البيان والتحصيلصفحات 514-32
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 514-32
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ولا قيام، والأب هو أولى، وإذا كان الأب والإخوة والأخوات فعلى مثل ذلك أيضا لا اعتراض لهم معه بوجه من الوجوه في عفو ولا قيام والأب هو أولى، وإذا كان الأب والولد الذكور فلا حق للأب معهم في عفو ولا قيام بوجه من الوجوه، وهم أولى، والجد مع الإخوة يجري مجرى أخ إن عفا جاز عفوه عليهم والجد مع الأخوات أخ لا كلام لهن معه في عفو ولا قيام، وهو أولى بالعفو والقيام، قال عيسى: يعني إذا عفا الجد أنه لا سبيل للأخوة إلى الدم غير أن لهم نصيبهم من الدية، قال: والجد والبنات بمنزلة الأب والبنات لا عفو لهن إلا به ولا له إلا بهن ومن قام بالدم فهو أولى، والجد والولد الذكور لا كلام له معهم في ذلك بوجه من الوجوه ولا عفو ولا قيام، وهم أولى بذلك منه، والأم والإخوة لا عفو لها إلا بهم ولا لهم إلا بها، وأيهم قام بالدم فهو أولى الأم أو الأخوة والأم والأخوات والعصبة إن اجتمعت الأم والعصبة على العفو جاز ذلك، وإن كره ذلك الأخوات، وإن اجتمع الأخوات والعصبة على العفو وأبت الأم فالأم أولى بالقتل، وتقتل ولا ينظر إلى عفو الأخوات إذا أبت الأم لأن الأم أقعد من الأخوات وأقرب، وإنما الدم للأقعد فالأقعد والبنات والأم والعصبة إن عفا البنات والعصبة جاز على الأم وإن كرهت، وإن عفت الأم والعصبة لم يجز إلا بالبنات، ولا تجري الأم هنا مجرى ابنة عفت؛ لأن البنات أقعد وأقرب من الأم، وإن عفت واحدة من البنات وواحد من العصبة جاز على من بقي وسقط القتل، والبنات والأخوات إذا اجتمعن فلا كلام للعصبة معهن ولا حق في قيام ولا عفو لأنهن قد أحرزن الميراث كله، وذلك إذا كان القتل ببينة، فأما إن كان بقسامة فلا حق للنساء فيه بوجه من الوجوه ولا كلام لأنهن لا يحلفن فيه، وإنما العصبة هي

التي تستحقه بأيمانها، والجدة لا تجري مجرى الأم في شيء من الأشياء مما يكون لها في عفو ولا قيام لا جدة الأم ولا جدة الأب.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسائل كلها أن ترتيب الولاة في القيام بالدم كترتيبهم في ميراث الولاء وفي الصلاة على الجنائز وفي النكاح لا يشد عن ذلك على مذهب ابن القاسم إلا قوله في الجد مع الإخوة إنه بمنزلتهم في العفو عن الدم والقيام به.
فأحق الناس بالقيام بدم الرجل ولده ثم ولد ولده، ثم أبوه ثم ولد الأب وهو الأخ، ثم ولذ الأخ ثم الجد ثم ولد الجد وهو العم، ثم ولده هكذا أبدا، فلا حق في القيام بالدم لأب مع الولد ولا مع ولده لولد الولد مع الولد ولا للأخ مع الأب ولا لولد الأخ مع الأخ، ولا للعم مع الجد ولا لولد العم مع العم.
فإذا اجتمع الأولياء في درجة واحدة بنون أو إخوة أو بنو أخوة أو أعمام أو بنو أعمام فعفا أحدهم ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها - أن عفو من عفا منهم يبطل الدم والدية كان عفوه قبل القسامة أو بعدها.
والثاني - أن عفوه يبطل الدم ولا يبطل الدية كان العفو أيضا قبل القسامة أو بعدها.
والثالث - أنه إن كان قبل القسامة أبطل الدم والدية، وإن كان بعد القسامة أبطل الدم، وكان لمن بقي حظه من الدية حسبما مضى بيانه في آخر أول رسم من سماع أشهب.
وأما النساء فلا حق لمن لا ميراث لها منهن في القيام بالدم كالعمات وبنات الإخوة وبنات الأعمام ومن أشبههن من القرابات ولا لمن يرث منهن ممن لو كان في مرتبتها رجل لم يرث بالتعصيب، وهن الأخوات لأم ولا لمن يرث منهن، ولو كان رجل في مرتبتهما ورث في حال دون حال، وهن الزوجات والجدات لأنهن لا يرثن إن كن من قوم المتوفى، وكذلك الأم عند ابن الماجشون وسحنون، لأنها قد تكون من قوم آخرين خلاف مذهب ابن القاسم في أن لها حقا في الدم لكونها بمنزلة الأب في القرب.
وأما ما يرث منهن لو كان في مرتبتها رجل ورث مثل البنات والأخوات

والأمهات فلهن في القيام بالدم حق، ولا يخلو أمرهن من ثلاثة أحوال: أحدها - أن يكن مع من هو بمنزلتهن من الرجال كالبنات مع البنين، والأخوات مع الإخوة أو الأب مع الأم أو مع من هو أقرب منهن كالأخوات مع البنين.
والثانية - أن يكون مع من هو أبعد منهن إلا أنه وارث معهن كالبنات مع الأب والأم مع الإخوة.
والثالثة - أن يكون أيضا مع من هو أبعد منهن إلا أنه لا ميراث له معهن كالبنات والأخوات مع العصبة.
فأما إذا كن مع من هو بمنزلتهن أو أقرب منهن كالبنات مع البنين أو الأخوات مع الإخوة أو مع البنين فلا حق لهن مع الرجال في عفو ولا قود، والرجال أحق منهن بالقيام بالدم والعفو عنه.
وأما إذا كن مع من هو أبعد منهن إلا أنه وارث معهن كالأم مع الإخوة، والبنات مع العصبة فمن قام بالدم منهن كان أولى ممن عفا، إن عفت الأم فالإخوة أحق بالقود، وإن عفا الإخوة فالأم أحق بالقود، وإن عفا البنات فالعصبة أحق، وإن عفا العصبة فالبنات أحق بالقود إلا أن يكون بعض النساء أقرب من بعض كالأم أو البنت مع الأخوات والعصبة أو كالبنت مع الأم والعصبة، فيكون للأقرب منهن العفو إذا اجتمعت على ذلك مع العصبة.
وأما إن كن مع أبعد منهن إلا أنه لا ميراث له معهن كالأخوات والبنات مع العصبة، فإن اجتمعت البنات والأخوات على القتل أو العفو فهن أولى بذلك من العصبة لانفرادهن بالميراث دونها، فإن افترقن فأراد بعضهن القتل وبعضهن العفو رجع الأمر إلى العصبة فيما أرادوه من قتل أو عفو هذا كله سواء على مذهب ابن القاسم في المدونة ثبت الدم ببينة أو بقسامة وفي ذلك ثلاثة أقوال - قد مضى تحصيلها في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم.
أحدها - قوله في هذه الرواية إن الدم إذا استحق بقسامة فلا حق للنساء في ذلك مع العصبة في عفو ولا قيام، لأنها هي التي استحقته بأيمانها، واختلف في الجد مع الأخوة، فذهب ابن القاسم إلى أنه بمنزلة أخ عفا منهم جاز عفوه على من

بقي، وأنه أحق من بينهم قياسا على الميراث، وذهب أشهب إلى أن الإخوة وبنيهم أحق من الجد وهو الأظهر، لأن ترتيب الولاة في الدماء إنما هو على حسب ترتيبهم في ميراث الولاء لا في ميراث المال ولا مدخل للزوج في ذلك بسبب الميراث بإجماع.
وأما قول ابن القاسم في هذه الرواية إن الجدة لا تجري مجرى الأم في شيء من الأشياء، مما يكون لها في عفو ولا قيام لا جدة الأب ولا جدة الأم فهو على ما قسمناه من أنه لا حق في الدم لأحد من النساء إلا لمن يرث منهن ممن لو كان في مرتبتها رجل وارث، وابن الماجشون وسحنون يقولان إن الأم كالجدة لا حق لها في الدم مع العصبة لأنها من قوم آخرين وبالله التوفيق.

مسألة: يقول الرجل من إحدى الطائفتين أنا قتلته من غير طائفته

مسألة وسألته عن الطائفتين يقتتلون فيفترقون على قتلى وجرحى فيقول الرجل من إحدى الطائفتين أنا قتلته من غير طائفته ما الأمر في ذلك؟ قال ابن القاسم ولاة المقتول مخيرون إن شاءوا قتلوه بإقراره، وإن شاءوا تركوه وألزموهم الدية، لأنه يتهم بإقراره في طرح الدية التي قد وجبت عليه وعلى طائفته وأصحابه.
قال محمد بن رشد: الجواب في هذه المسألة بين صحيح، والتعليل ضعيف إذ لو اتهم في إقراره لما ألزمه وهو له لازم على كل حال إن شاء ولاة المقتول أن يأخذوه به ويقتلوه كان ذلك لهم على ما قال، وإنما هو مقر على نفسه وشاهد بالبراءة لغيره فيلزمه إقراره على نفسه ولا تجوز شهادته بالبراءة للطائفة التي نازعت المقتول من قبله لأنه ليس بشاهد على فعل، وإنما هو شاهد على نفي فعل والشهادة بالنفي ليست بعامله.

مسألة: لا قسامة فيمن قتل بين الصفين

مسألة وإن افترقوا عن قتيل وزعم المقتول أن دمه قبل رجل من الطائفة التي نازعوه ونازعوا أصحابه، وأنه هو الذي ضربه أو قتله أو يشهد لهم بذلك شاهد واحد عدل كانت فيه القسامة مع شهادة الشاهد ومع قول المقتول أيهما كان، وإنما تفسير قول مالك لا قسامة فيمن قتل بين الصفين، إنما ذلك إذا لم يكن بكلام من المقتول، ولا بشهادة شاهد، وكان بدعوى من ولاة المقتول بأن يقولوا فلان قتله لرجل من غير طائفته، أو يقولوا إنما جاء قتله من قبل هذه الطائفة التي قاتلوه، لأنه يعلم أنهم الذين قاتلوه وقاتلوا أصحابه، فلم يمحضهم قتله فنحن نريد أن نقسم ونقتل واحدا منهم فليس لهم ذلك، ولا قسامة فيمن قتل بين الصفين إلا بكلام من المقتول إن سمى من قتله أو يقوم شاهد عدل على من قتله منهم، قال سحنون: قال: لي ابن القاسم فيمن قتل بين الصفين فشهد على قتله رجل واحد أو على إقراره فلا قسامة فيه.
قال سحنون وسألت ابن القاسم عمن يوجد قتيلا بين الصفين، قال مالك لا قسامة فيه وديته على الذين نازعوهم، قيل له: على عواقلهم أو في أموالهم؟ قال بل في أموالهم، قيل له: فإن عرف من قتله منهم أيقتل به؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

مسألة: القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا قوما يقاتلون على تأويل

مسألة قيل له فإن كان القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا قوما

يقاتلون على تأويل؟ قال: فليس على الذين قتلوه قتل وإن عرفوا، قيل له فديته هل عليهم منها شيء؟ قال: لما سقط القتل عنهم سقطت الدية عنهم، وليس أهل التأويل كغيرهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في الأثر من كتاب الجهاد من المدونة من قول ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فكانوا يرون أن يهدر أمن الفتنة فلا يقام على أحد قصاص ولأحد في سبي امرأة مست ولا يرى بينها وبين زوجها ملاعنة يريد إن نفى ولدها ولا يرى أن يقفوها أحد إلا جلد الحد، ومثله روى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه لا يقتل به ولا يقاد منه، ومن أهل العلم من يرى أنه يقاد به ويقتص منه، وهو قول أصبغ ومذهب عطاء، وهذا الاختلاف في القصاص منه سواء تاب أو أخذ قبل أن يتوب، ولا يقام عليه حد الحرابة وإن أخذ قبل أن يتوب ولا يؤخذ ما أخذ من المال وإن كان موسرا إلا أن يوجد بيده شيء بعينه فيرد إلى ربه، وأما من أوسر منهم في الحرب وهي قائمة لم يظهر بعد على أهل رأيه فللإمام أن يقتله إن رأى ذلك، لما يخاف من أن يعين مع أصحابه على المسلمين.
وإن كان ذلك بعد انقطاع الحرب والظهور على أهل رأيه فإنه لا يقتل، وحكمه حكم البدعي في جماعة المسلمين، الذي لا يدعوا إلى بدعته يستتاب في قول مالك، فإن تاب، وإلا قتل وهو قول مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن الماجشون وسحنون ينهي عن بدعته ويؤدب عليها ويستتاب ويقبل منه ما أظهر من قليل التوبة وكثيرها، ولا يقتل وهو قول عطاء وبالله التوفيق.

: يطلب الرجل بالسيف فيعثر المطلوب قبل أن يضربه فيموت

ومن كتاب باع شاة وسألته عن الرجل يطلب الرجل بالسيف فيعثر المطلوب قبل أن يضربه فيموت قال: أرى أن يقتل به، وقال أبو حمزة عن المخزومي مثله.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، وهو بين لا أعرف فيه نص خلاف في المذهب، ويدخل فيه الاختلاف بالمعنى لأنه من شبه العمد الذي اختلف في وجوب القصاص منه على ما مضى في أول سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

مسألة: رمي بحجرعمدا فيتقيه المرمى فيرجع الحجر فيصيب آخر فيقتله

مسألة وسألته عن الرجل يرمي بحجر عمدا فيتقيه المرمى فيرجع الحجر فيصيب آخر فيقتله.
قال: إن كان إنما اتقى عن نفسه من غير أن يرد الحجر بشيء فعقله على الرامي، وإن كان دفع الحجر عن نفسه بشيء فرده حتى أوقعه على غيره فديته على المرمي وليس على الرامي شيء.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المجموعة من رواية علي بن زياد عن مالك، قال فيمن رمى رجلا بحجر فاتقاها بيده فرجع الحجر فأصاب رجلا فعلى الذي رده العقل، وهو من الخطأ، وقال أصبغ في الواضحة: بل ذلك على الرامي دون المرمي وأن دفع الرمية، إذ لا يتقي الرمية إلا بدفعها، وكما لو طلبه بسيف فهرب منه فوقع على صبي فقتله أو على شيء فكسره، فذلك على طالبه وهو من الخطأ إلا أن يعثر المطلوب نفسه فيموت فيكون فيه القود، وكذلك دافع الحجر عن نفسه بشيء بيده أو رجع الحجر عنه لشأنه

فأصاب رجلا غير المرمى فذلك من الخطأ وهو على الرامي فإن أصاب المرمي فهو من العمد إلا أن يكون الحجر قد كان قد مغره وانكسر حده قبل أن يرده فيكون على المرمى، وكذلك لا اختلاف أيضا إذا اتقى الحجر، ولم يرده أنه على الرامي، وإنما الاختلاف إذا دفعه من نفسه في اتقائه إياه وكيف ما كان فهو من الخطأ إلا أن يكون المرمي هو الذي مات فهو من العمد وبالله التوفيق.

: حلفتا خمسين يمينا فأخذتا ثلثي الدية ثم نزعت إحداهما

ومن كتاب العلق وسألته عن امرأة أقسمت خميس يمينا في قتل خطأ فأخذت قدر حصتها من الميراث ثم أنها نزعت وندمت وردت ما أخذت على الذي أقسمت عليه ثم أتت أخت لها فقالت: أنا أقسم بقدر نصيبي من الميراث.
قال: أرى أن تحلف بقدر مالها من الميراث، لأن يمين الأولى حكم قد مضى لا ينقضه نزعها، ألا ترى لو أنهما حلفتا خمسين يمينا فأخذتا ثلثي الدية ثم نزعت إحداهما لم يقل للباقية استكملي خمسين يمينا وإلا فردي ما أخذت لأنه حكم قد مضى.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه ولا اختلاف وبالله التوفيق.

مسألة قال عند موته قتلني فلان

مسألة وسئل عن رجل قتل خطأ فقال فلان قتلني خطأ، وقال الرجل بل قتلته عمدا أو قتلني عمدا، وقال الرجل بل قتله خطأ.

قال: قال مالك: فيمن قال عند موته قتلني فلان خطأ إنه يقسم عصبته مع قوله ويستحق الدية ولا يتهم لأنه لو قال قتلني عمدا أقسم مع قوله وقتل، قال ابن القاسم: وقد أخبرني من أثق به أنه كان قوله قديما أنه لا يقبل قوله لموضع التهمة أن يكون إنما أراد غناء ولده، فسئل عن ذلك فرجع، فقال أرى أن يقسم مع قوله ويستحق الدية، قال ابن القاسم فأما القاتل بالعمد فأرى الورثة بالخيار إن أحبوا أقسموا وأخذوا الدية، وإن أحبوا قتلوا بالإقرار، ويقسمون على ذلك إن كانت حياة.
قال محمد بن رشد: القسامة في العمد مع قول المقتول دمي عند فلان لم يختلف بأنه يلزمه ويؤخذ به بإقراره قيل بقسامة وقيل بغير قسامة، ومعنى ذلك إذا كانت للمقتول حياة، وأما إذا لم تكن له حياة فيقتل بإقراره دون قسامة قولا واحدا أو قد قيل إن ذلك ليس باختلاف من القول، وإنما معناه أنه يقتل بقسامة إذا كانت الحياة له حياة، وبغير قسامة إذا لم تكن له حياة، وقد مضى هذا في أول السماع، فإذا قال الرجل قتلني فلان عمدا أو أقر القاتل بذلك، فإن لم تكن له حياة قتل بإقراره دون قسامة قولا واحدا، وإن كانت له حياة قيل يقتل بغير قسامة وقيل بقسامة وهو قوله في هذه الرواية، وقسامتهم إنما هي أن يحلفوا لقد مات من الجرح الذي أقر القاتل به، بخلاف قسامتهم يقول المقتول قتلني فلان، لأنهم يقسمون مع قوله أنه جرحه وأنه مات من جرحه.
وأما القسامة في الخطأ مع قول المقتول قتلني فلان خطأ فالمشهور من قول مالك أنه لوث يوجب القسامة والدية على العاقلة، وقد حكى ابن القاسم فيما بلغه عنه على ما وقع في هذه الرواية أن قوله لا يقبل لموضع التهمة أن يكون أراد غناء ولده، وهو قول ابن وهب وابن أبي حازم من أصحاب مالك، وقد قال محمد بن المواز لم تثبت عندنا الرواية في منع القسامة مع قوله إلا في

قول الرجل أنا قتلت فلانا خطأ، وأما قوله قتلني فلان خطأ أو عمدا فما علمنا فيه اختلافا من قول مالك وأصحابه كلهم إلا ابن وهب.
واختلف إذا قال الرجل قتلت فلانا خطأ: فقيل إنه لوث يوجب القسامة والدية على العاقلة إذا لم يتهم أن يكون أراد غناء ولد المقتول على ما قاله في المدونة، وقيل إن الدية تكون عليه في ماله لأن العاقلة لا تحمل الإقرار قيل بقسامة وقيل بغير قسامة، وذلك إذا كانت للمقتول حياة، وأما إذا لم تكن له حياة فالدية عليه في ماله دون قسامة قولا واحدا هو الذي يجب أن يحمل عليه ما وقع من ذلك في كتاب الصلح من المدونة مجملا، وهذا الذي ذكرناه أصل هذه المسألة التي تنبني عليه، فإذا قال الرجل قتلني فلان خطأ، وقال فلان بل قتلته عمدا فعلى المشهور من المذهب أن قول المقتول قتلني فلان خطأ لوث يوجب القسامة والدية على العاقلة، يكون عصبة المقتول بالخيار بين أن يقتلوه بإقراره دون قسامة إن لم تكن له حياة، أو مع القسامة إن كانت له حياة على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك، وبين أن يقسموا مع المقتول فتكون الدية على عاقلته.
وإذا قال قتلني فلان عمدا، وقال فلان بل قتلته خطأ فعلى القول بأن قول الرجل قتلت فلانا خطأ لوث يوجب القسامة والدية على العاقلة يكون الأولياء مخيرين بين أن يقسموا مع قول المقتول فيقتلوا القاتل وبين أن يقسموا مع قوله فتكون لهم الدية على عاقلته، وعلى القول بأن قول الرجل قتلت فلانا خطأ يوجب الدية عليه في ماله يكون الأولياء مخيرين بين أن يقسموا مع قول المقتول فيقتلوا القاتل وبين أن يلزموا القاتل الدية في ماله بإقراره بالقتل دون قسامة إن لم تكن له حياة أو مع قسامة إن كانت له حياة على ما ذكرنا من الاختلاف في القسامة في ذلك، فهذا بيان وجه القول في هذه المسألة مستوفى.

مسألة: ادعى أن رجلا سقاه سما

مسألة وسئل ابن كنانة عن رجل ادعى أن رجلا سقاه سما وأشهد رجالا وقال لهم اشهدوا أن فلانا سقاني سما، وهو في جوفه فإن مت فدمي عنده، هل تكون القسامة في ذلك؟ قال: لا تكون القسامة في مثل هذا إلا في الضرب المشهود عليه أو الإشارة البينة من الجراح والضرب.
قال محمد بن رشد: قول ابن كنانة هذا في أن التدمية لا تكون عاملة إلا مع الشهادة على الضرب أو الآثار البينة منه أو من الجراح خلاف قول ابن القاسم في سماع أبي زيد ودليل قوله في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى وقول ابن كنانة إلا في الضرب المشهود عليه يريد الضرب الذي يثبت بالشهادة، فلو شهد على قوله شاهد واحد أنه ضربه فمات من ضربه، ولم يظهر به أثر منه أو أنه سقاه سما فمات منه ولم يظهر لذلك أثر من قيء أصابه منه لم يكن في ذلك قسامة كما لا يكون القسامة بذلك مع قول المقتول، وقال أصبغ: إن القسامة منه تكون في ذلك مع قول المقتول كما تكون فيه مع الشاهد الواحد.
فاحتجاج أصبغ لا يلزم ابن كنانة وإنما يلزم من يفرق بين الوجهين.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أن القسامة لا تكون إذا لم يكن بالمقتول أثر لا بشهادة واحد ولا بقول المقتول، وهو قول ابن كنانة.
والثاني - أن القسامة تكون لأولياء المقتول في الوجهين جميعا، وهو قول أصبغ.
والثالث - أنهم يقسمون في ذلك مع الشاهد الواحد ولا يقسمون فيه مع قول المقتول، وإذا أعملت، التدمية على نص رواية ابن زيد ودليل رواية يحيى دون أثر من جرح أو ضرب يكون بالمدمي فإنما تعمل بعد موته في إيجاب قتل

المدمى عليه بالقسامة، وأما في حياته فلا يلزم المدمى عليه بالتدمية سجن لأنه يتهم أن يكون أراد سجنه بدعواه.
وقول ابن كنانة في أن التدمية لا تعمل أصلا أظهر من قول ابن القاسم للاختلاف في أصل التدمية إذ لم يتابع مالكا على قوله في إيجاب القود بها إلا أصحابه وبالله التوفيق لا شريك له وصلى الله على من لا نبي بعده.
انتهى كتاب الديات الأول بحمد الله تعالى

: كتاب الديات الثالث

: أيلزم القاتل عمدا من أهل الذهب والورق إذا قتل

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم وأشهب وابن نافع من كتاب الصبرة قال يحيى: وسألت أشهب عن تغليظ الدية في مثل ما فعل المدلجي بابنه أيلزم القاتل عمدا من أهل الذهب والورق إذا قتل

أجنبيا أن تغلظ عليه بقدر فضل ما بين أسنان دية الخطأ من الإبل؟ فقال: نعم إذا قتل الرجل الرجل عمدا فقبلت منه الدية، وهو من أهل الذهب والورق، نظرت إلى قيمة أسنان دية الخطأ، ثم قيمة أسنان دية العمد؛ فإذا عرفت ما بينهما من الفضل فإن كان خمس الدية أو سدسها أو عشرها أو جزءا من أجزاء الدية كائنا ما كان ذلك؛ فإنه يزاد على قاتل العمد بقدر ذلك مع الألف دينار إن كان من أهل الذهب أو الاثنا عشر ألف درهم إن كان من أهل الورق، فهذا تغليظها في هذا الوجه، وهو على قياس تغليظ الدية في مثل ما حكم به عمر بن الخطاب في المدلجي في ابنه، وعلى هذا الحساب تغليظ عقل الجراح في العمد إلا أن يصطلحوا على أمر يجوز بينهم، وسألت ابن نافع عنه فقال: لا تغليظ عندنا إلا في مثل ما صنع عمر بن الخطاب بالمدلجي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول مسألة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادة ذلك.

مسألة: النفر يجرحون الرجل فيحمل مجروحا فيموت

مسألة وقال في النفر يجرحون الرجل فيُحمل مجروحا فيموت فتجب القسامة عليهم: إنهم لو أقروا بقتله أجمعون لم يكن لهم أن يقتلوا منهم أحدا حتى يقسموا على أيهم أحبوا فقط، فيقتلونه، ولا يكون لهم وسائرهم بالإقرار، قال: وكذلك إذا لم يقر منهم إلا واحد قال: أنا قتلته لم يكن لهم أن يقتلوه حتى يقسموا عليه، ولا أن يقسموا على غيره، ويقتلوا المقر بإقراره، وليس لهم أن يقسموا إلا على واحد منهم فيقتلونه كما لو لم يقروا أو لم يقر أحد منهم.

قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

مسألة: أيجوز للإمام أن يعفو عن القاتل

مسألة وسئل على المسلم يقتل المسلم عمدا الذي لا ولي له إلا المسلمون أيجوز للإمام أن يعفو عن القاتل؟ قال: لا ينبغي له أن يهدر دم المسلم، ولكن يستقيد منه، قيل فالنصراني يقتل النصراني عمدا الذي لا ولي له إلا المسلمون ثم يسلم القاتل أترى أن يقتل به؟ قال: العفو عن مثل هذا أحب إلي من قتله، وذلك أن حرمته إذا أسلم أعظم من حرمة الكافر المقتول، قال: ولو كان للمقتول أولياء كان لهم القود؛ لأنهما كانا على دين واحد يوم قتله، فإذا صار أمره إلى الإمام فالعفو عندي أعجب إلي وإن كان القود قد لزمه، قيل له أفيعفو على أخذ الدية للمسلمين أو بغير دية.
قال محمد بن رشد: لم يجب عما سأله عنه من العفو الذي اختاره هل يكون على أخذ الدية للمسلمين أو بغير دية، والجواب عن ذلك على قوله أن يعفو عندي بغير دية للمسلمين، والدليل على أن ذلك مذهبه في هذه الرواية تفرقته فيها بين المسلم الذي يقتل المسلم ولا ولي له إلا المسلمون وبين النصراني يقتل النصراني ثم يسلم القاتل ولا ولي للمقتول إلا المسلمون، فقال في المسلم يقتل المسلم الذي لا ولي له إلا المسلمون إنه لا يجوز للإمام أن يعفو عن القاتل، وقال في النصراني يقتل النصراني ثم يسلم القاتل ولا ولي للمقتول إلا المسلمون: العفو أحب إليه فيه، فلو كان لا يجوز له أن يعفو عنه إلا على الدية لكان ذلك كالمسلم يقتل المسلم سواء؛ إذ ليس للإمام أن يعفو عنه إلا على دية يأخذها منه للمسلمين إن رأى ذلك على وجه نظر لهم، وعلى ما

تقدم من قوله في رواية عيسى عنه في أول سماعه لا يجوز له أن يعفو عنه إلا على الدية يأخذها منه إن كان له مال، وقد مضى بيان هذا هنالك وبالله التوفيق.

مسألة: ارتحل عن البلدة التي وجبت فيها الدية على الجاني قبل فرضها

مسألة وسألته عن عاقلة الرجل من أهل المدينة يقع عليهم عقله فيرتحل منهم رجال من أهل المدينة إلى مصر بعد وجوب الدية عليهم وقبل أن تقسم، أو يرتحل رجال من أهل مصر من قبيلتهم وقد وقعت الدية على أهل المدينة قبل ارتحال المصريين إليهم ولم يقسم بعد عليهم، قال: لا ينظر إلى ارتحال بعضهم إلى بعض قبل أن يقسم عليهم، فإنا نقول: إنما تجب الدية على من يوجد بالبلد الذي تجب على أهله يوم يقسم، وليس يوم يقع الحكم على العاقلة بغرم الدية.
قلت: وما أسقطها على المرتحل وقد وجبت على عاقلته وأهل بلده قبل أن يرتحل عنهم؟ فقال: لأنها ليست بدين واجب عليه، ألا ترى أن الغرماء لا يحاصهم طالب الدية وهم يُبَدَّوْنَ عليه؟ (قلت: أرأيت من مات من بعدما تقسم الدية) ويعلم ما وجب عليه أيؤخذ ذلك من رأس ماله؟ قال: لا أرى ذلك على ورثته ولا في ماله واجبا؛ لأنه ليس يجب كوجوب الدين فيتبع به بعد موته، قلت: ولم لا نجعله في ماله بعد إخراج دينه كما تفرضها على الحي الذي لا دين عليه وقد كانت وجبت عليه وعرف ما كان يلزمه من الغرم مع عاقلته؟ قال: لا أرى أن تؤخذ من ماله، ولكن يرد غرم ذلك إلى بقية العاقلة، قلت: أيقسم عليهم أجمعين أم يجزأ على

أهل الغنى منهم، ويرى أن يؤخذ ذلك الجزء الذي يقتضي من عام قابل؟ فقال: أعدل ذلك ألا يؤخر لقابل من الجزء الأول بشيء، ولكن يجبر غرم ذلك على أهل الغنى من العاقلة.
قال محمد بن رشد: أما من ارتحل عن البلدة التي وجبت فيها الدية على الجاني قبل فرضها فلا اختلاف أحفظه في أنه لا شيء على المرتحل قبل فرضها إلا أن يرتحل فرارا منها فيلحقه حكمها حيث كان، وذلك يروى عن ابن القاسم وغيره، وكذلك من مات قبل فرضها لم يلزمه شيء من حكمها، ومن ارتحل إلى ذلك البلد من قبيل الجاني قبل فرض الدية لزمه حكمها، وإن كان ارتحاله بعد وجوبها، فإن ارتحل إليه بعد فرضها لم يلزمه شيء من حكمها؛ لأن الحكم في الدية أن تفرض على من كان في بلد الجاني من قبيلته يوم فرضها حيا بالغا ذكرا عاقلا غير مجنون، وأما إذا وضعت ووظفت فلا يسقط عمن غاب أو ارتحل ما صار عليه منها، ويؤخذ به حيثما كان.
واختلف إن أعدم على قولين، أحدهما: أنها تسقط عنه بالعدم ولا يحاص بها الغرماء ويرد ذلك على بقية الغرماء العاقلة أو يجزأ على الأغنياء منهم على ما اختاره ابن القاسم في هذه الرواية، والثاني أنه يتبع بما لزمه منها في ذمته ولا يرجع ذلك على العاقلة، وهو مذهب ابن الماجشون وسحنون.
واختلف إن مات على ثلاثة أقوال، أحدها قوله في هذه الرواية: إنها لا تؤخذ من ماله وإن كان له مال، ويرد غرم ذلك على بقية العاقلة أو يجزأ على أهل الغنى والوفر منهم، والثاني: أنها تؤخذ من ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أو كان له مال وعليه دين يستغرق ماله سقطت، ولم يحاص بها الغرماء، وجزئت على بقية العاقلة أو على أهل الغنى منهم، والثالث: قول ابن الماجشون وسحنون أن الدية إذا فرضت على العاقلة فقد وجبت على من فرضت عليه كثبات الدين لا يسقط بموت ولا فلس، فيتبع بها العديم في ذمته

ويحاص لها الغرماء في الموت والفلس، ولا يؤتنف ذلك في حكم بعدم أحد ممن فرض عليه ولا بموته ولا بيسر من لم يفرض عليه شيء منها لعدمه وبالله التوفيق.

: وجبت لهم القسامة على نفر فأقسموا على أحد منهم ثم ادعوا أنه شبه لهم

ومن كتاب يشتري الدور والمزارع قال: وسألته عن أولياء مقتول وجبت لهم القسامة على نفر فأقسموا على أحد منهم ثم ادعوا أنه شُبِّهَ لهم، وأنهم أيقنوا أن أحد الباقين كان هو الذي تولى أشد ما كان بصاحبهم من الجراحات، وأرادوا أن يقسموا عليه ويتركوا الأول أذلك لهم؟ فقال: أما الثاني فلا سبيل إليه بعد تركهم إياه ولا حين خيروا، وأما الأول فإن كانوا أبروه حين زعموا أن الآخر بصاحبهم فلا سبيل لهم إليه أيضا ولا يقسموا على واحد منهم وإن كانوا إنما أرادوا أن ينتقلوا إلى الآخر غضبا عليه وندامة على فوت قتله ولم يبروا الأول وأوقفوا أمره لينظروا، هل يمكنون مما دعوا إليه أم لا؛ فلهم أن يقتلوه بقسامتهم إن أحبوا؟ قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله إن تبين أحد الأمرين من إرادتهم بإفصاح منهم به، وأما إن أشكل ذلك ووقع التداعي بينهم فيه فالقول قولهم مع أيمانهم أنهم لم يبروا الأول ويكون لهم أن يقتلوه بقسامتهم، وبالله التوفيق.

مسألة: يقتل الرجلين عمدا فيثبت ذلك عليه فيصالح أولياء أحد القتيلين ويأبى الآخر

مسألة وسئل عن الرجل يقتل الرجلين عمدا فيثبت ذلك عليه فيصالح أولياء أحد القتيلين على الدية وعفوا عن دمه، وأبى أولياء الآخر إلا أن يستقيدوا، فقال: القود لمن أحب أخذه، ولا يمنع من قتله الولي الذي لم يرد إلا القتل من أجل ما رضي به الذين صالحوا عن صاحبهم، ولكن إن استقادوا بطل صلح الذين صالحوا؛ لأنهم إنما صالحهم للنجاة من القتل، فإذا أبى الآخرون إلا القود فلا يجمع عليه القتل وذهاب المال في أمر لم يدخل عليه فيه مرفق.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة هاهنا في بعض الروايات وهي ثابتة في هذا الرسم بعينه، من كتاب الدعوى والصلح، وقد مضى هناك الكلام عليها فلا معنى لإعادته.

مسألة: العبد يقتل أباه الحر عمدا فيسلمه سيده إلى أولياء المقتول فيستحيوه

مسألة وسئل عن العبد يقتل أباه الحر عمدا فيسلمه سيده إلى أولياء المقتول وهم إخوة العبد القاتل أو ولده فيستحيوه أيعتق عليهم؟ قال: لا يعتق عليهم، ولكن يباع فيعطون ثمنه، قيل له فإن جرحه عمدا فأسلمه إليه سيده أيسترقه أبوه؟ فقال: بل يعتق عليه سواء جرحه عمدا أو خطأ، قلت فإن قتله خطأ فأسلمه إلى وارثه وهو ممن إذا ملكه عتق عليه؟ قال: يعتق عليه لأنه يقدر في الخطأ ولا يقدر في العمد، قلت له: أفيرث إذا أعتق؟ قال: لا، ألا ترى إن ملكه قد كان بيد سيده حتى أسلمه بعد موت المقتول، قلت:

أرأيت إن لم يكن للمقتول مال؟ وأنتم إنما رأيتم أنه إذا أسلم في العمد لم يعتق لما مضى من السنة أنه «لا يرث قاتل مَن قتل» وقال مالك: يرث من المال في الخطأ ولا يرث في العمد ولا من المال، قلت: فإذا قتل عمدا فأسلم إلى من إذا ملكه عتق عليه فإن عتق فكأنه قد ورث؛ لأن فك رقه إنما كان فيما ملك عنه المقتول، فإذا صار يعتق فيه فكأنه قد ورث منه قلت: فالذي يقتل خطأ ولا مال للمقتول فأسلم إلى من إذا ملكه عتق عليه فقلت يعتق في الخطأ أفما تراه الآن قد عتق في دية المقتول وهو لا يرث من الدية وإن كان القتل خطأ؟ ألا ترى أن المقتول لم يورث (شيئا عن دية فلما أسلم هذا العبد ... للقاتل صار هو دية المقتول؟ فإذا أعتق على الذي أسلم إليه إنما هو كمن ورث دية من قتل خطأ، قال سحنون: وكذلك أخبرني ابن القاسم في العبد يقتل ابنه الحر كما فعل المدلجي بابنه فإن الجناية في رقبته، قلت لابن القاسم: فإن أسلمه مولاه أيعتق عليه؟ قال: لا، ولكن يباع (فيكون ثمنه لورثة) ابنه قلت له: فإن جرح ابنه فأسلمه سيده لجنايته؟ قال: يعتق لأنه حكم لأن سيده كان مخيرا، قلت وكذلك لو أنه قتل ابنه خطأ فأسلم إلى ورثته ابنه، قال: كذلك يعتق عليهم، وكل من فعل هذا فأسلم إلى بعض من إذا ملكه عتق عليه، فهو يعتق؛ لأن ذلك حكم وقع؛ لأن سيده كان مخيرا في حبسه ودفع الأرش، فلما كان دفعه إلى (أولياء المقتول حكما) عليهم بأخذه فإذا أخذوه حكم عليهم بحريته.

قال محمد بن رشد: إنما لم يعتق العبد على ورثة أبيه الحر إذا قتله عمدا فأسلم إليهم وهو ممن يعتق عليهم؛ لأنه لم يجب لهم رقبة العبد، وإنما وجب لهم قتله بأبيهم إن كانوا ولده، أو بأخيهم إن كانوا إخوته، فإن لم يريدوا أن يقتلوه بيع لهم وأعطوا ثمنه، وقال إنه يعتق عليهم إن كان قتله خطأ من أجل أن رقبة العبد هي الواجبة لهم؛ إذ لا قصاص في الخطأ، فإن أخذوها في الجناية على أبيهم عتق عليهم، فهذا هو وجه تفرقته بين العمد والخطأ في القتل، ألا ترى أنه لما كانت الجراح لا يجب فيها دم العبد، وإنما تجب فيها للمجروح رقبته إلا أن يفتكها سيده بدية الجرح استوى في ذلك العمد والخطأ، وتفرقته بين العمد والخطأ بقوله؛ لأنه يعذر في الخطأ ولا يعذر في العمد يرجع إلى هذا الذي ذكرناه من الفرق بين العمد والخطأ في القتل؛ لأن قوله: لأنه يعذر في الخطأ ولا يعذر في العمد إنما معناه أنه في القتل الخطأ يعذر فلا يقاد منه، فيجب لهم فيه رقبة العبد، وفي العمد لا يعذر فيقاد منه فلا يجب لهم فيه إلا دم العبد، ولو كانت العلة في أنه يعتق في الخطأ أنه يعذر فيه، وفي أنه لا يعتق في العمد أنه لا يعذر فيه لافترق العمد من الخطأ في الجراح أيضا.
ولم يبين يحيى بن يحيى هذا الفرق وظن أن العلة في أنه لم يعتق عليه في العمد من جهة أن القاتل عمدا لا يرث من قتل، فاعترض على ابن القاسم بقتل الخطأ إذا لم يكن للمقتول مال بقوله: قلت أرأيت إن لم يكن للمقتول مال، وأنتم إنما رأيتم أنه إذا أسلم في العمد لم يعتق لما مضى من السنة أنه «لا يرث قاتل من قتل» إلى قوله: إنما هو كمن ورث دية من قتل خطأ، فلم يجبه على اعتراضه بشيء، والجواب عن ذلك أن نقول له: إنما لم نقل إنه لا يعتق من أجل ما مضى من السنة أنه «لا يرث قاتل من قتل» وإنما قلنا ذلك من أجل أنه لا يجب لهم رقبة العبد، وإنما يجب لهم دمه، وقول سحنون

وكذلك أخبرني ابن القاسم في العبد يقتل ابنه الحر كما فعل المدلجي بابنه فإن الجناية في رقبته يريد أن القتل كان يجب عليه لأنه من العمد؛ لأن القود صرف عنه في السنة فرأى أن يعتق عليهم العبد إذا أسلم إليهم لأنهم كأنهم إنما وجب لهم دمه لا رقبته إذ كان القياس أن يقتل لولا ما جاء فيه من السنة في تغليظ الدية وترك القود، وهذا من ابن القاسم في هذا الموضع استحسان، وكان القياس أن يعتق عليه لأنه أشبه بالخطأ منه بالعمد، لارتفاع القود فيه.
وقد قال محمد بن مسلمة تفسير قول ابن القاسم إن الجناية في رقبته أن سيده مخير في أن يفتكه أو يسلمه، فإن اختار فكه افتكه بدية التغليظ إن كان من أهل الإبل فعليه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وإن كان من أهل الورق أو الذهب جبر عليه ما بين دية الخطأ من الإبل وبين دية التغليظ يغرمه مع الورثة من الذهب أو الورق، فإن أسلمه لم يعتق عليه في قول ابن القاسم، وفي قول سحنون وأشهب يعتق كأنه من الخطأ عندهما ليس من العمد إذا كان الورثة ممن يعتق عليهم، وإن كان فيهم من يعتق عليه وفيهم من لا يعتق عليه عتق نصيب من لزمه عتقه منهم ورق سائره للورثة، وهو قول المغيرة في التغليظ والعتق وقول محمد بن سحنون إن ما فعل المدلجي بابنه من العمد عند ابن القاسم، ولذلك لم ير أن يعتق عليه، ومن الخطأ عند أشهب وسحنون فلذلك لا يعتق عليهم عندهما فيه نظر إذ لا اختلاف بين ابن القاسم وغيره في أنه عمد لا أنه من العمد الذي قد أحكمت السنة صرف

القود فيه وتغليظ الدية فراعى ابن القاسم الأهل في وجوب القصاص فيه استحسانا، وراعى أشهب وسحنون ما أحكمته السنة من أنه لا قصاص فيه لأنه إذا لم يكن فيه قصاص وجب لهم ملكه إذا أسلم إليهم فوجب عتقه عليهم وهو القياس أنه لا فرق في وجوب ملكه إذا أسلم إليهم بينه وبين الخطأ المحض، وهو القياس وبالله التوفيق.

: من لا وارث له إلا جماعة المسلمين يقتل أحدهم فلا يشهد على قتله إلا رجل واحد

ومن كتاب المكاتب قال وسألته عن المنبوذ أو من لا وارث له إلا جماعة المسلمين مثل مسألة أهل الذمة وأشباههم يقتل أحدهم خطأ أو عمدا فلا يشهد على قتله إلا رجل واحد أيقسم على ذمه من قام بذلك من المسلمين أم هل ينبغي للإمام أن يأمر من يقوم به ويستحقه بالقسامة؟ فقال: لا يستحق دم من لا وراث له إلا جماعة المسلمين إلا بشهيدي عدل لا يستحق بالقسامة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إذ لا يحلف أحد عن أحد ولو كان للمقتول خطأ وارث معلوم مع جماعة المسلمين مثل الزوجة أو الابنة أو الأخت أو الأم لحلف الوارث المعلوم خمسين يمينا واستحق حقه من الدية وبطل الباقي منها وبالله التوفيق.

مسألة: جنين النصرانية يطرحه المسلم فيستهل صارخا

مسألة وسئل عن جنين النصرانية يطرحه المسلم فيستهل صارخا أيكون فيه القسامة؟ قال: لا قسامة لليهود ولا للنصارى ولا تجب دياتهم إلا بالبينة.

قال محمد بن رشد: قوله ولا تجب دياتهم إلا بالبينات ظاهر أن دية الجنين تبطل إذا استهل صارخا وإن كانت البينة على ضرب بطن أمه، وأن النصراني إذا قتل فأتى ولاته بشاهد من المسلمين عدل أنهم لا يحلفون مع شاهدهم، ويحلف المشهود عليه خمسين يمينا ويبرأ من الدية خلاف ما في المدونة من أنهم يحلفون مع شاهدهم يمينا واحدة ويستحقون ديته ويحلفون في الجنين إذا استهل صارخا يمينا واحدة لمات من ذلك ويستحقون ديته، ولو شهد على مذهبه في المدونة على الضرب شاهد واحد لحلفوا على الضرب وعلى أنه مات منه يمينا واحدة أيضا وخلاف ما في سماع سحنون بعد هذا من أن النصراني إذا ضرب فقال: فلان قتلني ثم مات لم يكن فيه شيء لا بقسامة ولا بيمين إلا أن يقوم شاهد واحد فيحلف ولاته يمينا واحدة ويأخذوا الدية، قال: وإلى هذا رجع، وهو خلاف لما في كتب المسائل، فيحتمل أن يكون الذي في كتب المسائل أنهم لا يحلفون مع شاهدهم ويحلف المشهود عليه خمسين يمينا مثل قول أشهب وظاهر هذه الرواية، ويضرب المشهود عليه مائة ويسجن سنة عند أشهب حلف أو نكل وعند ابن القاسم وإن غرم الدية بيمين أولياء المقتول، ولم ير ابن الماجشون ضرب مائة وسجن سنة إلا على من أشاطت القسامة بدمه فعفي عنه أو أقسم على غيره فترك هو، والمغيرة يقول: إنهم يحلفون مع شاهدهم خمسين يمينا ويستحقون ديته وهو قول ثالث في المسألة وبالله التوفيق.

مسألة: شهد رجل عدل على جرح رجل فمات من ذلك الجرح

مسألة قلت: فجنين الحرة المسلمة يطرح فيستهل ويشهد على الاستهلال امرأتا عدل ولا يشهد على ضربها إلا رجل واحد عدل

أتجب القسامة لأوليائه بشهادة واحد على الضرب؟ قال: لا وكذلك لو شهد رجل عدل على جرح رجل فمات من ذلك الجرح لم تجب فيه قسامة وإن صح المجروح حلف مع شاهده واقتص.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا قسامة مع الشاهد الواحد على الجرح خلاف نص قوله في المدونة، وفي نوازل سحنون بعد هذا القولان جميعا، فعلى القول بأنه يكون في ذلك القسامة يحلفون لقد جرحه ولقد مات من جرحه، ولا يحلفون مع الشاهدين على الجرح إلا لقد مات من ذلك الجرح، وأما مع الشاهد على القتل فيحلفون لقد قتله خاصة، فتفترق الثلاثة الوجوه في صفة الأيمان، وتختلف أيضا في القسامة مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل بالقتل عمدا، فقال أشهب في ذلك القسامة، ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أنه لا قسامة في ذلك، ومثله في آخر سماع سحنون، وهو ظاهر ما في المدونة، إلا أن سحنون أصلح ما في المدونة ورده إلى مثل قول أشهب لأن ابن القاسم قال فيها: وهذا عندي مخالف للدم، زاد سحنون في ذلك دم الخطأ على سبيل التفسير لقوله، وذلك خلاف المنصوص له في كتاب ابن المواز من أن القسامة لا تكون مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل بالقتل في العمد، وإذا قاله في العمد فأحرى أن يقوله في الخطأ، وقد اختلف أيضا قوله في القسامة مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل بقتل الخطأ، وقع اختلاف قوله في ذلك بعد هذا في سماع سحنون، وإذا قال بالقسامة مع الشاهد الواحد في قتل الخطأ فأحرى أن يقول ذلك في العمد.
فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: إيجاب القسامة مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل بالقتل عمدا أو خطأ، والثاني: لا قسامة في ذلك لا في العمد ولا في الخطأ، والثالث: الفرق بين العمد والخطأ، وإلى هذا ذهب سحنون وعليه أصلح ما في المدونة، وهو الأظهر من الأقوال إذ قد قيل إن إقرار القاتل

بالقتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله وإنما شهد به شاهد واحد، وأما القسامة مع الشاهد على القتل أو الشاهدين على الجرح أو على قول المقتول دمي عند فلان فلا اختلاف في المذهب في وجوب القسامة بذلك في العمد والخطأ، وقد مضى بعض هذا في أول رسم من سماع عيسى.
وأما قوله: وإن صح المجروح حلف مع شاهده ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: هذا وهو قوله في كتاب الأقضية من المدونة.
والثاني: أنه لا يقتص في الجراح مع الشاهد الواحد وهو قوله في كتاب الشهادات منها، وكل جرح لا قصاص فيه فإنما هو مال فلذلك جازت فيه اليمين مع الشاهد، والثالث: الفرق بين صغار الجراح وكبارها، وهو قول سحنون ومذهب ابن الماجشون وبالله التوفيق.

مسألة: يجرحان رجلا أحدهما عمدا والآخر خطأ فتقوم عليهما البينة بذلك فيموت المجروح

مسألة وسألته عن الرجلين يجرحان رجلا يجرحه أحدهما عمدا والآخر خطأ فتقوم عليهما البينة بذلك فيموت المجروح، قال: يخير الأولياء فإن شاءوا أقسموا على الجارح عمدا فقتلوه وأخذوا من الجارح خطأ عقل الجرح الذي جنى، وإن شاءوا أقسموا على الجارح خطأ وأخذوا الدية تامة من عاقلته واستقادوا من الجارح عمدا مثل الجرح الذي بصاحبهم، وليس لهم أن يقسموا عليهما فيستقيدوا من الجارح عمدا ويأخذوا الدية من عاقلة الجارح خطأ ولكنهم يخيرون فيما فسرت لك.

قلت: فإن لم يثبت الجرحان على الرجلين إلا أن الميت ادعى أن فلانا جرحه عمدا وأن فلانا جرحه خطأ بجرحين كانا به؟ فقال: أمره فيما يدعي عند موته مثل الذي تثبته البينة من أمر جرحيه - فيما فسرت لك سوى إن أقسموا على الجارح عمدا قتلوه وأخذوا عقل الجرح خطأ، وإن أقسموا على الجارح خطأ أخذوا الدية من عاقلته واقتصوا من الجارح عمدا بمثل جرحه.
قال محمد بن رشد: أما إذا قامت البينة على الجرحين فقوله إن الأولياء مخيرون بين أن يقسموا على الجارح عمدا فيقتلوه ويأخذوا من الجارح خطأ عقل الجرح الذي جنى، وبين أن يقسموا على الجارح خطأ فيأخذوا الدية من عاقلته ويقتصوا من الجرح صحيح على أصل ابن القاسم وروايته عن مالك في أن من قطع يد رجل عمدا فنزا فيه فمات أن الأولياء مخيرون بين أن يقسموا فيقتلوه، أو لا يقسموا فيستقيدوا منه بقطع يده، ويأتي فيها على قياس قول أشهب في أنه ليس للولاة أن يقتصوا منه بقطع يده إلا باختياره لأن الجناية قد عادت نفسا بما قاله في سماع أبي زيد أنهم إن أقسموا على الذي ضربه عمدا قتل به ولا شيء على الآخر، وإن أقسموا على الذي ضربه خطأ كانت عليه الدية كاملة يريد على العاقلة، وبرئ الآخر، وأما إذا لم تكن بينة على الجرحين وإنما كان ذلك بدعوى من الميت فقوله: إن ذلك بمنزلة البينة على الجرحين مخالف للأصول؛ لأن الجراح لا تستحق بالقسامة منها في العمد، ولا الدية في الخطأ، وهو نص قوله في المدونة إن الجراح ليس فيها قسامة، والصحيح فيه ألا سبيل إلى القصاص من الجرح ولا إلى أخذ الدية فيه، وإنما لهم الخيار في أن يقسموا على من أحبوا فإن أقسموا على المتعمد قتلوه ولم يكن على الآخر شيء ولا على عاقلته وإن أقسموا على المخطئ أخذوا الدية من عاقلته ولم يكن على الآخر شيء لأنه لا تكون قسامة في جرح فيستحقون بها أرشه أو القود منه بجرح صاحبهم، قاله محمد بن المواز،

وعاب رواية يحيى هذه وعابها أيضا يحيى بن يحيى، ولو شهد على كل واحد من الجرحين شاهد واحد لكان الحكم في ذلك على ما اخترناه وصححناه في الوجهين المتقدمين أن يكون الأولياء مخيرين، فإن أقسموا مع الشاهد على جارح الخطأ استحقوا الدية على عاقلته ولم يكن لهم على جارح العمد شيء إذ لا يقتص باليمين مع الشاهد إلا المجروح وأما ورثته فلا وإن أقسموا على جارح العمد قتلوه بقسامتهم وحلفوا مع شاهدهم على الجرح الخطأ فاستحقوا أرشه لأنه مال من الأموال كدين ثبت للميت بشاهد واحد فيستحقونه مع أيمانهم مع شهادته.

مسألة: يجرح الرجل عمدا فيصالحه ثم ينزى في جرحه فيموت

مسألة قال: وسألته عن الرجل يجرح الرجل عمدا فيصالحه على شيء غرمه ثم ينزى في جرحه فيموت فيقول وليه: إنما كان صالحك في الجراح ولم يصالحك في دمه قال: أرى القود يجب لهم إن أقسموا إذا كان المقتول إنما صالحه بعد ثبوت الجرح عليه بإقرار أو بينة، ويرد عليه ما كان أخذ منه في الصلح، قال: وإن كان الجرح خطأ وكان قد صالحه فيما كان وجب عليه من عقل الجرح ثم نزي في جرحه فمات أقسموا لمات من ذلك الجرح وتمت لهم الدية على العاقلة ويرد على القاتل ما كان غرم بالصلح.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه خير ولي المقتول في العمد بين التمسك بالصلح أو الرجوع إلى القود ورد ما أخذ بالصلح ولم يخيره في الخطأ إذ من حق القاتل أن يرد إليه ما أخذ منه في الصلح لأن الجرح قد آل إلى النفس ووجبت فيه الدية على العاقلة وهو ظاهر ما في المدونة،

وأشهب لا يوجب له الخيار في العمد ولا في الخطأ، وحكى ابن حبيب في الواضحة أن له الخيار في العمد والخطأ"، وقد مضى بيان القول في هذا في رسم أسلم من سماع عيسى.

: تحمل العاقلة مما يبلغ ثلث العقل

ومن كتاب الأقضية وسئل عما تحمل العاقلة مما يبلغ ثلث العقل أذلك إذا بلغ عقل ما جنى الجاني ثلث عقل نفسه، أم ثلث عقل المجني عليه فإنه قد يختلف أحيانا فيكون الجاني رجلا والمجني عليه امرأة وتجني المرأة على الرجل فقلت: إلى ثلث عقل أيهما ينظر؟ أم لا تحمل العاقلة إلا أن تبلغ الجناية ثلث عقل الرجل ولا ينظر في ذلك إلى عقل الجاني والمجني عليه؟ فقال: إنما الأمر فيه أن ينظر إلى عقل المجني عليه إذا كان أحدهما رجلا والآخر امرأة، فإذا بلغت الجناية ثلث عقل المجني عليه حملت ذلك عاقلة الجاني.
قلت: أرأيت إن كان المجني عليه مجوسيا أو نصرانيا أو يهوديا فبلغ عقل ما أصابه به المسلم ثلث عقل المجوسي والنصراني واليهودي أتحمل ذلك العاقلة؟ فقال: هذا مما لا تحمله العاقلة قل ما أصاب به المسلم المجوسي أو النصراني أو اليهودي أو كثر بلغ قتله فما دونه.
قلت له: ولم لا تحمل عاقلة المسلم ما جنى على أهل الكتاب ولا مجوسي؟ قال: لأن حالهم في ذلك عندنا كحال العبيد إلا أن دياتهم قد مضت السنة بنصها وفرضها وتسميتها بهم على ما مضى من دياتهم، ولا تحمل عاقلة مسلم أصابهم بقتل فما دونه.

قال محمد بن رشد: هذه المسألة لابن نافع لا لابن القاسم والله أعلم؛ لأنها في الأصل: وسألت ابن نافع في أولها وقلت لابن نافع في آخرها، وقد قال في أول السماع إنه لابن القاسم وأشهب وابن نافع.
وقوله فيها إن الأمر في ذلك أن ينظر إلى عقل المجني عليه إن كان أحدهما رجلا والآخر امرأة، فإذا بلغت الجناية ثلث ديته حملته عاقلة الجاني هو القول الذي قال به مالك في أول رسم من سماع أشهب وأنكر أن يكون قال إنه إن بلغت الجناية ثلث دية أحدهما حملته عاقلة الجاني، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك وقلنا: إنه كان الأظهر ألا تحمل عاقلة الجاني جنايته إلا أن تبلغ ثلث ديتهما جميعا وبينا الوجه في ذلك فلا معنى لإعادته.
وأما قوله: إنه لا تحمل عاقلة الجاني من المسلمين ما جنى على يهودي أو نصراني أو مجوسي قل ذلك أو كثر لأن أهل ذمتنا بمنزلة عبيدنا، فهو خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها وهو بعيد أيضا إلا أن يتأول على أنه إنما أراد أهل الذمة من أهل العنوة دون أهل الصلح فيصح قوله ويخرج على أحد قولي ابن القاسم في أنهم كالعبيد المأذون لهم في التجارة فلا يحرم تزويج إمائهم، وهو قوله في سماع سحنون عنه، وأما على قوله بأنهم أحرار فالقياس بأن تحمل عاقلة الجاني من المسلمين ما جنى عليهم إذا بلغ ذلك ثلث دية المجني عليه أو الجاني على الاختلاف المذكور إلا أن يقال إنها لا تحمل شيئا من ذلك مراعاة للقول بأنهم عبيد، فيكون لذلك وجه، فتأويل قول ابن نافع هذا على أنه إنما تكلم على أهل الذمة من أهل العنوة أولى من حمله على ما لا يصح وبالله التوفيق.

مسألة: يرمى بقتل الرجل وتقوم عليه بذلك بينة

مسألة قال وسألته عن الرجل يرمى بقتل الرجل وتقوم عليه بذلك بينة أو ثبت عليه لوث تجب به القسامة أو يرميه المقتول بدمه فيأتي

المتهم ببينة عدول يشهدون أنه قد كان معهم في اليوم الذي قتل فيه القتيل ببلد ناء بعيد لا يرى أن يبلغ المتهم من ذلك الموضع إلى الموضع الذي قتل فيه القتيل من ليلته ويرجع، فقال: أما إذا رماه بدمه أو لم يثبت عليه إلا لوث وكان الذين شهدوا له أنه كان معهم بمثل الموضع الذي وصفت عدولا فإن ذلك يدرأ عنه القسامة، قال يحيى: ولم يجبني في الذي تقوم البينة عليه بالقتل ومعاينة الضرب.
قال محمد بن رشد: أما التدمية والشبهة التي توجب القسامة فلا اختلاف في سقوطها بالشهادة للمدعى عليه أو المتهم بأنه كان في ذلك اليوم بغير ذلك البلد كما قال في هذه الرواية، ويحتمل أن يكون ابن وهب لأنه كذلك وقع في أصل السماع، ومثله في نوازل سحنون من كتاب الشهادات.
وأما الذي تقوم عليه البينة بالقتل أو معاينة الضرب فالمشهور في المذهب أن ذلك أعمل من شهادة من شهد له أنه كان في ذلك اليوم في ذلك البلد، وهو قول ابن الماجشون وسحنون في نوازله من كتاب الشهادات وقول أصبغ في نوازله منها أيضا، وذهب إسماعيل القاضي إلى أن الشهادة تبطل بذلك، وهو قول محمد بن عبد الحكم يريد والله أعلم إذا كانت مثلها في العدالة أو أعدل منها، وقد مضى الكلام على هذا المعنى مستوفى في الموضعين المذكورين من كتاب الشهادات فلا معنى لإعادته.

: تكون به جراحات فيقول بي فلان وفلان ثم ينص ما أصابه به كل رجل منهم

ومن كتاب أول عبد وسئل عن الرجل تكون به جراحات وآثار ضرب فيقول بي فلان وفلان ثم ينص ما أصابه به كل رجل منهم فيقول: أما فلان فطعنني بالرمح وضربني فلان بالسيف وضربني فلان بالعصا فأوضحني،

وخنقني فلان فمن فعل هؤلاء أموت إن مت مما ترون بي، ثم يموت فيوجد بعض تلك الجراحات قد أثخنته وبلغت مقاتله وشأن الخنق خفي أيجوز للأولياء أن يقسموا على من أحبوا؟ وكيف إن قال الميت أشدهم ألما الخنق أو الركض الذي فيه بي فلان، أو قال ضربة فلان بلغت مقاتلي أو طعنة فلان أو نص ما صنع به كل واحد منهم ولم يذكر مبلغها منه؟ قال: إذا لم يرم بدمه واحدا دون دوم واحد ولكن نص ما جرحه به كل واحد منهم فإنه ينظر إلى ما جرحه به كل رجل منهم، فإن وجد جرح أحدهم قد أنفذ مقاتله دون ما صنع به أصحابه لم يكن لهم أن يقسموا إلا عليه وحده، ولا خيار لهم في أن يقسموا على غيره، وإن وجدوا مقاتله قد أنفذها جراحات اثنين أو ثلاثة أو أجمعين أقسموا على من أحبوا ممن رئي أنه قد بلغ مقاتله فلم يدر من جرح أيهم مات، ولم يكن لهم الخيار في أن يقسموا على من جرحه جراحات لم توهنه ورئي أن جراحات غيره كانت أخلص إلى نفسه وأنفذ لمقاتله قال: وإن كانت كلها منفذه لمقاتله أو كلها [غير موهنة له] فيما يرى حتى لا يدرى من فعل أيهم مات أقسموا على من أحبوا من جميع القوم وقتلوه، قلت: أرأيت من برئ من أن يقسم عليه حين رئي أن جرح غيره أنفذه أيجب عليه ضرب مائة سوط وسجن عام كما يجب على الذين يجب عليهم القسامة؟ فيقسم الأولياء على أحدهم ويضرب الآخرون مائة مائة ويسجنون عاما.
قال محمد بن رشد: قوله إذا نص ما أصاب به كل واحد منهم من

طعن برمح وضرب بسيف وركض وخنق أنه إن لم يرم واحد منهم دون غيره لم يكن لهم أن يقسموا إلا على من أنفذت جراحه مقاتله دون غيره ممن وصف ما أصابه به من الخنق والركض الخفي الشأن الذي لا يظهر يدل على أنه لو رمى بدمه الذي ركضه أو الذي خنقه لم يكن لهم أن يقسموا على سواه، وذلك مثل ما في سماع أبي زيد من أن التدمية بالركض والخنق وشبهه مما لا أثر له عاملة، وهو مذهب أصبغ قال: وقد قال مالك في الذي يلكز أو يضرب بالعصا أو يرمي بالحجر: إن فيه القسامة والقود إن كان عمدا بلا استثناء من ملك إن كان لذلك أثر أو جرح، والغالب من معرفة الناس أن اللكزة والعصا لا تجرح، وكذلك الركضة توهن داخل الجوف ولا تجرح، خلاف ما تقدم من قول ابن كنانة في آخر رسم العتق من سماع عيسى، وقد مضى هناك زيادة بيان فيه تتميم للمسألة.
ولم يجبه فيما سأله عنه من هل يجب على من برئ من أن يقسم عليه حين رئي أن جرح غيره أنفذ مقاتله ضرب مائة وسجن سنة أم لا؟ والجواب أن ذلك يجب عليهم؛ لأن الذي رماهم به من التعاون على قتله بالطعن والضرب والخنق لو قامت عليه البينة لقتلوا به جميعا، فإذا لم يكن إلا قوله فلم يمكنوا من القسامة [إن على واحد منهم وجب أن يضرب سائرهم مائة مائة ويسجنوا حولا كاملا إذ من أهل العلم من يرى أنهم يقتلون كلهم بالقسامة] كما كانوا يقتلون كلهم لو قامت على ذلك من فعلهم بينة.
وبالله التوفيق.

مسألة: دمي على رجل ثم برأه ودمي على غيره

مسألة وسئل عن الرجل يضرب فيسأل من به؟ فيقول: فلان وفلان ثم

يقيم أياما فيقال له اتق الله ولا ترم بدمك بريئا فيقول بي فلان وفلان لغير الذين سماهما أولا بدمه، ولا يذكر تبرية الأولين أيخير الورثة بين أن يقسموا على من أحبوا من الأولين والآخرين؟ فقال: لا ولكن يكون قوله الذي رجع إليه تكذيبا لقوله الأول فتسقط القسامة عن الأولين والآخرين بما تبين من وهمه فيمن يرميه بدمه وجهالته بموضع حقه، ثم لا يقسم على دم مثل هذا إلا بلوث من بينة وهذا عندي بمنزلة رجل يرمي بدمه رجلا ثم يبرؤه ويرمي به آخر فتسقط القسامة عن الأول والآخر.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم وأشهب أنه إن دمي على رجل ثم برأه ودمي على غيره أو دمي على غيره ولم يبرئه أو دمي على جماعة ثم برأ بعضهم أو دمي على رجل ثم دمي عليه وعلى غيره أو قال لا أدري من بي لأني كنت سكرانا ثم دمي على رجل أن القسامة تبطل في ذلك كله، وقال أصبغ إلا إذا دمي على رجل ثم دمي عليه وعلى غيره فقال: إن كان لم يقل أولا ليس بي غيره فيقبل قوله الآخر، وقال ابن الماجشون يؤخذ بقوله الآخر في ذلك كله ولو لم يقبل قوله الآخر ما قبل قوله الأول وهو بعيد يرده ما روي عن أنس بن مالك قال «عدا يهودي في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها فأتى بها أهلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قتلك فلان؟ لغير الذي قتلها فأشارت برأسها أي لا، فقيل لرجل آخر غير الذي قتلها فأشارت برأسها أي لا، فقال فلان لقاتلها فأشارت أي نعم، فأمر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرض رأسه بين جرحين» لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما أعمل قولها إذ

لم تضطرب فيه عند الاختبار، وإذا كان الشاهد تسقط شهادته باضطرابه فيها وشهادته بها بعد إنكاره لها حسب ما مضى القول فيه في رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات فأحرى أن ترد تدمية المدمى باضطرابه فيها وقوله بها بعد إنكاره لها، ورأى أصبغ تدميته على الرجل ثم تدميته عليه وعلى غيره إذا لم يقل أولا ليس بي غيره من ناحية زيادة الشاهد في شهادته، فأجازها وإن كان ذلك لا يقبل إلا من المبرز في العدالة، فقول ابن القاسم أظهر والله أعلم؛ لأن التدمية أضعف من الشهادة وأما إذا قال بي فلان أو فلان على الشك منه في أحدهما فلا اختلاف في أن تدميته تبطل ولا يكون للأولياء أن يقسموا على واحد منهما وبالله التوفيق.

مسألة: تجب لهم القسامة بالشاهد العدل فينكلون عن الأيمان

مسألة قال يحيى: قلت له فالقوم تجب لهم القسامة بالشاهد العدل فينكلون عن الأيمان ويردونها على القاتل فيحلف ويبرأ ثم يجدون شاهدا آخر؟ قال: هم مثل الذي فسرت لك من أمر طالب الحق يشهد له عليه شاهد واحد فينكل عن اليمين ويرد اليمين على المطلوب ثم يجد شاهدا آخر أنه لا حق له ولا لأهل القسامة إذا عرضت عليهم حقوقهم بأيمانهم مع شاهدهم فنكلوا، قلت: أرأيت أهل القسامة لو لم تجب لهم إلا بقول المقتول فنكلوا ثم وجدوا شهداء على قاتل صاحبهم أيستحقون دمه بالشهداء أم لا حق لهم إذا نكلوا عن القسامة؟.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن نكول الأولياء على القسامة بالشاهد الواحد وردهم الأيمان على المدعى عليه بمنزلة نكول صاحب الحق عن اليمين مع شاهده ورده اليمين على المطلوب، وإذا كان بمنزلته وجب أن يدخل في مسألة القسامة من الاختلاف ما ذكرناه في رسم أول عبد من سماع

يحيى من كتاب الشهادات في مسألة صاحب الحق ينكل عن اليمين مع شاهده فيرد اليمين على المطلوب فيحلف ثم يجد شاهدا آخر أو شاهدين سوى الأول، ولم يجب إذا نكلوا عن اليمين مع قول المقتول وردوا الأيمان على القاتل فحلف ثم وجدوا شهودا على القاتل هل يكون لهم القيام بهم أم لا ولا فرق بين المسألتين يدخل فيهما من الاختلاف ما دخل في الذين نكلوا عن القسامة مع الشاهد فردوا الأيمان على المدعى عليه وفي الذي نكل عن اليمين في حقه مع شاهده فردها على المطلوب، إلا أنهم لم يجدوا إلا شاهدا واحدا على القتل، فلا يضاف إلى قول المقتول، إذ ليس بشاهد وإنما هو لوث أوجب القسامة لأوليائه على مذهب مالك وأصحابه.

مسألة: كيف يحلف أهل القسامة

مسألة قلت له كيف يحلف أهل القسامة أعلى البت أم على العلم؟ وكيف تكون أيمانهم؟ قال يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو لمات من ضرب فلان بالبت لا يجزيهم أن يدخلوا في أيمانهم علمنا ولا ظننا ولا رأينا ولا شيئا غير أن يبتوا الحلف لمات من ضربه وتنتهي أيمانهم في ذكر الله والحلف باسمه تبارك وتعالى إلى أن يقولوا بالله الذي لا إله إلا هو وليس عليهم أن يقولوا الرحمن الرحيم ولا الطالب الغالب المدرك ولا شيء غير ما فسرت لك.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل القسامة إنهم يحلفون لمات من ضرب فلان معناه إذا كانت القسامة بشاهدين على الضرب، وأما إذا كانت بشاهد واحد على الجرح على القول بوجوب القسامة بذلك فيحلفون لقد جرحه ولقد مات من جرحه، وكذلك إذا كانت القسامة بقول المقتول وقد حيي حياة بينة، وإما إن كانت بقوله وهو في غمرة الموت أو بشاهد واحد على القتل فيحلفون لقد قتله أو لقد جرحه الجرح الذي مات منه لا أكثر، قال ابن حبيب ويحلفون على قوله لقد ضربه ولمات من ضربه إن كان سمى ضربا، ولقد قتله

ولمات من قتله إن كان سمى الميت قتلا، وسواء كان به أثر أو لم يكن، وأما قوله في أيمانهم إنها تنتهي من ذكر اسمه إلى أن يقولوا بالذي لا إله إلا هو فهو قوله في المدونة المشهور من مذهبه وقد قيل إنه يزيد في يمينه عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول ابن كنانة في المدنية، وفي كتاب ابن شعبان أن من حلف على المنبر فليقل ورب هذا المنبر، وقد روى ابن القاسم وابن وهب من مالك أن الحالف في القسامة يقول بالله الذي أحيى وأمات ذكر ذلك ابن حبيب في الواضحة، والزيادة على بالله الذي لا إله إلا هو عند من رأى ذلك إنما هو استحسان، إذ لم يختلف في أن من لم يزد على ذلك شيئا تجزيه يمينه، فالاختلاف إنما هو هل تستحسن الزيادة أم لا؟ واستحسانها أحسن، وأما إذا لم يزد على بالله أو قال والذي لا إله إلا هو فلا تجزيه اليمين، قاله أشهب في الحالف والذي لا إله إلا هو.
ولا يحلف في القسامة إلا قائما مستقبل القبلة، ويستحب أن يكون ذلك في دبر صلاة العصر، وأما في الحقوق فقيل إنه يحلف قائما مستقبل القبلة وهو قول ابن الماجشون، وقيل إنه يحلف قائما وليس عليه أن يستقبل القبلة وهو ظاهر ما في المدونة وما في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وقيل ليس عليه أن يحلف قائما وهو قول ابن كنانة وبالله التوفيق.

مسألة: لم يكن للمقتول عمدا عصبة ولا وارث

مسألة قلت: أرأيت إن لم يكن للمقتول عمدا عصبة ولا وارث أتقسم القبيلة التي هو منها وهو معروف الانتماء إليهم يعقل معهم ويعقلون معه؟ قال: لا قسامة لهم ولا لأحد إلا بوراثة بنسب ثابت أو مولى ولاء أهل نعمته عليهم، ولا يقسم الموالي الأسفلون ولا تقسم القبيلة التي لا تستوجب ميراثه بالانتماء إلى أب يلقاهم عنده بالبينة العادلة.

قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قاله، ولا اختلاف فيه أحفظه وبالله التوفيق.

مسألة: تقول دمي عند فلان ثم تطرح جنينا ميتا

مسألة وسألته عن المرأة تقول: دمي عند فلان ثم تطرح جنينا ميتا، فقال: إن ادعت دمها عمدا قتل بالقسامة، قلت أرأيت إن ضربها رجل عمدا فثبت عليه الضرب فطرحت جنينها ثم ماتت أيجب عليه عقل الجنين مع القود إذا سقط ميتا أو إذا ثبت عليه ضربها بالبينة خطأ فسقط ميتا ثم ماتت أيكون عليه عقله مع عقلها أو هل تكون الغرة في خاصة ماله أو على العاقلة؟ وكيف في ثبوت الضرب عليه عمدا أو خطأ بالبينة إن طرحت جنينها حيا فاستهل ثم مات؟ فقال: إذا ثبت عليه أنه ضربها خطأ فطرحت جنينها، ثم ماتت كان عقلها على عاقلته إذا أقسم أولياؤها لماتت من ضربه، ويحلف ورثة الجنين يمينا وحده لمات من ضربه إياها ثم يكون عليه لهم الغرة في خاصة ماله إذا طرحته ميتا، فإن طرحته حيا ثم مات كانت في الأم قسامة وفي الجنين أيضا قسامة، وكان عقلاهما تأمين على عاقلة الضارب، قال فإن قامت عليه البينة أنه ضربها عمدا فطرحت جنينها ميتا ثم ماتت أقسم عليه أولياؤها واستحقوا دمها، وحلف ورثة الجنين يمينا واحدة فأغرموه الغرة في ماله واستقيد منه بدم الأم، وإن طرحت حيا فاستهل ثم مات؛ فإن كان ضربه إياها عمدا في بعض جسدها كانت في الجنين القسامة واستحق بذلك عقله في ماله وأقسم أولياء المرأة على ضاربها عمدا فقتلوه، وإن كان ضرب بطنها حتى رأى الشهود أن عمد القتل الجنين فطرحته حيا واستهل ثم مات كانت فيه

القسامة وفي أمه كذلك، ووجب القتل على الضارب لأولياء المرأة وأولياء الجنين يعفون إن أحبوا أو يقتلون ولا يضر أولياء الجنين عفو أولياء المرأة، ولا يضر أولياء المرأة عفو أولياء الجنين وأولياء كل واحد منهما أحق بالاستقادة لدم صاحبهم إلا أن يعفو من أولياء كل واحد منهما واحد ممن يجوز له العفو فلا سبيل إلى القتل.
قلت فلم رأيت عقل الجنين في مال الضارب حين ثبت عليه أنه ضرب أمه عمدا في بعض الجسد فطرحته حيا ثم مات؟ قال: لأن الضرب إذا كان عمدا فصار منه هلاك الجنين ولم يعمد لقتل الجنين بخاصة فهو عندي بمنزلة الذي يقطع أصبع الرجل عمدا فيشل يده ثم يستقاد منه بقطع الأصبع فلا تشل يد المستقاد منه، فإنه يعقل للمجروح الأول عقل شلل اليد ويكون ذلك في خاصة مال الجارح.
قلت: أرأيت ما كان مثل هذا مما يجب في خاصة مال الجاني؟ من أي أسنان الإبل يؤدي أمن أسنان العمد الأربعة أم من أسنان الخطأ الخمسة؟.
قال محمد بن رشد: دية جنين الحرة المسلمة أو النصرانية من المسلم إذا ضربت أو ضرب بطنها فألقت جنينها ميتا وهي حية غرة عبد أو وليدة على ما جاءت به السنة، وقال أشهب: إذا ماتت من الضربة ففي جنينها الغرة خرج قبل موتها أو بعد موتها، وهو قول ربيعة والليث وقيمة الغرة على مذهب مالك خمسون دينارا أو ستمائة درهم وهو من الجراح ويستوي فيه العمد والخطأ؛ لأنه أقل من ثلث الدية فلا تحمله العاقلة، ولو كان الجاني عليه من المجوس لافترق فيه العمد من الخطأ لأنه أكثر من ثلث دية الجاني فيكون في الخطأ على عاقلته، ولا يثبت بالقسامة مع قول أمها، وإنما يثبت بشاهدين

على الضرب أو بشاهد واحد مع يمين كل واحد من الورثة لأنه مال من الأموال والذي يأتي في هذا على معنى ما في المدونة إذا تدبرته، والذي في هذه الرواية من أنه لا يستحق ورثة الجنين الغرة إلا بأيمانهم لمات من ضربه أظهر فإن لم يشهد على الضرب إلا شاهد واحد حلف الورثة على الضرب، وعلى أنه مات منه على هذه الرواية، وعلى معنى ما في المدونة إنما يحلفون على تحقيق ما شهد به الشاهد من الضرب خاصة إذ لوثبت الضرب لاستحقوا الغرة على معنى ما فيها دون يمين، هذا الذي رجع إليه مالك من أن دية الجنين لورثته، وقد كان يقول أولا إنها لأبويه خاصة على الثلث والثلثين فأيهما خلا بها كانت له كلها ولا شيء فيها لأحد من سائر ورثته، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة والمغيرة وابن دينار، وقال ربيعة إنه للأم خاصة؛ لأنه عضو من أعضائها وجرح من جراحها، فإن ماتت هي من الضرب كان فيها الدية في الخطأ على العاقلة والقصاص في العمد بالقسامة مع قولها أو مع شهادة شاهدين على الضرب أو شهادة شاهد واحد على الاختلاف في القسامة مع الشاهد الواحد على الجرح، وكذلك إن استهل الجنين بعد خروجه فمات كانت فيه الدية في الخطأ على العاقلة والقصاص في العمد إلا أنه لا يثبت بالقسامة مع قول أمه، وإنما يثبت بالقسامة مع شاهدين على الضرب لمات منه، وقد قال بعض المدنيين عن مالك: إنه لا قسامة فيه إذا استهل فمات مكانه وإنما تكون فيه القسامة إذا عاش ثم مات أو بشاهد واحد على الضرب على القول بأن القسامة تكون مع الشاهد الواحد على الجرح.
هذا إذا كان الضرب في البطن، وأما إذا كان في سائر أعضائها فقيل إنه لا قصاص في ذلك وإنما فيه الدية في مال الجاني، وهو قوله في هذه الرواية، ومثله في المدونة من قول ابن القاسم قال: لا يكون العمد في المرأة إلا أن يضرب بطنها خاصة تعمدا، فهذا الذي يكون فيه القصاص بقسامة،

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
مسألة: يقول الرجل من إحدى الطائفتين أنا قتلته من غير طائفتهمسألة: لا قسامة فيمن قتل بين الصفينمسألة: القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا قوما يقاتلون على تأويل: يطلب الرجل بالسيف فيعثر المطلوب قبل أن يضربه فيموتمسألة: رمي بحجرعمدا فيتقيه المرمى فيرجع الحجر فيصيب آخر فيقتله: حلفتا خمسين يمينا فأخذتا ثلثي الدية ثم نزعت إحداهمامسألة قال عند موته قتلني فلانمسألة: ادعى أن رجلا سقاه سما: كتاب الديات الثالث: أيلزم القاتل عمدا من أهل الذهب والورق إذا قتلمسألة: النفر يجرحون الرجل فيحمل مجروحا فيموتمسألة: أيجوز للإمام أن يعفو عن القاتلمسألة: ارتحل عن البلدة التي وجبت فيها الدية على الجاني قبل فرضها: وجبت لهم القسامة على نفر فأقسموا على أحد منهم ثم ادعوا أنه شبه لهممسألة: يقتل الرجلين عمدا فيثبت ذلك عليه فيصالح أولياء أحد القتيلين ويأبى الآخرمسألة: العبد يقتل أباه الحر عمدا فيسلمه سيده إلى أولياء المقتول فيستحيوه: من لا وارث له إلا جماعة المسلمين يقتل أحدهم فلا يشهد على قتله إلا رجل واحدمسألة: جنين النصرانية يطرحه المسلم فيستهل صارخامسألة: شهد رجل عدل على جرح رجل فمات من ذلك الجرحمسألة: يجرحان رجلا أحدهما عمدا والآخر خطأ فتقوم عليهما البينة بذلك فيموت المجروحمسألة: يجرح الرجل عمدا فيصالحه ثم ينزى في جرحه فيموت: تحمل العاقلة مما يبلغ ثلث العقلمسألة: يرمى بقتل الرجل وتقوم عليه بذلك بينة: تكون به جراحات فيقول بي فلان وفلان ثم ينص ما أصابه به كل رجل منهممسألة: دمي على رجل ثم برأه ودمي على غيرهمسألة: تجب لهم القسامة بالشاهد العدل فينكلون عن الأيمانمسألة: كيف يحلف أهل القسامةمسألة: لم يكن للمقتول عمدا عصبة ولا وارثمسألة: تقول دمي عند فلان ثم تطرح جنينا ميتا
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل