفة قلوبهم فقد مضى القول فيهم في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم.
وأما قوله وفي الرقاب ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يجوز أن يعان بها المكاتبون وإن لم تتم بذلك حريتهم، وهو قول المغيرة وظاهر هذه الرواية؛ والثاني أنه لا يجوز أن يعان بها المكاتبون وإن تمت بذلك حريتهم من أجل أن الولاء للذي كاتبهم، وهو قول ابن القاسم في الواضحة وظاهر روايته عن مالك في المدونة؛ والثالث أنه يجوز أن يعان بها المكاتبون إن تمت بذلك حريتهم.
فالقول الأولى ضعيف، والقول الثاني هو القياس، والقول الثالث استحسان.
وأما الغارمون فقال في هذه الرواية: إنهم الذين تكون عليهم الديون، يريد من غير فساد، فلا يجدون لها قضاء، يريد أو يجدون لها قضاء فلا يفضل لهم من المال بعد قضائها ما تحرم به عليهم أخذ الصدقة؛ لأنهم إن لم يجدوا لديونهم قضاء فهم فقراء غارمون تكون لهم الصدقة بحق الفقر وحق الدين، وإن وجدوا لها قضاء ولم يفضل لهم بعد قضائها من المال ما تحرم به الصدقة عليهم كانت لهم الصدقة بحق الدين لا بحق الفقر؛ لأنهم أغنياء بما كان عندهم من المال مكافئا لما كان عليهم من الديون، وهم الذين قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيهم: «لا تحل الصدقة [لغني] إلا لخمسة» فذكر فيهم الغارم.
واختلف إن لم يكن مع الغريم ما يفي بدينه إلا دارا يسكنها أو خادما يخدمه، لا فضل في ذلك عما يحتاج إليه في سكناه واختدامه، هل يحسب الدين في ذلك فيأخذ من الزكاة لحق الفقراء خاصة، أو لا يحسبه في ذلك فيأخذ من الزكاة لحق الفقر والدين جميعا؛ واختلف إن كان له من المال ما يفي بدينه سوى الدار والخادم اللذين لا فضل فيهما، فقيل: إن الدين يحسب فيهما ويبقى له المال فلا تحل له الصدقة، وقيل: إنه يحسب الدين فيما له من المال سوى الدار والخادم اللذين لا فضل فيهما، فيأخذ من الزكاة لحق الفقير.
والقولان قائمان من المدونة في المسألتين جميعا.
وأما قوله: وفي سبيل الله إنه الغازي في سبيل الله، فهو صحيح لا اختلاف فيه، وإنما يختلف هل يعطى منها الغني في الغزو؟ فقال في المدونة: إنه يعطى منها وإن كان غنيا، وهو قول محمد بن سلمة: إن الغني يأخذ من الصدقة ما يتقوى به للجهاد، وهو مذهب أصبغ.
ولعيسى بن دينار في تفسير
ابن مزين أنه لا يعطى من الزكاة إلا إذا احتاج في غزوه ولم يحضره وفره ولا شيء من ماله.
والأول هو الصحيح، لقول النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» فذكر فيهم الغازي في سبيل الله.
وابن السبيل هو المنقطع به في السفر لحج كان أو غيره، وإن كان غنيا في بلده، وبالله التوفيق.
[تفسير قوله عز وجل كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ]
في تفسير قوله عز وجل:
﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]
وسئل عن تفسير قول الله عز وجل: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] ، قال إذا جاء السحر تركوا الصلاة وأقبلوا على الاستغفار.
قال محمد بن رشد: قد مضى قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب الكلام على قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] وتفسير قوله: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] فما فسره به في الرواية صحيح بين لا إشكال فيه، وبالله التوفيق.
[تفسير قوله وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ]
في تفسير قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وسئل عن تفسير قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] يقول: أيها الزارع اتق الله، وأد حق ما رفعت.
وأنت أيها الوالي لا تأخذ أكثر من حقك فتكون من المسرفين.
قال محمد بن رشد: أما قوله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] فلا اختلاف في أن الخطاب فيه لأصحاب الأموال.
واختلف في المراد بذلك الحق ما هو، فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنه الزكاة المفروضة في الأموال، وروي ذلك عن ابن عباس وجماعة [من أهل التفسير] ، وقال آخرون: بل ذلك حق أوجبه الله عز وجل في الأموال غير الزكاة المفروضة، فنسخه الله بالزكاة، فلا حق في الأموال سوى الزكاة.
وأما قوله عز وجل: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141] فقيل: إن الخطاب فيه لآخذي الزكاة فلا يتعدوا من الزكاة أكثر من الواجب فيها فيكونوا من المسرفين، وهو قوله في هذه الرواية.
وقيل: الخطاب بذلك للولاة أن لا يأخذوا أكثر من الواجب لهم فيكونوا من المسرفين، ولأصحاب الأموال أن لا ينقصوا من الواجب عليهم فيكونوا من المسرفين؛ لأن الإسراف يكون في الزيادة على الحق وفي النقصان منه.
وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في تأويل الآية: معناها لا تمنعوا الصدقة فتعصوا.
وفي قوله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] على القول بأن المراد بالحق الزكاة بعد أن ذكر في الآية الزمان، دليل على إيجاب الزكاة في الفواكه.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب.
وفي قوله عز وجل: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] بعد أن ذكر الثمار والزرع، دليل على أن الزكاة لا تجب في الثمار إلا يوم جذاذها؛ لأن الحصاد في الثمار هو جذاذها، وأنه ليس على الرجل أن يحصي في الزكاة ما أكل من ثمر النخيل والأعناب قبل الجذاذ ولا من الفريك والفول الأخضر وشبهه قبل الحصاد، وهو قول الليث بن سعد ومذهب الشافعي تعلقا بظاهر هذه الآية
مع ما جاء عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» . فعلى هذا يحسن أن يتأول أن قول الله عز وجل: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141] إنما يعود على أصحاب المال في الأكل الذي أباحه الله عز وجل لهم ولم يوجب عليهم فيه زكاة، فيكون المعنى في قوله عز وجل ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141] كلوا من ثمره إذا أثمر ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، وآتوا حقه يوم حصاده.
فإذا أكل الرجل على هذا من ثماره بعد طيبها اليسير بغير إسراف لم يحصه في الزكاة، وإن أسرف في الأكل منها أحصاه وأخرج زكاته.
وهذا ظاهر في التأويل، يؤيده الحديث المذكور، وبالله التوفيق.
[تفسير قوله عز وجل يُرَاءُونَ]
في تفسير قوله عز وجل: ﴿يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: 6]
وسئل عن تفسير قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: 6] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] قال هم المنافقون يراءون بالإسلام ويمنعون زكاة أموالهم.
قال محمد بن رشد: قد قيل في الماعون إنه ما فيه منفعة، كالفأس والقدر والدلو وشبه ذلك مما يعيره الناس بعضهم بعضا بكرم أخلاقهم ولا يشحون به ولا يمنعونه.
فالآية نزلت في المنافقين بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: 6] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] لأنه لا يرائي بأعماله ويريد
بها غير وجه الله عز وجل إلا منافق، فالوعيد يتعلق بهم على من تأول أن الماعون الزكاة، على النفاق وعلى منع الزكاة، وعلى مذهب من يتأول أن الماعون عارية متاع البيت، على النفاق وعلى منع العارية من المسلمين بغضا لهم، لا على نفس المنع لمجرده، وبالله التوفيق.
[تفسير قوله عز وجل وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ]
في تفسير قوله عز وجل:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: 5] وسئل عن تفسير قوله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: 5] فقال: إن ذلك أن يطأ الرجل امرأته إذا تبين له أنها حائض، فقال: لا جناح عليك فيما لم تتعمد.
قال محمد بن رشد: التلاوة إنما هي: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] والآية نزلت في الأمر بدعاء الرجل إلى أبيه إلا أن لا يعلم أبوه فيدعى إلى مواليه، فإن لم يكن له موال فهو أخ للمسلمين بالإسلام.
قال الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] فرفع عز وجل بهذه الآية الحرج عمن أخطأ بأن نسب الرجل إلى مواليه أو إلى أنه أخ للمسلمين بالإسلام إذا لم يعلم أبوه، وأوجب الحرج في ذلك عليه إذا علم أباه فتعمد بقلبه نسبته إلى غير أبيه.
وقيل: إن معنى الآية إنما هو رفع الحرج فيها عمن ينسب الرجل إلى غير أبيه وهو يظنه أباه، وأوجب الحرج عليه إن تعمد بقلبه نسبته إليه وهو يعلم أنه غير أبيه.
وقيل: إن معنى الآية إنما هو أن الله رفع الإثم والحرج عمن أخطأ بأن نسب الرجل إلى من تبناه قبل أن يعرف كراهة الله عز وجل لذلك ونهيه عنه، وأوجب الحرج على من تعمد مخالفة أمر الله عز وجل بعد أن أعلمه
بالخطأ الذي رفع الله فيه الحرج عن هذه الأمة بهذه الآية، ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وعما استكرهوا عليه» وهو على وجوه: منها أن يفعل المحظور وهو يظنه مباحا؛ ومنها أن يفعل المحظور في وقت يظنه مباحا كالذي يفطر في رمضان وهو يظن أن الشمس قد غابت، وكالذي يطأ الحائض وهو يظن أنها طاهر؛ ومنها أن يفعل الفعل المحظور من غير قصد إليه ولا إرادة، كالذي يرمي الحجر حيث يجوز له فيصيب به حيوانا أو إنسانا فيقتله، وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق لا شريك له.
ما جاء من أن السلطان ظل الله في الأرض
فيما جاء من أن السلطان ظل الله في الأرض قال: وأخبرني الليث يرفع الحديث إلى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: إن «السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم، فإذا عدل فيهم كان له الأجر وعلى رعيته الشكر، وإذا جار عليهم كان عليه الوزر وعلى رعيته الصبر» . وقال: «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحة حرم الله عليه ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» . قال محمد بن رشد: المعنى في هذا كله بين، وفيه: أنه لا يجوز الخروج على الإمام وإن جار، لما يؤدي إليه ذلك مما هو أشد من جوره، وبالله التوفيق.
عيب الإكثار
في عيب الإكثار قال: وأخبرني عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: كنا جلوسا عند مالك يوما إذ مر بنا ابن وهب فلحظه مالك ببصره ساعة ثم قال: سبحان الله أيما فتى لولا أنه مكثر، ثم قال: بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني مما أتخوف على أمتي العصبية والقدرية وكثرة الرواية» .
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهة ذلك بين؛ لأن من أكثر رواية الأحاديث ولم ينتق من يحملها عنه لم يأمن أن يحدث عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما لم يقله؛ ومن اشتغل برواية الأحاديث عن التفقه فيها ومعرفة ما عليه العمل منها فما وفق لما له الحظ فيه.
وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به.
وكان ابن سيرين يقول: إنما هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تحملون دينكم.
وقال يحيى بن يحيى: سمعت مالكا يقول: لقد أدركت بهذا البلد أكثر من سبعين شيخا كلهم أهل فضل ما حملت عن واحد منهم حرفا.
قيل له: ولم ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: إن هذا الأمر ليس يؤخذ إلا من أهله، إنما هي كلمة تغير فيستحل بها حرام أو يحرم بها حلال.
ومخافة هذا المعنى -والله أعلم- قال عمر بن الخطاب: أقلوا الحديث عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا شريككم.
وقد مضى الكلام على قول عمر هذا في رسم حلف أن لا يبع رجلا سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
التوقي في الفتوى
في التوقي في الفتوى قال وحدثني عن بعض أصحاب مالك قال: كنا عنده جلوسا إذ أتاه ابن أبي حازم فأدناه وقربه وأقبل عليه بكلامه وحديثه، ثم قال له: يا ابن أبي حازم، إذا جاءك أحد فإن قدرت أن تنجي نفسك قبل أن تنجيه فافعل.
وحدثنا عن ابن وهب أنه قال: لما ودعت مالكا قال لي: لا تجعل ظهرك للناس جسرا يجوزون عليه إلى ما يحبون، فإن أخسر الناس من باع آخرته بدنيا غيره.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، وهو مثل أن يستفتي العالم الرجل من إخوانه في أمر يرجو أن يجد عنده فيه رخصة، وذلك الأمر مما تعارضت عنده فيه الأدلة في الحظر والإباحة، وفي وجوب شيء وسقوطه، فيغلب من الدلائل ما يوجب إباحة المحظور أو سقوط الواجب ويفتيه بذلك، فينقلب عنه مسرورا بما أفتاه به ورخص له فيه، ويبقى هو مشغول البال بذلك.
وقد قال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لرجل أفتى في الرضاعة بشيء كأنه يقول لم يرها إلا من قبل الأم: لا تفت بفتوى لا تتقلب من الليل على فراشك إلا ذكرته.
وقعت هذه الحكاية في سماع ابن القاسم من كتاب الرضاع.
وسأل ابن وهب مالكا عن الذي يجعل على نفسه صيام الإثنين والخميس فيمرض أو يمر به الإثنين والخميس وهو يوم فطر أو أضحى، فقال: أرى أن يقضي بعد ذلك إلا أن يكون نوى الفطر إذا مرض وإذا مر به الفطر والأضحى، وقال: إنه يقال إن أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره، ومعناه في القاضي والمفتي، وبالله التوفيق.
الذي يحلف على أن عمر بن الخطاب من أهل الجنة
في الذي يحلف على أن عمر بن الخطاب من أهل الجنة وأخبرني عبد الملك بن الحسن عن غير واحد من المصريين أن ابن القاسم سئل عن رجل قال: امرأته طالق إن لم يكن عمر بن الخطاب من أهل الجنة، فقال ابن القاسم: لا حنث عليه.
وأخبرني من أثق به عن ابن القاسم في أبي بكر وعمر مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: لا شك ولا ارتياب في أنه لا حنث على من حلف بطلاق امرأته في أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنهما من أهل الجنة.
وكذلك القول في سائر العشرة أصحاب حراء الذين شهد لهم رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجنة، وكذلك من جاء فيه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثر صحيح أنه من أهل الجنة، كعبد الله بن سلام، فيجوز أن يشهد له بالجنة.
وإنما توقف مالك فيمن حلف في عمر بن عبد العزيز أنه من أهل الجنة فقال: هو إمام هدى، أو قال هو رجل صالح ولم يزد على ذلك، إذ لم يأت فيه نص يقطع العذر.
وقال ابن القاسم: إنه لا حنث عليه.
ووجه ما ذهب إليه التعلق بظاهر ما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قوله: «إذا أردتم أن تعلموا ماذا للعبد عند ربه فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» وقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» . وقد حصل الإجماع من الأمة على حسن الثناء عليه، والإجماع معصوم، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لن تجتمع أمتي على ضلالة» . وقد مضى في رسم
الرهون من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق القول فيمن حلف أنه من أهل الجنة أو أنه ممن يدخل الجنة، وهو مما يتعلق بهذا المعنى، وبالله التوفيق.
أيمان البيعة لا تلزم من أكره عليها
في أن أيمان البيعة لا تلزم من أكره عليها قال ابن القاسم: ولقد قلت لمالك إنه تأتينا بيعة هؤلاء القوم فتغلق علينا أبواب المسجد فيضهدوننا فنبايع، قال: إذا علمت بذلك فلا تبرح واجلس في بيتك.
قلت: أفكان مالك يقول: إذا أكرهوه على البيعة إن ذلك لا يلزمه؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا خاف على نفسه إن لم يبايع على ما يستحلف عليه جاز له أن يبايع ولا تلزمه الأيمان في ذلك ما كانت.
قال الله عز وجل: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . وإن أمكن من امتحن بذلك أن يداري فيما يستحلف فيه كان حسنا من الفعل.
فقد روي أن أبا حنيفة فر من بيعة المنصور، فلما أخذ المنصور جماعة من الفقهاء، قال أبو حنيفة: لي فيهم أسوة، فخرج مع أولئك الفقهاء، فلما دخلوا على المنصور أقبل على أبي حنيفة وجذبه من بينهم وقال له: أنت صاحب حيل، فالله شاهد عليك أنك تبايعني صادقا من قلبك، قال: الله يشهد علي حتى
تقوم الساعة، قال حسبك.
فلما خرج أبو حنيفة قال له أصحابه: حكمت على نفسك ببيعته حتى تقوم الساعة، فقال: إنما أردت حتى تقوم الساعة من مجلسك إلى ما تحتاج إليه من بول أو غائط أو غير ذلك، أي حتى يقوم من مجلسه ذلك، وبالله التوفيق.
ولد المسلم الصغير يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل
من سماع أصبغ بن الفرج من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب الزكاة والصيام
قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن ولد المسلم الصغير يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل، قال: ما سمعت فيه شيئا، إلا أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] الآية، وأرجو أن يلحقهم الله بهم.
فأما من احتلم وجرى عليه القلم ثم أصيب بعد ذلك فإني سمعت بعض أهل العلم والفضل يقول إنه يطبع على عمله بمنزلة من قد مات.
قال محمد بن رشد: الذي يولد مخبولا أو يصيبه الخبل قبل أن يبلغ العمل فهو بمنزلة من قد مات صغيرا من أولاد المسلمين، إذ لم يلحق بالمكلفين، فهو مولود على الفطرة وصائر بفضل الله ورحمته إلى الجنة.
وما رجاه ابن القاسم بتأويل الآية من أن يلحقوا بآبائهم مروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وروي عن ابن عباس أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في جنته وإن لم يبلغها بالعمل ليقر بهم عينه ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] .» .
وأما من أصابه الخبل بعد أن احتلم وجرى عليه القلم فما حكى أنه سمعه من بعض أهل العلم فيه من أنه يطبع على عمله بمنزلة من مات صحيح في المعنى لارتفاع القلم عنه بالخبل، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة» فذكر فيهم المجنون حتى يفيق، وبالله التوفيق.
ما حرست السماوات قط منذ خلقهن الله حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم
ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يذكر أنه سمع أنه يقال: ما حرست السماوات قط منذ خلقهن الله ولا رمي عنهن بالشهب والنجوم حتى بعث الله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8] ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9] .
قال محمد بن رشد: وقد قيل: إنه كان قبل بعث النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رمي الشهب شيء يسير، فلما بعث النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثر ذلك واشتهر وظهر.
وقيل إن ذلك لم يكن أصلا قبل بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومن الدليل على ذلك أنه لا يوجد في شيء من أشعار الجاهلية ذكر ذلك والتشبيه به.
وقد روي عن أبي رجاء العطاردي أنه قال: كنا قبل أن يبعث النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما نرى نجما يرمى به، فبينما نحن ذات ليلة إذ النجوم قد رمي بها، فقلنا ما هذا؟ إن هذا لأمر حدث، فجاءنا أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث، وأنزل الله هذه الآية
في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9] ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10] . روي عن سعيد ابن جبير «عن ابن عباس أنه قال: كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي، فكان إذا نزل سمعت الملائكة كهيئة الحديد يرمى على الصفوان، فإذا سمعت الملائكة ذلك خروا لجباههم فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23] فتنادوا بما ينزل، فإذا نزل إلى السماء الدنيا قالوا: يكون في الأرض كذا وكذا من موت عظيم أو من أمر يحدث من جدب أو خصب، فنزلت الجن بذلك فأوحوه إلى أوليائهم من الإنس.
فلما بعث الله عز وجل محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منعوا من الاستماع وفزع لذلك إبليس، وقال: لم يكن هذا إلا لظهور نبي، ففرق جنده في البحث عن ذلك، وكان فيمن بعث تسعة من جند نصيبين، فأتوا رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ببطن نخلة قائم يصلي ويتلو القرآن فسمعوه ورقت إليه قلوبهم، فاشتهوه ودنوا منه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حبا للقرآن حتى كادوا يركبونه وهو- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يشعر بهم، وذلك قوله عز وجل: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: 19] وكانوا مؤمنين بموسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فآمنوا بالله ورسوله، ثم رجعوا إلى قومهم ولم يذهبوا إلى إبليس، فقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم في الأحقاف: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 30] فاستجاب لهم جماعة من قومهم، فأقبلوا بهم إلى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم نحو من سبعين جنيا، وهو - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ببطن نخلة، فلما بلغه أمرهم خرج إليهم ومعه عبد الله بن مسعود» .
روي «أن ابن مسعود قال: قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه وهو بمكة: من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجان فليفعل فلم يحضره منهم أحد غيري.
وروي عنه أيضا أنه قال: استتبعني رسول الله- صلي الله عليه وسلم- فخرجنا حتى انتهينا إلى مكان كذا فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه فإنك إن خرجت منه هلكت وأقبل يكلمهم ويقرأ عليهم القرآن فآمنوا به وصدقوه.
فلفا أراد الرجوع قالوا يا رسول الله إنا خرجنا إليك في سنة جدبة والأرض بيننا محل ودنا قال فأعطاهم روثة وعظما وقال لكم بالروثة من خصب كل أرض تمرون عليها فيها روثة مثل ما كانت عليها قبل ذلك» .
ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث.
وروي: «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينما هو جالس بين أصحابه إذ سمع سلاما ولم ير شخصا فقال من أنت؟ قال همام بن هم بن أفلح بن إبليس، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: على إبليس لعنة الله وعلى أتباعه وما ولد، فقال همام رويدك إني قد أسلمت وقد دعوت نفرا فتابعوني وها هم أولاء معي، منهم سويد بن قارب، وكان عفريتا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كيف كان إسلامك؟ قال: مررت بنوح وقد خنقه قومه فوثبت له وكشفتهم عنه وكنت معه حتى أغرق الله عز وجل قومه، ثم لم أزل مع الأنبياء- عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - إلى هلم جرا، وسمعت بك فأتيت سويدا ومن معه فدعوتهم إليك فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما تقول يا سويد فيما يقول همام؟ فسمع- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جوابا ولم ير شخصا أتاني بريدي، يعني هماما، بعد هجعة فقال لي: يا سويد بن قارب أتاك نبي من لؤي بن غالب فارحل إلى مكة تبغي الهدى، ما مؤمنو الجن ككفارها، وليس قداماها كذناباها، فدعا لهم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: ما حاجتكم؟ فقالوا: أن تخرج فتصلي بنا الليلة لنقتدي بك فأنعم لهم، وسمعها أنس بن مالك وقال لأرتصدن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الليلة فإنه قد أنعم لهم.
فلما صلى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العشاء الآخرة قال لأصحابه انهضوا إلى رحابكم.
قال أنس: فعلمت أنه يريد أن ينهض لوعده فترصدته حتى مضى، ثم تبعت أثره- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعمي علي حتى سمعت قراءته، فقصدت نحو القراءة فإذا خيمة عظيمة تخرج قراءة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها، فوقفت على باب الخيمة فإذا أنا بصفوف ورسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يؤمهم فشققت صفا وقمت معهم، وإذا إنا بقوم كأمثال الزط، فلما انفتل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم أر أحدا.
ورجع همام وسويد إلى قومهما يجاهدانهم حتى يؤمنوا فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 1] الآية» وبالله التوفيق.
للجن الثواب والعقاب
في أن للجن الثواب والعقاب
قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول: للجن الثواب والعقاب، وتلا قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: 14] ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15] . «وذكر ابن مسعود في ليلة الجن حين خط له: [أتاهم] النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سمعت الجن تقول له: من يشهد أنك رسول الله؟ وكان قريبا من ذلك شجرة، فقال لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أرأيتم إن شهدت هذه الشجرة أتؤمنون؟ قالوا: نعم فدعاها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأقبلت.
قال ابن مسعود: فلقد رأيتها تجر أغصانها، فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم أشهد أنك رسول الله.
قال أصبغ: وأنا أشهد أنه رسول الله.
قال وأعطاهم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عظما وروثة، قال حسبته قال زادا.
قال وليس عظم يأخذونه إلا كان كهيئته يوم كان ولا روثة إلا كانت ثمرة كهيئتها التي عليها بحالها.» قال أصبغ: نهي عن الاستنجاء بهما [فيما بلغني] من أجل ذلك فيما نرى.
قال محمد بن رشد: استدلال ابن القاسم على ما ذكره من أن للجن الثواب والعقاب بما تلاه من قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: 14] إلى قوله ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15] استدلال صحيح بين لا إشكال فيه، بل هو نص جلي في ذلك.
والقاسطون في هذه الآية هم الجائرون عن الهدى والمشركون، بدليل قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: 14] ، ففي الجن مسلمون، ويهود، ونصارى، ومجوس، وعبدة أوثان، قاله بعض أهل التفسير في تفسير قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: 11] قال يريد المؤمنين، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] قال يريد غير المؤمنين.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] أي مختلفين في الكفر يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان.
وقول أصبغ: نهي عن الاستنجاء بهما فيما بلغني من أجل ذلك فيما نرى، هو مذكور في بعض الآثار أنهم لما سألوا النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زادا فأعطاهم العظم والروث قالوا له: إن أمتكم تنجسهما علينا بالاستنجاء،
قال سأنهى أمتي عن الاستنجاء بهما، فنهى عن ذلك.
وقد روي أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الاستنجاء بالعظم والجلد والبعرة والروثة والحممة، فكره من ذلك مالك في رسم سن من سماع ابن القاسم في كتاب الوضوء العظم والروث، وخفف العظم في رواية أشهب عنه من الكتاب المذكور، وخفف الروث في المجموعة.
قال ابن حبيب: واتباع النهي في تجنب ذلك كله أحب إلي.
وقد اختلف فيمن استنجى بشيء مما نهي عن الاستنجاء به، فقيل: إنه لا إعادة عليه، وهو قول ابن حبيب؛ وقيل: إنه يعيد في الوقت، والوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، وروي ذلك عن أصبغ، وكذلك عنده من استنجى بعود أو خزف أو خرق.
وجه القول الأول أن الاستنجاء إنما هو لعلة إزالة الأذى عن المخرجين، فإذا زال الأذى بما عدا الأحجار ارتفع الحكم كما لو زال بالأحجار.
ووجه القول الثاني أن إزالة الأذى عن المخرجين مخصوص بالأحجار، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار» ، فلا يجزئ فيه ما عداها إلا الماء، لقوله: الماء أطيب وأطهر.
ومما أجمعوا عليه أنه لا يجوز الاستنجاء بكل ما له حرمة من الأطعمة، وكل ما فيه رطوبة من النجاسة؛ فإن استنجى بشيء مما له حرمة أعاد في الوقت عند أصبغ، وإن استنجى بما فيه رطوبة من النجاسات أعاد في الوقت قولا واحدا، وبالله التوفيق.
مبايعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما
في مبايعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول: بايع علي بن أبي طالب لأبي بكر وهو كاره على ما أحب أو كره ومن معه من أهل البيت.
قال محمد بن رشد: إنما توقف علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أول وهلة عن مبايعة أبي بكر لما كان يعتقد من أنه أحق بالخلافة منه لمكانه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم بايعه باختياره غير مكره على ذلك لما رأى من أنه هو الواجب عليه، إذ قد انعقدت له الإمامة بمبايعة من [تنعقد بمبايعته، كما أنه لو بويع هو أولا انعقدت له الإمامة بمبايعة من] بايعه ممن تنعقد به الإمامة، كما أنه لو بويع هو أولا وانعقدت له الإمامة لبايعه أبو بكر الصديق وغيره منشرح الصدر بمبايعته إياه؛ لأن كل واحد منهما ومن سائر العشرة أصحاب حراء الذين شهد لهم رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجنة، ممن قد اجتمعت فيه شروط الإمامة، فإذا بويع من اجتمعت فيه شروط الإمامة انعقدت له الإمامة وإن كان غيره أحق بها، وبالله التوفيق.
كثرة عدد أهل الهند
في كثرة عدد أهل الهند
قال أصبغ: حدثنا ابن القاسم عن الليث بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: غزاة الهند مثل سائر العالم، قال ابن القاسم غير أنهم قط أو مثل الخلق أو أكثر.
قال محمد بن رشد: "هذا مما لا يعرف إلا بالتوقيف من النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ لا مدخل للرأي فيه، وبالله التوفيق.
ما جاء من أن آدم عليه السلام نبيء
فيما جاء من أن آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نبيء قال أصبغ وسمعت ابن القاسم يقول: «بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنبيء هو؟ فقال نعم نبيء مكلم» . قال ابن القاسم: فذكرت ذلك لأبي شريح المعافري، قال ذلك في كتاب الله.
قال أصبغ يعني مكلما حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: 22] ، ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: 19] .
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأن القرآن يعضد السنة فيه، وبالله التوفيق.
ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على من أثنى عليه بثبوت الإيمان في قلبه
في ثناء النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على من أثنى عليه بثبوت الإيمان في قلبه قال ابن القاسم: سمعت من يذكر أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن من أصحابي مَنِ الإيمانُ أثبت في قلبه من الجبال الرواسي» .
قال محمد بن رشد: في هذا دليل واضح، بل هو نص جلي في أن الإيمان وإن كان هو التصديق الحاصل في القلب فإنه يتفاضل في الرسوخ والقوة والثبوت والبعد من طروء الشكوك عليه، فليس من آمن بالله ولم يعرفه بالاستدلال عليه كمن عرفه به، ولا من عرفه بوجه واحد من وجوه الأدلة كمن عرفه من وجوه كثيرة، ولا من عرفه بالأدلة دون معاينة الآيات كمن شاهدها وعاينها بحضرة النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوة اليقين في القلب وبعده عن أن يفتن فيه أو يدفعه الشيطان، وقد أعلم الله عز وجل بزيادة الإيمان فقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124] وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124] ومعنى ذلك زيادة اليقين في القلب والبعد من أن تطرأ عليه الشكوك فيه، وهذا أولى ما قيل في معنى زيادة الإيمان الذي نص الله تبارك وتعالى عليه.
وقد روي عن مالك أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان ويكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته، فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني، إني تدبرت هذا الأمر، فما من شيء يزيد إلا وهو ينقص، الإيمان يزيد وينقص.
وهذا بين على القول بأن زيادة الإيمان إنما هو زيادة اليقين، إذ قد يضعف اليقين بالإيمان من غير أن يداخله شك فيه، فيكون ذلك هو نقصانه.
وقد قيل إن معنى زيادة الإيمان زيادة العدد بتكرره؛ لأن إيمان شهر أقل عددا من إيمان شهرين، فعلى هذا القول لا يتصور في الإيمان نقصان إلا على تأويل وهو نقصانه على المرتبة التي كان عليها من الكثرة.
وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب المقدمات، وبالله التوفيق.
تأديب الرجل عبيد امرأته
في تأديب الرجل عبيد امرأته
قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن الرجل يضرب عبيد امرأته ويأمرهم وينهاهم على وجه الأدب وهي لذلك كارهة، قال: لا أرى ذلك إلا بإذن امرأته.
قال محمد بن رشد: معناه في تأديبه إياهم على التعوق عن الخدمة وترك الاستقامة على الشغل، وما أشبه ذلك مما يأمرهم به فيعصونه فيه.
وأما ما كان من حقوق الله تعالى كالوضوء والصلاة فله أن يؤدبهم على تضييع ذلك، ويأمرهم في ذلك وينهاهم فيه دون إذن امرأته، لقول الله عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] وبالله التوفيق.
الركوب على الدابة العري
في الركوب على الدابة العري قال وسألت ابن القاسم عن ركوب الرجل خلف الرجل على الدابة العري، قال سمعت أبا شريح ينكر ذلك، وما يعجبني لأحد أن يفعله إلا من ضرورة.
قال محمد بن رشد: هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن الدواب محمولة على الطهارة، وقد قال مالك في المدونة: لا بأس بعرق البرذون والبغل والحمار.
وقد جاء بأن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركب على فرس عري بوب البخاري على ذلك ركوب الفرس العري، وأدخل الحديث بذلك قال: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال:
«استقبلهم النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فرس عري ما عليه سرج في عنقه سيف» وبالله التوفيق.
الذي ينقطع قبال إحدى نعليه
في الذي ينقطع قبال إحدى نعليه وسئل عن الرجل ينقطع قبال نعله فيقف في نعل واحدة ولا ينزعها حتى تصلح الأخرى، قال إنما جاء في الحديث: «لا يمش أحدكم في النعل الواحدة» فإذا كان واقفا فلا بأس بذلك في رأيي إن شاء الله.
وقاله أصبغ إذا قرب ولم يطل جدا، فإن طال كان بمنزلة المشي عنده ومثل ما كره له المشي به.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم إنه لا بأس أن يقف في النعل الواحدة ما دام يصلح الأخرى هو الذي يدل عليه الحديث كما قال، فلا بأس بذلك على مذهبه وإن طال، خلاف قول أصبغ في جعله الوقوف إذا طال بمنزلة المشي، وهو بعيد؛ لأنه إنما يكره المشي.
روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية جابر بن عبد الله أنه قال: «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه» وقد روي «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسم- ربما انقطع شسع نعله فمشى في نعل واحدة» إلا
أنه حديث ضعيف لا يصححه أهل العلم بالحديث.
وروي أيضا عن علي أنه رئي يمشي في نعل واحدة وهو يصلح شسعه.
ورواه مسلمة أيضا عن عبد الله بن عمر، والذي أراه في هذا أن تستعمل الآثار كلها ولا يطرح شيء منها فنقول على استعمالها: إنه لا يمشي الرجل في نعل واحدة إذا انقطع شسع إحداهما، وإذا انقطع شسع إحدى نعليه وهو يمشي فلا بأس أن يمشي في النعل الواحدة ما دام يصلح الأخرى؛ لأن ذلك يسير، بخلاف ابتداء المشي في النعل الواحدة.
والنهي عن المشي في النعل الواحدة نهي أدب وإرشاد لا نهي تحريم، خلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر من أنه من مشى في نعل واحدة فهو آثم عاص.
وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تجيز المشي في النعل الواحدة وتنكر حديث أبي هريرة في النهي عن ذلك، روي عنها أنها كانت تمشي في الخف الواحد وتقول: لأحنثن أبا هريرة، وبالله التوفيق.
الشيء من الفضة يجعل في الآنية ونحوها
في الشيء من الفضة يجعل في الآنية ونحوها قال أصبغ سمعت ابن القاسم وسئل عن الرجل يجعل في بعض آنيته الشيء من الفضة أو يجعل في ميزانه الحلقة من الفضة أو يجعل ذلك في لجامه أو ركابه، قال: أما الآنية التي يؤكل فيها ويشرب فإن ذلك مكروه، وقد جاء فيه النهي عمن مضى، وكان مالك يكرهه.
وأما الحلية في السيف والمصحف من الفضة فإني أرجو أن يكون ذلك خفيفا لا بأس به، ولا خير في اللجام ولا في الركابين ولا السكين يجعل في نصابه، وأكره ذلك في المرآة والمداهن.
قال أصبغ لا للرجال ولا للنساء.
قال محمد بن رشد: معنى هذه الرواية أنه فرق بين أن يجعل الفضة اليسيرة في الآنية التي يؤكل فيها أو يشرب فيها، وبين أن يجعل في الركابين واللجام والسكين؛ لأنه قال في جعلها في الآنية التي يؤكل فيها ويشرب إن ذلك مكروه، وقال في جعلها في اللجام والركابين والسكين إن ذلك لا خير فيه.
والمعنى في ذلك سواء؛ لأن المكروه لا خير فيه، بل الخير في تركه، وما لا خير فيه فهو مكروه؛ لأن ترك ما لا خير فيه خير من فعله، والكراهية في ذلك كله سواء؛ لأنه إنما جاء النهي عن الأكل والشرب في آنية الفضة والذهب من جهة التشبه بالأعاجم، وكذلك اللجام والسرج المحليان بالفضة والذهب إنما لم يجز الركوب بهما من أجل ذلك.
وكذلك الميزان من الفضة والسكين يكون نصابه كله فضة، فإذا لم يكن في شيء من ذلك كله من الفضة إلا اليسير، كالتضبيب في شفة الإناء أو الحلقة تكون فيه أو في الميزان، أو الشيء اليسير من الفضة في طرف اللجام أو طرف نصاب السكين وما أشبه ذلك، جرى ذلك على الاختلاف في العلم من الحرير يكون في الثوب، كرهه مالك ورأى تركه أحسن، وأجازه غيره من غير كراهة فرآه من حد الجائز.
وأما السيف والمصحف فلا اختلاف في جواز تحليتهما بالفضة؛ لأنهما للرجل بمنزله الحلي للنساء، يجوز اتخاذه للقنية والاستعمال ولا تكون فيه زكاة، بخلاف سائر السلاح من الدرق والحراب والقسي لا يستخف في شيء من ذلك من الفضة إلا ما يستخف في الإناء الذي يؤكل ويشرب فيه.
وكذلك المرآة والمداهن.
وقول أصبغ في ذلك إن الرجال فيه بمنزلة النساء صحيح؛ لأن ذلك ليس من ناحية لباسهن كالذي يتخذنه لشعورهن ولإقفال ثيابهن على ما قاله ابن شعبان، وبالله التوفيق له الحمد.
شراء المغنيات وبيعهن
في شراء المغنيات وبيعهن قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يشتري المغنية ولا يريدها لعملها ذلك إلا للخدمة وما أشبه ذلك، إنه إذا كان لم يزد في ثمنها لموضع غنائها فلا بأس به.
قال أصبغ: وكذلك البائع إذا باع كذلك فباع على رأسها بغير غناء ولم يزد في قيمتها لغنائها فالثمن له حلال، وكذلك ينبغي أن يبيع إذا باع، وإلا حرم عليه البيع والثمن كله.
وثمن المغنيات حرام محرم، قال أصبغ قد حدثني عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن نصر عن علي بن زيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا تعليمهن ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] الآية» . وأخبرني بذلك ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن محمد بن ثواب، عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فكسبهن حرام.
قال محمد بن رشد: الذي عليه معظم أهل التفسير في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] أن المراد به الغناء واستماعه.
من ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] فقال: الغناء، والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.
وهو قول مجاهد وعطاء.
وقال القاسم بن
محمد: الغناء من الباطل، وهو في النار.
وقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات لم يصل عليه لقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: 6] ، وفي بعض الروايات في حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه قال في المغنيات: أكل أثمانهن حرام ولا يحل تعليمهن» . وقد يدل على تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] الآية.
وقد اختلف في معنى قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] فقالت طائفة: هو الشراء على الحقيقة بالأثمان، بدليل ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن» والمعنى على هذا في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] ، أي ومن الناس من يشتري ذات لهو الحديث، فحذف ذات أو ذا وأقام اللهو مقامه، مثل قوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] أي أهل القرية.
وقال قتادة وطائفة من العلماء: معنى الآية ومن الناس من يختار لهو الحديث ويستحبه، ولعله أن لا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحسانه.
قال قتادة: وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل عن حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث العبدري وكان يشتري من كتب أحاديث العجم فارس والروم وصنيعتهم ويحدث بها قريشا فيستحلونها ويعجبهم ما يسمعون منها فيلهون ويلهيهم بها.
وقال جماعة من أهل التفسير، منهم الحسن والضحاك وابن زيد: إن الآية نزلت في أهل الكفر، ألا ترى إلى قوله عز وجل:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] فليس هكذا أهل الإسلام.
قالوا: فمعنى لهو الحديث الشرك، كقوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] فمن ذهب إلى هذا رأى الغناء مكروها منهيا عنه غير محرم في القرآن.
وقال أبو جعفر الطبري: الذي أراه وأقول به في هذا أن الله عز وجل عنى به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عز وجل عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله عز وجل عم بقوله لهو الحديث ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه في الغناء والشرك حتى يأتي ما يدل على خصوصه.
وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر الطبري أولى ما قيل في تأويل الآية؛ لأنها وإن كانت نزلت فيما كان يفعله النضر ابن الحارث، فهي عامة تحمل على عمومها، ولا تقصر على ما كان سبب نزولها مما كان يفعله.
وقد دل على حملها على عمومها ما روي من أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال-: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن» وقد نزل على تصديق ذلك في كتاب الله، يريد ما فهمه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عموم قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] . وقوله في الحديث: «ولا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن» معناه إذا اشتراهن لغنائهن أو باعهن بزيادة في قيمتهن من أجل غنائهن، وأما إذا اشتراها للخدمة وما أشبهها ولم يزد في ثمنها من أجل غنائها فذلك جائز للبائع والمبتاع.
وإن اشتراها للخدمة لا لغنائها بأكثر من قيمتها لأجل غنائها] فذلك حرام على البائع ومكروه للمبتاع.
وظاهر قوله في الحديث أن الثمن كله محرم على البائع، والذي يحرم عليه منه إنما هو ما ازداد على قيمتها من أجل غنائها، كمن باع خمرا وثوبا صفقة واحدة بدنانير، فلا يحرم عليه من الدنانير التي باعها بها إلا ما ينوب الخمر منها.
فالمعنى في