البيان والتحصيلصفحات 250-289
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة والكفالة

صفحات 250-289
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

المسألة التي قبلها، وعلى المشهور في المذهب، ووجه العمل في ذلك أن ينظر من حيث تقوم فريضتهم وتنقسم عليهم على الإقرار وعلى الإنكار، فما ازداده المقرات في حال الإنكار على الإقرار دفعنه إلى المقر به، وهي تقوم وتنقسم على الإقرار والإنكار إذا ترك الميت ثلاث بنات وعصبة، فأقر البنات بأخ من خمسة عشر- ضرب فريضة الإنكار ثلاثة في فريضة الإقرار- خمسة فيصير للبنات في حال الإنكار الثلثان بعشرة، وفي حال الإقرار ثلاثة الأخماس بتسعة، فيأخذ المقر به ما بين التسعة والعشرة- وذلك واحد وهو ثلث الخمس، ويبقى للعصبة الثلث وهو خمسة، فإن أقروا بالأخ يوما ما دفعوا إليه الخمسة التي بأيديهم، فاستوفى بذلك جميع حقه- وهو الخمسان وذلك ستة من خمسة عشر، وهي تقوم وتنقسم على الإقرار والإنكار إذا ترك الميت أربع بنات وعصبة من ستة، ويصير للبنات في حال الإقرار الثلثان أربعة مثل ما يصير لهن في حال الإنكار، فلا يلزمهن للأخ الذي أقررن به شيء، وكذلك لو ترك الميت خمس بنات وعصبة، لما وجب للمقر به على البنات شيء؛ لأنه يحصل لهن في حال الإقرار أكثر مما يحصل لهن في حال الإنكار، فيتهمن في إقرارهن على العصبة، وذلك أن الفريضة تقوم وتنقسم على الإقرار والإنكار من واحد وعشرين ضرب ثلاثة في سبعة، فيصير للبنات في حال الإقرار خمسة عشر، ويبقى للعصبة ستة؛ وفي حال الإنكار أربعة عشر، ويبقى للعصبة سبعة، ويدخل في هذه المسائل كلها الاختلاف الذي ذكرناه في المسألة التي قبلها، فيجب على قول ابن كنانة من

أصحابنا ومن ذكرناه معه- إذا كان البنات ثلاثا وعصبة فأقررن بأخ أن يكون للأخ مما بيد البنات ثلثه وذلك ستة من ثمانية عشر- وهي التسعان من سبعة وعشرين التي تنقسم الفريضة منها، وذلك أن الأخ المقر به يقول لأخواته: الثلث الذي أقررن به لي قد جحدته العصبة، فصارت بجحودها إياه مستهلكة له، فلا يجب لكن الثلثان إلا من الباقي وذلك اثنا عشر وبأيديكن ثمانية عشر فادفعن إلي الستة الفاضلة بأيديكن فيأخذها منهن، فإذا أقر العصبة (به) يوما ما أخذ الأخ منها ثلاثة والبنات ستة بقية التسعة، فاستوفى بذلك البنات الثلثين، والأخ الثلث، ويأتي على قوله إذا كان البنات أربعا وعصبة، فأقر البنات بأخ أن يكون للأخ مما بيد البنات ثلثه أيضا- وذلك أربعة من اثني عشر- وهي التسعان من ثمانية عشر التي تنقسم الفريضة منها، وذلك أن الأخ المقر به يقول لأخواته- الثلث الذي أقررتن به لي قد جحدتني إياه العصبة فصارت بجحودها إياه مستهلكة له، فلا يجب لكن الثلثان، إلا من الباقي- وذلك ثمانية وبأيديكن اثنا عشر فادفعن إلي الأربعة الفاضلة بأيديكن، فيأخذها منهن، فإن أقرت العصبة به يوما ما أخذ الأخ منها اثنين، والبنات أربعة بقية الستة، فاستوفى بذلك البنات الثلثين، والأخ الثلث، وكذلك على هذا القياس إذا كان البنات أكثر من أربع، وبالله التوفيق.

: يموت فيقسم ورثته ميراثه ثم يأتي رجل فيقيم البينة أنه ولده

ومن كتاب العرية قال وسألت ابن القاسم عن الرجل يموت فيقسم ورثته ميراثه،

ثم يأتي رجل فيقيم البينة أنه ولده ويثبت نسبه، ويعدم بعض الورثة؟ قال: ينظر إلى ما صار بيد كل وارث من حقه أن لو كان أولا معهم فيتبع المعدم بما صار عليه، والمليء بما صار عليه، ولا يأخذ من المليء عن المعدم، بمنزلة ما لو هلك رجل وترك أمه وأخاه، فأخذت الأم الثلث، والأخ الثلثين، ثم جاء رجل فاستحق أنه أخوه، فأخذ من الأم السدس، ومن الأخ الربع، يتبع الأم بالسدس- مليئة كانت أو معدمة، والأخ بالربع مليئا كان أو معدما.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، أعلمه، وكذلك حكم الغريم يطرأ على الغرماء، والموصى له على الموصي لهم، فإن وجد بأيديهم ما قبضوا قائما لم يفت، أخذ من كل واحد منهم ما يجب له، ولم تنتقض القسمة إن كان ذلك مكيلا أو موزونا، وإن كان حيوانا أو عروضا، انتقضت القسمة، لما يدخل عليها من الضرر في تبعيض حقهم، واختلف هل يضمن كل واحد منهما للطارئ ما ينوبه مما قبض إن قامت له بينة على تلفه من غير سببه أم لا على قولين، أحدهما: أنه ضامن لذلك.
والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه، فإذا قلنا: إنه ضامن مع (قيام) البينة، فتلزمه القيمة يوم القبض بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق وما أشبه ذلك، وإذا قلنا: إنه لا ضمان عليه مع قيام البينة، فلا يضمن بالتفويت بالبيع والعتق والهبة والصدقة، ولا يلزمه في البيع إلا حظ الطارئ من الثمن الذي قبض إن جاز البيع واختار أخذ الثمن، ويصدق في دعوى التلف- إن لم تكن له بينة فيما لا يغاب عليه دون ما يغاب عليه، وقد قيل: إنه

في العتق ضامن دون ما سواه- وإن قامت البينة على تلفه وهو مذهب أصبغ، وظاهر رواية يحيى عن ابن القاسم، وذلك كله بخلاف الغريم يطرأ على الورثة، أو على الموصى لهم بالثلث وعلى الورثة، وبخلاف طرو الموصى له بعدد على الورثة بعد القسمة، والحكم في ذلك يتشعب، وقد تكلمنا على ذلك في غير هذا الكتاب، واختلف في طرو الموصى له بجزء على الورثة، فقيل: إنه بمنزلة طرو الوارث على الورثة- وقيل: إنه بمنزلة طرو الغريم أو الموصى له بعدد على الورثة، وبالله التوفيق.

: ادعت أن رجلا قد هلك كان أباها

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن امرأة ادعت أن رجلا قد هلك كان أباها وأتت بالبينة أن ذلك الرجل كان مقرا في صحته أنها ابنته، ولا يعلم الشهود أن أمها كانت امرأة ذلك الرجل ولا أمة له - وهم جيرانه ومعه في موضع واحد، والرجل الذي كان مقرا بهذه الجارية أنها ابنته رجل حسن الحال، غير متهم بالفسق، وكيف إن كان من أهل التهم؟ فقال: لا ينظر في مثل هذا إلى حال الرجل المقر إذا كان يرى أنه إنما أقر بها من حلال، فنسبها ثابت، وميراثها منه واجب- وإن لم تعرف أمها في ملكه حرة ولا مملوكة، إلا أن يقر بها على وجه يعرف الناس به كذبه بالأمر الذي لا شك فيه، فلا

يقبل قوله، أو يقربها على سبب فسق، فلا يثبت لها به نسب، وسواء كان المقر صالحا أو غير صالح، الحكم فيهما سواء.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى من القول عليها ما فيه كفاية في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، ويأتي في نوازل أصبغ ما فيه زيادة على ذلك- إن شاء الله، وبالله التوفيق.

: يموت وله ولد معروف ثابت النسب

ومن كتاب الصلاة وقال ابن القاسم: في الرجل يموت وله ولد معروف ثابت النسب، ثم يدعي رجل أنه ابن الهالك ويأتي بشاهد، أنه لا يحلف مع شاهده ولا يستحق شيئا من الميراث، إلا بشاهدي عدل يشهدان على إثبات نسبه إذا أنكره أخوه؛ فإن أقر له، أعطاه نصف الميراث، ولم يثبت له بإقرار الأخ نسب يوارثه به هو ولا غيره من قرابة الهالك، قال: وكذلك المرأة تدعي أن الميت زوجها، أو يقوم معها من يدعي ميراث الميت، فيأتي كل واحد منهم بشاهد ويريد أن يستحق ميراثه باليمين مع الشاهد، أن ذلك لا يكون لواحد منهم إذا ادعوا ذلك وللميت وارث قد ثبت نسبه بالبينات، وإنما يستحق الميراث باليمين مع الشاهد من جاء يطلبه وليس للميت وارث قد أثبت نسبه بالبينات، فإن من جاء يزعم أنه ولد الميت ولم يأت إلا بشاهد واحد ولم يدع ميراثه أحد يحق نسبه بالبينة، حلف مع شاهده

وأخذ ميراثه؛ لأنه إنما يستحق مالا من الأموال، ولا يثبت له بالذي استحق بيمينه مع شاهده- نسب يوارثه به أحد من قرابة الميت ولا يجر به ولا أحد من مواليه، قلت له: أرأيت إن حلف مع شاهده- وللميت بنت ثابتة النسب بالبينة؟ قال: يستحق ما بعد النصف الذي ترث الابنة وإن كانتا اثنتين، فإنما له الثلث الباقي، قيل له: فإن جاءت المرأة تزعم أنها امرأته، فجاءت بشاهد وليس له وارث ثابت النسب بالبينة، قال: تحلف مع شاهدها وتأخذ ميراثها، ولا يثبت لها بذلك نكاح ولا لولدها، إن كانت حاملا- نسب، قيل له: فالرجل يدعي ميراث رجل يزعم أنه مولاه، فيأتي على ذلك بشاهد أيحلف مع شاهده ويستحق ميراثه؟ قال: نعم، ولا يثبت له بذلك ولاء موالي ذلك المولى، إن مات أحد منهم فأراد أخذ ميراثه، كان عليه أن يأتي أيضا بشاهد فيحلف معه أنه مولاه، ثم يستحق ميراثه، ولا يجزئه الشاهد الأول الذي كان حلف مع شهادته على الميراث الأول.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يحلف مع شاهده على استحقاق النكاح صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن اليمين مع الشاهد لا يكون عند مالك وأصحابه إلا في الأموال، واختلفوا فيما جر إلى الأموال كالوكالة عليها وشبه ذلك، وأما قوله أن الميراث يستحقه باليمين مع الشاهد من جاء يدعيه ولا وارث للميت معروف النسب، فهو مثل قوله في المدونة - وزاد فيها بعد الاستيناء، وقال أشهب لا يستحقا الميراث باليمين مع الشاهد- وإن لم يكن للميت وارث معروف؛ لأن الميراث لا يستحق إلا بعد ثبوت النسب

وكذلك يختلف أيضا إذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها وطلقها قبل الدخول أو بعده، وأتت على ذلك بشاهد واحد، فقيل: إنها تحلف مع شاهدها وتستحق نصف الصداق- إن لم يدخل بها، وجميعه إن دخل بها، وقيل: إنه ليس لها أن تحلف في المهر، إذ لا يستحق إلا بعد ثبات النكاح، وأما إن ادعت عليه أنه تزوجها وطلقها قبل البناء أو بعده، ولا بينة لها، ففي كتاب ابن سحنون أنه لا يمين عليه، وهذا عندي على القول بأنها لا تحلف مع شاهدها (وأما على القول بأنها تحلف مع شاهدها) فيجب لها عليه اليمين إذ لم تأت بشاهد- والله أعلم.
ولو لم يترك الميت وارثا فأتى رجل بشاهد أنه ابنه لا وارث له غيره، وأتت امرأة بشاهد أنها زوجته ولم يقر به الابن بها، لوجب على مذهب ابن القاسم أن يحلف كل واحد منهما مع شاهده ويقسم المال بينهما على ثمانية أسهم، للزوجة سهم، وللابن سبعة أسهم لأن الزوجة قد سلمت للابن ثلاثة أرباع المال وتداعيا جميعا في الربع، فيقسم بينهما، وعلى قول مالك يقسم بينهما على حساب عول الفرائض، فيكون المال بينهما أخماسا، للزوجة الخمس؛ لأنها تدعي ربع المال، وللابن أربعة أخماس؛ لأنه يدعي أن له جميعه وذلك أربعة أمثال ما تدعي المرأة.
ولو أقرت بالابن وأنكرها الابن، لوجب أن يكون لها على مذهب ابن القاسم نصف ثمن المال، وللابن ما بقي؛ لأنها مقرة له بسبعة أثمان المال ويتداعيان في الثمن فيقسم بينهما، وأن يقسم بينهما على تسعة أسهم- على قول مالك، وبالله التوفيق.

: أهل العنوة أيتوارثون

ومن كتاب المكاتب وسئل ابن القاسم عن أهل العنوة أيتوارثون؟ فقال: نعم، هم في مواريثهم وأهل الصلح سواء؛ قال: وسألت عن ذلك أشهب فقال مثل قوله، ثم قال: لو لم يعتبر ذلك إلا بأهل مصر، وأهل الشام قد غلبوا عنوة في زمن عمر بن الخطاب، فلم يزالوا يتوارثون من زمانه إلى اليوم؛ وإنما حالهم حال الأحرار من أهل الذمة كالمصالحين، غير أنهم حبسوا نظرا للعامة ولمن يجيء من الذرية يقبض منهم جزاهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في سماع يحيى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وفي سماع عيسى من كتاب السلطان، فلا معنى لإعادته.

: يتوارث أبناء المغتصبة التوأم من قبل الأب

ومن كتاب الأقضية قال يحيى: أخبرني ابن القاسم أنه سمع من يثق به يخبر أن مالكا قال: يتوارث أبناء المغتصبة التوأم من قبل الأب، قلت لابن القاسم: فمن أين يجب الميراث بينهما- ونسبهما غير ثابت.
قال محمد بن رشد: قد مضى طرف من التكلم على هذه المسألة ونظائرها في رسم طلق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، ومضى الكلام

على ذلك مستوفى في أول سماع ابن القاسم من كتاب اللعان، فأغنى ذلك عن إعادته، وبالله التوفيق.

: تهلك عن زوجها وأمها وأختها فتدعي الأخت أخا

من سماع سحنون بن سعيد وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: قال ابن القاسم في المرأة تهلك عن زوجها وأمها- وأختها فتدعي الأخت أخا ويصدقها الزوج وتنكر الأم: إنها تقسم على الإقرار ثم الإنكار فينظر إلى ما ازدادته الأخت في الإنكار على الإقرار، فيعزل، ثم ينظر إلى ما انتقصه الزوج من نصيبه في الإقرار فيضرب به ويضرب الأخ المدعي ما كان يصيبه في الإقرار في أصل الفريضة فيضربان جميعا فيما ازدادته الأخت على نصيبها في الإقرار.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة في الاعتبار، بينة في المعنى، غير أن قوله فيها: ينظر إلى ما انتقص الزوج من نصيبه في الإقرار، وهم وكلام وقع على غير تحصيل، وصوابه: ينظر إلى ما انتقص الزوج من نصيبه في الإنكار؛ لأن نصيبه إنما ينتقص في الإنكار من النصف إلى ثلاثة الأثمان، من أجل العول الذي يدخل الفريضة؛ لأنها تعول بثلثها إذا عدم منها الأخ، فيرجع الزوج من النصف إلى الثلاثة الأثمان، والأم من الثلث إلى الربع، والأخت من النصف إلى ثلاثة الأثمان، والأخ يسقط العول من الفريضة، إذ لا فريضة معه للأخت، وإنما لهما جميعا ما فضل بعد النصف الذي للزوج، والسدس الذي للأم- وهو الثلث للذكر مثل حظ الأنثيين، فيصير له ثلثا الثلث، وهو التسعان، وإن شئت قلت الثمن وسبعة

أتساع ويصير ثلث الثلث وهو التسع، وإن شئت قلت: ثمانية أتساع الثمن، فيفضل على الإقرار من نصيبها الذي وجب لها على الإنكار وهو ثلاثة الأثمان على ما ذكرناه، ثمنان وتسع ثمن؛ فالأخ يقول: لي من هذين الثمنين وتسع الثمن الذي برئت به أختي، الثمن الواحد وسبعة أتساع الثمن، ويقول الزوج: بل لي أنا من ذلك الثمن الواحد، لأنها بإقرارها بك، مقرة لي أني لم أستوف حقي، إذ لم أقبض نصف المال بسبب العول، وإنما قبضت ثلاثة أثمانه فيبقى لي الثمن، فوجب أن يقسم هذان الثمنان وتسع الثمن بينهما على قدر دعاويهما فيه، يضرب الزوج فيه بالثمن، والأخ بالثمن وسبعة أتساع الثمن، فقول ابن القاسم في هذه المسألة خلاف مذهبه المعلوم في المال بين الرجلين يدعي أحدهما جميعه والآخر نصفه: أن لمدعي الكل منه ثلاثة أرباعه، ولمدعي النصف ربعه؛ لأن مدعي النصف قد سلم النصف لمدعي الكل.
ويتداعيان في النصف، فيقسم بينهما، مثل قول مالك: أنه يقسم بينهما على حساب عول الفرائض، لمدعي الكل ثلثاه، ولمدعي النصف ثلثه؛ لأن مدعي الكل يدعي مثلي ما يدعي مدعي النصف، والفريضة تنقسم من اثنين وسبعين، لأن وجه العمل فيها على ما رتبه أهل الفرائض أن تقام الفريضة على الإقرار وعلى الإنكار، ثم تضرب إحداهما في الأخرى، أو فيما اتفق من أجزائهما، فما اجتمع من ذلك، قسم على فريضة الإنكار، فما خرج من ذلك ضرب فيما بيد كل واحد منهم، فيكون ذلك هو الواجب له في حال الإنكار؟ وقسم أيضا على فريضة الإقرار فما خرج في ذلك، ضرب أيضا فيما بيد كل واحد منهم من الفريضة الأولى، فيكون

ذلك هو الواجب له في حال الإقرار؛ والفريضة على الإنكار من ثمانية، لأنها تعول بالثلث من ستة إلى ثمانية، للزوج ثلاثة، وللأم اثنان، وللأخت ثلاثة، وعلى الإقرار من ثمانية عشر، لأنها لا تنقسم من أقل، للزوج تسعة، وللأم ثلاثة، وللأخت اثنان، وللأخ أربعة؛ وثمانية تتفق مع ثمانية عشر في الأنصاف فتضرب إحدى الفريضتين في نصف الأخرى فيكون جميع ذلك اثنين وسبعين.
كما ذكرنا، فيجب للزوج من ذلك في الإقرار النصف: ستة وثلاثون، وفي الإنكار ثلاثة الأثمان: سبعة وعشرون، فازداد في الإقرار الثمن- وهو تسعة، ويجب للأم من ذلك في الإقرار السدس اثنا عشر، وفي الإنكار الربع- ثمانية عشر؛ لأنها رجعت بالعول من الثلث إلى الربع، ويجب للأخت من ذلك في الإنكار ثلاثة الأثمان من أجل العول- وذلك سبعة وعشرون، وفي الإقرار ثلث ما بقي بعد حظ الزوج وحظ الأم- وهو التسع- وذلك ثمانية، فتبرأ بتسعة عشر وذلك ما بين حظيها في الإقرار والإنكار، فيقول الزوج: لي من هذه التسعة عشر التي برئت بها الأخت تسعة؛ لأنها إذا أقرت بالأخ فقد أقرت لي أنه بقي لي من حقي تسعة، فأنا آخذها من تسعة عشر، لأني مقر بالأخ كما أقرت به؛ ويقول الأخ: لي من هذه التسعة عشر التي برئت بها الأخت ستة عشر الواجبة لي في الإقرار، فأنا آخذها منها فوجب أن تقسم التسعة عشر بينهما على حساب عول الفرائض، كما بين رجلين يدعي أحدهما منه تسعة أجزائه من تسعة عشر، والثاني ستة عشر جزءا منه من تسعة عشر، فيضرب فيها الزوج بتسعة، والأخ بستة عشر، فيجب منها للزوج ستة وأربعة أخماس وخمس خمس، وللأخ المقر به اثنا عشر وأربعة أخماس خمس، هذا على قول ابن القاسم في هذه المسألة وهو المشهور من مذهب مالك؛ ويجب من التسعة عشر للزوج على قياس القول

الثاني وهو المشهور من مذهب ابن القاسم ستة، وللأخ ثلاثة عشر؛ والوجه في ذلك، أن الزوج يقول: لي من التسعة عشر تسعة، فقد سلمت لك العشرة، ويقول الأخ للزوج: لي من التسعة عشر- ستة عشر، فقد سلمت لك الثلاثة، فيأخذ كل واحد منهما ما سلم له صاحبه منها، للزوج ثلاثة، وللأخ عشرة، ويبقى من التسعة عشر ستة، يتداعيان فيها فتقسم بينهما بنصفين، فإن أقرت الأم يوما ما بالأخ برئت إليه وإلى الزوج بما ازدادته في الإنكار على الإقرار، وذلك ستة وهو نصف السدس، فتقسم هذه الستة بينهما على قدر ما بقي من حقوقهما في كل واحد من القولين، فيستوفي كل واحد منهم بذلك جميع حقه الواجب له على الإقرار- الزوج ستة وثلاثون، والأم اثنا عشر، والأخت ثمانية، والأخ ستة عشر، وبالله التوفيق.

: معه أم ولد له حامل وامرأة ضيفة حامل فتضعان في ليلة فيختلط الصبيان

ومن نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن رجل يسافر بامرأته فينزل على الرجل في قريته ومعه أم ولد له حامل وامرأة ضيفة حامل، فتضعان في ليلة فيختلط الصبيان، فلا يعرف كل واحد منهما ولده، يدعي كل واحد منهما صبيا منهما بعينه، لأنهما قد اختلطا ولا يعرفان، هل تدعى لهما القافة؟ فقال: نعم، تدعى لهما القافة.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة فيدعي كل واحد منهما صبيا منهما يقول هذا ولدي، ويقول الآخر: هذا ولدي يريد الصبي الآخر؛ مناقض لقوله في أول المسألة فلا يعرف كل واحد منهما ولده، ولقوله في آخرها وكلاهما لا يدعي منهما صبيا بعينه، لأنهما قد اختلطا ولا يعرفان؛

ولا تخلو المسألة من ثلاثة أحوال، أحدها: أن يدعي كل واحد منهما صبيا منهما بعينه غير الذي ادعاه صاحبه.
والثاني: أن يدعيا جميعا واحدا منهما بعينه، وينكر كل واحد منهما الآخر وينفيه عن نفسه.
والثالث: ألا يدعي واحد منهما أحدهما، فيقول: لا أدري أيهما ولدي؟ فأما إذا ادعى كل واحد منهما واحدا منهما بعينه ونفي الآخر عن نفسه فالواجب أن يلحق بكل واحد منهما من ادعاه منهما، فينبغي أن يحمل قوله في الرواية فيدعي كل واحد منهما صبيا منهما: يقول هذا ولدي، ويقول الآخر: هذا ولدي؛ على أن معنى ذلك: فيقول كل واحد منهما لصبي منهما بعينه أنا آخذ هذا الصبي فأتبناه ويكون ابني، ولا أعلم إن كان ابني أم لا؟ لأن إرادة كل واحد منهما تبني كل واحد منهما من غير أن يعرف أنه ابنه ودعاؤه إلى ذلك لا معنى له، والوجه في ذلك أن تدعى له القافة كما لو لم يدع إلى ذلك ولا إرادة، وأما إذا ادعيا جميعا واحدا منهما بعينه، فقال: هذا هو ابني ونفى الآخر عن نفسه، فالواجب في ذلك عندي على أصولهم أن يدعى له القافة أيضا، إذ ليس لهما أن ينفيا الآخر جميعا عن أنفسهما وقد علم أنه ابن أحدهما، والذي ادعياه جميعا ليس أحدهما أولى به من صاحبه، كالأمة بين الرجلين يطآنها جميعا في طهر واحد، فتأتي بولد فيدعيانه جميعا؛ وقد وقع لسحنون في أول نوازله من كتاب الشهادات مسألة من هذا النوع لم يقل فيها: إنه تدعى له القافة، كما قال في هذه؛ فمن الشيوخ من كان يحمل ذلك على أنه

اختلاف من قوله، ومنهم من كان يقول هذه تفسير لتلك؛ ويجب على مذهبه أن تدعى له القافة في المسألتين جميعا؛ ومنهم من كان يفرق بين المسألتين بما ذكرته هناك- وهو أولى الأقوال عندي، فلا اختلاف على المذهب في وجوب الحكم بالقافة في هذه المسألة، ولا يقام منها الحكم بالقافة في أولاد الحرائر- وإن كان قد اختلف في ذلك، لأن ما اعتل به في التفرقة بينهما- وهو قوة فراش أحد الزوجين ما ذكرناه في سماع أشهب، معدوم في هذه المسألة، إذ لا مزية لأحد الفراشين على الآخر لصمتهما جميعا، وبالله التوفيق.

مسألة: صبيا ادعاه مسلم ونصراني

مسألة قيل له: أرأيت لو أن صبيا ادعاه مسلم ونصراني، فقال المسلم: هو عبدي، وقال النصراني: بل هو ولدي؛ قال: يقوم على النصراني النصف الذي يدعيه المسلم ويكون عتيقا على النصراني، لأنه حين أقر أنه ابنه، فقد أقر أنه حر، وصارت الخصومة بين مسلم ونصراني، قومناه على النصراني وأعتقناه عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يقوم على النصراني النصف الذي يدعيه المسلم يريد بعد أيمانهما؛ لأن معنى المسألة، أنهما تداعيا فيه وهو بأيديهما جميعا وليس بيد واحد منهما، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا، كان الحكم فيه عندي ما ذكر؛ وإن نكل النصراني وحلف المسلم، كان عبدا له وبطل دعوى النصراني فيه؛ وإن نكل المسلم وحلف النصراني، كان ابنا له على ما ادعاه وحلف عليه؛ ولو كان العبد بيد أحدهما، لكان القول قوله مع يمينه فيما يدعيه من أنه عبده أو ابنه؛ وليس قوله إذا حكم بالعبد بينهما على ما يدعيانه بأن نصف النصراني منه يكون حرا، بمعارض للمسألة التي بعدها في قوله فيها: ولا يدخل عليه من عتقهم ما فيه مضرة على أخيه،

والفرق بين المسألتين: أن هذه لم يتقدم إقراره بالملك فيها لشريكه قبل إقراره بما يوجب عليه العتق في نصيبه، ولا علم ذلك ببينة، وتلك تقدم إقراره فيها بالملك لأخيه، ولذلك لم يجز أن يعتق عليه حظه بإقراره أنه ابنه- والله أعلم.
وأما قوله: إنه يقوم على النصراني النصف الذي يدعيه المسلم، فهي مثل قول أصبغ في نوازله من كتاب الشهادات في الرجلين يشتريان العبد ثم يشهد أحدهما على البائع أنه أعتقه، أنه يعتق عليه حظه ويقوم عليه حظ شريكه؛ خلاف قول سحنون في المسألة التي بعد هذا، فأراد أن يخرج هذا حرا عن غيره، فلا يكون عليه ضمان؛ لأن ذلك بين أن الضمان لا يكون إلا على من أعتق عن نفسه، وقول سحنون فيها: ولا يدخل عليه من عتقهم ما فيه مضرة على أخيه، خلاف قول عبد العزيز بن أبي سلمة في أول سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، وقول المغيرة في نوازل سحنون منه في أحد الورثة يشهد على الموروث أنه أعتق عبده، أنه يعتق عليه حظه منه، ولا يقوم عليه حظ إشراكه، وبالله التوفيق.

مسألة: يهلك ويترك ولدا واحدا

مسألة وسئل سحنون عن رجل يهلك ويترك ولدا واحدا، فيقول الولد لثلاثة من ولد خدم أبيه: هذا أخي، لا بل هذا أخي، لا بل هذا؛ وكان كل واحد منهما لأم ليس له منهم أخ شقيق، قال: الأول حر وقد أقر له بنصف الباقيين ونصف المال، فلا أرى إقراره في هذين الباقيين بالذي يبطل حق المقر له الأول، ولا يدخل عليه من عتقهم ما فيه مضرة على أخيه، لأنه ليس بمعتق فيضمن، وإنما

اغتزى إبطال سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيمن أعتق شركا له في مملوك، فأراد أن يخرج هذا حرا عن غيره، فلا يكون عليه ضمان، وليس من سنة المسلمين أن تجوز شهادة واحد في عتق ولا يلحق بذلك نسب المقر له الأول.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: إن الأول حر وقد أقر له بنصف الباقيين (وبنصف المال) صحيح لا إشكال فيه ولا اختلاف، وكذلك قوله بعد ذلك فلا أرى إقراره في هذين الباقيين بالذي يبطل حق المقر له الأول.
وأما قوله: ولا يدخل عليه من عتقهم ما فيه مضرة على أخيه لأنه ليس بمعتق فيضمن، وإنما اغتزى إبطال سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيمن أعتق شركا له في مملوك، فأراد أن يخرج هذا حراء عن غيره، فلا يكون عليه ضمان، ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها هذا: أنه لا يعتق عليه حظه ولا يقوم عليه حظ أخيه للعلة التي ذكرها، وهو قول مالك في المدونة وغيرها في أحد الورثة يقر لعبد أن الذي ورثوه عنه أعتقه، إذ لا فرق بينهما في المعنى؛ إلا أنه يستحب له أن يبيع نصيبه منه فيجعله في عتق، فإن اشتراه بعد ذلك (أو ملكه) بوجه من الوجوه، أعتق عليه، لإقراره أنه حر.
والثاني: أنه يعتق عليه حظه ولا يقوم عليه حظ أخيه، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، وقول المغيرة في نوازل سحنون منه، والثالث: أنه يعتق عليه نصيبه ويقوم عليه نصيب أخيه، وهو قول أصبغ في

نوازله منه أيضا قاله في الرجلين يشتريان العبد ثم يشهد أحدهما على البائع أنه أعتقه، إذ لا فرق بين هذه المسائل، كلها في المعنى، ولكل قول منها وجه قد مضى بيانه في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات؛ ورأيت لابن دحون أنه قال: (في هذه المسألة) مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة فيها أن المقر به الثاني يعتق على المقر ويدفع إلى الذي أقر به أولا نصف قيمته، وكذلك المقر به آخرا؛ ثم يلزم المقر أن يدفع إلى الثاني نصف ما في يديه، ثم يدفع إلى الثالث نصف ما بقي في يديه أيضا؛ وذلك عندي كله غير صحيح، لأن قول عبد العزيز بن أبي سلمة إنما هو أن يعتق عليه حظه منه، ولا يقوم عليه حظ أخيه، وأما قوله وكذلك المقر به آخرا، يريد أن المقر به آخرا على مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة يعتق عليه أيضا ويضمن نصف قيمته إلى كل واحد من الأول والثاني، لأن كل واحد منهما يقول له: قد أقررت لي أنني أخوك، وأن هذا العبد الذي أقررت به الآن، وجب أن يعتق عليك، هو بيني وبينك، وأما قوله ثم يدفع إلى الثاني نصف ما في يديه- يريد مما ورثه سوى العبد، فهو قول سحنون بعد هذا فيما يشبه هذه المسألة؛ والصحيح أن يدفع إليه النصف الثاني مثلما دفع إلى الأول، لأنه يقول له قد أقررت لي أني أنا أخوك الأول، فادفع إلي نصف المال، وقد حكاه سحنون عن بعض أصحابه؛ وكذلك قول ابن دحون ثم يدفع إلى الثالث نصف ما بقي في يديه، الصحيح فيه أن يدفع إليه أيضا نصف المال، مثل ما دفع إلى الأول وإلى الثاني؛ لأنه يقول له قد أقررت لي أني أنا أخوك دون الأول ودون الثاني، وبالله التوفيق.

مسألة: كلهم لأم واحدة وأقر لأكبرهم بالنسب وكانوا عبيدا

مسألة قيل له: فإن كانوا كلهم لأم واحدة وأقر لأكبرهم، قال: فإن الأول المقر له حر، وأمه وأخواه الباقيان أحرار وما بقي من المال فللمقر له الأول نصفه، لأنه لما أقر بالولد، فكأنما أقر بأمه أنها أم ولد لأبيه ولأخويه أنهما حران، وليس للأخوين من الميراث شيء، ولا يلحق واحد منهم بالنسب؛ قيل له فلو أقر لأصغر ولدها، فقال: إذا يكون حرا وتكون أمه حرة، وكان له نصف الباقيين وعتق عليه مصابته منهما، وأرى أن يعتق على المقر المستلحق لأخيه نصف الباقيين، لأن النصف الأول إنما عتق بسببه وإقراره، فلذلك أعتقت عليه ما صار له منهما، كالرجل يعتق نصف عبده فيعتق عليه ما بقي منه.
قال محمد بن رشد: هذا كله كما قال، وإنما قال؛ إذا أقر لأصغر ولده يعتق، وكان له نصف الباقيين أنه يعتق عليه مصابته منهما من أجل أنهما إخوته لأمه، فلا يصح له ملكهما، وقد بين وجه الذي رأى به أن يعتق على المقر حظه منهما بما لا مزيد عليه؛ ولو كان له فيهما شريك غيره، مثل أن يكونا أخوين فأقر أحدهما لأصغر أولاد أمة أبيه أنه أخوه، فيعتق على المقر له حظه منهما، وهو الثلث منهما؛ لعتق عليه أيضا هو حظه منهما، إذ لا ضرر على أخيه في ذلك إذ قد دخله العتق؛ بخلاف إذا لم يدخله عتق، لا يعتق على

المقر حظه منه بإقراره له بما سبب عتقه، كما لا يعتق عليه حظه منه بإقراره أن غيره أعتقه- على ما مضى فوق هذا من قوله، خلاف ما ذكرناه من مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة وأصبغ، وبالله التوفيق.

مسألة: أقر لثلاثة أجنبيين ليسوا أولاد خدم أبيه

مسألة قيل له: فلو أنه أقر لثلاثة أجنبيين ليسوا أولاد خدم أبيه، فقال: هذا أخي، لا بل هذا أخي، لا بل هذا أخي؛ فقال: يكون للأول المقر له نصف ما ورث عن أبيه، ويكون للثاني نصف النصف الذي بقي في يديه، فيصير له منه الربع، ويكون للثالث نصف الربع الذي بقي في يديه، قال سحنون: وقد قال فيها بعض أصحابنا إنه يغرم للثاني مثل ما صار للأول، ويغرم للثالث مثل ما صار للأول؛ لأن كل واحد منهما يقول أنت- أتلفت علي مورثي.
قال محمد بن رشد: القول الذي حكاه سحنون عن بعض أصحابه، أصح في النظر من قوله، للعلة التي ذكرها من أنه قد أتلف على كل واحد منهما حقه بإقراره به لغيره؛ وعلى هذا يأتي قول ابن القاسم في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح في الذي يقر بالعبد لرجلين، فيدعيه كل واحد منهما لنفسه خالصا، أن المقر يحلف أنه ما يعرفه لأحدهما- خالصا؛ فإن نكل عن اليمين، حلف المقر لهما وأغرماه قيمة العبد، وعلى قول سحنون في هذه المسألة لا يمين على المقر بالعبد لرجلين، ووجه قول سحنون أنه إنما أقر له بما في يديه وبما في يدي

الذي أقر له قبله، فأشبه ذلك الوارث يقر بوارث، فلا يلزمه أن يدفع إليه إلا ما يجب له مما بيده، لأنه إنما أقر له بما في يديه وفي يدي غيره من الورثة، وليس هو مثله، إذ لم يتلف هو ما صار بيد غيره من الورثة، وبالله التوفيق.

مسألة: له ثلاثة أعبد أخوة للأم أو مفترقين فقال أحد هؤلاء ابني

مسألة وسئل سحنون عن رجل له ثلاثة أعبد أخوة للأم أو مفترقين، فقال السيد في مرضه: أحد هؤلاء ابني، فغفل عن ذلك حتى مات السيد الذي أقر بالابن، فقال: إن كانوا لأم، فالولد الأخير حر، والذي يليه يعتق منه ثلثاه، والذي يليه يعتق منه ثلثه؛ ولا يثبت له نسب واحد من الولد ولا يرثه؛ وإن كانوا مفترقين، فإن القول بيد الرسول، وأكثر الرواة أن محمل هذا عندهم، كرجل قال: أحد عبيده حر، وقال المخزومي: يعتق من كل واحد ثلثه، ويرق ثلثاه؛ وقال آخرون: يعتق واحد من الثلاث بالقرعة؛ لأنه لما كان مجهولا يعتق بحكم الوصية فقط، وقد قيل: إنه يقرع بينهم وإن كانوا لأم.
(قال محمد بن رشد) : إنما قال: إذا كانوا لأم أنه يعتق الأصغر، ومن الأوسط ثلثاه، ومن الأكبر ثلثه؛ لأن الصغير حر على كل حال، والأوسط يجب له العتق في حالين، والرق في حال، والكبير يجب له الرق في حالين، والعتق في حال.
وقوله: وقد قيل إنه يقرع بينهم وإن كانوا لأم، إنما معناه أنه يقرع بين الأكبر والأوسط، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون أصابه العتق، وأن يكون لم يصبه؛ وأما الأصغر فهو حر على كل حال، لا يصح أن يختلف فيه، وإن كان ظاهر الرواية خلاف ذلك،

فتأول على هذا وهو تأويل سائغ، لأن الابنين جماعة، فيحتمل أن يصرف ضمير الجمع في قوله بينهم؛ إليهما دون الثالث، ويأتي على ما قال بعد هذا في الذي قال عند موته: إن فلانة جاريته ولدت منه، أن الأكبر والأوسط يعتقان جميعا أيضا من ناحية الشك، إذ لا يصح للورثة تملك واحد منهما وهو لا يعلم إن كان عبدا أو حرا، وهو أظهر - والله أعلم- من أن يقرع بينهما، لأن القرعة لا ترفع الشك، وهي في القياس غرر، فلا ينبغي أن تستعمل إلا حيث وردت في السنة، ومن أن يعتق من الأكبر ثلثه، ومن الأوسط ثلثاه، لأنا نحيط علما أن الميت لم يرد ذلك، إذ لا يحتمله لفظه، فهذا القول أضعف الأقوال، ويتخرج في المسألة قول رابع وهو أن يكونا جميعا عبدين، لاحتمال أن يكون الميت لم يرد واحدا منهما وإنما أراد الأصغر، فلا يعتق واحد منهما إلا بيقين على القول بأن الشك لا يؤثر في اليقين.
وقوله: إنه لا يثبت نسبه صحيح لا اختلاف فيه، إذ لا يصح أن يحكم بثبوته لواحد منهم بشك، وأما قوله: إنه لا يرثه واحد منهم، ففيه نظر؛ والذي يوجبه النظر في ذلك عندي أن يكون حظهم من الميراث بينهم على القول بأنهم يعتقون جميعا على ما قاله بعد هذا في المسألة التي ذكرناها وهو الصحيح، إذ قد صح الميراث لأحدهم ولا يدري لمن هو منهم، فإن تداعوا فيه فادعاه كل واحد منهم، قسم بينهم بعد أيمانهم، إن حلفوا جميعا، وكذلك إن نكلوا جميعا، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم عن اليمين، كان الميراث للحالف منهم دون الناكل؛ وكذلك أن لو قالوا لا علم لنا، كان الميراث بينهم

بعد أن يحلف كل واحد منهم أنه لم يعلم من أراد الميت منهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، لأنها يمين التهمة في هذا الموضع؛ وإن أعتق بعضهم، كان لمن أعتق حظه من الميراث، ويوقف حظ من لم يعتق؛ فإن عتق أخذه، وإن مات قبل أن يعتق رد على الورثة؛ وأما إذا كانوا مفترقين، فهو بمنزلة إذا قال: أحد عبيدي حر، ثم مات قبل أن يسأل أيهم أراد، لأن معنى قوله في الرواية فغفل عن ذلك حتى مات، أي غفل أن يسأل أيهم أراد أنه ابنه حتى مات، وفي ذلك ستة أقوال، أحدها: أنه يقرع بينهم فما خرج السهم عليه منهم عتق.
والثاني: أن العتق يجري فيهم فيعتق ثلث كل واحد منهم إن كانوا ثلاثة، وربعه إن كانوا أربعة، أو كانوا أكثر من ذلك على هذا القياس.
والثالث: أن الورثة ينزلون فيهم بمنزلة الميت يعتقون منهم أيهم شاءوا.
والرابع: أنهم يعتق ثلثهم بالسهم إن كانوا ثلاثة، وربعهم بالسهم إن كانوا أربعة، وكذلك إن كانوا أقل أو أكثر.
والخامس: أن الورثة يخيرون إن اتفقوا، فإن اختلفوا أقرع بينهم.
والسادس: أن الورثة يخيرون، فإن اختلفوا جرى العتق في عددهم، والثلاثة الأقوال الأول لابن القاسم، والرابع لمالك، والخامس والسادس لسحنون، وكلها في كتاب العتق من العتبية، وفي المسألة قول سابع أنهم يعتقون كلهم من أجل الشك، إذ لا يسوغ للورثة تملك واحد منهم، لاحتمال أن يكون هو الذي عنى الميت على ما ذكرناه، ويؤيد هذا القول ما روي أن عبد الله بن عمر قال: يفرق بالشك، ولا يجمع بالشك؛ ويتخرج في المسألة قول ثامن وهو أن يوقف الورثة عن جميعهم إلا أن يموت واحد منهم أو يعتقوه، فلا

يحكم عليهم في الباقين بعتق، وإنما يؤمرون به ولا يجبرون عليه؛ وهذا على قياس القول بأن الشك لا يؤثر في اليقين، ولا يثبت نسب واحد منهم، ويكون الحكم في الميراث على قياس ما تقدم، وبالله التوفيق.

مسألة: مات وترك أمه وأخاه فقالت الأم لرجل هذا أخو ولدي الميت

(مسألة) وسئل سحنون عن رجل مات وترك أمه وأخاه، فقالت الأم لرجل هذا أخو ولدي الميت، وأنكر الأخ الوارث أن يكون أخاه، قال: ترجع الأم إلى السدس ويكون للأخ الثلثان، ويصير للمستلحق السدس الذي أقرت به المرأة- تمام الثلث، ويقال للأخ: أتقر بما (أقرت به) المرأة أم الميت؟ فإن أقر به، كان له نصف ما في يدي المستلحق، ويدخل معه المستلحق فيأخذ نصف ما في يديه، وإن أنكر وقال: ليس أخي، كان نصف السدس موقوفا، لا يأخذه أبدا إلا أن يقر أنه أخوه؛ لأنه منكر وهو يدفع نصف السدس عن نفسه، يقول: ليس لي فيه حق، فكيف أدفع إليه شيئا هو مقر أنه ليس له فيه حق، وكذلك الرجل يدخل على المرأة ويرخي عليها الستر فيطلقها الزوج ويقول قد وطئتها، وتقول المرأة ما وطئني، أنه يقال للمرأة قد أقر لك بجميع الصداق، فإن أقررت بالوطء فخذي، وإلا لم يكن لها إلا نصف الصداق، لأنها تدفعه عن نفسها وتقول ليس لي إلا نصف الصداق- إذا لم تقر بالوطء، وقد أخطأ من قال: إن للمستلحق نصف السدس، والنصف للأخ الثابت، وإن

أنكر أن المستلحق ليس أخاه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال، أحدها: أن السدس الذي برئت به الأم لإقرارها بالأخ يكون له، روي هذا القول عن مالك وعليه الجماعة من أصحابه، وهو قول جميع الفراض، وأظهر الأقوال؛ لأن المقر به يقول قد جحدني الأخ الثلث، فكيف يوقف لي شيء من السدس الذي برئت به الأم، وهو اختيار ابن المواز.
والقول الثاني: أن السدس الذي برئت به الأم يكون بين المستلحق والأخ الثابت النسب، قال أصبغ: لأنه يقول ما برئت به الأم فأنا أحق به، إذ لا وارث معي؛ ويقول المستلحق: بل هو لي فيقسم بينهما، ووجه ثان: أن الأم لم تحجب عن الثلث إلى السدس إلا لهما جميعا، فوجب أن يكون بينهما.
والقول الثالث: قول سحنون هذا أن السدس الذي برئت به الأم يكون نصفه للأخ المستلحق، والنصف الآخر موقوفا لا يأخذه الأخ، إلا أن يقر بما أقرت به الأم، فيأخذه ويرفع نصف ما بيده- وهو أضعف الأقوال، لأنه إذا كان لا يأخذ نصف السدس إلا أن يعطي أكثر منه، فلا معنى لتوقيفه، ولا يشبه مسألة الصداق التي نظرها بها، لأن المرأة أنكرت ما أقر لها به الزوج، فوجب أن يكون لمن رجع منهما- أولا إلى تصديق صاحبه- على قول سحنون في هذه المسألة- أنه يقال للمرأة قد أقر لك بجميع الصداق، فإن أقرت بالوطء فخذيه، وإلا لم يكن لك إلا نصف الصداق.
وقوله هذا يبين ما لابن القاسم في (كتاب) إرخاء الستور من المدونة، (لأن له في كتاب الرهون) مثله، وهو قول أشهب (في كتاب إرضاء الستور) من المدونة، ولسحنون بعد هذا في هذه النوازل، خلاف قوله هذا إن لها أن تأخذ

ما أقر لها به- وإن كانت مقيمة على الإنكار، وقيل: إنه لا يحكم لها بأخذ ما أقر لها به- وإن رجعت إلى قوله وصدقته، إلا أن يشاء أن يدفع ذلك إليها- قاله ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب النكاح ومن كتاب الدعوى والصلح، ولا يدخل شيء من هذا في مسألتنا، لأن الأخ لم ينكر إقرار الأم به، ولو أنكر ذلك، لكان الحكم فيه كالحكم في مسألة الصداق وما يشبههما من المسائل لكون السدس الذي برئت به الأم موقوفا يأخذه من رجع منهما- أولا إلى تصديق صاحبه، ويدخل في ذلك الاختلاف الذي ذكرناه، وبالله التوفيق.

مسألة: قال مات أخي فلان وترك ألف دينار وهو أخوك أيضا

مسألة وسئل سحنون عن رجل قال: مات أخي فلان) وترك ألف دينار- وهو أخوك أيضا.
قال: الألف بينهما بنصفين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب إذ لا وارث (له) غير الذي أقر به، والمخالف في ذلك الشافعي يقول: لا يلزمه أن يعطيه شيئا بحكم، إذ لم يثبت النسب بقوله- وهو بعيد، وبالله التوفيق.

مسألة: مات وترك ولدين فأقر أحدهما بأخ وأنكر الآخر

مسألة قيل له: فلو أن رجلا مات وترك ولدين فأقر أحدهما بأخ وأنكر الآخر، فقال: يكون للمقر له في سهم المقر ما كان يصير له في سهمه، قيل له: فإن مات المقر له، فقال: يرثانه جميعا: المقر به

والمنكر له وهو بمنزلة رجل قال: أخي مات (وترك ألف دينار) . وهو أخوك أيضا أن الألف دينار بينهما؛ قيل له: فإن مات المقر، فهل يرثانه جميعا المقر له والمنكر (له) فقال: لا يرثه المقر له، وإنما يرثه أخوه ومن كان من نسبه، وهو بمنزلة رجل كان لرجل عليه بينة أنه أعتقه- وأقر لرجل أنه أخوه، فإنه إن مات ورثه مولاه الذي عليه بينة، ولا يرثه الذي أقر وإن مات ولا نسب له ورثه المقر له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تشتمل على أربع مسائل، وقوله في أول مسألة منها يكون للمقر له في سهم المقر ما كان يصير له في سهمه، هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى ما في ذلك من الاختلاف، وتحصيل القول فيه، فلا معنى لإعادته.
وقوله في المسألة الثانية قيل: فإن مات المقر له قال: يرثانه جميعا المقر به والمنكر له، يرد قوله في المسألة التي قبل هذا في الصداق أن المرأة لا تأخذ جميعه إلا أن تقر بما أقر به الزوج من الوطء، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك، فلا معنى لإعادته.
وقوله: وهو بمنزلة رجل قال: مات أخي وترك ألف دينار وهو أخوك أيضا أن الألف بينهما، تنظير غير صحيح، لأن الألف لا تكون بينهما إلا أن يقر بأنه أخوه؛ وأما إن أنكر فهي مسألتنا بعينها، فلا وجه للاحتجاج بها عليها.
وقوله في المسألة الثالثة.
قيل له فإن

مات المقر، فهل يرثانه جميعا المقر له والمنكر له، قال: لا يرثه المقر له وإنما يرثه أخوه ومن كان من نسبه، صحيح لا اختلاف فيه، لأن نسب المقر به لا يثبت بإقرار المقر به، إلا أن يكون الذي أقر به رجلين عدلين، فلا يرث المقر به بإقراره به بإجماع، وقوله: وهو بمنزلة رجل كان لرجل عليه بينة أنه أعتقه وأقر لرجل أنه أخوه وأنه إن مات ورثه مولاه الذي عيه البينة، ولا يرثه الذي أقر، تنظير غير صحيح، لأنها هي المسألة بعينها، فلا معنى للاحتجاج بها عليها.
وقوله في المسألة الرابعة: وإن مات ولا نسب له ورثه المقر له، خلاف المشهور من مذهبه في أن بيت المال مثل النسب القائم، فلا يرث المقر به المقر وإن لم يكن له وارث معروف النسب، مثل قول الجماعة أن المقر به يرث المقر إذا لم يكن له وارث معروف بنسب ولا ولاء، وبالله التوفيق.

مسألة: ابن الملاعنة يهلك ويترك ابنة وعصبة

مسألة وقال سحنون في ابن الملاعنة يهلك ويترك ابنة وعصبة، ثم يستلحق الأب ابنة الميت، قال: تلحق الابنة بجدها ويرجع الجد على العصبة بالنصف الذي أخذوا من ميراث ولده.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن استلحاقه لابنة الميت الذي لاعن به استلحاق منه لابنته، فهي تلحق بجدها، وهو مثل ما في المدونة من أن الملاعن له أن يستلحق ولده الذي لاعن به بعد أن مات، ولا يتهم على أنه إنما استلحقه ليرثه إذا كان له ولد، فكما لا يتهم مع الولد وإن كان يرث معه السدس، فكذلك لا يتهم مع الابنة وإن كان يرث معها

النصف؛ إذ قد يكون مال الذي ترك الولد الذكر كثيرا، فيكون السدس منه أكثر من نصف مال الذي ترك الابنة، وكذلك لو ترك الولد الذي لاعن به أو الابنة التي لاعن بها ولد ولد وإن سفل فاستلحقه، بأن يقول والد هذا ولدي وأنا جده، أو استلحق ولده الذي لاعن به، أو ابنته التي لاعن بها، لأن استلحاقه لولده استلحاق لولد ولده، واستلحاقه لولد ولده على الوجه التي ذكرت لك استلحاق لولده، وليس له أن يلحق بولده ولدا هو له منكر؛ وإذا استلحق واحدا منهما، حد على كل حال، وقيل إنما يحد إذا كان لعانه على نفي الحمل، وأما إذا كان لعانه على الرؤية أو على نفي الولد أو على نفي الولد مع الرؤية فلا حد عليه، لأن لعان الرؤية باق وإن استلحق الولد، وبالله التوفيق.

مسألة: أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منه

مسألة قيل: أرأيت رجلا أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منه، وأن ابنتها فلانة ابنتي وللأمة ابنتان سوى التي أقر بها، فمات ونسيت البينة اسمها- ولم يجحد الورثة ذلك، فقال: إذا أقرت الورثة بذلك- ولم ينكروه، فهن كلهن أحرار ولهن الميراث- ميراث واحدة من البنات، يقسم بينهن- ولا يلحق به نسب واحدة منهن، قيل له: فإن لم يقر بذلك الورثة ولا نسيت البينة اسمها) قال: فلا عتق لواحدة منهن حين لم تعلم البينة أيتهن هي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا أقر لورثته بما شهدت به البينة، كان ذلك بمنزلة إذا شهدت البينة أنه قال إحدى هؤلاء الثلاث ابنتي

  • ولم يسمها لهم، فالشهادة جائزة باتفاق.
    وقوله في هذه المسألة إنهن يعتقن كلهن، خلاف قوله قبل هذا في هذه النوازل في الذي قال في مرضه في عبيد له ثلاثة: أحد هؤلاء ابني ولم يسأل أيهم أراد حتى مات؛ وقد مضى القول على ذلك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وأما إذا جحدوا، فقوله: إنه لا عتق لواحدة منهن حين تعلم البينة أيتهن هي، هو المشهور في المذهب: أن الشهادة باطلة إذا كان الميت قد سماها لهم، أو عينها فنسي الشهود اسمها، أو لم يثبتوا عينها، وشكوا في ذلك، وقد قيل: إن الشهادة جائزة، ويكون الحكم في ذلك بمنزلة إذا لم يسمها لهم ولا عينها، وهو قوله في أصل الأسدية في مسألة كتاب الإيمان بالطلاق، لأنه وقع فيها فشك الشهود ولم يعلموا أيتهن المطلقة التي قد دخل بها، أو التي لم يدخل بها، وقد فرق في ذلك بين أن تكون الشهادة في الصحة أو في المرض؛ فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: أن الشهادة جائزة في الصحة والمرض، والثاني: أنها لا تجوز في الصحة وإلا في المرض.
    والثالث: أنها تجوز في المرض ولا تجوز في الصحة، وبالله التوفيق.

مسألة: تكون له المرأة ويكون له ولد فتزعم أن الغلام ولدها من زوج غيره

مسألة وسئل سحنون عن الرجل تكون له المرأة ويكون له ولد، فتزعم المرأة أن الغلام ولدها من زوج غيره، ويزعم هو أن الغلام ابنه من امرأة غيرها، فقال: أرى- والله أعلم- أن يلحق الغلام بالزوج، ويكون القول قوله، ولا يقبل قول المرأة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه

-أعلمه- أن المرأة لا يجوز لها استلحاق ولدها، بخلاف الأب، لأن الولد إنما ينتسب إلى أبيه لا إلى أمه، والأصل في ذلك قول الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5] إلى قوله: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ، ولولا ما أحكم الشرع من هذا، لكان نسبة الرجل إلى أمه أولى من نسبته إلى أبيه، لأنها أخص به من أبيه، لأنهما اشتركا بالماء، واختصت هي بالحمل والوضع دونه، وهذا أصل في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر، لا لصاحب الأرض، وبالله التوفيق.

مسألة: ينتفي من ولده بلعان أمه

مسألة وقال سحنون في الرجل ينتفي من ولده بلعان أمه، فيولد لولده ذلك ولد، ثم يولد لولد الولد ابنة، ثم يستلحقها الجد؛ إن استلحاقه جائز، وذلك إذا كان قد عرف نسب من استلحق؛ لأن استلحاقه لولد ولده، استلحاق لابنه، ويرث بذلك ولاء الموالي.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول قبل هذا على هذه المسألة مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

مسألة: مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدان

مسألة وسئل سحنون عن مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان، فأسلمت الأم والولدان، ثم مات أحد الولدين، فإن للأم السدس، وذلك لأن الميت ترك أمه- وهي أخته وأخاه، فأعطيت الأم السدس، لأنها تعد مكان أخت، فهي تقاص نفسها بنفسها، فمن ثم أعطيت السدس.

قال محمد بن رشد: قوله وأسلمت الأم والولد، ثم مات أحد الولدين- يريد ولم يسلم الأب، أو بعد أن مات، لأنه لو مات أحد الولدين، والأب حي قد أسلم - لكان الميراث له، لأن الأب يحجب الإخوة كلهم؛ ولو مات الأب وقد أسلم، لكان الميراث بين ابنيه وابنته أمهما- أخماسا؛ وقد اختلف إذا مات أحد الولدين والأب على مجوسيته، أو بعد أن مات، فقال سحنون في هذه الرواية للأم السدس، لأنها أم وأخت؛ فكان الميت قد ترك أما وأختا وأخا، فرأى لها السدس لأنها حجبت نفسها عن الثلث إلى السدس، وأهل الفرائض يعطون في هذه الفريضة للأم الثلث- وهو أظهر، لأنها إنما ورثت على أنها أم، ولم تورث على أنها أخت وأم، فألغي كونها أختا مع كونها أما، ويلزم سحنون على قياس قوله إذا لم يلغ كونها أختا مع كونها أما، حجبها نفسها عن الثلث إلى السدس- أن يورثها على أنها أخت، وعلى أنها أم، فيعطيها السدس من أجل أنها أم، ويعطيها الثلث مع الأخ من أجل أنها أخت- وهذا مما لم يقولوه أنها تورث من وجهين، وإنما الذي قالوه إنها تورث بالأقوى سببا، وإن كان حظها به أقل على ما قاله سحنون في هذه المسألة؛ وأما على ما قاله أهل الفرائض فيها فيستوي حظها على أنها أم، وعلى أنها أخت؛ لأن للأم مع الأخ الواحد الثلث، وللأخت معه الثلث أيضا؛ ولو كان المجوسي لما تزوج ابنته ولد له منها ابن، ثم مات الابن بعد الأب، أو قبل أن يسلم- فترك أمه وهي أخته أيضا، لورثت الثلث على أنها أم، ولم تورث النصف على أنها أخت- وإن كان حظها على أنها أخت أكثر، لأنه إنما يراعى قوة سببها لا كثرة حظها، والأم أقوى سببا من الأخت؛ لأنها ترث مع الأب والابن، ولا ترث الأخت مع واحد منهما شيئا، وبالله التوفيق.

مسألة: باع أمة وابنا لها قد كانت ولدته عنده

مسألة وسئل سحنون عمن باع أمة وابنا لها قد كانت ولدته عنده فأقام في يدي المشتري، ثم ادعى البائع أنه ابنه؛ قال: إن كان حين ولد عنده لم يكن له نسب معروف، فإن القول قوله، وينفسخ البيع بينهما، ويلحق به النسب، وتكون به أم ولد؛ قلت: أرأيت إن أقام في يديه حتى ولد له في يد المشتري، ثم جني عليه جناية خطأ فمات، فادعاه البائع؛ قال: فالقول قوله إذا كان له ولد، لأنه يلحق به النسب، ولا يتهم أن يكون إنما رجا أن يجر المال إلى نفسه، ألا ترى لو أن رجلا لاعن امرأته ولها ولد، ثم ولد لذلك الولد ولد، ثم جني على ابن الملاعنة، فادعى أنه ابنه؛ أنه يلحق به النسب، ويثبت له الميراث، ولا يتهم أن يكون إنما أراد أن يجر إلى نفسه الميراث، وإنما يتهم إن لم يكن له ولد، لأنه إذا لم يكن له ولد، فإنما أراد أن يجر الميراث إلى نفسه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه لا يتهم في استلحاق الولد إذا كان له ولد وإن كان قد جني عليه جناية (فمات منها) يجب له باستلحاقه حظه من ديته، إن كان ابنه حرا، أو جميع الدية إن كان عبدا، لأن استلحاقه لولده بعد موته، استلحاق لولد ولده، واستلحاق النسب يرفع التهمة في الميراث على ما قاله في استلحاق الولد الذي لاعن به بعد أن جني عليه جناية مات منها؛ لأن استلحاق ولد الولد يرفع التهمة عنه في ميراث ولده إن كان له مال، وفي ديته إن كان قتل خطأ أو عمدا على القول بأنه مخير في العمد

بين أن يقتل أو يأخذ الدية؛ وقد مضى قبل هذا في هذه النوازل في استلحاق الملاعن ولده بعد موته ما فيه بيان هذه المسألة؛ وأما إذا استلحق الولد الذي باع مع أمه وقد كان ولد عنده ولم يكن له نسب وهو حي، فلا اختلاف في أنه يلحق به، ويفسخ البيع فيه؛ ويرد إليه ولدا وأمه أم ولد - وإن كان الولد قد أعتق وينتقض العتق، وقيل إنه لا ينتقض، إلا أن يتهم في الجارية بميل إليها، أو زيادة في حالها، أو يكون معدما؛ فيمضي بما ينوبها من الثمن، ويرد الابن بما ينوبه منه، ويتبع به دينار في ذمته إن لم يكن له مال، وقيل: إنها ترد مع ابنها وإن اتهم فيها، إلا أن يكون معدما؛ وقيل: إنها ترد مع ابنها، وإن كان معدما، ويتبع بالثمن دينا في ذمته، إلا أن يتهم فيها، وكذلك إن باعها وهي حامل فولدت عند المشتري إلى ما يلحق في مثله الأنساب، ولم يطأ المشتري ولا زوج؛ وإذا رد الولد دون الأم لاتهامه فيه، أو لعدمه على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك، فيكون على البائع في الولد قيمته يوم يرد إليه، وقد مضى القول على هذا مستوفى في سماع يحيى من كتاب الاستبراء، وبالله التوفيق.

مسألة: قال في ثلاثة أولاد من أمته أحدهم ولدي

مسألة وسئل سحنون عن رجل قال في ثلاثة أولاد من أمته: أحدهم ولدي، قال: الصغير منهم حر على كل حال؛ لأنه إن كان المستلحق الكبير، فالأوسط والصغير حران، بحرية أمهم وإن كان الأوسط، فالصغير حر أيضا؛ وإن كان الصغير، فالكبير والأوسط عبدان؛ فالصغير حر على كل حال، وإنما الشك في الكبير والأوسط ولهما تفسير.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول عليها

مستوفى، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.

: أربع بنات استلحقت إحداهن أخا

ومن كتاب المدنيين وسئل ابن القاسم عن أربع بنات استلحقت إحداهن أخا، أو استلحقت أخا وأختا؛ قال: إن استلحقت أخا لم يكن عليها غرم، لأنه لو ثبت نسبه، كان حقه فيما صار في يد العصبة؛ ولو استلحقت أخا وأختا نظر إلى أصل الفريضة لو كان الأخ معهم فأكمل لها، ثم نظر إلى ما فضل في يديها فرددته، فكان بين الأخ والأخت على فرائض الله؛ لأن الأخ لو كان لا يدخل مع الأخت، ثم كانت هي وارثة وحدها فكان لها النصف فأقرت بأخ وأخت؛ لا ينبغي أن يكون فضل ما تفضله أن لو ثبت نسبها للأخت دون الأخ حتى يستتم الثلثان، فليس هو كذلك؛ ولكن الإقرار بينهما جميعا يقتسمونه على فرائض الله؛ وأصل هذا أن ينظر ما لو ثبت نسبه ببينة فكأن يكون بين جميع من ثبت له البينة على فرائض الله، وكذلك كل من أقر لهم في فضل ما في يديه يرجع عليهم على فرائض الله، وكل من أقر بشيء يكون ما أقر له ليس في يديه فضل أن لو ثبت نسبه فلا ينقص من حقه شيء، ويكون حقه فيما ورث العصبة من ذلك؛ هذا ما سمعت، وهو مما لا اختلاف فيه؛ وقال ابن كنانة: ذلك للأخت دون الأخ، لأن

حق الأخ فيما بين العصبة لم يصر إليها منه شيء؛ قال: ولو أنها إذا استلحقته كان معها قبل ذلك أخ قد كان ورث معها، ثم استلحقت هذا بعد؛ فإنه إذًا يأخذ مما بيدها قدر ما ينوبه، لأن له في يديها حقا قل ذلك أو كثر، من أجل الأخ الذي معها قبل ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في الأربع بنات إذا استلحقت إحداهن أخا لم يكن عليها غرم؛ لأنه لو ثبت نسبه كان حقه فيما صار في يدي العصبة هو المشهور في المذهب، وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى ذكر الاختلاف في ذلك، ووجه القول فيه؛ فقوله في آخر المسألة في هذا: هذا ما سمعت، وهو مما لا اختلاف فيه، ليس بصحيح، لما قد ذكرناه من الاختلاف في ذلك، وأما قوله ولو استلحقت أخا وأختا نظر إلى أصل الفريضة لو كان الأخ معهم- يريد لو كان الأخ والأخت معهم، لأنها إنما أقرت بهما جميعا، فما فضل في يديهما مما يجب لها على الإنكار لهما على ما يجب لها على الإقرار بهما، كان بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا قول ابن القاسم - وهو الصحيح في النظر، بدليل ما احتج به في الرواية، وظاهر قول ابن كنانة أن الفضل الذي يراه ابن القاسم بين الأخ والأخت، هو الذي يراه هو للأخت دون الأخ، وذلك مما لا يصح أن يحمل على ظاهره، وإنما معناه أن ما فضل بيدها على الإنكار لهما جميعا على ما يجب لها على الإقرار بها وحدها يكون لها؛ فمحصول قوله أن إقرار الواحدة من البنات الأربع بأخ وأخت، كإقرارها بأخت لا أكثر سواء، والذي في الواضحة أيضا في هذا

مشكل، وهذا بيانه، إذ لا يصح في النظر خلافه؛ وقول ابن كنانة هذا خلاف ما حكيناه عنه في رسم العتق من سماع عيسى من أن المقر به من الورثة يرجع على من أقر به منهم أو على من أنكره، على التفسير الذي ذكرناه هنالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

: تقر بعد وفاة زوجها أنها قد كانت أحلت جارية لها لزوجها

من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم قال: وسألت ابن القاسم عن المرأة تقر بعد وفاة زوجها، أنها قد كانت أحلت جارية لها لزوجها، وأن ولدها هذا منه، هل تعتق هي وولدها عليها؟ فقال ابن القاسم: نعم، ولا تقوم عليه في ماله، ويمنعها الولد من الربع، لأنها استلحقته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، ورأيت لابن دحون أنه قال فيها: والجارية لها مملوكة، لأنها لما أقرت أنها أباحتها لزوجها فهو زنى يدرأ فيه الحد بهذه الشبهة؛ ولو كان معها شاهدان بإقرار الزوج على ذلك، لأخذت قيمتها من ماله، وعتقت عن الميت، لأنها أم ولده؛ فإذا لم يكن إلا دعوى الزوجة، فالجارية باقية على ملكها، والابن حر، (بإقرارها) أنها أباحتها لزوجها وتدفع ما أقرت له به وهو الثمن وليس ذلك عندي بصحيح، بل قول ابن القاسم أنها تعتق هي وولدها عليها هو الصحيح، ولا تقوم عليه في ماله، إذ لا يعرف ذلك إلا من قولها، فهي مدعية في القيمة، لإقرارها أن الواجب أن تعتق عليه، ويؤخذ منه لها القيمة، وبالله التوفيق.

مسألة: يقران بأخ أنه أخوهما ولهما إخوة

مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الأخوين يقران بأخ أنه أخوهما ولهما إخوة، قال: يثبت نسبه بشهادتهما.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن النسب يثبت بإقرارهما جميعا إذا كانا عدلين؛ لأن النسب يثبت بشهادة شاهدين، وشهادتهما جائزة، إذ لا تهمة عليهما فيها، وبالله التوفيق.

مسألة: المولى عليه يستلحق أخا

مسألة وسألت ابن القاسم عن المولى عليه يستلحق أخا أيلزمه في ماله ما يلزم غيره؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قوله (إن) المولى عليه إذا استلحق أخا لا يلزمه في ماله ما يلزم غيره، ظاهره مثل المشهور من قول مالك أن المولى عليه لا تجوز أفعاله وإن كان حسن النظر، إذا أطلق القول ولم يقيد ذلك بشرط أن يكون سيئ النظر، خلاف المشهور من قوله أن أفعاله جائزة إذا كان حسن النظر لنفسه- وإن كان مولى عليه، وبالله التوفيق.

: يقر للرجل أنه أخوه أو ابن عمه

من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قيل لأصبغ: الرجل يقر للرجل أنه أخوه أو ابن عمه- وهو صحيح أو مريض) وكيف لو أقر به أو استلحقه عند الموت؟ فقال: فلان وارثي، أو فلان أخي، أو فلان ابن عمي أو لا وارث لي

إلا فلان؛ فقال: إذا أقر الرجل بأحد هؤلاء الذين ذكرت في صحة أو مرض، فإن كان له وارث يعرف من قرابته أو مواليه، فلا يجوز إقراره، ولا استلحاقه واحدا من هؤلاء من قريب ولا بعيد إلا الولد - ولد الصلب بخاصة، فإن الرجل يستلحق في حياته وعند موته ولدا إذا زعم أنه ولد صلبه دنية، ولا يتهم فيه- كان له ولد من صلبه غير الذي استلحق، أو أخوه، أو عصبة، أو موالي، فاستلحاقه جائز إذا زعم أنه ولد لصلبه، قوله فيه مقبول، وهو فيه مصدق؛ وأما إذا كان له أخ وابن عم أو موالي أو عصبة معروفة ثابتة، فأقر لرجل من الناس أنه أخوه، أو أنه) ابن عمه، أو أنه ابن أخيه، أو أنه وارثه، أو أنه مولاه؛ فإقراره باطل لا يجوز، ولا يثبت له نسب، والعصابة المعروفة من القرابة والموالي المعروفين، أولى بالميراث من هذا المستلحق، لا يحجب ولا يرث شيئا إذا كان ثم وارث معروف؛ وليس بقوله أن هذا وارثه أو أخوه، يحجب أهل الميراث المعروفين عن حقهم؛ لأن الأخ لا يستلحق، ولا يستلحق إلا الولد دنية للصلب؛ قال: وهذا إذا كان له وارث ثم معروف، فأما لو أن رجلا لا وارث له يعرف من قريب، أو مولى نعمة، فأقر بأخ أو ابن عم أو مولى أو أقر لرجل أنه وارثه، أن إقراره جائز، والمقر له له الميراث إذا أحاط به، كان إقراره في صحة أو مرض، لأنه لا يتهم ههنا أن ينزع الميراث من وارث معروف إلى هذا المقر

له الذي لا يعرف إلا بقوله، فالميراث للمقر له المستلحق حتى يأتي وارث معروف النسب أو الولاء، مثل ما لو أن رجلا لا وارث له يعلم، فحضرته الوفاة فقال: فلان أخي، أو فلان وارثي، أو ابن عمي، أو مولاي أعتقني أو أعتق أبي، كان ميراثه للمقر له، إلا أن يأتي وارث يعرف، أو مولى، فيكون أولى بالميراث من هذا المقر له، وهذا المقر له أيضا إذا لم يكن له وارث يعرف، ليس يعطى المال على أن نسبه ثابت بإقرار الميت في صحة أو مرض، نسبه (غير) ثابت على كل حال، كان ثم وارث غيره أو لم يكن، وإنما يعطى المال إذا لم يكن ثم وارث معروف بأن الميت أقر بأنه أولى الناس بماله، فبهذا يعطاه، وليس بأن نسبه ثابت باستلحاقه إياه؛ قلت: فإن أقر بهذا الرجل أنه وارثه- وله ورثة معروفون، ولم يمت المقر حتى مات أوراثه المعروفون الذين كانوا يدفعون المقر له، أيجعل المال لهذا المقر له؟ قال: نعم، لأنه ليس له وارث معروف يدفعه، فكأنه إنما أقر له الساعة ولا وارث له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة، وما تقدم في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وقد مضى من الكلام عليه- ما فيه بيان لهذه المسألة؛ ورأيت لبعض أهل النظر أنه قال: مساواة أصبغ في هذه الرواية بين أن يقول فلان وارثي، أو فلان أخي، أو فلان ابن عمي، خلاف قول ابن القاسم في المدونة، إذ لم يجز

شهادة الشهود للرجل أن فلانا مولاه دون تفسير حتى يقولوا مولاه أعتقه؛ وليس مذهب ابن القاسم أن شهادتهم لا تجوز بحال حتى يقولوا أعتقه، وإنما معناه أنها لا تجوز إذا سئلوا فأبوا أن يفسروا؛ فالواجب عنده أن يسألوا عن تفسير ما به شهدوا، فإن فات ولم يسألوا حتى فات سؤالهم، جازت الشهادة، بدليل قوله وأقر الميت أن هذا مولاه، أو شهدا على شهادة أحد أن هذا مولاه؛ وأما أن يقولا هو مولاه ولا يشهدان على عتقه، ولا على إقراره، ولا على شهادة أحد، فلا أرى ذلك شيئا؛ وهو قول أشهب أنه إن لم يقدر على كشفهم حتى ماتوا جازت الشهادة، وقضى بها في المال وغيره، وسحنون لا يجوز الإقرار بحال، لأن بيت المال عنده كالنسب القائم.
والذي أقول به في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم إذا قال: فلان وارثي فلم يفسر شيئا حتى مات، أن يكون له جميع الميراث، لأن الظاهر من قوله فلان وارثي، أنه المحيط بميراثه؛ وهذا فيمن يظن به أنه لا يخفى عليه من يرثه ممن لا يرثه؛ وأما الجاهل الذي لا يعلم من يرثه ممن لا يرثه، فلا يرثه بقوله فلان وارثي حتى يقول هو ابن عمي أو ابن ابن عمي، أو ابن عم عمي، أو ابن ابن عم عمي، أو مولاي أعتقني، أو أعتق أبي، أو أعتق من أعتقني، أو (من) أعتق أبي، أو ولد من أعتقني، أو (من) أعتق أبي، أو من أعتق من أعتقني، وما أشبه ذلك؛ وكذلك إذا قال: فلان أخي قاصدا بذلك إلى الإشهاد بالميراث، مثل أن يقول: أشهدكم أن هذا أخي يرثني، إن مت، ومثل أن يقال له: هل لك وارث فيقول: نعم هذا أخي، وما أشبه ذلك، وأما إن قال على غير سبب: هذا أخي، أو فلان أخي- ولم يزد على ذلك، فلا يرث من ماله إلا السدس، لاحتمال أن يكون أخاه لأمه، ولو لم يقل هذا أخي، ولا فلان أخي؛ وإنما سمعوه يقول: يا أخي يا أخي، لم يجب له بذلك

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
: يموت فيقسم ورثته ميراثه ثم يأتي رجل فيقيم البينة أنه ولده: ادعت أن رجلا قد هلك كان أباها: يموت وله ولد معروف ثابت النسب: أهل العنوة أيتوارثون: يتوارث أبناء المغتصبة التوأم من قبل الأب: تهلك عن زوجها وأمها وأختها فتدعي الأخت أخا: معه أم ولد له حامل وامرأة ضيفة حامل فتضعان في ليلة فيختلط الصبيانمسألة: صبيا ادعاه مسلم ونصرانيمسألة: يهلك ويترك ولدا واحدامسألة: كلهم لأم واحدة وأقر لأكبرهم بالنسب وكانوا عبيدامسألة: أقر لثلاثة أجنبيين ليسوا أولاد خدم أبيهمسألة: له ثلاثة أعبد أخوة للأم أو مفترقين فقال أحد هؤلاء ابنيمسألة: مات وترك أمه وأخاه فقالت الأم لرجل هذا أخو ولدي الميتمسألة: قال مات أخي فلان وترك ألف دينار وهو أخوك أيضامسألة: مات وترك ولدين فأقر أحدهما بأخ وأنكر الآخرمسألة: ابن الملاعنة يهلك ويترك ابنة وعصبةمسألة: أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منهمسألة: تكون له المرأة ويكون له ولد فتزعم أن الغلام ولدها من زوج غيرهمسألة: ينتفي من ولده بلعان أمهمسألة: مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدانمسألة: باع أمة وابنا لها قد كانت ولدته عندهمسألة: قال في ثلاثة أولاد من أمته أحدهم ولدي: أربع بنات استلحقت إحداهن أخا: تقر بعد وفاة زوجها أنها قد كانت أحلت جارية لها لزوجهامسألة: يقران بأخ أنه أخوهما ولهما إخوةمسألة: المولى عليه يستلحق أخا: يقر للرجل أنه أخوه أو ابن عمه
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل